← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المجهد لنفسه في تلقيه (١) وتقييده لا يحصل من تمامه لديه إلا على البصر (٢) في معاناة مرض لا يدري أيتم له غرض من برئه أم لا يتم. ثم إن تم فليس على ثقة من عود ذلك الداء بعينه أشد ما كان، أو حدوث داء آخر مثل الذي استنفد طوقه في معاناته (٣) وأعضل منه. وأما المضمون المحتوم فإنه لا يقدر على دفع الموت إذا حل، ولا على علاج الزمانة إذا استحكمت؛ ولعل ذلك يحدث بمن أتعب نفسه في مداواته في أسرع من كر (٤) الطرف. فمن تأمل ما ذكرنا، علم أن المنفعة بما قصد به من العلوم إلى المنفعة الخاصة، قليلة جداً وضعيفة العائدة جملة. إلا أن هذين الوجهين (٥) وإن كانا وتحي النفع قليلي الإجزاء (٦) لا تصالهما (٧) بالتعب في اقتناء العلم الذي هو سببهما، فلهذا حظ من النفع. وإنما الداء العياء، والذم الكامل، والخسارة المحضة، حال من اقتنى أرفع العلوم ليحصل به على كسب ال من غير وجهه، وصرف ما علم في غير طريقه، فإن حال الجاهل الخاملة أجل (٨) من حال العالم، لما ذكرنا. ونسأل الله التوفيق ونعوذ به من الخذلان. فإذ الأمر كما ذكرنا، فأفضل العلوم ما أدى إلى الخلاص في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء. فطالب هذه العلوم لهذه النية هو المستعيض تبعبٍ يسير راحة الأبد، وهو ذو الصفقة الرابحة والسعي المنجح الذي بذل قليلاً واستحق كثيراً،

стр. 982

وأعطى تافهاً وأخذ عظيماً (١) . وهو الذي عرف ما لا يبقى معه فزهد فيه، وميز ما لا يزايله فسعى له، ونسأل الله أن يجعلنا في عدادهم بمنه آمين. وباليقين يدري كل ذي [لب] (٢) سليم أنه لا يتوصل إلى العلوم إلا بطلب، ولا يكون الطلب إلا بسماع وقراءة وكتاب، لا بد من هذه الثلاث خصال، وإلا فلا سبيل دونها إلى شيء من العلوم ألبتة. فإذ ذلك كذلك فلنتكلم بعون الله تعالى على وجه التوصل إلى العلوم، وبيان أفضلها صفةً وأعلاها قدراً، والذي بالناس إليه الضرورة الماسة، والفاقه الشديدة، والحد الذي لا يجزئ منه ما دونه، والنهاية التي لا وراء لها منه. فالواجب على من ساس صغار ولدانه وغيرهم أن يبدأ منذ أول اشتدادهم وفهمهم ما يخاطبون به، وقوتهم على رجع الجواب وذلك يكون في خمس سنين أو نحوها من مولد الصبي فيسلمهم [إلى مؤدب] (٣) في تعليم الخط وتأليف الكلمات من الحروف، فإذا درب الغلام في ذلك، درس (٤) وقرأ. والحد الذي لا ينبغي أن يقتصر المعلم على أقل منه أن يكون الخط قائم الحروف، بيناً صحيح التأليف الذي هو الهجاء، فإن الخط إن لم يكن هكذا لم يقرأ إلا بتعب شديد. وأما التزيد في حسن الخط فليس هو فضيلة بل لعله داعية إلى التعلق بالسلطان، فيفني دهره إما في ظلم الناس، وإما في تسويد القراطيس بتواقيع بعيدة (٥) من الحق، مشحونة بالكذب والباطل، فيضيع زمانه باطلاً، وتخسر صفقته، ويندم حين لا ينفعه الندم، وكان كإنسان مسكاً كثيراً فترك أن يصرفه في التطييب به ومداواة النفوس بريحه وفغوته (٦) وأقبل يطيب به البهائم، ويصبه في الطريق حتى فني في غير فائدة. فهذا [حدّ] تعليم الكتاب.

стр. 983

وحد تعلم القراءة أن يمهر في القراءة لكل (١) كتاب يخرج من يده بلغته التي يخاطب بها صقعه، وينفذ فيه، ويحفظ مع ذلك القرآن، فإنه يجمع بذلك وجوهاً كثيرة عظيمة، أحدها التدرب في القراءة له وتمرين (٢) اللسان على تلاوته فيحصل من ذلك حداً، إلى ما يحصل من عهوده الفاضلة ووصاياه الكريمة، ليحدها عدةً عنده مدخرةً لديه قبل حاجته إليها يوم حاجته إليها (٣) . فإذا نفذ في الكتاب والقراءة كما ذكرنا. فلينتقل إلى علم النحو واللغة معاً: ومعنى النحو: هو معرفة تنقل هجاء اللفظ وتنقل حركاته الذي يدل كل ذلك على اختلاف المعاني كرفع الفاعل ونصب المفعول، وخفض المضاف، وجزم الأمر والنهى، وكالياء في التثنية والجمع، في النصب وخفضهما، وكالألف في رفع التثنية، والواو في رفع الجمع وما أشبه ذلك. فإن جهل هذا العلم عسر عليه علم ما يقرأ من العلم. واللغة: هي ألفاظ يعبر عن المعاني فيقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس وكتبهم المؤلفة، ويقتضي من اللغة المستعمل الكثير التصرف. وأقل ما يجزئ من النحو " كتاب الواضح " للزبيدي (٤) أو ما نحا نحوه " كالموجز " لابن السراج (٥) ، وما اشبه هذه الأوضاع الحقيقة، وأما التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأكود، ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي تكاذيب فما وجه الشغل بما هذه صفته وأما من هذا العلم فهي المخاطبة،

стр. 984

وما بالمرء حاجة إليه في قراءة (١) الكتب المجموعة في العلوم فقط. فمن يزيد في هذا العلم إلى إحكام كتاب سيبويه فحسن، إلا أن الاشتغال بغير هذا أولى وأفضل، لأنه لا منفعة للتزيد على المقدار الذي ذكرنا إلا لمن أراد أن يجعله معاشاً، فهذا وجه فاضل لأنه باب من العلم على كل حال. والذي يجزئ من علم اللغة كتابان: أحدهما " الغريب المنصف " لأبي عبيد، والثاني " مختصر العين " للزبيدي، ليقف على المستعمل بهما، ويكون ما عدا المستعمل منهما عدة لحاجة إن عنت يوماً ما في لفظ مستغلق فيما يقرأ من الكتب. فإن أوغل في علوم اللغة حتى يحكم " خلق الإنسان " لثابت، و " الفرق " له (٢) ، و " المذكر والمؤنث " لابن الأنباري و " المدود والمقصور والمهموز " لأبي عليّ القالي و " النبات " لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري، وما أشبه ذلك فحسن بخلاف ما قلنا في علل النحو، لأن اللغة كلها حقيقة وذات أوضاع صحاح وعبارات عن المعاني، ولو كانت اللغة أوسع حتى يكون لكل معنى في العالم أسم مختص به، لكان أبلغ للفهم وأجلى للشك وأقرب للبيان، إلا أن الاقتصار على المقداد الجاري مما ذكرنا، والانصراف إلى الأهم والأوكد من سائر العلوم، أولى. وإن كان مع ما ذكرنا رواية شيء من الشعر فلا يكن إلا من الأشعار التي فيها الحكم والخير، كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ﵃، وكشعر صالح بن عبد القدوس ونحو ذلك، فإنها نعم العون على تنبيه النفس. وينبغي أن يتجنب من الشعر أربعة أضرب: أحدها: الأغزال والرقيق: فإنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة، وتحض على الفتوة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات (٣) وتسهل الانهماك في الشطارة والعشق وتنهى عن الحقائق، حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك والفساد في الدين وتبذير

стр. 985

المال في الوجوه الذميمة وإخلاق وإذهاب المروءة وتضييع الواجبات. وإن سماع شعر رقيق لينقض بنية المرء الرائض لنفسه حتى يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهة، لا سيما ما كان يعني (١) بالمذكر وصفة الخمر والخلاعة، فإن هذا النوع يسهل الفسوق ويهون المعاصي ويردي جملة. والضرب الثاني: الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب كشعر عنترة وعروة بن الورد وسعد (٢) بن ناشب وما هنالك، فإن هذه أشعار تثير النفوس وتهيج الطبيعة وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق، وربما أدته إلى هلاك نفسه في غير حق، وإلى خسارة الآخرة، مع إثارة الفتن وتهوين الجنايات والأحوال الشنيعة والشره إلى الظلم وسفك الدماء. والضرب الثالث: أشعار التغرب، وصفات المفاوز والبيد المهامه، فإنها تسهل التحول والتغرب وتنشب المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى. والضرب الرابع: الهجاء، فإن هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه، فإنه يهون على المرء الكون في حالة أهل السفه من كناسي الحشوش (٣) والمعاناة لصنعة الزمير المتكسبين بالسفاهة والنذالة والخساسة وتمزيق الأغراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآباء والأمهات، وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة. ثم صنفان من الشعر لا ينهى عنهما نهياً تاماً ولا يحض عليهما بل هما عندنا من المباح الكروه وهما: المدح والرثاء: فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الموت والممدوح، وهذا يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال، وأما كراهتنا لهما فإن أكثر ما في هذين النوعين الكذب، ولا خير في الكذب. وأيضاً فإن الإكثار من رواية الشعر، هو كسب غير محمود، لأنه [من] طريق

