Полный текст (490 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
السلفية بمدينة "فيصل آباد"، كما تحمد له مواقفه من إقامة النظام الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وله جهود علمية في الرد على منكري السنة والقاديانية، وعند تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة اختير عضوًا بالمجلس الاستشاري الأول لها، كما شارك في وضع مناهجها الدراسية.
ومن أبرزهم أيضًا العلامة محمد إسماعيل السلفي، الذي نشأ في ظل أسرة متدينة، وطلب العلم في مراحل مبكرة على يد أبيه، ورحل في طلبه على يد أفاضل علماء عصره، وكان ﵀ من الرواد الأوائل الذين ساهموا في تأسيس جمعية أهل الحديث بباكستان، وكانت لجهوده الدعوية والسياسية أثرها البالغ على البلاد، فتولى الخطابة في جامع أهل الحديث، وترأس هيئة التدريس في الجامعة المحمدية التي أنشأها، كما عين مشرفًا على مقر جمعية تنظيم أهل الحديث "بالبنجاب" ثم انتخب أمينًا عامًّا للجنة العمل لجمعية أهل الحديث في مؤتمر "دهلي" وبعد فصل باكستان عن الهند انتخب أمينًا عامًّا لجمعية أهل الحديث بباكستان حتى وفاته -رحمه الله تعالى.
ومن أبرز الشخصيات أيضًا في هذه الجماعة في باكستان: العلامة الشيخ إحسان إلهي ظهير، أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهو له مؤلفات قيمة يشكر عليها ﵀ ﵎ ومعظم هذه المؤلفات في الرد على أهل البدع والأهواء.
ومن أبرز الشخصيات الأخرى: العلامة المحدث أبو محمد بديع الدين شاه الراشدي السندي، أحد كبار علماء السنة في العصر الحاضر، وصاحب الأسانيد المتصلة إلى النبي ﵌ وله مشاركات جيدة في علوم الكتاب والسنة تأليفًا وتصنيفًا، وقد درس في الحرمين الشريفين وله تلاميذ كثيرون من الهند وباكستان وغيرهما.
стр. 352
أما أبرز الشخصيات في الهند فهم كما يلي:
الشيخ عبد الوهاب الأروي أول رئيس لجمعية الحديث بالهند، بعد التشكيل الجديد، والشيخ عبد الجليل الرحمن أمين عام وصاحب (تفسير القرآن) بالأردن بالإضافة إلى إصداره مجلة (مصباح) الأردية ومن أبرزهم أيضًا الشيخ عبد الحميد بن عبد الجبار الرحماني، وقد تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وقد تولى منصب الأمين العام للجمعية في فترة سابقة، وله جهود مشكورة في مركز أبي الكلام الذي ترأسه فترة من الزمن.
ومن أبرزهم أيضًا رئيس الجامعة السلفية ببنارس ومحدث الديار الهندية: الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري مؤلف (مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) والعلامة الشيخ عبد الصمد شرف الدين، بالإضافة إلى الدكتور الأديب مقتضى حسين الأزهري، وكيل الجامعة السلفية ببنارس ورئيس تحرير مجلة صوت الأمة، ورئيس إدارة البحوث العلمية بالجامعة، بالإضافة إلى عدد كبير من العلماء وطلبة العلم البارزين في خدمة السنة والدعوة.
ولأهل الحديث في شبه القارة الهندية دور كبير في كل ناحية من نواحي الحياة: دعوة وتدريسًا وتصنيفًا، كما أن لهم شخصيات بارزة في مختلف المجالات العلمية، سواء كان ذلك في العقيدة أو العبادة أو الأحوال الشخصية أو الأمور المدنية: كالاقتصاد الإسلامية والسياسة الشرعية، وأبرز العلماء الذين اهتموا بهذه المجالات على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمد حسين البتلوي ﵀ والشيخ محمد إبراهيم السلكوتي وغير هؤلاء ممكن كان لهم دور بارز في نشاط حركة أهل الحديث في شبه القارة الهندية في العصر الحاضر.
стр. 353
جـ- أفكار ومعتقدات جماعة أهل الحديث:
عقيدة أهل السنة هي عقيدة السلف الصالح وهي عقيدة جماعة أهل الحديث بالهند؛ ولذلك قامت أفكارهم ومعتقداتهم على ما يلي:
أولًا: التوحيد: فأهل الحديث إيمانًا منهم من أن التوحيد هو أصل الدين، يبدءون عملهم بنشر التوحيد الخالص، وغرسه في قلوب الناس مع تفصيل أنواع التوحيد الثلاثة، وخاصة توحيد الألوهية الذي يخطئ فيه كثير من الناس، مع إيمانهم بتوحيد الربوبية وما يقتضيه من الحاكمية لله تعالى، ولا يكتفون بإقرار وتطبيق النظام السياسي الإسلامي فقط؛ وإنما أن يكون الله -جل وعلا- هو صاحب التشريع وحده دون سواه.
وأيضًا مما صاروا عليه في أفكارهم ومعتقداتهم الإتباع: فأهل الحديث يركزون على اتباع ما صح عن النبي ﵌ على ضوء فهم السلف الصالح؛ ولذلك لا يرون التقليد الجامد الذي يدعو إلى الالتزام بمذهب فقهي معين بدون سؤال عن دليل؛ بل ينادون بفتح باب الاجتهاد لكل من تحققت لديه شروط ويدعون إلى احترام العلماء المجتهدين والأئمة المتبعين بشكل خاص.
وأيضا من أفكارهم ومعتقداتهم تقديم النقل على العقل: فهم يقدمون الروايات على الرأي حيث يبدءون بالشرع ثم يخضعون له العقل؛ لأنهم يرون أن العقل السليم يتفق مع نصوص الشرع الصحيحة؛ ولذلك لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولا تقديمه عليه، وهم في جانب التزكية الشرعية وأعني بذلك: تزكية النفس تزكية شرعية، نجدهم يتخذون الوسائل المشروعة الذي جاء بها الكتاب والسنة، وينكرون على أتباع التزكية البدعية من الصوفية وغيرهم.
كما أنهم أيضًا يحذرون من البدع؛ لأنهم يرون أن أمر الابتداع في الحقيقة استدراك على الله ﵎ وتشريع بالرأي والعقل، ومن ثم يدعون إلى
стр. 354
الالتزام بالسنة وتجنب أنواع البدع كلها ويحذرون من الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لأن خطورة هذا النوع من الحديث كبير جدًّا على الأمة ولا بد من التحري في الحديث المنسوب إلى النبي ﵌ في جميع المجالات، وأكثر ما يجب أن يهتم بهم في ذلك مسائل العقائد والأحكام.
وهم -مع كل ذلك- يدعون إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ويرون أن الجهاد من أفضل الأعمال، وأنه ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، ودفع الفساد من الأرض، وهم يسعون إلى تطبيق النظام الشرعي وذلك بالسعي لتأصيله وإقراره في جميع مجالات الحياة الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وما إلى ذلك بالطرق المشروعة.
ويعتقد أهل الحديث: أنه بتحقيق التوحيد الخالص لله رب العالمين وبالعمل الموافق لسنة النبي الأمين ﵌ وهديه يتحقق النصر والتمكين؛ فهما شرطا قبول الأعمال، وهما أيضًا شرطا النصر والتمكين وعودة الخلافة الإسلامية، حسب الوعد الإلهي: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية: ٥٥).
ولذلك فهم يَسْعَوْنَ بالدعوة بالوسائل الشرعية على أساس تصفية التوحيد من البدع والانحرافات العقدية والسلوكية، وتصفية الأحاديث من الموضوعات وتربية الأمة على ذلك، كما أنهم يحاربون الفرق الضالة المنحرفة الخارجة على أهل السنة والجماعة: كالرافضة والقاديانية والبرلوية والبابية والبهائية وغيرها، ويتصدون لحملات الأذكار الهدامة المعاصرة المعادية للإسلام: كالعلمانية والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وغيرها؛ وذلك باتخاذ كل الوسائل المشروعة.
стр. 355
د- انتشار الجماعة ومواقع نفوذها:
تتركز جماعة أهل الحديث في كل من بلاد الهند وباكستان وبنجلادش ونيبال وكشمير وسيريلانكا وجزر فيجي ولهم مركز في بريطانيا، وجمعيتهم في هذه الدول كلها معروفة باسم: جمعية أهل الحديث، ونجد أن في كل دولة من هذه الدول المذكورة مركزًا للجمعية، تتبعه فروع موزعة حسب الولايات والمديريات، إلا أن للجمعية قيادة مستقلة في كل دولة، وذلك أمر إداري بحت؛ لكنه يجمعهم جميعًا المنهج السلفي الموحد الذي تتبناه الجمعية في الأصل.
ولجمعية أهل الحديث علاقة مع بعض الجمعيات الأخرى خارج شبه القارة الهندية، التي تتفق معها في الأصول والمنهج: كجماعة الدعوة إلى القرآن والسنة بأفغانستان، والجمعيات المحمدية بأندونسيا وسنغافورة وماليزيا، وجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر والسودان وإريتريا وجمعيات إحياء التراث الإسلامي بالكويت وجمعية دار البر بدبي، وغيرها من الدعوات السلفية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى عضوية جمعيات أهل الحديث في الندوة العالمية للشباب الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والمجلس الإسلامي العالمي بلندن والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بالقاهرة.
ويتضح مما تقدم أن جمعية أهل الحديث من أقدم الجمعيات والجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، ومن مقاصدها الأولية تصفية الإسلام من البدع والانحرافات، ودعوة الناس إلى اتباع منهج السلف الصالح في مجال العلم والعمل، واختيار طريقة الفقهاء والمحدِّثين في المسائل الفقهية، وذلك بإتباع الدليل ونبذ التعصب المذهبي بكافة صوره وأشكاله.
