← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد ذكر النبي ﵌ له فضائل كثيرة، منها ما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر)). وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر -أي أكثرهم رحمة- وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي)) وفي رواية قال ﵌: ((أرأف أمتي بأمتي أبو بكر)). وقال النبي ﵌: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها إلا الصديق، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبو بكر، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل الله)). هكذا يصرح النبي ﵌. ولذلك ورد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر ﵁ وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة والنهدية وابنتها، وجارية بني مؤمل، وأم عميس. وقد قال الإمام القرطبي ﵀ ﵎ في قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (الليل: من الآية: ١٧) قال فيها ﵁: والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر ﵁ فأي منقبة إذن أعظم من هذه المنقبة، وأي وسام أغلى من هذا الوسام، أن ينزل قرآن على النبي ﵌ فيه إشادة بمواقف الصديق -رضي الله تعالى عنه. وأختم الحديث عن بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه- بما جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت -وهذا يبين شدة ورعه رضي الله تعالى عنه- قالت أم المؤمنين عائشة: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراج، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر ﵁-

стр. 317

فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ قال: كنت قد تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل الصديق ﵁ أدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. وهذا موقف فعلًا يعجز الإنسان عن وصفه وتأمل حاله، لشدة الورع التي كان عليها -رضي الله تعالى عنه. ب- مواقف من حياته، وجهاده في الدعوة -رضي الله تعالى عنه-: الصديق -رضي الله تعالى عنه- أولًا من الذين استجابوا لله وللرسول ﵌ استجابوا له مجاهدًا في سبيل الله، استجابوا له منفقًا في سبيل الله، استجابوا له في نشر دعوة الله ﵎ ولذلك جاء -كما ذكر البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قول الله -جل ذكره-: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيم﴾ (آل عمران: ١٧٢) قالت أم المؤمنين ﵂ لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم؛ الزبير وأبو بكر، وذلك لما أصاب رسول الله ﵌ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا كان فيهم أبو بكر والزبير. وقال الإمام ابن القيم ﵀ وتعالى-: وثبت أبو بكر ﵁ ثبوت الجبال يوم أحد حول رسول الله ﵌ يدافع، وبعث رسول الله ﵌ سرية إلى بني فزارة سنة سبع للهجرة بقيادة أبي بكر ﵁ فوردت الماء وغنمت وسبت، وعادت سالمة. وفي غزوة تبوك كان راية المسلمين بيد أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- ويوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنهم شيئًا وولوا مدبرين بعد أن كمن لهم أعداء الله في شعاب الوادي، وكان أول من ثبت حول رسول الله ﵌ أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه.

стр. 318

ومن ثباته وجاهده وحنكته -رضي الله تعالى عنه- إنفاذه لجيش أسامة ﵁ ولقد ظهر فقه الصديق وظهرت حكمته عند إصراره على إرسال وبعث جيش أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- من عدة وجوه: منها: تنفيذه بعث أسامة ﵁ على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة وذلك امتثالًا لأمر النبي ﵌ ففي ذلك أولًا الامتثال الكريم لأمر النبي ﵌ وأصر ﵁ على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، وفشلت كافة المحاولات الهادفة لإقناع الصديق ﵁ كي يتخلى عن فكرة إرسال جيش أسامة، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع المجلس لمذاكرة هذا الأمر معهم، وبين لهم أن إنفاذ جيش أسامة هو مشروع وضعه رسول الله ﵌ وعلينا تنفيذه مهما بلغت الصعاب والمتاعب، وقال: "أيها الناس! والله، لو خطفتني الكلاب والذئاب لأنفذت أسامة وجيشه كما أراد رسول الله ﵌ لا راد لقضاء قضى به رسول الله ﵌". ولما أشار بعض الناس على أبي بكر أن يولي أمر الجيش رجلًا أقدم سنًا من أسامة غضب لذلك؛ لأن رسول الله ﵌ هو الذي أمر أسامة على هذا الجيش، فلا يريد ﵁ أن يغير شيئًا فعله رسول الله ﵌ وسار أسامة حتى انتهى لما أمره به رسول الله ﵌ فبعث الجنود إلى بلاد قضاعة، وأغار أسامة على "أبنا" فسبى وغنم ورجع المدينة ظافرًا بعد أن غاب عنها أربعين يومًا، وكان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعًا للمسلمين، فإن العرب قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين.

стр. 319

لقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأي الصديق وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه معتمدًا في ذلك على الدقة التامة في التزام المنهج النبوي والأمر النبوي، والتصميم الملهم في وقته المناسب، والنظر البعيد إلى المستقبل. رضي الله تعالى عنك يا أبا بكر، لقد كنت تدرك ما وراء خروج هذا الجيش بعد وفاة رسول الله ﵌. كما قام الصديق ﵁ بحرب المرتدين، وجهز الجيوش لكل ناحية من نواحي الجزيرة العربية، فنصر الله الإسلام وأذل الكفر، وكانت النتيجة خلال سنة واحدة -كما قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀: استهلت هذه السنة -يعني سنة اثنتي عشرة للهجرة- وجيوش الصديق وأمراءه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينًا وشمالًا، لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام، حتى رد شاردَ الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، إن كل واقعة من حروب الردة تشهد بأن أهل الباطل لا يحترمون أهل الحق إلا بالقوة والجهاد، ولقد ترتب على حروب الردة عدة نتائج، من أهمها: لقد تكسرت وتحطمت قوى الشر من يهود ونصارى ووثنيين الذين تستروا تحت شعارات عدة أمام صلابة التوحيد وحقيقة التصور السليم والقيادة الحكيمة، وتركت لنا الأحداث الجسيمة ثروة ضخمة في معاملة المرتدين وأحكامهم، وفي المنهج الصحيح لمعاملة الخارجين عن دولة الإسلام العظيمة، كانت حروب الردة إعدادًا ربانيًّا للفتوحات الإسلامية، حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة، المطيعة المنضبطة الواعية، التي تقاتل وهي تعلم

стр. 320

على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل؛ ولذا كان الأداء فائقًا والتفاني عظيمًا؛ ولذلك بعد أن انتهت حروب الردة وتوحدت كلمة المسلمين، وأصبحت لهم قاعدة صلبة في جزيرة العرب تحركت قيادة الأمة بزعامة الصديق ﵁ لتحقيق وعد الله بنصر دينه وإقامة شرعة ودعوة الناس لعبادة الله وتحقيق عبوديته الشاملة في كل نواحي الحياة والممات، وكان لا بد من تحرك المسلمين لإزالة كل العقبات التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة للناس أجمعين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وبذلك تتحقق سيادة شرع الله الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله وألوهيته المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لأحكام الله ﵎ وأحكام رسوله ﵌ لقد كان المسلمون بقيادة الصديق ﵁ على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق النصر في جيل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- انطلاقًا من قوله -سبحانه-: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: ٨) ويقول -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ (الصف: ٩) وقال -سبحانه-: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ (غافر: ٥١). لقد كان التحرك نحو العراق والشام من أجل نشر دين الله تعالى مرحلة طبيعية بعد انتهاء حروب الردة، فشرع الصديق ﵁ في إرسال الجيوش إلى العراق بقيادة خالد، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، واستجاب العباد لدين الفطرة ودخلوا فيه أفواجًا، ووجه جيوشه نحو الشام، وواصل الخلفاء الراشدون من بعده المسيرة التي ساهمت في إدخال أمم وشعوب في دين الله تعالى، حتى انتشر الخير وعم الرخاء، وتوجه الناس بالعبادة لله ﵎ لأنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه.

стр. 321

عمر بن الخطاب ﵁ عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية: أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه-: عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- معروف ومعلوم، فهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وبعد إسلامه كان من أشد الناس على الكفار، ولقد أثنى النبي ﵌ عليه في أكثر من موضع -كما سيمر بنا ذلك إن شاء الله ﵎ قال الزبير: وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشًا كانت إذا وقعت بينهم حربًا وبين غيرهم بعثوا سفيرًا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به وبعثوه منافرًا ومفاخرًا. قال علماء السير: شهد عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع رسول الله ﵌ بدرًا وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنين، وغيرها من المشاهد، ﵁، وكان أشد الناس على الكفار. قال عبد الله بن مسعود: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر. وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر، ولقد أثنى عليه النبي ﵌ في غير موضع، ووضع على صدره ﵁ كثيرًا من الأوسمة، ولقد كثرت الروايات التي تروي قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ وأكثر تلك الروايات ضعيفة، ولكنها مشهورة، وذلك كالقصة التي يرويها أكثر الناس عن دخوله على أخته وزوجها سعيد بن زيد، وكذا استماعه القرآن من النبي ﵌ وهو خلف أستار الكعبة. وقد ذكر الإمام الترمذي -رضي الله تعالى عنه- في كتابه "السنن" في باب المناقب، وباب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ذكر أن السبب في إسلام عمر هو دعاء النبي ﵌ له عندما قال: ((اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب)) قال: وكان أحبهما إليه عمر. وعندما أراد عمر ﵁ أن

