← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لأنه لو خرج (١) الهواء من هذه الأشياء أو الماء ولم يستخلف مكان كل ذلك جرماً آخر لكان ذلك المكان خالياً، ولو كان ذلك لصح الخلاء، فلما لم يكن ذلك أصلاً بوجه من الوجوه علمنا أن الخلاء محال معدوم لا سبيل إليه. وفي هذا كفاية (٢) . فإن قال قائل: إذا كان كل (٣) جرم يقتضي مكاناً وكان كل مكان جرماً (٤) فكل مكان يقتضي مكاناً أبداً. وأراد بهذا أن يثبت أن لا نهاية لجرم العالم فهذا شغب فاسد. وقد أوضحنا تناهي جرم الفلك والعالم في " كتاب الفصل (٥) " فأغنى عن ترداده إلا أنا نذكر ها هنا منه طرفاً ليتم الغرض إن شاء الله. وإنما نورد في هذا الكتاب ما يليق بمعناه المقصود فيه، بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن الجرم واقع تحت الكمية بذرعه على ما قدمنا وكرة العالم جرم قد ظهر بالفعل، فالعدد واقع على مساحته ضرورة، ولا يقع العدد إلا على محصور به أي معدود به، وقد قدمنا أنه لا عدد إلا وله أعداد أخر إذا جمعت كانت له (٦) مساوية، ولا تقع المساواة إلا في متناه ضرورة، وكل ما وقع عليه الإحصاء بالعدد والكمية فمتناه ولا بد، وأيضاً فكل عدد خرج إلى حد الفعل فذو أجزاء كنصف وثلث وما أشبه ذلك وكل هذا يوجب النهاية يقيناً وهذا من باب الإضافة، فالفلك الذي هو محيط بالعالم كله متناه (٧) ضرورة.

стр. 1087

فإن قال قائل: فإن الفلك له مكان (١) قيل له، وبالله تعالى التوفيق: كل جزء منه فالجزء الملاصق له هو مكان له لا مكان له غيره البتة، وحركته دورية لا ينتقل بها عن مكانه لكن يصير كل جزء حيث كان الذي يليه فقط، إلا أن الصفحة العليا منه لا يلاصقها من أعلاها شيء أصلاً بوجه من الوجوه لا خلاء ولا ملاء، ولا فوقه لا مكان ولا متمكن ولا مساحة [٢٩و] ولا شيء (٢) يقع عليه الوهم بوجه من الوجوه. وقد قدمنا أن كل جرم فذو ستة سطوح: فوق وأسفل ويمين وشمال وأمام ووراء، والفوق والأسفل قد يقع في الإضافة لأنه توجد أشياء هي فوق أشياء وتحت أخر، وقد لا يقعان أيضاً في باب الإضافة من هذا الوجه فإن صفحة الفلك العليا فوق لا فوق له أصلاً، فليست تحتاً لشيء البتة، ومركز كرة الأرض تحت لا تحت له أصلاً فليس فوقاً لشيء البتة. والمركز المذكور مبدأ من قبلنا وصفحة الفلك العليا نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي وراءه. ولسنا نعني بهذا إثبات أن له وراء، بل إنما نعني أنه متناهي الذرع لا وراء له ولا فوق ولا بعد أصلاً. وهكذا مرادنا في قولنا إن زماناً سابقاً لم يكن قبله زمان إنما مرادنا بذلك أنه ذو مبدأ وليس لذلك المبدأ قبل فيكون قد تقدمه زمان. وصفحة الفلك العليا مبدأمن قبل الطبيعة الكلية أي وجود الأشياء وعمومها وإحاطتها. والمركز المذكور نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي بعده، فجل الخالق الأول لا إله إلا هو. والمكان مركب من كيفية وجوهر مع جوهر. ٧ - باب النصبة النصبة كيفية صحيحة لا شك فيها وهي نوع من أنواع الكيفية، إلا أنهم خصوا بهذا (٣) الاسم نعني (٤) النصبة هيئة المتمكن في المكان كقيامه فيه أو قعوده أو بروكه أو اضطجاعه وما أشبه ذلك.