стр. 356
جماعة أنصار السنة المحمدية
أ- التعريف بها وبمؤسسها:
جماعة أنصار السنة المحمدية جماعة إسلامية سلفية قامت في مصر أولًا، ثم انتشرت في غيرها للدعوة إلى الإسلام على أساس من التوحيد الخالصة والسنة الصحيحة؛ لتطهير الاعتقاد ونبذ البدع والخرافات، كشرط لعودة الخلافة ونهضة الأمة الإسلامية، وقد أسسها العلامة الشيخ محمد حامد الفقي -رحمة الله ﵎ عليه- وقد بدأ الشيخ محمد حامد الفقي حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم، حيث أتم حفظه في شهر رمضان من عام ألف وثلاثمائة واثنين وعشرين من الهجرة النبوية وكان عمره وقتذاك اثني عشر عامًا، وقد هيأه والده لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة آنذاك، وقد بدأ دراسته بالأزهر، وكان يحب أن يقيد حنبليًّا إلا أنه لأسباب ما انتسب للأزهر حنفيًّا.
وبعد أن أمضى بالأزهر قرابة الست سنوات بدأ في دراسة الحديث والتفسير، ولما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح دعا إلى التمسك بسنة الرسول ﵌ لفظًا ومعنًى وروحًا، فالتف حوله نفر من إخوانه، واتخذوه شيخًا لهم، وهذا يدل على بلوغ الشيخ المبكر؛ حيث لم يتجاوز عمره في تلك الأثناء ثمانية عشر عامًا ﵀ ﵎.
وفي عام ألف وثلاثمائة وست وثلاثين من الهجرة النبوية تخرج ﵀ في الأزهر؛ حيث نال شهادة العالمية وكان عمره خمسة وعشرين عامًا، وانقطع منذ تخرجه لخدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌.
стр. 357
وكان ﵀ عالمًا وباحثًا ومحققًا يغوص في جنبات المسألة العلمية ويذكر غورها، ويخرج منها، وقد ألمَّ بكل ما يعلق بها، وكان حريصًا على إتباع الكتاب والسنة، نابذًا للتقليد ومحذرًا عنه، وكان مفسرًا بارعًا محبًّا للقراءة، يعكف الساعات الطوال على الكتب كي ينقب ويبحث ويقارن وكان خطيبًا لسنًا يمتاز بصدق التعبير وجزالة الأسلوب وقوة وفصاحة المنطق وكانت دعوته ﵀ تخالط شغاف القلوب وتلمع فكرته أمام العقل دون إيهام وشبهة.
وكان محبًّا للتراث الإسلامي ينقب عنه ويسعى جاهدًا إلى نشره، قال الشيخ فتحي أمين عثمان -وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية سابقًا وعضو الجماعة الآن يقول عن الشيخ حامد ﵀: لقد كانت آخر آية فسرها: ﴿وَيَدْعُو الْإِنْسَانُ بِالشَّرِ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولَا﴾ (الإسراء:١١).
وقد اعتنق الشيخ محمد أحمد أبو الفتوح مذهب السلف -رحمه الله تعالى- وذلك لاهتمامه بالقراءات لعلماء السلف من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- وغيرهم من علماء التوحيد وأئمة الهدى، وعني بكتبهم ومؤلفاتهم وطبعها ونشرها بين المسلمين؛ ولهذا ظهر ميول الشيخ لمذهب السلف وتأثر بعلمائه واتبع المنهج الحق الذي جاء من عند الله ﵎.
وقد عبر الشيخ نفسه عن هذا التحول في حياته بقوله: "ولقد كنت في حياتي الأولى سالكًا مع السالكين، وملبسًا مع الملبسين، ومخرفًا مع المخرفين، وداعيًا إلى البدعة والجاهلية وعبادة الموتى والخشب والنصب مع الداعين، فهداني الله إلى نور الهدى، وكشف عن بصيرتي حجب الجهل والعمى، وبصرني بنور الحق من كتاب الله وسنة نبيه المصطفى ﵌ ووفقني بفضله إلى سبيل السلف الصالح
стр. 358
من الصحابة والتابعين، وانقذني بذلك من طريق الردى، فذقت من يومئذ حلاوة التوحيد الخالص والإيمان، وتحققت الفرق العظيم بين الحق والباطل والهدى والضلال، وبين توحيد الأنبياء والمرسلين وتوحيد المشركين والجهمية المعطلين، وغير آيات الله وحديثه رسوله ﵌ وبين شبهات المبطلين وزخارف المفترين، وعرفت لله تعالى منته العظمى في تلك الهداية ونعمته الكبرى في هذا التوفيق".
وقد كانت للشيخ -مؤسس الجماعة- علاقة متميزة مع جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الملكة العربية السعودية -رحمه الله تعالى- وما ذلك إلا لما رآه في الشيخ من غيرة وهمة لنشر مذهب السلف الصالح وما رآه من تأثره بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ وقد كان الملك عبد العزيز محبًّا لعقيدة السلف ساعيًا في نشرها مجاهدًا في الدفاع عنها.
وقد ذكر الشيخ حامد أنه كان يحضر بعض جلسات الملك عبد العزيز وقد عينه مديرًا لإدارة الطبع والنشر بمكة المكرمة عندما كان مقيمًا بأم القرى، يظهر كل ذلك فيما ألفه الشيخ محمد حامد الفقي في تلك الرسالة المسماه: "أزهار من رياض سيرة الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود".
كما كانت له علاقة متميزة مع علماء نجد وحجاز فكانوا يتبادلون النسخ النادرة من تراث السلف الصالح ومنهم على سبيل المثال الشيخ الفاضل محمد نصيف، رحم الله الجميع.
كما كان الشيخ حامد ﵀ ﵎ وقفات جادة ومشاركات فعالة في القضايا الوطنية والقومية، فقد شارك مع أبناء مصر في المعارك ضد المحتل: يقول الأستاذ محمد رشدي خليل: وقد ساهم الشيخ حامد مع أبناء وطنه في المعارك التي خاضوها ضد المستعمر مطلع أيام الحرب العالمية الثانية، كان يقوم في جوف الليل بطبع المنشورات ضد الإنجليز والاحتلال البريطاني.
стр. 359
والشيخ ﵀ ﵎ أسس لذلك جماعة أنصار السنة المحمدية التي سأتحدث عنها -إن شاء الله تعالى- بعد ذلك بشيء من التفصيل، ولكني أود الآن أن أختم الحديث عن مؤسس هذه الجماعة، وأنا أعرف به -رحمه الله تعالى- فأذكر وفاته، توفي الشيخ ﵀ ﵎ عند فجر الجمعة السابع من شهر رجب في سنة ألف وثلاثمائة وثمانٍ وسبعين من الهجرة النبوية؛ وذلك إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزف حاد، وعندما اقترب أجله ﵀ ﵎ طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفي بها ﵀ ﵎.
وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشييعها من أصحاب الفضيلة وزير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ محمد نور الحسن والشيخ محمد حسنين مخلوف والشيخ محمد محمد محيي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين وكثيرٌ من مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها وقضاة المحاكم.
وقد جاء نعيه في جريدة الشعب بعنوان: فقيد العروبة والإٍسلام الشيخ محمد الفقي، منوهين بجهوده في الدعوة إلى الله وحرصه على تعليم الناس سنة النبي ﵌ في جميع شئون حياتهم.
ب- أبرز الشخصيات في الجماعة:
الشخصيات في جماعة أنصار السنة المحمدية كثيرة وبعضهم تواكب على رئاستها بعض وفاة مؤسسها -رحم الله الجميع- ومن أوائل البارزين في هذه الجماعة فضيلة العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ﵎ الذي حصل على شهادة التخصص في الفقه وأصوله وهي تعادل الماجستير، ثم حصل على العالمية وهي تعادل الدكتوراة من جامعة الأزهر، وعمل مدرسًا في المعاهد العلمية الأزهرية، كما عاصر تأسيس الجماعة، ويعد الشيخ ﵀ من كتاب العدد الأول في مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة، وهو واحد من هيئة كبار علمائها، واختير ﵀ ﵎ ليكون نائبا أولًا لرئيس الجماعة في الوقت الذي كان يشغل رئيس الجماعة لفرع محرم بك بالإسكندرية.
ومن طلب خاص من مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ ﵎ سافر الشيخ ومعه الشيخ محمد خليل هراس إلى السعودية
стр. 360
للتدريس بدار التوحيد بالطائف، وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية نقل للتدريس بالمعاهد العلمية وكلية الشريعة بالرياض، وفي الرابع والعشرين من شهر صفر من عام ألف ثلاثمائة وتسع وسبعين من الهجرة النبوية اختير الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ﵎ بالإجماع رئيسًا عامًّا للجماعة خلفًا للشيخ محمد حامد الفقيه بعد وفاته ﵀ ﵎.
ثم انتدب بعد ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي مرة أخرى للتدريس في المملكة العربية السعودية، وتدرج في سلك التدريس إلى أن أصبح مديرًا للمعهد العالي للقضاء، كما شارك في اللجان المتخصصة لوضع مناهج التعليم بالمملكة ﵀ ﵎ وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين من الهجرة النبوية نقل إلى الإدارة العام للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وعين نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مع جعله عضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء للملكة العربية السعودية، والذي ظل يشغله حتى يوم وفاته في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وخمسة عشر من الهجرة النبوية.
أيضًا من العلماء البارزين والشخصيات المعروفة المعلومة في جماعة أنصار السنة المحمدية: الشيخ عبد الرحمن الوكيل، الذي تلقى تعليمه في الأزهر وحصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين؛ ولم يكمل دراسته العليا لمرض ألم به رغم ما يتمتع به من سعة الاطلاع وقوة اللغة ووضوح المعنى وجمال البلاغة، وقد التحق بجماعة أنصار السنة المحمدية بتزكية خاصة من السيدة نعمت صدقي صاحبة كتاب "التبرج" حيث شارك بعضها في أعمال الجماعة المختلفة إلى أن أصبح وكيلًا أولًا للجماعة.