стр. 986

الباطل والفضول، لا من طريق الحق والفضائل، ولا يظن ظان أن هذا علم جهلناه فذممناه، فقد علم من داخلنا أو بلغه أمرنا كيف توسعنا في رواية الأشعار، وكيف تمكنا من الإشراف على معانيها، وكيف وقوفنا على أفانين الشعر ومحاسنه، ومعانيه وأقسامه، وكيف قوتنا على صناعته، وكيف تأتي مقصده ومقطوعه لنا، وكيف سهولة نظمه علينا في الإطالة فيه والتقصير (١) ، ولكن الحق أولى بما قيل. فإذا بلغ المرء من النحو واللغة إلى الحد الذي ذكرنا فلينتقل إلى علم العدد، فليحكم الضرب والقسم والجمع والطرح والتسمية، وليأخذ طرفاً من المساحة، وليشرف على الأرثماطيقي وهو علم طبيعة العدد وليقرأ كتاب أقليدس قراءة متفهم له، واقفٍ على أغراضه، عارفٍ بمعانيه، فإنه علم رفيع، به يتوصل إلى معرفة نصبة الأرض ومساحتها وتركيب الأفلاك ودورانها ومراكزها وأبعادها، والوقوف على براهين كل ذلك وعلى دوران الكواكب وقطعها في البروج، فهذا علم رفيع جداً يقف به المرء حقيقة تناهي جرم العالم وعلى آثار صنعة الباري في العالم، فلا يبقى له إلا مشاهدة الصانع فقط؛ وأما الصنعة والإدارة والتركيب، فقد شاهد كل ذلك بوقوفه على ما ذكرنا. وبمطالعته كتاب المجسطي يعرف الكسوفات وعروض البلاد وأطوالها والأوقات وزيادة الليل والنهار والمد والجزر ومنازل الشمس والقمر والدراري. وأما الإيغال في المساحة فمنفعته في جلب المياه ورفع الأثقال وهندسة البناء وإقامة الآلات الحكمية. وأما الاشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له، ولا يخلو من أن يكون ما يحكون من قضاياها حقاً أو باطلاً، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كانت حقاً فما لها فائدة إلا استعجال الهم والغم والبؤس والنكد، لتوقع المرض والنكبات وموت الأحبة وانقطاع كمية العمر ومعرفة فساد المولد. فإن قالوا إنه قد يمكن دفع ما يتوقع من ذلك فقد قضوا بأنها لا حقيقة لها، إذ الحق الحتم لا سبيل إلى رده. وإن كانت باطلاً

стр. 987

فأهل (١) أن لا يشتغل به. ونقول قولاً صحيحاً متيقناً ليعلم كل ذي عقل ينصح نفسه بأنه لا سبيل إلى قلب الأنواع وإحالة الطبائع، فمن اشتغل بشيء من هذين العلمين، فإنما هو إنسان محروم مخذول يطلب ما لا يجد أبداً، وبالجملة فليس القضاء بالنجوم علم برهان، وإنما هي تراعي (٢) أبداً، وبالجملة تجارب، وإذ هي كذلك، فباطل بلا شك، لأن التجارب لا تكون إلا بتكرير الحال مراراً كثيرة جداً على صفة واحدة لا تستحيل أبداً (٣) والنصبة التامة من الكواكب لا تعود إلا إلى عشرة آلاف من السنين، ولا سبيل إلى ضبط تجربة مثل هذه إلا بتداول قومٍ متعاقبين لرصد تلك النصب (٤) ؛ وباليقين ندري أنه لا يبقى فيما انحدر عن شرق العمود مملكة عشر الدور، فكيف الدور كله وإذا ذهبت المملكة لم تذهب إلا بحروف وغارات وسوء حال وفساد بلاد وحدوث أخر، وهذا كله يذهب علوم تلك المملكة ورتبها وأرصادها وأكثر أخبارها بل كلها، فلا سبيل مع ذلك إلى اتصال رصد هذه المدة كلها، فكيف يمكن دوام التجربة تكراراً دوراً بعد دور وما عندنا تاريخ أبعد من تاريخ التوراة وليس له إلا ثلاثة آلاف سنة فقط، فأين يقع مما نريد (٥) وأما تاريخ الفرس [فما] عندنا أخبار لهم فاشية محققة إلا عن عهد ملوك الساسانية وذلك أقل من ألف عام، وكذلك تاريخ الروم. وأما تاريخ القبط والسريانيين وأدوم وعمون وموآب وسائر تلك الأمم، فما لهم اليوم في الدنيا خبر ولا أثر، فكيف تبقى أرصاد المدة المذكورة وأما الهند والصين فلم تبلغنا آثارهم كما نريد، ولعل لهم أرصاداً قديمة، فإنهما

стр. 988

مملكتان لسمتا من الآفات على مر الدهور. على أن أهل الصين ليسوا أهل علوم ألبتة، وإنما هم أهل صناعات، فلعل هذا يكون بالهند. فإن لم يكن فمضمون عدمه من العالم - هذا إلى ما شروط علم القضاء من الصفات التي لا سبيل لمن يدعي علمها إلى استيفائها (١) : من معرفة مواقع السهام ومطارح الشعاعات والدرج النيرة والمظلمة، والقتمة والآبار (٢) ، وخواص الدراري في كل برج، والكواكب البيبانية (٣) وغير ذلك مما لا يمكنهم توفيته حقه على أصولهم. فإذا كان ذلك كذلك، فتحقيق علمهم في القضاء لا سبيل إليه ألبتة؛ ولا يحصى كم شهدنا لهم من القضايا المحققة المتفق عليها من أهل الإحسان لهذا العلم؛ على ما في كتبهم، فما صدق منها شيء إلا الأقل النزر الذي يصدق بالتقدير أكثر منه، نعني من المواليد التي لا شيء في علمهم أحق منها. وأما المناخات وتحاويل السنين والقرانات الصغار فيعلم الله أننا ما رأيناهم صدقوا منها في قضية أبداً، كل سنة رأينا، وما وجدنا أكثر كلامهم في ذلك إلا على ظاهر الرأي والتقدير فقط (٤) ، ولو لم يكن من مظاهر الدعوى إلا قولهم زحل يشرف في برج كذا، ويسقط في برج كذا (٥) ، وكذا سائر الدراري. ودعواهم في وجوه المطالع وسائر تلك الخرافات، فإنهم لا يأتون على ذلك لا ببرهان ولا بإقناع ولا بشغب وإنما هو " اسمع واسكت وصدق الأمير ". وما كان هذا سبيله فلا ينبغي أن يشتغل به عاقل اشتغال معتد به علماً، إلا أنه لا ينبغي لطالب الحقائق أن يخلوا من النظر فيه ليعرف أغراضهم، ويريح نفسه من تطلعها إلى الوقوف [عليها] ، وليفيق من دعاويهم ومخرقتهم، ويزيل عن نفسه الهم إذا عرف لا فائدة فيه. ولقد حدثني شيخنا يونس بن عبد الله القاضي (٦) قال:

стр. 989

سمعت يحيى بن مجاهد الفزاري الزاهد يقول: هذا كان أوان طلبي للعلم إذ قوي فهمي واستحكمت إرادتي. فقلت له: فعلمنا الطريق، لعلنا ندرك ذلك بوصاتك، في استقبال أعمارنا قال: نعم كنت آخذ من [كل] علم طرفاً، فإن سماع الإنسان قوماً يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غمة عظيمة، أو كلاماً هذا معناه. قال أبو محمد: ولقد صدق ﵀. فإذا بلغ الإنسان حيث ذكرنا، أخذ في النظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف المرء ما البرهان وما الشغب، وكيف التحفظ مما يظن أنه برهان وليس ببرهان، فبهذا العلم يقف على الحقائق كلها يميزها من الأباطيل تمييزاً لا يبقى معه ريب. وينظر في الطبيعيات، وعوارض الجو، وتركيب العناصر، وفي الحيوان والنبات والمعادن، ويقرأ كتب التشريح ليقف على محكم الصنعة وتأثير الصانع وتأليف الأعضاء واختيار المدبر وحكمته وقدرته. فإذا أحكم ذلك في خلال ابتدائه بالنظر في العلوم فلا يكن منه إغفال لمطالعة أخبار الأمم السالفة والخالفة، وقراءة التواريخ القديمة والحديثة ليقف من ذلك على فناء (١) الممالك المذكورة، وخراب البلاد المعمورة، ودثور المدائن المشهورة التي طالما حصنت وأحكمت مبانيها، وذهاب من كان فيها وانقطاعهم، وتقلب الدنيا بأهلها، وذهاب الملوك الذين قتلوا النفوس وظلموا الناس واستكثروا من الأموال والجيوش والعدد ليستديموها لهم (٢) ولأعقابهم فما دامت (٣) لهم، بل ذهبوا وانقطعت آثارهم، ورحل بنوهم وضاعوا، وبقي ما تحملوا من الآثام والذم والذكر القبيح لازماً لأرواحهم في المعاد ولذكرهم في الدنيا، فيحدث له فيها بذلك زهد وقلة رغبة، وليشرف على اغترار الملوك بها، لعظيم الحسرات النازلة بهم وبمخلفيهم، وليقف على حمد المتقين الأخيار للفضائل فيرغب فيها، ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها. ويوفي على

стр. 990

تيقن النصح منها لما يرى من تناصر التواريخ على تباعد أقطار حامليها، وتفاوت أزمانهم وتباين هممهم واختلاف أديانهم وتفرق مذاهبهم على نقل قصة ما، فيوقن أنها حق لا شك فيه، ويسمع بخلاف نقلهم في قصة ما، فيدري أنها مضطربة. ويرى أخبار العلماء والصالحين فيرى الحرص على مثل حالهم ويرغب في إلحاق اسمه بأسمائهم إذا سلك طريقهم وحذا حذوهم وعمل عملهم، ويطالع آثارهم المفسدين في الأرض وسوء الآثار عليهم، وما أبقوا من الأسماء الذميمة، فيمقت طريقهم، ويجتنب أن يكون مذكوراً فيهم. ويجعل هذا العلم خاصةً وقت راحته وسآمته من تعلم غيره من العلوم، فإن هذا العلم سهل جداً ومنشط ومنتزه ولذة، لا ينبغي لأحد أن يخلو منه فلا يدري أثراً ولا ما تقوم به الحجة من الأخبار التي يضطر إلى العلم بها حقيقة، بل يكون بمنزلة من قدر أن العالم لم يكن إلا مذ كان هو. فإذا أحكم ما ذكرنا فأولى الأشياء به معرفة ما له خرج إلى هذا العالم، وما إليه يرجع إذا خرج من هذا العالم، وبيان ذلك بيان انقضاء أيام سفره، فإنها قليلة جداً، فلا شيء أوكد عليه من هذا، لأن ما عدا ذلك من بؤس ونعيم ولذة ومال ورياسة وفقر وخمول ونكد كله في أسرع وقت، لسنا نقول بالموت الذي لا بد منه فقط، بل بالهرم وعوارض الدهر الذي لا يؤمن تقلبه (١) بأهله قبل كر الطرف. فيلزم (٢) المرء أن ينظر إذا أحكم ما ذكرنا أن يطلب البرهان من العلوم الضرورية التي ذكرنا على: هل العالم محدث أو لم يزل. فإذا له أنه محدث وذلك قائم في إحصاء العدد لأزمانه وعدد أشخاصه وأنواعه (٣) ، نظر هل [له] (٤) محدث أو لا محدث له فإذا حصل له أنه محدث لم يزل، وهذا قائم من باب الفضائل من حدود المنطق، نظر هل المحدث واحد أو أكثر من واحد، فإذا حصل له أنه

