← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

صلى الله عليه وسلم، الواسطة بيننا وبين الواحد الأول: " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما (١) . فنحن نرجو من خالقنا أن نكون ممن (٢) يضرب لنا في كشف هذه الغمة بنصيب وافر ننتفع به جداً يوم فقرنا إلى الحسنات وحاجتنا إلى النجاة بأنفسنا مما يقع فيه الآثمون، وأن ييسرنا لسنةً حسنة نشارك من تصرف بعدنا ما كنا السبب في علمه إياه، من أجره، دون أن ينقص (٣) من أجرة شيء، فهكذا وعدنا الخالق (٤) الأول على لسان رسوله، ﷺ فهؤلاء ضرب. والضرب الثاني: قوم يعدون هذه الكتب هذياناً لا يفهم، وهراء من القول وهذراً من المنطق (٥) . وبالجملة فأكثر الناس سراع إلى معاداة ما جهلوه وذم ما لم يعلموه، وهم كما قال الصادق ﵇: " الناس كإبل مائةٍ لا تجد فيها راحلة " (٦) . فرأينا أيضاً أن من وجوه البر إفهام من جهل هذا المقدار الذي نصصنا على فضله أولاً، ولعمري ما ذلك بقليل إذ بالعلم بهذا المعنى بنا عن البهائم وفهمنا مراد الباري في خطابه إيانا. والضرب الثالث: قوم قرأوا هذه الكتب المذكورة بعقول مدخولة وأهواء مؤوفة وبصائر غير سليمة، وقد أشربت قلوبهم حب الاستخفاف واستلانوا مركب العجز واستوبأوا نقل الشرائع (٧) وقبلوا قول الجهال إنها كتب إلحاد، فمروا عليها أمراً لم يفهموها ولا تدبروا ولا عقلوها (٨) فوسموا أنفسهم بفهمها، وهم أبعد الناس عنها وأنآملهم عن درايتها، وكان ما ذكرنا في تلبيس أمر هذه ومنفراً عنها فقوى رجاؤنا في أننا ببيان ما نبينه منها نكون السبب في هداية من سبقت له الهداية في علم

стр. 1017

الله ، فيفوز بالحظ الأعلى ويحوز القسم الأسنى إن شاء الله . ولم نجد أحداً قبلنا انتدب لهذا فرجونا ثواب الله وأملنا عونه تعالى (١) في ذلك. والضرب الرابع: قوم نظروا فيها بأذهانٍ صافية وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستناروا بها ووقفوا على أغراضها فاهتدوا بمنارها وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها، وشاهدوا انقسام المخلوقات وتأثير الخالق فيها وتدبيره إياها، ووجدوا هذه الكتب الفاضلة كالرفيق الصالح والخفير (٢) الناصح والصديق المخلص [٤ ظ] الذي لا يسلم عند شدة، ولا يفتقده صاحبه في مضيق إلا وجده معه. فلم يسلكوا شعباً من شعاب العلوم إلا وجدوا منفعة هذه الكتب أمامهم ومعهم، ولا طلعوا ثنية من ثنايا المعارف إلا أحسوا بفائدتها غير مفارقةٍ لهم، بل ألفوها تفتح لهم كل مستغلق، وتليح إليهم كل غامض في جميع العلوم، فكانت لهم كالميلق (٣) للصيرفي، والأشياء التي فيها الخواص لتجلية مخصوصاتها. فلما نظرنا في ذلك وجدنا من بعض الآفات (٤) الداعية إلى البلايا التي ذكرنا تعقيد الترجمة فيها وإيرادها بألفاظ غير عامية ولا فاشية الاستعمال، وليس كل فهم تصلح له كل عبارة، فتقربنا إلى الله بأن نورد معاني هذه الكتب (٥) بألفاظٍ سهلة سبطة يستوي إن شاء الله في فهمها العامي والخاصي والعالم والجاهل حسن إدراكنا وما منحنا خالقنا ﵎ من القوة والتصرف. وكان السبب الذي حدا من سلف من المترجمين إلى إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها، الشح منهم بالعلم والضن به. ولقد يقع لنا أن طلاب العلم يومئذ والراغبين فيه كانوا كثيراً ذوي حرص قوي، فأما الآن وقد زهد الناس فيه زهداً ليته سلم أهله منهم، بل قد أداهم زهدهم فيه (٦)

стр. 1018

إلى إيذاء (١) أهله وذعرهم ومطالبتهم والنيل منهم ولم يقنع الجاهل بأن يترك وجهله، بل صار داعية إليه وناهياً عن العلم بفعله وقوله، وصاروا كما قال حبيب بن أوس الطائي في وصفهم (٢) : غدوا وكأن الجهل يجمعهم به ... أب وذوو الآداب فيهم نوافل فإن الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله، أن يسهله جهده، ويقربه بقدر طاقته، ويخففه ما أمكنه. بل لو كان أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري (٣) الأجور لمقنيه (٤) ، ويعظم الأجعال عليه (٥) للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابراً في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظاً جزيلاً وعملاً جيداً وسعياً مشكوراً كريماً وإحياء للعلم؛ وإلا فقد درس وطمس (٦) وبلي وخفي، إلا تحلة القسم، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة وأعلام داثرة والله المستعان. ورأينا هذه الكتب كالدواء القوي، إن تناوله ذو الصحة المستحكمة، والطبيعة السالمة، والتركيب الوثيق، والمزاج الجيد، انتفع به وصفى بنيته وأذهب أخلاطه [٥ و] وقوى حواسه، وعدل كيفياته؛ وإن تناوله العليل المضطرب المزاج، الواهي التركيب، أتى عليه، وزاده بلاء وربما أهلكه وقتله. وكذلك هذه الكتب إذا تناولها ذو العقل الذكي والفهم القوي لم يعدم أين تقلب وكيف تصرف منها نفعاً جليلاً وهدياً منيراً وبياناً لائحاً ونجحاً في كل علم تناوله وخيراً في دينه ودنياه، وإن أخذها ذو العقل السخيف أبطلته أو ذو الفهم الكليل بلدته وحيرته؛ فليتناول كل امرئِ حسب طاقته. وما توفيقنا إلا بالله . ولا ينذعر قارئ كتابنا هذا من هذا الفصل، فيكع راجعاً، ويجفل هارباً،

стр. 1019

ويرجع من هذه الثنية ثانياً من عنانه، فإنا نقول قولاً ينصره البرهان، ونقضي قضيةً يعضدها العيان: إن أقواماً ضعفت عقوهم عن فهم القرآن فتناولوه بأهواء جائرة، وأفكار مشغولة، وأفهام مشوبة فما لبثوا أن عاجوا عن الطريقة، وحادوا عن الحقيقة: فمن مستحل دم (١) الأمة، ومن نازع إلى بعض فجاج الكفر، ومن قائل على الله ما لم يقل. وقد ذكر الله وحيه وكلامه فقال: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين﴾ (البقرة: ٢٦) وهكذا كل من تناول شيئاً على غير وجهه، أو وهو غير مطيقٍ له، وبالله تعالى نستعين. وليعلم من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحدٍ فقط بل في كل علم، فمنفعتها في كتاب الله ، وحديث نبيه، ﷺ وفي الفتيا في الحلالوالحرام، والواجب والمباح، من (٢) أعظم منفعة. وجملة ذلك في فهم الأسماء (٣) التي نص الله تعالى ورسوله، ﷺ ، عليها وما تحتوي عليه (٤) من المعاني التي تقع عليها الأحكام وما يخرج عنها من المسميات، وانقسامها (٥) تحت الأحكام على حسب ذلك والألفاظ التي تختلف عباراتها وتتفق معانيها. ولعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي ﷺ ، ولم يجز له أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام، وبناء بعضه على بعض، وتقديم المقدمات، وإنتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصديق أبداً، ويميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب أخرى ولا ينبغي أن يعتبر بها. وأما علم النظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات فلا غنى بصاحبه عن الوقوف على معاني هذه الكتب لما سنبينه في أبوابه إن شاء الله تعالى. وجملة ذلك معرفة ما يقوم بنفسه مما لا يقوم بنفسه، والحامل والمحمول، ووجوه الحمل والشغب

стр. 1020

والبرهان والإقناع (١) ، وغير ذلك. وأما علم النحو واللغة والخبر وتمييز حقه من باطله والشعر والبلاغة والعروض [٥ ظ] في جميع ذلك تصرف شديد وولوج لطيف وتكرر كثير ونفع ظاهر. وأما الطب والهندسة والنجوم فلا غنى لأهلها (٢) عنها أيضاً لتحقيق الأقسام والخلاص من بلية (٣) الأسماء المشتركة وغير ذلك، مما ليس كتابنا هذا مكاناً لذكره. وهذه جمل يستبينها من قرأ هذه الكتب وتمهر فيها وتمرن بها ثم نظر في شيء من العلوم التي ذكرنا وجد ما قلنا حقاً، ولاحت له أعلامها في فجاجها وأغماضها تبدي له كل ما اختفى وبالله تعالى التوفيق. وكتابنا هذا واقع من الأنواع التي لا يؤلف أهل العلم وذوو التمييز الصحيح إلا فيها تحت النوع الرابع منها، وهو شرح المستغلق، وهو المرتبة الرابعة من مراتب الشرف في التواليف. ولن نعدم، إن شاء الله، أن يكون فيه (٤) بيان تصحيح رأى فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس وتنبيه على أمر غامض، واختصار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع أشياء مفترقة (٥) مع الاستيعاب لكل ما بطالب البرهان إليه أقل حاجة، وترك حذف شيءٍ من ذلك البتة. والأنواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إما شيء لم يسبق إلى استخراجه فيستخرجه؛ وإما شيء ناقص فيتممه؛ وإما شيء مخطأ فيصححه؛ وإما شيء مستغلق فيشرحه؛ وإما شيء طويل فيختصره؛ دون أن يحذف منه شيئاً يخل حذفه إياه بغرضه؛ وإما شيء مفترق فيجمعه؛ وإما شيء منثور فيرتبه. ثم المؤلفون يتفاضلون فيما عانوه من تواليفهم مما (٦) ذكرنا على قدر استيعابهم ما قصدوا، أو تقصير (٧) بعضهم عن بعض، ولكل قسط من الإحسان