وزادت مكانته الخاصة عند الشيخ محمد حامد الفقهي، وقد عرفه قراء مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة بقدرته الفائقة على الإقناع وإفحام خصومه من أصحاب الطرق وأهل الأهواء والفرق من قاديانية وبهائية وغيرهم
стр. 361
من خلال سلسلة الأبحاث التي كان يحررها تحت عنوان الطواغيت؛ ولذلك لقبه قراء المجلة بهادم الطواغيت مما عرضه ذلك للتحقيق أمام النيابة العامة بسبب شكاوى مشايخ الطرق الصوفية ضده، وقد رد على كل ذلك في كتابه "رسالة إلى شيخ مشايخ الطرق الصوفية" وقد صدر فيما بعد ذلك بعنوان "هذه هي الصوفية".
وقد انتدب الشيخ للعمل بالمعهد العلمي بالرياض، وبعد أن ترك الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ﵎ الجماعة لسفره إلى المملكة العربية السعودية، انتخب الشيخ عبد الرحمن الوكيل رئيسًا عامًّا للجماعة ﵀ ﵎ وانتخب فضيلة الإمام محمد خليل حراس نائبًا له.
أيضًا من أبرز الشخصيات في الجماعة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي ﵀ ﵎ المعروف برشاد الشافعي، ويعد الشيخ رشاد من المؤسسين للجماعة؛ حيث هو المؤسس الثاني للجماعة بعد أن أدمجت مع الجمعية الشرعية في فترة من الفترات فأعادها الشيخ رشاد الشافعي ﵀ ﵎ وبالتالي يعد هو المؤسس الثاني للجماعة ﵀ ﵎ وهو الذي أعاد إصدار أو أنشأ مجلة التوحيد ﵀ ﵎.
كذلك أيضًا من الشخصيات البارزة في الجماعة: فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم الذي تولى رئاسة الجماعة في حياة الشيخ رشاد الشافعي، وكذلك أيضًا الشيخ محمد صفوت نور الدين -رحمه الله تعالى- الذي انتخب رئيسًا للجماعة خلفًا للشيخ محمد علي عبد الرحيم بعد وفاته، وكان من العلماء المهتمين بالسنة النبوية وعلومها، وقد تميزت فترة رئاسته بالاهتمام بإنشاء المعاهد العلمية لتخريج الدعاة وتقديم الكفالات لطلاب العلم، كما توسعت الجماعة في إنشاء المساجد وتسيير القوافل الدعوية وإنشاء مراكز تحفيظ للقرآن الكريم وإقامة للأسابيع
стр. 362
الثقافية بشكل دوري في جميع فروع الجماعة.
وبالتالي نجد أن هناك علماء لهم باع طويل في العلم كانوا من الشخصيات البارزة في أنصار السنة المحمدية.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - دراسة بعض الدعوات ومناهجها (٢): تابع أنصار السنة المحمدية
تابع الحديث عن جماعة أنصار السنة المحمدية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين.
أ- أصول جماعة أنصار السنة وأهدافها:
قامت جماعة أنصار السنة المحمدية على أصول أصيلة ومتينة كما كانت ترمي وتسعى لتحقيق أهداف سامية ومعانٍ نبيلة؛ سالكة في تحقيق ذلك أجدى الطريق وأسمى الوسائل، وقد انطلقت الجماعة منادية بهذه المبادئ حريصة على تحقيق هذه الأهداف من خلال الأمور التالية:
أولًا: الدعوات إلى التوحيد الخالص المُطَهَّر من جميع أرجاس الشرك وأدرانه وشوائبه: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ﵎ وهو من أبرز أئمة وعلماء هذه الجماعة، قال: العقيدة إيمان الراسخ بأن الله رب كل شيء وملكيه خلقًا وتقديرًا وملكًا وتدبيرًا، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له وحده لا يشركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.
ويقول أيضًا: ونحن إذا رجعنا إلى الوراء، إلى اليوم الذي بدأ الله به بإرسال الرسل للناس؛ لوجدنا أن دعوة أنصار السنة بأهدافها ومقاصدها هي دعوة الرسل جميعًا من نوح إلى خاتمهم محمد ﵌.
فإن دعوة جميع الرسل والأنبياء لم تكن تحمل في أصولها وجوهرها أول الأمر الدعوة إلى تحريم تعاطي الخمر أو لعب الميسر أو اجتناب الفواحش مثلًا؛ وإنما كانت تحمل الدعوة إلى توحيد الله تعالى عن طريق تحقيق كلمة التقوى لا إله إلا الله، وهي كلمة تأمر الناس بالكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده دون سواه وإفراده بالألوهية الخاصة.
стр. 363
وقد بين الله تعالى هذا في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية: ٣٦) وكما قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﵌ في شأن دعوة الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وبهذا أخبرنا الله تعالى أن المهمة الأولى لجميع الأنبياء والرسل: هي دعوة أقوامهم لنفي الألوهية عن كل مخلوق مهما علت مكانته، وعظم شأنه وإثباتها لله الواحد الفرد الصمد، وقد جاءت أكثر الآيات في كتاب الله تنعى على المشركين تأليههم غير الله وتذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم وهي نعم كثيرة فياضة، وتخبرهم أنه وحده المستحق للعبادة الجدير بالألوهية، وأن الله تعالى ما غضب على قوم من الأقوام ولعنهم وعذبهم إلا لإصرارهم على التردي في هاوية الشرك، واستكبارهم عن إفراد الله وحده بالعبادة.
أما عقيدتهم في الأسماء والصفات التي يدعون إليها: فهي توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العليا لا يماثله فيها أحد من خلقه، وتسميته سبحانه بما سمي به نفسه وما سماه به رسول الله ﵌ ووصفه به يجب أن نثبته كما جاء من عند الله وأن نحذر من مذاهب أهل الزيغ والتعطيل الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، وفي أسمائه وصفاته يلحدون، ويزعمون كذبًا أنهم له ينزهون.
ومتى كان تعطيل الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة تنزيهًا أو جحدها تعظيمًا، إنما التعظيم الحق أن تثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسول الهدى والرحمة ﵌ وكانت هذه هي عقيدة ودعوة أنصار السنة المحمدية في باب أسماء الله وصفاته.
стр. 364
وقد شرح بعض علماء أنصار السنة الأسباب الشرعية التي دفعتهم إلى تركيز دعوتهم إلى التوحيد، فذكروا أنه هو دعوة جميع الرسل، وهو الذي تقوم عليه الأعمال، ويتوقف عليه دخول الجنة، إلى جانب أن الحالة التي كان عليها المجتمع قبيل نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية -ومن ذلك الاعتقاد في المشايخ أصحاب المقامات والأضرحة من أنهم يكشفون القربات ويغيثون الملهوف ويكشفون الضر عن المتضررين وغير ذلك- كل هذا دعا علماء أنصار السنة المحمدية ودفعهم إلى الاهتمام بعقيدة التوحيد والدعوة إليها.
ثانيًا: من أصولهم الدعوة إلى حب رسول الله ﵌ حبًّا صادقًا صحيحًا يحمل على اتخاذه مثلًا أعلى وأسوة حسنة، وأن نقتدي به في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وأن نجتنب كل ما لم يكن من أمره وأمر أصحابه، كذلك يجب علينا أن نقدم قوله ﵌ على كل قول أيًّا كان قائل هذا القول قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
وقد اهتمت جماعة أنصار السنة بالدعوة إلى هذا الأصل؛ لأن السواد الأعظم من المسلمين في ذلك العهد قد انسلخوا من حب رسول الله ﵌ وإتباع سنته وأصبحت صلتهم به ﵌ في مجرد التلفظ بشهادة أن محمدًا رسول الله والصلاة عليه ﵌ حين ذكره، وفي الحقيقة: هذه شهادة جوفاء فارغة عن جميع مستلزماتها ومقتضيتها التي بينها العلماء؛ لأن من مقتضيات هذه الشهادة طاعته ﵌ فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ولكن وللأسف الشديد انصرف كثير من الناس عن اتباع الهدي النبوي وفرغوا حياتهم في جميع نواحي الحياة في العبادات والشرائع والسلوك والمعاملات، فرغوها من هدي النبي ﵌ وأصبح الكثير من الناس يميل إلى تقليد الغرب في كثير من أنماط الحياة؛
стр. 365
في الزواج والأفراح والأتراح والحل والترحال، وفي طريقة اللباس المأكل المشرب وما إلى ذلك، وأصبح التعبير عن حب الرسول ﵌ لما هو مخالف لهديه وهدي أصحابه من إقامة الموالد والتغنى فيها بالأذكار البدعية، وضرب الطبول والرقص والمجون واختلاط الرجال بالنساء، أصبح كل ذلك هو التعبير عن حب النبي ﵌ وهذا كله باطل؛ لأن حب النبي ﵌ يستلزم أن نطيعه وأن نقتفي أثره وأن يكون هو القدوة ﵌ في كل ما نأتي وما نذر.
ثالثًا: الدعوة إلى أخذ الدين من نبعيه الصافيين: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة؛ لأن الناس لن يسعدوا في الدنيا ولن تكون لهم نجاة في الآخرة، إلا بفهمهما واتباعهما وما عداهما من أقوال الناس يحتمل الخطأ والصواب، فالصحيح ما حكما بصحته، والباطل ما حكما ببطلانه أيًّا كان قائله، ومهما نال من نفوس الجماهير من إجلال وإكبار، فالدين هو الجزء المنتظر للعبد يوم القيامة وهو يترتب ثوابًا وعقابًا على مبلغ التمسك بقول الله وهدي رسول الله ﵌ أو الانحراف عنهما.
وتظهر أهمية هذه الدعوة في أن المسلمين في تلك الآونة قد انقسموا إلى فرق وأحزاب وطوائف متصارعة متدابرة متباغضة، وكل فرقة تنتسب إلى شيخ أو مؤسس، وتدعي أنها هي الوحيدة على الجادة وعلى الصراط المستقيم، كما تدعي أنها على نهج الكتاب والسنة، ولكن عند التحقيق يتبين أنها متعصبة لشيخها أو لطريقتها، بعيدة كل البعد عن المنهلين الصافيين الكتاب والسنة، ولا شك أن من ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله: روى الحاكم في (مستدركه) بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ((إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)).