стр. 991

واحد وهذا قائم من باب الإحصاء المذكور في العدد، [نظر] (١) هل النبوة ممكنة أو واجبة أو ممتنعة، فإذا حصل له أنها ممكنة بالقوة بما يوجبه أن المحدث للعالم مختار لا يعجز عن شيء، ثم إذا حصل له أنه قد وجدت بالأخبار الضرورية، نظر في النبوات التي افترقت عليها الملل، فإذا حصل له أن كل ما ثبتت به نبوة واحد منهم، فواجب أن تثبت بمثله نبوة من نقل عنه مثل الذي نقل عن غيره منهم، وقف عند ذلك وسلم الأمر إلى من صحت له البراهين بنبوته، وأنه عن الله يتكلم وعن عهوده يخبر، وتبحث (٢) حينئذ عن كل ما أمر به أو نهي عنه فاستعمل نفسه به، ولم يقبل من إنسان مثله لم يؤيد بوحي من الله، ، أمراً ولا نهياً، فهذا [طريق] (٣) الخلاص (٤) وشارع النجاة ومحلة الفوز التي من عاج عنها طال تحيره وتردده، وافترقت به السبل حتى يهلك خاسراً نادماً، أو موفياً [على النجاة] (٥) بالبخت، كمن وجد لقطة بلا طلب، ونعوذ بالله من البلاء. وهذه الطريق التي (٦) وصفنا مؤدية إلى الإقرار بنبوة محمد ﷺ ، وموجبة لطلبنا في القرآن من عهود الله تعالى، وطلب عهوده ﵇، وتمييز صحيحهما مما لم يصح منهما والأخذ بكل ذلك، والتمسك به فإن هذا معدوم في جميل الملل، حاشا ملة الإسلام: لأن ملة من عبد الأوثان أو دان بقول البراهمة المبطلين للنبوات فإنه لا سبيل إلى إثبات شريعة لهم إذ قد أعدموا المثبت الشارع، وأعدموا الطريق الموصلة إليه، فبقي الناس على قولهم سدىً لا زاجر لهم عن ظلم ولا عن فاحشة وأما دين لمنانية فظاهر التخلط لقولهم بأن الصانع صنع في نفسه، وهذا

стр. 992

مبطل بما يوجب حدوث العالم على ما بيناه في كتابنا الموسوم بالفصل بالملل والنحل (١) - وأما شريعة النصارى فإنهم مقرون أن شرائعهم ليست عن وحي الله تعالى، وإنما هن زكريا الملك وسائر بطارقته، وهذا شيء تشهد العقول بأنه لا يلزم إذ لم يوجب إلزامه برهان وأما ملة المجوس فهم معترفون بأن ثلثي كتابهم ذهب، وأن في ذلك الذاهب كانت الشرائع، ومن الباطل الممتنع أن يكلف الله تعالى الناس أن يعملوا بشيء لا يدرونه، وقد ذهب عن أيديهم، ويقرون أن أزدشير بن بابك وضع لهم شرائع ملة اليهود فمعترفون أن أكثر شرائعهم اللازمة لا سبيل لهم إليها إذ خرجوا عن صهيون، وأن شرائع الربانيين منهم (٢) التي هم الآن عليها، هي غير شرائعهم التي أمروا بها في التوارة، وأن علماءهم عوضوهم عن تلك هذه، ويلزمهم الإقرار بمن صح عنه من الأعلام مثلما صح عن نبيهم ﵇. فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلمٍ غيره، فقد أساء النظر وظلم نفسه، إذ آثر الأدنى والأقل على الأعلى والأعظم منفعة؛ فإن قال قائل: إن في علم العدد والهيئة والمنطق (٣) معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته، ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد؛ وأما إن لم يكن الغرض إلا معرفة الأشياء الحاضرة على ما هي عليه فقط، فطالب هذه العلوم، ومن جعل وكده معرفة صفة البلاد على ما هي عليه، وصفات سكان أهل كل بلدة وما هي عليه صورهم سواء، ومن كان هذا هو غرضه فقط، فهو إلى أن يوصف بالفضول والحماقة أقرب منه إلى أن يوصف بالعلم، إذ حقيقة العلم هو ما قلنا إنه يطلبه لينتفع به طالبه، وينتفع به غيره في داره العاجلة وداره

стр. 993

الآجلة التي هي محل قراره ومكان خلوده، وبالله تعالى نتأيد. فإن كان المرء العالم في كفاف من العيش، من وجه مرضي، فليحمد الله ، وليقنع به، وليعمل لدار القرار، ولا يسره الإكثار من أحجارٍ وخرقٍ يتركها عما قريب، أو تتركه. وإن كان في حاجة، فإن أمكنه أن يجعل مكتسبه من العلم فحسن، إما أن يكون معلم هجاءٍ فهي فضيلة عظيمة لأنه سبب [حياة] (١) كل من تعلم منه شيئاً، وله الأجر المضاعف من كل من يتعلم ممن علمه هو إلى انقضاء الأبد، بأن كان سبب حياة نفوسهم أو مؤدب نحو، أو مؤدب حسابٍ أو طبيباً. فإن كان في أحد هذه السبل فلينصح في صناعته تلك، وليطلب التزيد من العلم بما أمكنه، ليكون سبباً للخير في تعليم الجاهل، وإبراء الأدواء بإذن الله تعالى، ولا يرض بالغش والتمويه، فيفسد خلقه ومتاعه ومكتسبه فتخسر صفقته، وليستعمل القناعة جهده. وإن ابتلى بصحبة سلطان فقد ابتلى بعظيم البلايا، وعرض للخطر الشنيع في ذهاب دينه، وذهاب نفسه وشغل باله وترادف همومه، فلا يشاركه في محظور ألبتة وإن أداه ذلك إلى التلف، فلأن يتلف مظلوماً مأجوراً محتسباً محموداً أفضل من أن يبقى ظالماً مسيئاً آثماً مذموماً، ولعل تلفه سريع، وإن تأخر مدةً فلا بد من التلف، وليعلم أن السلطان إذا رأى منه إشفاقاً على دينه ونصيحة له فيما لا يؤذيه في معاده، فإنه تتزيد ثقته به، ويجل في عينه؛ وإذا رآه شرها مؤثراً عاجلته على آخرته، ساء ظنه به، ولم يأمنه على نفسه إذا رأى الحظ له في هلاكه. ولقد نكره للفاضل أن يصحب السلطان بعلم الطب، فإن الغالب على الملوك الجهل والسبعية (٢) وقلة الصبر على ما قطع بهم عن لذاتهم، وتدبير الأصحاء ومعاناة المرضى لا يحتمل هذا، فهم دأباً يكلفون الطبيب إحياء الموتى ويستقصرونه (٣) دون هذه المنزلة، فإن اتبع أهواءهم غشهم، وإن نصحهم عصوه واستثقلوه.

стр. 994

وأما صحبتهم بالنجوم فلا يدخل في ذلك ذو مسكة عقل ألبتة، لأنه يتعاطى ما ليس في قوته الوفاء به، فهو دهره في كذب متصل ومواعيد وخدائع متصلة، وفضائح متواترة، وخزايا متتابعة. وكد من اتصل بسلطان إصلاح أخلاقهم وحملهم على البر وصرفهم عن المأثم جهده وطاقته. ودعائم العلم مشهورة مستحكمة يؤثر بها العلم على سائر أعراض الدنيا من اللذات والمال والصوت (١) ، ثم قصد إلى عين العلم، ليخرج به عن جملة أشباه البهائم فقط، لا يجعله مكتسبه ولا ليمدح به، وذكاء وفهم وبحث وذكر وصبر على كل ذلك، والتعب فيه وإنفاق المال عليه والاستكثار من الكتب، فلن يخلوا كتاب من فائدة وزيادة علم يجدها فيه إذا احتاج إليها، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمه الذي يختص به. فإذا لا سبيل إلى ذلك فالكتب نعم الخازنة له إذا طلب، ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجد. وهذا خطأ ممن ذم الإكثار منها، ولو أخذ برأيه لتلفت العلوم ولجاذبهم الجهال فيها وادعوا ما شاءوا. فلولا شهادة الكتب لا ستوت دعوى العالم والجاهل. وسقوط الأنفة في التكرر على العلماء، وتقييد ما [يسمع] وجمعه، وملازمة المحبرة والكتب يده وكمه، وسكنى حاضرة فيها العلم، ولقاء المتنازعين وحضور المتناظرين، فبهذا تلوح الحقائق، فليس من تكلم عن نفسه وما يعتقد كمن تكلم عن غيره، ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة، ومن لم يسمع إلا من عالم واحد أوشك أن لا يحصل على طائل، وكان كمن يشرب من بئر واحدة ولعله اختار الملح المكدر، وقد ترك العذب. ومع اعتراك الأقران ومعارضتهم يلوح الباطل من الحق، ولا بد، فمن طلبه كما ذكرنا أوشك أن ينجح مطلبه وأن لا يخفق سعيه، وأن يحصل في المدة اليسيرة على الفائدة العظيمة. ومن تعدى هذه الطريق كثر تعبه، وقلت منفعته. ومن اقتصر على علم واحد لم يطالع غيره؛ أوشك أن يكون ضحكة وكان ما خفي عليه من علمه الذي اقتصر عليه، أكثر مما أدرك منه لتعليق العلوم بعضها ببعض، كما ذكرنا، وأنها درج بعضها إلى بعض، كما وصفنا، ومن طلب الاحتواء على كل علم أوشك أن ينقطع وينحسر، ولا يحصل على شيءٍ،

