Полный текст (490 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
عالمية؛ لأنها موجهة إلى الناس كافة؛ لأن الناس في حكمها إخوة أصلهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ وفضل شامل، وأنها إسلامية؛ لأنها تنتسب إلى الإسلام.
ويقرر الشيخ البنا -رحمه الله تعالى-: مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق، ويوضحها في كلمات، وأنا في الحقيقة حينما أذكر ذلك إنما أود أن أبرز شيئا من فكر الإخوان المسلمين من خلال ما قاله مؤسس هذه الدعوة؛ فقد ذكر الشيخ أن مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق هي:
إصلاح نفسه؛ حتى يكون قوي الجسم وأن يكون متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، وإلى جانب إصلاح النفس تكوين البيت المسلم بأن يحمل الرجل أهله على احترام فكرته والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي؛ سواء كان ذلك في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو ما إلى ذلك.
ومن الأفكار التي اعتنى بها الإخوان كثيرًا: إصلاح الحكومات حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وذلك بالسعي في تحرير أوطانها وإحياء مجدها؛ لأن الإسلام ودعوة الإسلام -لا شك- أنها دعوة عالمية يجب أن يتبعها غيرها، وقد قسم البنا ﵀ مراحل الدعوة إلى ثلاث: ذكر بأنها "التعريف والتكوين والتنفيذ " وهذه أمور لتنظيم سياسة العمل داخل الجماعة.
ولهذا التنظيم -ومن أسبابه حقيقة- أنه جعل للجماعة سيطرة واضحة على النقابات المهنية، وقد ظهر الإخوان على الساحة السياسية المختلفة، وأصبح لهم
стр. 387
وجود قوي ونفوذ كبير في داخل المجتمع، ومع ذلك كله فالحكومة المصرية التي نشأت الإخوان في بلدها لا تسمح حتى الساعة بقيام حزب للإخوان المسلمين، وقد اضطرهم ذلك -أي: عدم موافقة الحكومة على أن يكون لهم كيان معترف بهم؛ قد اضطرهم ذلك- إلى التحالف مع أحزاب المعارضة السياسية القائمة، وإلى تشكيل تحالف يسمح لهم بدخول مجلس الشعب المصري.
وقد استقطب هذا التحالف وبعض ممارسات الجماعة الأخرى بعضَ النقد من بعض مؤيديها ومعارضيها في أكثر من مناسبة، وهذا ما سأبينه إن شاء الله ﵎.
د- المآخذ على جماعة الإخوان: المآخذ على جماعة الإخوان المسلمين كثيرة، لم تقتصر على المواقف السياسية فحسب -وإن كان هذا الموقف هذا الموقف السياسي أو المواقف السياسية التي يسلكها الإخوان بين الحين والآخر عليها ملاحظات كثيرة- فأولًا: تصادمهم مع الحكماء والحكام، والخروج عليهم بمظاهرات ومناوشات، والنقد اللاذع على الملأ بكثرة وبشدة، كل ذلك أمور يجب ألا يَسْلُكَهَا الإنسان في الأمر والنهي عن المنكر؛ لأن المظاهرات التي يخرج فيها النساء وتعم فيها الفوضى ليست مظهرًا إسلاميًّا صحيحًا، ولم تكن يومًا ما نقطة إصلاح بحال من الأحوال، بل إن سلبيات المظاهرات كثيرة، ولا أود أن أقف عند ذلك كثيرًا، وقد أفتى سماحة الوالد الشيخ الْعَلَّامَة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ ﵎ بأن هذه المظاهرات لا تجوز، وهذا أمر معلوم.
إلى جانب أيضًا الجوانب السياسية أو المآخذ على الجوانب السياسية هناك مآخذ على الجوانب العقائدية والمنهجية؛ فمن الناحية العقائدية أُخِذَ على الشيخ البنا وجماعته -رحم الله الجميع- ما
стр. 388
ذكره البنا ﵀ من أن دعوته أيضًا حقيقة صوفية، والحقيقة: معلوم أن التصوف ليس من الإسلام، فهو دعوة باطلة، وطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، والتصوف الموجود اليوم وقبل اليوم الذي يدعو أربابه إلى تعظيم وتقديس الأشخاص وبناء المساجد على القبور ونشر البدع الكثيرة المختلفة -كالأعياد والمناسبات؛ كيوم عاشوراء والاحتفال بالإسراء والمعراج وبالمولد النبوي، وما إلى ذلك- كل هذه الأفكار التي وقعت فيها الصوفية تخالف هدي النبي ﷺ وإن جماعة الإخوان المسلمين حينما أدخلوا التصوف عليهم أفسدوا جماعتهم في الحقيقة، وفسدت لديهم التربية الصحيحة، وإن كان لديهم نظام متميز إلا أنني أعني بالتربية: التربيةِ القائمة على كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ .
كما أخذ على الجماعة أيضًا: عدم التسليم لأسماء الله وصفاته، بل من المعلوم أن كثيرًا من الإخوان يؤولون أسماء الله وصفاته؛ كتأويلات المعتزلة والجهمية والأشاعرة المؤولين، ولقد سار على ذلك كتاب الإخوان بصورة عامة، ولم يهتموا بمنهج السلف في ذلك؛ فالشيخ سيد قطب ﵀ وقع في التأويل وأبو الأعلى المودودي وقع في التأويل، وقيادات الإخوان بصورة عامة، بل إن الشيخ حسن البنا يعتبر التفويض هو منهج السلف، والتفويض في المعنى ليس منهجًا للسلف بحال؛ السلف ﵏ فوضوا في كيفية الصفات، أما معاني الصفات وما تدل عليه فالسلف يعرفونها ويعلمونها.
كما أن جماعة الإخوان في الحقيقة هَوَّنُوا كثيرًا من أمر البدع، فكانوا لا يهتمون بنشر السنة والقضاء على البدع، وكان الأمر المهم لديهم أن يجتمع الناس أولًا، ولا يثيروا -كما يزعمون- قضايا تجعل الناس لا يلتفون حولهم.
стр. 389
ونحن نقول بأن الاجتماع مهما كان على غير كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ فهو اجتماع باطل، لا تكون له ثمرة صحيحة، ولا فائدة ناجحة ولا بد من أن أقول كلمة في هذا المقال أيضًا بِأَنَّ ما سلكه الإخوان من طرق سياسية -ولا أعني ذلك بأن الدين بعيد عن السياسة، بَلْ إِنَّ الدِّينَ جَاءَ لِيَحْكُمَ الدُّنْيَا والدين والآخرة، وَلَا بُدَّ أن يسير العباد وفق شريعة الله ومنهجه .
ولكن الإخوان إذا تحالفوا مع بعض الأحزاب العلمانية كي يصلوا إلى زعامات، وكي يتبوءوا مراكز ومناصب، أو أن يدخلوا في مجلس الشعب مثلًا، فهذا لا يجوز بحال.
إن مثل هذا التنازل في العقيدة بعيد عن روح الإسلام -إن كنا نفهم الإسلام- فلقد سبق وأن دخل الإخوان، وعقدوا حلفًا مع حزب الوفد؛ حتى يدخلوا من خلاله إلى مظلة مجلس الشعب، وفي الحقيقة نحن يجب علينا أن نسلك الطرق الصحيحة المؤدية إلى النتائج السليمة؛ فَلَا ينبغي مثلًا -لأننا نحرص على الوصول إلى الحكم- أن نتنازل عن مبادئنا وعن عقيدتنا، وأن نمد أيدينا لمن لا يأبهون بديننا، ولا يتمسكون بهدي نبينا ﵌.
وقد أخذ أيضًا على بعض أتباع جماعة الإخوان المسلمين -أخذ عليهم- الغلوُّ الشديد في إعجابهم بمشائخهم وقادتهم؛ فكانوا يظهرون بين الحين والآخر غلوًّا شديدًا في الشيخ حسن البنا ﵀ كما أيضًا غالوا في الشيخ سيد قطب ﵀ ﵎ وفي أبي الأعلى المودودي وغير ذلك، ولا يقبلون بحال من مسلم ناصح لدينه أن يذكر شيئًا من السلبيات التي وقع فيها واحد من هؤلاء، ونحن ندين للَّهِ أن جميع البشر -عدا الأنبياء والمرسلين- معرضون للخطأ والصواب؛ فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ وبالتالي فلا يمكن أن نَقْبَلَ كُلَّ مَا قَالَهُ الشيخ حسن البنا، ولا الشيخ سيد قطب، ولا أبو علي المودودي، ولا غير هؤلاء من الأئمة والعلماء، وإنما نقيس أقوال هؤلاء على كتاب الله وسنة رسول الله ﵌.