стр. 366
فالرسول ﵌ قد ضمن الهداية وعدم الضلال لمن تمسك بهما، وجماعة أنصار السنة المحمدية، عندما رأت ابتعاد الناس عن أخذ دينهم من الكتاب والسنة، وتعصبهم لبعض المشايخ والمفكرين وغيرهم، اجتهدوا في ترك هذا الباب لإرجاع الناس إلى المصادر الأصلية والمنابع الصافية.
الأصل الرابع من أصول هذه الجماعة: إرشاد الناس إلى أن نصوص الكتاب والسنة لا محيد عنها ألبتة، وأن الدين لله محصور في هذه النصوص التي أوحاها الله ﵎ منهجًا لخلقه في دينهم ودنياهم على فهم سلف الأمة وألزمهم اتباعها، ونهاهم عن إتباع ما تشابه منها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فمن اطمئن قلبه بالإيمان؛ وسعه ما وسع الرسول ﵌ وأصحابه وتابعيهم بإحسان، فكل هراء الصوفية وتأويلاتهم وشطحاتهم ودعواهم بأن للقرآن والسنة ظاهرًا وباطلًا إن هو إلا دجل وكذب صريح على الله ورسوله ﵌ دسه أعداء هذه الملة للقضاء عليها.
خامسًا: الدعوة إلى مجانبة البدعة ومحدثات الأمور والوقوف عند قول الرسول ﵌: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد)) فكل ما جاء به في حياته؛ فهو دين إلى قيام الساعة، وما لم يأتِ به، فليس بدين إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية: ٣).
ودعا إلى هذا الأصل والهدف ما كان سائدًا ومنتشرًا من كثرة البدع ومحدثات الأمور من إقامة الموالد للمشايخ وإقامة حلقات الذكر الجماعي وما يصاحب ذلك من ضرب على الطبول والدفوف مع الرقص والتمثيل وإحداث أذكار معينة تقال بعض الصلوات بصورة جماعية أو عند مراسيم دفن الموتى وما إلى ذلك.
стр. 367
وقد قال الشيخ أبو الوفاء درويش ﵀ مبينًا أهمية هذا الأصل عند الجماعة: ومن أخص أهدافها مكافحة البدع ومحدثات الأمور التي فتن بها كثيرًا من الناس وخيل إلى بعضهم أنها تزيدهم تعبدًا لله وزلفى لدينه وصرفهم عن تدبر قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم يزل بهم يعدهم ويمنهم ويزيدهم في الغي والضلال؛ حتى طغت البدع على السنن، وظن سواد الأمة أن الدعوة إلى محاربتها زندقة وإلحاد، ونظروا بعين العداوة والبغضاء إلى من يدعو إلى اعتناق السنة ومجانبة البدعة.
الأصل السادس: إرشاد الناس إلى ارتباط حياتهم الدنيوية بالأخروية أوثق رباط، فالحياة الدنيا مزرعة الأخرى، ومدار ذلك على كتاب الله تعالى؛ تلاوة وفهمًا وتدبرًا وعملًا، والحذر -كل الحذر- من الشرك والكفر والمبادرة إلى الإيمان والعقيدة والتوحيد والعبادة والتخلق بما يدعو إليه القرآن من خلق، وعلى الأمة أن تستمد العبرة والذكرى منه قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ (الشوى: من الآية: ٥٢) وقال تعالى مبينًا أثر القرآن في النفوس: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٢٢) فكل قلب لم يحي بالقرآن فهو ميت؛ وكل قلب لم يَسْتَنِرْ بهدي الرسول ﷺ فهو مظلم.
وعلى ذلك، فاتخاذ القرآن حجبًا يتوهم فاعله أنها تشفي من الأمراض وتقي من العين، أو من يقتني القرآن للبركة أو من يقرؤه في جنازة الموتى، أو على قبورهم، كل ذلك ليس من غرض القرآن ولا هدفه؛ لأن القرآن الكريم دعوة وإرشاد للعمل به في الدنيا بما يرضي رب العزة والجلال؛ ليصل العبد بعد ذلك إلى الأخرى وقد عبد ربه على نور وبرهان، ولا شك أن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن عمل فيها بغير القرآن والسنة؛ فقد خسر والعياذ بالله ﵎.
стр. 368
الأصل السابع: إرشاد الناس إلى أن الله تعالى وصف الخير ووعد فاعله بالخير والمغفرة في الدنيا والآخرة، ووصف الشر وأنذر آتيه اللعنة وسوء الدار، ولم يعين أشخاصًا بأعينهم ولا أمة بذاتها؛ بل الناس أمام هذا المبدأ السامي سواء؛ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (فصلت: من الآية: ٤٦).
والأصل الأخير في ذلك: إرشاد الناس إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله هلكة في الدنيا، وشقوة في الآخرة، وأن الله أعلم بمصلحة عباده فأنزل لهم شرعًا يحيط بهذه المصلحة من جميع جهاتها، فكل مشرع سوى الله في أي شأن من شئون الحياة فهو معتد على الله ﵎ منازع لله في حقوقه التي ينبغي أن تكون له خاصة، وقد سمى الله ذلك شركًا بقوله بهذا الأسلوب الإنكاري: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: من الآية: ٢١) وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية: ٣٠).
ب- تأثر جماعة أنصار السنة المحمدية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎:
تأثرت جماعة أنصار السنة المحمدية وغيرها من الجماعات السلفية في القرن الرابع عشر الهجري بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أمر ظاهر وجلي، شأنها في ذلك شأن الحركات الإصلاحية التي قامت في العالم الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كحركة الشيخ عثمان بن فدية الفولاني في غرب أفريقيا، ويمكن إبراز وجود التأثر من خلال الأمور التالية:
أولًا: الأصول والمبادئ والأهداف المعلنة في برنامج وميثاق الجماعة التي يظهر فيها بوضوح وجلاء التشابه بينهما وبين الأصول والأهداف التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذلك كالدعوة إلى التوحيد الخالص،
стр. 369
ومتابعة النبي ﵌ في العبادة والشعائر والشرائع ومحاربة الشرك والبدع والخرافة والشعوذة والدجل.
وهذه المبادئ -وإن كانت قد ظهرت مع مناهج الأنبياء والرسل قديمًا ومع بعثة النبي الخاتم ﵌ إلا أن هناك علماء ربانيين كانوا يحيون هذه المبادئ بعد اندراسها، ويجددون هذا الدين، ومنهم: العالم المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني الهجري، وقد استفاد منهم مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وغير ذلك من أصحاب الدعوات السلفية في العالم الإسلامي.
ثانيًا: إشارة بعض الباحثين الذين كتبوا عن آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية إلى تأثر جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر بدعوة ابن عبد الوهاب، ومن هؤلاء أستاذ محمد كمال جمعة الباحث بدارة الملكة عبد العزيز، إذ يقول: وهناك أيضًا جمعية أنصار السنة المحمدية، وهم متمسكون بالكتاب والسنة، وكان يرأسها الشيخ محمد حامد الفقي، وقد ذكر ذلك أيضًا الدكتور محمد فتحي عثمان، فقال: وثمة صور أخرى لتأثير الدعوة السلفية التي اضطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجماعات الإسلامية المعاصرة، وأولى هذه الصور قيام جمعيات أنصار السنة بوجه خاص والجمعيات السلفية بوجه عام في أنحاء العالم الإسلامي، تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة، وتحارب ما طرأ على العقيدة الإسلامية من انحرافات تصل إلى الشرك أحيانًا.
كما ذكر الدكتور محمد سلام مدكور في بحثه الذي أعده ضمن بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أقامته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض؛ إذ يقول: ومن أبرز الدعوات التي تأثرت بمبادئ محمد بن عبد الله في العصر الحديث جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر فهذه الجماعة قد سارت على نهج هذا الداعية المصلح ودعت إلى محاربة البدع وإحياء السنة وبخاصة بما يتعلق بالعبادات.
стр. 370
ثالثًا: كتابات رؤساء جماعة أنصار السنة وكبار دعاتها عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها في الجزيرة العربية وسائر أنحاء العالم الإسلامي، ومن هؤلاء مؤسس الجماعة الشيخ محمد حامد الفقي كتب كتابًا بعنوان (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها).
ومن الكتب أيضًا التي كتبها علماء أنصار السنة عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يبين تأثر هذه الجماعة بدعوة الشيخ ﵀ الدكتور محمد خليل هراس نائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في عهد رئيسها الشيخ عبد الرحمن الوكيل حيث كتب كتابًا بعنوان (الحركة الوهابية) وهو عبارة عن رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية.
كذلك أيضًا كتب الدكتور محمد جميل غازي ﵀ نائب رئيس جماعة أنصار السنة في عهد رئيسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي كتب رسالة بعنوان (مجدد القرن الثاني عشر العالم المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب) والذي يظهر تأثره بدعوة الشيخ من عنوان الرسالة؛ إذ يصف الشيخ ﵀ بأنه عالم ومصلح وأنه مجدد القرن الذي عاش فيه.
٢ - أفكار ومعتقدات أنصار السنة المحمدية:
إذا أردنا أن نعرف أفكار ومعتقدات أنصار السنة المحمدية، وقد أشرت سابقًا إلى أصولها التي قامت عليها، إلا أنني أود أن أذكر -وأشير باختصار وفي نقاط محددة- ما حددته اللائحة الداخلية للجماعة؛ حيث قد حددت هذه اللائحة أهداف الجماعة ومجمل أفكارها.
وقد لخصها الشيخ محمد حسين هاشم في رسالة المؤتمر العام لجماعة أنصار السنة المحمدية قائلًا: هذه عقيدة أنصار السنة المحمدية في مبادئها العشرة:
стр. 371
أولًا: نعتقد أن الأصل في الدين: هو الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، أما الأئمة المجتهدون والعلماء والمحدثون، فهم أئمة خدموا الإسلام أجل خدمة، وهم بمنزلة المعلمين والمبلغين، نحبهم، ونُجِلُّهم، ونعظمهم، وندافع عنهم ونتبعهم اتباع المستنير المتأمل لوجوه الاستدلال لمن يكون من أهل التأمل والاستدلال.