стр. 1021

والفضل والشكر والأجر، وإن (١) لم يتكلم إلا في مسألة واحدة إذا لم يخرج عن الأنواع التي ذكرنا في أي علم ألف. وأما من أخذ تأليف فأعاده (٢) على وجهه أو قدم وأخر، دون تحسين رتبةٍ، أو بدل ألفاظه دون أن يأتي بأبسط منها وأبين، أو حذف مما (٣) يحتاج إليه، أو أتى بما لا يحتاج إليه، أو نقض صواباً بخطأ، أو أتى بما لا فائدة فيه، فإنما هذه أفعال أهل الجهل والغفلة، أو أهل القحة والسخف، نعوذ (٤) بالله من ذلك. [المدخل إلى المنطق أو إيساغوجي] وهذا حين نبدأ، إن شاء الله بحوله وقوته، فيما له قصدنا فنشرع في بيان المدخل إلى الكتب الكذورة، وهو المسمى باللغة اليونانية إيساغوجي. معنى إيساغوجي في اللغة اليونانية " المدخل " (٥) وهو خاصة من تأليف فرفوريوس الصوري (٦) . والكتب التي بعده من تأليف أرسطاطاليس معلم الإسكندر ومدبر مملكته، وبالله تعالى التوفيق، وبه نعتصم ونتأيد، لا إله إلا هو. ١ - الكلام في انقسام الأصوات المسموعة [٦ و] جميع الأصوات الظاهرة من المصوتين فإنها تنقسم قسمين: إما أن تدل على معنى، وإما أن لا تدل على معنى. فالذي لا يدل على معنى لا وجه للاشتغال به لأنه لا يحصل لنا منه فائدة نفهمها؛ وطلب ما هذه صفته عناء ليس من أفعال أهل العقول. وهذا مثل كل صوت سمعته لم تدر ما هو؛ ويدخل في هذا أيضاً الكلام الظاهر من المبرسمين

стр. 1022

والمجانين (١) ومن جرى مجراهم (٢) . فإن قال قائل: " فإن هذا الكلام الذي ذكرت يدل على أن قائله لا يعقل أو أنه مريض "؛ قيل له وبالله تعالى التوفيق، إنه لم يدلك على ذلك (٣) بمعناه، لكن لما فارق كلام أهل التمييز كان كالدليل على آفة بصاحبه. وأيضاً فقد يظهر مثل هذا الكلام من حاكٍ (٤) أو مجان، فلا يدل على أن صاحبه لا يعقل. فليس ما اعترض به هذا المعترض حقاً. وهذا العلم إنما قصد به ما يكون حقاص، وتخليصه مما قد يكون حقاً وقد لا يكون. ثم نرجع فنقول: إن الصوت الذي يدل على معنى ينقسم قسمين: إما أن يدل بالطبع وإما أن يدل بالقصد. فالذي يدل بالطبع هو كصوت الديك الذي يدل في الأغلب على السحر، وكأصوات الطير الدالة على نحو ذلك، وكأصوات البلارج والبرك (٥) والاوز والكلاب بالليل الدالة في الأغلب على أنها رأت شخصاً، وكأصوات السناير في دعائها أولادها وسؤالها وعند طلبها (٦) السفاد وعند التضارب، وكل صوت دلك بطبعه على مصوته كالهدم ونقر النحاس وما أشبه ذلك من أصوات الحيوان غير الإنسان. فهذه إنما تدل على كل ما ذكرنا بالعادة المعهودة منا (٧) في مشاهدة تلك الأصوات، لا أنا نفهمها كفهمنا ما نتخاطب به فيما بيننا باللغات المتفق عليها بين الأمم التي نتصرف بها في جميع مراداتنا. فهذه الأصوات التي ذكرناها (٨) لم نقصدها في كتابنا هذا إذ ليس يستفاد منها توقيف على علم ولا تعليم صناعة ولا إفادة خبر وقع. وأما الصوت (٩) الذي يدل بالقصد فهو الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما

стр. 1023

بينهم ويتراسلون بالخطوط المعبرة عنه في كتبهم لإيصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض، وهذه هي التي عبر عنها الفيلسوف بأن سماها " الأصوات المنطقية الدالة ". فإن شغب مشغب بما يظهر من بعض الحيوان غير الناطق من كلام مفهوم كالذي يعلمه الزرزور والببغاء والعقعق من حكاية كلام يدرب عليه (١) قائم المعنى، فليس ذلك كلاماً صحيحاً ولا مقصوداً به إفهام معنى ولا يعدو ما علم (٢) ولا يضعه موضعه، ولكن يكرره كما يكرر سائر تغريده كما عوده (٣) . وكثير من الحيوان في طبيعته أن يصوت بحروف ما على رتبة ما، وذلك كله بخلاف كلام الإنسان [٦ ظ] الذي يعبر به عن أنواع العلوم والصناعات والأخبار وجميع المرادات. ثم نرجع فنقول: إن هذا القسم الذي ذكرنا أنه يدل بالقصد ينقسم قسمين: إما أن يدل على شخص واحد وإما أن يدل على أكثر من شخص واحد. فأما الذي يدل على شخص واحد فهو كقولنا: زيد وعمرو وأمير المؤمنين والوزير وهذا الفرس وحمار خالد وما أشبه ذلك. فهذه إنما تعطينا إذا سمعنا الناطق ينطق بها الشخص الذي أراد الناطق وحده، لسنا نستفيد منه أكثر من ذلك. وليس هذا الذي قصدنا الكلام عليه لأن هذه الأسماء لا يضبط حدها من اسمها لفرق نذكره بعد هذا، إن شاء الله . واعلم قبل أن كل جزء مجتمع في العالم توجد في العالم أجزاء مثله كثيرة، إلا أن بعضها منحاز عن بعض فإنا نسميه شخصاً بالاتفاق منا كالرجل الواحد، والكلب (٤) الواحد، والجبل الواحد، والحجر الواحد، وبياض الثوب (٥) الواحد، والحركة الواحدة وسائر كل ما انفرد عن غيره. فإذا سمعتنا نذكر الشخص أو الأشخاص فهذا نريد. وأما القسم الثاني: وهو الذي يدل على أكثر من واحد فهو كقولنا: الناس والخيل والحمير والثياب والألوان وما أشبه ذلك. فإن كل لفظة مما ذكرنا تدل إذا قلناها على

стр. 1024

أشخاص كثيرة العدد جداً. وقد يقوم مقام هذه الألفاظ أيضاً في اللغة العربية أسماء تقع على الجماعة كما ذكرنا، وتقع أيضاً على الواحد، إلا أن حال المتكلم تبين عن مراده بها كقولك: " الإنسان " فإن هذه لفظة تدل على النوع كله، كقول الله : ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: ٢) فإنما عنى جماعة ولد آدم وتقع أيضاً هذه اللفظة على واحد فتقول: أتاني الإنسان الذي تعرف، وأنت تريد غلامه أو زوجته أو واحداً من الناس بعينه. وكذلك أيضاً في جميع الأنواع فتقول " الفرس " ألا ترى أنك تقول: الفرس صهال، وتقول " الفرس " لفرس واحد بعينه معهود، فإذا أردت رفع الإشكال أتيت بلفظ الجمع الموضوع له خاصةً فقلت: الخيل أو الناس وما أشبه ذلك. فهذا القسم هو الذي قصدنا بالكلام عليه، ولوقوعه على جماعة احتجنا إلى البيان عنه وعليه تكلمنا لا على غيره من الأقسام التي ذكرنا قبل، لفرط الحاجة إلى أن نحد كل شخص واقع تحت هذه اللفظة بصفات توجد في جميعها، ولا توجد في سائر الأشخاص التي لا تقع عليها هذه اللفظة، تميزه مما سواه، فإنك تقدر أن تأتي بصفات توجد في كل ما يسمى جملاً لا يخلو منها جمل أصلاً ولا توجد البتة [٧ و] فيما لا يسمى جملاً، ولست تقدر على أن تأتي بصفات توجد في كل ما يسمى زيداً ولا يخلو زيد منها أصلاً ولا توجد البتة (١) فيمن لا يسمى زيداً. فهذا هو الفرق الذي وعدنا بذكره آنفاً ودعت (٢) الضرورة أيضاً إلى طلب هذه الفروق لاختلاف الأسماء في اللغات العربية والعجمية (٣) فاحتجنا إلى تقرير الصفات التي تتميز بها المسميات إذ المعاني في جميع اللغات واحدة لا تختلف وإنما تختلف الأسماء فقط. وأيضاً فإن اللغة إما أن تضيق عن أن توقع على كل نوع اسماً تفرده (٤) به. وإما أنه لم يتهيأ ذلك للناس بالاتفاق أو لما الله أعلم به (٥) . وأكثر ذلك

стр. 1025

في الكيفيات فإنك تجد صفرة النرجس صفرة، وصفرة المشمش صفرة، وصفرة الخيري صفرة، وصفرة الذهب صفرة، وهذه كلها ظاهرة التباين للعين وليس لكل واحد منها اسم يخصه يبين به مرادنا منها. وكذلك أيضاً كثير من أنواع الحيوان كالمتولد في مناقع المياه وعفن الرطوبات من أنواع الحشرات التي لا نعلم لها أسماء تخصها والاختلاف بين صفاتها مرئي معلوم، فلا بد من طلب صفات مفرقة يقع بها البيان لما نريده منها، إن شاء الله ، لا إله إلا هو (١) . ٢ - باب الكلام على الأسماء التي تقع على جماعة أشخاص ثم (٢) نظرنا إلى هذا القسم الذي قصدنا الكلام عليه فوجدناه ينقسم (٣) قسمين: أحدهما دال على جماعة أشخاص (٤) دلالةً لا تفارقها البتة، ولا ترتفع عنها إلا يفسادها، وهذا القسم سماه الفيلسوف " ذاتياً " وشبهه بجزء من أجزاء ما هو فيه للزومه إياه، ونحن نقول إنه الزم لما هو فيه من الجزء لسائر أجزائه. فإن الجزء قد يذهب وتبقى سائر الأجزاء بحسبها كيد الإنسان فإنها تقطع ويبقى إنساناً بحسبه. وهذا اللفظ إن ذهبت الصفات التي من أجلها استحق الشيء المسمى أن يسمى بهذا الاسم بطل المسمى به جملة على ما نبينه بعد هذا، إن شاء الله . والقسم الثاني دال على جماعة أشخاص دلالة قد تفارق ما هي فيه أو تتوهم مفارقتها له ولا يفسد بمفارقتها إياه. وهذا القسم سماه الفيلسوف " غيرياً " للدليل الذي ذكرنا فيه. ثم نظرنا إلى القسم الأول الذي قلنا إنه يسمى ذاتياً فوجدناه ينقسم ثلاثة أقسام: إما أن يكون لفظ يسمى به أشخاص كثيرة مختلفة بأشخاصها وبأنواعها، ويجاب بذلك من سأل فقال: " ما هذا الشيء " فاتفقنا على أن سمنا هذا اللفظ " جنساً "؛ وإما أن يكون لفظ تسمى به أشخاص كثيرة مختلفة بأشخاصها لا