стр. 995

وكان كالمحضر إلى غير غاية، إذ (١) العمر يقصر عن ذلك، وليأخذ من كل علم بنصيب، ومقدار ذلك معرفته بأعراض ذلك العلم فقط، ثم يأخذ مما به ضرورة إلى ما لا بد له منه كما وصفنا، ثم يعتمد العلم الذي يسبق (٢) فيه بطبعه وبقلبه [و] بحيلته، فيستكثر منه ما أمكنه، فربما كان ذلك منه في علمين أو ثلاثة أو أكثر، على قدر زكاء فهمه، وقوة طبعه، وحضور خاطره، وإكبابه على الطلب، وكل ذلك بتيسير الله تعالى؛ فلو بإرادة (٣) المرء كان، لكان منى كل أحدٍ أن يكون أفضل الناس. والفهم والعناية مقسومان كقسمة المال والحال: والحظ مقسوم فأجمل في الطلب ومن طلب [العلم] (٤) ليفخر به أو ليمدح به أو ليكتسب به مالاً أو جاهاً، غبعيد عن الفلاح لأنه ليس له غرض في التحقيق فيه، وإنما غرضه شيء آخر غير العلم. ونفس الإنسان وعينه طامحتان إلى غرضه فقط فلا يبالي كيف كان طلبه إذا حصل على مراده الذي إياه قصد. فالعلوم تنقسم أقساماً سبعة عند كل أمة وفي كل زمان وفي كل مكان وهي: علم شريعة كل أمة، فلا بد لكل أمة من معتقد ما، إما إثبات وإما إبطال، وعلم أخبارها وعلم لغتها، فالأمم تتميز في هذه العلوم الثلاثة، والعلوم الأربعة الباقية تتفق فيها الأمم كلها، وهي [علم النجوم] ، وعلم العدد والطب، وهو معاناة الأجسام، وعلم الفلسفة، وهي معرفة الأشياء على ما هي عليه من حدودها من أعلى الأجناس إلى الأشخاص، ومعرفة إليهة. وقد بينا أن كل شريعة سوى الإسلام فباطل، فالواجب الاقتصار على شريعة الحق، وعلى كل ما أعان على التبحر في علمها. وعلم شريعة الإسلام ينقسم أقساماً أربعة: علم القرآن، وعلم الحديث، وعلم

стр. 996

الفقه، وعلم الكلام: فعلم القرآن: ينقسم إلى معرفة قراءته ومعانيه. وعلم الحديث: ينقسم إلى معرفته متونه ومعرفة رواته. وعلم الفقه: ينقسم إلى أحكام القرآن، وأحكام الحديث، وما أجمع المسلمون عليه وما اختلفوا فيه، ومعرفة وجوه الدلالة وما صح منها وما لا يصح. وعلم الكلام: ينقسم إلى معرفة مقالاتهم ومعرفة حجاجهم وما يصح منها بالبرهان وما لا يصح. وعلم النحو: ينقسم إلى مسموعه القديم وعلله المحدثة. وعلم اللغة: مسموع كله فقط. وعلم الأخبار ينقسم على مراتب: إما على الممالك (١) أو على السنين وإما على البلاد وإما على الطبقات أو منثوراً. فأصح التواريخ عندنا تاريخ الملة الإسلامية ومبدؤها وفتوحها وأخبار خلفائها وملوكها والمنتزين عليهم وعلمائهم وسائر ما انتظم بذلك. وأما تاريخ بني إسرائيل فأكثره صحيح وفي بعضه دخل، وإنما يصح منه أخبارهم مذ صاروا بالشام إلى أن خرجوا عنها الخرجة الآخرة، لا من قبل ذلك. وأخبار الروم إنما تصح من عهد الاسكندر لا ما قبل ذلك. وأخبار الترك والخزر وسائر أمم الشمال وأمم السودان فلا علوم لهذه الأمم ولا تواليف ولا تواريخ. ولم تبلغنا أخبار الهند والصين كما نريد، إلا أنهم أمتا علم وضبط وتواليف وجمع. وأما الأمم الداثرة من القبط واليمانيين والسريانيين والاشمانين وعمون وموآب وسائر الأمم فقد بادت أخبارهم جملة، فلم يبق منها إلا تكاذيب وخرافات. وأما الفرس فلا يصح شيء من أخبارهم إلا ما كان من عهد دارا بن دارا فقط. وأصح أخبارهم ما كان من عهد أزدشير بن بابك فقط. فالطالب للأخبار ينبغي له ألا يشتغل إلا بما أعلمناه بصحته ولا ينبغي له قطع وقته بما لا يجدي عليه نفعاً لا بما أخبرناه ببطلانه، فقد

стр. 997

كفيناه التعب في ذلك، وإن أحب التعب وقف على ما وقفنا عليه من ذلك. وعلم النسب جزء من علم الخبر. وعلم النجوم: ينقسم إلى معرفة علم الهيئة والتعديل ببرهانه ثم الذي يذكرونه من القضاء. وعلم العدد: ينقسم إلى ضبط قوانينه ثم برهانه ثم العمل بذلك في المساحات وغير ذلك. وعلم المنطق: ينقسم إلى عقلي وحسي وأما العقلي فإلاهي وطبيعي، وأما الحسي فطبيعي فقط. وعلم الطب: ينقسم قسمين: طب النفس وهو من نتيجة علم المنطق بإصلاح الأخلاق ومداواتها (١) وصرفها عن الإفراط والتقصير وإقامتها على الاعتدال؛ وطب الأجسام: وهو ينقسم إلى معرفة الطبائع الجسمية ومعرفة تركيب الأعضاء ومعرفة العلل وأسبابها وما تعارض به من الأدوية وتميز القوي من الأدوية والأغذية (٢) ، وينقسم أيضاً قسمين: عمل باليد كالجبر والبط والكي والقطع، وعمل في صرف قوى العلل بقوى الأدوية، وينقسم أيضاً قسمين: حفظ الصحة لئلا يحدث المرض ثم معاناة المرض. وعلم الشعر: ينقسم إلى روايته ومعانيه ومحاسنه ومعايبه وأقسامه ووزنه ونظمه. وها هنا علمان إنما يكونان (٣) نتيجة العلوم التي ذكرنا إذا اجتمعت، أو من نتيجة اجتماع علمين منهما فصاعداً، وهما علم البلاغة، وعلم العبارة: فأما علم البلاغة فإن صرفه صاحبه إلى الله وإلى تبين الحقائق وتعليم الجهال فهي فضيلة، وأما إن صرفه في ضد ذلك خسرت صفقته، إذ أتعب نفسه وأفنى عمره فيما هو وبال عليه، ونعوذ بالله من البلاء.

стр. 998

وأما علم العبارة (١) فهو طبع في المعبر مع عون العلم عليه ولا يقطع بصحته إلا بعد ظهور ذلك عليه لا قبله. فهذه الأفانين هي التي يطلق عليها في قديم الدهر وحديثه اسم العلم والعلوم. وعند التحقيق وصحة النظر فكل (٢) ما علم فهو علم؛ فيدخل في ذلك علم التجارة والخياطة والحياكة وتدبير السفن وفلاة الأرض وتدبير الشجر ومعاناتها وغرسها والبناء وغير ذلك. إلا أن هذه إنما هي للدنيا خاصة فيما بالناس إليه الحاجة في معايشهم. والعلوم التي قدمنا، الغرض [منها] التوصل إلى الخلاص في المعاد فقط، فلذلك استحقت التقديم والتفضيل، والله تعالى التوفيق. ونحن نوصي طالب العلم (٣) بأن لا يذم ما جهل منها، فهو دليل على نقصه وقوله بغير معرفة، وأن لا يعجب بما علم فتطمس فضيلته، ويستحق المقت من الواهب له ما وهب، وأن لا يحسد من فوقه حسداً يؤديه إلى تنقيصه، فهذه رذيلتان. وأما إن حسده لم ينتقصه، وكان ذلك رغبة في الوصول إلى ما وصل إليه محسوده فحسن، وهو رغبة في الخير. وأن لا يحقر من دونه فقد كان في مثل حاله قبل أن يعلم ما علم. وأن لا يكتم علمه فيحصل هو ومن لا علم له ف منزلة واحدة، إذ كلاهما غير مستعمل للعلم ولا مظهر له. وأن لا تكلم في علم قبل أن يحكمه فيخزى، وأن لا يطلب بعلمه عرض دنياه فيبذل الأفضل بالأدنى، وأن يستعمل تقوى الله تعالى في سره وجهره، فهو زين العالم، وبالله التوفيق. @فصل والعلوم التي ذكرنا يتعلق بعها ببعض ولا يستغني منها علم عن غيره، فأول ذلك أنا قد ابنا أن غرضنا من الكون في الدنيا والمطلوب بتعلم العلوم إنما هو تعلم علم