والصحيح: أَنْ يَلْزَمَ الجميع منهج الإسلام المتمثل في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌-
стр. 390
بفهم السلف الصالح، والإسلام قد نهى عن الغلو حتى في شخص الرسول الكريم ﵌ وكيف نقبل كل ما يقوله هؤلاء وفي الحقيقة أن هناك أقوالًا واجتهادات نُسِبَتْ إلى الشيخ التلمساني والشيخ سعيد حوا لا يجيزها الفهم الصحيح للإسلام؛ فكيف نقبل ذلك؟!
ولا يغضب أحد من الإخوان إذا كنا ننتقد هذا الوضع القائم الآن؛ لأننا إذا أردنا أن نقيم شرع الله حقًّا لا بد من تربية صحيحة على عقيدة سلف هذه الأمة، فلا بد من الرجوع إلى العقيدة الصحيحة -إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ بفهم السلف الصالح- وأن نحذر البدع ومن الوقوع فيها، وألا نهتم بتجميع الناس من حولنا، وهذا يدفعنا إلى أن نتنازل للناس كثيرًا عن مبادئ ديننا.
ولا شك أن الدعوة التي تتنازل للعامة عن بعض الأمور الضرورية يمكن أن تجد قبولًا عند الناس، ولكنها لا تجد عند الله ﵎ القبولَ التامَّ الذي يرضي رب العزة والجلال وقد تعاطف الناس كثيرًا مع الإخوان المسلمين، بسبب ما ابتلوا به في حياتهم من السجن والضرب والإيذاء والقتل والتشريد، وقد دفع ذلك -كما ذكرت- إلى التعاطف معهم والوقوف إلى جوارهم.
أنتقل بعد ذلك إلى آخر نقطة في هذا العنصر، وهي بعنوان "انتشار الجماعة وأماكن نفوذها":
بدأت الحركة -كما ذكرت آنفًا- في مدينة الإسماعيلية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة، وَانْتَقَلَتْ أَيْضًا إلى معظم بلاد وقرى مصر، وقد بلغ عدد شُعِبِ الإخوان في أواخر الأربعينات في مصر ما يقرب من ثلاثة آلاف شعبة، وقد تضمنت هذه الشعب وضمت أعدادًا كبيرة من الأعضاء، ثم ما لبثت الحركة أن انتقلت إلى سائر الأقطار العربية الأخرى،
стр. 391
وأصبح لها وجود قوي في سوريا وفلسطين والأردن ولبنان والعراق واليمن والسودان وغيرها.
كما أن للجماعة اليوم أتباعًَا في معظم أنحاء العالم، وهذا في الحقيقة نتيجة الترتيب والتنظيم لدى هذه الجماعة، وأنا من هذا المنبر -ومن باب النصيحة لله ﵎ ولعلمي أن هؤلاء يسعون إلى تطبيق الشَّرِيعَة، ولهم جهود في ذلك مشكورة، وأيضًا لهم جهود مشكورة في متابعة وتتبع الحركات العلمانية واليهود والنصارى وما يكيدونه للإسلام، لهذا كله أدعو أتباع هذه الجماعة إلى أن يلتزموا المنهج الصحيح والأصل المتين، وذلك بالرجوع الحق إلى كتاب الله وسنة النبي ﵌ وأن يتعامل العبد معهما من خلال فهم سلف هذه الأمة.
ولذلك يجب علينا جميعًا أن نعظم النصوص الواردة عن السلف في الدين، وأن نعتني بها وأن نَهْتَمَّ بها، وأن نترك الغلو في الأشخاص، وأيضًا وأن نترك الغلو في إطلاق كلمة التكفير على المجتمعات؛ لأن هذا قد صدر من بعض قادة الإخوان، وكان له أثر كبير في ما وقع فيه المسلمون اليوم من مواجهة للحكام بالحق والباطل، وتكفير للحكومات وهذا فيه خطأ عظيم، وتطاول كبير، وبُعْدٌ عن منهج سلف هذه الأمة الصالحين، وإنما العبد عليه أن يسمع ويطيع لولي الأمر المسلم الذي يشهد لله بالواحدانية ولِنَبِيِّهِ ﵌ بالرسالة فيما أحب وفيما كره، ولا يعصي الله ﵎ فعلى العبد أن يطيع هؤلاء في المعروف، وعليه ألا يطيعهم في معصية الله ولكنه مع ذلك لا يخرج عليهم، ولا يسل السيف عليهم، ولا ينبذ يدًا من طاعتهم؛ لأن في ذلك فتنة كبيرة.
قد جرب الناس الخروج على الولاة والحكام فما نالوا من وراء ذلك إلا الشر -والعياذ بالله ﵎ والخروج على الحكام فيه ضعف للأمة؛ يجعل الأمة في موضع ضعيف، ويدعو الأمم من حولها إلى التكالب عليها؛ لأنها ستشعر بالتمزق الذي ظهر فيها ووقع من خلال أفرادها.
стр. 392
الحزب الإسلامي الكردستاني
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان "الحزب الإسلامي الكردستاني" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالحزب، والأرض التي يقع فيها:
أحب في الحقيقة أن أتكلم عن هذا الحزب؛ لِأُعَرِّفَ طالب العلم بوجود قوة للإسلام كبيرة، عليه أن يعرف عنها الكثير، وإن كان هناك لدي تحفظ على كلمة "حزب"؛ لأن الإسلام لا يعرف الأحزاب بمعناها المعاصر؛ لأن هذه الأحزاب الناس فيها يوالون على مبادئ الحزب، وقد تكون بعيدة عن كتاب الله وهدي رسول الله ﵌ فعندنا أحزاب كثيرة كالحزب الناصري والاشتراكي والوفدي، وحزب التجمع والأهالي، وما إلى ذلك.
كل هذه الأحزاب لا تمت إلى الإسلام بصلة؛ لأنها لا ترفع دين الله ولا تحتكم إلى شريعته، وبالتالي فأنا أحب أن يُسْتَبْدَلَ أو أن تُسْتَبْدَلَ هذه الكلمة، ولكن هكذا سَمَّوْهُ.
وأبدأ الآن بتعريف هذا الحزب فأقول: الحزب الإسلامي الكردستاني: حزب سياسي إسلامي، يهدف إلى تكون دولة إسلامية في منطقة كردستان، ورفع الظلم والتمزق الواقع على الأكراد بخاصة، ومحاربة المخططات الاستعمارية تجاههم، وتقع كردستان -وهي أرض الأكراد- في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي السابق، وتبلغ مساحتها نصف مليون كيلو متر مربع تقريبًا، وعدد سكانها يزيد على أربعين مليونًا، يدين أكثرهم بالإسلام، وهم سُنَّةٌ في الغالب -يعني: من أهل السنة على العموم- وتوجد أقليات كردية في كل من باكستان وأفغانستان والسودان، وتمتاز كردستان بثروتها النفطية والمعدنية والحيوانية والمائية؛ إذ يَمُرُّ فيها أنهار دجلة والفرات
стр. 393
وآراس والخابور، ويتكلم الأكراد اللغة الكردية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الإيرانية، التي تمثل فرعًا من أسرة اللغات الهندية.
وتضم هذه اللغات جماعة من الأكراد، واللغات كثيرة؛ فعندنا الكردية والفارسية، وكذلك لغة الباشتو، والطاجيكية، وتُكْتَبُ اللغة الكردية في إيران والعراق بالحرف العربي، وفي تركيا وسوريا بالحرف اللاتيني، وفي الدولة التي تسلل إليها الاتحاد السوفيتي سابقًا بالحرف الروسي، وقد قُسِّمَتْ كردستان بعد الحرب العالمية الأولى، و َ وُزِّعَتْ عَلَى العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا، وقد اتبعت هذه الدول المذكورة فيهم -يعني: في الأكراد- سياسة التغريب والتفريس، مع محاولة القضاء على إسلامهم وشجاعتهم، وذلك بإثارة النزعات القبلية ونشر الأفكار الماركسية والعلمانية فيهم، ولم يخضع الأكراد لهم، فقامت هناك ثورات لم تنطفئ شعلتها حتى يومنا هذا.
ب- بعنوان تأسيس الحزب وأبرز شخصياته، أقول في تأسيس الحزب: بأنه قد اجْتَمَعَ بعض الإسلاميين الأكراد في موسم الحج، في الحادي عشر من شهر ذي الحجة سنة ألف وأربعمائة في مكة المكرمة، وتباحثوا في قضية شعبهم الكردي المسلم وما أصابهم من تمزق ودمار وهلاك على يد السلطات في البلاد الموزعين فيها، ومحاولة القضاء عليهم بكافة السبل وبمختلف الحجج الواهية، وتبع ذلك قيام حركات وطنية وقومية، غَلَبَ على كثير منها طابع العلمانية الاشتراكية، فكانت في حالة عداء للإسلام، وقد أدى هذا إلى تشويه سمعة الأكراد في النصف الثاني من هذا القرن، من خلال ما كانت تطرحه الأحزاب من إلحاد ومخالفات للدين واستخفاف به أو إهمال له، وكان من المحزن أن يضطر كثير من المتدينين إلى الالتحاق بتلك الأحزاب؛ بسبب عدم وجود البديل الإسلامي الكردي.
