← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

- ١ - بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الأسماء المفردة وهو أول ما بدأ به أرسطاطاليس من كتبه، وهو المسمى في اللغة اليونانية " قاطاغورياس "، معناه: العشر المقالات (١) ، فنقول وبالله التوفيق وبه نتأيد (٢) ، أ -[مقدمة أولى] إن الأسماء التي يقع كل واحد منها على كثير، أي على جماعة أشخاص فإنها تقع تحتها مسمياتها في جميع اللغات، أولها عن آخرها، على خمسة أوجه لا سادس لها: إما أن يكون المسمى يوافق المسمى الثاني في اسمه وحده معاً، كقولنا: فرس وفرس، أو كقولنا: حي وحي، فإن كل واحد من هذين المسميين يوافق الآخر في اسمه، لأنه لفظ واحد، ويوافقه أيضاً في حده، لأن كليهما حساس متحرك بإرادة، وكلاهما أيضاً صهال محدد الآذان (٣) مستعمل في الركوب، متوهم منه السرعة في الجري، وهذا النوع يسمى " الأسماء المتواطئة " وإن شئت قلت: المتفقة. والثاني أن يكون المسمى يخالف المسمى في اسمه وحده معاً كقولنا: رجل وحمار، فإن هذين لفظان مختلفان (٤) وحدان مختلفان، وهذا النوع يسمى " الأسماء المختلفة ". والثالث: أن يكون المسمى يوافق المسمى في اسمه ويخالفه في حده، كقولنا: " نسر " للطائر المبالغ في الأستعلاء في الجو الذي يأكل الجيف، وقولنا لبعض حافر (٥) الفرس نسر، وقولنا " نسر " للنجم الذي في السماء وما أشبه هذا مما هو كثير في اللغة، وهذا النوع يسمى " الأسماء المشتركة "، ومنها يقع البلاء كثيراً في المناظرة،

стр. 1052

فيتنازع الخصمان ويكثران الهراش وأحدهما يريد معنى ما والآخر يريد معنى آخر (١) ، وهذا لا يقع إلا بين جاهلين أو جاهل [١٦ظ] وعالم أو سوفسطانيين أو سوفسطاني ومنصف، ولا يقع أبداً بين عالمين منصفين بوجه منن الوجوه، ولا يسلم من ذلك إلا من تميز (٢) في هذه الصناعة وأشرف عليها وقوي فيها، فإنه لا يخفى عليه من معاني الكلام شيء. والرابع أن يكون المسمى يوافق المسمى في حده، ويخالفه في اسمه، مثل قولنا: سنور وضيون (٣) وهر، فإن هذه ألفاظ مختلفة، وهي كلها واقعة وقوعاً واحداً على كل شخص من أشخاص النوع المتخذ في البيوت لصيد الفأر الذي يلح في السؤال عند الأكل، ويشبه الأسد في خلقه، وهذا النوع من الأسماء يسمى " الأسماء (٤) المترادفة ". والخامس: أن يكون المسمى يخالف المسمى في حده وفي اسمه الذي خص نوعه به إلا أنهما يتفقان في صفة من صفاتهما أوجبت لهما الاشتراك في اسم مشتق منها، إما جسمانية وإما نفسانية، حالاً كانت أو هيئة (٥) ، فالجسمانية كقولنا: ثوب أبيض، وطائر أبيض، ورجل أبيض، فإن كل واحد من هذه المسميات حده (٦) غير حد صاحبه، واسمه في نوعه غير اسم صاحبه، وقد اشتركت كلها في أن سمي كل واحد منها أبيض. والنفسانية كقولنا أسد شجاع ورجل شجاع، وهذا النوع من الأسماء يسمى " الأسماء (٧) المشتقة ". وهذه الأقسام الخمسة تقع على الأجناس والأنواع وأصناف (٨) الأنواع التي كأنها أنواع، كقولنا: رجل وامرأة وذكر وأنثى. وأما الأسماء المختصة فهي التي تقع على ذات المسمى وحده، أو على كل شخص

стр. 1053

من أشخاص ما (١) ، وهي أن تكون المسميات منها وضعت لها أسماء تختص بالمسمى أو بأشخاص ما لتمييز بعضها من بعض، فإما تتفق فيها وإما تختلف، وهي قد تبدل ولا تستقر استقراراً لازماً لأنها (٢) إنما تكون باختيار المسمى، ولو شاء لم يسم ما سمي بذلك، ولم يقصد به الإبانة عن صفات مجتمعة في المسمى دون غيره، كما قصد في الأول، ولا اشتقت للمسمى بها من صفة فيه أصلاً وهي التي يسمسها النحويون " الأسماء الأعلام " وذلك نحو قولك: زيد وعمرو أو زيد وزيد أو أسد في أسم رجل أو كافور في اسمه أيضاً وما أشبه ذلك. فهذه أقسام المسميات كلها تحت الأسماء، ووقوع الأسماء كلها على المسميات ولا مزيد. وأسماء الله تعالى (٣) التي ورد النص بها أسماء أعلام غير مشتقة من شيء أصلاً. وأما صفات الفعل له تعالى فمشتقة من أفعاله، كالمحيي والمميت، وما أشبه ذلك وتلك الأفعال أعراض حادثة في خلقه، لا فيه، تعالى الله عن ذلك [١٧و] . ب (مقدمة ثانية) باب من أقسام الكلام ومعانيه قد بينا (٤) ، قبل، أن الكلام ينقسم قسمين: مفرد ومركب، فالمفرد لا يفيدك فائدة أكثر من نفسه، كقولك: رجل وزيد وما أشبه ذلك؛ والمركب يفيدك خبراً صحيحاً، كقولك: زيد أمير، والإنسان حي وما أشبه ذلك.

стр. 1054

والمركب كله ينقسم أقساماً خمسة لا سادس لها وهي: إما خبر وإما استخبار، وهو الاستفهام وإما نداء وإما رغبة وإما أمر. فهذه الأربعة منها لا يقع فيها صدق ولا كذب، ولا يقوم منها برهان أول (١) على من ينكر وجوب الأمر، وأما بعد وجوب قبول الأمر بخبر يوجبه أو باتفاق من الخصمين فالأمر حينئذ مبرهن على صحة وجوبه، وليس برهاناً، وقد ينطوي في الأمر خبر، وذلك أن قول القائل: افعل كذا، ينطوي فيه أنك ملزم أن تفعل كذا. وأما النهي فهو نوع من أنواع الأمر، لأنه أمر بالترك. وكذلك ينطوي في الطلبة، وهي الرغبة، إخبار بأن الراغب يريد الشيء المرغوب فيه، ولا تظن أن قولك آمراً: قم، أنه اسم مفرد، فذلك ظن فاسد، بل هو مركب لأن معناه " قم أنت ". وكذلك قولك مخبراً عن غائب: قام، إنما معناه (٢) " قام هو "، ولو انفرد في حقيقة المعنى دون ضمير، لما تم ولكان ناقصاً فاعلمه. وكذلك قولك مستفهماً: أقام أي هل قام هو. وأما إذا خرجت الرغبة على غير وجهها، فإن الكذب قد يدخل فيها، كمن قال وهو صحيح: اللهم أصحني، وإنما الحق أن يقول: اللهم أدم صحتي. وكذلك الاستفهام، إذا ما (٣) استفهم عن باطل فهو باطل، كسائل سأل: لم اشتد الحر في الشتاء وأما الخبر ففيه يدخل الصدق والكذب، وفيه تقع الضرورة والإقناع، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب، ومن صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم، وإياه قصد الأوائل والمتأخرون بالقول، وتحته تدخل جميع الشرائع، وكل مؤات (٤) من الطبيعيات وغيرها اتفق الناس عليه أو أختلفوا فيه. وهو يصح بوجوه: أحدها أن يكون معلوماً صحته بأول العقل أو بالحواس، ومنها ما يصح ببرهان يقوم على صحته من مقدمات تنتج نتائج على ما يقع في هذا

стр. 1055

الديوان إن شاء الله ، ومنها ما ينقله صادق قد قام على صدقه برهان مما قدمنا، أو نقله مصدقون بضرورة، على ما قد وقع في غير هذا القول (١) ؛ وقد ظن قوم أن القسم والشرط والتعجب والشك، وجوه زائدة على ما ذكرنا، وذلك ظن فاسد [١٧ظ] لأنها كلها واقعة تحت قسم الخبر وراجعة إليه. أما القسم فإنه إخبار بإرادتك إذا قلت: " والله " فإن قولك ذلك إنما هو: أحلف معظماً لأمر الله تعالى. وأما الشرط فإنه خبر واضح لا خفاء به؛ والشك كذلك؛ والتعجب إخبار بالحال التي تعجبت منها. وقد ظن قوم أن من الخبر ما لا يدخله صدق ولا كذب، وهو إخبار الهاذي بأمر متيقن صحته، لم يقصده، كقوله: لا إله إلا الله، مات الرجل فهذان خبران صحيحان. قال أبو محمد: وهذا الظن غير صحيح لأنه لا يكون مخبراً إلا من قصد الخبر، والخبر مع المخبر من باب الإضافة، فلا خبر إلا لمخبر، والهاذي ليس مخبراً بكلامه (٢) ، فكلامه ليس خبراً. وإذ قد وافانا ذكر الأمر فلنقل على أقسامه قولاً وجيزاً؛ وذلك أن الأمر ينقسم أقساماً منها: الواجب الملزم، وهو عنصر الأمر الذي لا ينتقل عنه لفظ الأمر إلا بدليل برهاني، ومنها المحضوض عليه غير الملزم، ومنها المباح، ومنها المسموح فيه، وهو الذي تركه أفضل؛ ومنها التبرؤ كقول القائل: اعمل ما شئت؛ ويكون الآمر غير راض عن المأمور؛ ومنها الوعيد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (فصلت:٤٠) ومنها القسر (٣) كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩) ومنها تقرير كقول المعصي: قد نهيتك فاصبر واحتمل ما أتاك؛ ومنها (٤) تعجيز كقوله تعالى: ﴿قل كونوا حجارة أو حديداً﴾ (الإسراء:٥٠) ومنها ما هو بمعنى