стр. 999

ما أراد الله تعالى منا، وما به أخبر عنا (١) ، وما به يكون المخلص من هول مكاننا الكدر المظلم المشوب بالآفات المملوء من أنواع المتالف والمهالك، والمحفوف بأصناف البلايا والمعاطب، وهو المعرفة بالشريعة والإعلان بها والعمل بموجبها، فإذا الأمر كذلك، فلا سبيل إلى صحة المعرفة بها واستحقاق حقيقتها إلا بمعرفة أحكام الله وعهوده إلينا في كتابه المنزل، وبمعرفة ما وصانا به محمد ﵇ وبلغه لينا، وما أجمع علماء الديانة عليه، وما اختلفوا فيه، ولا يوصل إلى هذا إلا بمعرفة الناقلين لتلك الوصايا وأزمانهم وأسمائهم وأنسابهم للفرق بين ما اتفقت فيه الأسماء، وبمعرفة المقبولين من غيرهم ومعرفة من لقوا فحدثوا عنه ممن له يلقوه فبلغهم عنه، وبمعرفة القراءات المشهورة (٢) ليوقف بذلك على ما تتفق فيه المعاني مما تختلف فيحدث باختلافهم حكم ما، وكل هذا لا يتم إلا بمعرفة مستعمل اللغة ومواقع الإعراب الذي تختلف المعاني باختلاف أمثلته وأشكاله، ولا بد في اللغة والإعراب من التعلق بطرف من علم الشعر، ولا بد من المعرفة بالنسب بما يدري المرء من تجوز الإمامة ممن لا تجوز فيهم، ومن هم الأنصار الذين [أمرنا] (٣) بالإحسان إلى محسنهم والتجاوز عن مسيئهم، ومن هم أولو القربى الذين حرمت عليهم الصدقة، ولا بد أن يعرف من الحساب ما يعرف به القبلة والزوال إلى أوقات الصلوات، ولا يوقف على حقيقة ذلك إلا بمعرفة الهيئة، ولا يعرف حقيقة البرهان في ذلك إلا من وقف على حدود الكلام، ولا بد أن يعرف من الحساب أيضاً كيف قسمة المواريث والغنائم، فإن تحقيق ذلك فرض لا بد منه. ولا بد في الشريعة من معرفة العيوب التي تجب [التكليف كعاهة الجنون المتملكة، وقوام الآفات والأدواء، فلا بد من] (٤) معرفة العلل ومداواتها وهو علم الطب. والدعاء إلى الله واجب، ولا سبيل إليه إلا بالخط والبلاغة، ومعرفة ما تستجلب به القلوب من حسن اللفظ وبيان المعنى، ولا يكون هذا إلا بالمعرفة الشرعية

стр. 1000

وباللغة وبالإعراب وبالفصاحة وحكم المنظوم والمنثور. والرؤيا حق وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فلا بد من معرفة عباراتها، ولا تكون عباراتها إلا بالتمكن في العلوم المذكورة. وأما القضاء بالنجوم فلا يعرف بطلانه إلا من أشرف عليه، ولا يعرف الخطأ من الصواب إلا بمعرفتهما معاً، فهذا وجه تعلق العلوم بعضها ببعض، وافتقار بعضها إلى بعض. وإن لم تمكن (١) المرء الإحاطة بجميعها فليضرب في جميعها بسهم ما وإن قل، - كما قدمنا وليكن الناس فيها في تعاونهم على إقامة الواجب من ذلك عليهم كالمجتمعين لإقامة منزل، فإنه لا بد من بناء وأجراء ينقلون الحجر وينقلون الطين، ومن صناع القرمد وقطاعي الخشب وصناعي الأبواب والمسامير حتى يتم البناء، وكذلك سائر ما بالناس الحاجة إليه من الحرث فإنه لا يتم إلا بالتعاون على [القيام] بآلاته والعمل بها. وكذلك التعاون على ما به تكون النجاة والترقي إلى عالم الخلود، ورضى الخالق أوجب وأكرم، وبالله تعالى نتأيد. ط فصل ومن السمج القبيح بقاء الإنسان فارغاً في مدة إقامته في هذه الدار، مفنياً تلك المدة فيما غيره أولى به وأحسن منه، في حماقة وبطالة أو معصية وظلم. وقد سمعت شيخنا ابن الحسن (٢) يقول لي ولغيري " إن من العجب من يبقى في هذا العالم [دون] معاونة لنوعه على مصلحة. أما يرى الحراث يحرث له والطحان يطحن له والنساج ينسج له والخياط يخيط له والجزار يجزر له والبناء يبني له وسائر الناس كل متول شغلاً، له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة أفما يستحي أن يكون عيالاً على كل العالم

стр. 1001

لا يعين هو أيضاً بشيء من المصلحة " (١) ولقد صدق، ولعمري إن في كلامه من الحكم لما يستثير الهمم الساكنة إلى ما هيئت له. وأي كلام في نوع هذا احسن من كلامه في تعاون (٢) الناس. وقد نبه الله تعالى عباده بقوله ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢) فكل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه أو ما لا غنى للمرء عنه في دنياه فهو بر وتقوى، إذا استعان به على أمر الله وحض عليه. وأفضل ما استعمله المرء في دنياه، بعد أداء ما يلزمه لله تعالى في نفسه من تعلم اعتقاده من قول وعمل، أن يعلم الناس دينهم الذي له خلقوا، فيقودهم إلى رضى الله ويخرجهم بلطف خالقه تعالى من الظلمة العمية إلى النور الخالص، ومن المضيق المهلك إلى السعة الرحبة، ثم الحكم بالحق، والمنع من الظلم، والذب عن الحوزة بجهاد أهل الحرب والمحاربة (٣) وأهل البغي، وإقامة [الناس] (٤) على ما خلقوا له من إقامة الدين الذي افترضه الله تعالى عليهم، ثم العون في إحراز ما ذكرنا بكتابه واحتراز وقسمة وإقامة حد وقبض مال واجب وغير ذلك، ثم هكذا أبداً كل ما فيه عون على ذلك حتى يبلغ الأمر إلى الصناعات التي لا غنى بالناس عنها. واعلم أن كل أحد من الناس ممن له تمييز صحيح فإنه لا يخلو من أن يكون موقناً بصحة المعاد بعد الموت وبالجزاء، أو يكون شاكاً في ذلك، أو يكون معتقداً أن لا معاد ولا جزاء، وإنما هي هذه الحياة الدنيا فقط. فإن كان ممن يوقن بالمعاد والجزاء فاللازم له إجهاد نفسه واستفراغ طوقه فيما يتخلص به من الهلكة في معاده، ويكون حينئذ إذا اشتغل بغير ذلك وضيع ما فيه نجاته وخلاصه في الأبد، فاسد التمييز

стр. 1002

سخيف (١) العقل مذوماً مهلكاً لنفسه، بل أسوأ حالة من المجانين والحيوان الدارج (٢) غير الناطق. ولا مخلص في المعاد إلا بالحبث عن شريعة الحق و [إيثار] (٣) تعلمها على كل علم. و [الآجلة] . فالواجب عليه إجهاد نفسه وترك كل حال شاغلة له عن البحث عن صحة الأمر، عن أن المعاد حق أو شيء غيره حق. وإذا اشتغل عن شيء غيره فهو بلا شك فاسد التمييز، خاسر الصفقة مغرر بنفسه عن الأمر الذي فيه عظيم البلاء عليه أو كثير السعادة له، ولا يصل إلى علم ذلك إلا بالبحث عن الشرائع وطلب البرهان فيها حتى يقع على حقيقة الأمر في ذلك. وإن كان غير معتقد لصحة المعاد، ولم يكن عند شيء غير هذه الدار، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن لا يكون يرى إمراج النفس (٤) في الشهوات، وإهمالها في اللذات وإطلاقها على اتباع الهوى فإن كان هذا هكذا فليس أولى بذلك فيه (٥) من غيره؛ وهذا رأي يقتضي له أن لا يتظلم ممن تلف بقتله وأخذ ماله أو هتك ستره وتسخيره (٦) فيما يلذ به غيره وإشقائه فيما ينعم به سواه، ولا أخسر صفقة ممن يرى أن لا دار له سوى هذه ثم لا يكون حظه منها إلا الشقاء والتعب والهلكة أو يكون ممن يقو بالسياسة التي جماعها الأمن له من غيره، ولغيره منه، على دمه (٧) وحرمته وبشرته وماله وشمول العافية (٨) وصلاح الحال والكفاية. وهذا لا يصح ألبتة ولا يوجد إلا باستعمال الشريعة الداعية بالوعيد بالآخرة والعقاب في الدنيا لأجل معصيته، فإذ لا سبيل إلى ذلك إلا بالشريعة فالاشتغال بها هو الغرض، والاشتغال عنها رأي فاسد.

стр. 1003

وأيضاً فإن المشتغل بعلم الشريعة محصل الأمن من السلطان والخاصة والعامة، متصد لعلو الحال في الدنيا والصلاح فيها؛ ومن خالفها محصل (١) للمخالفة للسلطان والخاصة والعامة، متعرض للبلاء في دمه وحاله وماله؛ فلا أضعف حالاً ولا أسوأ تمييزاً ولا أضعف عيشاً ممن (٢) لا يقر بالمعاد ولا يعرف إلا هذه الدار، ثم هو متعرض للبلاء مدة حياته. وإنما يتحمل الأذى والمخاوف ويتعرض للهلكة والبلاء (٣) من يرى أنه إذا خرج من هذه الدار صار إلى الحياة الأبدية والنعيم السرمدي والسرور الخالد (٤) وإلا فهو أحمق مجنون. وإنما قلنا هذا البرهان العقلي الحسي الضروري: إن إيثار علم الشريعة على كل علم واجب على كل من لا يقر بالمعاد وعلى من يشك بالمعاد، كوجوبه على من يقر بالمعاد. وإن قوماً قوي جهلهم، وضعفت عقولهم، وفسدت طبائعهم، يظنون أنهم من أهل العلم وليسوا من أهله، ولا شيء أعظم آفة على العلوم وأهلها الذين هم أهلها بالحقيقة من هذه الطبقة المذكورة، لأنهم تناولوا طرفاً من بعض العلوم يسيراً، وكان الذي فاتهم من ذلك أكثر مما أدركوا منه، ولم يكن طلبهم لما طلبوا من العلم لله تعالى، ولا ليخرجوا من ظلمة الجهل، لكن ليزدروا بالناس زهواً وعجباً، وليماروا لجاجاً وشغباً، وليفخروا أنهم من أهله تطاولاً ونفجاً، وهذه طريق مجانية الفلاح، لأنهم لم يحصلوا على الحقيقة وضيعوا سائر لوازمهم فعظمت خيبتهم ولم يكن وكدهم أيضاً، مع الازدراء بغيرهم، إلا الازدراء بسائر العلوم وتنقيصها، لظنهم الفاسد أنه لا علم إلا الذي طلبوا فقط. وكثيراً ما يعرض هذا لمبتدئ في علم من العلوم وفي عنفوان الصبا وشدة الحداثة. إلا أن هؤلاء لا يرجى لهم البرء من هذا الداء، مع طول النظر والزيادة في السن. فقصدنا أن نري كل من هذه صفته أحد وجهين: إما نقص علمه الذي يتبجح