стр. 394
وقد وجد المجتمعون الحاجة ماسة بناء على ما سبق ذكره إلى إقامة حزب إسلامي في كردستان، يشعر بآلام الشعب الكردي المسلم، ويحل عقده، ويحمل عنه بعض همومه ومشاكله، ويبني الدولة الإسلامية التي تحمل شعار الإسلام دينًا ودولة، وتطبق الإسلام في جميع مجالات الحياة، وقرر المجتمعون تأسيس هذا الحزب، وعقب هذا الاجتماع عقدوا أربع مؤتمرات عامة للحزب خارج كردستان، وفي المؤتمر الأخير من هذه المؤتمرات قرروا المبادئ الأساسية لفكر الحزب وحركته، كما قرروا النظام الداخلي الذي اعتمد فتح مكاتب للحزب في أوربا وأمريكا الشمالية.
وقد تم -تبعًا لذلك- إصدار مجلة جودي الناطقة باسم الحزب باللغات العربية والتركية والكردية، و"جودي" هو الجبل الذي رست عليه سفينة نوح ﵇ وموطنه كردستان، ومن أبرز شخصيات هذا الحزب: الدكتور مُظَفَّر من العراق، والدكتور صالح كابوري من سوريا، وأسروان من الولايات المتحدة الأمريكية، والمهندس الكردي من السودان، والمهندس كذب شوتي من تركيا، أنتقل بعد إلى نقطة:
ج- وهي بعنوان "أفكار الحزب ومعتقداته": الشعب الكردي شعب مسلم، وهو جزء من الأمة الإسلامية الواحدة، وكردستان المسلمة جزء من دار الإسلام الكبرى، وهي وطن الشعب الكردي تاريخيا وجغرافيا، وتشمل تلك الأرض التي يكون الكرد غالبية سكانها، والشعب بيده السلطات الاجتهادية والتنفيذية والقضائية، ومصدر التشريع عندهم هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ والشعب يقوم بسلطاته في مجلس الشورى، وذلك بتطبيق هذا كما يتمكن من التطبيق، والكليات التي تراها السلطات للمجتمع حفظًا وتكميلًا وتحسينًا هي الكليات الخمس التي جاءت بها الشريعة، وهي: الدين، والعقل، والعرض، والنفس، والمال.
стр. 395
ومن أفكار هذا الحزب: الدعوة لنشر الإسلام، ونشر الإسلام لا يكون إلا بإقناع العقول وتأليف القلوب، ولا إكراه في الدين، أما الجهاد في سبيل الله فهو القتال في سبيل الله لدفع الظالمين المتكبرين، والدفاع عن المظلومين المستضعفين، كما يرون -وقد أصابوا في ذلك- أن العلم حق عام، وأن العلم بأصول الدين فرض عين على المسلمين، وأن الحرية حق عام، وهي مصونة في التفكير والتعبير والمعتقد والتأليف والنشر، وتأليف التجمعات النقابية والنسائية، ما لم يتعارض شيء من ذلك مع الإسلام، ويرون أن المرأة كالرجل، تتساوى معه في الحقوق والواجبات، وفي بناء المجتمع وتوجيهه، وأما التمييز القائم بينهما كما جاء به الإسلام فهو حق يعملون به ويرونه بأنه من الفرائض الشرعية التي فرضها رب العزة والجلال سبحانه، وذلك بسبب التكوين الخِلْقِيِّ والوظيفة الاجتماعية للمرأة -كما هو معلوم من خلال هدي الإسلام.
ويرون أن الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية في تكوين المجتمع السليم، وينبغي دعم الأسرة وتقوية الروابط بين أفرادها والتشجيع على النسل والزواج بتيسير أسبابه وتوفير مطالبه، وعلى كلٍّ فالحزب الكردستاني الإسلامي يرجع في أصوله الفكرية والعقائدية إلى الإسلامِ السنيِّ بوجه عام، وإن كان يوجد بينهم من يخالف هذا المنهج، وأما أصولهم الحركية والدعوية فترجع إلى حركة "الإخوان المسلمين"، وهم في الفقه يتبعون مذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام الشافعي هو مذهب عامة الأكراد تقريبًا.
والحزب الكردستاني -مع ذلك- ليس حزبًا قوميًّا كما يوحي اسمه، وإن كان هدفهم هو إنشاء دولة إسلامية كردية في منطقة كردستان، تحكم الإسلام في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وينتشر الحزب الإسلامي في جميع مناطق كردستان في كل من تركيا والعراق وسوريا وإيران.
ونسأل الله لهم التوفيق والسداد، وأن يلتزموا تمامًا بمنهج الكتاب والسنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 396
الدرس: ١٣ ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل .
стр. 397
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل)
١ - ترجمة الإمام عمر بن عبد العزيز
سِيرَةُ الإمام عمر بن عبد العزيز الذاتية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان محاضرة هذا اللقاء "ترجمة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ ما تحدثت عنه فيما مضى من أول لقاء في المحاضرات إلى المحاضرة السابقة كان كله يتعلق بأصول الدعوة ومناهجها، وبعض العاملين في حقلها، والمطلوب في المنهج: أن أترجم لبعض الشخصيات، وعلى حسب الترتيب نبدأ بالخليفة الراشد العادل -كما ذكرتُ وأشرت- وأنا أذكر هذا؛ لألفت نظر المستمعين والدارسين إلى أهمية الاعتناء بتراجم هؤلاء الأئمة العباد الزهاد الأمراء العلماء؛ كي نتأسى بهم؛ لأنهم في الحقيقة أعلام بارزة في دنيا الناس، فبدلًا من أن يهتم أبناء المسلمين بمعرفة بعض الشخصيات التي لا تفيد ولا تنفع، بل ربما تضرُّ، ويعتنون بذلك غاية العناية أن ندرس هؤلاء الدعاة، وأن نعرف شيئًا عن حالهم، وكيف سلكوا طرقًا صحيحة؛ سواء كان ذلك في العدل أو العلم، أو في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة؛ كي نتأسى بهم في فعلهم.
ثم بعد ذلك أقول: عناصر هذا اللقاء:
العنصر الأول: في سيرته الذاتية: ويشتمل على النقاط التالية:
أ- مولده ونسبه:
ولد عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ سنة ثلاث وستين من الهجرة النبوية، وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة زوج النبي ﵌ قال ابن شوذب: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي؛ فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.
قال ابن سعد ﵀: وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عن الجميع- وقد ساق ابن الجوزي ﵀ خَبَرَ جَدِّ عمرَ بْنِ عبد العزيز لأمه، فقال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده -أسلم- قال: "بينا أنا مع
стр. 398
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وهو يعسُّ بالمدينة، إذ أعياه، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامزقيه بالماء، فقالت لها ابنتها: يا أمتاه؛ أو علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم، فقالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى؛ ألا يُشَابَ اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه، قومي إلى اللبن فامزقيه بالماء؛ فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه، والله، ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلا، وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّمِ البابَ، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: يا أسلم، امضِ إلى ذلك الموضع، فانظر من القائلة، ومن المقول لها، وهل لهم من بعل؟ قال أسلم: فأتيت الموضع فنظرت، فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا أمها ليس لها رجل، فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ فقال عبد الله: لي زوجة. وقال عبد الرحمن -أيضًا ابنه-: لي زوجة. وقال عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي، فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها، فولدت لعاصم بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز".
كذلك نسبه العلماء -كما ذكر ابن الجوزي- عن محمد بن سعد -رحم الله ﵎ الجميع.
ب- بعنوان "أخلاقه وآدابه وعلو همته ﵀ ﵎":
وقفت في الحقيقة على كلمات جميلة دقيقة للإمام الحافظ الذهبي ﵀ ﵎ أحب أن أوردها هنا، وأسمعها لكم -أيها الأبناء الأعزاء- في بداية كلمتي عن أخلاقه وآدابه وعلو همته؛ قال الذهبي ﵀: قد كان هذا الرجل حسن الْخَلْق والْخُلْق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة،
стр. 399
حريصًا على العدل بكل ممكن وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوَّاهًا منيبًا قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة، تأمل هذه الكلمة -زاهدًا مع الخلافة- يعني: أن الدنيا أتته، ومع ذلك زهد فيه ﵀ ناطقًا بالحق -مع قلة المعين وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملوه، وكرهوا محاققته لهم ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق- وعد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.