стр. 1026

بأنواعها، ويجاب بذلك من سأل فقال: " ما هذا من الجملة التي سميت " فاتفقنا على أن سمينا هذا اللفظ " نوعاً "؛ وإما أن يكون لفظ يسمى به أشخاص كثيرة مختلفة بأنواعها وأشخاصها إلا أنه يجاب به من سأل فقال: " أي شيء هذا من الجملة التي سميت " [٧ ظ] فاتفقنا على أن سمينا هذا " فصلاً ". وتفسير هذه المعاني يأتي بعد هذا، إن شاء الله . فهذه الثلاثة الأقسام هي ذاتيات كما قدمنا. وبيان ذلك أن تقول: ما هذا الشيء (١) فيقال لك جسم؛ فتقول: أي الأجسام هو فيقال لك: النامي (٢) ؛ فتقول أي النماة هو فيقال لك: ذو السعف والخوص والورق والجريد المستطيل (٣) والثمرة التي تسمى تمراً. فالجسم: جنس، والنامي: نوع، وقولك: ذو السعف والخوص والجريد: فصل؛ وأنت أسقطت الصفات التي ذكرنا، التي من أجلها استحقت تلك الأشخاص أن تسمى بالأسماء التي ذكرنا، وتوهمت معانيها معدومة، سقطت عنها تلك الأسماء البتة، فلهذا سميت ذاتية. ثم نظرنا إلى القسم الثاني الذي ذكرنا أنه يسمى غيرياً (٤) فوجدناه ينقسم قسمين: إما لفظ يدل على كثيرين (٥) مختلفين بأنواعهم في جواب " أي " فيكون ذلك (٦) " عرضاً عاماً " وإما لفظ يدل على كثيرين مختلفين بأشخاصهم (٧) في جواب " أي " فيكون ذلك " عرضاً خاصاً ". واعلم أن اللغة العربية لم تمكن العبارة فيها بأكثر مما ترى. على أن السؤال ب " ما " والسؤال ب " أي " قد يستويان (٨) في اللغة العربية وينوب كل واحد من هذين اللفظين

стр. 1027

عن صاحبه ويقعان بمعنى واحد، ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنين اللذين قصدنا في الاستفهام، فإن لفظ الاستفهام فيها عن العام غير لفظ الاستفهام عن أبعاض ذلك العام ببيان لا يخيل على سامعه أصلاً. ٣ - باب الكلام في تفسير ألفاظ اندرجت لنا في الباب الذي قبل هذا الذي نبدأ به ذكرنا في الباب الذي قبل هذا أشياء تختلف بأنواعها وأشخاصها، وأشياء تختلف بأشخاصها فقط دون أنواعها، ومثال ذلك أننا نقول في الذاتية: حيوان، فيدلنا على الإنسان والفرس وغير ذلك. وهذه أشياء تختلف بالأنواع والأشخاص معاً، فإن الإنسان يخالف الفرس بشخصه في أنه غيره، ويخالفه أيضاً بصفات شخصه؛ ونقول: فرس زيد، وفرس عمرو (١) فهذان إنما يختلفان بالشخص فقط، أي أن هذا غير هذا، وإلا فهذا فرس وهذا فرس، وهما متفقان في الصفات التي بها استحق كل واحد منهما أن يسمى فرساً؛ وكذلك الدينار والدينار، والدرهم (٢) والدرهم، وهكذا سائر الأشياء. وكذلك نقول في الغيرية: أبيض وأبيض ونعني الإنسان أبيض (٣) ، والثوب أبيض، والحائط أبيض، وهذه كلها مختلفة بأنواعها (٤) وأشخاص في أن كل واحد منها غير الآخر. وتختلف أيضاً بصفاتها في أن (٥) أحدها لحم ودم والثاني كتان محوك والثالث [٨ و] تراب وماء وجص. ونقول ضحاك وضحاك فإنما يختلفان بالشخص في أن هذا غير هذا. وأما سائر الصفات التي بها استحقا اسم الإنسانية فهما فيهما متفقان، فهذه جملة كافية تفرح أكثر الغم في الجهل بالمراد بهذا اللفظ الذي تقدم قبل؛ وبقي تفسير كثير يأتي بعد هذا، إن شاء الله تعالى. ٤ - باب الكلام في الحد والرسم وجمل الموجودات وتفسير الوضع والحمل هذا باب ينبغي ضبطه جداً كالمفتاح لما يأتي بعد هذا إن شاء الله .

стр. 1028

اعلم أنه لا موجود أصلاً ولا حقيقة البتة إلا الخالق وخلقه فقط، ولا سبيل إلى ثالث أصلاً. فالخالق واحد أول لم يزل. وأما الخلق فكثير. ثم نقول: أما الخلق فينقسم قسمين لا ثالث لهما أصلاً: شيء يقوم بنفسه ويحمل غيره، فاتفقنا على أن سميناه " جوهراً " (١) ؛ وشيء لا يقوم بنفسه ولا بد من أن يحمله غيره فاتفقنا على أن سميناه " عرضاً ". فالجوهر هو جرم الحجر والحائط والعود وكل جرم في العالم. والعرض هو طوله وعرضه ولونه وحركته وشكله وسائر صفاته التي هي محمولة في الجرم. فإنك ترى البلحة (٢) خضراء ثم تصير حمراء ثم تصير صفراء والحمرة غير الخضرة وغير الصفرة، والعين التي تتصرف عليها (٣) هذه الألوان واحدة تنتقل فتصير جسماً آخر. وكذلك ترى الذهب زبرة، ثم يصير سبيكة ثم يصير ديناراً منقوشاً والجسم في كل ذلك هو نفسه. وكذلك ترى الإنسان مضطجعاً ثم راكعاً ثم (٤) قائماً ثم قاعداً وهو في كل ذلك واحد لم يتبدل، وأعراضه متبدلة متغايرة، تذهب (٥) وتحدث. ولا بد لكل ما ذكرنا من قسمي الخلق من صفات محمولة فيه أو معنى يوجد له يمتاز بذلك مما سواه ويجب من أجله الفرق بين الأسماء. وأما الخالق ، فليس حاملاً ولا محمولاً بوجه من الوجوه وقد أحكمنا هذا المعنى في مكان غير هذا، والحمد لله رب العالمين على توفيقه إيانا. ثم نرجع فنقول: إن الصفات أو المعاني التي ذكرنا أنه لا بد لكل ما دون الخالق تعالى منها، فإنها تنقسم قسمين: إما دالة على طبيعة ما هي فيه مميزة له مما سواه، فاتفقنا على أن سميناها (٦) " حداً "؛ وإما مميزة له مما سواه وهي غير دالة على طبيعة، فاتفقنا على أن سميناها " رسماً ". ونقول: إن المحارجة (٧) في الأسماء لا معنى لهان وإنما

стр. 1029

يشتغل بذلك أهل الهذر والنوك والجهل؛ وإنما غرضنا منها الفرق بين المسميات، وما يقع به إفهام بعضنا بعضاً فقط. فقد أرسل الله تعالى رسلاً بلغات شتى، والمراد بها معنى واحد، [٨ ظ] فصح أن الغرض إنما هو التفاهم فقط، ولا بد لكل ما دون الخالق تعالى من أن يكون مرسوماً ومحدوداً (١) ضرورة، لأنه لا بد أن يوجد له معنى يميز به طبعه مما سواه، عرضاً كان أو جوهراً (٢) . وقد سمى المتقدمون الاسم في هذا المكان " موضوعاً "، فإذا سمعتهم يقولون " الموضوع " فإنما يعنون الاسم المراد بيانه بالرسم أو بالحد، فكل محدود مرسوم وليس كل مرسوم محدوداً، لأن كل حد فهو تمييز للمحدود مما سواه، وكل رسم فهو تمييز للمرسوم (٣) مما سواه؛ فكل حد رسم وبعض الرسم حد، وليس كل رسم لطبيعة المرسوم ولا مبيناً لها (٤) ، وكل حد فهو مميز لطبيعة المحدود ومبين لها (٥) ، فليس كل رسم حداً فالرسم أعم من الحد. فالرسم المطلق الكلي (٦) ينقسم قسمين: قسم يميز طبيعة المرسوم فهو رسم وحد، وقسم لا يميزها فهو رسم لا حد. وعبر الأوائل عن الحد بأنه: " قول وجيز دال على طبيعة الموضوع مميز له من غيره "، وعبرت عن الرسم بأنه: " قول وجيز مميز للموضوع من غيره ". والحد محمول في المحدود والرسم محمول في المرسوم، لأن كل واحد منهما صفات ما هو فيه. فإذا كان التمييز مأخوذاً من جنس الشيء المراد تمييزه ومن فصوله كان حداً ورسماً، وإذا كان مأخوذاً من خواصه وأعراضه كان رسماً لا حداً. قال أبو محمد (٧) : هذه عبارة المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على أن الرسم ليس مأخوذاً من الأجناس والفصول، وأنه إنما هو مأخوذ من الأعراض [والخواص] . ثم لم يلبثوا أن تناقضوا فقالوا: إن كل حد رسم، فأجبوا أن الحد مأخوذ من الأعراض وأن بعض الرسم مأخوذ من الفصول، وهذا ضد ما قالوه قبل. وأيضاً فإنهم قالوا: إن

стр. 1030

الرسم غير الحد، ثم قطعوا أن الحد هو بعض الرسم، وهذا [تناقض] كما ترى. لكن الصواب أن نقول: إن كل مميز شيئاً عن شيء فهو إما أن يميزه بتمييز يؤخذ من فصول ومن أجناس، فيكون حداً منبئاً عن طبيعة الشيء، مميزاً له مما سواه أو يميزه بتمييز يؤخذ من أعراض وخواصه، فيكون مميزاً للشيء مما سواه فقط، غير منبئ عن طبيعته، فيكون التمييز رأساً جامعاً، ينقسم إلى نوعين: إما حد وإما رسم. وهذا فإنما هو بيان لمعنى لفظة الحد ولفظة الرسم فقط، لا أن الحد يحتاج إلى حد، ولو كان ذلك لوجب وجود محدودات لا نهاية لها، وهذا محال ممتنع باطل. وإنما يشغب علينا في هذا المكان أحد رجلين: إما مشغب لا يستحيي من إنكار ما يعلم [٩ و] صحته فيسعى في إبطال الحدود عن المحدودات، وإما ملحد ساع في إثبات أزلية العالم، وكل لا يعبأ به، لأنه دافع مشاهدة، ولله الحمد. وقد بينا أن الحد إنما هو صفات ما متيقنه في أشياء ومتيقن عدمها في أشياء أخر، فتصف كلاً بما فيه. فمن أنكر هذا فقد أنكر الحس والعيان وخرج من حد من يشتغل به. فالحد هو نحو (١) قولنا في الإنسان: إنه الجسد القابل للون، ذو النفس الناطقة الحية الميتة. فإن الحي جنس للنفس، أي نفس كانت؛ وسائر ما ذكرنا فصول لها من سائر النفوس الحيوانية. فهذا هو الحد كما ترى. والرسم مثل قولك (٢) في الإنسان: إنه هو الضحاك أو الباكيز فهو كما ترى مميز للإنسان مما سواه، وليس منبئاً عن طبيعته التي هي قبول الحياة والموت. والحد مبين ذلك. وحكم الحد أن يكون مساوياً للمحدود. ومعنى ذلك أن يقتضي لفظه إذا ذكر، جميع المراد فلا يشذ عنه شيء مما أردت أن تحده، ولا يدخل فيه ما ليس منه. فإن زدت في الحد لفظاً، فإن كان الذي زدت لفظاً يقع على معاني أكثر من معاني المحدود أو مثلها، بقي المحدود بحسبه، كقولنا في حد نفس الإنسان: إنها حي ناطق ميت جوهر حساس ضحاك بكاء مشرق في جسد يقبل الألوان منتصب القامة ونحو هذا. فالمحدود حتى الآن صحيح