стр. 1004

به عن غيره من العلوم؛ أو فاقة (١) علمه ذلك إلى غيره من العلوم، وأنه إن لم يضف غيره من العلوم على علمه كان ناقصاً لا ينتفع به كبير منفعة بل لعله يستضر به (٢) جداً: فمن ذلك أنا وجدنا قوماً منأهل طلب العلم، أعني الديانة، يزورن بسائر العلوم، وهذا نقص عظيم شديد لا ينتفع به صاحبه في قسمة الفرائض والمواريث وأن يعرف من المطالع ما يعرف به أوقات الصلوات ودخول شهر رمضان شهر الصوم ووقت الحج، وإن لم يعرف مضار المأكل والمشرب أوشك أن يتناول ما يؤذيه ويضر به، وذلك محرم وقد أمر رسول الله ﷺ بالتداوي فاتباع أمره فرض. فتعلم الطب فرض على الكفاية، ومضيعه مضيع فرض. والقرآن عربي فلا سبيل إلى أن يعلمه من لم يعلم العربية، ولا سيما إن كان المذكور لم تناول من الشريعة إلا علماً واحداً من علومها، فهذا إنسان ناقص مسيء إلى نفسه مهلك لها، لأنه إن تناول علم القرآن ولم تناول علم السنن كانت يده من الدين صفراً، وكان علمه عليه لا له. ومن أحسن علم السنن ولم يحسن علم القرآن لم يعلم ما يجوز به القراءة مما لا يجوز، وما أنزل الله تعالى مما لم ينزل. وإن تعلق بالفتيا دون علم بالقرآن والسنن فهو والحمار سواء ولا يحل له أن يفتي لأنه لا يدري أحق أم باطل، وإنما يفتي مقلداً لمن لا يدري هل أصاب أو أخطأ ولا يعرف ما هو عليه أهو من الدين أم من غير الدين إلا ظناً. وإن تعلق بالكلام دون أن يعرف السنن كان هالكاً، لمغيبه عن حقيقة الشريعة التي كلفه الله تعالى إياها، وألزمه أداءها (٣) . ووجدنا قوماً طلبوا علوم العرب فازدروا على سائر العلوم كالنحو واللغة والشعر والعروض، فكان هؤلاء بمنزلة من ليس في يده من الطعام إلا الملح وليس معه من السلاح إلا المصقلة التي بها يجلى السلاح فقط، وكان [الواحد منهم] غائباً عن علم الشريعة التي لا معنى لخروجنا إلى هذا العالم غيرها، ولا خلاص لنا ولا سلامة

стр. 1005

عند خروجنا من الدنيا إلا بها، وكان بمعزل عن علم الحقائق. ووجدنا قوماً طلبوا علوم الأوائل أو علماً منها، واتخذوا سائر العلوم سخرياً مثل من تعلق بالطب فلم ير علماً غيره؛ فيقال له إنك لا تشك أنه قد يكون فمن لا يتعاني ولا يحسن الطب أحسن أجساماً وأطول أعماراً من المتعنين، كأهل البادية (١) والعامة والبلاد التي لا يحسن أهلها الطب، هذا أمر لا ينكره منكر، فأن هذا عيان مشاهد، فما فائدة الطب إذن ولا غرض لأهله إلا تصحيح الأجسام ودفع الأمراض المخوف منها الموت (٢) ولم يحصلوا من هذا الغرض إلا على أقل مما حصل عليه غيرهم. ومثل قوم من أهل الهندسة وعلم الهيئة ما عدا ذلك من العلوم إلا هذراً ولغواً فيقال لهم: ما الفرق بين معرفة قطع كوكب كذا وكوكب كذا وصفة برج كذا وبرج كذا وبرج كذا من الأرض وبين صفة مدينة كذا، وحركات ملك فلانة، أو حركات فلان وفلان وهذا لا سبيل لهم إلى المخلص منه لأن كل ذلك خبر عن بعض ما في العالم فقط لا يفيد فائدة إلا المعرفة بما عرف من كل ذلك بأنه على هيئته والاستدلال بكل ذلك على الصانع المدبر سواء. فإن صار إلى علم القضاء لم يحصل إلا على دعاوى كاذبة وخرافات لا تصح، بل البرهان قائم على بطلان هذه الدعاوي، بما قد أحكمناه في غير هذا الموضع، ومن ذلك أنهم لا يدعون على ذلك دليلاً أصلاً إلا تجارب يذكرونها وهذا باطل لأن تلك التجارب لا يمكن إثباتها ألبتة لأنها لا تكون إلا في مدد طوال، ولا سبيل إلى بقاء دولة ولا استمرار حالة على سلامة، مقدار تلك المدة أبداً، ونقول لهم: إن أصح ما بأيديكم، بإقراركم، المواليد والقرانات (٣) ونحن نجد الكبش يولد ويعيش ويذبح وهو يباشر أكله (٤) في دقيقة واحدة ثم يعمل من جلده أديم، فبعضه

стр. 1006

رق ينسخ فيه (١) وتطول مدة بقاءه، وبعضه نطائق (٢) تقطع وتعفن، ولم يتقدم في الوجود والنشأة بعض ذلك الأديم بعضاً. وأيضاً فإنهم خابوا من علم الشريعة الذي هو الحقيقة. وطائفة حصلت على علم حدود المنطق، فنقول لهم: إنكم لم تحصلوا إلا على العلوم التي لا منفعة لها ولا فائدة، إلا تصريفها في سائر فأنتم (٣) كمن جمع آلة البناء ولم يصرفها في البنيان فهي معطلة لديه لا معنى لها، فإن قالوا إن لهذه العلوم معايش ومكاسب، قلنا هي أضعف المكاسب وأقل المعايش سعة، فإذ ليس غرضكم إلا هذا، فالتجارة والزراعة وصحبة السلطان أجدى بالمكسب وأوسع بالوفر (٤) حظاً مما أنتم عليه. ولم نورد شيئاً من هذا تنقيصاً لشيء ن هذه العلوم ومعاذ الله من هذا ولو فعلنا ذلك لدخلنا في جملة من نذم، ولركبنا الملة (٥) الخسيسة، لكن تنقصاً لمن قصد بعلمه ذم سائر العلوم وتنقصها. وأما من طلب علماً ما، لم يفتح الله تعالى له في غيره، وهو مع ذلك معترف بفضل سائر العلوم ونقص حاله إذ أقصر عنها، فهو محسن حمود فاضل قد تعوض الإنصاف والعدل والصدق مما فاته منها فنعم العوض ما حصل عليه، ولا ملامة عليه فيما لم يفتح الله تعالى له فيه، وأما من أخذ من كل علم ما هو محتاج إليه واستعمل ما علم كما يجب فلا أحد أفضل منه، لأنه قد حصل على عز النفس وغناها في العاجل وعلى الفوز في الآجل، ونجا مما حصل فيه أهل الجهل، ومن لم يستعمل ما علم من أضداد هذه الأحوال. وجملة الأمر أنه لولا طلب النجاة في الآخرة لما كان لطلب شيء من العلوم معنى لأنه تعب، وقاطع عن لذات الدنيا المتعجلة من المشارب والمآكل والملاهي والسفاه الاعتلاء واتباع الهوى؛ فلو لم يكن آخرة يؤدي إليها طلب العلوم، لما كان

стр. 1007

أحد أسوأ حالاً من المشتغل بالعلم؛ فإذ الأمر كذلك فالعلوم كلها (١) متعلق بعضها ببعض كما بينا قبل، محتاج بعضها إلى بعض، ولا غرض لها إلا معرفة ما أدى إلى الفوز في الآخرة فقط، وهو علم الشريعة، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل. تمت الرسالة الموسومة بمراتب العلوم والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

стр. 1008

٢ - التقريب لحد المنطق

стр. 1009

فراغ

стр. 1010

- ٢ - التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلّ على سيد المرسلين وعلى آل محمد وصحبه وسلم (١) قال الإمام الأوحد الأعلم، أو بمحمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب ابن صالح بن خلف بن معدان بن يزيد الفارسي (٢) : الحمد لله رب العالمين، بديع السماوات والأرض وما بينهما، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، وصلى الله على محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسوله إلى عباده من الأنفس الحية القابلة للموت، من الإنس والجن، بالدين الذي اجتبرهم بهن ليسكن الجنة التي هي دار النعيم السرمدي من اطاعه، ويدخل النار التي هي محل العذاب الأبدي من عصاه؛ وما توفيقنا إلا بالله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣) ، . أما بعد: فإن الأول الواحد الحق الخالق لجميع الموجودات دونه؛ يقول في وحيه الذي آتاه نبيه وخليله المقدس: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ (الزمر: ٦٢) وقال تعالى: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ (آل عمران: ١٩) مثنياً عليهم؛ وقال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان،