стр. 1056

الدعاء، كقول القائل: ابعد، اخسأ، ومنها زجر، كقوله تعالى: ﴿اخسئوا فيها﴾ ومنها تكوين، وليس هذا القسم إلا للباري تعالى وحده في أمره ما يريد أن يكون بالكون، وما يريد أن يعدم بالتلف. ومنه أمر بمعنى النهي كقول القائل لمن تقدم نهيه إياه عن شيء: افعله وسترى ما يكون أو وأدري أنك رجل. وما أشبه ذلك؛ ومنها أمر (١) بمعنى التعجب كقولك: أحسن يزيد أي ما أحسنه. ثم تنقسم الأسماء أيضاً أقساماً أربعة إما حاملة ناعتة، وإما حاملة منعوتة، وإما محمولة ناعتة وإما محمولة منعوتة. ومعنى قولنا: ناعتة، أي أنها تقال على جماعة أشخاص تحتها فتسمى تلك الأشخاص كلها بذلك الأسم، ومعنى قولنا: منعوتة، أي تسمى باسم واحد وهي جماعة، ومعنى قولنا: حاملة أي أنها تقوم بأنفسها وتحمل غيرها، ومعنى قولنا: محمولة: أي أنها (٢) لا تقوم بأنفسها. والحمل المذكور حملان: حمل جوهري وحمل عرضي، فالجوهري يكون أعم ويكون مساوياً، ولا يكون أخص أصلاً، والعرضي [١٨و] يكون أعم ومساوياً وأخص، فالحمل الجوهري الأعم مثل قولك: الإنسان حي، فإن الحياة محمولة في الإنسان حملاً جوهرياً، إذ لولا الحياة لم يكن إنساناً، والحياة أيضاً في غير الإنسان موجودة. فلذلك قلنا إن هذا الحمل أعم؛ والحمل الجوهري المساوي مثل كون الحياة في الحي فإنها مساوية للحي، لا تكون حياة في غير حي، ولا يكون حي في العالم بلا حياة وتسميتنا الخالق تعالى حياً ليس على هذا الوجه، وإنما سميناه بذلك اتباعاً للنص، ولولا ذلك لم يجز لنا أن نسميه حياً إذ الحياة ليست إلا قوة تكون بها الحركة الإرادية والحس، وكلا الأمرين منفي عن الباري . وليست أسماؤه مشتقة أصلاً ولا واقعة تحت شيء من الأقسام الخمسة التي ذكرنا قبل (٣) ، لكنها أسماء أعلام فقط، لم يوجب تسميته تعالى بها دليل، حاشا أننا أمرنا تعالى بأن نسميه بها وندعوه بها ونناديه بها، لا إله إلا هو. س: ومنه. وإنما دل البرهان على أنه تعالى أول حق واحد خالق فقط ثم نخبر عنه بأفعاله، ، فقط من

стр. 1057

إحياء وإماتة وتصوير وترتيب ونحو ذلك، أو ما أمرنا أن نسميه به، دون أن يكون هنالك شيء أوجب تسميته بذلك. ولا يجوز أن يكون حمل جوهري أخص أصلاً، لأنه حينئذ كان يكون غير جوهري، إذ الجوهري هو ما لم يتم جميع النوع إلا به، لا ما يكون في بعضه دون بعض. وأما الحمل العرضي الأعم فكقولنا للزنجي: أسود، فإن الأسود أعم من الزنجي، لأن السواد في الغراب والسبج والمداد (١) وغير ذلك (٢) . وأما الحمل العرضي المساوي فكقولنا للإنسان: ضحاك، فالضحك (٣) لا يكون في غير الإنسان، ولا يكون إنسان إلا ضحاكاً. وأما الحمل العرضي الأخص فكقولنا في بعض الناس أطباء (٤) وفقهاء وحاكة وما أشبه ذلك، فإن هذه الصفات لا توجد في كل إنسان، لكن في بعضهم، ولا توجد في غير إنسان؛ وقد يكون من هذا الحمل ما هو أخص الخاص، كقولك هذا الشخص هو زيد. وأما الحمل الممكن فيكون أعم، كالسواد هو في بعض الناس وغيرهم، ويكون أخص كالطب، ليس إلا في بعض الناس فقط لا في جميعهم، ولا في غيرهم، ولا يكون مساوياً البتة (٥) كالضحك للإنسان. وأما الحمل الواجب فينقسم قسمين: عام كالحياة للحي، ومساوٍ (٦) كالضحك للإنسان، ويكون أعم كالحياة له ولغيره، ولا يكون أخص؛ والنفي في الممتنع يكون أعم فقط، كنفي الجمادية عن الإنسان، وربما وجد مساوياً، ولا يوجد أخص فيما أوجبه الطبع للنوع [١٨ظ] .

стр. 1058

وأما (١) الأشياء الحاملة الناعتة فكقولك: الإنسان الكلي، أي الواقع على كل أشخاص الناس، وهو الذي أراد الله تعالى بقوله: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ (المعارج: ١٩) فإنه تعالى لم يرد إنساناً بعينه، لكنه عنى النوع كله. فأما الإنسان (٢) الكلي وقد يقال أيضاً: الإنسان المطلق، هو حامل لصفاته من النطق والحياة واللون والطول والعرض وغير ذلك، وناعت لزيد وخالد وهند وزينب، ولكل شخص من الناس، وهو المسمى الإنسان الجزئي، فزيد يسمى إنساناً، وكل واحد (٣) من الناس كذلك، فالإنسان الكلي ناعت لكل من ذكرنا، أي مسمى به كل واحد من الناس. وهذا القسم لا يكون محمولاً أصلاً، أي لا يبكون عرضاً البتة (٤) ، لأن العرض محمول لا حامل، والجواهر حامل لا محمول. وأما الحاملة المنعوتة: فالأشخاص الجوهرية، مثل قولك: زيد وعمرو وكلب خالد وجمل عمرو، وغير ذلك، فإن هذه كلها منعوتة أي (٥) تسمى كلها باسم واحد يجمعها كما بينا آنفاً (٦) ، وهي حاملة لصفاتها من العلم والشجاعة والطول والعرض والنطق وغير ذلك من سائر الصفات، وهذه أيضاً لا تكون محمولة البتة. وأما المحمولة الناعتة: فكقولنا العلم فأنه نوع من كيفيات النفس، وتحت العلم أنواع كثيرة، هو لها جنس جامع، كالفقه والطب والفلسفة والنحو والشعر وغير ذلك، وكل واحد من هذه يسمى علماً، فالعلم ناعت لها، وكل واحد من هذه العلوم نوع يقع تحته أصناف منه وأشخاص أبواب ومسائل، كوقوع القبائل وأشخاص الناس تحت قولك: الإنسان، وهكذا كل نوع تحت كل جنس، فسبحان مدير العالم كما شاء، لا إله غيره. ثم نرجع إلى تفسير الناعتة المحمولة فنقول: إن العلم الكلي محمول في أنفس العلماء

стр. 1059

والنحو محمول في أنفس النحويين، وكذلك كل علم في أنفس أهله، ونقول: إن كل علم (١) من العلوم ناعت لما تحته من الأبواب والمسائل، أي أن جميعها يسمى باسم ذلك العلم، فكل مسألة من مسائل النحو تسمى نحواً وعلماً، وكل مسألة من مسائل الفقه تسمى فقهاً وعلماً، وكل قضية من قضايا الطب تسمى طباً وعلماً، وكل لفظة من اللغة تسمى لغة وعلماً، وكل حديث من الخبر يسمى خبراً وعلماً (٢) ، وهكذا في كل علم. وهذه المسائل تسميها (٣) الأوائل " علماً جزئياً "، وجميع علوم الناس تسمى: " علماً كلياً ". وأما المحمولة المنعوتة فهي علم كل امرئ على حياله [١٩و] وهي أيضاً مسائل كل علم، فإن كل (٤) ذلك محمول في نفس العالم به، وهي منعوتة باسم العلم الجامع لها، أي أنها كلها تسمى علماً - كما قلنا (٥) -. واعلم أن الناعت قد يكون منعوتاً، إلا أنه لا بد في أول طرفيه من ناعت لا ينعته شيء، وهو جنس الأجناس الذي قدمنا أولاً، ولا بد في آخر طرفيه من منعوت لا ينعت شيئاً، وهو الأشخاص من الجواهر والأعراض على ما قدمنا. واعلم أن الحامل لا يكون محمولاً أصلاً، والمحمول لا يكون حاملاً أصلاً لما قد بينا من أن الحامل هو القائم بنفسه، والمحمول هو الذي لا يقوم بنفسه، فمحال لا يتشكل في العقل أن يكون شيء قائم (٦) بنفسه لا قائم بنفسه. وقد أضجرني قديماً (٧) بعض أصدقائنا (٨) ببلية أدخلها عليه حسن ظنه بكلام

стр. 1060

قرأه للكثير الهذر المكنى بأبي العباس المعروف بالناشئ (١) ، فكان أبداً يسومني الفرق بين المحمول والمتمكن، ولم يعنه الخالق تعالى إلى وقتنا الذي كتبنا فيه كتابنا هذا، على فهم الفرق بينهما، وهو أن المحمول إنما تقوله في الصفات التي تبطل ببطلان ما هي فيه، كبياض زيد وحياته، فإن زيداً إن بطل، بطلت حياته وبياضه، بلا شك، وقد يبطل أيضاً ببياضه ولا يبطل زيد بل يكون صحيحاً سوياً إما لشحوب وإما لبعض الحوادث. والمتمكن إنما نقوله في الجواهر التي لا تبطل ببطلان ما هي فيه ككون زيد في البيت ثم ينهدم البيت ويصير رابية أو وهدة، وزيد قائم صحيح ينظر في أسبابه، ويزايل زيد البيت ولا يبطل واحد منهما، وهكذا أجزاء الجسم في الجسم إنما هي متمكنة لا محمولة، وهذا فرق لا يختل على ذي حس سليم أو إنصاف. وبالجملة، فكون الجسم في الجسم تمكن، وهو غير الحمل الذي هو كون العرض في الجسم. وكل ما نعت نوعاً فهو ناعت لأشخاص ذلك النوع، أي كل اسم سمي به نوعاً فإنه يسمى به كل شخص من أشخاص ذلك النوع، جوهراً كان أو غير جوهر. إذ ليس الجنس شيئاً غير أنواعه، وليس الجنس وأنواعه شيئاً غير الأشخاص الواقعة تحتها. واعلم أن فصول كل جنس من الأجناس فإنه يوصف بها كل ما تحته من أنواعه وكل شخص من الأشخاص الواقعة تحت أنواعه، كالحساس فإنه يقال على كل حي وعلى كل إنسان وفرس وحمار وعلى زيد وعمرو وهند وسائر أشخاص الحيوان كله، وهكذا في جميع الأجناس والأنواع كلها. وقد قلنا أيضاً: إن الأجناس تعطي كل ما تحتها من نوع أو شخص أسماءها وحدودها، أي أن اسم ذلك الجنس وحده يسمى به ويحد كل نوع تحته وكل شخص يقع تحت [١٩ظ] كل نوع من

стр. 1061

أنواع ذلك الجنس. واعلم أن فصول كل نوع فإنها لا توجد في نوع آخر أصلاً بوجه من الوجوه ولا اسمه ولا حده، لأن الفرس لا يسمى باسم الإنسان ولا يحد بحده، وكذلك كل نوع أبداً، والله تعالى أعلم. [المقولات العشر] ١ - باب الكلام على الجوهر وهو أول الرؤوس العشرة التي قدمنا أنها أجناس الأجناس، لأنه حامل لها، وباقيها محمولة فيه، وهو قائم بنفسه، وهي غير قائمة بأنفسها. وسمت الأوائل أشخاص الجواهر: " الجواهر الحق الأول " تعني بذلك زيداً وعمراً وبعير عبد الله وكلب خالد وثوب عمرو، وما أشبه ذلك. وسمت الأجناس والأنواع (١) " الجواهر الثواني " لأن الأول على الحقيقة هي الأشخاص القائمة، وسمت ما في الأشخاص القائمة من الأعراض: " الأعراض الحق الأول " وسمت أنواعها وأجناسها التي في أنواع الجواهر وأجناسها: " الأعراض الثواني ". واعلم أن الجواهر لا ضد لها أصلاً، فإن وصفت بالتضاد يوماً ما، فإنما يراد أنها تتضاد كيفياتها فقط. وبهذا المعنى بطل أن يكون الأول تعالى ضداً لخلقه لأنه لا كيفية له أصلاً، والتضاد لا يكون إلا في كيفية على مكيف، فالباري ليس ضداً ولا مضاداً ولا منافياً لا إله إلا هو. والجوهر لا يقال فيه أشد ولا أضعف أي لا يكون حمار أشد في الحمارية من حمار آخر، ولا تيس أشد في التيسية من تيس آخر، ولا إنسان أضعف إنسانية من إنسان آخر، وكذلك الكمية أيضاً على ما يقع في بابها إن شاء الله . وإنما يقع التضاد والأشد والأضعف في بعض الكيفيات على ما يقع في بابها، إن شاء الله .