стр. 1031

الرتبة لأن كل نفس لكل إنسان فهذه صفاتها. وإن كان الذي زدت لفظاً يقتضي معاني أقل من معاني المحدود، كان ذلك نقصاناً من المحدود، كقولك في نفس الإنسان: إنها حية ناطقة ميتة حائكة أو تقول: طبيبة أو كاتبة، فإن هذا إنما هو حد لبعض نفوس الناس لا لجميعها، إذ ليس كل إنسان كاتباً ولا طبيباً ولا حائكاً. وأما إذا أنقصت من الحد الذي لا فضلة فيه، نعنى لا زيادة فيه على مقدار الكفاية في الحد، فإنه زيادة في المحدود كقولك في نفس الإنسان: إنها حية ناطقة فإن الملك والجني يدخلان تحت هذا الحد. واتفق الأوائل على أن سموا المخبر عنه موضوعاً، وعلى أن سموا ذكرك لمن تريد أن تخبر عنه وضعاً، واتفقوا على أن سموا الخبر " محمولاً " وكون الصفة في الموصوف " حملاً "؛ فما كان ذاتياً من الصفات كما قدمنا قيل فيه: هذا " حمل جوهري "، وما كان غيريا قيل: هذا " حمل عرضي " وكل هذا اصطلاح على ألفاظٍ يسيرة ستجمع تحتها معاني كثيرة، ليقرب الإفهام. فإذا قلت: زيد منطلق، فزيد موضوع، ومنطلق (١) محمول على زيدٍ، أي هو وصف له. وهذا يسميه النحويون الابتداء والخبر إذا جاء على هذه الرتبة. فإذا سمعت الموضوع والمحمول فإنما تريد المخبر عنه والخبر عنه فاعلم، والله أعلم. ٥ - باب الكلام على الجنس ذكر الأوائل قسماً في الجنس لا معنى له، وهو: كتميم لبني تميم، والبصرة لأهلها، والوزارة لكل وزير [٩ ظ] ، والصناعة لأهلها، وهذا غير محصور ولا منضبط فلا وجه للاشتغال به. وإنما نقصد بكلامنا الجنس الذي ذكرنا أولاً وهو: اللفظ الجامع لنوعين من المخلوقات فصاعداً وليس يدل على شخص واحد بعينه كزيد وعمرو، ولا على جماعة مختلفين بأشخاصهم فقط كقولك (٢) : الناس، أو كقولك (٣) الإبل، أو كقولك الفيلة، لكن على جماعة تختلف بأشخاصهم

стр. 1032

وأنواعهم كقولك " الحي " الذي يدل على الخيل والناس والملائكة وكل حي. والجنس الذي نتكلم عليه ليس يقع على بعض ما يقتضيه الحد، لكن على كل ما يقع عليه الحد، والجنس لا يفارق ما تقع عليه التسمية به إلا بفساد المسمى واستحالته. وذلك مثل قولك " الجوهر " فإن هذه اللفظة يسمى بها كل قائم بنفسه حامل (١) لغيره، فلا يمكن أن يوجد شيء قائم بنفسه حامل لغيره لا يسمى جوهراً، ولا يمكن أن يوجد جوهر لا يكون قائماً بنفسه حاملاً لغيره. ولو أنك توهمت هذا الشيء غير قائم بنفسه، لبطل أن يسمى جوهراً. وأما البلدة فقد ينتقل عنها الإنسان إلى غيرها ويبقى إنساناً بحسبه. وكذلك الخطة والصناعة والتجارة. وأما بنو تميم فقد نجد ناساً كثيراً ليسوا من بني تميم، فليس شيء من هذه الوجوه جنساً. ٦ - باب الكلام على النوع سمى الأوائل النوع في بعض المواضع اسماً آخر وهو " الصورة " وأرى هذا اتباعاً للغة يونان، فربما كان هذا الاسم عندهم، أعنى الذي يترجم عنه في اللغة العربية بالصورة، واقعاً على النوع المطلق، ولا معنى لأن نشتغل بهذا إذ لا (٢) فائدة فيه. وإنما نقصد بالنوع إلى أن نسمي كل جماعة متفقة في حدها أو رسمها مختلفة بأشخاصها فقط، كقولك (٣) : الملائكة والناس والجن (٤) والنجوم والنخل والتفاح والخيل والجراد والسواد والبياض والقيام والقعود وما أشبه ذلك كله. والنوع واقع تحت الجنس لأنه بعضه. وقد يجمع الجنس أنواعاً كثيرة يقع اسمه نعني اسم الجنس على كل نوع منها، ويوجد حده في جميعها وتتباين هي تحته بصفات يختص بها كل نوع منها (٥) دون الآخر. وذلك أنك تقول: حي فيقع تحت هذه التسمية الناس والخيل والبغال والأسد وسائر الحيوانات، فإذا حددت الحي فقلت: هو الحساس المتحرك بإرادة كان هذا الحد أيضاً جامعاً لكل ما ذكرنا وموجوداً في جميعها، وكان كل نوع مما

стр. 1033

ذكرنا يختص بصفة دون سائرها، كالنطق والصهيل والشحيج والزئير وغير ذلك. فالحي جنس وكل ما ذكرنا أنواع تحتهن أي أن الحي يجمعها، وهي أبعاضه، وهي مختلفة تحته كما قدمنا [١٠ و] . وها هنا رتبة عجيبة وهي أن المبدأ في التقسيم للعالم جنس لا يكون نوعاً البتة، كالجوهر فإنه يسمى به الحجارة والشجر والنبات والحيوان، كل ذلك أوله عن آخره جوهر، والجوهر مبدأ ليس فوقه جنس يقع تحت اسمه الجوهر وغير الجوهر. والوقف في تقسيم العالم نوع لا يكون جنساً البتة كالناس والخيل والنمور والياقوت والعنب وما أشبه ذلك؛ فإنه ليس تحت كل اسم من هذه الأسماء إلا أشخاصه فقط كزيد وعمرو وهند، وكل (١) فرس على حدته، وكل ياقوتة على حدتها، وكل عنبة على حدتها. ولا تغتر (٢) بأن تكون أيضاً أوصاف تجمع بعض الناس دون بعض كالسود والبيض والفطس والطوال والقصار، وكذلك في كل نوع، فإنما هذه أصناف وأقسام. والطبيعة في كل واحد منهم واحدة، وحد كل واحد منهم واحد جامع لجميعهم، وليس كذلك حد الأنواع، بل لكل نوع حد على حدة لا يشاركه فيه نوع آخر البتة، وبين هذين الطرفين أشياء تكون نوعاً وجنساً كالنامي فإنه نوع للجوهر لأن من (٣) الجوهر نامياً وغير نام، والنامي أيضاً جنس لذي النفس الحية الميتة، ولغير ذي النفس، لأن الشجر والنبات وجسم الإنسان وسائر الحيوان القابل للموت نوام (٤) كلها، واسم النامي يقع على جميعها ويعمها. واتفق الأوائل على أن سموا الجنس الأول جنس الأجناس نعني الذي لا جنس فوقه، وهو الذي لا يكون نوعاً أصلاً. واتفقوا على أن سموا النوع الآخر نوع الأنواع، وهو الذي قلنا إن فيه الوقف وإنه لا يكون جنساً البتة، وإنه لا نوع تحته، وليس تحته شيء غير أشخاصه فقط. وهذا النوع هو الذي يعبر عنه بأنه يلي الأشخاص. وأما سائر الأنواع التي ذكرنا أنها بين الطرفين وأنها أنواع وأجناس فإنها ليست تلي

стр. 1034

الأشخاص في الرتبة، لأن بينها وبين الأشخاص أنواعاً أخر، كقولك: " الناس " فإن هذه اللفظة بين قولك " الحي " وبين: زيد وعمرو. فاستبان ولله الحمد أن الجنس ينقسم قسمين: جنس لا يكون نوعاً البتة (١) وهو المبدأ أعني الجوهر (٢) ، وجنس قد يكون نوعاً؛ واستبان (٣) أن النوع ينقسم قسمين: نوع لا يكون جنساً وهو الذي فيه الوقف في القسمة، كأشخاص الناس أو الخيل (٤) ، ونوع قد يكون جنساً وهو (٥) في الحقيقة (٦) ثلاثة أقسام: القسم الواحد جنس محض، والقسم الثاني نوع محض، والقسم الثالث جنس من وجه ونوع من وجه آخر، فهو جنس لما تحته لأنه عام له، ونوع لما فوقه لأنه معموم به. وقد عبر بعضهم بأن قال إنما هو (٧) نوع لما تحته أي جامع له، ولم يعبر أحد بأن يقول إنه جنس [١٠ظ] لما فوقه. وإنما ذكرت لك هذا لئلا تراه فيشكل عليك. والصواب ما ذكرنا أولاً من أنه نوع لما فوقه من الأجناس، وجنس لما تحته من الأنواع، لأنك إذا أضفته إلى ما فوقه فالأحسن أن تسميه باسم غير الذي تسميه به إذا أضفته إلى ما تحته، ليلوح الفرق بين اختلاف إضافيته. وأما نوع الأنواع الذي ذكرنا فلا يجوز أن نسميه جنساً أصلاً لأن الجنس إنما يسمى به ما يجمع نوعين فصاعداً لا الذي يلي الأشخاص فقط. ٧ - باب جامع للكلام في الأجناس والأنواع معاً أجناس الأجناس التي لا تكون نوعاً أصلاً وهي أوائل في قسمة العالم: ذكر المتقدمون أنها عشرة ثم حققوا فقالوا: إن الأصول منها أربعة، فالعشرة هي: الجوهر، والكم، والكيف، والإضافة، والمتى، والأين، والنصبة، والملك، والفاعل والمنفعل. والأربعة التي حققوا أنها رؤؤس المباديء وأوائل القسمة: الجوهر

стр. 1035

والكم والكيف والإضافة. وأما الست البواقي فمركبات من الأربع المذكورة، أي من ضم بعضها إلى بعض على ما يقع في أبوابها، إن شاء الله . واعلم أن الجوهر وحده من جملة الأسماء التي ذكرنا - قائم بنفسه وحامل لسائرها، والتسعة الباقية (١) محمولات في الجوهر وأعراض له وغير قائمات بأنفسها. فإن قال قائل: هلا جعلت شيئاً أو موجوداً أو مثبتاً أو حقاً، جنساً جامعاً لهذه الأسماء العشرة، لأن جميعها موجود ومثبت وحق وشيء، قيل له وبالله تعالى التوفيق: قد قدمنا أن الجنس منه يؤخذ (٢) حد كل ما تحته وأن الحد ينبئ (٣) عن طبيعة المحدود، فوجب أن الجنس فيه إنباء عن طبيعة كل ما تحته. والطبيعة هي قوة في الشيء توجد (٤) بها كيفياته على ما هي عليه. فما لم يكن منبئاً عن طبيعة ما تحت اسمه فليس جنساً. فلما كانت لفظة شيء وموجود ومثبت وحق (٥) لا تنبيء عن طبيعة كل ماوقعت عليه، ولم يكن فيها أكثر من أنه ليس باطلاً ولا معدوماً فقط، وجب أن لا يكون شيء من هذه الألفاظ جنساً لما سمي به. وأما لفظة معلوم فقد تقع على الموجود والمعدوم والحق والباطل لأن الباطل معلوم أنه باطل، والمعدوم معلوم أنه معدوم، فليس أيضاً جنساً لما قدمنا، ولأنه كان يجب أن يكون الباطل والحق تحت جنس واحد وهذا محال شنيع. وأيضاً فإن وجودنا بعض هذه الرؤوس مخالف لوجودنا سائرها [١١و] فبعضها تجدها النفس بالحواس الأربع المؤديات (٦) لصفات محسوساتها إلى النفس الحساسة، غير قائمة بأنفسها، وبعضها تجدها النفس بمجرد العقل، غير قائمة بأنفسها، كوجود (٧) العدد والزمان والإضافة، وبعضها تجدها النفس بتوسط العقل والحواس معاً قائماً بنفسه كالجوهر، وقد تجد النفس أيضاً بمجرد العقل وبتدرج من