وهذه كلمات جميلة فيها ثناء حسن على هذا الخليفة الإمام العادل الزاهد ﵀ ﵎ ومن أدبه وخلقه ما ذكره عنه ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- وهو أنه دخل عليه ناس من الحرورية -الحرورية: هم الخوارج- فذاكروه شيئًا، فأشار إليه بعض جلسائه أن يُرْعِبَهُمْ وأن يتغير عليهم؛ لأنه إمام وخليفة، وَمُمَكَّنٌ في الأرض، فلم يَزَلْ عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم وَرَضَوْا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي، فخرجوا على ذلك؛ فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه، فقال: يا فلان -تأملوا هذه الكلمة فهي تعد في الحقيقة حكمة- إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك، دون الكيِّ، فلا تَكْوِيَنَّهُ أبدًا.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عن نفسه: ما كذبتُ كذبة منذ شددت علي إزاري. وقد اجتمع بنو مروان ذات يوم، فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين، فَعَطَّفْنَاهُ علينا، وَأَذْكَرْنَاهُ أرحامنا؛ لأنهم كانوا يودون أن يوسع عليهم أكثر من غيرهم، قال: فدخلوا فتكلم رجل منهم، فمزح، فنظر إليه عمر، فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم؟! لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟! إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله؛ فإن تعديتم فعليكم بمعالي الحديث.
стр. 400
إنها أيضًا وصية غالية من هذا الخليفة العالم الزاهد ﵀ وَمَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَدْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ؛ فقد جاء عنه أنه قال: كانت لي نفس تواقة، فكنت لا أنال شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعظم منه، فلما بلغت نفسي الغاية، تاقت إلى الآخرة.
والله، كلمات تحتاج أن نقف عندها قليلًا، كانت لعمر بن عبد العزيز نفس تواقة -يعني: تطلب معالي الأمور، وتود أن تصل إلى أرفع الدرجات وأعلى المكانات- وكان لا ينال شيئًا إلا تاقت نفسه إلى ما هو أعظم منه -يعني: أعلى منه- وقد نال ذلك؛ لأنه قال: فلما بلغت نفسي الغاية تاقت إلى الآخرة، وهذا يدل على أن همته ﵀ ﵎ طلبت الآخرة، وَرَجعَتْ إليها ﵀ ﵎.
بعد ذلك: اعتقاده ومذهبه، وهي نقطة:
جـ- كان -رحمه الله تعالى- على مذهب السلف؛ يُعَظِّمُ الكتاب والسنة، وَيُحَارِبُ الأهواء والبدع، قال ابن الجوزي ﵀: حدثني إسماعيل بن يونس، قال: نُبِّئْتُ أن عمر بن عبد العزيز قال: من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وعن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل، وسأله عن الأهواء، قال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي وَالْهُ عما سواهما.
يعني: تمسك بالكتاب والسنة، وأعرض عن غير الكتاب والسنة، وقال أيضًا ﵀: "إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة". وتحذيره هنا مهم للغاية؛ فنحن وجدنا اليوم كثيرا من الروافض وغلاة المتصوفة يتمتمون ويهمسون بمعتقدات ضالة وباطلة، ويزعمون
стр. 401
أن مشايخهم قد خُصُّوا بشيء ولا يظهروا ذلك على العامة؛ حتى لا يخرج العامة عليهم.
وكذلك كان رأيه في القدرية ﵀ أن يستتابوا؛ فإن تابوا وإلا نُفُوا من ديار المسلمين، وكتب إلى بعض عماله كتابًا، جاء فيه -وهذا الكتاب نتبين من خلاله عقيدته ﵀ ﵎ كتب لبعض عماله يقول: أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله ﷺ وترك ما أحدث المحدثون، واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السابقين المَاضِين على علم توقفوا، وببصر ناقد كَفّوا.
وَكَتَبَ أيضًا رسالة إلى المكذبين بالقدر جاء فيها:
"أما بعد: فقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصًا سريعًا".
ومنه قول عمر بن الخطاب -وهو يعظ؛ هذا كلام عمر بن عبد العزيز ينقل عن عمر بن الخطاب ﵁: إِنَّهُ لا عذر لأحد عبد الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد تبينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر؛ فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يده أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وبلغكم أني أقول: إن الله قد علم، والعباد عاملون، فأنكرتم ذلك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (الدخان: من الآية: ١٥) وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (الأنعام: من الآية: ٢٨) وأن الله قد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقها.
стр. 402
كما أنه ﵀ ناقش الخوارج في بدعتهم، وأرسل إليهم كتبًا لهدايتهم، وهذا يدل على سلامة معتقده، وعلى تصديه ﵀ ﵎ إلى سائر الفرق الباطلة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.
د- "ورعه وتواضعه وعبادته":
قال أبو شيبان -رحمه الله تعالى- قال كلامًا يتبين لنا من خلاله مَدَى شِدَّةِ وَرَعِ عُمَرَ بْنِ الْعَزِيز ﵀ ﵎ قال: بعث معي عمارة بن نسيّ إلى عمر بِسَلَّتَيْنِ مِنْ رُطَبٍ أَوَّل ما جاء الرطب -يعني: في بداية عهده في بداية موسمه، ولا شك أنه لم يكن قد أُكِلَ من قبل، والنفس تشتهي هذه المسائل أو هذا الطعام في أول خروجه؛ لأنه قد تركه فترة من الزمن، قال: فأتيته بهما -يعني: بالسلتين من الرطب- فقال: علام جئت بهما؟ قلت: على دواب البريد -يعني: أنت حملت هاتين السلتين على أي شيء؟ قال: على دواب البريد- قال: فاذهب، فبعهما بثمانية عشر درهمًا، فاشتراهما منه رجل من بني مروان، ثم أهداهما إلى عمر؛ فلما أُتِيَ بهما -يعني: إهداء إلى عمر بعد ذلك- قال عمر لأبي شيبان: يا أبا شيبان، كأنهما السلتان اللتان، أُوتِينَا بهما، قلت: نعم، فوضع ﵀ إحداهما بين أيدينا فأكلنا منها، وبعث الأخرى إلى امرأته، وألقى ثمنهما في بيت المال ﵀ ﵎.
وقد ذكر الذهبي عنه قصة قال فيها -وقد دخلت عليه زوجه فاطمة، وهو في مصلاه قد سالت دموعه-: فقالت له: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ لأنه كان يبكي. قال: يا فاطمة إن تقلدت أمر أمة محمد ﵌ فتذكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي
стр. 403
العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد ﵌ فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومة، فرحمت نفسي فبكيت.
هكذا ذكر الذهبي ﵀ عن عمر بن عبد العزيز، وهذا يبين شدة ورعه ﵀ ﵎ ويبين أيضًا عبادته لربه، فهو يخلو ويفكر في أمره -رضي الله تعالى عنه.
وعن صالح بن سعيد المؤذن قال: بينا أنا وعمر بن عبد العزيز بالسويداء، فَأَذَّنْتُ بالعشاء الآخرة، فصلى، ثم دخل القصر، فقلما لبث أن خرج، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس فاحتبى، فافتتح الأنفال، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا، ويقرأ كلما مر بتخوف تضرع، وكلما مر بآية رحمة دعا، حتى أذنت الفجر.
وقال محمد بن سعد: أخبرنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: كان عمر بن العزيز يسمر بعد العشاء الآخرة قبل أن يوتر؛ فإذا أوتر لم يكلم أحدًا.
وكان ﵀ ﵎ يصوم الاثنين والخميس، والعشر -يعني: العشر الأول من ذي الحجة- كذلك كان يصوم عاشوراء وعرفة ﵀ ﵎.
هـ- مرضه ووفاته:
قال ابن سعد ﵀ قال محمد بن قيس: أول مرضه اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومائة، وكان شكواه عشرين يومًا ﵀ ﵎ وقال أبو زيد الدمشقي: لما ثَقُلَ عمر بن عبد العزيز دُعِيَ له بطبيب، فلما نظر إليه قال الرجل: قد سُقِيَ السمَّ. وهذا في الحقيقة قد ذكر في ترجمة عمر بن عبد العزيز: أنه سقي سمًّا؛ ليموت ﵀ ﵎ فقال هذا الرجل الطبيب: قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت.
فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضًا على من لم يُسْقَ السُّمَّ ... قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفت حين وقع
стр. 404
في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين؛ فإني أخاف أن تذهب نفسك، فقال: ربي خير مذهب إليه، والله، لو علمت أن شفاي عند شحمة أذني، ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته، اللهم خِرْ لعمر في لقائك، قال: فلم يلبث أيامًا حتى مات ﵀ ﵎.
وعن المغيرة بن حكيم قال قالت لي فاطمة بنت عبد الملك -وهي زوج عمر بن عبد العزيز ﵁ كنت أسمع عمر ﵀ في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم اخف عليهم موتي، ولو ساعة واحدة من نهار، قالت: فقلت له يومًا: يا أمير المؤمنين، ألا أخرج عنك عسى أن تغفى شيئًا؛ فإنك لم تنم، قالت: فخرجت عنه إلى بيت غير البيت الذي هو فيه، قالت: فجعلت أسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣) يرددها مرارًا، ثم أطرق، فَلَبِثَ طويلًا لا أسمع له حسًّا، فقلت لوصيف له يخدمه: ويحك، انظر. فلما دخل صاح، فدخلت عليه، فوجدته ميتًا قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه ﵀ ﵎.