стр. 1062

ورسم الجوهر هو (١) أن نقول: إنه القائم بنفسه القابل للمتضادات، فإن النفس قائمة بنفسها تقبل العلم والجهل والشجاعة والجبن والنزاهة والطمع وسائر المتضادات من أخلاقها، التي هي كيفياتها، وكذلك كثير من الأجرام تقبل البياض والسواد اللذين أحدهما لون مفرق للبصر وهو البياض، والثاني جامع للبصر وهو السواد. وكثير منها يقبل الحر والبرد والمجسة، التي هي خشونة أو املاس، والرائحة التي هي طيب أو نتن، وغير ذلك من الصفات التي تقع عليها الحواس؛ فكل قائم بنفسه قابل للمتضادات (٢) حامل لها في ذاته، وبهذا خرج الباري عن أن يكون جوهراً أو يسمى جوهراً، لأنه تعالى ليس حاملاً لشيء من الكيفيات أصلاً [٢٠و] فليس جوهراً. وأما ما يظن قوم من أن الكيفية تقبل الأضداد لأن اللون يقبل (٣) البياض والحمرة (٤) فذلك ظن فاسد، لأن أنواع الكيفية بعضها هي (٥) الأضداد نفسها، فهي متضادة بذاتها، لا حاملة للتضاد في ذاتها، بل هي الأضداد المحمولة أنفسها، والجوهر حامل لها كزيد، مرة هو صبي، ومرة هو شيخ، ومرة هو أصفر من الفزع أو المرض، ومرة هو أسمر من الشمس، ومرة هو حار لقربه من النار، وأخرى هو بارد لقربه من الثلج، ومرة قاعداً ومرة قائماً، وهو زيد نفسه. وكل هذه كيفيات وأعراض متعاقبة عليه (٦) ذاهبة واردة، فبعضها متضاد وبعضها مختلف. وكذلك الكلام والفكر الذي هو التوهم لا يقبلان الأضداد قبول الجوهر للأضداد، لأن الكلام والتوهم إما أن يكون صدقاً وإما أن يكون كذباً، بصحة معنى الشيء المتوهم، أو الكلام، أو ببطلانه، وليس الصدق والكذب متعاقبين على كلام واحد ولا على

стр. 1063

توهم واحد (١) بل هما كلامان: أحدهما صدق والآخر كذب (٢) ، وكذلك التوهم أيضاً، والله أعلم. ٢ - الكلام على الكمية (٣) وهي العدد ذكر الأوائل أن الكمية تقع على سبعة أنواع: أولها العدد ثم الجرم ثم السطح ثم الخط ثم المكان ثم الزمان ثم القول؛ ثم تنقسم هذه السبعة على قسمين: أحدهما متصل والآخر منفصل (٤) ؛ فالمتصل ما كان له فصل مشترك وهي خمسة من هذه السبعة وهي: الجرم والسطح والخط والمكان والزمان، فالفصل المشترك للجرم هو: السطح، والفصل المشترك للسطح هو الخط، والفصل المشترك للخط هو النقطة، والفصل المشترك للزمان هو الآن، وللمكان أيضاً فصل مشترك. والمنفصل هو الذي له ترتيب وليس له فصل مشترك وهو: العدد والقول (٥) . قال أبو محمد عليّ بن أحمد رضوان الله عليه (٦) ونحن إن شاء الله، مفسرون ما ذكرنا في هذا الباب (٧) ، على ما شرطنا في أول الكتاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فنقول: إن القسم الذي (٨) هو العدد من هذه السبعة هو الكمية على الحقيقة الذي لا كمية غيره، لكنه يقع على سائر الأنواع التي ذكرنا،فوقوعه على الجرم إنما هو بمساحته: فإن كل جرم في العالم، فله مساحة وذرع (٩) ، دق أم عظم، والمساحة عدد يؤخذ بمقدار متفق عليه: إما شبر وإما ذراع وإما ميل [٢٠ظ] وإما فرسخ وإما غلظ ظفر أو شعرة، أو أقل أو أكثر، فلهذا المعنى أدخلوا الجرم في باب الكمية.

стр. 1064

والعدد أيضاً واقع على الأجرام بوجه آخر، وهو عدد أجزائه بعد انقسامها، أو عدد الأشخاص إن أردت إحصاء جملة منها، والأجرام هي الأجسام، فتعد ما أردت عدده بواحد، اثنان (١) ، ثلاثة، أربعة، حتى تبلغ إلى ما تريد إحصاءه منها. وقد رأيت بعض من يدعي هذا العلم يتعقب على الأوائل إدخالهم الجرم تحت الكمية، وهذا يدل على مغيب هذا المعترض عن هذا العلم، وعن الحقيقة المقصودة، ولو أن مثل هذا الصنف من الناس ينصفون أو يتركون التعلم لكان أصون للعلم وأقل ضرراً على أهله وأعظم للمنفعة، لكن صدق الله إذ يقول: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم﴾ (هود:١١٩) . والجرم المذكور هو كل طويل عريض عميق. وأما وقوع العدد على السطح فالسطح هو (٢) نهاية الجرم من جميع جهاته الست، وهذا أيضاً وجه من وجوه وقوع العدد على الجرم، فإنه لا بد لكل جرم من جهات ست، وهي فوق وأسفل وأمام ووراء ويمين وشمال، لا بد لكل جرم من هذه الجهات الست، ولا سبيل إلى جهة سابعة، والست عدد، فهذا عدد لازم واقع على كل جرم. ووقوع العدد بالمساحة على الجرم هو نفس وقوعه (٣) على السطح. ونقول أيضاً في زيادة شرح في السطح: إن السطح هو منقطع كل جرم لاقى جرماً ما (٤) ، إما ماء وإما هواء وإما أرضاً وإما غير ذلك، أي جرم كان؛ والمساحة تقع على السطح، على ما قدمنا، إذ لكل سطح مقدار ما معدود مذروع كما وصفنا آنفاً. وأما وقوع العدد على الخط فالخط هو تناهي كل سطح وانقطاعه، وأمثل ذلك بمثال ليكون زائداً في البيان فأقول: إن السكين جرم ومنتهى (٥) جانبيه سطح،

стр. 1065

وتناهي (١) كل جانب من جوانبه خط، فمن أول طرفه الحاد إلى منتهاه خط، وكذلك ما أخذ من تناهي سطحه مع حرف قفاه فهو خط. ونهايته هي النقطة، ولا يقع على النقطة عدد ولا مساحة ولا ذرع لأنها ليست شيئاً أصلاً، وإنما هو اسم عبر به عن الانقطاع والتناهي وعدم تمادي ذلك الجرم فقط؛ فالخط المذكور له أيضاً مساحة وهي مذروعة معدودة، وهذا أيضاً وجه من وجوه (٢) وقوع العدد على الجرم. وأما وقوع العدد على المكان، فالمكان أيضاً جرم من [٢١و] الأجرام لأنه إما أرض وإما هواء وإما ماء وإما بساط وغير ذلك، أي جرم فيه جرم آخر، ولكل شيء مما ذكرنا مساحة وذرع معدود. وإما وقوع العدد على الزمان، فالأزمنة ثلاثة: حال وماض (٣) ومستقبل، فهذا وجه من وجوه وقوع العدد على الزمان. وأيضاً فالزمان هو مدة بقاء الجرم ساكناً أو متحركاً، والحركات معدودة بأولى وثانية وثالثة (٤) وهكذا ما زاد، فالعدد لازم للزمان وواقع عليه من هذا الوجه أيضاً، وإلا فالزمان ليس عدداً محضاً مجرداً لكنه مركب من جرم (٥) وكيفيته في سكونه أو حركته ومن عدد تلك الكيفية. وأما القول: فإنما أراد الأوائل بذلك عدد نغم اللحون، وعدد معاني الكلام، فإن لكل ذلك عدداً محصوراً في ذاته، فمنه ما نعلمه ومنه ما يغمض عنا. وأرادوا بذلك أيضاً الحروف المسموعة بالصوت المندفع من مخارج الكلام، وهي التي تسميها العامة: " حروف الهجاء " وهي التي تبتديء بأبجد أو بألف ب، ت، ث، وهي محصورة معدودة (٦) لا مزيد فيها في الطبيعة البتة، وإن كانت قد تتفاوت أعدادها في اللغات، فهي في العربية ثمانية وعشرون حرفاً، وهي في العبرانية اثنان وعشرون حرفاً، وأراها

стр. 1066

في الطبع ثمانية وثلاثين حرفاً (١) ، إلى ذلك انتهى تحصيلنا فيها، وأخبرني المخبر (٢) ، وهو أبو الفتوح الجرجاني (٣) أنها تبلغ في اللغة الفارسية أربعين حرفاً، ولم أستخبره عن الكيفية في ذلك، إلا إن كانوا يعدون منها (٤) الأصوات الحادثة من إشباع الحركات الثلاث التي هي الرفع والنصب والخفض، فحينئذ (٥) تبلغ واحداً وأربعين حرفاً، وللكلام في هذا المعنى مكان آخر. وأما العدد نفسه فهو: اثنان ثلاثة أربعة فما زاد، والواحد مبدأ وليس عدداً، كما سنبينه في آخر هذا الباب، إن شاء الله . وأما ما ذكرناه آنفا من أن من (٦) العدد ما هو متصل ومنه ما هو منفصل، وما ذكرنا من الفصل المشترك، فالمعنى في الفصل المشترك أنه ما كان أنواع ما يقع عليه العدد له نهاية إذا التقت بنهاية شيء آخر من نوعه اتحد الشيئان معاً، أي صارا شيئاً واحداً، كالجرمين فإنهما إذا التقيا بعد أن كانا مفترقين، وتمازجا، فإنهما يصيران جرماً واحداً كماء جمعته إلى ماء، فصارا ماء واحداً، وتراباً واحداً (٧) إلى تراب، وحيطاً إلى حيط (٨) ، وما أشبه ذلك، وهذا إنما هو (٩) بتلاقي سطحيهما، وكذلك إن التقى سطح وسطح، فصار (١٠) خطاهما خطاً واحداً، بعد أن كان السطحان [٢١ظ] مفترقين، كسطح عجين ضممته إلى سطح عجين آخر، فصارا