стр. 322

يهاجر خلف النبي ﵌ وقف أمام المشركين موقفًا أذل فيه أنوفهم، وأظهر عجزهم، وألقى الرعب في قلوبهم. وتأملوا ما قاله الإمام الحبر عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا إلا عمر بن الخطاب ﵁ فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته -العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، واختصرها: يعني أمسكها بيده رضي الله تعالى عنه- ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف ﵁ سبعًا متمكنًا ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس -يعني: الأنوف- من أراد أن تثكله أمه ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي ﵁ فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه -رضي الله تعالى عنه. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص -جمع قميص- فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علَيّ عمر وعليه قميص اجتره -قميص اجتره: يعني أنه أنزل من غيره- قالوا: فما أولته يا رسول الله ﵌ قال: الدين)). وقد استشكل هذا الحديث بعض الناس، وذهبوا إلى أن بذلك عمر ﵁ أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عن ذلك بأن أبا بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة، ولذلك أجيب عن هذا الحديث بأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- يخصص من قول النبي ﵊: ((عرض علي الناس)) فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- وأن كون عمر عليه قميص يجره، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- قميص أطول منه وأسبغ، وقد ذكر ذلك الإمام الحافظ بن حجر ﵀ ﵎ ولقد كان عمر ﵁ حريصًا كل الحرص على طلب العلم، بل كان من أصحاب الهمم العالية فيه.

стр. 323

يقول عمر ﵁ كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، -وهم من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على النبي ﵌ فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من وحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. ولعمر -رضي الله تعالى عنه- منقبة جليلة وعظيمة للغاية، ويا لها من منقبة عظيمة جليلة، حيث أنه وافق ربه في كثير من المواقف، وأنزل الله القرآن موافقًا لرأي عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وفي ذلك ما رواه لنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث -قال الحافظ في "الفتح" في قوله: وافقت ربي في ثلاث، أي ثلاث وقائع، والمعنى: وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه أو أشار به إلى حدوث رأيه، رضي الله تعالى عنه، وهذا من الأدب- فقلت: ((يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: من الآية: ١٢٥) وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! ﵌ لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﵌ في الغيرة عليه فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت هذه الآية)). وأذكر لكم هنا موقفًا جليلًا للفاروق ﵁ يوضح مدى ثقته في الحبيب المصطفى ﵌ فعن أبي هريرة ﵁: ((لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله! ﵌ لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا من الإبل فأكلنا وادهنا، فقال لهم رسول الله ﵌: افعلوا. قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ﵌ إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم فليأتوا بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﵌: نعم. فدعا رسول الله ﵌ بنطع فبسطه -والنطع: هو بساط متخذ من أديم- ثم دعا بكسرة حتى

стр. 324

اجتمع من ذلك النطع شيء يسير، ثم دعا ﵌ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملئوه، فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﵌: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله ﵌ لا يلقى الله بها عبدًا غير شاك فيحجب عن الجنة)). هذه النقطة في الحقيقة تبين مواقف من حياة أمير المؤمنين عمر، وجهاده في الدعوة إلى الله ﵎ وعنوانها إذن: ب- مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله : كان الفاروق -رضي الله تعالى عنه- لا ينسى أبدًا كل من قدم للإسلام شيئًا ولو كان صغيرًا، ويا له من وفاء نحتاج إليه في هذا الزمان الذي انعدم فيه الوفاء عند أكثر الناس إلا من رحم الله، والوفاء في الحقيقة وسيلة عظيمة من وسائل الدعوة إلى الله ﵎ والمشهد كما يلي: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقال: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا -ما ينضجون كراعًا: يعني ما هو دون كعب الشاة، يعني: لا يستطيعون أن يكفوا أنفسهم بشيء- ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع -والضبع يعني السنة المجدبة، يعني: تهلكهم- وأنا بنت خفاف بن إماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﵌ فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا وحمل بينهما نفقًا وثيابًا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين! أكثرت لها. قال عمر: ثكلتك أمك، والله، إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحناه ثم أصبحنا نستفيء سِهْمَانَنا فيه -يعني أنصباءنا من الغنيمة من هذا الفيء الذي كان بسبب هؤلاء الناس- وهذا موقف جميل

стр. 325

وهو يحتاج إليه الناس خاصة يحتاج الدعاة إليه في هذا الزمان، حتى يتمكنوا من الوصول إلى قلوب الناس، وقد ذكرت فيما مضى أن عمر -رضي الله تعالى عنه- شهد المشاهد والغزوات مع رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- شهد الغزوات والمشاهد فشهد بدرًا وغيرَها وما إلى ذلك، ومع هذا، كان له في الجهاد في سبيل الله وفي الفتوحات الإسلامية الشيءُ الكثير والعظيم، فقد فتح الله على يديه كثير من البلاد، سواء كان ذلك في بلاد خراسان أو في بلاد الشام. وكل ذلك كان وراءه رجل شهم قوي مجاهد في سبيل الله تعالى، ألا وهو عمر بن الخطاب تنقل -رضي الله تعالى عنه. وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير ﵀ ﵎ في سياق حديثه عن فتح بيت المقدس، يقول ابن كثير ﵀: لما فرغ أبو عبيدة -رضي الله تعالى عنه- من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذنوا بحرب فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم، حتى أجابوا إلى الصلح بشرط -تأملوا هذا الشرط- أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم، ولكن عمر ذهب ﵁ إلى هناك وصالح نصارى بيت المقدس وافتتحه وصلى فيه، وكان ذلك نصرًا للإسلام وعزًّا للمسلمين، ونسأل الله ﵎ أن يفتح على المسلمين بيت المقدس اليوم وأن يرزقنا رجالًا يجاهدون في سبيل الله ﵎ والأمة بفضل الله فيها من الخير ما فيها، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. عثمان بن عفان ﵁ -. عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية: أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه: عثمان بن عفان ﵁ هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من قريش، أمير المؤمنين ذو النورين ﵁ نعم، إنه ذو النورين عثمان بن عفان، ذلكم الرجل الذي إذا جاءت سيرته وجدنا

стр. 326

بين سطورها ريح الحياء والتواضع والجود والكرم والخشية، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه، رقيقة البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، كان ﵁ في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه، فهو عريض الجاه، ثريًّا متواضعًا، شديد الحياء، عذب الكلمات، ولذلك كان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه -رضي الله تعالى عنه- لم يسجد في الجاهلية لصنم قط، ولم يقترف فاحشة قط، ولم يظلم إنسانًا قط -رضي الله تعالى عنه- وكان كغيره من أهل المروءة في أشد الشوق ليد حانية تأخذ بنواصي العباد من تلك الجاهلية التي عمت البلاد إلى شواطئ النجاة، وما هي إلا فترة يسيرة حتى بعث الحبيب محمد بن عبد الله ﵌ وكان عثمان ﵁ من السابقين إلى الإسلام الذين أسلموا قبل دخول النبي ﵌ دار الأرقم. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله ﵎: أقول: على الرغم من مكانته بين قومه ومحبتهم له، إلا أنه ما إن أعلن إسلامه ﵁ واستعلى بإيمانه حتى سلطوا عليه الأذى، فلما يئسوا من عودته إلى الشرك وارتداده عن دين محمد ﵌ أطلقوا سراحه، فهاجر إلى الحبشة ومعه زوجه رقية بنت رسول الله ﵌ ورضي الله تعالى عنها- وهناك اشتد الحنين إلى رسول الله ﵌ فعاد عثمان وزوجه ﵄ مرة أخرى إلى النبي ﵌ إلى أن أذن الله لنبيه ﵌ وأصحابه بالهجرة إلى المدينة النبوية، فكان عثمان وزوجه مع المهاجرين، وبذلك يكون ﵁ قد هاجر الهجرتين وهذه منقبة عظيمة وأمارة رائعة واضحة على جهاده في سبيل الله ﵎ ومع هذا فقد شهد عثمان ﵁ المشاهد كلها مع رسول الله ﵌ ما عدا غزوة بدر، فإن النبي ﵌ لما خرج إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها، فقد كانت مريضة ولم يكن معها أحد، ولما عاد النبي ﵌ من