ومات عمر لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة ﵀ وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ﵀ فقد كان إمامًا خليفة زاهدًا عابدًا عالمًا بعلمه -رضي الله تعالى عنه.
في سيرة عمر بن عبد العزيز العلمية، وولايته
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وتحت هذا الموضوع، وهو بعنوان: "في سيرته العلمية وولايته" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- طلبه للعلم:
قال يعقوب بن سفيان، وحدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعثه ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن
стр. 405
كيسان بتعَهده، وكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، وكان صالح بن كيسان يلزمه الصلاة، فأبطأ يومًا عن الصلاة، قال له: ما حبسك؟ قال: كانت مرجلتي تُسَكِّنُ شعري، فقال: بلغ بك حبك تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟! وكتب إلى عبد العزيز بذلك -يعني: إلى والده- فبعث إليه عبد العزيز رسولًا، فلم يكلمه حتى حلق شعره، وقال عمر بن العزيز: لقد رأيتني وأنا بالمدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، وإلى علم العربية والشعر، فأصبت منه حاجتي.
وقال عمر بن العزيز أيضًا عن نفسه: ما بقي أعلم بحديث عائشة منها، يعني عَمْرًا، قال: وكان عمر يسألها ﵀ ﵎.
ب- بعنوان "ذكر طَرف مما أَسْنَدَ من الحديث عن رسول الله ﵌":
أَسْنَدَ عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- الحديث عن جماعة من الصحابة، وعن جماعة من كبار التابعين، إلا أنه كان مشغولًا عن الرواية، فلذلك قل حديثه ﵀ وسأذكر هنا طائفة، نستدل بها على أنه قد سَمِعَ من بعض الصحابة، وسَمِعَ من كبار التابعين، ورَوَى عنهم ﵀ ﵎ فمن جملة ما أسند مثلًا عن الصحابة: أسند عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- وقد رآه عمر وروى عنه، وصلى أنس بن مالك خلفه، ومما أسند عن أنس: ما أخبر به أبو الحسن قال: حدثنا -أو قال حدثني- الحارث بن محمد العنزي، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((لتأمرن بالمعروف، وتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ عليكم عدوًّا من غيركم، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)).
стр. 406
ومما أسند عن ابن عمر ﵄ وقد سَمِعَ منه الحديث، وروى عنه ما جاء عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: ((إن الله ﵎ يحب الشابَّ الذي يفني شبابه في عبادة الله، ويحب الإمام المقسط، وأجره أجر من يقوم ستين عامًا يصوم نهاره ويقوم ليله)).
كما أسند عن عمرو بن أبي سلمة المخزومي؛ فقد روى عنه عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وقد رَوى عنه: "أن النبي ﵌ كان يصلي في ثوب واحد متشحًا به، وقد خالف بين طرفيه". وهذا في الحقيقة غريب من حديث عمر بن عبد العزيز، تفرد به الحسن عن عبد الكريم كما ذكر ابن الجوزي ﵀ ﵎ في سيرة عمر بن عبد العزيز.
ومما روى عن السائب -والسائب: هو ابن أخت نمر- مسح رسول الله ﷺ رأسه، وَدَعَا له، وحج حجة الوداع مع النبي ﵌ وروى عنه عمر بن العزيز -رضي الله تعالى عنه- ما سمعه السائب في سُكْنَى مكة عن النبي ﵌ وهو أن النبي ﵊ قال: ((للمهاجر ثلاثة أيام بعد الصوم)).
وقد روى أيضًا عمر بن عبد العزيز عن جماعة من كبار التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وعبد الله بن إبراهيم بن قارض؛ فمن حديثه عنهما: ما أخبرناه. وهذا كلام ابن الجوزي ﵀ يعني: ما أُخْبِرَ به ابن الجوزي، والذي أخبره: علي بن عمر قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارض، وعن سعيد بن المسيب أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سَمِعْتُ رسول الله ﵌ يقول: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فَقَدْ لَغَيْتَ)).
وقد روى أيضًا عن سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي ﵌ قال: ((اللهم أَعِزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك -عمر أو أبي جهل)).
стр. 407
كما روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﵌ كان أجود من الريح المرسلة إذا نزل عليه جبريل يدارسه القرآن)). وقد كان جبريل -صلوات الله وسلامه عليه- ينزل على النبي ﵌ في رمضان، فيدارسه القرآن -يعني: يقرأ النبي ﵊ عليه القرآن.
جـ- وهي بعنوان "ولايته قبل الخلافة":
ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ قبل أن يكون خليفة- ولي المدينة في شهر ربيع الأول في سنة سبع وثمانين، وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة؛ ولاها إياها الوليد بن عبد الملك، فولى عمر ﵁ على قضائها أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم، ودعا عمر عشرة نفر من فقهاء البلدة، منهم: عروة والقاسم وسالم، فقال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق؛ إن رأيتم أحدًا يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظالم أن تبلغونني، فأثنوا عليه وافترقوا.
وعن عبد الرحمن بن حسن، قال: أخبرني أبي، قال: بلغني أن الوليد بن عبد الملك استعمل عمر بن عبد العزيز على الحجاز -يعني: المدينة ومكة والطائف- فأبطأ عمر ﵁ عن الخروج، فقال الوليد لحاجبه: ويلك، ما بال عمر لا يخرج إلى عمله؟! قال: زعم أن له إليك ثلاث حوائج، قال: فعجله علي، فجاء به الوليد فقال له عمر: إنك استعملت من كان قبلي، فأنا أحب ألا تأخذني بعمل أهل العدوان والظلم والجور. فقال له الوليد: اعمل بالحق وإن لم ترفع إلينا درهمًا واحدًا. وهذا يبين لنا حرص هذا الخليفة ﵀ ﵎ قبل أن يكون خليفة- على العدل والحق ﵀ ﵎.
стр. 408
د- خلافته وعدله:
كان عمر -رضي الله تعالى عنه- عادلًا في خلافته، وقد يسأل سائل: كيف أتت عمر الخلافة؟ فأذكر ما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: قال حدثنا محمد بن سعيد، قال: قال: رجاء بن حيوة: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثيابًا خضرًا من خز، ونظر في المرآة فقال: أنا -والله- الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة يصلي بالناس الجمعة، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَى وُعِكَ، فلما ثقل كتب كتابًا عهده إلى ابنه أيوب -وهو غلام لم يبلغ- فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟! إنه مما يُحْفَظُ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال: كتاب أستخير فيه، وأنظر، ولم أعزم عليه، فمكث يومًا أو يومين، ثم خرقه، قال: ثم دعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب بقسطنطينية، وأنت لا تدري؛ أحي هو أم ميت؟! قال: يا رجاء؛ فمن ترى؟! فقلت: رَأْيك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أن أنظر من تذكر، فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه -والله- فاضلًا خيارًا مسلمًا. قال: هو -والله- ذلك، ولئن وليته ولم أولِّ أحدًا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبدًَا يلي عليهم، إلا أن أجعل أحدهم بعده، ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم، قال: فأجعل يزيد بن عبد الملك بعده؛ فإن كان مما يسكنهم ويرضون به قلت رأيك.
فكتب بيده هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز؛ إني وليته الخلافة بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له، وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا؛ فيطمع فيكم". وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن جابر -صاحب شرطته- أنْ مُرْ أهلَ بيتي أن يجتمعوا بجمعهم، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا
стр. 409
إليهم، فأخبرهم أنه كتابي، ومرهم فليبايعوا من وليت، ففعل رجاء، فقالوا: قال: نعم. فدخلوا، فقال لهم: عهدي، فاسمعوا له وأطيعوا، وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، قال: فبايعوه رجلًا رجلًا، ثم خرج بالكتاب مختومًا في يد رجاء، قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت لي به مودة، وكان بي برًّا، فأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئًا، فأنشدك الله، إلا أعلمتني إن كان ذلك؛ حتى أستعفيه الآن، قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك، فقال رجاء: والله، ما أنا مخبرك حرفًا واحدًا، فذهب عمر -رضي الله تعالى- عنه غضبان.
ولما مات سليمانُ بويع لعمر -رضي الله تعالى- عنه بالخلافة، وكان عمر ﵁ إمامًا خليفة عادلًا، قال سفيان الثوري: أئمة العدل خمسة -تأملوا هذه الكلمات من إمام كسفيان الثوري ﵀ ﵎ أئمة العدل خمسة- أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز؛ من قال غَيْرَ هَذَا فَقَدِ اعْتَدَى. هذه كلمة في الحقيقة كبيرة وعظيمة وجليلة ولها وقع في التاريخ الإسلامي؛ لأنها صدرت من هذا الإمام العالم الزاهد: سفيان ﵀ ﵎ ثم انظروا بعد ذلك إلى كلمة أيضًا قالها إمام أهل السنة والجماعة في عصره: الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ﵎ قال الإمام أحمد: يروى في الحديث: ((أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يُصَحِّحُ لهذه الأمة دينها)).