стр. 1067

عجيناً واحداً، وما أشبه ذلك. وكذلك القول في التقاء الخطين، وكل ذلك إنما هو بضم جرم إلى جرم، وكذلك مكان كان فيه زيد، ومكان كان فيه عمرو إلى جانبه، فقاما عنه، فصار المكانان مكاناً واحداً، فهذا هو الفصل المشترك بين الجرمين الذي هو آخر للأول وأول للثاني، وليس جزءاً لهما ولا لواحد منهما وإنما هو نهاية ارتفعت للأجتماع الحادث. وكذلك الفصل المشترك للزمان، فهو قولك الآن، فإن الآن نهاية للماضي (١) وابتداء للمستقبل، فإذا أتى (٢) المستقبل، صار الذي كان الآن ماضياً، مع الماضي قبله، فاتحدا أي صارا زماناً واحداً ماضياً، وقولك " الآن " هو حال لا ماضياً ولا مستقبلاً، فهذا هو الذي قلنا فيه إنه متصل لأنه يتصل الشيئان منه فيصيران شيئاً واحداً. وأما قولنا في العددً والقول: إنهما منفصلان وإن لهما ترتيباً وليس لهما فصل مشترك، فهو أن الحروف التي ذكرنا آنفاً وهي حروف الهجاء فإنه لا يجوز أن تجتمع الباء مع التاء فيصيران معاً باء واحدة أو تاء واحدة أو حرفاً واحداً، وكذلك الباء مع الباء والتاء مع التاء وكل حرف مع مثله أو مع خلافه كذلك ولا فرق، بخلاف ما ذكرنا قبل من تصير المكانين مكاناً واحداً والزمانين زماناً واحداً والجرمين جرماً واحداً والسطحين سطحاً واحداً والخطين خطاً واحداً. لكن لهذه الحروف ترتيب في ضم بعضها إلى بعض، يقوم من ذلك الترتيب فهم المعاني في الكلام؛ وكذلك النغم، لا يجوز أن تصير النغمتان نغمة واحدة ولا المعنيان معنى واحداً، لكن لكل ذلك ترتيب معلوم، فلهذا سمي القول منفصلاً، وقيل فيه (٣) : إنه ليس له فصل مشترك. وكذلك العدد فإنه لا يجوز أن تضم ثلاثة قد انتهت إلى ثلاثة تبتدئها فتصير الثلاثتان ثلاثة واحدة. وهكذا كل عدد إلا أن يضم بعض الأعداد إلى بعض ترتيباً ونظماً معلوماً تعرف به نسبة بعضها من بعض وحدوث أعداد من جمع بعضها إلى بعض، فهذا غاية البيان في هذا الباب، ولم نترك فيه شيئاً من اللبس بحول الله تعالى وقوته الواردة علينا الموهوبة من قبله ، وله الحمد والشكر، لا إله إلا هو.

стр. 1068

وذكر الأوائل أيضاً قسماً آخر لأنواع الكمية التي ذكرنا وهي أنها (١) تنقسم قسمين: أحدهما: لذي [٢٢و] وضع (٢) والآخر لغير ذي وضع. تفسير ذلك أن قوله: " ذو وضع " عبارة عما ثبتت أجزاؤه، وقوله " ما ليس ذا وضع " إنما هي عبارة عما لا تثبت أجزاؤه. فالذي تثبت أجزاؤه هو الجرم والسطح والخط والمكان، لأن أجزاء كل واحد من هذه ثابتة مع مرور العدد عليها، فإنك كلما ذرعت المكان أو الجرم كان ما ذرعت منها باقياً ثابتاً مع ما يستأنف ذرعه من باقيه. والخط والسطح معدود الذرع مع عدك ذرع الجرم الحامل لهما. وأما الذي هو غير ذي وضع فهو الزمان والعدد والقول، فإنك إذا قلت أمس أو عددت ساعات يومك وجدت كل ما تعد من ذلك فانياً ماضياً غير ثابت ولا باق، وهكذا ينقضي الأول فالأول من الزمان، وكل ما تقضى منه فهو فإن معدوم، بخلاف ما ذكرنا، قبل، من بقاء أجزاء الجرم. ونجد (٣) أجزاء الزمان التي لم تأت بعد، معدومة، بخلاف جميع أجزاء الجرم، وما طواه العدد معه من سطوحه وخطوطه. وما أنت فيه من الزمان فلا يثبت ثباتاً تقدر على إقراره وإمساكه أصلاً بوجه من الوجوه، لكنه يثبت ثم ينقضي بلا مهلة، وهكذا أبداً. وكذلك أجزاء القول، إذا تكلمت، من حروفه ونغمه ومعانيه، فإن كل ما تكلمت به من ذلك (٤) فقد فني وعدم، وما لم تتكلم به من ذلك فمعدوم لم يحدث بعد، والذي أنت فيه من كل ذلك فلا (٥) قدرة لك على إثباته ولا إمساكه ولا إقراره أصلاً، بوجه من الوجوه، لكن (٦) ينقضي أولاً فأولاً بلا مهلة، فسبحان مخترع العالم ومدبره. وأما من ظن أن الكيفيات قد تدخل تحت الكمية أيضاً وذلك لأنه سمع الناس

стр. 1069

يقولون: بياض كثير وبياض قليل، فذلك ظن فاسد لأنه إنما يعني بذلك سعة سطح الجرم الحامل للون أو ضيقه وقلة ذرعه، وإنما (١) الكمية هاهنا لمساحة الجرم الحامل كما قدمنا قبل، وكذلك أيضاً من قال: عمل كثير أو طويل، فإنما ذلك لكثرة الزمان وطوله. وليس للكمية ضد البتة: ليس للذراع ضد، ولا للشبر ضد، وكذلك سائر مقادير الكمية. وكذلك من ظن أن الكثير ضد للقليل، والكبير ضد للصغير فظنه فاسد، وإنما ذلك من باب الإضافة، إذ ليس في العالم شيء كبير بذاته، ولا صغير بذاته، وإنما الكبير كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، والصغير صغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه. ألا ترى أن حبة الخردل (٢) كبيرة بالإضافة إلى الصؤابة وإلى طحن الخردلة، وكذلك الأرض صغيرة بالإضافة إلى الفلك، ولا جزء وإن دق إلا ومتوهم [٢٢ظ] أدق منه. وكذلك الفلك الأعلى الذي لا شيء بالفعل أكبر منه، فالمتوهم (٣) في قوة الخالق تعالى الزيادة فيه، وإحداث ما هو أعظم منه. وقد نقول: جبل صغير، وخردلة كبيرة بالإضافة إلى جبل أكبر منه، وبالإضافة إلى خردلة أخرى أصغر منها، فلو كان الصغير ضداً للكبير لكان الشيء ضداً لنفسه لأنه كبير من جهة صغير من أخرى، وهذا محال. وهكذا القول في القليل والكثير، ولا فرق، فإن المائة قليل بالإضافة إلى الألف، وكثير بالإضافة إلى العشرة، وهكذا كل عدد فمتوهم الزيادة عليه (٤) أبداً. إلا أن كل ما خرج منه إلى الفعل فمتناه أبداً. ولو كان عشرة في مدينة لكان ذلك عدداً قليلاً جداً، فلو كانوا مع رجل وامرأة (٥) في بيت لكانوا عدداً كثيراً جداً، وكذلك لو كانوا بنيه. واعلم أن الكثير والقليل والطويل والقصير والكبير والصغير والعظيم والحقير والجليل والدقيق والضخم والضئيل والغليظ والرقيق والجسيم (٦) واليسير والتافه والنزر كل

стр. 1070

هذه من باب الكمية وليس كل شيء منها موصوفاً (١) به شيء في العالم على الإطلاق، لكن بالإضافة إلى ما فوقه وما دونه - على ما قدمنا -. والقبل والبعد أيضاً مما يقع في العدد لأن الاثنين قبل الثلاثة، ويقع في الزمان، ويقع في الإضافة على ما نذكر في بابها إن شاء الله تعالى. والكمية هو كل معنى حسن فيه السؤال عنه بكم، والكمية لا تقبل الأشد ولا الأضعف. لست تقول خمسة أشد من خمسة في (٢) أنها خمسة، ولا أضعف منها في ذلك أيضاً، وهكذا كل عدد، وكذلك لا تقول: زمان أشد زمانية من زمان ولا أضعف. وخاصة الكمية التي (٣) لا توجد في غير الكمية، ولا يخلو منها نوع من أنواع الكمية فهي مساو ولا مساو وكثير وقليل وزائد وناقص، فإنك تقول هذه العشرة مساوية للثمانية والاثنين، وغير مساوية للثمانية فقط، وهكذا في جميع أنواع الكمية. وهذه عبارة لم تعط اللغة العربية غيرها، وقد تشاركها فيها الكيفية، وهذا (٤) يستبين في اللغة اللطينية عندنا استبانة ظاهرة لا تختل (٥) ، وهي لفظة فيها تختص بها الكمية دون سائر المقولات العشر. وللكيفية أيضاً في اللطينية لفظة تختص بها اختصاصاً بيناً لا إشكال فيه، دون سائر المقولات، لا توجد لها ترجمة مطابقة في العربية، فإنما يصار في مثل هذا إلى الأبعد من الأشكال على حسب الموجود في اللغة، وبالله تعالى التوفيق [٢٣و] . وبهذا الذي ذكرنا يتبين (٦) أن الواحد ليس عدداً لأن العدد هو ما وجد عدد آخر مساو له، وليس للواحد عدد يساويه، لأنك إذا قسمته لم يكن واحداً بعد بل هو كسير (٧) حينئذ، وبهذا وجب أن الواحد الحق إنما هو الخالق المبتدئ لجميع الخلق، وأنه ليس عدداً ولا معدوداً، والخلق كله معدود.