стр. 1036

وجودها هذه العشرة (١) موجوداً حقاً غير موصوف بشيء من صفات هذه العشرة (٢) وهو الأول الواحد الخالق الذي لم يزل لا إله إلا هو. وكل ما يقع تحت جنس واحد فلا يكون وجوده إلا على صفة واحدة جامعة لجميعه، أي بحد واحد جامع لكل ما تحت الجنس، أو بخاصة واحدة جامعة لكل ما تحت الجنس، على ما نبين في باب كل رأس من العشرة المذكورة، وخواص الرؤوس المحققة من هذه العشر مختلفة فوجب أن لا تكون كلها تحت جنس واحد، فوجب أن لا يكون موجود جنساً لهذه العشرة البتة. والقول في مثبت كالقول في موجود ولا فرق. وأما لفظة حق وشيء فبعض هذه العشرة إنما هو حق بنفسه، وهو الجوهر، وكذلك هو أيضاً شيء بنفسه، وسائرها إنما هي حق بغيرها وشيء بغيرها (٣) ، لأنها إنما تحققت بالجوهر، وبه صارت أشياء، ولولا الجوهر لم تكن حقاً ولا شيئاً. وكل ما يقع تحت جنس فطبيعته واحدة لا مختلفة، وهذه الأشياء طبائعها مختلفة كما ترى، فوجب أن لا يكون حق وشيء جنساً لها، إذ إنما يكون إيقاع (٤) أسماء الأجناس على ما تحتها على حسب اتفاقها في طبائعها، واتفاقها في حدودها، واتفاقها في فصولها فيوجب ذلك اتفاق أسمائها، وبحسب اختلافها في الطبائع تختلف فصولها وحدودها فتختلف أسماء أجناسها لذلك. واعلم أن موجوداً وحقاً ومثبتاً وشيئاً (٥) واقعة على كل ما تقع عليه وقوع الأسماء المشتركة، على ما نبين في باب وقوع الأسماء على المسميات. فإن قال قائل (٦) : فهلا جعلتم قولكم " عرضاً " جنساً للتسع الباقية دون الجوهر قيل له، وبالله تعالى التوفيق: إن كون هذه التسع المسميات عرضاًكون مختلف، وحمل الجوهر لها حمل مختلف، لأن بعضها محمول في شخصه (٧) وعرض فيه كالكيفيات، وبعضها

стр. 1037

محمول في طبيعته وعرض فيها كالعدد والزمان، وبعضها عرض له من قبل غيره، ومحمول في طبيعته بطبيعة غيره، كالإضافة. وقد قدمنا أن الجنس منبئ عن طبيعة ما تحته، وهذه التي ذكرنا طبائعها في كونها عرضاً مختلفة ورسومها مختلفة فبطل أن يكون [١١ظ] عرض جنساً لها، فمن نازعنا من أهل السخف والسفسطة وقال: أنا أريد أن أسمي جنساً كل اسم عبر به عن كثير وجماعة، ولا أبالي باتفاق طبائعها تحت ذلك الاسم أو باختلافها، قلنا له: لسنا ننازعك ولا ننفق معك الساعات في ما لا فائدة فيه، إلا أننا نقول لك قولين كافيين لمن عقل ولم يرد الشغب، فنقول: إن عزمت على ما ذكرت وكنت موحداً، فاعلم أنك قد أوقعت الله تحت الأجناس، لأنه تعالى موجود وحق ومثبت. فإذا أوقعته تحت جنس فقد جعلته محدوداً ضرورة، إذ كل ما وقع تحت جنس فمحدود، تعالى الله عن ذلك. والقول الثاني أنا نقول له (١) : لسنا ننازعك في الجيم والنون والسين فإن بدا لك أن تسمى يدك أو رجلك أو ضرسك جنساً فلا مانع لك من ذلك إلا أنك تحتاج إلى من يوافقك على التخاطب بهذه اللغة التي أحدثتها، وحسبنا أن نقف عند طاعتك في اسم توافقنا عليه، نتفق على إيقاعه على كل جماعة تجمعها طبيعة واحدة تقوم منه فصولها، وتوجد منه حدودها، ويوجد أيضاً تحته (٢) كثيرون مختلفون بأنواعهم، لنتفاهم به مرادنا، فإن أبيت من ذلك ولم توقع ما دون الخالق تعالى تحت حدود، فإنك واقع تحت المجاهرة بمكابرة العقل والحواس، لأنك ترى ضرورة أشياء تتفق في صفة واحدة، وأشياء أخر تخالفها في تلك الصفة وتتفق في صفة أخرى، وهذا هو معنى الحد لأن كل صفة تحد ما هي فيه دون ما ليست فيه، لا يدفع هذا إلا مجنون أو من هو في أسوأ من حال المجنون لقصده إبطال الحقائق وتلبيس المعارف وإثبات الأشكال. ومن بلغ هاهنا ترك الكلام معه، إذ غايتنا ممن يكلم أن ينصرف إلى الحق أو يلحق بالذين لا تجري أحكام العقل عليهم، مع أن هذا كفر من معتقده، إن كان ممن يسم نفسه بالإيمان؛ وبالله تعالى نعوذ من الضلال وما دعا إليه.

стр. 1038

وبهذا نكلم أيضاً من قال: هلا سميتم نوعاً ما سميتم جنساً ما سميتم نوعاً، فإني قد شاهدت من يسأل هذا السؤال الأحمق. واعلم أن الجوهر وحده دون سائر الأشياء التي ذكرنا موجود بنفسه وسائرها متداول عليه، وكلها موجود به لا سبيل إلى أن توجد دونه البتة، والجوهر وإن كان لا يوجد دونها أيضاً البتة، فقد يوجد دون بعضها، ولا سبيل إلى أن يوجد شيء منها دون جوهر البتة، إلا أن الجوهر محسوس بالعقل فقط، وليس مرئياً ولا مذوقاً ولا ملموساً ولا مشموماً وإنما نرى الألوان، فإذا عدم اللون لم نر شيئاً كالهواء المتحرك، وهو الريح فإنه يحس باللمس، وينطح [١٢و] الأجسام العظام فيسقطها وهو غير مرئي لأنه لا لون له، والجن (١) كذلك، وقد أخبرنا الصادق، ﵇، عن الله (٢) ، أنهم يروننا من حيث لا نراهم، ونحن ذوو ألوان وهم غير ذوي ألوان، وكذلك أيضاً لا نشم الحجر لأنه لا رائحة له، وإنما نشم (٣) الرائحة على حسب اختلافها وكذلك أيضاً لا يذاق الحجر فإنه لا طعم له وإنما تذاق الطعوم على حسب اختلافها، وإنما تلمس المجسة من الخشونة أو اللين أو الاملاس أو الصلابة أو التهيل، وقد يسمح بعض الجواهر بعرض فيه (٤) على ما يقع (٥) بعد هذا، إن شاء الله . وإنما أوقعنا ما يقع تحت الحواس تحت الكيفية طلباً للاختصار وجمعاً للكثير تحت اسم واحد، ولأنها كلها ترسم برسم واحد، على ما يقع في بابه إن شاء الله. وكل واحد من الرؤوس التي ذكرنا جامع لطبيعة أشياء كثيرة فسمينا كل واحد منها (٦) جنس أجناس، وسمينا كثيراً مما يقع تحت كل رأس منها أجناساً أيضاً، إلى أن نبلغ إلى الأنواع المحضة التي تلي الأشخاص. واعلم أن كل رأس أعلى، ومرادنا بذلك جنس الأجناس، وكل ما تحته مما

стр. 1039

يسمى جنساً أو نوعاً فإن كل ما يقع تحته يسمى باسم الرأس الذي هو أعلى منه، ويحد (١) بحده، فإن نفس الإنسان تسمى جوهراً وتسمى حية وترسم برسم الجوهر وتحد بحد الحي وكذلك جسد الإنسان يسمى نامياً وجوهراً وجسماً ويحد ويرسم بحد كل واحد من هذه الأسماء ورسمها (٢) . واعلم أنه لا يسمى الرأس (٣) الأعلى باسم ما تحته ولا يحد بحده. والمتقدمون يعبرون في هذا المكان بأن يقولوا: " الأعلى يقال على الأسفل والأسفل لا يقال على الأعلى " وإنما كان ذلك لأن الأسفل موجود في الرأس الأعلى هو وغيره مما هو واقع تحت الرأس الأعلى، فلو سميت الرأس الأعلى باسم بعض (٤) ما يقع تحته لكنت قد نقصته بعض صفاته. ألا ترى كل نامٍ (٥) جسم فلو سميت الجسم المطلق نامياً، لكنت مخطئاً كاذباً، لأن الحجر جسم وليس الحجر نامياً، فكان يجب من قولك أن يكون الحجر نامياً (٦) وهذا محال. وأنت إذا سميت النامي جسماً كنت مصيباً، وزيد يسمى إنساناً ويحد بحد الإنسان، ويسمى حياً ويحد بحد الحي، ويسمى جسماً ويرسم برسم الجسم، ولا يسمى الجسم المطلق حياً ولا يحد بحد الحي ولا يسمى أيضاً (٧) إنساناً ولا يحد بحد الإنسان، ولا يسمى زيداً ولا يحد بحد زيد. ونعني بالجسم المطلق كل ما يطلق على كل طويل عريض عميق. فالحجر جسم وليس حياً ولا إنساناً ولا زيداً. فالمطلق هو الاسم الكلي الذي يعم كل ما سمي (٨) به وقد [١٢ظ] قدمنا قبل أن الأشياء والمخلوقات تنقسم أقساماً ثلاثة: أجناس وأنواع محضة (٩) وأشخاص. فكل ما يسمى جنساً مما لا يكون إلا جنساً محضاً ومما يكون جنساً ونوعاً فإنه محدود عندنا وفي الطبيعة، أي أننا نبدأ فنقول: كل ما دون الخالق