стр. 327

الغزوة علم أن ابنته رقية قد لحقت بجوار ربها، فحزن ﵌ حزنًا شديدًا وواسى عثمان ﵁ فضرب له بسهمه وأجره فكان كمن شهد بدرًا، ثم زوجه من ابنته الثانية أم كلثوم، وقال: ((لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان)) وسمي ذي النورين لجمعه بين بنتي رسول الله ﵌. وهذه أيضًا منقبة أخرى جليلة لأمير المؤمنين عثمان -رضي الله تعالى عنه- ولذلك أبادر وأسارع وأوجه خطابي إلى الرافضة فأقول: ماذا تنقمون على هذا الإمام، أمير المؤمنين الورع الزاهد التقي النقي -رضي الله تعالى عنه- الذي تزوج ببنتي رسول الله ﵌ وهل بعد ذلك من فضل يمكن أن نتحدث عنه لمثل هذا الرجل -رضي الله تعالى عنه. ومن جهاده أنه لما جاءت غزوة تبوك ﵁ والناس في عسرة شديدة، حيث قد طابت الثمار وأحب الناس الظلال، عندئذ حض رسول الله ﵌ المسلمين على الجهاد ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وكان أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- أول من حمل بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﵌: ((هل أبقيت لأهلك شيئًا)) فقال: الله ورسوله، ثم جاء عمر بنصف ماله، وحمل العباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله ﵄ إلى النبي ﵌ مالًا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مائتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة ﵁ إليه مالًا، وكذلك محمد بن مسلمة ﵁ وتصدق عاصم بن عدي ﵁ بتسعين وسقًا من التمر، والنساء يعن بكل ما قدرن عليه. قالت أم سنان الأسدية ﵂: لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي النبي ﵌ في بيت عائشة ﵂ فيه مَسَكٌ، مسك: يعني أساور وخلاخيل، من القرون والعاج، ومعاضد وخلاخل: وهي الحلية التي تلبسها المرأة في الرجل- وأقرطة -وهو ما يعلق في شحمة الأذن- وخواتيم، وقد مُلِئَ مما بعث به النساء يُعِنَّ به المسلمين في جهازهم، وأنا أذكر ذلك لأبين لأبنائي الطلاب أن هؤلاء جميعًا كانوا يجاهدون في سبيل الله ﵎ لإعلاء دين الله -

стр. 328

ولدعوة الناس إلى الله، كل هؤلاء لما دعا النبي ﵌ إلى هذه الغزوة وحض وحث المسلمين على التبرع لها، والإنفاق في سبيل الله فعل هؤلاء ما فعلوا، أما والحديث عن عثمان ﵁ فأذكر هنا ما قاله عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن عثمان بن عفان جاء إلى النبي ﵌ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره فرأيت النبي ﵌ يقلبها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما فعل -أو ما عمل- بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))، إنها كلمات جميلة من النبي ﵌ تبين مدى فرحة النبي ﵊ بهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار. عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- عرف عنه أنه جهز جيش العسرة، وأنه أتى للنبي ﵌ بألف دينار في كمه، والنبي ﵌ وضع على جبين الدهر كله هذه الكلمات الرائقة الرائعة: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) وكررها ﵌ مرتين؛ لأنه ﵁ قام بتجهيز الجيش كله حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال. وفي ذلك يقول ابن شهاب الزهري -رضي الله تعالى عنه- قدم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا أتم بها الألف. ويقول حذيفة -رضي الله تعالى عنه-: ((جاء عثمان إلى رسول الله ﵌ في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول ﵌ يقلبها بيده ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة)) وهذا أيضًا وفاء من النبي ﵌ لعثمان ودعوة مباركة متقبلة لهذا الإمام، لهذا الخليفة الزاهد الورع -رضي الله تعالى عنه- الذي مات شهيدًا في سبيل الله حينما قتله الظلمة الخارجون على الإسلام وعلى المسلمين، قتلوا أمير المؤمنين الخليفة، الزاهد، الورع، التقي -رضي الله تعالى عنه- وهذا الخليفة هو الذي يقول عنه النبي ﵌: ((غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة)). ولما آلت الخلافة إليه -رضي الله تعالى عنه- وهذا موقف آخر يذكر لأمير المؤمنين عثمان -رضي الله تعالى عنه- ويتبين لنا من خلال الجهاد الضخم الذي قام به في سبيل ﵎ لما آلت الخلافة إلى عثمان -رضوان الله تعالى عليه- فتح الله على يديه أرمينية والقوقاز، تأملوا هذه البلاد كلها، نصر الله المسلمين وسودهم على خراسان وكرمان وسجستان وقبرص، وطرف غير قليل من إفريقيا، وكل ذلك كان في عهد أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه-

стр. 329

ولقي الناس في عهده من الثراء ما لم يحظ به شعب على ظهر الأرض في مثل هذه الفترات. إنها بسبب الدعوة إلى الله كل ذلك بسبب الجهاد والإخلاص، والرغبة في أن يذكر اسم الله ﵎ وحده على الأرض دون سواه، وأن يعبد الله ﵎ وحده دون سواه، وكل ذلك بسبب فضل الله أولًا على هؤلاء الصحب الكرام، ثم بعنايتهم بالدعوة إلى الله ﵎ والجهاد في سبيل الله . ومع ذلك أذكر كلمة ويؤسفني أن أقولها: إن الطغمة من المجرمين في الحقيقة قتلوا أمير المؤمنين ﵁ مع حب النبي ﵌ له وثناءه عليه وشهادته له بأنه في الجنة، قتلوا الشيخ الكبير وخرجوا عليه، الباطنية ومن تبعهم من الروافض، فعلوا هذه الفعلة، وكانت ثلمة حقيقة في الإسلام بدأت بعدها الفتن على المسلمين تدخل عليهم من جانب، وأمير المؤمنين ﵁ كان ورعًا زاهدًا، سار كسيرة أبي بكر ﵁ وعمر -رضي الله تعالى عنه- وكان محتسبًا صابرًا مجاهدًا في سبيل الله ارتفعت في عهده الرايات الإسلامية على كثير من بلاد المسلمين، ولذلك لما جاء النفر من الخوارج ليقتلوه رضي الله تعالى عنه- سلم لهم، ودعا من حوله من القوم أن لا يدخلوا معهم في حرب أو قتال؛ لأنه لا يرغب في أن يراق دم واحد أمام هذه الطغمة الباغية، وقد علم أن النبي ﵌ قد بشره بالجنة على بلوى تصيبه -رضي الله تعالى عنه- وقد كان. قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ومات شهيدًا بعد أن قدم للإسلام والمسلمين ما قدم، ورضي الله إذن عن جميع صحابة النبي الكريم ﵌. والعبد يأسف غاية الأسف عندما نجد قومًا -إلى اليوم- يطعنون على أمير المؤمنين عثمان وعلى علي، ويطعنون على عمر وعلى أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- والكثير من الرافضة أو الرافضة اليوم لا يرفعون شأنًا إلا لأمير المؤمنين علي -رضي الله تعالى عنه- ومعه نفر قليل من الصحابة، ثم يسبون بقية أصحاب النبي ﵌ ونحن نحبهم جميعًا ونثني عليهم جميعًا، ونشهد لمن شهد له النبي ﵌ بالجنة. وأختم هذا اللقاء بذلك، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 330

٢ - على بن أبي طالب وبعض الصحابةوأثرهم في الدعوة علي بن أبي طالب ﵁ - الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد ورسوله، وبعد: أرحب بكم -أيها الإخوة الكرام- في المحاضرة العشرين، وهي بعنوان: دراسة عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- وبعض الصحابة ﵃ وأثرهم في الدعوة إلى الله ﵎. وهذه المحاضرة كالعادة تشتمل على عدة عناصر: العنصر الأول بعنوان: علي بن أبي طالب ﵁ ويشتمل على النقاط التالية: أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ابن عم رسول الله ﵌ إنه التقي، الذي تربى في حقل الإسلام وسقي بماء الوحي، فكان زهرة يانعة طاب ريحها وملأ أرجاء الكون كله، إنه -وهو في السادسة من عمره ﵁ بدأ يعيش مع النبي الصادق الأمين ﵌ يتأدب على يديه ويتأثر بطهره وعظمة نفسه، وتقى ضميره وسلوكه، وحين بلغ العاشرة؛ كان الوحي قد أمر الرسول ﵌ بالدعوة وكان هو سابق المسلمين ﵁ وفي نور الآيات التي تنزلت على النبي ﵌ والتي كان الوحي يأتي بها تباعًا للنبي ﵌ قضى علي بن أبي طالب ﵁ بواكير حياته النضرة يبهره نورها، ويهزه هديرها، ولما كانت حياته في بيت النبي ﵌ فإنه عرف جميع أموره الداخلية، ودرس أحواله وأخلاقه عن قرب، وشرب من مشربه، وتربى على أخلاقه وعاداته وتصرفاته، فلبث ﵁ ثياب الطهر من صغره وبعد عن الأصنام، وناصبها العداء من بداية أمره، وشغل بأمر النبي ﵌ طيلة حياته؛ لأنه كان دائم القرب منه والصلة به والعمل على راحته وخدمته، والاستضاءة بنوره، وكان يشرب من منهل الوحي الذي كان يتنزل على النبي ﵌ وقد كان ﵁ قد أوتي ذاكرة واعية وعقلاً متفتحًا، وذكاءً نادرًا، وشجاعة فزة، وقوة لا مثيل لها عند غيره، اللهم إلا ما كان عند الأفزاز الأبطال الرجال كالصديق وعمر -رضي الله تعالى عن جميع صحابة النبي ﵌.