стр. 1088

٨ - باب الملك الملك إضافة صحيحة إلا أنهم خصوا بهذا الاسم نعني الملك ما كان من الإضافة متملكاً للجوهر كالأموال وما أشبهها وهذا حقيقة الملك. وهو (١) مركب من جوهر مع جوهر وإضافة إلا أن بعض الأوائل أدخلوا في الملك قولك: لفلان يد ورجل وبه حرارة وما أشبه ذلك، وهذا عندنا قضاء فاسد فلا وجه للاشتغال به إذ غرضنا الحقائق وما قام به (٢) برهان أو جزء من برهان يوصل إلى معرفتها، وبالله تعالى التوفيق لا إله إلا هو (٣) . ٩ - باب الفاعل الفعل تأثير يكون من الجرم المختار أو المطبوع في جرم آخر، فإما أن يحيله إلى طبعه فيخلعه عن نوعه ويلبسه نوع نفسه، وإما أن يحيله عن بعض [٢٩ظ] كيفياته إلى كيفيات أخر، وإما أن يفعل فعلاً مجرداً كالمتحرك والقائم (٤) والمتفكر وما أشبه ذلك. فأما (٥) القسمان الأولان فالأول منهما كفعل (٦) النار في الماء والهواء فإنها تخلعهما عن صفات أنواعهما (٧) الجوهرية وتكسوهما صفات نوعها الجوهرية (٨) أي تحيلهما ناراً. وكالآكل فإنه يحيل طبيعة ما أكل إلى نوعه. وأما الثاني فكفعل السكين والحجر والقاطع بهما فإنهما يحيلان عن الاجتماع إلى الافتراق ومثل ذلك كثير، وكطبع العناصر المركب منها الإنسان في أن يحيل كل

стр. 1089

قوي (١) منها ما لاقى من سائرها إلى نوعه، ووجد (٢) ذلك في كل ما تركب منها فكل امريء يريد التكثر بغيره في أعراضه، تبارك المدبر لا إله إلا هو. والفعل ينقسم قسمين: إما فعل يبقى أثره بعد انقضائه كفعل الحراث والنجار والزواق، وإما فعل لا يبقى أثره بعد انقضائه كالسابح والماشي والمتكلم وما أشبه ذلك. والفاعل والمنفعل مركبان من جوهر وجوهر وكيفية. ١٠ - باب المنفعل المنفعل هو المتهيء لقبول الفعل الذي ذكرنا كالمحترق والمستحيل بالنار والمنقطع بالسكين والمخيط بالإبرة وما أشبه ذلك؛ وهذه الأشياء كلها وإن كانت إنما تكون بمعاناة (٣) غيرها فلولا أن قبول التأثير في طباعها لم يمكن الفاعل فيها أن يفعل شيئاً فيها (٤) البتة؛ فإن لم يكن ذلك كذلك فليخط بقناة (٥) أو بموزة أو يحرق بنفخة أو يقطع (٦) برجله. وهذه المعارضات شغب وسفسطة من المعترضين بها القائلين: لم تحترق النار وإنما أحرق بها الإنسان ولا قطعت السكين وإنما قطع الإنسان بها فأردنا بيان أن في السكين قوة وفي النار كذلك لولاهما ما أمكن الإنسان أن يفعل بهما فعلاً مما يحدث عنهما. واعلم أن المنفعل أيضاً يؤثر في الفاعل فيه (٧) لا بد من ذلك إلا أنه أقل تأثيراً، فأنك لو أدمت (٨) الإدارة بضابط حديد ذكر صقيل في رق أملس رطب لأثر ذلك مع الطول في الضابط تأثيراً يظهر إلى كل من له أدنى حس ظهوراً لائحاً واضحاً. وهكذا كل مؤثر في العالم ولا تحاش شيئاً أصلاً وإن بعد عن حسك، فإن مع الطول والتمادي ومرور الدهور المتواترة يظهر ظهوراً جلياً ولو أنه جر إصبع على حديدة،