стр. 1040

ينقسم قسمين: جوهر ولا جوهر. فالجوهر هو الجسم في قولنا والجسم هو الجوهر ولا شيء دون الخالق تعالى إلا جسم أو محمول في جسم. وقد أثبت غيرنا جوهراً ليس جسماً وهذا باطل وليس هذا مكان حل الشكوك المعترض بها علينا في هذا القول وقد أحكمناه في مكانه، وبالله التوفيق. والكلام في هذا هو واقع فيما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل في الملل والنحل (١) . وكذلك رسم غيرنا أيضا ًفي حد الإنسان أنه حي ناطق ميت. وهذا الحد لا يخلو من أن يكون أراد به الجسم المركب وحده أو النفس وحدها أو الجسم المركب والنفس معاً، فإن كان (٢) أراد الجسم المركب وحده أو النفس وحدها (٣) أو الجسم المركب والنفس معاً فذلك خطاْ لأنه أدخل الجسم المركب تحت الحي، والحي إنما هو النفس وحدها، وهي الحساسة المتحركة التي إن بطلت بطل حس الجسم وحركته البتة، وإن كان أراد النفس وحدها فذلك خطأ أيضاً لأنه أدخلها تحت النامي، والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب فقط، وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذكرناه في كتاب الفصل (٤) أيضاً في باب النفس (٥) . ثم نرجع فنقول: والجوهر منقسم (٦) قسمين: حي ولا حي. والحي ينقسم قسمين (٧) : نفس ناطقة ونفس غير ناطقة. ولا حي بحياة إلا نفس ولا نفس إلا (٨) حية بحياة. وحد الحي ذي الحياة هو الحساس المتحرك بإرادة. فالنفوس (٩) الناطقة هي الملائكة وأنفس الأشخاص الخلدية التي أخبرنا الصادق، ﷺ ، أنها في دار النعيم من الحور والولدان وأنفس الأنس وأنفس الجن. وغيرنا يعتقد مكان الأشخاص

стр. 1041

الخلدية التي ذكرنا أن الأجرام العلوية من الكواكب والفلك ذات أنفس حية ناطقة وللكلام في كل (١) هذا الشك مكان غير هذا. والنفس غير الناطقة هي أنفس سائر الحيوان. والنفس الناطقة تنقسم قسمين: ناطقة ميتة وناطقة غير ميتة. فالغير ميتة هي الملائكة وأنفس الأشخاص الخلدية التي ذكرنا، والميتة هي أنفس الإنس والجن. ومعنى قولنا ميتة أي أنها مفارقة لمدرعاتها من الأجسام المركبة من العناصر الأربعة التي ابتدأت بالتشبث بها في عالم الامتحان، لا أنها تعدم أصلاً (٢) ولا يبطل حسها وفكرها وتمييزها وحركتها أصلاً. والميتة تنقسم قسمين: ذات جسد [١٣و] يقبل الألوان (٣) ، وهي نفس الإنسان، وذات جسد لا يقبل الألوان (٤) وهي نفس الجني. وأما غير الناطقة فترسم بالصهال والنهاق (٥) والنباح والشحاج (٦) وبغير ذلك من سائر الصفات المحسوسة فيها المفرقة بين أنواعها، وهي أنواع كثيرة تلي الأشخاص بعد. وأما اللاحي نريد القسم الذي هو غير حي فينقسم قسمين: مركب ولا مركب، فالغير مركب هي العناصر الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض والأفلاك التسعة وما فيها من الدراري والكواكب. والأفلاك التسعة هي السماوات السبع التي هي سبع طرائق للدراري والكرسي الذي هو فلك المنازل والعرش الذي هو الفلك الكلي المحيط الذي يدور دورة في كل يوم وليلة الذي ليس فوقه خلاء ولا ملاء والذي هو منتهى جرم العالم وكرته ولا شيء بعده. ومعنى قولنا مركب وغير مركب هو أن المركب ماخلقه الخالق من أشياء شتى كأجسام الحيوان والشجر المركبة من العناصر الأربعة. ومعنى قولنا غير مركب وبسيط هو ما خلقه الخالق تعالى من طبيعة واحدة لا من أشياء

стр. 1042

شتى، وإلا فكل مركب وكل غير (١) مركب فمؤلف من أجزاء كثيرة محتمل للتجزيء والانقسام أبداً. والمركب ينقسم قسمين: نام ولا نامٍ (٢) والنامي ينقسم قسمين: ذو نفس ولا ذو نفس. وحد النامي هو ما تغذى بغذاء ينقسم من وسطه إلى طرفيه ويحيله إلى نوعه، فاللا ذو نفس الشجر والنبات وهما قسمان: ذو ساق ولا ذو ساق ثم كل واحد من هذين القسمين ينقسم على أنواع كثيرة تلي الأشخاص بعد. وذو النفس ينقسم قسمين: ذو نفس ناطقة مثل أجساد الإنس والجن وذو نفس لا ناطقة مثل أجساد سائر الحيوان. وذو النفس الناطقة ينقسم قسمين جسم يقبل الألوان وهو جسم الإنسان وجسم لا يقبل الألوان (٣) وهو جسد الجن (٤) . وذو النفس الغير ناطقة هو أجسام سائر الحيوان وهي أنواع كثيرة جداً تلي الأشخاص بعد وتحد بصفاتها المختصة بها وبفصولها المميزة لطبائعها وبالإضافة إلى أنفسها. فتقول: ذو النفس المفترسة الزآرة، وذو نفس ناهقة وما أشبه ذلك. وهكذا يحد كل نوع من الشجر والنبات بفصوله المميزة لطبائعه وبصفاته المختصة به، وهذا أمر يكثر جداً ويتسع وإنما قصدنا هاهنا الكلام على الجمل. وغير النامي ينقسم أقساماً كثيرة منها معدنيات [١٣ظ] كالياقوت والذهب وغير ذلك، ومنها خشبيات وهي أنواع محضة تلي الأشخاص ويحد كل نوع منها بفصوله المميزة لطبيعته مما سواه وبصفاته التي تخصه. فهذه الأجناس محدودة كما ترى عندنا محصورة، ومحدودة في أنفسها محصورة، وهو الذي أردنا بقولنا إنها محدودة في الطبيعة لأننا قد تيقنا أن هذه الأقسام لا زيادة فيها أصلاً وأنها متناهية العدد كما ذكرنا. وأما كل ما هو نوع محض وهي الأنواع التي تلي الأشخاص وهي التي قلنا فيها إنها تسمى أنواع الأنواع فإنها محدودة في الطبيعة غير محدودة عندنا، نعني بذلك أن عدد هذه الأنواع من الحيوان والشجر والنبات والأحجار متناه (٥) في ذاته عند

стр. 1043

الباري بعدد لا يزيد أبداً ولا ينقص، فنحن على يقين من أنه لا يحدث حيوان لم يحدث بعد، مثل ذي أربع من الجمال يطير أو ذي ثلاثة رؤوس ولا أن الخيل تفنى حتى لا يوجد في العالم فرس وكذلك سائر الأنواع. وقد نبه الرسول ﵇ على ذلك بقوله: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها " (١) . ففي هذا إخبار أن كل أمة من الأمم لا سبيل إلى إعدامها. وقال تعالى في أنه لا مزيد في الأنواع (٢) ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلماته﴾ (الأنعام:١١٥) وكذلك قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (البقرة: ٣١) . برهان ثان: جميع الأنواع محصورة العدد لا زيادة فيها لإدخاله تعالى الكلية فيها والكلية لا تدخل إلا في ذي نهاية (٣) ، إلا أننا لا نحيط بأعدادها نحن، فلسنا نحصي أنواع الطير، ولا أنواع الحيوان المائي والبري وسائر الحشرات، وإنما يعلم عددها باريها ، إلا أنه متناه محصور كما قدمنا. وبرهان ذلك أن ما لا نهاية له فلا يجوز أن يكون شيء أكثر منه، والأشخاص الواقعة تحت الأنواع أكثر من الأنواع، فلما كان ذلك وجب أن الأنواع ليست مما لا نهاية له، وإذا كان ذلك وجب أنها متناهية ضرورة، ولما كانت أنواع الأنواع لا نحيط نحن بها أوجب ذلك علينا أن نتوصل إليها بالأنواع التي تكون أجناساً لنصل إلى علم اتفاقها واختلافها ولذلك لم ننحدر من الأجناس الأول إلى الأنواع المحضة؛ وأما الأشخاص فليست محصورة لا عندنا ولا في الطبيعة، لأننا نجد بالحس الضروري أن أشخاص الناس إذا كان طاعون أو قتل ذريع في يوم معركة، أنها قد قلت جداً عما كانت عليه بالأمس، ثم إذا أتصل النماء والذرء وتهدنت البلاد، كاد المعمور يضيق بأهله لكثرتهم، فهم أبداً (٤) يزيدون وينقصون. والأنواع ليست كذلك. لكنها لا [١٤و] تزيد ولا تنقص أبداً إلا أن يشاء الخالق إفناء ما شاء منها يوم البعث في عالم الجزاء فهو القادر

стр. 1044

على ما يشاء لا إله إلا هو. وأما الأشخاص فليس لها عدد تقف عنده، فلا يمكن أن لا تزيد ولا تنقص، لكن ما خرج منها إلى الوجود فمحدود العدد، محصور مذ خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت يقال فيه الآن. وأما ما لم يخرج منها بعد إلا أنه مما علم الله تعالى أنه سيخرج فهو في علم الله تعالى محدود محصور (١) وفي الطبيعة معدود (٢) إذا خرج، لا قبل أن يخرج، والزيادة فيها ممكنة في قوته بلا نهاية في عدد ولا أمد. وأنت ترى بما بينا أنه كلما ابتدأنا من عند أنفسنا، نعني من (٣) الأشخاص صاعدين إلى جنس الأجناس، ابتدأنا بالكثرة، فكلما ارتفعنا قل العدد إلى أن نبلغ إلى الرؤوس التي ذكرنا، وإذا ابتدأنا من هنالك لم نبتدئ إلا بقسمين فقط وهما: جوهر ولا جوهر ثم نتزيد العدد في الكثرة إلى أن نبلغ إلى الأنواع التي تلي الأشخاص. واعلم أن العموم ليس بلا نهاية، لكن بنهاية، فأعم الأسماء (٤) قولك شيء وموجود، وهذا الذي يسميه النحويون أنكر النكرات، وكذلك الخصوص ليس أيضاً بلا نهاية، لكن أخص الأسماء كلها فيما دون الله، ﵎ (٥) ، أنا وأنت، وهذا أعرف المعارف. واعلم أن جنس الأجناس مبدأ لما تحته، كآدم للناس، والأنواع كالأمم، وأنواع الأنواع كالقبائل، نريد أنها مثلها في التفرع عنها فقط. واعلم أنهم قالوا: إن الجنس الذي هو جنس الأجناس مرسوم لا محدود لأنه ليس فوقه جنس يؤخذ حده منه وأما الأنواع فمحدودة. وأما الأقسام التي تنقسم عليها أنواع الأنواع فإنها (٦) تسمى أقساماً أو أصنافاً، وذلك