стр. 331

وها هي كلمات عن مناقبه ﵁ فعن أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﵌ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﵌: اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)). وعن علي ﵁ قال: ((بعثني رسول الله ﵌ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! ﵌ إنك تبعثني إلى قوم هم أسن مني لأقضي بينهم، قال: اذهب فإن الله تعالى سيثبت لسانك ويهدي قلبك)). وقال ﵌ في الحديث المعروف المشهور: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)). فقد ذكر هنا أمير المؤمنين ﵁ مع من ذكروا بأنهم في الجنة. وها هو موقف جليل عظيم أيضًا يعد من المناقب العالية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- هذا الموقف هو أنه نام على فراش النبي ﵌ ليفديَه بنفسه،، وذلك لما اجتمع شياطين قريش في دار الندوة في يوم الزحمة، وجاء الشيطان إليهم، وقال لهم بعد أن تبدى لهم في صورة شيخ نجدي، أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتىً شابًّا جليدًا نسيبًا وسيطًا، ثم تعطوا كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم ليعمدوا إلى النبي ﵌ فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، وبالتالي يستريحوا بعد ذلك، وإذا فعلوا هذا، بمعنى إذا جمعوا من كل قبيلة رجلاً، وقام هؤلاء بضربه ضربة رجل واحد تفرق دم النبي ﵌ في القبائل جميعها، ولم يقدر بذلك بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، وبالتالي سيرضون بالدية ويسلمون بهذا الأمر، هذا حدث في الاجتماع الذي تم في دار الندوة، وقد حضره الشيطان اللعين في صورة شيخ نجدي، وقد قرروا هذا القرار، ألا وهو قتل النبي المصطفى المختار ﵌ وبعد قرارهم تفرقوا وهم مجمعون له، فأتى جبريل إلى رسول الله ﵌ وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من

стр. 332

الليل، اجتمع هؤلاء النفر من المشركين على باب النبي ﵌ يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﵌ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب ﵁ نم على فراشي، وتسجى ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﵌ ينام في برده ذلك إذ ينام، ثم خرج رسول الله ﵌ وهو يتلو هذه الآيات: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ... ﴾ (يس: ١، ٢) إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: ٩) ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدًا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يدًا على رأسه؛ فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًّا على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله ﵌ فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائمًا على برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش. فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا، حمى المغوار حيدرة -وهو اسم من أسماء علي بن أبي طالب ﵁ حمى بفضل الله الدعوة في شخص نبيها ﵌ ونام على فراشه، وفي فراشه، في أصعب ليلة مرت بها الدعوة. وتأملوا هذا الموقف، رجل ينام في فراش الموت وهو يعلم أن على الباب رجالاً لا يريدون إلا رأس النائم على الفراش، ومع ذلك يضحي بنفسه في سبيل الله ﵎ وينام في فراش النبي ﵌ فداء للحبيب المصطفى المختار -صلوات الله وسلامه عليه- وقد نجاه الله كما نجى النبي ﵌.

стр. 333

ب- مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله: أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- سطر على جبين التاريخ صفحات مشرقة من جهاده في سبيل الله تعالى؛ لأنه كان يبحث عن الشهادة ويشتاق إليها اشتياق من يبحث عن الماء البارد في الصحراء الموحشة، في غزوة بدر خرج الفارس المغوار مجاهدًا في سبيل الله ويذكر هو شيئًا من جهاده في هذه الغزوة فيقول ﵁: تقدم -ويعني بذلك هو عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى -يعني عتبة- من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار. فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﵌: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، قال علي: وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. وفي غزوة الخندق كان له هذا الموقف العظيم مع فارس قريش عمرو بن عبد ود، كان عمرو بن عبد ود العامري قد حضر معركة بدر الكبرى وذاق مرارة الهزيمة بعد أن جرح في المعركة، فنذر أن لا يمس رأسَه دهنًا حتى يقتل محمدًا ﵌ ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين ومعه فوارس من قريش، وخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، التي اقتحموا وأقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق وتسرع نحوهم. وهنا يقول بن إسحاق -رضي الله تعالى عنه-: كان عمرو بن ود العامري قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحُ فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-

стр. 334

وحدث بينهما ما حدث وكانت النهاية أن كان النصر والتأييد والفوز لعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- لأنه إمام من أئمة المبارزين المجاهدين في سبيل الله ﵎. وكان أيضًا هو صاحب الراية الذي فتح الله ﵎ على يديه وذلك في يوم خيبر، ورضي الله عن علي بن أبي طالب ﵁ الذي كان يحب الله ويحب رسول الله ﵌ ويحبه الله ويحبه رسول الله ﵌. النبي -عليه الصلاة ولسلام- ذكر كلمة عظيمة في هذه الغزوة، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁ وكان في هذا -في الحقيقة- ما يشهد لأمير المؤمنين علي ﵁ بالسبق والثبات في الجهاد في سبيل الله والرغبة في نصر الإسلام والدعوة إلى الله ها هو علي ﵁ في يوم خيبر يشهد له النبي ﵌ بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ﵌ وبأن الله سيفتح على يديه. فعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﵌ قال -قال في يوم خيبر-: ((لأعطين هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﵌ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال النبي ﵌: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله! يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله ﵌ ودعا له فبرأ ﵁ حتى كأنه لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله ﵌ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمْر النَّعم)). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها؛ رجاء أن أدعى لها - هذا عمر بن

стр. 335

الخطاب، يقول: إنه انتظرها رجاء أن يدعى لها- قال: فدعا رسول الله ﵌ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار عليًّا شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله! ﵌ على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﵌ فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى)). ومع جهاده ﵁ فقد كان من الرعيل الأول أيضًا في الدعوة إلى الله فعن البراء بن عازب ﵁: أن رسول الله ﵌ بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﵌ بعث علي بن أبي طالب ﵁ يعني بعثه إلى اليمن، لماذا؟ ليكون داعية إلى الله . وأيضًا لما خرج النفر من الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ دعاهم إلى الله فلما خرجت الخوارج عليه -وكانوا ثمانية آلاف من قراء الناس، ونزلوا بحروراء- ناظرهم علي، فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء، وبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا، فأرسل إليهم: "كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دمًا حرامًا ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتُم نبذتُم إليكم الحرب". هذه في الحقيقة دعوة جميلة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لهؤلاء النفر من الخوارج، يعاهدهم ويقول لهم بأني سأكف عن قتالكم بشرط أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا -يعني لا تفسدوا في الأرض- وخلُّوا بين الناس وبين الدعوة إلى الله ﵎ ووعدهم أنه لن يفعل -من قتال لهم- إذا التزموا بذلك، ولكن

стр. 336

الأمر كما قال عبد الله بن شداد -رضي الله تعالى عنه- فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام، وذلك بقتلهم عبد الله بن خباب بن الأرت ﵁ كما أنهم بقروا بطن سُرِّيته، وهذا في الحقيقة فعل شنيع باء به هؤلاء النفر من الخوارج. ومن المعلوم -ولعلكم أبنائي الأعزاء تعرفون ذلك في شيء من مسائل العقائد والكلام عن الفرق والتيارات والمذاهب- أن أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- افترقت فيه الفرق واختلف فيه الناس، فطائفة غلت فيه -رضي الله تعالى عنه- حتى رفعوه إلى مرتبة عالية، وبعضهم تجاوز الأمر جدًّا، حتى زعم أن علي بن أبي طالب هو الإله، كما ذهب إلى ذلك الضال المضل المارق اليهودي عبد الله بن سبأ، عامله الله بما يستحق، ثم خلف بعد ذلك خلوف غلوا في علي بن أبي طالب، وزعموا أنه هو وصي رسول الله ﵌ وأنه هو الخليفة من بعده ليس إلا، وأن خلافة غيره باطلة من الخلفاء الراشدين -رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي الحقيقة تكلموا بما يؤذي الصحابة كثيرًا، وهذا وقع من فرقة الروافض، وهذا أمر لا يرضاه الله ولا رسوله ﵌ ولا يرضاه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب أيضًا -رضي الله تعالى عنه- لأنه من الوقافين عند حدود الله، الشاهد أن هؤلاء غلوا بما لا يليق في أمير المؤمنين، حيث زعموا أنه يعلم الغيب وما إلى ذلك من أمور لا تليق إلا بالله كما أن هناك فرقة أخرى ناصبت أمير المؤمنين العداء، وخرجوا عليه وكفروه، وكلا الفرقتين باطلتين والعياذ بالله ﵎ والقول الحق هو قول أهل السنة والجماعة، هو أننا نعتقد في أن خلافته خلافة صحيحة راشدة، وأنه هو رابع الخلفاء الراشدين، وأن خلافة من قبله أيضًا خلافة راشدة صحيحة، جاءت وفق مراد الله ﵎ وأن ترتيب الخلفاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ونحن نحبهم جميعًا، ولا نبرأ من أي واحد منهم بحال. وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في صحابة رسول الله ﵌.