стр. 1071

٣ - باب الكيفية تكاد الكيفية تعم جميع المقولات التسع، حاشا الجوهر، لكنها لما كانت جواباً فيما يسأل (١) عنه بكيف، لم تعمها عموماً كلياً مطلقاً، إذ من سأل: كيف هذا لم يجب: إنه سبع (٢) أذرع، ولا إنه أمس، ولا إنه في الجامع. والكيفية هو كل ما تعاقب على جميع الأجرام ذوات الأنفس، وغير ذوات الأنفس من حال صحة وسقم وغنى وعدم وخمول ولون، وسواء كانت الأمور التي ذكرنا مزايلة: كصفرة الخوف وحمرة الخجل وكدرة الهم، أو كانت غير مزايلة كصفرة الذهب وخضرة البقل وحمرة الدم وسواد القار وبياض البلور. ومن الكيفيات أيضاً جميع أعراض النفس من عقل وحمق وحزم وسخف وشجاعة وجبن وتمييز وبلادة (٣) وعلم وجهل ورضى وغضب وورع وفسق وإقرار وإنكار وحب وبغض (٤) ، ومنها الطعوم والروائح والمجسات وتراكيب الكلام والحر والبرد والصور في جميع (٥) الأشكال وسائر الأعراض، كل ذلك كيفية، والتضاد لا يكون إلا في الكيفيات خاصة، وليس يكون في كل كيفية، بل يكون (٦) في بعضها دون بعض، والكيفيات أنواع كثيرة جداً، ففي بعض أنواع الكيفية يقع التضاد، فيكون نوع منها ضداً لنوع آخر بذاتهما. ومن خواص الكيفيات أيضاً أنها قد يكون بعضها أشد من بعض، وبعضها أضعف من بعض، كما كان بعض الكميات أكثر من بعض، وبعضها أقل من بعض. فنقول: إن صوت الرعد أشد من صوت البط وريح المسك أعبق من ريح الصندل، وطعم العسل أحلى من طعم الحنظل (٧) ، وهكذا في الخشونة واللين والألوان وفي

стр. 1072

كثير من الكيفيات؛ وإنما ذلك منها فيما كانت له وسائط بين ضدين، وكانت تقبل المزاج ومداخلة بعضها بعضاً لا في كل كيفية على ما نبين في باب الكلام في التقابل إن شاء الله . وأما استواء أشخاصها تحت النوع الجامع لها وتحت (١) الجنس فلا يجوز أن يقع في شيء من ذلك تفاوت ولا تفاضل، ولا يجوز أن يقع في شيء من ذلك (٢) أشد ولا أضعف، ولا [٢٣ظ] يجوز أن نقول: لون أشد لونية من لون آخر، أي في أن كل واحد منهما لون؛ ولسنا نعني بذلك الإشراق أو الانكسار، وكذلك لا يكون صدق أصدق من صدق آخر ولا كذب أكذب من كذب آخر وإنما يتفاضل هذا في الإثم والاستشناع فقط، وإلا فكذب المزاح كذب بحت، والكذب على الخالق كذب بحت، وكذلك المحال كذب بحت (٣) متساو كل ذلك في أنه كذب استواءً صحيحاً، لا تفاضل فيه، ولا أشد ولا أضعف، لكن بعضها أعظم إثماً وأقبح في الشناعة من بعض. وكذلك لا يكون علم بشيء أصح من علم آخر بشيء آخر، ولا جهل بشيء أكثر من جهل بشيء آخر، ولا أشد ولا أضعف. فإن دخلت وسيطة الشك في شيء من ذلك، خرجت تلك الكيفية من أن تكون علماً جملة واحدة، ولم يقع ذلك الظن تحت نوع العلم. وكذلك لا يكون سواد أشد من سواد آخر إلا وقد داخل (٤) أحد السوادين بياض شابه أو حمرة أو خضرة أو صفرة. وكذلك لا تكون سرعة أشد من سرعة إلا وقد داخل إحداهما توقف في خلال الحركة. وهكذا كل ما يقال فيه أشد وأضعف، فتأمل هذا بعقلك تجده صحيحاً يقيناً لا محيد لك عنه أصلاً. وأما الخاصة التي تخص جميع الكيفيات ولا (٥) تخلو منها كيفية أصلاً فهي شبيه ولا شبيه، فإنك تقول هذا الصدق شبيه بهذا الصدق، وهذا الكذب غير شبيه

стр. 1073

بهذا الصدق، وهكذا في كل كيفية. وقد ذكرنا قبل أن هذه عبارة لم نقدر في اللغة العربية على أبين منها، ولهذا المعنى في اللطينية لفظة لائحة البيان غير مشتركة، ولم توجد لها في العربية ترجمة مطابقة لها فصير إلى أقرب ما وجد رافعاً للإشكال. والكيفيات أجناس وأنواع متوسطة، وأنواع أنواع، وذلك أن اللون نوع تحت الكيفية وجنس لما تحته، ثم البياض والحمرة والخضرة والصفرة أنواع تحت اللون وذوات أشخاص شتى، وهكذا كيفيات النفس: الفضيلة نوع (١) تحت الكيفية، والصبر نوع تحت الفضيلة، والحلم نوع تحت الصبر، وهذا كثير جداً. ونقول: إن الكيفيات تنقسم قسمين: جسمانية ونفسانية، فالجسمانية ما عمت الأجسام أو خصت بعضها كاللون والطعم والمجسة وغير ذلك، والنفسانية ما عمت النفوس أو خصت بعضها كالعقل والحمق والعلم والجهل والفكر والذكر والتوهم وسائر أخلاق النفس. ونقول أيضاً: إن القسمين اللذين ذكرنا ينقسم كل واحد منهما قسمين: أحدهما ما كان بالقوة، وهو ما كان يمكن ظهوره إلا أنه لم يظهر بعد، كقعود القائم وكفر المؤمن وإيمان الكافر وغضب الحليم وحلم الغضبان [٢٤و] وسواد ما يحمل الصبغ مما لم يصبغ بعد وما أشبه ذلك. والثاني ما كان بالفعل، وهو ما (٢) قد ظهر وعلم حساً أو بتوسط حس أو بالعقل، كحمرة الأحمر، وطول الطويل، وحلاوة الحلو، وإيمان المؤمن، وحلم الحليم، وما أشبه ذلك، فهذا هو معنى ما نفهمه بالحكاية (٣) عن الأوائل أنهم يقولون: هذا الأمر بالقوة، وهذا الأمر بالفعل، وإنما يعنون بالقوة الإمكان وما احتملت (٤) البنية أو الرتبة أن يوجد فيها أو بها، ويعنون بالفعل: الذي قد ظهر ووجد ووجب (٥) .

стр. 1074

ثم نقول: إن الكيفيات أيضاً تنقسم قسمين أحدهما يسمى: " حالاً " وهو ما كان سريع الزوال كالغضب الحادث والطرب الحادث وحمرة الخجل وصفرة الفزع والقيام والقعود وما أشبه ذلك؛ والثاني يسمى " هيئة " وهو ما لم يعهد زائلاً عما هو فيه، إلا أن يتوهم زواله ويبقى الذي هو فيه بحسبه: كطبع الشح وطبع النزق وطبع السخف وكزرقة الأزرق وفطسة الأفطس وما أشبه ذلك. وأما (١) الكيفية الجسمانية فهي تقع تحت الحواس وهي تنقسم قسمين: أحدهما يحيل ضده إذا لاقاه إلى طبعه فيسمى ذلك " فاعلاً " وهذا (٢) كالحر والبرد، فإن الحر إذا لاقى برداً لا يقاومه أكسب حامله حراً، والبرد إذا لاقى حراً لا يقاومه أكسب حامله برداً. والقسم الثاني يضعف هذا الأمر منه ويكثر فيه فعل القسم الأول، فيسمى هذا القسم الثاني " منفعلاً " وذلك مثل الرطوبة واليبس، فإن الحر إذا لاقى رطباً أيبسه، وقد يرطبه أيضاً، بأن تصعد إليه رطوبة. ووقوع الكيفية الجسمانية تحت الحواس ينقسم خمسة أقسام: أحدهما ما يدرك بحس البصر، والثاني ما يدرك بحس السمع، والثالث ما يدرك بحس الشم، والرابع ما يدرك بحس الذوق، والخامس ما يدرك بحس اللمس باليد أو بجميع الجسد. وكل هذه الحواس موصلات إلى النفس، والنفس هي الحساسة المدركة من قبل هذه الحواس المؤدية إليها. وهذه الحواس إلى النفس كالأبواب والأزقة والمنافذ والطرق. ودليل ذلك أن النفس إذا عرض لها عارض أو شغلها شاغل بطلت الحواس كلها، مع كون (٣) الحواس سليمة، فسبحان المدبر، لا إله إلا هو. وأما (٤) الذي يدرك بحس البصر فينقسم قسمين: أحدهما ما يدرك بالنظر بالعين مجرداً فقط، وليس ذلك شيئاً غير الألوان، والثاني ما أدركته النفس بالعقل والعلم وبتوسط اللون أو اللمس أو بهما جميعاً، كتناهي الطول والعرض، وشكل كل ذي

стр. 1075

شكل من مدور ومربع وغير ذلك، والحركة أو السكون أو [٢٤ظ] ضخم الجسم وضؤولته، وما أشبه ذلك. فإنك لما رأيت اللون قد انتهى وانقطع، علمت أن حامله قد تناهى فانتهى طوله، وكذلك علمت (١) بتناهيه من كل جهة كيفية شكل ذلك الجرم، وكذلك لما رأيت اللون منتقلاً من مكان إلى مكان علمت أن الحامل له منتقل (٢) ناقل له، وكذلك لما رأيت اللون ساكناً علمت أن حامله ساكن، وهذا كله (٣) يدركه البصير، والأعمى باللمس، كما قلنا في اللون، سواء سواء. فإنك إن لمست مجسة الشيء منتقلة، علمت أن حامل تلك المجسة متحرك، وإن لمستها ساكنة، علمت أن حاملها ساكن في مائية البصر وإدراكه (٤) . ومن هذا ما يدرك بتوسط اللون وحده والعقل فيوصلان إلى النفس ما أدركا وما فهم العقل بتوسط إدراكه وإدراك البصر معاً، كالمعاني المفهومة المعلومة من الخط في الكتاب، فإنك بتناهي ألوان الخطوط تعلم الحروف التي من تأليفها تفهم المعنى وكمعرفتك بهيئة الإنسان أنه خجل أو خائف أو مأسور أو غضبان أو ملك أو عالم وما أشبه ذلك. فمن معرفتك برؤية اللون ومعرفة الصفات عرفت من هو المرئي وما هو. وللكلام في مائية البصر وإدراكه للألوان مكان آخر. ولكن نذكر منه ها هنا طرفاً بحسب استحقاق هذا الديوان، وهو: إن البصر إذا لاقى ملوناً وانقطع علمت أن حامله قد انتهى وانتهى طوله، وكذلك علمت (٥) أنه خرج من الناظرين خطان يقعان على المرئي بلا زمان ويتشكل ذلك المرئي فيهما، وفي قوة الناظر قبول لجميع الألوان. وإنما قلنا بلا زمان، لأنك ترى الكواكب التي في الأفلاك البعيدة إذا أطبقت بصرك ثم فتحته بلا زمان. وكذلك إذا أطبقت بصرك ثم فتحته فإنك ترى أقرب الأشياء إليك في مثل الحال التي رأيت فيها الكواكب لا في أسرع منها، فصح أنه يقع على المرئي بلا زمان. وأيضاً فإن في الطريق إلى المرئي البعيد (٦) أشياء كثيرة لا يقع عليها البصر،