стр. 1045

مثل (١) ذكور كل نوع وإناثه، أو سودانه وبيضانه، أو ما اختلفت ألوانه من سائر الأنواع، أو ما اختلفت طعومه مما أستوى تحت نوع واحد من الثمار والنبات وسائر ما يختلف في صفة ما وهو يجمعه كله نوع واحد؛ لأنك تجد الأسود والأبيض من الناس، والذكر والأنثى من كل نوع من الناس والحيوان غير الناطق وكثير من النوامي غير الحية، وذوات الألوان المختلفة من الخيل والدجاج وغير ذلك، فكل ذلك محدود بحد واحد، ومجتمع في طبيعة واحدة. وكثير من ذلك يعم أبعاضاً من أنواع كثيرة، كالذكر والأنثى والأسود والأبيض، ومن المحال أن يكون نوع واحد تقع تحته طبائع مختلفة متضادة الصفات، لا تحد كلها بحد جامع لها؛ فلذلك لم تجعل هذه أنواعاً جامعة لما تحتها (٢) ، وإنما نبهنا على هذا (٣) لئلا يقول جاهل (٤) : إن هذه الأقسام مختلفة، فهلا جعلتموها أنواعاً مختلفة، فأريناه أن حدها واحد، وطبيعتها واحدة، وخواصها واحدة، وفصولها واحدة، وإنما [١٤ظ] اختلفت في الأعراض فقط، وبهذا لم ننكر صبغ النحاس أبيض (٥) حتى يعود في مثل لون الفضة، وأنكرنا ومنعنا من أن نحيل طبع النحاس أصلاً إلى طبع الفضة، كما لا سبيل إلى إحالة طبع الحمار إلى طبع الإنسان البتة أصلاً، والله أعلم (٦) . ٨ - باب الفصل ذكرت الأوائل في الفصل قسمين سموهما: عامياً وخاصياً، وليس وضعهما عندنا في باب الكلام في الفصل الذي نقصده في الفلسفة صواباً، لأنهما واقعان في باب الكلام في العرض؛ وإنما نقصد هاهنا الكلام في (٧) الفصل الذي يفصل الأنواع

стр. 1046

بعضها عن (١) بعض تحت جنس واحد. مثل أن تقول: حي، فيقول لك قائل: نفس الإنسان حي ونفس الحمار حي، فأي الحيين تعني فتقول: الحي (٢) الناطق الميت، فالناطق الميت فصلان، فصلا نوع الإنسان (٣) من نوع الحمار تحت جنس الحي، فهذا الفصل نريد، لا ما سواه. وهذا الذي يسميه الأوائل " خاص الخاص " فنقول: وبالله نستعين وبه التوفيق (٤) : إن الفصل هو ما فصل طبيعة من طبيعة، فبان لنا به أن هذه غير هذه البتة مما إذا توهمنا أن ذلك الفصل معدوم مما هو فيه، مرتفع عنه، فقد فسد الذي هو فيه وبطل البتة، فإنك متى رفعت النطق والموت عن الإنسان لم يكن إنساناً أصلاً، بوجه من الوجوه، وهذا فرق ما بين الفصل والخاصة على ما يقع بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولذلك سمي هذا الفصل ذاتياً فيما خلا قبل هذا. وبهذا الفصل تقوم الأنواع تحت الجنس وينفصل بعضها من بعض، ويتميز بعضها من بعض. ومنفعته عظيمة في كل علم، إذ قد يلزم بعض النامي ما لا يلزم بعضه، ويلزم بعض الحي ما لا يلزم سائره، فلولا الفصول المميزة لكل نوع على حدة، لاختلطت الأحكام والصناعات وجميع فوائد العالم، فلم تستبن. واعلم أن هذه الفصول تسميها الأوائل " الجوهرية " للزومها ما هي فيه، فكأنها الجواهر (٥) لثباتها. واعلم أن الفصول والأجناس والأنواع لا تقبل الأشد ولا الأضعف، ولا تقع على ما تقع عليه إلا وقوعاً مستوياً، ولا يجوز أن يكون إنسان أشد في أنه إنسان من إنسان آخر، ولسنا نعني المروة والذكرة (٦) ، لكن نعني في أنه آدمي وإنسان فقط، ولا يكون فرس أضعف فرسية من فرس آخر، ولا حمار أقوى حمارية من حمار آخر

стр. 1047

وهكذا كل أشياء استوت في جنس أو نوع أو فصل، فإنها كلها فيه متساوية لا يفضل في كونها إياه بعضها بعضاً أصلاً بوجه من الوجوه. ورسم الفصل هو أن تقول: هو الذي تتميز به الأنواع بعضها من بعض تحت جنس واحد، والفصول موجودة في الأنواع بالفعل، وفي الجنس بالقوة. نريد بالقوة: إمكان أن يكون، وبالفعل: أنه قد كان ووجب (١) [١٥و] وظهر ووجد، فإنك إذا قلت: الحي، فإن النطق فيه بالقوة، أي أن بعض الأحياء ناطقون، ولو كان النطق (٢) فيه بالفعل لكان كل حي ناطقاً، وهذا محال. وأنت إذا قلت الحي الناطق، فالنطق فيه بالفعل أي أنه قد ظهر ووجد. والنطق الذي يذكر (٣) في هذا العلم ليس الكلام ولكنه التمييز للأشياء والفكر في العلوم والصناعات والتجارات وتدبير الأمور، فعن جميع هذه المعاني كنينا بالنطق اتفاقاً منا. وكل إنسان فناطق النطق الذي بينا، إلا من دخلت على ذهنه آفة عرضية، وإلا فبنيته، ولو رمى الحجارة، محتملة لو زالت تلك الآفة لكل ما ذكرنا. وليس كذلك سائر الحيوان، حاشا الملائكة والجن، فإنه لا يتوهم من شيء من الحيوان غير ما ذكرنا فهم الأمور التي وصفنا. وأما الفصول إذا حققتها فكيفيات، إلا أنها لا تفارق ما هي فيه ولا تتوهم مفارقتها له إلا ببطلانه. وكذلك (٤) المعنى الذي صارت به الأشخاص تسمى أنواعاً وأجناساً، فإنه أيضاً كيفية كما ذكرنا. وأنت إذا وجدت فصلاً ذاتياً تستغني به في تمييز ما تريد منه من الأنواع، فأكتف به ولا معنى لأن تأتي بفصل آخر. فإن اضطررت إلى فصول كثيرة، ينفرد النوع الذي تريد أن تفصله من غيره بجميعها وتشاركه أشياء أخر (٥) في كل واحد منها على الانفراد، فلا بد أن تأتي بجميعها أو بما ينفرد منها به ليتم لك التمييز والتخليص الذي تريد إبانته.

стр. 1048

واعلم أنه ليس النوع والجنس شيئاً غير الأشخاص، وإنما هي أسماء تعم جماعة أشخاص اجتمعت واشتركت في بعض صفاتها، وفارقتها سائر الأشخاص فيها، فلا تظن غير هذا، كما يظن كثير من الجهال الذين لا يعلمون. ٩ - باب الخاصة من الخاصة ما هو مساو للمخصوص، أي أنها في جميع أشخاصه، وهذه هي التي (١) نقصد بالكلام في هذا الباب (٢) . ومنها ما هو أخص من المخصوص بها أي أنها في بعض أشخاصه لا في كلها، وذلك مثل الشيب في حال الكبر، فإنه فيما هو فيه في وقت دون وقت، ومثل النحو والشعر فإنهما بالفعل في بعض ما هما فيه بالقوة دون بعض، فليس كل إنسان نحوياً وشاعراً، إلا أنه قد كان ممكناً ومتوهماً أن يكون نحوياً وشاعراً. وأما الخاصة المساوية فقد تقوم مقام الحد، ويرسم بها ما كان (٣) فيه رسماً صحيحاً [١٥ظ] دائراً على طرفي مرسومه منعكساً. فإنك تقول: كل إنسان ضحاك، وكل ضحاك (٤) إنسان، فهذا هو الانعكاس الصحيح، وهذا هو الدوران على الطرفين. أي أنه لا يشذ عنه شيء مما تريد أن ترسمه به أو تحده. وكل إنسان فضاحك إما بالقوة أي بالإمكان في كل وقت، وإما بالفعل في بعض الأوقات دون بعض أي بظهور الضحك منه. فإن قال قائل: فبأي (٥) شيء فرقتم بين الخاصة والفصل فالجواب: إن الفصل هو ما لايتوهم عدمه عن الشيء الذي هو فيه إلا ببطلان ذلك الشيء، فإن النطق والموت إن توهم أنهما قد عدما من شيء لم يكن ذلك الشيء إنساناً البتة، وأما الخاصة فبخلاف ذلك، ولو توهمنا الضحك معدوماً بالكل جملة واحدة، حتى لا يعرف ما هو، لم يبطل الإنسان ولا امتنع من أجل عدم الضحك أن يتكلم في النحو والفقه والفلسفة وأن يعمل الديباج ويخيط ويغرس (٦) ويحرث ويحصد وغير

стр. 1049

ذلك مما ينتجه له النطق الذي هو التمييز، فهذا فرق بين واضح. ١٠ - باب العرض هذا وإن كان كيفية كالفصل والخاصة فبينة وبينهما (١) فرق كبير (٢) ، وهو أن الفصل لا يوجد في غير ما فصل به أصلاً، والخاصة أيضاً كذلك، لا توجد في غير مخصوصها أصلاً. وأما العرض العام الذي قصدنا بالكلام فيه (٣) في هذا المكان فإنه يعم أنواعاً كثيرة جداً، وهو ينقسم أقساماً: فمنه ما يعرض في بعض الأنواع دون بعض ثم في بعض أحواله دون بعض، وذلك كحمرة الخجل، وصفرة الجزع (٤) ، وكبدة الهم، وهذه سريعة الزوال جداً؛ وكالقعود والقيام والنوم وما أشبه ذلك، وهذه كلها تستحيل بها أحوال من هي فيه لاستحالة الأسباب المولدة لها، وتنفصل بها أحواله بعضها من بعض؛ ومنها ما هو أبطأ زوالا كصبا الصبي وكهولة الكهل وما أشبه ذلك، ومنها ما لا يزول أصلاً، إلا أنها لو أمكن أن تزول لم يبطل شيء من معاني ما هي فيه، كزرقة الأزرق وجدع الأجدع (٥) وقنا الأقنى وفطس الأفطس وسواد الغراب وحلاوة العسل وما أشبه ذلك، فإنه إن توهم الزنجي أبيض والغراب أعصم لم يخرجا بذلك عن الغرابية ولا عن الإنسانية، وكذلك العسل قد يكون منه مر ولا يبطل أن يكون عسلاً؛ وبالصفات التي ذكرنا ينفصل بعض أنواع الأعراض عن بعض. وهكذا عبر الأوائل في هذا الباب وهي عبارة غير محققة، لأنهم ذكروا عرضاً عاماً لأكثر من نوع، ثم إنهم ذكروا تحته حمرة الخجل وما لا يكون إلا لبعض نوع واحد أو لنوع واحد، وكان هذا بالخاصة أشبه منه بالعرض العام وأولى به (٦) . واعلم أن في الأعراض أنواعاً وأجناساً وأشخاصاً، كما في الجواهر، على ما قدمنا قبل.