стр. 337

أردت -أبنائي الأعزاء- أن أشير إليه في هذا الموطن وأنا أختم الكلام عن الخلفاء الراشدين، لأهمية ذلك في مسائل الاعتقاد. سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه - "سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه-" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه: هو الصحابي الجليل سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل السيد الكبير الشهيد أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري، الذي اهتز العرش لموته -رضي الله تعالى عنه- فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم؛ سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، قال المناوي: قال ابن القيم ﵀ وهذه منقبة جليلة وكلمة عظيمة في هذا الإمام سعد بن معاذ ﵁ قال ابن القيم: "كان سعد في الأنصار بمنزلة الصديق أبي بكر في المهاجرين ﵃ جميعًا- لا تأخذه في الله لومة لائم، وختم له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسول ﵌ على رضا قومه وحلفائه، ووافق حكمه حكم الله من فوق سبع سموات، ونعاه جبريل ﵇ يوم موته، فحق له أن يهتز العرش له ﵁. ولقد كان ﵁ سيدًا في قومه، وكان مشركًا وقتها، فلما أرسل الله النبي ﵌ بعث رسول الهدى والرحمة مصعب بن عمير ﵁ إلى المدينة النبويَّة سفيرًا للدعوة إلى الله ﵎ وهناك أسلم سعد على يديه، أسلم سعد ﵁ على يد مصعب بن عمير -رضي الله تعالى عنهم جميعًا- فكان إسلامه فاتحة خير على المدينة كلها؛ لأن إسلامه كان سببًا في أن تشرق شمس الإسلام على المدينة كلها، ولما تحول الموقف يوم بدر من مجرد الحصول على العير -وهذا شيء عظيم لا بد أن أذكره عند حديثي عن النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله ﵎: عرفت قبل قليل بكلمة يسيرة، وقد ذكرت بعضًا من مناقب هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- ألا وهو سعد بن معاذ، أود أن أشير أيضًا إشارة يسيرة بأن جهاده عظيم، أريد أن أشير إشارة عن مواقفه وجهاده في الدعوة إلى الله ﵎. ويظهر ذلك في يوم بدر، وذلك أن النبي ﵌ لما خرج من المدينة النبوية قاصدًا بدرًا أعلم الناس أنه يريد عير المشركين، وهذا ما كان قد خرج من أجله النبي ﵌ ولكن تغير هذا الموقف بعد ذلك، ولم

стр. 338

يصبح الأمر محصورًا في الحصول على العير فقط، بل تحول ربما إلى مواجهة بين المسلمين وبين المشركين، وهنا أراد النبي ﵌ أن يعرف رأي الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- قبل الدخول في تلك المعركة الحاسمة، فاستشار -صلوات الله وسلامه عليه- أصحابه، فتكلم أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، وكذلك قام المقداد بن عمرو، فتكلم وقال وأحسن. وهؤلاء القادة الثلاثة الذين كانوا من المهاجرين ولكن كانوا أقلية في الجيش والأنصار أكثر، فأحب رسول الله ﵌ أن يعرف رأي قادة الأنصار؛ لأنهم كما أشرت كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال -بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة- أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ ﵁ فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، والنبي ﵌ حينما سمع هذه الكلمات سر واستبشر بها -صلوات الله وسلامه عليه- لأنها كلمات خرجت من قلب هذا الصحابي الصادق في إيمانه المجاهد في سبيل ربه ومولاه -رضي الله تعالى عنه. وهناك موقف عظيم لا يقل عن هذا الموقف الجليل، وهذا الموقف أذكره هنا لأبين شيئًا من جهاد هذا الصحابي الجليل ومن حرصه على الدعوة إلى الله ﵎: لما تكالبت قوى الشرك بكتائبها الهائجة وكادت أن تغرق القلة المؤمنة وذلك في غزوة الأحزاب،

стр. 339

تكالبت جموع الشرك على النبي ﵌ وصحبه في المدينة النبوية حتى كان بين النبي ﵌ وبين بني قريظة عهدًا ولكنهم نقضوه وخالفوه وتمالئوا أيضًا هم مع عموم المشركين، فلما تكالبت قوى الشرك هكذا وتمالئوا على النبي ﵌ في مدينته أراد رسول الله ﵌ أن يعقد صلحًا منفردًا بينه وبين غطفان، على أن تفك غطفان الحصار على المدينة النبوية وتنسحب بجيوشها وتخذل الأحزاب، على أن يعطيهم رسول الله ﵌ ثلث ثمار نخل المدينة واستشار رسول الله ﵌ السعدين، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله -تأملوا هذه الكلمات التي خرجت من فم هذا الصحابي الجليل- قد كنا نحن وهؤلاء القوم -يعني غطفان- لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرًى أو بيعًا، وإن كانوا ليأكلون العلهز -العلهز: بر يخلط بدماء اللحم، كانت العرب في الجاهلية تأكله، وذلك الجدب والقحط، يعني أنه يبين أن هؤلاء كان يصيبهم من القحط ما يصيبهم حتى كانوا يأكلون العلهز في الجاهلية، وذلك من الجهد- ثم قال: أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نقطعهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ثم خرج سعد إلى سيدي غطفان وقد رفع صوته في تحد: ارجعا ليس بيننا وبينكم إلا السيف. إنها والله كلمات تصدر من فم الصادق سعد ﵁ تتفجر منها ينابيع الرجولة والشجاعة والأنفة فتبث الأمل في نفوس المسلمين، وتدهش سيدي غطفان فيفيقوا ويعلمهم سعد ﵁ أن الذي يصنع النصر إنما هو قوة العقيدة وزخم الإيمان بالله والثقة به، وأنهم حينما خرجوا إنما خرجوا معتمدين على رب العزة والجلال، وأنهم سيواجهون أعتى قوى الشرك. وهناك موقف آخر أود أن أختم به الحديث عن هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- إنه هو موقفه الذي حكم فيه على بني قريظة، وقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، فما هو هذا الموقف؟

стр. 340

النبي ﵌ كما أشرت كان في غزوة الأحزاب وتكالبت عليه جموع الشرك، وكان بينه وبين بني قريظة عهدًا، ولكنهم نقضوه وخالفوه وتعاهدوا مع المشركين لكي يقضوا النبي الأمين ﵌ ويقضوا على الإسلام ويستأصلوا شأفة المسلمين. الله نصر نبيه وأصحابه، وكانت العاقبة للتقوى وللمتقين، وبعد أن انتصر النبي ﵌ على جموع الشرك وولت فارَّة من المدينة النبوية، أوحى الله إلى النبي ﵌ أن يذهب إلى بني قريظة، فنادى النبي ﵌ في الناس: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)) فتسابق الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- في تنفيذ أمر النبي ﵌ وذهبوا إلى بني قريظة وحاصروهم، وأدرك بني قريظة أنهم لن يفلتوا من قبضة النبي ﵌ فأرادوا أن يعقدوا بينه مرة أخرى صلحًا أو حكمًا وأن يكون صاحب هذا الحكم أو الذي يتفاوض بينهم وبين رسول الله ﵌ هو سعد بن معاذ ﵁. سعد بن معاذ ﵁ قد أصيب في هذه الغزوة في غزوة الأحزاب، والنبي ﵌ أمر أن يوضع في خيمة في مسجد النبي ﵌ ليكون قريبًا منه، فيعوده ﵊ من قريب. طلب اليهود، يهود بني قريظة أن يتفاوض معهم سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- فأرسل النبي ﵌ إلى سعد بن معاذ وبعث إليه، وأتي به وهو مطعون -رضي الله تعالى عنه- بطعنة جاءت فيه كان فيها وفاته -رضي الله تعالى عنه- أتي بسعد فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سنوات، وذلك لما جاء، قال له النبي ﵌: ((احكم فيهم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﵌: لقد حكمت فيهم بحكم الله ) وبالتالي يصبح هذا الموقف أيضًا من المواقف الجليلة العظيمة لهذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه. حذيفة بن اليمان ﵁ - أنتقل بعد ذلك إلى صحابي آخر من صحابة النبي ﵌ هو حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- وسأتحدث عنه في نقاط كالتالي: أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه-: إنه هو حذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسل -ويقال: حسيل- ابن جابر العبسي اليمني أبو عبد الله ﵁ إنه حذيفة بن اليمان من نجباء أصحاب محمد ﵌ وهو صاحب السر، وكان والد حذيفة مكي من بني عبس وكان قد أصاب دمًا في

стр. 341

قومه، فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان؛ لحلفه لليمانية وهم الأنصار، وتزوج اليمان والدة حذيفة فولد له بالمدينة، ولما أشرقت شمس النبوة كان حذيفة والده من المسارعين للدخول في الإسلام، ولقد أحبه النبي ﵌ حبًّا شديدًا. وكان النبي ﵌ في الحقيقة بنظرة واحدة إلى أي رجل يعلم صفاته وإمكاناته ومزاياه من أول وهلة، فأحس النبي ﵌ أن حذيفة يملك ذكاء يندر وجوده وسرعة بديهة تجعله يعالج أعتى المواقف والأزمات بيسر وسهولة، وهو في الوقت ذاته يؤتمن على أخطر الأسرار ولا يذيعها، وكانت أكبر مشكلة تواجه المسلمين في المدينة هي وجود المنافقين من اليهود وأشياعهم، وما كانوا يحيكونه للنبي ﵌ وأصحابه من مكائد ودسائس فأفضى النبي ﵊ لحذيفة بأسماء المنافقين وهو سر لم يطلع عليه أحدًا من أصحابه، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهو الملهم، أمير المؤمنين عمر الملهم الذي تحدثت عنه في المحاضرة السابقة الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم. ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده وإنما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه ومظانه، ولذلك كان هو من أعلم الناس بالفتن لسؤاله النبي ﵌ عنها، فهو الذي قال عن نفسه: ((كان الناس يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله ﵌ إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله ﵌ صفهم لنا. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ تلزم جماعة