стр. 1090

فسبحان المؤثر الحق الذي لا يؤثر فيه شيء لا إله إلا هو. وهذه مرتبة (١) تقتضي وجود الخالق المؤثر الذي ليس مؤثراً فيه [٣٠و] ضرورة على ما بينا في كتاب الفصل. وذكر الأوائل أن أسطقسين من الأسطقسات (٢) الأربعة فاعلان وهما: الحرارة والبرودة، وأن اسطقسين منهما منفعلان (٣) وهما: الرطوبة واليبوسة، وهذا حكم صحيح، ومرادهم بذلك أن الحرارة والبرودة إذا لقيا شيئاً ما رداه إلى طبعهما ولا تفعل ذلك الرطوبة ولا اليبوسة. فإن قال قائل: قد ترطب الرطوبة ما قابلت، وتيبس اليبوسة ما لقيت، فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن القضايا التي يوثق بها هي التي تصدق أبداً، لا التي تصدق مرة وتكذب أخرى (٤) ؛ وليس كل شيء يرطب بملاقاة الرطب، ولا كل شيء ييبس بملاقاة اليابس. فلو ألقيت حديدة في ماء وأبقيتها (٥) فيه ما شاء الله أن تبقى لم ترطب ولا يبس (٦) الماء من أجل ملاقاة الحديد، وأما الحر إذا لاقى شيئاً فلا بد من (٧) أن يحره ضرورة، وكذلك البارد لا يلقى شيئاً إلا برده وبالله تعالى التوفيق. انتهى الكلام في المقولات العشر والحمد لله كثيراً (٨) . ج باب الكلام على الغير والمثل والخلاف والضد والمنافي والمقابلة والقنية والعدم وتفسير معاني هذه الأسماء قد قدمنا مرادنا بقولنا شخص وأشخاص، وأخبرنا أننا لا نعني بذلك الجرم وحده لكن كل جزء مجتمع منفرد من جرم أو عرض محمول في جرم. فنقول: شخص

стр. 1091

سواد هذا الثوب حالك أو مصقول، وشخص حركة هذا المتحرك من ها هنا إلى ها هنا، وشخص هذه المسألة محكم وما أشبه ذلك، اتفاقاً منا ليقع بذلك الإفهام لمرادنا، إن شاء الله . ولا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة فنقول (١) وبالله تعالى نتأيد: كل شخصين وكل شيئين جمعهما اسم واحد أو اسمان مختلفان لا يخص شيئاً دون شيء، فهما متغايران ضرورة، على كل حال، أي أن كل واحد منهما غير الآخر؛ فزيد غير عمرو، وعلم زيد غير علم عمرو، وثوب زيد غير ثوب خالد، وطول زيد هو غير زيد وغير طول عمرو (٢) ، وبياض خالد غير بياض محمد، وهكذا كل شيئين أيضاً قطعاً، وكل موجودين. والخالق تعالى غير خلقه، ولو لم يكن هذا الشيء غير هذا الشيء لكان إياه وهو نفسه، ولا سبيل إلى قسم ثالث (٣) ؛ وهكذا كل لفظين فإما أن يكون معناهما واحداً فيكونا حينئذ من الأسماء المترادفة، وإما أن يكون (٤) معناهما متغايرين (٥) ، أي أن كل مسمى [٣٠ظ] بلفظ (٦) من ذينك اللفظين غير المسمى باللفظ الآخر ولا سبيل إلى قسم ثالث بوجه من الوجوه، ولا يتشكل في الوهم البتة (٧) ولا يعقل، ولا يكون أبداً لفظان معنياهما (٨) لا هما متغايران ولا هما لا متغايران، إذ من أشنع المحال أن يكون معنى هذا الاسم ليس هو معنى هذا الاسم الثاني، ولا هو معنى آخر غيره؛ ومن المحال الممتنع الباطل (٩) أيضاً أن