قال أحمد: فنظرنا في المائة الأولى؛ فإذا هو عمر بن العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فنراه الشافعي، وبناء على ذلك، فإن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ﵎ يعتبر أن الخليفة الزاهد الراشد العادل الموفق عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ هو الذي كان على رأس المائة الأولى، الذي أعز الله ﵎ به الدين، وصحح به مسيرة الخلفاء الذين قبله، الذين قد جاوزا شيئًا من الحد، ولا يسلم غالبًا من هذا بشرٌ، وإن كان وقع شيء من ذلك فأمر هؤلاء العباد إلى الله ﵎-
стр. 410
وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أنهم كانوا على الإسلام وعلى الدين، وكانوا متمسكين به، وإن كانت وقعت منهم أخطاء، فأمرهم بعد ذلك إلى رب العزة والجلال سبحانه، ونسأل الله أن يعفوَ عنهم، وأن يغفر لهم، وأن يتجاوز عن سيئاتهم، ولكن لم يكن كعمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- مما سبقه من الأمراء، كان -رحمه الله تعالى- عادلًا في حكمه مقسطًا عالمًا جليلًا ورعًا زاهدًا ﵀ ﵎.
أَخْتَمُ هَذَا اللقاءَ في ترجمة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ بهذا العنصر، وهو بعنوان "المسئوليات الصادقة لدى عمر بن عبد العزيز"، فأقول في هذا: إذا كانت الشهور التسعة والعشرون التي عاشها خليفةٌ تعتبر بالنسبة للتاريخ الإنساني كله بمثابة لحظة، فإن هذه اللحظة قد صارت من أعظم أزمان التاريخ تزكيةً للإنسان وتأثيرًا في الحقيقة؛ إِذْ أَعْطَتِ الْبَشَرِيَّة في شتى عصورها وأديانها وأجناسها المثل على ما تستطيع الإرادة الإنسانية أن تحقق من عزة وكرامة واستقامة؛ إذا جعلت الله رَقِيبَهَا، والحق كتابها.
إنني أود أن أقدم كلمات للدنيا كلها من خلال مسيرة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وأبرز المسئوليات الصادقة التي كان يشعر بها، ويحس بها؛ كي يترسم المسلم أيضًا خطاهم.
لقد حرص أمير المؤمنين على أن يدرك الناس أنه لا يأتيهم بجديد من المبادئ والنظم، فكل ذلك في قرآنهم ودينهم وتراث الرعيل الأول الصالح من خلفاء رسول الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، إنما يأتي عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- بروح قوية وكبيرة وعالية، هي روح المسئولية الورعة الصادقة، يزكيها فهم سديد لجوهر الإسلام وأهداف شريعته.
وإذن فإن علينا أن نرصد مسار علاقته بمسئولياته في ثلاثة مطالع؛
стр. 411
المطلع الأول: وضوح المسئولية في وعيه.
المطلع الثاني: استغراقه فيها -يعني: في المسئولية.
المطلع الثالث: إخلاصه لها.
فأما عن الأول -ألا وهو وضوح المسئولية في وعيه- فنحن نعلم أنه لكي تستغرق قضية ما إنسانًا ما استغراقَ إيمانٍ لا استغراق بحث، فإنها لا بد أن تكون قد بلغت من الوضوح والإسفار في تفكير صاحبها وشعوره المدى الذي يقهر كل غموض، ويتخطى كل تساهل والقضية التي استغرقت عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- كانت من هذا الطراز، فهي لا تستغرقه استغراق باحثٍ يحاول التأكد من صحتها وصدقها، بل استغراق مؤمن مفعم باليقين.
فلننظرِ الآن مظاهر وضوحها إليه، وإذا كانت كلماته وخطبه ﵀ إنما تعبر تعبيرًا مطلقًا عن حقيقة اتجاهاته ومقاصده، فإنها أيضًا كفيلة بإعطائنا صورة هذا الوضوح، ولنبدأ مثلًا معه بخطبة من الخطب؛ لنعرف كيف أن المسئولية الملقاة على عاتق أمير المؤمنين الخليفة الزاهد الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ كانت في غاية الوضوح.
يقول ﵀: "لقد سن رسول الله ﵌ وخلفاؤه من بعده سننًا؛ الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة لدين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا الركون لأمر خالفها؛ من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو المنصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب؛ فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه ﵌ فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، وإنما أنا مُنَفِّذ، ولست بمبتدع إنما أنا متبع، ولست بخيركم إنما أنا رجل منكم، غير أني أثقلكم حملًا".
стр. 412
هكذا تتضح المسئولية في روعه غاية الوضوح؛ فموضوعها -إذن- هذا الدين الذي أتم الله به النعمة، وارتضاه للناس دينًا، وحاملها ليس مشرعًا ولا قاضيًا، إنما هو مُنَفِّذٌ للدين ومبادئِهِ، وهذا الوضع لا يمنحه أيَّ امتياز بحال، وإنما هو قال -كما ذكر في خطبته السابقة-: لست بخيركم إنما أنا رجل منكم.
والفارق الوحيد بينه وبين أفراد أمته هو أنه أثقلهم حملًا وهو -كما نرى- محسوب عليه، وليس محسوبًا له، ولهذا نرى حقًّا أن المسئولية لدى عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ كانت واضحة غاية الوضوح.
أنتقل بعد ذلك إلى صورة سريعة أخرى لأنظر في المطلع الثاني من مسئوليات عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وهو استغراقه في هذه المسئولية، بمعنى: أنه استغرق -رحمه الله تعالى- في مسئولياته، وأفنى جهده فيها؛ كي يخرج منها سالمًا بفضل الله ﵎ لذلك أقول: لقد احتوت عمر بن عبد العزيز المسئولية في خضمها، فنسي نفسه وأهله ودنياه وعالمه، نسي كل شيء سواها؛ لأنه يريد إرضاء الله ويريد أن يقف بين يدي الله ﵎ وربُّه عنه راض، بل إنه ﵀ نسي حقه في استشعار الرضا والأمن جزاء ما يقدم لدين الله ودنيا الناس من ولاه وبر، حتى حقه هذا نسيه في غمرة خوفه المشبوب من الله، لم يعد يذكر سوى مسئوليته الفادحة، وبدت له أعماله الشامخات كأنها ليست شيئًا مذكورًا، وسيطرت على شعوره وفكره صورة واحدة، تلك هي صورة موقفه بين يدي الله سبحانه، يسأله عن كل شيء قدمه، وعن كل فرضٍ من عبادته.
تقول فاطمة زوجه -رضي الله تعالى عنها-: لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاضة العصفور من شدة الخوف، حتى كانت تقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم. ويقول علي بن زيد ﵀ ﵎ كان يبدو -ويعني بذلك: عمر بن عبد العزيز كان يبدو- وكأن النار لم تخلق إلا له.
стр. 413
وبهذا الوضوح الكامل لمسئوليته، وبهذا الاستغراق العظيم فيها، يستكمل الولاء زواياه، بالإخلاص المطلق الذي يربطه بهذه المسئولية أوثق رباط، والإخلاص للمسئولية يشكل السياج المنيع الذي يحفظها داخل موضوعيتها، ويصونها من تقحم الأنانية والهوى عليها، وهذا هو جوهر الإخلاص لدى أمير المؤمنين -عمر بن عبد العزيز ﵀ فهو لا يستغرق فيها استغراق من يريد أن يبلغ بها مجدًا شخصيًّا أو مغنمًا ذاتيًّا، بل استغراق فان فيها، متبتل لها، ليس بين يديه ولا من خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله شيء يلهيه عنها، أو يغريه بها؛ إنه إخلاص يعكسه إخلاصه لله رب العالمين، ورجل كعمر حين يخلص لله فلا تستطيع ألف دنيا كدنيانا أن تدخل في هذه الصفقة ندًّا أو شريكًا.
لقد كان ﵁ وأرضاه دائم الترديد لهذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: من الآية: ١٠٦) واتخذ منها نذيرًا يلهب به نفسه؛ لتبلغ بإخلاصها لربه ولدينه ولمسئوليته أقصى ما يستطيع أولو العزم الراشدون، وكان يدرك بنور بصيرته ﵀ أن أدنى مجاملة على حساب إخلاصه لمسئوليته إنما هو شرك خفي، من نوع ذلك الشرك الذي حذر منه الرسول ﵌ أصحابه مخبرًا أن له دبيبًا كدبيب النمل.