ثانيًا: نعتقد أن صفات الله هي كما وصف نفسه ووصفه بها رسوله ﵌ حقيقة من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ثم نكف عن الجدل في ذلك، ونسكت عما سكت عنه الصحابة والتابعون.
ثالثًا: نعتقد إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة من نذر وحلف واستغاثة واستعانة.
رابعًا: نعتقد أن الإيمان هو التصديق الإذعاني الذي ينتج العمل ويظهر على الجوارح وكل نقص في العمل مع التمكن منه والقدرة عليه هو نقص في الإجابة بقدره، وليس الإيمان مجرد الحكم بثبوت الشيء أو إدعائه أو التلفظ به وإنما هو قول واعتقاد وأخلاق.
خامسًا: نعتقد أن البدعة الشرعية هي كل جديد في العبادات على غير مثال سابق من سنة رسول والهدى والرحمة -صلى الله عليه وآله سلم.
سادسًا: نتفانى في حب رسول الله ﵌ بأن نتمسك جهد المستطاع بكل ما أمر به، ونتجنب كل ما نهى عنه، وأن نكثر من الصلاة والصيام عليه وعلى آل بيته الأطهار.
سابعًا: نعتقد أنه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) كما جاء في الحديث، وأن الله يشفع من يشاء في عباده لمن ارتضى، وأنه ﵌ صاحب الشفاعة الكبرى، وأنه صاحب المقام المحمود والجاه العظيم يوم القيامة.
стр. 372
ثامنًا: نقرأ القرآن للذكر والتدبر لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧) ونعترف أن استنباط الأحكام منه يكون من اختصاص أهل العلم.
تاسعًا: نعتقد أن الدين الإسلامي جماع الخير في الدين والدنيا يريد من أهله يكونوا أقوياء محسنين في أعمالهم، حتى يكونوا ورثاء الأرض، كما قال ﵌: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)).
عاشرًا: نعتقد أن الإسلام دين ودولة وعبادة وحكم وأنه صالح لكل زمان ومكان.
نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى
أ- تكوين الجماعة في السودان وأبرز مؤسيسها:
تكونت جمعية أنصار السنة المحمدية في السودان في عام ألف وثلاثمائة وتسعٍ وخمسين من الهجرة النبوية، وكان الشيخ الفاضل التقلاوي كان أول رئيس للجماعة ومعه الشيخ يوسف عمر أغا وكان سكرتيرًا عامًّا، والشيخ محجوب مختار، وكان أمينًا للمال مع أعضاء آخرين، وقد ظلوا يبثون دعوتهم من خلال منزل يوسف عمر أغا، وقد رفعوا عليه لافتة جديدة كتبوا عليها: جماعة أنصار السنة المحمدية.
ثم انضم معهم بعد ذلك الشيخ عبد الله حمد وطه الكردي والشيخ محمد هاشم الهدية -الرئيس الحالي للجماعة- وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية نُقِلَتْ دار الجماعة من منزل الشيخ يوسف عمر أغا إلى بيت على شاطئ النيل استأجروه، واتخذوه دارًا لهم، وافتتحوا الدار بحفل كبير، دعوا له
стр. 373
الشيخ أحمد الطاهر أول قاضي قضاة سوداني والأستاذ أحمد حامد مفتش أول مركز أم درمان، وبعد ذلك تقدموا بطلب إلى مفتش الحكومة البريطانية بأم درمان لتقنين الهيئة حتى تصير هيئة شرعية، ويقيموا مركزًا عامًّا ولجانًا فرعية.
وفعلًا تم التصديق لهم في عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية؛ فبدأت اللجان، وتوطدت عندئذٍ علاقتهم مع المركز العام بمصر وأصبح بينهم زيارة متبادلة، يقول الأستاذ يحيي محمد عبد القادر عن جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، نقلًا عن مجلة (الهدي النبوي): أنشئت هذه الجماعة في عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ميلادية وكان من كبار مؤسيسها حضرات السادة: طه الكردي وعبد الله حمد ومحجوب مختار وخليل صالح داود وعبد الحليم العتباني ومصطفى الغول والفاضل التقلاوي وآخرون.
وقد صار جدل كثير في السودان حول هذه الجماعة وتصدت لمحاربتها بعض الطوائف الدينية كالختمية والتيجانية، وقد استغلوا عواطف الجمهور -وبخاصة فيما يتصل بإنكار الجماعة للوسيلة- لأن هؤلاء المتصوفة معلوم عنهم أنهم يشجعون هذه البدع والخرافات؛ وبالتالي يتصدون ويقفون لكل من يدعو إلى الله ﵎ وإلى هدي النبي ﵌؛ لأن في ذلك مخالفة واضحة لما هم عليه من بدع وضلالات.
أود بعد ذلك هنا أن أذكر وأشير، وأن أتحدث عن نشأة جماعة أنصار السنة في السودان، أن أذكر أبرز علماء هذه الجماعة، وقد أشرت سابقًا إلى أسماء بعض العلماء الذين ساهموا في تأسيسها، وأود أن أذكر بعض العلماء الآخرين ممن لهم دور بارز في هذه الجماعة، ومنهم فضيلة الشيخ أبو زيد محمد حمزة التي تلقى الدعوة على يد الشيخ حامد الفقي، مؤسس الجماعة في مصر، وعلى أيدي علماء الجماعة، وقد ظل بمصر حتى وفاة الشيخ الفقي ﵀ فعاد إلى السودان، وأخذ ينشر الدعوة في مدينته "وادي حلفا" والمناطق المجاورة لها.
وكان للمرأة من دروسه نصيبًا؛ حيث خصص لها أماكن خاصة في دروسه؛ فالتف الناس حوله، وزاد أتباعه مما أثار أتباع الطريقة الختمية وفي سنة ألف وتسعمائة
стр. 374
وسبعٍ وسبعين ميلادية بث التليفزيون السوداني مناظرة بينه وبين الشيخ علي زين العابدين أحد أقطاب الطريقة الختمية التي بيَّن فيها زيف مبادئهم، وبطلان معتقداتهم مما كان له أثر كبير في انتشار دعوة الجماعة أكثر في المجتمع السوداني.
ومازال للشيخ -حفظه الله ﵎ ووفقه لما يحبه ويرضاه- مجهود ضخم وحركة واسعة في الدعوة إلى الله ﵎ مع كبر سنه -حفظه الله .
وأيضًا من أبرز علماء الجماعة: الشيخ محمد الحسن عبد القادر خريج دار الحديث بمكة المكرمة وتلميذ الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وقد تلقى الدعوة على يد الشيخ محمد الطيب وتأثر به؛ حيث كان للشيخ الطيب نشاط ملموس في الدعوة في بلدة بإريتريا، ومن ثم نشط الشيخ محمد الحسن في الدعوة مما عرضه للكثير من الصعوبات والمشاق من أصحاب الطرق الصوفية.
وأيضًا من أبرز علماء الجماعة: الشيخ مصطفى ناجي الذي انضم إلى جماعة أنصار السنة بعد أن تلقى العلم على الشيخ أبو طاهر محمود السواكني أحد علماء الأزهر.
ومنذ تأسيس أول مسجد للجماعة في الخرطوم بحي السجانة -وهو المركز العام الحالي للجماعة- تولى الشيخ مصطفى ناجي إمامة هذا المسجد، ويدعو فيه، ومن خلال منبره إلى الله ﵎.
كذلك من العلماء المعروفين جماعة أنصار السنة في السودان فضيلة الشيخ عوض البلوله -حفظه الله ﵎ وله مساهمات فعالة في الدعوة إلى الله -جل ذكره- بإنشاء وبناء المساجد وتفقيه الناس والدعوة إلى فهم الكتاب والسنة، وتأييد أئمة علماء الجماعة ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه وهو يقيم أحيانًا في السودان ويقيم أحيانًا في القاهرة جزاه الله خير الجزاء.
ب - انتشار جماعة أنصار السنة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى:
انتشرت جماعة أنصار السنة في كثير من البلاد الأخرى: كالحجاز مثلًا؛ لالتقائها بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كما أنها انتشرت في سوريا،
стр. 375
فهناك ارتباط وثيق وعلاقة حميمة بين جماعة أنصار السنة في مصر والجماعة في سوريا، وهناك نصوص مفادها: أن هناك جماعة باسم جماعة أنصار السنة في سوريا، وفي مدينة "حلب" على وجه التحديد، كما أن نصوصًا أخرى تفيد أن هناك تعاونًا وصلات بين جماعة أنصار السنة في مصر وجماعات سلفية في سوريا، وإن لم تكن باسم جماعة أنصار السنة المحمدية.
وكانت همزة الوصل بين هذه الاتجاهات هي مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر في ذلك الوقت، وقد جاء في مجلة (الهدي النبوي) في باب أخبار الجماعة:
زار دار الجماعة أخونا المجاهد الفاضل الشيخ محمد نسيب الرفاعي الذي نشر السلفية مع إخوانه في الإقليم السوري، وهو رئيس الجماعة في حلب، ولقد لقي الأخ الجليل من جماعة أنصار السنة المحمدية جميعًا في القاهرة والإسكندرية وغيرهما، ما هو أهل له من تقدير واحترام وحب وَثَّقَ عُرَاه الحبُّ في الله، والالتقاء عند هدف واحد هو وحدة المسلمين الكبرى تحت راية التوحيد.
كما نشأت جماعة أنصار السنة المحمدية في إريتريا، وكان ذلك عند وصول مجلة الهدي النبوي إليها، وقد قامت على أرضية من الدعوة السلفية كان قد أرسى قواعدها بعض حملة هذه الدعوة القادمين من الحجاز، وكان من كبار مؤسسي جماعة أنصار السنة المحمدية في إريتريا رئيسها الأول: الشيخ محمد صالح طاهر، الذي تلقى تعليمه وتلقى الدعوة في مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة على يد مؤسسها: الشيخ عبد الظاهر أبو المسح إمام الحرم المكي ومديرها: الشيخ محمد عمر عبد الهادي وممن درس عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي الرئيس الثاني للجماعة.