стр. 1092

يكون معنى هذا الاسم هو معنى هذا (١) الاسم الثاني وهو أيضاً غيره، فهذا يؤدي إلى أن هذا هو هذا ليس هو هذا، وهذا فساد ظاهر، إذ لا يجوز أن يراد بالاسم الواحد إلا معنى واحداً أو أكثر من واحد، ولا يجوز أن يراد (٢) بالاسمين إلا معنى واحداً أو أكثر من واحد. وما عدا هذا فوسواس، ونحمد الله تعالى على ما وهب من العقل. فإن أعترض (٣) قوم بما ذكر الأوائل من أن الشيء إنما يكون غير الشيء إذا كان جوهره مخالفاً لجوهره، فإنهم قد قالوا أيضاً: الإنسان هو الحمار بالجنسية أي أنهما تحت جنس واحد ولم يريدوا ما نحن فيه. والذي نريد نحن إنما هو أن يكون هذا الشيء لا يغابر هذا الشيء أيضاً أصلاً بذاته أو يغايره، فإن قال قائل: فالجزء هو الكل أو هو غيره فالحقيقة أنه غيره لأن الجزء قد يبطل ولا يبطل الكل فلو لم يكن غيره لما وجد دونه، وإنما الكل لفظة تسمى بها هذه (٤) الأبعاض كلها في حال اجتماعها، والأبعاض هي الأجزاء، وإلا فكل بعض غير البعض الآخر. والكل ينقسم قسمين: أحدهما كل يسمى كل جزء من أجزائه باسم كله، وذلك إنما يقع في أشخاص النوع، أو فيما لم يركب من أشياء مختلفة، كأجزاء الماء فكلها يسمى ماء، وأجزاء النار كذلك، وكذلك كل شخص من الإنسان الكلي يسمى إنساناً. والقسم الثاني كل (٥) لا يسمى شيء من أجزائه باسم كله وذلك هو في المركب من عناصر مختلفة، كأعضاء الإنسان، فليس شيء منها يسمى إنساناً، وكذلك الباب فإنه مركب من خشب لا يسمى باباً (٦) ومن مسامير لا تسمى باباً. فمن ناظرك ها هنا فكلفه أن يحد لك معنى التغاير ومعنى الهوية ثم كلمة حينئذ. فإن قال قائل: إذا كان بعض الشيء غير الشيء وكل بعض من أبعاضه هو غير

стр. 1093

كله، والشيء كله إنما هو أبعاضه كلها ليس هو شيئاً غيرها أصلاً، فالشيء غير نفسه، والبعض غير نفسه، فهذا تمويه لأن الكل إنما هو اسم يقع على الأبعاض كلها إذا اجتمعت ولا يقع على شيء منها على انفراده، ألا ترى أن [٣١و] البعض إذا فني (١) لا يفنى الكل بفنائه ولا يحد هو بحد كله فإنما اسم " كل " بمنزلة اسم إنسان، واليد ليست إنساناً، والرأس ليس إنساناً، والرجل ليست إنساناً، والمعدة ليست إنساناً، فإذا اجتمع كل ذلك حدث له حينئذ اسم الإنسان (٢) لا قبل ذلك. وهكذا هو الكل مع أجزائه، إلا أننا نزيد في (٣) السؤال بياناً ولا ندع للمتحير معنى يتحير فيه (٤) فنقول: كل اسمين فإنهما لا يخلوان من أحد وجهين ضرورة لا ثالث لهما: إما أن يقعا جميعاً على شيء واحد أو على أكثر من شيء واحد فلا بد للمسؤول حينئذ من أن يصير إلى أحد هذين المعنيين، وإلا بان انقطاعه وصح حينئذ أن معنى اللفظين معنى واحد، وكل واحد من اللفظين يعبر به عن مسمى واحد، أو أن كل واحد من اللفظين يعبر به عن معنى غير معنى اللفظ الآخر، وإن كان معنياهما متغايرين فكل (٥) واحد منهما غير الآخر. ثم نعود، وبالله تعالى التوفيق، فنقول (٦) : ثم تنقسم الأشياء بعد التغاير أقساماً: فمنها أغيار أمثال كسواد هذا الغراب وسواد هذا الثوب وكالدينار والدينار وكل ما يقع تحت نوع واحد من الأنواع التي تلي الأشخاص من جرم أو غيره، ومها أغيار خلاف كالدينار والدرهم والبياض والحمرة والقيام والاتكاء وكالدينار والحمرة وكل ما وقع تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين. إلا أن كل ما ذكرنا وإن كانت (٧) خلافاً كما قلنا فهي أيضاً أمثال من وجه آخر لاتفاقهما في الرأس الأعلى الذي هو جنس الأجناس، أو لاتفاقهما في الانقسام وإن لم يجمعهما جنس أجناس،