لقد نجح عمر ﵁ نجاحًا باهرًا في صون إخلاصه من دبيب النمل هذا، وأضحى الناس يقول بعضهم لبعض: هذا أول خليفة أموي لا نجد حاجة في قرع بابه، فإنما يكون لنا من حق يأتينا ونحن في دورنا، وما ليس لنا بحق فدون بلوغه قطع الرقاب.
أجل لم يكن لإخلاص ابن عبد العزيز مزاحمٌ ولا منافس لا من قرابة ولا من صداقة. إن تاريخ عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ تاريخ مليء بالأحداث الجميلة والكريمة. ذلك أنه كان نموذجا يقتدى ويحتذى به في العدل والورع
стр. 414
والزهد والعلم والإنصاف ﵀ ﵎ وهو أحد خلفاء بني أمية التي قامت دولتهم بقيام الخليفة أيضًا الراشد العادل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صاحب رسول الله ﵌ ومعاوية من الصحب الكرام يجب علينا أن نثني عليه.
وإن كان عمر بن عبد العزيز عادلًا إلا أنه لا يصل مبلغ معاوية ﵁ لأنه لا يصل أحد من هذه الأمة مبلغ صحابة النبي ﵌ وأنا أقول هذا حتى لا يفهم إنسان حينما نشيد بعمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- أننا لا نذكر هذا في خلفاء بني أمية الآخرين، وعلى رأسهم مؤسس هذه الدولة الخليفة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صحابي جليل من صحابة النبي الكريم ﵌ ولعلنا بعد هذا نكون قد أخذنا فقها من سيرة هذا الخليفة الزاهد الراشد ﵀ ﵎ فندعو علماءنا وحكامنا إلى التبحر في العلم، وإلى العدل والإنصاف، وإلى طلب الحق وأن يحكموا بين الناس بالقسط.
وعلى كل عبد أن يتذكر دائما الوقوف بين يدي الله لتستقيم أعماله بذلك، وهذا كان عمل هذا الخليفة الراشد الزاهد ﵀ ﵎ حتى عد مجددًا للمائة الأولى في الإسلام، وأكتفي بهذا القدر.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - ترجمة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى
سيرة الإمام أحمد الذاتية
الحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
قال الإمام الحافظ الذهبي ﵀ ﵎ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل: هو الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس، وكان محمد والد أبي عبد الله من "أجناد مرو" مات شابًا له نحو من ثلاثين سنة، ورُبِي أحمد يتيمًا، وقيل: إن أمه تحولت من "مرو" وهي حامل به.
стр. 415
قال صالح بن أحمد: قال لي أبي: وُلِدت في ربيع الأول سنة أربعة وستين ومائة ومات أبوه شابًا فوليته أمه.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين فسمعت بموت حماد بن زيد وأنا في مجلس هشيم.
قال صالح: قال أبي -يعني أحمد بن حنبل-: ثقبت أمي أذني، فكانت تصير فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت نزعتهما، فكانت عندها، ثم دفعتها إلي فبعتهما بنحو من ثلاثين درهمًا.
قال أبو داود ﵀ تبارك تعالى-: سمعت يعقوب الدورقي سمعت أحمد يقول: وُلِدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وبهذا يتبين أن تاريخ ولادته ﵀ ﵎ متفق عليه لا خلاف فيه، وقدم به أبوه من "مرو" وهو حمل فوضعته أمه ببغداد، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين -رحمه الله تعالى.
وعن محمد بن عباس النحوي قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظًا بيضًا ورأيته معتمًّا وعليه إزار، وقال المروزي: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت عامة جلوسه متربعًا خاشعًا، فإذا كان خارج بيته لم يتبين منه شدة خشوع، وكنت أدخل والجزء في يده يقرأ ﵀ ﵎.
كان أيضًا للإمام أحمد شيوخ كثيرون، وقد ذكر منهم الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- الكثير والكثير، كما ذكر غيره، وقد قال الإمام الذهبي في هذا عن الإمام أحمد ﵀ قال: بأنه طلب العلم وهو ابن خمسة عشر سنة في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد، فسمع من إبراهيم بن سعد قليلًا، ومن هشيم بن بشير فأكثر وجوّد، ومن عباد بن عباد المهلبي، ومعتمر بن
стр. 416
سليمان التيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب بن النجار، ويحيى بن أبي زائدة، وعلي بن هاشم البريد ... وعد أناسًا كثيرين ﵀ ﵎ إلى أن قال: وخلائق إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه، ثم قال: فعدة شيوخه الذين روى عنهم في (المسند) مائتان وثمانون ونيف، وحدّث عنه البخاري حديثًا، وعن أحمد بن الحسن حديثًا آخر في (المغازي) وحدث عنه مسلم وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة عن رجل عنه، وحدث عنه أيضًا ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق.
وشيوخه عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي ﵀ لم يسمه، بل قال: حدثني الثقة، وحدث عنه علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودحي، وأحمد بن صالح، وأحمد بن أبي حواري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات، والحسن بن الصباح البزار، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني.
وقال الإمام الحافظ بن كثير ﵀ ﵎ عن شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، وأيضا عن تلاميذه وطلبه للعلم، قال: وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك، وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العلم ستة عشر سنة، وهذا يدل على أن الإمام أحمد ﵀ ﵎ بدأ في الطلب وهو صغير السن.
وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين فيها حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج
стр. 417
في سنة ثمانٍ وتسعين، والغرض من ذكر ذلك: أنه أيضًا كان ﵀ ﵎ يطلب العلم، ويأخذ عن الشيوخ أثناء هذه الحجات، وجاور إلى سنة تسع وتسعين، وقد سافر أيضًا في هذه السنة إلى عبد الرزاق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، قال الإمام أحمد حججت خمس حجج منها ثلاث راجلة، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا ﵀.
وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه عن حرملة سمعت الشافعي قال: وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم علي مصر فلم يقدم، قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة، وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم.
قال البيهقي ﵀ بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد، وقد ذكر أحمد بن حنبل في (المسند) وغيره عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور.
وحين توفي أحمد وجدوا في تركته (رسالتي الشافعي الجديدة والقديمة) وهذا يدل على أن الإمام أحمد أخذ عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ولذلك قال الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ قلت: قد أفرد ما رواه أحمد عن الشافعي، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﵌: ((نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم البعث)).
وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة -وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثين سنة- قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم
стр. 418
الحديث فأعلمني به، أذهب إليه حجازيًّا كان أو شاميًّا أو عراقيًّا أو يمنيًّا، وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه، وقد كان الإمام أحمد ﵀ بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء -كما سيأتي- ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه، واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق ﵀ ﵎.
جاءت كلمات كثيرة تبين ورع وزهد وتقلل الإمام أحمد ﵀ ﵎ من هذه الدنيا، ومن ذلك ما قاله ابنه صالح ﵀ قال: دخلت على أبي يومًا أيام الواثق -والله يعلم على أي حال نحن- وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه، قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي، يعني: فراش وإذا تحته كتاب كاغد فيه -يعني: كتاب في قرطاس- فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يد فلان، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته عن أبي.
قال فقرأت الكتاب، -يعني: صالح- قرأ هذا الكتاب الذي كان مكتوبًا في الكاغد قال: ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب؟ فاحمرّ وجهه، وقال: رفعته منك، ثم قال: تذهب لجوابه؟ فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي، ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل يرهقنا، وأما عيالنا ففي نعمة الله، قال: فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان قد أوصل كتاب الرجل، ولما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل مثل ذلك، فرد عليه بمثل ما رد، فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها فقال أبي: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت، وهذا يدل على تعففه رغم أنه بحاجة ﵀ ﵎.-
стр. 419
وقال أيضًا الحافظ الذهبي -نقلًا عن صالح بن الإمام أحمد يقول: وشهدت ابن الجروي، وقد جاء بعد المغرب، فقال لأبي: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت، وعندي شيء قد أعددته لك، وهو ميراث، فأحب أن تقبله، فلم يزل به، فلما أكثر عليه قام فدخل، قال صالح: فأخبرت عن ابن الجروي أنه قال: قلت له: يا أبا عبد الله هي ثلاثة آلاف دينار، قال: فقام وتركني، قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين، ووجه بقمطر إلى أبي -والقمطر: شيء تصان الكتب- والكاغد: هو القرطاس الذي يكتب فيه، وولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا -وهذا القمطر أولًا الذي أهدي للإمام أحمد ﵀ رده كما ذكر ابنه صالح- وقال صالح: ثم ولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر، وأراد الخروج إلى البصرة -يعني: هذا الصديق، فقال لي: تُكلم أبا عبد الله يكتب لي إلى بعض المشايخ بالبصرة فكلمته، فقال لولا أنه أهدى إليك كنت أكتب إليه أو أكتب له، وهذا يدل على ورع الإمام ﵀ ﵎.