стр. 1076

إما بظلام (١) حواليها، وإما لاشتباه الألوان، فلو قطع الأماكن بنقلة زمانية لرأى الأقرب قبل الأبعد. وإنما قلنا بخروج الخطين من الناظرين دون الرأي الآخر الذي لبعض الأوائل، لأننا نقدر على صرف ذينك الخطين كيف شئنا، بمرآة تقابل مرآة أخرى فترد قوة النظر إلى قفا الناظر. وقد ترد ذينك الخطين أيضاً الأبخرة المتصاعدة والماء وغير ذلك، وبمرآة تنظر فيها فينعكس ذانك الخطان فترى وجهك. وكذلك أيضاً (٢) ينعكس الصوت الخارج من الصائح قبالة جبل بعد أن يقرع الجبل فيرجع إلى أذن ذلك الصائح، فيسمع صوته نفسه كأن مكلماً آخر رد [٢٥و] عليه مثل كلامه، وفي هذا كفاية. وأما المحسوس بالسمع فينقسم قسمين: أحدهما الإدراك بسمع الأذن نفسه بذاته بلا واسطة (٣) ، لكن بملاقاة الهواء المندفع ما بين المصوت، أي شيء كان، وما يقرع أو ما يقرعه، بالطبع الذي ركبه فيه الباري إلى صماخ (٤) أذن السامع. وهو يقطع الأماكن في مدة متفاوتة على قدر البعد والقرب وقوة (٥) القرع وضعفه، فلذلك صار بين أول القرع الذي هو عنصر الصوت وبين سماع السامع له مدة؛ وإنا نستبين (٦) ذلك إذا كان المصوت منك على بعد جداً فحينئذ يصح أن له مدة كالذي يشاهد (٧) من ضرب القصار الأرض بالثوب فنراه حين يفعله (٨) بلا زمان ثم يقيم (٩) حيناً، وحينئذ يتأدى إلينا الصوت. وهكذا القول في الرعود الحادثة مع البروق فإن البرق يرى أولاً حين حدوثه في الجو بلا مهلة ثم يقيم (١٠) حينئذ حيناً ثم يسمع الرعد، ذلك تقدير العزيز العليم.

стр. 1077

والقسم الثاني هو ما تدركه النفس بالعقل والعلم وبتوسط الصوت مثل تأليف اللحون وتركيب النغم ومعاني الكلام المسموع وما أشبه ذلك، إذ إنما تأدى إلينا كل ذلك بحاسة السمع وتوسطها. وبهذا القسم صح لنا أن نقول سمعنا كلام الله وسمعنا كلام النبي ﷺ وسمعنا كلام فلان وفلان ممن لم نشاهده وقدم زمانه من السالفين من البلغاء والشعراء وكل من حكي لنا كلامه. ومن ذلك تمييزك بالكلام من هو المتكلم وما حاله: أسائل أم ملك أم مريض وما أشبه ذلك، وكمعرفتك بالصوت ما هو المصوت وأي الأشياء هو. وأما المحسوس بالشم فهي الأرائح (١) من الطيب والنتن وما بينهما من الوسائط كروائح بعض المعادن (٢) وما أشبه ذلك. والشم هو إدراك النفس بتوسط الشم من الأنف تغيراً يحدث في الهواء الذي بينهما وبين المشموم وانفعالاً من طبع المشموم وانحلال بعض أجزائه من رطوباته. وقد تدرك النفس أيضاً بتوسط العقل والشم معرفة مائية المشموم الرائحة كمعرفتنا المسك بتمييزنا رائحته، والنتن كذلك، وكذلك سائر المشمومات. وأما المحسوس بالذوق فهو الطعوم كالحلاوة والمرارة والتفاهة والزعوقة (٣) والملوحة والحموضة والحرافة والعفوصة؛ وهو إدراك النفس بملاقاة أعضاء الفم جسم المطعوم (٤) ، لا بتوسط شيء (٥) بينها وبينه إلا انحلال (٦) ما ينحل من المطعوم من رطوباته فيمازج رطوبة الحنك واللسان والشفتين واللهوات. وقد تدرك الأعضاء [٢٥ظ] المذكورة أيضاً بعض الطعوم (٧) بتوسط الهواء وانحلال بعض أجزاء الطعوم فيه كالحنظل المدقوق؛ وقد تدرك النفس أيضاً بتوسط الذوق والعقل معرفة مائبة المذوق كمعرفتنا بذوق العسل في الظلام أنه عسل وكذلك غير ذلك من المذوقات ومعرفتنا بأنه عسل غير معرفتنا بأنه حلو. أما معرفة أنه حلو فبالذوق مجرداً وأما معرفة أنه عسل فبتوسط العقل والذوق معاً. وكذلك القول (٨) في الأقسام المتقدمة

стр. 1078

في سائر الحواس. وأما ما لا ينحل منه شيء فلا طعم له ولا رائحة كبعض الحجارة وكالزجاج وما أشبه ذلك، على قدر قوة ما ينحل من المذوق تدرك النفس طعمه. وأما المحسوس باللمس فهو ينقسم قسمين: أحدهما ما (١) تدركه النفس بملاقاة بشرة الجسد السليم لسطح الملموس بلا توسط شيء بينهما، إما من استواء أجزاء سطحه ويسمى ذلك املاساً (٢) ، وإما من ثباته فيسمى صلابة، وإما من تفرقها فيسمى تهيلاً أو تهولاً (٣) ، وإما من اختلاف أجزاء سطحه ويسمى (٤) ذلك خشونة. والثاني ما أدركته النفس بالعقل والعلم وبتوسط اللمس المذكور أو البصر كالذي قدمنا قبل من معرفة تناهي الجسم وكيفية الأشكال والحركة ومائية الملموس: أي (٥) شيء هو فإنه يعرف ما هو بتوسط العقل واللمس معاً أو بحس النفس مجرداً أو بتوسط (٦) اللمس وحده بلا عقل (٧) كالحر والبرد والرطوبة واليبس. فقد صح كما ترى أن العقل يشارك جميع الحواس فيما تدركه وينفرد عنها بالدلالة على أشياء كثيرة وإدراك أشياء جمة. ٤ - باب الإضافة الإضافة على الحقيقة: هي ضم شيء إلى شيء وها هنا عبارة أخرى أخص (٨) بالمعنى المراد بالإضافة في طريق الفلسفة وهي أن تقول: الإضافة هي نسبة شيء من شيء وحسابه منه، كالقليل الذي لا يكون قليلاً إلا بإضافته إلى ما هو أكثر منه ونسبته إليه وحساب قدره من قدره.

стр. 1079

وأما الغرض المقصود بالإضافة في هذا المكان (١) فهو نسبة شيئين متجانسين ثبات كل واحد منهما بثبات الآخر يدور عليه ولا ينافيه. ومعنى قولنا متجانسين أي أنهما تحت جنس واحد من المقولات العشر التي قدمنا أنها أجناس الأجناس. والمضافان هما الشيئان اللذان لا يثبت واحد منهما إلا بثبات الآخر. وبالجملة فإن الأوائل لما رأوا شيئين لا يثبت (٢) أحدهما إلا بثبات الآخر، رأوا أن (٣) ضم كل واحد منهما إلى صاحبه معنى ثالث غيرهما، فجعلوا ذلك [٢٦و] المعنى رأساً من رؤوس المقولات وهو الإضافة، فتكلموا عليه مجرداً، وإن كان لا يتجرد، لكن كما تكلموا على الكيفية مجردة وعلى الكمية مجردة، وعلى الجوهر مجرداً، وإن كان الجوهر لا يخلو أبداً من كيفية وكمية وزمان ومكان، ولا تخلو الكيفية من جوهر يحملها، ولا تخلو الكمية من معدود، ولا الزمان من ساكن أو متحرك، ولا المكان من متمكن، لكن لتخلص الأشياء المتغايرات ويتبين (٤) لكل طالب للعلم حكم كل شيء على انفراده، فإنما أتت البلية في الآراء والديانات من قبل امتزاج الكلام والضعف عن تخليص حكم كل شيء لما هو مخصوص به دون غيره. والمضاف ينقسم قسمين لنظير ولغير نظير، فالنظير هو الذي يتفق فيه المضافان بالأسم والإضافة معاً، كقولك: المصادق أو الجار أو الأخ أو المعادي (٥) فإنه لا يكون أحد مصادقاً لأحد إلا وذلك الآخر مصادق له وكذلك المعادي والأخ والجار. وأما (٦) الذي يخرج من باب هذه الإضافة فالصديق والعدو فقد يكون المرء صديقاً لمن ليس هو (٧) له صديقاً أي محباً وكذلك العدو فقد يعادي الإنسان من يحبه ككثير من الأبناء لآبائهم وبعض الأزواج لبعضهم. وأما غير النظير فينقسم قسمين: أحدهما ما كانت فيه ذات كل أحد (٨) من المضافين موجودة قبل الإضافة، مثل

стр. 1080

المالك والمملوك والزوج والزوجة، فإن المملوك قد يكون موجوداً فلم يكن أباً حتى وجد الابن، وبالجملة فاستحقاق أحد المضافين لاسم الإضافة بينهما سواء، لا يتقدم أحدهما الآخر فيها، وذلك لأنه إذا ذكر أحد المضافين بالاسم الذي يقتضي الإضافة دل ذلك على وجود الآخر ضرورة كقولنا أب، فإن هذا الاسم يقتضي ابناً مضافاً إليه ضرورة (١) ، وهكذا كل مضاف. وكذلك لا يجوز أن نقول ضعف إلا ووجب مضعوف، والمضعوف هو اسم لعدد يسمى النصف الثاني إذا أضيف إلى هذا النصف ضعفاً له، وهكذا القول في الصغير والكبير (٢) والقليل والكثير والخفيف والثقيل والرخو والمكتنز [٢٦ظ] والمساوي والمثل وغير ذلك مما يقتضي مضافاً إليه. والإضافة تقع في جميع المقولات إذا أصبت (٣) في إدارتها وإيقاع حكمها فإنك تقول في الكيفية: الهيئة هيئة للمتهيء بها، والمتهيء بالهيئة ذو هيئة، والجعد جعد بالجعودة، والجعودة جعودة للجعد، وكذلك العلم يقتضي عالماً والعالم فيما بيننا يقتضي علماً، وكذلك سائر الكيفيات (٤) . وكذلك جميع الكميات: فالعدد يقتضي معدوداً والمعدود يقتضي عدداً. وكذلك المكان يقتضي متمكناً والمتككن يقتضي مكاناً. وكذلك ذو (٥) الزمان يقتضي زماناً، والزمان يقتضي ذا زمان. وكذلك القيام والقعود والملك والفعل والانفعال. وإنما تكون الإضافة صحيحة إذا أصبت (٦) في لفظ إيقاعها وإدارتها. ولذلك قالت الأوائل إن الإضافة