стр. 1050

واعلم أن بعض [١٦و] النوع لو توهم معدوماً لم يعدم الجنس، ألا ترى لو عدم البياض لم يعدم اللون لأنه يبقى السواد (١) والخضرة والحمرة وغير ذلك، وكذلك لوعدم الإنسان لم يعدم الحي، لأنه يبقى الخيل والدجاج وغير ذلك، وكذلك لو عدم الجنس لعدمت جميع الأنواع البتة. وهذا انتهاء (٢) الكلام في المدخل إلى علم المنطق والألفاظ الخمسة التي هي: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض، وهو الذي يسميه الأوائل " إيساغوجي " وأول من جمعه رجل يسمى فرفوريوس من أهل صور. والحمد لله رب العالمين كثيراً لا شريك له ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليماً (٣)

стр. 1051

- ١ - بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الأسماء المفردة وهو أول ما بدأ به أرسطاطاليس من كتبه، وهو المسمى في اللغة اليونانية " قاطاغورياس "، معناه: العشر المقالات (١) ، فنقول وبالله التوفيق وبه نتأيد (٢) ، أ -[مقدمة أولى] إن الأسماء التي يقع كل واحد منها على كثير، أي على جماعة أشخاص فإنها تقع تحتها مسمياتها في جميع اللغات، أولها عن آخرها، على خمسة أوجه لا سادس لها: إما أن يكون المسمى يوافق المسمى الثاني في اسمه وحده معاً، كقولنا: فرس وفرس، أو كقولنا: حي وحي، فإن كل واحد من هذين المسميين يوافق الآخر في اسمه، لأنه لفظ واحد، ويوافقه أيضاً في حده، لأن كليهما حساس متحرك بإرادة، وكلاهما أيضاً صهال محدد الآذان (٣) مستعمل في الركوب، متوهم منه السرعة في الجري، وهذا النوع يسمى " الأسماء المتواطئة " وإن شئت قلت: المتفقة. والثاني أن يكون المسمى يخالف المسمى في اسمه وحده معاً كقولنا: رجل وحمار، فإن هذين لفظان مختلفان (٤) وحدان مختلفان، وهذا النوع يسمى " الأسماء المختلفة ". والثالث: أن يكون المسمى يوافق المسمى في اسمه ويخالفه في حده، كقولنا: " نسر " للطائر المبالغ في الأستعلاء في الجو الذي يأكل الجيف، وقولنا لبعض حافر (٥) الفرس نسر، وقولنا " نسر " للنجم الذي في السماء وما أشبه هذا مما هو كثير في اللغة، وهذا النوع يسمى " الأسماء المشتركة "، ومنها يقع البلاء كثيراً في المناظرة،

стр. 1052

فيتنازع الخصمان ويكثران الهراش وأحدهما يريد معنى ما والآخر يريد معنى آخر (١) ، وهذا لا يقع إلا بين جاهلين أو جاهل [١٦ظ] وعالم أو سوفسطانيين أو سوفسطاني ومنصف، ولا يقع أبداً بين عالمين منصفين بوجه منن الوجوه، ولا يسلم من ذلك إلا من تميز (٢) في هذه الصناعة وأشرف عليها وقوي فيها، فإنه لا يخفى عليه من معاني الكلام شيء. والرابع أن يكون المسمى يوافق المسمى في حده، ويخالفه في اسمه، مثل قولنا: سنور وضيون (٣) وهر، فإن هذه ألفاظ مختلفة، وهي كلها واقعة وقوعاً واحداً على كل شخص من أشخاص النوع المتخذ في البيوت لصيد الفأر الذي يلح في السؤال عند الأكل، ويشبه الأسد في خلقه، وهذا النوع من الأسماء يسمى " الأسماء (٤) المترادفة ". والخامس: أن يكون المسمى يخالف المسمى في حده وفي اسمه الذي خص نوعه به إلا أنهما يتفقان في صفة من صفاتهما أوجبت لهما الاشتراك في اسم مشتق منها، إما جسمانية وإما نفسانية، حالاً كانت أو هيئة (٥) ، فالجسمانية كقولنا: ثوب أبيض، وطائر أبيض، ورجل أبيض، فإن كل واحد من هذه المسميات حده (٦) غير حد صاحبه، واسمه في نوعه غير اسم صاحبه، وقد اشتركت كلها في أن سمي كل واحد منها أبيض. والنفسانية كقولنا أسد شجاع ورجل شجاع، وهذا النوع من الأسماء يسمى " الأسماء (٧) المشتقة ". وهذه الأقسام الخمسة تقع على الأجناس والأنواع وأصناف (٨) الأنواع التي كأنها أنواع، كقولنا: رجل وامرأة وذكر وأنثى. وأما الأسماء المختصة فهي التي تقع على ذات المسمى وحده، أو على كل شخص

стр. 1053

من أشخاص ما (١) ، وهي أن تكون المسميات منها وضعت لها أسماء تختص بالمسمى أو بأشخاص ما لتمييز بعضها من بعض، فإما تتفق فيها وإما تختلف، وهي قد تبدل ولا تستقر استقراراً لازماً لأنها (٢) إنما تكون باختيار المسمى، ولو شاء لم يسم ما سمي بذلك، ولم يقصد به الإبانة عن صفات مجتمعة في المسمى دون غيره، كما قصد في الأول، ولا اشتقت للمسمى بها من صفة فيه أصلاً وهي التي يسمسها النحويون " الأسماء الأعلام " وذلك نحو قولك: زيد وعمرو أو زيد وزيد أو أسد في أسم رجل أو كافور في اسمه أيضاً وما أشبه ذلك. فهذه أقسام المسميات كلها تحت الأسماء، ووقوع الأسماء كلها على المسميات ولا مزيد. وأسماء الله تعالى (٣) التي ورد النص بها أسماء أعلام غير مشتقة من شيء أصلاً. وأما صفات الفعل له تعالى فمشتقة من أفعاله، كالمحيي والمميت، وما أشبه ذلك وتلك الأفعال أعراض حادثة في خلقه، لا فيه، تعالى الله عن ذلك [١٧و] . ب (مقدمة ثانية) باب من أقسام الكلام ومعانيه قد بينا (٤) ، قبل، أن الكلام ينقسم قسمين: مفرد ومركب، فالمفرد لا يفيدك فائدة أكثر من نفسه، كقولك: رجل وزيد وما أشبه ذلك؛ والمركب يفيدك خبراً صحيحاً، كقولك: زيد أمير، والإنسان حي وما أشبه ذلك.

стр. 1054

والمركب كله ينقسم أقساماً خمسة لا سادس لها وهي: إما خبر وإما استخبار، وهو الاستفهام وإما نداء وإما رغبة وإما أمر. فهذه الأربعة منها لا يقع فيها صدق ولا كذب، ولا يقوم منها برهان أول (١) على من ينكر وجوب الأمر، وأما بعد وجوب قبول الأمر بخبر يوجبه أو باتفاق من الخصمين فالأمر حينئذ مبرهن على صحة وجوبه، وليس برهاناً، وقد ينطوي في الأمر خبر، وذلك أن قول القائل: افعل كذا، ينطوي فيه أنك ملزم أن تفعل كذا. وأما النهي فهو نوع من أنواع الأمر، لأنه أمر بالترك. وكذلك ينطوي في الطلبة، وهي الرغبة، إخبار بأن الراغب يريد الشيء المرغوب فيه، ولا تظن أن قولك آمراً: قم، أنه اسم مفرد، فذلك ظن فاسد، بل هو مركب لأن معناه " قم أنت ". وكذلك قولك مخبراً عن غائب: قام، إنما معناه (٢) " قام هو "، ولو انفرد في حقيقة المعنى دون ضمير، لما تم ولكان ناقصاً فاعلمه. وكذلك قولك مستفهماً: أقام أي هل قام هو. وأما إذا خرجت الرغبة على غير وجهها، فإن الكذب قد يدخل فيها، كمن قال وهو صحيح: اللهم أصحني، وإنما الحق أن يقول: اللهم أدم صحتي. وكذلك الاستفهام، إذا ما (٣) استفهم عن باطل فهو باطل، كسائل سأل: لم اشتد الحر في الشتاء وأما الخبر ففيه يدخل الصدق والكذب، وفيه تقع الضرورة والإقناع، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب، ومن صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم، وإياه قصد الأوائل والمتأخرون بالقول، وتحته تدخل جميع الشرائع، وكل مؤات (٤) من الطبيعيات وغيرها اتفق الناس عليه أو أختلفوا فيه. وهو يصح بوجوه: أحدها أن يكون معلوماً صحته بأول العقل أو بالحواس، ومنها ما يصح ببرهان يقوم على صحته من مقدمات تنتج نتائج على ما يقع في هذا

стр. 1055

الديوان إن شاء الله ، ومنها ما ينقله صادق قد قام على صدقه برهان مما قدمنا، أو نقله مصدقون بضرورة، على ما قد وقع في غير هذا القول (١) ؛ وقد ظن قوم أن القسم والشرط والتعجب والشك، وجوه زائدة على ما ذكرنا، وذلك ظن فاسد [١٧ظ] لأنها كلها واقعة تحت قسم الخبر وراجعة إليه. أما القسم فإنه إخبار بإرادتك إذا قلت: " والله " فإن قولك ذلك إنما هو: أحلف معظماً لأمر الله تعالى. وأما الشرط فإنه خبر واضح لا خفاء به؛ والشك كذلك؛ والتعجب إخبار بالحال التي تعجبت منها. وقد ظن قوم أن من الخبر ما لا يدخله صدق ولا كذب، وهو إخبار الهاذي بأمر متيقن صحته، لم يقصده، كقوله: لا إله إلا الله، مات الرجل فهذان خبران صحيحان. قال أبو محمد: وهذا الظن غير صحيح لأنه لا يكون مخبراً إلا من قصد الخبر، والخبر مع المخبر من باب الإضافة، فلا خبر إلا لمخبر، والهاذي ليس مخبراً بكلامه (٢) ، فكلامه ليس خبراً. وإذ قد وافانا ذكر الأمر فلنقل على أقسامه قولاً وجيزاً؛ وذلك أن الأمر ينقسم أقساماً منها: الواجب الملزم، وهو عنصر الأمر الذي لا ينتقل عنه لفظ الأمر إلا بدليل برهاني، ومنها المحضوض عليه غير الملزم، ومنها المباح، ومنها المسموح فيه، وهو الذي تركه أفضل؛ ومنها التبرؤ كقول القائل: اعمل ما شئت؛ ويكون الآمر غير راض عن المأمور؛ ومنها الوعيد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (فصلت:٤٠) ومنها القسر (٣) كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩) ومنها تقرير كقول المعصي: قد نهيتك فاصبر واحتمل ما أتاك؛ ومنها (٤) تعجيز كقوله تعالى: ﴿قل كونوا حجارة أو حديداً﴾ (الإسراء:٥٠) ومنها ما هو بمعنى
следующие страницы →