كما انتشرت دعوة أنصار السنة المحمدية في الصومال، وقد كانت أيضًا لمجلة (الهدي النبوي) أثر كبير في نشر دعوة التوحيد في ربوع الصومال، وقد جاء ما يفيد ذلك في مجلة الهدي النبوي.
وهذه كلها بلاد انتشرت فيها الدعوة
стр. 376
السلفية، وقامت هناك مجالات لجماعة أنصار السنة المحمدية كان لها -ولله مزيد الحمد والفضل- آثار قوية وبارزة على الدعوة السلفية في العصر الحاضر.
جـ- مجلات جماعة أنصار السنة المحمدية:
مجلة (الهدي) النبوية: وقد ولدت (مجلة الهدي) النبوي بعد عشر سنوات من قيام جماعة أنصار السنة المحمدية؛ إذ صدر عددها الأول في شهر ربيع الثاني من عام ألف وثلاثمائة وست وخمسين من الهجرة النبوية، يقول الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ بعد أن ذكر ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تردي وانحطاط-: ولطالما تمنت نفسي أن أصدر صحيفة دينية علمية تضم صوتها إلى صوت المصلحين، وتدعو إلى الحق والرشاد والصلاح، ولقد حقق الله الأمنية -وهو المستعان- فلقد أخرجت جماعة أنصار السنة المحمدية مجلتها المباركة (الهدي النبوي)؛ لتحقيق ما سبق ذكره من معالجة الأمراض والأدواء، التي تنخر في جسم المجتمع الإسلامي في هذا العصر، والله ولي التوفيق.
وقد أفصح الشيخ حامد الفقي ﵀ عن الغرض الذي من أجله أنشأ هذه المجلة؛ بأنه: تقديم ما تستطيعه من نصح وإرشاد في الشئون الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وأن تتحرى الحق، وأن تحرص على عرض ما ثبت في الدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله وسنة رسول الله ﵌.
وقد تولى رئاسة تحريرها الشيخ حامد الفقي ﵀ وهو مؤسسها ثم تبعه عليها فضيلة الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ ﵎ ولما أدمجت جماعة أنصار السنة المحمدية في الجمعية الشرعية؛ توقف إصدار مجلة الهدي النبوي.
المجلة الثانية: التي قامت بنشأتها جماعة أنصار السنة المحمدية: مجلة (التوحيد)، وقد نشأت مجلة (التوحيد) في شهر الله المحرم من عام ألف وثلاثمائة
стр. 377
وثلاثة وتسعين من الهجرة النبوية، وتعتبر مجلة التوحيد امتدادًا لأختها مجلة الهدي النبوي التي توقفت عن الصدور في مدة تقارب سبع سنين.
وقد تغير اسم مجلة أنصار السنة من (الهدي النبوي) إلى التوحيد، وقد أسسها فضيلة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي، الذي أشرت إليه سابقًا وهو المؤسس الثاني لجماعة أنصار السنة؛ لتسير على نهج مجلة الهدي النبوية في الدفاع عن التوحيد ورفع لوائه وتثبيت دعامته وإرساء قواعده في القلوب؛ لإخراج الناس من ظلمات المادية وعبادة الأصنام إلى نور التوحيد والإيمان، وهي في الوقت نفسه لا تتجاهل أركان الإسلام الأخرى، بل تدعو إليها وتحض على إقامتها وعلى التمسك بها وعلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول الشيخ رشاد الشافعي ﵀ مبينًا الغاية النبيلة من إصدارها والهدف الجليل من ظهورها -يقول- بعد كلام له سابق: هو إعلام الناس أن القرآن روح الإسلام وأن التوحيد روح القرآن، وأن مجتمعنا بغير قرآن كالجسد بغير روح، وأن الجسد بغير روح لا يصدر عنه إلا العفن، وأن بطن الأرض أولى من ظاهرها.
وقد تولى تحرير رئاستها أولًا: مؤسسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي ﵀ ﵎ ثم تبعه على رئاسة تحريرها فضيلة الشيخ عنتر حشاد ﵀ ﵎ ثم بعد ذلك فضيلة الشيخ أحمد فهمي -حفظه الله ﵎ ثم الشيخ صفوت الشوادفي ﵀ ﵎ ثم الدكتور جمال المراكبي، ويرأس تحريرها حاليًا الأستاذ جمال سعد حاتم، وهي تخطو خطوات واسعةً إلى الأمام، وقد افتتح فيها بعض الأبواب الجديدة التي تبين كثيرًا مما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﵌ رغبةً في أن يعود الناس إلى كتاب الله وإلى هدي رسول الله ﵌.
المجلة الثالثة التي أنشأتها جماعة أنصار السنة المحمدية: هي مجلة (الاستجابة)، وقد نشأت مجلة الاستجابة التي أصدرتها جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان في عام ألف وأربعمائة وستة من الهجرة النبوية، أي: بعد
стр. 378
حوالي ما يقرب من سبعة وأربعين عامًا من قيام جماعة أنصار السنة في السودان، وكان ذلك بعد صبر طويل ومجاهداتٍ شتى للحصول على تصديق لإصدارها، وكان هذا عبر أزمنة وحقبٍ سياسية مختلفة الألوان في حكم السودان إلى أن حصلت الجماعة على الفسح لصدورها إبان حكم الرئيس المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وهو ما يعرف بالحكومة الانتقالية بعد سقوط حكم الرئيس جعفر النميري.
والحقيقة أن مجلة الاستجابة تعتبر أول مجلة إسلامية سلفية تصدر في السودان؛ وقد أنشأت لتكون منبرًا تنطلق منه جماعة أنصار السنة في الدعوة إلى الله لإظهار الدين للناس في ثوبه القشيب المرتكز على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌.
وفي الحقيقة إن وجود مجلة الاستجابة في بلد كالسودان كان له خير ونفع عظيم للغاية؛ لأن هذه المجلة كانت تنشر التوحيد، وتدعو إليه بحكمة وبصيرة، وكان فيها كثير من الكتاب الذين تناوبوا على الكتابة فيها في مثل هذه المجالات، وقد شرح رئيس تحرير المجلة الشيخ محمد هاشم الهدية وهو رئيس عام جماعة أنصار السنة في السودان منهج المجلة مبينًا أنه قائم على الصدق والنصح للأمة معبرًا عن أهمية المنابر الإسلامية في نصح الأمة وتوعيتها، وهذا في الحقيقة شيء جميل إلى جانب القضايا الأخرى التي اهتمت بها المجلة وهي قضايا اجتماعية مهمة.
وقد رأس تحريرها في أول نشأتها الشيخ محمد هاشم الهدية حتى توقفت فترة وكان ذلك لمدة سبع سنوات، وبعد عودتها في عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين من الهجرة النبوية أصبح رئيس مجلس إدارتها الشيخ محمد هاشم الهدية، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ كامل عمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 379
الدرس: ١٢ تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها .
стр. 380
بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم
الدرس الثاني عشر
(تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها)
حركة " الإخوان المسلمون "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
وعنوان هذا اللقاء: "تابع دراسة بعض الدعوات ومنهاجها في الدعوة إلى الله". وهذا العنوان هو امتداد لمحاضرات سبق أن قلتها، وقد تحدثت فيما مضى عن جماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية، كما تكلمت عن جماعة أنصار السنة المحمدية، وذكرت في البداية حديثي عن هذه الاتجاهات: أنني حينما أتحدث عنها سأتحدث عنها مراعيًا الترتيبَ الزمنيَّ في ذلك.
واليوم -إن شاء الله تعالى- وتحت عنوان هذه المحاضرة أيضًا عناصر؛ العنصر الأول: بعنوان: "الإخوان المسلمون" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالجماعة ومؤسسها؛ الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة، تنادي بالرجوع إلى الإسلام، وتدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في واقع الحياة، وقد وقفت متصدية لسياسة فصل الدين عن الدولة ومنابذة موجة المد العلماني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ومؤسس هذه الدعوة هو الشيخ حسن البنا ﵀ ﵎ الذي مات في عام ألف وتسعمائة وتسع وأربعين ميلاديًّا.
وقد ولد الشيخ في إحدى قرى البحيرة بمصر، ونشأ نشأة دينية في أسرة تركت بصماتها واضحة على كل حياته؛ فأبوه ﵀ ﵎ كان من المشتغلين بعلم الحديث النابهين فيه، وكما هو معلوم قد شرح (مسند الإمام أحمد) ﵀ ﵎ فأبوه في الحقيقة من أئمة أهل العلم، وإلى جانب ذلك نال تعليمه الديني في المسجد أيضًا، فكان والده في المنزل كما كان يذهب إلى المسجد.
وقد درس في مدارس الحكومة حتى التحق بدار العلوم بالقاهرة وتخرج فيها عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين من الميلاد؛ عُيِّنَ مدرسًا في إحدى مدارس الإسماعيلية الابتدائية، وهناك بدأ نشاطه الدعوي بين الناس، وخاصة في المقاهي وبين عمال قناة السويس حتى إذا كان شهر ذي القعدة من عام ألف
стр. 381
وثلاثمائة وسبعة وعشرين هجريًّا الموافق ألف وتسعمائة وثمانية عشرين ميلاديًّا تم تأسيس النواة الأولى من الإخوان.
وفي عام ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين ميلاديًّا، انتقل الشيخ حسن البنا إلى القاهرة، وانتقلت قيادة الحركة معه إليها.
وفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين من الميلاد تم إصدار جريدة (الإخوان المسلمين) الأسبوعية، واختير الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ ﵎ مديرًا لها ثم صدرت بعد ذلك مجلة (النذير) ثم (الشهاب)، وتوالت بعد ذلك المجلات والجرائد الإخوانية.
تكونت أول هيئة تأسيسية للحركة في عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين من الميلاد، وذلك من مائة عضو اختارهم الشيخ البنا بنفسه، وقد شارك الإخوان في حرب فلسطين في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين من الميلاد؛ حيث دخلوا بقوات خاصة بهم، وقد سَجَّلَ ذلك بالتفصيل كامل الشريف من قادة الإخوان المتطوعين، ووزير أردني سابق في كتابه (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين).