стр. 342

المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)). أنتقل إلى نقطة تالية في هذا العنصر، وهي بعنوان مواقف من حياته وجهاده في الدعوة إلى الله ﵎: لقد كان لحذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- مواقف جليلة في الدعوة إلى الله وفي الجهاد في سبيل الله وذلك لما جاء يوم أحد، وخاض المسلمون تلك الغزوة أمام مشركي قريش وكان في جند المسلمين حذيفة -رضي الله تعالى عنه- فأما حذيفة فقاتل قتال من يبحث عن الشهادة ويشتاق إليها، وأما أبوه فقد استشهد يومئذ، قتله بعض الصحابة غلطًا، ولم يعرفه؛ لأن الجيش يختفون فيما يلبسونه من لأمة الحرب ويسترون وجوههم فإن لم يكن لهم علامة بيّنة ربما قُتل الإنسان، وربما قتل الأخ أخاه -وهو لا يشعر- ولما شدوا على اليمان يومئذ بقي حذيفة يصيح ويقول: أبي، أبي، يا قومي فراح خطئًا فتصدق حذيفة -رضي الله تعالى عنه- بدية والده على المسلمين، وهذا موقف عظيم من مواقف هذا الصحابي الجليل -رضي الله تعالى عنه- حينما يتنازل عن دية والده الذي قتل خطئًا. ثم إني أود هنا أن أذكر بعد ذلك مواقف مشرقة من جهاده في الفتوحات الإسلامية -رضي الله تعالى عنه- لأن البعض قد لا يعلم أن حذيفة ﵁ كان من أصحاب السبق العظيم في فتوحات العراق كلها، ففي همدان والري، والدينور، تم الفتح على يديه، وفي معركة نهاوند كانت المعركة الكبرى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفًا والمسلمون في ثلاثين ألفًا يقودهم الإيمان بالله والعقيدة الراسخة التي سكبها النبي ﵌ في قلوب أصحابه حتى كان الواحد منهم يقابل جيشًا بأكمله فلا يخاف ولا يخشى إلا الله وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- وقتئذ هو أمير المؤمنين، وأدرك عمر ﵁ من الذي يقوم بهذه الفتوحات ومن الذي يمكن أن

стр. 343

يكون من المجاهدين الصابرين الصادقين في سبيل الله حقًّا، من هم الرجال الذين يمكن أن يتملكوا الراية وأن يمسكوها وأن يقبضوا عليها، وأن يفتح رب العزة والجلال عليهم؛ ولذلك نجد أن عمر ﵁ كتب خطابًا في هذه المعركة وكتابًا قال فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن، سلام عليك -أنا أذكر هذا الخطاب لأبين للمستمعين الكرام ماذا كان يعلم عن حذيفة ﵁ وماذا فعل حذيفة -رضي الله تعالى عنه- وفيما أذكر إشارة لامعة واضحة إلى جهاد هؤلاء الصحب الكرام جميعًا في سبيل الله ﵎ وأنهم -رضوان الله تعالى عليهم- بذلوا كل ما يملكون في سبيل نشر الإسلام، والدعوة إليه وفي سبيل إسعاد الناس بنطقهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﵌ كتب عمر إلى النعمان بن مقرن: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين ولا توطئهم وعرًا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضًا -والغيض هو المكان الملتف الشجر، وهنا أمير المؤمنين ﵁ يحرص على جند الإسلام، ويسعى في أن يحتفظ بهؤلاء الرجال الأبرار، ولا يود -رضي الله تعالى عنه- أن يهلكوا أو أن يكونوا في مكان يمكن أن يصابوا فيه بأذى، وهذا من حب أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- للإسلام، ولله ولرسول الله ﵌ ولدين الله وحبه أيضًا لمن دخل في هذا الدين، وتأملوا قول أمير المؤمنين بعد ذلك- فإن رجلًا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار والسلام عليك، فسر في وجهك ذلك حتى تأتي "ماء" فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها -مكان هناك- فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى القيروان، ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا -استنصروا يعني بالله- وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله. هكذا كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى النعمان بن مقرن، ثم كتب إلى نائب الكوفة بعد ذلك، عبد الله بن عبد الله أن يعيِّن جيشًا ويبعثهم إلى نهاوند وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه. وأنا ذكرت ذلك لأبين كيف أن عمر ﵁، هذا الرجل الملهم الموفق- كيف أنه يعرف الرجال وأنه قد اختار حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- عمر بن الخطاب يكتب إلى نائبه في الكوفة فيقول: ليكن الأمير على هؤلاء جميعًا حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه- حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة بعد ذلك: يعني يذهب حذيفة بالجيش من الكوفة حيث النعمان هناك، فإذا التقى كان النعمان هو قائد الجيش، فإن قتل النعمان رجع الأمر إلى حذيفة

стр. 344

ليكون قائدًا عامًا على الجيش بعد ذلك كله، وهكذا يفصل أمير المؤمنين ﵁ الأمر بنظر ثاقب، فيسير حذيفة ﵁ في جيش كثيف نحو النعمان ليوافيه بماء، بالمنطقة التي سيلتقي فيها معه هناك، وسار مع حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، وقد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة وجعل الحرس في كل ناحية واحتاطوا احتياطًا عظيمًا حتى انتهوا إلى النعمان بن مُقرِّن -رضي الله تعالى عنه- حيث اتَّعَدوا يعني اتفقوا على المكان الذي يلتقون فيه، فدفع حذيفة -رضي الله تعالى عنه- ابن اليمان إلى النعمان كتاب عمر وفيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفًا من المقاتلين، وتعبأت الفرس تعبئة عظيمة، واصطفوا صفوفًا هائلة في عَدد وعُدد كبير لم ير مثله، وقد تغلغل هؤلاء بعضهم في بعض وألقوا أشياء من الحديد وراء ظهورهم حتى لا يتمكنوا من الهرب أو الفرار. ثم إن النعمان بن مقرن -رضي الله تعالى عنه- كبر عندئذ التكبيرة الأولى، كبر التكبيرة الأولى، فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية، فتأهبوا أيضًا، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس حتى تصافحوا بالسيوف، واقتتلوا قتالًا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، وقد قتل من المشركين ناس كثيرون في هذه الغزوة، ولكن النعمان -رضي الله تعالى عنه- وهو يجاهد في سبيل الله مات شهيدًا؛ فدفعت الراية بعد ذلك إلى حذيفة بن اليمان ﵁ فأقام حذيفة أخاه نُعيمًا مكانه، وأمر بكتم موت النعمان حتى يبين الحال، لئلا ينهزم الناس، فلما أظلم الليل؛ انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون، وهكذا انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للفرس على أيدي الموحدين الذين امتلأت قلوبهم حبًّا لرسول الله، ولنصرة دين الله -على رسول ﵌ الصلاة والسلام- وكان هؤلاء الرجال من وراء دعوة الإسلام يدعون الناس إليها ويجاهدون في سبيل الله فرضي الله تعالى عن جميع أصحاب رسول الله ﵌. وهذا هو نهاية حديثي، وفي الختام أصلي وأسلم على النبي المختار ﵌.

стр. 345

الدرس: ١١ دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة .

стр. 346

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة) ١ - دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة جماعة أهل الحديث بالهند ، وجماعة أنصار السنة المحمدية جماعة أهل الحديث بالهند الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وبعد: أ-التعريف بالجماعة وبحركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية: قد بدأت بها لأنها أقدم الحركات الإسلامية في شبه القارة الهندية، وهي كذلك أقدم الحركات التي سأتحدث عنها فيما بعد؛ ولذلك أود أن ألفت نظر الطالب إلى أنني سأتكلم عن هذه الجماعات والدعوات من خلال ترتيبها الزمني؛ وذلك حتى لا يظن ظانٌّ أنني قدمت في الحديث جماعة على أخرى، وإنما سألتزم بالتاريخ الزمني. وجماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية قامت على الدعوة لاتباع الكتاب والسنة، وفهمها على ضوء فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وتقديمهما على كل قول وهدي، وذلك في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والاجتماع على طريقة الفقهاء المحدثين، وكانوا يحاربون البدع والخرافات وجميع أنواع الشركيات. ويرجع تاريخ أهل الحديث في شبه القارة الهندية إلى العهد الإسلامي الأول، حيث استضاءت بعض مناطق الهند بنور الإسلام بجهود التجار والمجاهدين العرب، الذين وصلوا إلى مقاطعات "السند" و"مالابار" على سواحل البحر الهندي، فكانت هناك مراكز للحديث في "بلاد السند وملتاد" وفد إليها المحدثون من العرب والعجم. وقد زارها الرحالة المعروف أبو القاسم المقدسي عام ثلاثمائة وخمسة وسبعين هجرية، ووصف الحالة الدينية في "بلاد السند" في كتابه (أحسن التقاسيم) قائلًا: إن مذاهب أكثرهم على مذهب أصحاب الحديث، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة ﵀ وأنهم على طريقة مستقيمة ومذاهب محمودة وصلاح وعفة، وقد أراحهم الله من الغلو والعصبية والفتنة.