стр. 1094

وفي الحدوث وفي التأليف. وأما الباري فخلاف لخلقه كله من كل وجه لا تماثل بينه تعالى وبين جميع خلقه، ولا بينه تعالى وبين شيء من خلقه بوجه من وجوه البتة. واللفظ الأول وهو التغاير يقع في كل مسميين. وهذان القسمان يقعان في الجواهر والأعراض، وهذا القسم الثاني، أعني المخالفة يقع بين كل موجودين وسواء كانا تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين أو كان أحدهما مما يقع تحت الأجناس والآخر مما لا يقع تحت الأجناس، ولا بد في كل موجودين ضرورة من أن يكونا مختلفين أو متماثلين؛ ثم قسمان باقيان لا يقعان إلا في الكيفيات، أحدهما: أغيار أضداد كالسواد والبياض (١) والثاني أغيار متنافية كالحياة والموت والسكون والحركة وما أشبه ذلك. والأضداد هي كل لفظتين (٢) اقتسم معنياهما طرفي البعد، وكانا واقعين تحت مقولة واحدة [٣١ظ] وكان بينهما وسائط؛ فإما تحت نوعين مختلفين تحت جنس واحد كالسواد (٣) والبياض اللذين هما نوعان واقعان تحت جنسين مختلفين، وهما الفضيلة والرذيلة، وإما كالفضيلة والرذيلة اللذين هما جنسان جامعان لما ذكرنا وتجمعهما الكيفية؛ وكل ضدين فإنهما يدركان بحاسة واحدة أبداً لا يجوز غير ذلك، إما أن يدركا معاً بالعقل وإما معاً بالبصر وما أشبه ذلك من لمس وذوق وشم، فتأمل هذا بعقلك تجده يقيناً. وكل ضدين فإن أحدهما إن كان في النفس فإن الثاني فيها أيضاً وإن كان أحدهما في الجرم فإن الثاني فيه أيضاً (٤) ، لا يجوز إلا هذا، لأن الأضداد أيضاً تتعاقب على حاملها كالبياض والسواد (٥) اللذين في الجسم، والحلم والطيش اللذين في النفس، وكذلك سائر أخلاق النفس من العلم والجهل والعدل والجور والورع والفسق والرضا والغضب (٦) وسائر أخلاقها. وكذلك سائر الأضداد المتعاقبة على الجرم

стр. 1095

المركب: من الحر والبرد واليبس والرطوبة، فالمتضادة هي إذا ما وقع أحدهما أرتفع الآخر وبينهما وسائط (١) . والمتنافية هي ما اقتسم أيضاً طرفي البعد ولا وسائط بينهما وكانا إذا ارتفع أحدهما وقع الآخر، وذلك مثل الحياة والموت والاجتماع والافتراق وصحة العضو ومرضه وما أشبه ذلك. وقولنا في هذا المكان: " الحياة والموت " إنما هي مسامحة (٢) لا تحقيق، وإنما أردنا بذلك اجتماع النفس مع الجسد المركب من العناصر فعن هذا عبرنا بالحياة، وأردنا بقولنا الموت مفارقة النفس للجسد المذكور، فهذا الاجتماع والافتراق هما المتنافيان. وأما الحياة التي هي الحس والحركة الإرادية فهي جوهرية في النفس لا تفارق النفس أبداً، وإذ ذلك كذلك فلا ضد للحياة على الحقيقة، لأن الضد مع ضده أبداً واقعان متعاقبان على شيء (٣) واحد، وكذلك المتنافيان. والمواتية أيضاً على الحقيقة هي عدم الحس والحركة الإرادية وإنما هذا في الجمادات. فالموت إذاً (٤) جوهري أيضاً غير مفارق لها بوجه من الوجوه، فلا ضد للمواتية أيضاً على الحقيقة على هذا الوجه ولا منافي لها أيضاً ولا للحياة. والجسد المركب من الطبائع الأربع مواتي أبداً لا حياة له بوجه من الوجوه أصلاً [٣٢و] وإنما الحياة للنفس المتخللة له، ولكنا اضطررنا إلى التعبير بالحياة والموت عن اجتماعها مع الجسد المذكور ومفارقتها إياه لعادة الناس في استعمال هاتين (٥) العبارتين عن هذين المعنيين فأردنا التقريب والإفهام كما ترى. فمتى رأيت في كتابنا هذا أن الموت ضد الحياة فهذا الذي أردنا فلا تظن بنا خطأ في هذا المعنى، وقد قال بعض أهل الشريعة: إن العلم يضاد الموت، وهذا كلام فاسد، لأن النفس بعد مفارقتها للجسد هي أثبت ما كانت قط (٦) علماً، والجسد المركب لا يعلم شيئاً. والفرق بين المنافي والمضاد أن الضدين بينهما وسائط ليست (٧) من أحد الضدين