وفي نفس العام الذي شارك فيه الإخوان في حرب فلسطين اغتيل النقراشي، واتُّهِمَ الإخوان بقتله، وهتف أنصار النقراشي في جنازته بأن رأسه برأس البنا الذي اغتيل فعلًا في فبراير من عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، ولما جاءت وزارة النحاس في سنة ألف وتسعمائة وخمسين، وكان قد ضُبِطَ واعْتُقِلَ بعض الإخوان المسلمين أفرجت هذه الوزارة عن الجماعة بناء على حكم مجلس الدولة الذي نص على أن أمر الحل باطل من أساسه؛ لأن الجماعة حلت بعد اغتيال الشيخ البنا ﵀.
стр. 382
وفي عام ألف وتسعمائة وخمسين من الميلاد اختير المستشار حسن الهضيبي ﵀ مرشدًا للإخوان، وهو واحد من كبار رجال القضاء المصري، وقد اعْتُقِلَ عددًا من المرات، وصدر ضده عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين ميلادية حكم بالإعدام، ثم خُفِّفَ إلى المؤبد، وأفرج عنه آخر مرة في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، وفي الثالث والعشرين من شهر يوليو من عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين من الميلاد قامت مجموعة من الضباط المصريين، بزعامة اللواء محمد نجيب بثورة، وقد آزرتهم الإخوان في ذلك، ووقفت إلى جوار هؤلاء الضباط، لكن الإخوان بعد ذلك رفضوا الاشتراك في الحكم.
وقد اعتبر جمال عبد الناصر وقتئذ هذا الرفض نوعًا من فرض الوصاية على الثورة، ودخل الطرفان سلسلة من الجدل والخصومة، تطورت حتى قامت الحكومة في عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين من الميلاد باعتقال الإخوان وتشريد الألوف منهم، بحجة أنهم حاولوا الاعتداء على حياة عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وأعدمت الحكومة وقتئذ أيضًا ستة منهم، هم: الشيخ عبد القادر عودة، والشيخ محمد فرغلي، والشيخ يوسف طلعت، والشيخ هنداوي دوير، والشيخ إبراهيم الطيب، والشيخ محمود عبد اللطيف.
هؤلاء الستة أعدمتهم الحكومة عند حادث المنشية الذي وقع في الإسكندرية وفي عام ألف وتسعمائة وستة وستين تكرر اعتقال الإخوان بتهمة تشكيل جهاز سري، يهدف إلى قلب نظام الحكم، وَقَامَتِ الْحُكُومَةُ بشن حملات السجن والتعذيب، وقد أعدمت هذه المرة ثلاثة من أعضاء الجماعة، هم الشيخ سيد قطب ﵀ الذي يعد المفكر الثاني في الجماعة بعد البنا، وقد ألقي القبض عليه، وأمضى في السجن عشر سنوات، وكان ذلك عقب حادثة المنشية، ثم أُفْرِجَ عنه
стр. 383
بتدخل من الرئيس العراقي عبد السلام عارف، لكنه ما لبث أن أعيد إليه مرة أخرى؛ ليواجه حكمًا بالإعدام.
كذلك أيضًا أعدم الشيخ يوسف هواش والشيخ عبد الفتاح إسماعيل، وفي هذه الأزمة أصبحت الجماعة تعمل بشكل سري حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعين من الميلاد، وفي عهد أنور السادات -رحم الله الجميع- تم الإفراج عن من سجنهم عبد الناصر على مراحل.
ب- فهم كما يلي:
الشيخ عمر التلمساني ﵀ وقد اختير مرشدًا عامًّا بعد الهضيبي، وقد طالبت قيادة الإخوان في عهده بحقوق الجماعة كاملة، وعودة جميع ممتلكاتها المصادرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وسلك المرشد العام للإخوان في هذه الحقبة -سلك بهم- طريقًا يجنبهم المصادمات مع الحكومة، وَكَرَّرَ دَائِمًا أَنَّ الدَّعْوَةَ إلى الله ينبغي أن تَعْمل بالحكمة وأن تنبذ العنف والتطرف.
وأيضًا من شخصيات الجماعة البارزة: الشيخ محمد حامد أبو النصر الذي اختير مرشدًا بعد الأستاذ التلمساني، وسار على طريقته وأسلوبه.
وأيضًا من الشخصيات البارزة في جماعة "الإخوان المسلمين" الشيخ مصطفى مشهور ﵀ وهو أحد قيادات النظام الخاص للجماعة في فترة الأربعينات وبداية الخمسينات، وقد اختير مرشدًا عام للإخوان المسلمين خلفًا للأستاذ محمد حامد أبو النصر، وذلك بعد وفاته في عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين من الميلاد، وَيُعَدُّ الْأُسْتَاذُ مصطفى مشهور من أَنْشَطِ قِيَادَاتِ الْجَمَاعَةِ في
стр. 384
فترة ما بعد السبعينيات من هذا القرن الذي مضى؛ حيث ظَهَرَ لَهُ الْعَدِيدُ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَقَالَاتِ الصحفية، بالإضافة إلى جهوده البارزة في إنشاء المراكز الإسلامية في الغرب، وهذه المراكز الإسلامية كانت تسمى عند جماعة الإخوان بـ"الشُّعَب"، وكانت في مِصْرَ كَثِيرَةً، ثم بعد ذلك تَوَسَّعَتْ أَيْضًا فِي عَهْدِ الْأُسْتَاذِ مُصْطَفَى مشهور، فوجد منها -أعني: من الشُّعَب في الغرب الكثير.
وهناك كثيرون مشهورون من جماعة الإخوان في داخل مصر، وإلى جانب ذلك فهناك أيضًا عدد من الشخصيات الإخوانية التي ظَهَرَتْ خَارِجَ مِصْرَ، أذكر منها مثلًا ما يلي: الشيخ محمد محمود الصواف ﵀ الذي كان مؤسسًا ومراقبًا عامًّا للإخوان المسلمين في العراق، ويُفْهَمُ من ذلك أن جماعة الإخوان كان لها وجود في العراق من فترة سابقة، والشيخ محمد محمود الصواف من أبرز دعاة الإخوان هناك، وله عدد من المؤلفات، وكان له دور نشط في نشر الإسلام في إفريقيا بعد هجرته من العراق واستقراره في مكة المكرمة.
وأيضًا من شخصيات الإخوان البارزة في خارج مصر الدكتور مصطفى السباعي ﵀ ﵎ وهو أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا، والدكتور مصطفى السباعي نال درجة الدكتوراه في كلية الشريعة بالأزهر، وذلك في عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، وقد قاد كتائب الإخوان إلى فلسطين، كما رشح نفسه نائبًا عن دمشق في عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من الميلاد، وكان ﵀ خطيبًا مُفَوَّهًا لا يُبَارَى.
أسس كلية الشريعة بدمشق في عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين من الميلاد وكان أول عميدٍ لها، وله كتاب (قانون الأحوال الشخصية) وغير ذلك من الكتب.
стр. 385
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة تالية في هذا العنصر وهي النقطة:
ج- بعنوان أفكار ومعتقدات الجماعة: سأسرد أفكار ومعتقدات الجماعة من خلال ما كتبوه هم، ثم أعقب على ذلك بعنصر لا بد منه، سيأتي إن شاء الله ﵎.
أما أفكار ومعتقدات جماعة الإخوان المسلمين فهي كما يلي:
أولًا: يؤمن الإخوان بالإسلام عقيدةً تحكم توجهات المسلمين، ومنهجًا شاملًا لكل جنبات الحياة، وينادون بإقامة الدولة الإسلامية التي تسعى لإعلاء كلمة الله في الأرض، ويوضح الشيخ حسن البنا ﵀ ﵎ هذا المعنى بقوله: "الإسلام عبادة وقيادة ودين، ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هؤلاء عن الآخر".
وقد حرص الإخوان منذ نشأة الجماعة على توسيع دائرة عملهم حتى تكون حركتهم عالمية النطاق، ويضمن لها الاستمرار بحكم تعدد المراكز، وقد نجح الإخوان في ذلك نجاحًا باهرًا، فأصبحت لهم مراكز موجودة وقوية في معظم أنحاء العالم، ومن أفكار ومعتقدات الجماعة أيضًا ما ذكره الشيخ حسن البنا ﵀ عن هذه الدعوة في قوله: "إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية".
ولي ملاحظة إن شاء الله تعالى حول هذا النص سآتي إليها في العنصر التالي -بإذن الله ﵎ ويؤكد الأستاذ البنا أن سمات حركة الإخوان هي البعد عن مواطن الخلاف، البعد عن هيمنة الأعيان والكبراء، البعد عن الأحزاب والهيئات، العناية بالتكوين والتدرج في الخطوات، إيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات، شدة الإقبال من الشباب، سرعة الانتشار في القرى والبلاد.
ويذكر أن أخص خصائص دعوة الإخوان هي -كما ذكروه هم- أنها ربانية؛ لأن الأساس الذي تدور عليه أهدافهم أن يتقرب الناس إلى الله ﵎ وأنها
стр. 386
عالمية؛ لأنها موجهة إلى الناس كافة؛ لأن الناس في حكمها إخوة أصلهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ وفضل شامل، وأنها إسلامية؛ لأنها تنتسب إلى الإسلام.
ويقرر الشيخ البنا -رحمه الله تعالى-: مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق، ويوضحها في كلمات، وأنا في الحقيقة حينما أذكر ذلك إنما أود أن أبرز شيئا من فكر الإخوان المسلمين من خلال ما قاله مؤسس هذه الدعوة؛ فقد ذكر الشيخ أن مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق هي:
إصلاح نفسه؛ حتى يكون قوي الجسم وأن يكون متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، وإلى جانب إصلاح النفس تكوين البيت المسلم بأن يحمل الرجل أهله على احترام فكرته والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي؛ سواء كان ذلك في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو ما إلى ذلك.