وقال أحمد بن سنان بلغني: أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق اليماني الصنعاني دراهم صالحة فلم يقبلها، وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط، فأبى صالح أن يقبلها، وقال: إن أبي قد أعد كفنه وحنوطه ورده، فراجعه، وقال: إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره، وهذا مما يكره، فلست أقبله، وهذا يدل على غاية في الورع والزهد والعفة، وأن ولده ﵀ ﵎ كان يعلم عن أبيه: أنه لا يقبل ذلك من خلال سيرته مع أبنائه، ولذلك رد ما تقدم به ابن طاهر رحم الله ﵎ الجميع.
стр. 420
ثناء العلماء عليه:
ذكر الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ كثيرًا من أئمة أهل العلم الذين أثنوا على الإمام أحمد ﵀ ﵎، ومما ذكر في ذلك أنه قال: قال البخاري ﵀ ﵎: لما ضُرِب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل كان أحدوثة، وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيًّا، وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وقال شيخه أحمد يحيى بن سعيد القطان -وهو شيخ الإمام أحمد-: ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة: مات سفيان الثوري، ومات الورع، ومات الشافعي، ومات السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع, وقال: إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة، الله أكبر .... ما أعظم هذه الكلمات! وهذا الثناء في شأن هذا الإمام العالم الجليل الورع ﵀ ﵎!!
وكل ذلك كان بسبب تمسكه بالسنة، وعنايته بعقيدة السلف الصالح ﵀ ﵎، ولذلك قال الإمام البيهقي ﵀ معقبا على القول: بأن الإمام أحمد قام في الأمة مقام النبوة، قال: يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله، وقال أبو عمر بن النحاس، وذكر أحمد يومًا فقال: ﵀ في الدين ما كان أبصره!! وعن الدنيا ما كان أصبره!! وفي الزهد ما كان أخبره!! وبالصالحين ما كان ألحقه!! وبالماضين ما كان أشبهه!! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
وقال بشر الحافي: بعدما ضُرب أحمد بن حنبل: أُدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر، وقال الميموني، قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد، وقيل قبل
стр. 421
أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام مقام أحمد بن حنبل، فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق. إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيدة يطري أحمد، ويقول أبو عبيدة القاسم بن سلام يقول: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال أبو إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان. وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله . ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا، وقال يحيى بن معين أيضًا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقته.
هذا بعض كلمات مما قيل في هذا العالم الجليل، وقد أحببت أن أذكر أكثر من هذا، ولكني أكتفي بما ذكرت وقلت، وأردت بهذا أن أنوّه بشأن هذا الإمام العالم الجليل الذي امتحن في الله ﵎ كما سيأتي بيان ذلك، وأن أبين لعموم المستمعين ولطلبة العلم حتى يبلغوا ما وراءهم، بأن الإمام أحمد بن حنبل كان إمامًا في أهل السنة والجماعة يقتدى به، وأنه سلك طريقة سلف هذه الأمة الصالحين، وأن أعيان أئمة أهل العلم أثنوا عليه ﵀ وعليه أقول: لا يلتفت إلى من غمز أو لمز على هذا الإمام الرباني، العالم الجليل ﵀ ﵎.
وصيته ووفاته: عن أبي بكر المروزي قال: نبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، ولا شك أنه كان يواصل، إما لمرضه أو لعدم طعام يأكله ﵀ فقد كان زاهدًا متعففًا، قال: فإذا هو قاعد، فقال -يعني الإمام أحمد- هو الذي قال:
стр. 422
هو ذا يدار به من الجوع فأطعمني شيئًا، قال أبو بكر المروزي: فجئته بأقل من رغيف فأكله، وكان يقوم إلى الحاجة فيستريح، ويقعد من ضعفه؛ حتى إن كنت لأبل الخرقة، فيلقيها على وجهه لترجع إليه نفسه، بحيث إنه أوصى فسمعته يقول عند وصيته -ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته-: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
هكذا ذكر أبو بكر ﵀ عن وصية الإمام أحمد، ولا شك أنه ذكر أعظم ما فيها، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة، ودخلت في ثمانٍ، فحمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح بن أحمد أيضًا: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت علام أفطرت البارحة؟ على ماء الباقلاء، ثم أراد القيام، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعف، وتوكأ إليه، وكان يختلف إليه غير متطبب كلهم مسلمون، فوصف له مطبب قرعة تشوى، ويسقى ماءها، وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
وهنا أقف وقفة عند قول هذا الإمام ﵀ لأبين وأذكر وأوضح أن الإمام أحمد كان معظمًا للسنن والآثار ﵀ ﵎ وهذا شيء جميل من هذا الإمام، هو في مرض موته ﵀ لما رأى جارًا له قد خضب شعره قد فرح بذلك، وقال: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
قال ابنه صالح -رحم الله الجميع-: واجتمعت عليه أوجاع ولم يزل عقله ثابتًا، وهذه نعمة من نعم الله على مثل هؤلاء الأئمة ﵏ ﵎ أن الله يحفظ
стр. 423
عليهم عقولهم لما كانوا عليه في الدنيا من تتبع للأثر والحديث واتباع لكتاب الله، وهدي رسول الله ﵌.
فلما كان من يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي ﵀ ﵎، وهذا يدل على أنه ﵀ مات في ربيع الأول، وكان هذا في يوم جمعة.
وقال المروزي: مرض أحمد تسعة أيام، وكان ربما أُذِن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده، وتسامع الناس، وجاءه حاجب بن طاهر فقال: إن الأمير يقرؤك السلام، وهو يشتهي أن يراك، وقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
قال أي المروزي: وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر -يعني إلى الناس- يعلمونهم بمرضه، وشأنه وحاله ﵀ والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادع لي الصبيان بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست هكذا، يقول ابنه ﵀ فرأيت بوله دمًا عبيطًا، يعني: طريًّا، فقلت للطبيب: هذا الأمر ما هذا؟ فقال: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثَقُل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع.
стр. 424
وروى عبد الله بن إسحاق الخراساني: أخبرنا بنان بن أحمد القصباني: أنه حضر جنازة أحمد، فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطعية، وحذر من حضرها من الرجال بثمانمائة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا في من صلى العصر يومئذٍ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفًا.
قال موسى بن هارون الحافظ يقال: إن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحذر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف أو أكثر، سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وهذا يدل على مكانة الإمام ﵀ ﵎ عند المسلمين عمومًا، وعند أهل السنة والأئمة خصوصًا، ويذكرني هذا بقول القائل: بيننا وبينهم الجنائز، وذلك في المبتدعة، فأهل السنة يحضر جنازتهم الكثير والكثير -رحم الله ﵎ هذا الإمام العالم الرباني.
عقيدة الإمام أحمد ومحنته
أنتقل بعد ذلك إلى عقيدته ومحنته.
معلوم: أن الإمام أحمد ﵀ ﵎ كان يكره الكلام، ويحذر منه، ويحذر من المبتدعة، ومن الجلوس إليهم بحال من الأحوال أن حنبل روى عنه، فقال: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح؛ لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء، أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام، عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير.
وللإمام أحمد كلام كثير في التحذير من البدع وأهلها، وأقوال في السنة، ومن نظر في كتاب (السنة) لأبي بكر الخلال رأى فيه علمًا غزيرًا ونقلًا كثيرًا.
стр. 425
ثم قال الإمام الحافظ الذهبي ﵀ ﵎: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق ﵀ ﵎.
كان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ﵎ يقف عند النصوص، ولا يتجاوز ما جاء في القرآن والحديث، فكان متبعًا لسلف هذه الأمة الصالحين، وسأذكر هنا نصًّا من قوله ﵀ ﵎ يبين ذلك بوضوح، قال: هذا مذاهب أهل العلم والأثر، فمن خالف شيئا من ذلك أو عاب قائله فهو مبتدع، وكان قولهم -هنا يذكر الإمام أحمد بن حنبل قول أهل السنة والجماعة في بعض أمهات مسائل الاعتقاد ﵀ ﵎ مما يبين: أنه كان يسلم بما جاء عن السلف الصالح، ولما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﵌.
يقول: وكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص، ومن زعم أن الإيمان قول والأعمال شرائع فهو جهمي، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، والزنا والسرقة وقتل النفس والشرك كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد على الله حجة، وهو بهذا يرد على القدرية ﵀ إلى أن قال: والجنة والنار خلقتا ثم خُلِق الخلق لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا، إلى أن قال: والله تعالى على العرش، والكرسي موضع قدميه، وقال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى عن النبي ﵌ ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ... )) إلى آخر الحديث، فقال: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها، إذا كان أسانيد صحاحًا، ولا نرد على رسول الله ﵌ قولًا، ونعلم أن ما جاء به حق ﵀ ﵎.
следующие страницы →