стр. 347

وفي أواخر القرن الرابع بدأ الضعف يدب في نشاط أهل الحديث، وقد بلغ منتهاه في القرن التاسع الهجري؛ نظرًا لانتشار الخلافات السياسية والعصبيات، وظهور فتنة الباطنية الإسماعيلية التي جرَّت على أهل السنة الفتن والمشاكل؛ فقل الاهتمام بالسنة وفشا التقليد والتعصب للمذاهب والجمود عليها، وساد علوم اليونان، مع هذا كله؛ وُجِدَ في شبه القارة الهندية عدد من علماء أهل الحديث، من تلاميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام السخاوي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهم حيث ظلوا محافظين على منهج أهل الحديث. وأهل الحديث في شبه القارة الهندية في العصر الحديث كان لهم ظهور واضح مع بداية القرن الحادي عشر الهندي، حيث بدأ دور جديد لأهل الحديث، وذلك حينما ظهر الشيخ أحمد السرهندي ﵀ المتوفى سنة ألف وأربعة وثلاثين هجرية، وقويت في عهد أنجال الإمام شاه ولي الله المحدث الدهلوي هادي الحركة، وكانت جهودهم في هذه الفترة مرتكزة على ثلاثة ميادين رئيسية: الأول: ميدان الجهاد: حيث لم تقتصر حركة شاه إسماعيل الدهلوي على إحياء العمل بالكتاب والسنة، وإقامة الخلافة على منهاج النبوة، والقضاء على التعصب المذهبي والجمود والبدع والعقائد الباطلة فقط؛ بل قادت حركة الجهاد ضد السيخ والاستعمار الإنجليزي، وبخاصة في الحدود الشمالية للهند إلى أن رحل الاستعمار الإنجليزي من الهند، وذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلادية. وبعد تقسيم القارة إلى "الهند" و"الباكستان" واصل المجاهدون جهادهم وفتحت أحد كتائبهم مدينة "مظل آباد" وتحت قيادة الشيخ فضل إله الوزير أبادي فتحت باقي الرقعة التي تشكل كشمير الحرة الآن.

стр. 348

٢ - ميدان التأليف: إن لأهل الحديث دورًا بارزًا في إحياء ونشر الثقافة الإسلامية، من خلال الاهتمام بمجال التأليف والتصنيف في القرآن وعلومه، وعلوم الحديث، وبيان السنة وشروحها، مع الدفاع عن العقيدة والرد على المبتدعة، وأهل الاعتقادات الباطلة، فكان منهم العلماء والمحدثون، ومن أبرز الشخصيات في هذا المجال: العلامة صديق حسن خان الذي اشتغل بالتصنيف والتأليف ونشر كتب الحديث ودواوين السنة، فألف ما يبلغ قريبًا من ثلاثمائة كتاب، مع اشتغاله بمهمات الدولة كما شكل مجلسًا علميًّا مكونًا من العلماء السلفيين؛ ليقوم بمهمات التأليف والترجمة، وإفادة المسلمين بالتدريس، وأنشأ لذلك عدة مطابع على حسابه الخاص لطبع ونشر وتوزيع كتب السلف الصالح. أما الميدان الثالث: فهو ميدان التدريس: حيث برز اهتمام أهل الحديث بالدعوة والتدريس وإنشاء المدارس والجامعات، ومن أبرز الشخصيات في هذا الجانب العلامة الشيخ نذير حسين الْمُحَدِّث الدهلوي، والذي انتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند واستمر في تدريس العلوم الشرعية والحديث في "دهلي" قرابة ستين عامًا، بالإضافة إلى الدعوة إلى الإسلام الصحيح، حتى قيل: إنه اعتنق في عصره نحو مليونين من المسلمين العقيدة الصحيحة تائبين عن العقائد الشركية والبدعية. وتخرج على يده عدد من أعلام السنة والدعوة في العصر الحديث، أمثال الإمام المحدث عبد الله الغزنوي، وشمس الحق العظيم آبادي مؤلف (عون المعبود شرح سنن أبي داود) والعلامة عبد الرحمن المباركفوري صاحب (تحفة الأحوذي

стр. 349

شرح سنن الترمذي) والعلامة محمد بشير السهسواني صاحب (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) والشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي المغربي، والشيخ محمد بن ناصر المبارك النجدي، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق النجدي، والذي نشر سند شيخه في بلاد الحجاز ونجد وغيرهم. ولازالت مدرسته إلى اليوم بدهلي والمعروفة بجامعة السيد نذير حسين الدهلوي تخرج العلماء والدعاة. ب- مؤسس الجماعة والشخصيات البارزة فيها: في عام ١٣٢٤ هجرية قرر علماء أهل الحديث برئاسة شيخ الإسلام أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري تشكيل جمعية لهم تقوم على نشر الدعوة على منهج الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وقد امتدوا حركتهم هذا من حركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية، وقد أرادوا بذلك نشر علوم السنة -كما أشرت- والعقيدة الصحيحة كما أرادوا أيضًا مقاومة الحركات الهدامة، ومواجهة تحديات العصر، تحت اسم: مؤتمر أهل الحديث لعموم الهند. وعين شيخ الإسلام أبي الوفاء ثناء الله قامع الفتنة القاديانية وصاحب التصانيف الكثيرة في الدفاع عن الإسلام ومقاومة الهندوسية والنصرانية ومنكري السنة، وغيرها من فرق وملل الضلال، بالإضافة إلى ما له من مساهمات فعالة في الحركة السياسية والوطنية والمؤتمر الوطني العام، فقد كان أمينًا عامًّا للجمعية، بالإضافة إلى عضويته في ندوة العلماء وجمعية علماء الهند، وانتخب المحدث العلامة عبد الله الغازي فوري رئيسًا للجمعية فغطت جهودهما الهند وقراها.

стр. 350

ولما انقسمت شبه القارة الهندية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين من الميلاد إلى الهند وباكستان ضعفت حركة هذه الجمعية لفترة ما، وفقدوا بسبب ذلك أكبر مؤسسة تعليمية لهم، وهي دار الحديث الرحمانية "بدهلي" وعندئذ سارعوا إلى تشكيل الجمعية من جديد في كلتا الدولتين؛ فاستعادتا قوتهما وأسسوا الجامعات والمعاهد والمدارس الجديدة؛ لتلبية حاجات العصر وتدريس علوم الكتاب والسنة على مذهب السلف الصالح. ومن أبرز الجامعات التي اعتنوا بها وأنشئوها في الهند: الجامعة السلفية "ببنارس" وهي أكبر جامعة عربية إسلامية في الهند، تأسست في عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وثمانين من الميلاد، بالإضافة إلى الجامعة الرحمانية تأسست عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وثمانين من الهجرة النبوية بالإضافة إلى الجامعة الرحمانية، والجامعة الأحمدية السلفية، وجامعة دار السلام "بعمر أباد" والجامعة السلفية بالقرية السلفية في "كدا" والجامعة الإسلامية في "بومباي" وجامعة ابن تيمية وجامعة الإمام البخاري -رحمهما الله تعالى- في "بيهاور". أما في باكستان: فإن الجامعة السلفية "بفيصل آباد" تعد أول وأكبر جامعة إسلامية تأسست في باكستان بعد الانفصال، وذلك في سبعة شعبان ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين من الهجرة النبوية بالإضافة إلى الجامعات الأخرى. وأود بعد الحديث عن تأسيس الجامعة في العصر الحاضر أن أذكر أبرز الشخصيات التي كانت في جماعة أهل الحديث، وابدأ بأبرزهم في باكستان، ومن أبرزهم الشيخ محمد داود الغزنوي، وهو من المؤسسين لجمعية أهل الحديث بباكستان، وأول رئيس لها وشارك العلامة محمد إسماعيل في تأسيس الجامعة

стр. 351

السلفية بمدينة "فيصل آباد"، كما تحمد له مواقفه من إقامة النظام الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وله جهود علمية في الرد على منكري السنة والقاديانية، وعند تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة اختير عضوًا بالمجلس الاستشاري الأول لها، كما شارك في وضع مناهجها الدراسية. ومن أبرزهم أيضًا العلامة محمد إسماعيل السلفي، الذي نشأ في ظل أسرة متدينة، وطلب العلم في مراحل مبكرة على يد أبيه، ورحل في طلبه على يد أفاضل علماء عصره، وكان ﵀ من الرواد الأوائل الذين ساهموا في تأسيس جمعية أهل الحديث بباكستان، وكانت لجهوده الدعوية والسياسية أثرها البالغ على البلاد، فتولى الخطابة في جامع أهل الحديث، وترأس هيئة التدريس في الجامعة المحمدية التي أنشأها، كما عين مشرفًا على مقر جمعية تنظيم أهل الحديث "بالبنجاب" ثم انتخب أمينًا عامًّا للجنة العمل لجمعية أهل الحديث في مؤتمر "دهلي" وبعد فصل باكستان عن الهند انتخب أمينًا عامًّا لجمعية أهل الحديث بباكستان حتى وفاته -رحمه الله تعالى. ومن أبرز الشخصيات أيضًا في هذه الجماعة في باكستان: العلامة الشيخ إحسان إلهي ظهير، أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهو له مؤلفات قيمة يشكر عليها ﵀ ﵎ ومعظم هذه المؤلفات في الرد على أهل البدع والأهواء. ومن أبرز الشخصيات الأخرى: العلامة المحدث أبو محمد بديع الدين شاه الراشدي السندي، أحد كبار علماء السنة في العصر الحاضر، وصاحب الأسانيد المتصلة إلى النبي ﵌ وله مشاركات جيدة في علوم الكتاب والسنة تأليفًا وتصنيفًا، وقد درس في الحرمين الشريفين وله تلاميذ كثيرون من الهند وباكستان وغيرهما.