стр. 1081

موجودة في المقولات كلها بالعرض لا بالطبع، أي أنها ليست موجودة في اقتضاء اللفظ لها على كل حال لأنك إذا قلت: الطائر بالجناح طائر كان غير مستقيم لأنك تجد ذا جناح لا يطير كالنعام وتجد ما قد ذهب جناحه بآفة وهو يسمى طائراً، ولكن إن قلت: ذو الجناح بالجناح ذو جناح والجناح لذي الجناح جناح كان قولك صحيحاً صواباً، فتحفظ من مثل هذا في مناظرتك وفي طلبك (١) الحقائق فإنك ربما ألزمت في شيء أنه يقتضي شيئاً آخر فتجيب إليه وذلك غير واجب عليك ولا لازم (٢) لك - على ما قدمنا - وهذا من أغاليط الأرذال الممخرقين، وذلك نحو قول بعض الكذابين: الفاعل من أجل فعله جسم، والباري جل وتعالى فاعل، فالباري جسم، فهذا فاسد جداً لما قد (٣) بينا لك لأنه ليس من أجل أن الفاعل فاعل وجب أن يكون جسماً، لكن الصواب في القضية أن نقول: الفاعل بالفعل فاعل أو ذو فعل فهذه قضية صحيحة تعلمها النفس بأول العقل. وقد غالط بعضهم أيضاً فقال: السميع بالسمع سميع والحي بالحياة حي فأرادوا أن يوجبوا للباري تعالى حياة وسمعاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ ونحن لم نسم الباري تعالى حياً من أجل وجود الحياة له فيلزمنا إضافة الحياة إليه، وكذلك التسمية له تعالى بأنه سميع بصير؛ وإنما سميناه حياً وسميعاً وبصيراً اتباعاً للنص لا لمعنى أوجب ذلك وليس شيء من ذلك مشتقاً من عرض فيه، تعالى الله (٤) عن أقوال الجهلة الملحدين، وعن أن (٥) يقع تحت الأجناس والأنواع وعن [٢٧و] حمل الأعراض فكل هذا تركيب لا يكون إلا في محدث وإنما هذه أسماء أعلام للباري تعالى فقط. وكذلك القول في أن المجداف للسفينة مجداف والسفينة بالمجداف سفينة خطأ لكن الصواب أن تقول المجداف للمجدوف مجداف والمجدوف بالمجداف مجدوف. وكذلك لو قال إنسان: الراس بالإنسان راس والإنسان بالرأس

стр. 1082

إنسان لكان خطأ، إذ قد يكون ذو رأس ليس إنساناً، لكن الصواب ذو الرأس بالرأس ذو رأس والرأس لذي الرأس رأس فهذه الرتبة هي غاية الصحة والإصابة. فهذه هي (١) الرؤوس الأربعة والست البواقي منها مركبات على ما يقع في أبوابها إن شاء الله تعالى (٢) . ٥ - باب القول على الزمان قد بينا في باب الكمية ما الزمان وما معنى هذه اللفظة وأنها مدة وجود الجرم ساكناً أو متحركاً، فلو لم يكن جرم لم تكن مدة، ولو لم تكن مدة لم يكن جرم. وقد ذكرنا في باب الإضافة وجه كون الزمان مضافاً، والله جل وتعالى (٣) ليس جرماً ولا محمولاً في جرم فلا زمان له ولا مدة، تعالى الله عن ذلك، ولو كانت له تعالى مدة لكان معه أول آخر غيره، ولو كان ذلك لوقع العدد عليهما ودخلا بعددهما تحت نوع من أنواع الكمية. ولو كان ذلك لكان تعالى محصوراً محدوداً (٤) محدثاً، تعالى الله عن ذلك. وهو تعالى لا يجمعه مع خلقه عدد إذ لا يكون الشيئان معدودين بعدد واحد إلا باجتماعهما في معنى واحد ولا معنى يجمع (٥) الخالق والخلق أصلاً. والزمان ينقسم ثلاثة أقسام: أحدهما مقيم وهو الذي يسميه النحويون فعل الحال ثم ماض ثم آت وهو الذي يسميه النحويون الفعل المستقبل. وقد أكثروا في الخوض في أيها قبل وإنما ذلك للجهل بطبائع الأشياء وحقائقها. وهذا أمر بين وهو أن الحال وهو الزمان المقيم أولها كلها لأن الفعل حركة أو سكون يقعان في مدة فإذا كان زمان الفعل أولاً لغيره من الأزمان، فالفعل الذي فيه أول لغيره من الأفعال ضرورة، والزمان المقيم أول الأزمنة كلها لأنه قبل أن يوجد مقيماً لم يكن موجوداً البتة ولا كان شيئاً أصلاً، وما ليس شيئاً فإنما هو عدم فلا وجه للكلام فيه بأكثر من أنه عدم ولا

стр. 1083

شيء. ثم لما وجد كان ذلك أول مراتبه في الحقيقة، ثم انقضى وصار (١) ماضياً وصح الكلام فيه لأنه قد كان حقاً [٢٧ظ] موجوداً. وإنما غلط من غلط في هذا الباب لوجهين: أحدهما أنه راعى حال نفسه فلما وجد نفسه مستقبلة للأمور قبل كونها وللزمان قبل حلوله وقبل مضي كل ذلك، قدر أن (٢) الزمان المستقبل قبل المقيم وقبل الماضي وهذا غلط فاحش وجهل شديد، لأنه موافق لنا من حيث لا يفهم. ألا ترى أنه إنما جعل الأول في الرتبة كونه مستقبلاً لما لم يأت وهذا هو الزمان المقيم على الحقيقة، وفعله لذلك هو فعل الحال لا غيره، وهو الذي قلنا فيه إنه أول الأزمنة والمقدم من الأفعال، ثم جاء ذلك الزمان المستقبل والفعل المنتظر معه بعد ذلك. والماضي أشد تحققاً من المستقبل لأن الماضي قد كان موجوداً ومعنى صحيحاً يحسن (٣) الأخبار عنه وتقع الكمية عليه والكيفية، والمستقبل بخلاف ذلك كله. واعلم أن الموجود من هذه الأزمنة هو المقيم وحده، والموجود من الأفعال هو المسمى حالاً الذي هو في الزمان المقيم، لأن الماضي إنما كان موجوداً وثابتاً وصحيحاً وحقيقة وشيئاً إذ كان مقيماً، ثم لما انتقل عن رتبة كونه مقيماً عدم وبطل وتلاشى. والمستقبل إنما يوجد ويصح ويثبت ويصير حقيقة وشيئاً إذا صار مقيماً وأما قبل ذلك فليس شيئاً وإنما هو عدم وباطل. فتدبر هذا بعقلك تجده ضرورياً يقيناً لا محيد عنه ولا سبيل إلى غيره إلا لمن كابر حسه وناكر عقله، نعوذ بالله من ذلك. والوجه الثاني أن الذي لم يحقق النظر لما لم يقدر على إمساك الزمان وقتين تفلت عليه ضبط الزمان المقيم ولم يكد يتحقق ذلك لحسه. فليعلم (٤) أن الزمان لا يثبت وإنما هو منقض أبداً شيئاً بعد شيء، والزمان المقيم هو الآن؛ فإن قولك " الآن " هو فصل موجود أبداً بين الزمان الماضي والزمان الآتي؛ والآن هو الموجود في الحقيقة من الزمان أبداً، وما قبل الآن

стр. 1084

فماض وما بعد الآن فمستقبل؛ إلا أن العبارة في اللغة العربية عن الزمان المقيم والزمان المستقبل بلفظ واحد وهو في اللغة الأعجمية بصيغتين مختلفتين وذلك أوضح في البيان والإفهام. إلا أن في اللغة العربية إذا أردت تخليص المستقبل محضاً ورفع الاشكال عنه أدخلت عليه (١) السين أو سوف فقلت سيكون أو سوف يكون فأتى المستقبل مجرداً مخلصاً. وإن شئت زدت لفظاً غير هذا [٢٨و] وهو مثل قولك غداً أو بعد ساعة أو فيما يستأنف أو ما أشبه ذلك من الألفاظ (٢) التي تحدد (٣) معنى الاستقبال مخلصاً بلا إشكال. والزمان مركب من جرم ومن كيفية في سكونه أو حركته ومن عدد أجزاء سكونه أو أجزاء حركاته فلذلك لم يكن رأساً مع الأربع المقولات المتقدمات. والقبل والبعد واقع في الزمان بإضافة بعضه إلى بعض، والله أعلم. ٦ - باب القول في (٤) المكان المكان (٥) هو ما كان جواباً في السؤال بأين: فتقول أين محمد فيقول المجيب: في المسجد أو في القصر أو في منزله أو ما أشبه ذلك. والمكان لا يكون البتة إلا جرماً، لا يجوز غير ذلك. وإنما تركب المكان من جرم أضيف إلى جرم بمعنى أنه لاقى أحد سطوح المكان أحد سطوح المتمكن أو بعضها أو جميعها على حسب تمكن المتمكن في المكان. والمتمكن مع المكان ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون المتمكن متشكلاً بشكل المكان الذي هو فيه وذلك مثل كل شيء مائع الأشياء أو منثورها، في كل شيء (٦) جامد الأجزاء أو مجموعها، كالماء في الخابية فإنه يتشكل بشكل الخابية (٧) حتى لو تمثلته قائماً لرأيته في صفة الخابية نفسها، وترى ذلك عياناً إذا جمد الماء (٨)

стр. 1085

فيها بعد ميعانه وانكسرت الخابية، وكالبر والدقيق في الإناء المربع أو المثلث أو غير ذلك من الأشكال فإنك ترى كل ذلك أيضاً متشكلاً بشكل إنائه أو البيت الذي هو فيه على ما قدمنا قبل، فهذا قسم. والقسم الثاني أن يكون المكان متشكلاً بشكل المتمكن فيه وذلك معكوس القسم الذي ذكرنا قبل، وهو كون كل جامد الأجزاء أو مجتمعها في كل مائع الأجزاء أو منثورها ككون الجرم في الماء أو في الهواء فإن مكانه فيهما متصور بصورته، ويمثل ذلك بجرم بيضة أو عود أدخلته في ماء فجمد الماء حواليه (١) بعد أن كان مائعاً فإنك تجده متشكلاً بشكل ما هو فيه أي متصور بصورته وهيئته. وكذلك كون الحجر في الدقيق أو البر فإن مكانه متشكل بشكله. والهواء جرم من الأجرام ذو جهات ست قابل للمتضادات من الحر والبرد والرطوبة واليبس إلا أنه لما لم يكن ملوناً لم تقع عليه حاسة البصر فلم ير. وأنت تعلم أنه جرم بحركتك يدك أو المروحة أو إذا (٢) عدا بك فرس سريع فإنك تجد جرماً ملاقياً لك تحسه حساً قوياً لا ينكره إلا جاهل سخيف أو معاند. وكون الأجرام فيه متمكنة وهو مكان لها ككون الحيوان المائي في الماء، متى أنتقل [٢٨ ظ] جرم من الأجرام التي في الهواء أو الماء من المكان الذي كان فيه إلى مكان آخر انتقل ما كان في مكانه الذي صار إليه من الهواء ومن الماء إلى المكان الذي كان فيه إلى مكان آخر انتقل ما كان في مكانه الذي صار إليه من الهواء ومن الماء إلى المكان الذي خرج عنه؛ والخلاء باطل وتفسيره مكان لا متمكن فيه، إذ المكان والمتمكن من باب الإضافة، فلا يكون متمكن إلا في مكان ولا مكان إلا لمتمكن ضرورة. والبرهان على بطلان الخلاء لذكره مكان غير هذا، إلا أنا ندل منه على طرف كاف إن شاء الله لنتم الكلام في طبيعة المكان وهو ما تراه من فعل الإناء المتخذ للهو الصبيان المسمى سارقة الماء وفعل الزراقة والمحجمة، فإن هذه الأشياء تستحيل بها الأشياء الثقال التي من طبعها الرسوب عن طبائعها في السفل إلى الارتفاع والتصعد