стр. 1011

علمه البيان﴾ (الرحمن: ١ ٤) وقال تعالى ﴿اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (العلق: ٣) فهذه الآيات جامعة لجميع وجوه (١) البيان الذي امتن به ، على الناطقين من خلقه وفضلهم به على سائر الحيوان، فضلاً منه تعالى يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ووجدناه قد عدد في عظيم نعمه على ابتداء اختراعه من النوع الإنسي تعليمه أسماء (٢) الأشياء؛ فقال تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (البقرة: ٣١) وهذا هو الذي (٣) بانت به الملائكة والإنس والجن من سائر النفوس الحية، وهو البيان عن جميع الموجودات (٤) ، على اختلاف وجوهها، وتباين (٥) معانيها، التي من أجل اختلافها وجب أن تختلف أسماؤها، ومعرفة وقوع المسميات تحت الأسماء، فمن جهل مقدار هذه النعمة عند نفسه، وسائر نوعه، ولم يعرف موقعها لديه، لم يكد يفضل البهائم إلا بالصورة: فلله الحمد على ما علم وآتى، لا إله إلا هو. ومن لم يعلم صفات الأشياء المسميات، الموجبة لافتراق أسمائها ويحد كل ذلك بحدوده (٦) ، فقد جهل مقدار هذه النعمة النفيسة، ومر عليها غافلاً عن معرفتها، معرضاً عنها، ولم يخب خيبةً يسيرة بل جليلة جداً. فإن قال جاهل: فهل تكلم أحد من السلف الصالح في هذا قيل (٧) له: إن هذا العالم مستقر في نفس كل ذي [٢ ظ] لب، فالذهن الذكي واصل بما مكنه الله تعالى فيه من سعة الفهم، إلى فوائد هذا العلم، والجاهل متسكع كالأعمى حتى ينبه عليه، وهكذا سائر العلوم. فما تكلم أحد من السلف الصالح، ﵃، في مسائل النحو، لكن لما فشا جهل الناس، باختلاف الحركات التي باختلافها

стр. 1012

اختلفت (١) المعاني في اللغة العربية، وضع العلماء كتب النحو، فرفعوا إشكالاً عظيماً، وكان ذلك معيناً على الفهم لكلام الله ، وكلام نبيه ﷺ ، وكان من جهل ذلك ناقض الفهم عن ربه تعالى، فكان هذا من فعل العلماء حسناً وموجباً لهم أجراً. وكذلك القول في تواليف العلماء ككتب اللغة، وكذلك القول أيضاً في تواليف كتب الفقه (٢) ؛ فإن السلف الصالح غنوا عن ذلك كله بما أبانهم الله به من الفضل ومشاهد النبوة، وكان من بعدهم فقراء إلى ذلك كله، يرى ذلك حساً ويعلم نقص من لم يطلع هذه العلوم ولم يقرأ هذه الكتب وأنه قريب النسبة من البهائم، وكذلك هذا العلم فإن من جهله خفي عليه بناء كلام الله (٣) مع كلام نبيه ﷺ ، وجاز عليه الشغب جوازاً لا يفرق بينه وبين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليداً، والتقليد مذموم، وبالحرى إن سلم من الحيرة، نعوذ بالله منها. فلهذا ولما (٤) نذكره بعد هذا، إن شاء الله تعالى، وجب البدار إلى تأليف هذا العلم، والتعب في شرحه وبسطه، بحول الله وقوته، فنقول وبالله تعالى نستعين: إن جميع الأشياء التي أحدثها الأول، الذي لا أول على الإطلاق سواه، وقسمها الواحد الذي لا واحد على التصحيح حاشاه، واخترعها الخالق الذي لا خالق على الحقيقة إلا إياه، فإن مراتبها في وجوه البيان أربعة، لا خامس لها أصلاً ومتى نقص (٥) منها جزء واحد اختل من البيان بمقدار ذلك النقص. فأول ذلك كون الأشياء الموجودات حقاً في أنفسها، فإنها إذا كانت حقاً فقد أمكنت استبانتها، وإن لم يكن لها مستبين، حينئذ، موجود، فهذه أولى مراتب البيان؛ إذ ما لم يكن موجوداً فلا سبيل إلى استبانته. والوجه الثاني: بيانها عند من استبانها وانتقال أشكالها وصفاتها إلى نفسه،

стр. 1013

واستقرارها (١) فيها بمادة العقل الذي فضل به الناطق (٢) من النفوس، وتمييزه لها على ما هي عليه إذ من لم يبن له الشيء لم يصح له علمه ولا الأخبار عنه، فهذه المرتبة الثانية من مراتب البيان. والوجه الثالث: إيقاع كلماتٍ مؤلفات من حروف مقطعات، مكن الحكيم [٣ ب] القادر لها المخارج من الصدر والحلق وأنابيب الرئة والحنك واللسان والشفتين والأسنان، وهيأ لها الهواء المندفع بقرع اللسان إلى صمخ (٣) الآذان، فتوصل بذلك نفس المتكلم مثل ما قد استبانته واستقر فيها إلى نفس المخاطب، وتنقله إليها بصوت مفهوم بقبول الطبع منها للغةٍ اتفقا عليها، فتستبين من ذلك ما قد استبانته نفس المتكلم، ويستقر في نفس المخاطب، مثل ما قد استقر في نفس المتكلم، ويخرج (٤) إليها بذلك مثل ما عندها، لطفاً من اللطيف الخبير، لينتج لها ما وهبنا (٥) من هذه الخاصة الشريفة، والقوة الرفيعة، والطبيعة الفاضلة، المفربة لمن استعملها في طاعته، إلى فوز الأبد برضاه والخلود في جنته، نتيجة يبين بها (٦) من البهائم التي لا ثواب ولا عقاب عليها، والتي سخرها لنا في جملة ما سخر، وذللها لحكمنا مع ما ذلل، إذ خلق لنا ما في السماوات والأرض، إلا ما حمى عنا، واستثنى بالتحريم علينا، فلله الحمد والشكر منا، والسمع والطاعة علينا، ومن فضله (٧) تتميم ذلك لنا بمنه وطوله، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (إبراهيم: ٤) فهذه المرتبة الثالثة من مراتب البيان. والوجه الرابع: إشارات تقع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من

стр. 1014

البيان المذكور، بخطوط متباينة، ذات لون يخالف لون (١) ما تخط فيه، متفق عليها بالصوت المتقدم ذكره، فيسمى ذلك كتاباً تمثله اليد التي هي آلة لذلك. فتبلغ به نفس المخطط ما قد استبانته إلى النفس التي تريد أن تشاركها في استبانة ما قد استبانته، فتوصلها إليها العين، التي هي آلة لذلك. وهي في الأقطار المتباعدة، وعلى المسافات المتنائية التي يتفرق الهواء المسمى صوتاً قبل بلوغها، ولا يمكن توصيله إلى من فيها فتعلمها بذلك دون من يجاورها في المحل ممن لا تريد إعلامه. ولولا هذا الوجه، ما بلغت إلينا حكم الأموات على آباد الدهور، ولا علمنا علم (٢) الذاهبين على سوالف الأعصار، ولا انتهت إلينا أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية. وتندرج في هذا القسم أشياء وليست بالفاشية، فمنها: إشارات باليد فقط، ومنها إشارات بالعين أو ببعض الأعضاء، وقد يمكن أن يؤدي البيان بمذاقات، فمن ذلك (٣) ما يدرك الأعمى بها البيان، ومنها ما لا يدركه إلا المبصر، إلا أنها حاشا الخط لا يدرك بها البيان (٤) إلا الحاضر وحده على حسب ما يتفق عليه مع المشير بذلك إليه، فهذه المرتبة الرابعة من مراتب البيان [٣ ظ] إذ لا سبيل إلى الكتاب إلا بعد الاتفاق على تمييز تلك الخطوط بالأصوات الموقفة عليها، قدرة (٥) عجزت العقول عن أكثر من (٦) المعرفة بها، وتوحد الأول الواحد الخالق الحق بتدبير ذلك واختراعه دون علة أوجبت عليه ذلك، إلا أنه يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وصارت نهاية الفضائل فينا (٧) فهم ما ذكرنا واستعمال في وجوهه والإقرار للخالق الأول الواحد الحق بالقوة والقدرة والعلم وأنه مباين لخلقه في جميع صفاتهم.

стр. 1015

فإن من سلف من الحكماء، قبل زماننا، جمعوا كتباً رتبوا فيها فروق وقوع المسميات تحت الأسماء التي اتفقت جميع الأمم في معانيها، وإن اختلفت في أسمائها التي يقع بها التعبير عنها، إذ الطبيعة واحدة، والاختيار مختلف شتى، ورتبوا كيف يقوم بيان المعلومات من تراكيب هذه الأسماء، وما يصح من ذلك وما لا يصح، وتقفوا (١) هذه الأمور، فحدوا في ذلك حدوداً ورفعوا الأشكال، فنفع الله تعالى بها منفعة عظيمة، وقربت بعيداً، وسهلت صعباً، وذللت عزيزاً (٢) ، فمنها كتب أرسطاطاليس الثمانية في حدود المنطق. ونحن نقول قول من يرغب إلى خالقه الواحد الأول في تسديده وعصمته، ولا يجعل لنفسه حولاً ولا قوة إلا به، ولا يعلم إلا ما علمه: إن من البر الذي نأمل أن نعتبط به عند ربنا تعالى بيان تلك الكتب لعظيم فائدتها فإنا رأينا الناس فيها على ضروب أربعة: الثلاثة منها خطأ بشيع وجور شنيع، والرابع حق مهجور، وصواب مغمور، وعلم مظلوم؛ ونصر المظلوم فرض وأجر. فأحد الضروب الأربعة قوم حكموا على تلك الكتب بأنها محتوية على الكفر للإلحاد، دون أن يقفوا على معانيها أو يطالعوها بالقراءة. هذا وهم يتلون قول الله ، وهم المقصودون (٣) به إذ يقول تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ (الإسراء: ٣٦) وقوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء حاجتهم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦) وقوله تعالى: ﴿قل هل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (النمل: ٦٤) فرأينا من الأجر الجزيل العظيم في هذه الطائفة إزالة هذا الباطل من نفوسهم الجائرة الحاكمة قبل التثبيت، القائلة دون علم، القاطعة بغير برهان، [٤ و] ورفع المأثم الكبير عنهم بإيقاعهم هذا الظن الفاسد على قوم (٤) برآء ذوي ساحة سالمة وبشرة نقية وأديم أملس مما قرفوهم به. وقد قال رسول الله،