ومن الأفكار التي اعتنى بها الإخوان كثيرًا: إصلاح الحكومات حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وذلك بالسعي في تحرير أوطانها وإحياء مجدها؛ لأن الإسلام ودعوة الإسلام -لا شك- أنها دعوة عالمية يجب أن يتبعها غيرها، وقد قسم البنا ﵀ مراحل الدعوة إلى ثلاث: ذكر بأنها "التعريف والتكوين والتنفيذ " وهذه أمور لتنظيم سياسة العمل داخل الجماعة.
ولهذا التنظيم -ومن أسبابه حقيقة- أنه جعل للجماعة سيطرة واضحة على النقابات المهنية، وقد ظهر الإخوان على الساحة السياسية المختلفة، وأصبح لهم
стр. 387
وجود قوي ونفوذ كبير في داخل المجتمع، ومع ذلك كله فالحكومة المصرية التي نشأت الإخوان في بلدها لا تسمح حتى الساعة بقيام حزب للإخوان المسلمين، وقد اضطرهم ذلك -أي: عدم موافقة الحكومة على أن يكون لهم كيان معترف بهم؛ قد اضطرهم ذلك- إلى التحالف مع أحزاب المعارضة السياسية القائمة، وإلى تشكيل تحالف يسمح لهم بدخول مجلس الشعب المصري.
وقد استقطب هذا التحالف وبعض ممارسات الجماعة الأخرى بعضَ النقد من بعض مؤيديها ومعارضيها في أكثر من مناسبة، وهذا ما سأبينه إن شاء الله ﵎.
د- المآخذ على جماعة الإخوان: المآخذ على جماعة الإخوان المسلمين كثيرة، لم تقتصر على المواقف السياسية فحسب -وإن كان هذا الموقف هذا الموقف السياسي أو المواقف السياسية التي يسلكها الإخوان بين الحين والآخر عليها ملاحظات كثيرة- فأولًا: تصادمهم مع الحكماء والحكام، والخروج عليهم بمظاهرات ومناوشات، والنقد اللاذع على الملأ بكثرة وبشدة، كل ذلك أمور يجب ألا يَسْلُكَهَا الإنسان في الأمر والنهي عن المنكر؛ لأن المظاهرات التي يخرج فيها النساء وتعم فيها الفوضى ليست مظهرًا إسلاميًّا صحيحًا، ولم تكن يومًا ما نقطة إصلاح بحال من الأحوال، بل إن سلبيات المظاهرات كثيرة، ولا أود أن أقف عند ذلك كثيرًا، وقد أفتى سماحة الوالد الشيخ الْعَلَّامَة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ ﵎ بأن هذه المظاهرات لا تجوز، وهذا أمر معلوم.
إلى جانب أيضًا الجوانب السياسية أو المآخذ على الجوانب السياسية هناك مآخذ على الجوانب العقائدية والمنهجية؛ فمن الناحية العقائدية أُخِذَ على الشيخ البنا وجماعته -رحم الله الجميع- ما
стр. 388
ذكره البنا ﵀ من أن دعوته أيضًا حقيقة صوفية، والحقيقة: معلوم أن التصوف ليس من الإسلام، فهو دعوة باطلة، وطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، والتصوف الموجود اليوم وقبل اليوم الذي يدعو أربابه إلى تعظيم وتقديس الأشخاص وبناء المساجد على القبور ونشر البدع الكثيرة المختلفة -كالأعياد والمناسبات؛ كيوم عاشوراء والاحتفال بالإسراء والمعراج وبالمولد النبوي، وما إلى ذلك- كل هذه الأفكار التي وقعت فيها الصوفية تخالف هدي النبي ﷺ وإن جماعة الإخوان المسلمين حينما أدخلوا التصوف عليهم أفسدوا جماعتهم في الحقيقة، وفسدت لديهم التربية الصحيحة، وإن كان لديهم نظام متميز إلا أنني أعني بالتربية: التربيةِ القائمة على كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ .
كما أخذ على الجماعة أيضًا: عدم التسليم لأسماء الله وصفاته، بل من المعلوم أن كثيرًا من الإخوان يؤولون أسماء الله وصفاته؛ كتأويلات المعتزلة والجهمية والأشاعرة المؤولين، ولقد سار على ذلك كتاب الإخوان بصورة عامة، ولم يهتموا بمنهج السلف في ذلك؛ فالشيخ سيد قطب ﵀ وقع في التأويل وأبو الأعلى المودودي وقع في التأويل، وقيادات الإخوان بصورة عامة، بل إن الشيخ حسن البنا يعتبر التفويض هو منهج السلف، والتفويض في المعنى ليس منهجًا للسلف بحال؛ السلف ﵏ فوضوا في كيفية الصفات، أما معاني الصفات وما تدل عليه فالسلف يعرفونها ويعلمونها.
كما أن جماعة الإخوان في الحقيقة هَوَّنُوا كثيرًا من أمر البدع، فكانوا لا يهتمون بنشر السنة والقضاء على البدع، وكان الأمر المهم لديهم أن يجتمع الناس أولًا، ولا يثيروا -كما يزعمون- قضايا تجعل الناس لا يلتفون حولهم.
стр. 389
ونحن نقول بأن الاجتماع مهما كان على غير كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ فهو اجتماع باطل، لا تكون له ثمرة صحيحة، ولا فائدة ناجحة ولا بد من أن أقول كلمة في هذا المقال أيضًا بِأَنَّ ما سلكه الإخوان من طرق سياسية -ولا أعني ذلك بأن الدين بعيد عن السياسة، بَلْ إِنَّ الدِّينَ جَاءَ لِيَحْكُمَ الدُّنْيَا والدين والآخرة، وَلَا بُدَّ أن يسير العباد وفق شريعة الله ومنهجه .
ولكن الإخوان إذا تحالفوا مع بعض الأحزاب العلمانية كي يصلوا إلى زعامات، وكي يتبوءوا مراكز ومناصب، أو أن يدخلوا في مجلس الشعب مثلًا، فهذا لا يجوز بحال.
إن مثل هذا التنازل في العقيدة بعيد عن روح الإسلام -إن كنا نفهم الإسلام- فلقد سبق وأن دخل الإخوان، وعقدوا حلفًا مع حزب الوفد؛ حتى يدخلوا من خلاله إلى مظلة مجلس الشعب، وفي الحقيقة نحن يجب علينا أن نسلك الطرق الصحيحة المؤدية إلى النتائج السليمة؛ فَلَا ينبغي مثلًا -لأننا نحرص على الوصول إلى الحكم- أن نتنازل عن مبادئنا وعن عقيدتنا، وأن نمد أيدينا لمن لا يأبهون بديننا، ولا يتمسكون بهدي نبينا ﵌.
وقد أخذ أيضًا على بعض أتباع جماعة الإخوان المسلمين -أخذ عليهم- الغلوُّ الشديد في إعجابهم بمشائخهم وقادتهم؛ فكانوا يظهرون بين الحين والآخر غلوًّا شديدًا في الشيخ حسن البنا ﵀ كما أيضًا غالوا في الشيخ سيد قطب ﵀ ﵎ وفي أبي الأعلى المودودي وغير ذلك، ولا يقبلون بحال من مسلم ناصح لدينه أن يذكر شيئًا من السلبيات التي وقع فيها واحد من هؤلاء، ونحن ندين للَّهِ أن جميع البشر -عدا الأنبياء والمرسلين- معرضون للخطأ والصواب؛ فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ وبالتالي فلا يمكن أن نَقْبَلَ كُلَّ مَا قَالَهُ الشيخ حسن البنا، ولا الشيخ سيد قطب، ولا أبو علي المودودي، ولا غير هؤلاء من الأئمة والعلماء، وإنما نقيس أقوال هؤلاء على كتاب الله وسنة رسول الله ﵌.
والصحيح: أَنْ يَلْزَمَ الجميع منهج الإسلام المتمثل في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌-
стр. 390
بفهم السلف الصالح، والإسلام قد نهى عن الغلو حتى في شخص الرسول الكريم ﵌ وكيف نقبل كل ما يقوله هؤلاء وفي الحقيقة أن هناك أقوالًا واجتهادات نُسِبَتْ إلى الشيخ التلمساني والشيخ سعيد حوا لا يجيزها الفهم الصحيح للإسلام؛ فكيف نقبل ذلك؟!
ولا يغضب أحد من الإخوان إذا كنا ننتقد هذا الوضع القائم الآن؛ لأننا إذا أردنا أن نقيم شرع الله حقًّا لا بد من تربية صحيحة على عقيدة سلف هذه الأمة، فلا بد من الرجوع إلى العقيدة الصحيحة -إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ بفهم السلف الصالح- وأن نحذر البدع ومن الوقوع فيها، وألا نهتم بتجميع الناس من حولنا، وهذا يدفعنا إلى أن نتنازل للناس كثيرًا عن مبادئ ديننا.
ولا شك أن الدعوة التي تتنازل للعامة عن بعض الأمور الضرورية يمكن أن تجد قبولًا عند الناس، ولكنها لا تجد عند الله ﵎ القبولَ التامَّ الذي يرضي رب العزة والجلال وقد تعاطف الناس كثيرًا مع الإخوان المسلمين، بسبب ما ابتلوا به في حياتهم من السجن والضرب والإيذاء والقتل والتشريد، وقد دفع ذلك -كما ذكرت- إلى التعاطف معهم والوقوف إلى جوارهم.
أنتقل بعد ذلك إلى آخر نقطة في هذا العنصر، وهي بعنوان "انتشار الجماعة وأماكن نفوذها":
بدأت الحركة -كما ذكرت آنفًا- في مدينة الإسماعيلية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة، وَانْتَقَلَتْ أَيْضًا إلى معظم بلاد وقرى مصر، وقد بلغ عدد شُعِبِ الإخوان في أواخر الأربعينات في مصر ما يقرب من ثلاثة آلاف شعبة، وقد تضمنت هذه الشعب وضمت أعدادًا كبيرة من الأعضاء، ثم ما لبثت الحركة أن انتقلت إلى سائر الأقطار العربية الأخرى،
следующие страницы →