стр. 352

أما أبرز الشخصيات في الهند فهم كما يلي: الشيخ عبد الوهاب الأروي أول رئيس لجمعية الحديث بالهند، بعد التشكيل الجديد، والشيخ عبد الجليل الرحمن أمين عام وصاحب (تفسير القرآن) بالأردن بالإضافة إلى إصداره مجلة (مصباح) الأردية ومن أبرزهم أيضًا الشيخ عبد الحميد بن عبد الجبار الرحماني، وقد تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وقد تولى منصب الأمين العام للجمعية في فترة سابقة، وله جهود مشكورة في مركز أبي الكلام الذي ترأسه فترة من الزمن. ومن أبرزهم أيضًا رئيس الجامعة السلفية ببنارس ومحدث الديار الهندية: الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري مؤلف (مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) والعلامة الشيخ عبد الصمد شرف الدين، بالإضافة إلى الدكتور الأديب مقتضى حسين الأزهري، وكيل الجامعة السلفية ببنارس ورئيس تحرير مجلة صوت الأمة، ورئيس إدارة البحوث العلمية بالجامعة، بالإضافة إلى عدد كبير من العلماء وطلبة العلم البارزين في خدمة السنة والدعوة. ولأهل الحديث في شبه القارة الهندية دور كبير في كل ناحية من نواحي الحياة: دعوة وتدريسًا وتصنيفًا، كما أن لهم شخصيات بارزة في مختلف المجالات العلمية، سواء كان ذلك في العقيدة أو العبادة أو الأحوال الشخصية أو الأمور المدنية: كالاقتصاد الإسلامية والسياسة الشرعية، وأبرز العلماء الذين اهتموا بهذه المجالات على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمد حسين البتلوي ﵀ والشيخ محمد إبراهيم السلكوتي وغير هؤلاء ممكن كان لهم دور بارز في نشاط حركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية في العصر الحاضر.

стр. 353

جـ- أفكار ومعتقدات جماعة أهل الحديث: عقيدة أهل السنة هي عقيدة السلف الصالح وهي عقيدة جماعة أهل الحديث بالهند؛ ولذلك قامت أفكارهم ومعتقداتهم على ما يلي: أولًا: التوحيد: فأهل الحديث إيمانًا منهم من أن التوحيد هو أصل الدين، يبدءون عملهم بنشر التوحيد الخالص، وغرسه في قلوب الناس مع تفصيل أنواع التوحيد الثلاثة، وخاصة توحيد الألوهية الذي يخطئ فيه كثير من الناس، مع إيمانهم بتوحيد الربوبية وما يقتضيه من الحاكمية لله تعالى، ولا يكتفون بإقرار وتطبيق النظام السياسي الإسلامي فقط؛ وإنما أن يكون الله -جل وعلا- هو صاحب التشريع وحده دون سواه. وأيضًا مما صاروا عليه في أفكارهم ومعتقداتهم الإتباع: فأهل الحديث يركزون على اتباع ما صح عن النبي ﵌ على ضوء فهم السلف الصالح؛ ولذلك لا يرون التقليد الجامد الذي يدعو إلى الالتزام بمذهب فقهي معين بدون سؤال عن دليل؛ بل ينادون بفتح باب الاجتهاد لكل من تحققت لديه شروط ويدعون إلى احترام العلماء المجتهدين والأئمة المتبعين بشكل خاص. وأيضا من أفكارهم ومعتقداتهم تقديم النقل على العقل: فهم يقدمون الروايات على الرأي حيث يبدءون بالشرع ثم يخضعون له العقل؛ لأنهم يرون أن العقل السليم يتفق مع نصوص الشرع الصحيحة؛ ولذلك لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولا تقديمه عليه، وهم في جانب التزكية الشرعية وأعني بذلك: تزكية النفس تزكية شرعية، نجدهم يتخذون الوسائل المشروعة الذي جاء بها الكتاب والسنة، وينكرون على أتباع التزكية البدعية من الصوفية وغيرهم. كما أنهم أيضًا يحذرون من البدع؛ لأنهم يرون أن أمر الابتداع في الحقيقة استدراك على الله ﵎ وتشريع بالرأي والعقل، ومن ثم يدعون إلى

стр. 354

الالتزام بالسنة وتجنب أنواع البدع كلها ويحذرون من الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لأن خطورة هذا النوع من الحديث كبير جدًّا على الأمة ولا بد من التحري في الحديث المنسوب إلى النبي ﵌ في جميع المجالات، وأكثر ما يجب أن يهتم بهم في ذلك مسائل العقائد والأحكام. وهم -مع كل ذلك- يدعون إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ويرون أن الجهاد من أفضل الأعمال، وأنه ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، ودفع الفساد من الأرض، وهم يسعون إلى تطبيق النظام الشرعي وذلك بالسعي لتأصيله وإقراره في جميع مجالات الحياة الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وما إلى ذلك بالطرق المشروعة. ويعتقد أهل الحديث: أنه بتحقيق التوحيد الخالص لله رب العالمين وبالعمل الموافق لسنة النبي الأمين ﵌ وهديه يتحقق النصر والتمكين؛ فهما شرطا قبول الأعمال، وهما أيضًا شرطا النصر والتمكين وعودة الخلافة الإسلامية، حسب الوعد الإلهي: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية: ٥٥). ولذلك فهم يَسْعَوْنَ بالدعوة بالوسائل الشرعية على أساس تصفية التوحيد من البدع والانحرافات العقدية والسلوكية، وتصفية الأحاديث من الموضوعات وتربية الأمة على ذلك، كما أنهم يحاربون الفرق الضالة المنحرفة الخارجة على أهل السنة والجماعة: كالرافضة والقاديانية والبرلوية والبابية والبهائية وغيرها، ويتصدون لحملات الأذكار الهدامة المعاصرة المعادية للإسلام: كالعلمانية والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وغيرها؛ وذلك باتخاذ كل الوسائل المشروعة.

стр. 355

د- انتشار الجماعة ومواقع نفوذها: تتركز جماعة أهل الحديث في كل من بلاد الهند وباكستان وبنجلادش ونيبال وكشمير وسيريلانكا وجزر فيجي ولهم مركز في بريطانيا، وجمعيتهم في هذه الدول كلها معروفة باسم: جمعية أهل الحديث، ونجد أن في كل دولة من هذه الدول المذكورة مركزًا للجمعية، تتبعه فروع موزعة حسب الولايات والمديريات، إلا أن للجمعية قيادة مستقلة في كل دولة، وذلك أمر إداري بحت؛ لكنه يجمعهم جميعًا المنهج السلفي الموحد الذي تتبناه الجمعية في الأصل. ولجمعية أهل الحديث علاقة مع بعض الجمعيات الأخرى خارج شبه القارة الهندية، التي تتفق معها في الأصول والمنهج: كجماعة الدعوة إلى القرآن والسنة بأفغانستان، والجمعيات المحمدية بأندونسيا وسنغافورة وماليزيا، وجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر والسودان وإريتريا وجمعيات إحياء التراث الإسلامي بالكويت وجمعية دار البر بدبي، وغيرها من الدعوات السلفية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى عضوية جمعيات أهل الحديث في الندوة العالمية للشباب الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والمجلس الإسلامي العالمي بلندن والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بالقاهرة. ويتضح مما تقدم أن جمعية أهل الحديث من أقدم الجمعيات والجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، ومن مقاصدها الأولية تصفية الإسلام من البدع والانحرافات، ودعوة الناس إلى اتباع منهج السلف الصالح في مجال العلم والعمل، واختيار طريقة الفقهاء والمحدِّثين في المسائل الفقهية، وذلك بإتباع الدليل ونبذ التعصب المذهبي بكافة صوره وأشكاله.
следующие страницы →