стр. 1086

لأنه لو خرج (١) الهواء من هذه الأشياء أو الماء ولم يستخلف مكان كل ذلك جرماً آخر لكان ذلك المكان خالياً، ولو كان ذلك لصح الخلاء، فلما لم يكن ذلك أصلاً بوجه من الوجوه علمنا أن الخلاء محال معدوم لا سبيل إليه. وفي هذا كفاية (٢) . فإن قال قائل: إذا كان كل (٣) جرم يقتضي مكاناً وكان كل مكان جرماً (٤) فكل مكان يقتضي مكاناً أبداً. وأراد بهذا أن يثبت أن لا نهاية لجرم العالم فهذا شغب فاسد. وقد أوضحنا تناهي جرم الفلك والعالم في " كتاب الفصل (٥) " فأغنى عن ترداده إلا أنا نذكر ها هنا منه طرفاً ليتم الغرض إن شاء الله. وإنما نورد في هذا الكتاب ما يليق بمعناه المقصود فيه، بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن الجرم واقع تحت الكمية بذرعه على ما قدمنا وكرة العالم جرم قد ظهر بالفعل، فالعدد واقع على مساحته ضرورة، ولا يقع العدد إلا على محصور به أي معدود به، وقد قدمنا أنه لا عدد إلا وله أعداد أخر إذا جمعت كانت له (٦) مساوية، ولا تقع المساواة إلا في متناه ضرورة، وكل ما وقع عليه الإحصاء بالعدد والكمية فمتناه ولا بد، وأيضاً فكل عدد خرج إلى حد الفعل فذو أجزاء كنصف وثلث وما أشبه ذلك وكل هذا يوجب النهاية يقيناً وهذا من باب الإضافة، فالفلك الذي هو محيط بالعالم كله متناه (٧) ضرورة.

стр. 1087

فإن قال قائل: فإن الفلك له مكان (١) قيل له، وبالله تعالى التوفيق: كل جزء منه فالجزء الملاصق له هو مكان له لا مكان له غيره البتة، وحركته دورية لا ينتقل بها عن مكانه لكن يصير كل جزء حيث كان الذي يليه فقط، إلا أن الصفحة العليا منه لا يلاصقها من أعلاها شيء أصلاً بوجه من الوجوه لا خلاء ولا ملاء، ولا فوقه لا مكان ولا متمكن ولا مساحة [٢٩و] ولا شيء (٢) يقع عليه الوهم بوجه من الوجوه. وقد قدمنا أن كل جرم فذو ستة سطوح: فوق وأسفل ويمين وشمال وأمام ووراء، والفوق والأسفل قد يقع في الإضافة لأنه توجد أشياء هي فوق أشياء وتحت أخر، وقد لا يقعان أيضاً في باب الإضافة من هذا الوجه فإن صفحة الفلك العليا فوق لا فوق له أصلاً، فليست تحتاً لشيء البتة، ومركز كرة الأرض تحت لا تحت له أصلاً فليس فوقاً لشيء البتة. والمركز المذكور مبدأ من قبلنا وصفحة الفلك العليا نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي وراءه. ولسنا نعني بهذا إثبات أن له وراء، بل إنما نعني أنه متناهي الذرع لا وراء له ولا فوق ولا بعد أصلاً. وهكذا مرادنا في قولنا إن زماناً سابقاً لم يكن قبله زمان إنما مرادنا بذلك أنه ذو مبدأ وليس لذلك المبدأ قبل فيكون قد تقدمه زمان. وصفحة الفلك العليا مبدأمن قبل الطبيعة الكلية أي وجود الأشياء وعمومها وإحاطتها. والمركز المذكور نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي بعده، فجل الخالق الأول لا إله إلا هو. والمكان مركب من كيفية وجوهر مع جوهر. ٧ - باب النصبة النصبة كيفية صحيحة لا شك فيها وهي نوع من أنواع الكيفية، إلا أنهم خصوا بهذا (٣) الاسم نعني (٤) النصبة هيئة المتمكن في المكان كقيامه فيه أو قعوده أو بروكه أو اضطجاعه وما أشبه ذلك.

стр. 1088

٨ - باب الملك الملك إضافة صحيحة إلا أنهم خصوا بهذا الاسم نعني الملك ما كان من الإضافة متملكاً للجوهر كالأموال وما أشبهها وهذا حقيقة الملك. وهو (١) مركب من جوهر مع جوهر وإضافة إلا أن بعض الأوائل أدخلوا في الملك قولك: لفلان يد ورجل وبه حرارة وما أشبه ذلك، وهذا عندنا قضاء فاسد فلا وجه للاشتغال به إذ غرضنا الحقائق وما قام به (٢) برهان أو جزء من برهان يوصل إلى معرفتها، وبالله تعالى التوفيق لا إله إلا هو (٣) . ٩ - باب الفاعل الفعل تأثير يكون من الجرم المختار أو المطبوع في جرم آخر، فإما أن يحيله إلى طبعه فيخلعه عن نوعه ويلبسه نوع نفسه، وإما أن يحيله عن بعض [٢٩ظ] كيفياته إلى كيفيات أخر، وإما أن يفعل فعلاً مجرداً كالمتحرك والقائم (٤) والمتفكر وما أشبه ذلك. فأما (٥) القسمان الأولان فالأول منهما كفعل (٦) النار في الماء والهواء فإنها تخلعهما عن صفات أنواعهما (٧) الجوهرية وتكسوهما صفات نوعها الجوهرية (٨) أي تحيلهما ناراً. وكالآكل فإنه يحيل طبيعة ما أكل إلى نوعه. وأما الثاني فكفعل السكين والحجر والقاطع بهما فإنهما يحيلان عن الاجتماع إلى الافتراق ومثل ذلك كثير، وكطبع العناصر المركب منها الإنسان في أن يحيل كل

стр. 1089

قوي (١) منها ما لاقى من سائرها إلى نوعه، ووجد (٢) ذلك في كل ما تركب منها فكل امريء يريد التكثر بغيره في أعراضه، تبارك المدبر لا إله إلا هو. والفعل ينقسم قسمين: إما فعل يبقى أثره بعد انقضائه كفعل الحراث والنجار والزواق، وإما فعل لا يبقى أثره بعد انقضائه كالسابح والماشي والمتكلم وما أشبه ذلك. والفاعل والمنفعل مركبان من جوهر وجوهر وكيفية. ١٠ - باب المنفعل المنفعل هو المتهيء لقبول الفعل الذي ذكرنا كالمحترق والمستحيل بالنار والمنقطع بالسكين والمخيط بالإبرة وما أشبه ذلك؛ وهذه الأشياء كلها وإن كانت إنما تكون بمعاناة (٣) غيرها فلولا أن قبول التأثير في طباعها لم يمكن الفاعل فيها أن يفعل شيئاً فيها (٤) البتة؛ فإن لم يكن ذلك كذلك فليخط بقناة (٥) أو بموزة أو يحرق بنفخة أو يقطع (٦) برجله. وهذه المعارضات شغب وسفسطة من المعترضين بها القائلين: لم تحترق النار وإنما أحرق بها الإنسان ولا قطعت السكين وإنما قطع الإنسان بها فأردنا بيان أن في السكين قوة وفي النار كذلك لولاهما ما أمكن الإنسان أن يفعل بهما فعلاً مما يحدث عنهما. واعلم أن المنفعل أيضاً يؤثر في الفاعل فيه (٧) لا بد من ذلك إلا أنه أقل تأثيراً، فأنك لو أدمت (٨) الإدارة بضابط حديد ذكر صقيل في رق أملس رطب لأثر ذلك مع الطول في الضابط تأثيراً يظهر إلى كل من له أدنى حس ظهوراً لائحاً واضحاً. وهكذا كل مؤثر في العالم ولا تحاش شيئاً أصلاً وإن بعد عن حسك، فإن مع الطول والتمادي ومرور الدهور المتواترة يظهر ظهوراً جلياً ولو أنه جر إصبع على حديدة،

стр. 1090

فسبحان المؤثر الحق الذي لا يؤثر فيه شيء لا إله إلا هو. وهذه مرتبة (١) تقتضي وجود الخالق المؤثر الذي ليس مؤثراً فيه [٣٠و] ضرورة على ما بينا في كتاب الفصل. وذكر الأوائل أن أسطقسين من الأسطقسات (٢) الأربعة فاعلان وهما: الحرارة والبرودة، وأن اسطقسين منهما منفعلان (٣) وهما: الرطوبة واليبوسة، وهذا حكم صحيح، ومرادهم بذلك أن الحرارة والبرودة إذا لقيا شيئاً ما رداه إلى طبعهما ولا تفعل ذلك الرطوبة ولا اليبوسة. فإن قال قائل: قد ترطب الرطوبة ما قابلت، وتيبس اليبوسة ما لقيت، فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن القضايا التي يوثق بها هي التي تصدق أبداً، لا التي تصدق مرة وتكذب أخرى (٤) ؛ وليس كل شيء يرطب بملاقاة الرطب، ولا كل شيء ييبس بملاقاة اليابس. فلو ألقيت حديدة في ماء وأبقيتها (٥) فيه ما شاء الله أن تبقى لم ترطب ولا يبس (٦) الماء من أجل ملاقاة الحديد، وأما الحر إذا لاقى شيئاً فلا بد من (٧) أن يحره ضرورة، وكذلك البارد لا يلقى شيئاً إلا برده وبالله تعالى التوفيق. انتهى الكلام في المقولات العشر والحمد لله كثيراً (٨) . ج باب الكلام على الغير والمثل والخلاف والضد والمنافي والمقابلة والقنية والعدم وتفسير معاني هذه الأسماء قد قدمنا مرادنا بقولنا شخص وأشخاص، وأخبرنا أننا لا نعني بذلك الجرم وحده لكن كل جزء مجتمع منفرد من جرم أو عرض محمول في جرم. فنقول: شخص
следующие страницы →