стр. 1016

صلى الله عليه وسلم، الواسطة بيننا وبين الواحد الأول: " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما (١) . فنحن نرجو من خالقنا أن نكون ممن (٢) يضرب لنا في كشف هذه الغمة بنصيب وافر ننتفع به جداً يوم فقرنا إلى الحسنات وحاجتنا إلى النجاة بأنفسنا مما يقع فيه الآثمون، وأن ييسرنا لسنةً حسنة نشارك من تصرف بعدنا ما كنا السبب في علمه إياه، من أجره، دون أن ينقص (٣) من أجرة شيء، فهكذا وعدنا الخالق (٤) الأول على لسان رسوله، ﷺ فهؤلاء ضرب. والضرب الثاني: قوم يعدون هذه الكتب هذياناً لا يفهم، وهراء من القول وهذراً من المنطق (٥) . وبالجملة فأكثر الناس سراع إلى معاداة ما جهلوه وذم ما لم يعلموه، وهم كما قال الصادق ﵇: " الناس كإبل مائةٍ لا تجد فيها راحلة " (٦) . فرأينا أيضاً أن من وجوه البر إفهام من جهل هذا المقدار الذي نصصنا على فضله أولاً، ولعمري ما ذلك بقليل إذ بالعلم بهذا المعنى بنا عن البهائم وفهمنا مراد الباري في خطابه إيانا. والضرب الثالث: قوم قرأوا هذه الكتب المذكورة بعقول مدخولة وأهواء مؤوفة وبصائر غير سليمة، وقد أشربت قلوبهم حب الاستخفاف واستلانوا مركب العجز واستوبأوا نقل الشرائع (٧) وقبلوا قول الجهال إنها كتب إلحاد، فمروا عليها أمراً لم يفهموها ولا تدبروا ولا عقلوها (٨) فوسموا أنفسهم بفهمها، وهم أبعد الناس عنها وأنآملهم عن درايتها، وكان ما ذكرنا في تلبيس أمر هذه ومنفراً عنها فقوى رجاؤنا في أننا ببيان ما نبينه منها نكون السبب في هداية من سبقت له الهداية في علم

стр. 1017

الله ، فيفوز بالحظ الأعلى ويحوز القسم الأسنى إن شاء الله . ولم نجد أحداً قبلنا انتدب لهذا فرجونا ثواب الله وأملنا عونه تعالى (١) في ذلك. والضرب الرابع: قوم نظروا فيها بأذهانٍ صافية وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستناروا بها ووقفوا على أغراضها فاهتدوا بمنارها وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها، وشاهدوا انقسام المخلوقات وتأثير الخالق فيها وتدبيره إياها، ووجدوا هذه الكتب الفاضلة كالرفيق الصالح والخفير (٢) الناصح والصديق المخلص [٤ ظ] الذي لا يسلم عند شدة، ولا يفتقده صاحبه في مضيق إلا وجده معه. فلم يسلكوا شعباً من شعاب العلوم إلا وجدوا منفعة هذه الكتب أمامهم ومعهم، ولا طلعوا ثنية من ثنايا المعارف إلا أحسوا بفائدتها غير مفارقةٍ لهم، بل ألفوها تفتح لهم كل مستغلق، وتليح إليهم كل غامض في جميع العلوم، فكانت لهم كالميلق (٣) للصيرفي، والأشياء التي فيها الخواص لتجلية مخصوصاتها. فلما نظرنا في ذلك وجدنا من بعض الآفات (٤) الداعية إلى البلايا التي ذكرنا تعقيد الترجمة فيها وإيرادها بألفاظ غير عامية ولا فاشية الاستعمال، وليس كل فهم تصلح له كل عبارة، فتقربنا إلى الله بأن نورد معاني هذه الكتب (٥) بألفاظٍ سهلة سبطة يستوي إن شاء الله في فهمها العامي والخاصي والعالم والجاهل حسن إدراكنا وما منحنا خالقنا ﵎ من القوة والتصرف. وكان السبب الذي حدا من سلف من المترجمين إلى إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها، الشح منهم بالعلم والضن به. ولقد يقع لنا أن طلاب العلم يومئذ والراغبين فيه كانوا كثيراً ذوي حرص قوي، فأما الآن وقد زهد الناس فيه زهداً ليته سلم أهله منهم، بل قد أداهم زهدهم فيه (٦)

стр. 1018

إلى إيذاء (١) أهله وذعرهم ومطالبتهم والنيل منهم ولم يقنع الجاهل بأن يترك وجهله، بل صار داعية إليه وناهياً عن العلم بفعله وقوله، وصاروا كما قال حبيب بن أوس الطائي في وصفهم (٢) : غدوا وكأن الجهل يجمعهم به ... أب وذوو الآداب فيهم نوافل فإن الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله، أن يسهله جهده، ويقربه بقدر طاقته، ويخففه ما أمكنه. بل لو كان أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري (٣) الأجور لمقنيه (٤) ، ويعظم الأجعال عليه (٥) للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابراً في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظاً جزيلاً وعملاً جيداً وسعياً مشكوراً كريماً وإحياء للعلم؛ وإلا فقد درس وطمس (٦) وبلي وخفي، إلا تحلة القسم، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة وأعلام داثرة والله المستعان. ورأينا هذه الكتب كالدواء القوي، إن تناوله ذو الصحة المستحكمة، والطبيعة السالمة، والتركيب الوثيق، والمزاج الجيد، انتفع به وصفى بنيته وأذهب أخلاطه [٥ و] وقوى حواسه، وعدل كيفياته؛ وإن تناوله العليل المضطرب المزاج، الواهي التركيب، أتى عليه، وزاده بلاء وربما أهلكه وقتله. وكذلك هذه الكتب إذا تناولها ذو العقل الذكي والفهم القوي لم يعدم أين تقلب وكيف تصرف منها نفعاً جليلاً وهدياً منيراً وبياناً لائحاً ونجحاً في كل علم تناوله وخيراً في دينه ودنياه، وإن أخذها ذو العقل السخيف أبطلته أو ذو الفهم الكليل بلدته وحيرته؛ فليتناول كل امرئِ حسب طاقته. وما توفيقنا إلا بالله . ولا ينذعر قارئ كتابنا هذا من هذا الفصل، فيكع راجعاً، ويجفل هارباً،

стр. 1019

ويرجع من هذه الثنية ثانياً من عنانه، فإنا نقول قولاً ينصره البرهان، ونقضي قضيةً يعضدها العيان: إن أقواماً ضعفت عقوهم عن فهم القرآن فتناولوه بأهواء جائرة، وأفكار مشغولة، وأفهام مشوبة فما لبثوا أن عاجوا عن الطريقة، وحادوا عن الحقيقة: فمن مستحل دم (١) الأمة، ومن نازع إلى بعض فجاج الكفر، ومن قائل على الله ما لم يقل. وقد ذكر الله وحيه وكلامه فقال: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين﴾ (البقرة: ٢٦) وهكذا كل من تناول شيئاً على غير وجهه، أو وهو غير مطيقٍ له، وبالله تعالى نستعين. وليعلم من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحدٍ فقط بل في كل علم، فمنفعتها في كتاب الله ، وحديث نبيه، ﷺ وفي الفتيا في الحلالوالحرام، والواجب والمباح، من (٢) أعظم منفعة. وجملة ذلك في فهم الأسماء (٣) التي نص الله تعالى ورسوله، ﷺ ، عليها وما تحتوي عليه (٤) من المعاني التي تقع عليها الأحكام وما يخرج عنها من المسميات، وانقسامها (٥) تحت الأحكام على حسب ذلك والألفاظ التي تختلف عباراتها وتتفق معانيها. ولعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي ﷺ ، ولم يجز له أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام، وبناء بعضه على بعض، وتقديم المقدمات، وإنتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصديق أبداً، ويميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب أخرى ولا ينبغي أن يعتبر بها. وأما علم النظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات فلا غنى بصاحبه عن الوقوف على معاني هذه الكتب لما سنبينه في أبوابه إن شاء الله تعالى. وجملة ذلك معرفة ما يقوم بنفسه مما لا يقوم بنفسه، والحامل والمحمول، ووجوه الحمل والشغب

стр. 1020

والبرهان والإقناع (١) ، وغير ذلك. وأما علم النحو واللغة والخبر وتمييز حقه من باطله والشعر والبلاغة والعروض [٥ ظ] في جميع ذلك تصرف شديد وولوج لطيف وتكرر كثير ونفع ظاهر. وأما الطب والهندسة والنجوم فلا غنى لأهلها (٢) عنها أيضاً لتحقيق الأقسام والخلاص من بلية (٣) الأسماء المشتركة وغير ذلك، مما ليس كتابنا هذا مكاناً لذكره. وهذه جمل يستبينها من قرأ هذه الكتب وتمهر فيها وتمرن بها ثم نظر في شيء من العلوم التي ذكرنا وجد ما قلنا حقاً، ولاحت له أعلامها في فجاجها وأغماضها تبدي له كل ما اختفى وبالله تعالى التوفيق. وكتابنا هذا واقع من الأنواع التي لا يؤلف أهل العلم وذوو التمييز الصحيح إلا فيها تحت النوع الرابع منها، وهو شرح المستغلق، وهو المرتبة الرابعة من مراتب الشرف في التواليف. ولن نعدم، إن شاء الله، أن يكون فيه (٤) بيان تصحيح رأى فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس وتنبيه على أمر غامض، واختصار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع أشياء مفترقة (٥) مع الاستيعاب لكل ما بطالب البرهان إليه أقل حاجة، وترك حذف شيءٍ من ذلك البتة. والأنواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إما شيء لم يسبق إلى استخراجه فيستخرجه؛ وإما شيء ناقص فيتممه؛ وإما شيء مخطأ فيصححه؛ وإما شيء مستغلق فيشرحه؛ وإما شيء طويل فيختصره؛ دون أن يحذف منه شيئاً يخل حذفه إياه بغرضه؛ وإما شيء مفترق فيجمعه؛ وإما شيء منثور فيرتبه. ثم المؤلفون يتفاضلون فيما عانوه من تواليفهم مما (٦) ذكرنا على قدر استيعابهم ما قصدوا، أو تقصير (٧) بعضهم عن بعض، ولكل قسط من الإحسان
следующие страницы →