стр. 1096

كالحمرة والصفرة والخضرة (١) التي بين السواد (٢) والبياض وكحال الاعتدال الذي (٣) بين الجود والشح على ما نبين في كتابنا في أخلاق النفس (٤) إن شاء الله . والمنافيان هما اللذان ليس بينهما وسائط، فإن الحياة والموت فيما يكونان فيه ليس بينهما وسيط لا يكون حياة ولا موتاً؛ وكذلك صحة العضو ومرضه لا يجوز أن يكون العضو صحيحاً مريضاً، ولا لا صحيحاً ولا مريضاً. والصحة هي تصرف العضو في فعله الطبيعي، والمرض هو ضعفه عن ذلك. وكذلك الجور والعدل في الحكم (٥) : لا يجوز أن يكون حكم لا عدلاً ولا جوراً ولا عدلاً جوراً. ولما كان هذان الأمران أعني التضاد والمنافاة معنيين مختلفين احتجنا في العبارة عنهما إلى اسمين متغايرين لئلا يقع الإشكال (٦) ؛ وقد حد قوم الضد بأنه الذي إذا وقع ارتفع الآخر، وهذا خطأ، لأن هذا قول يوجب أن يكون الاتكاء ضد القعود والخضرة ضد الحمرة وهذا خطأ، وإنما هذا من الخلاف والتغاير لا من التضاد، وحد الضد على الحقيقة هو ما عبرنا به آنفاً. وأما حال الجسم التي تنفي الضدين معاً من بعض الأضداد وبعض المتنافيين فلا يعرف لها (٧) اسم في الأكثر من مواضعها، كحال نفس الطفل فإنه لا يسمى براً ولا فاجراً ولا عالماً ولا جاهلاً بل كل حال من هذه الأحوال منفية عنه بلفظة " لا " فنقول: الطفل لا يعلم شيئاً ولا يطلق عليه اسم الجهل إلا مع إمكان العلم، ويقال الطفل ليس براً ولا فاجراً فإذا قوي واحتمل الأمرين وقع عليه أحدهما على حسب ما يبدو منه، وكالحجر لا يقال عنه حي ولا ميت لكن ننفي عنه كلا الأمرين بلفظة " لا "، أو " ليس " أو " ما " فنقول: الحجر ليس حياً ولا ميتاً. وقد يستحيل حامل كل واحد من المتنافيين أو الضدين أو الخلافين إلى حمل القسم الآخر فيكون

стр. 1097

الحي ميتاً والميت حياً والأسود أبيض والأبيض أسود. وليس ذلك لازماً لكن على حسب ما يكون ولكنه ممكن في الأغلب ومتوهم لو كان [٣٢ظ] كيف كان يكون في الجملة. وقد يدخل في الامتناع بالفعل لضروب من النصبة (١) المانعة منه في العادة. وأما التقابل فهو ينقسم قسمين: تقابل في الطبع وتقابل في القول: فالذي في القول هو الإيجاب والسلب، نعني بالإيجاب إثبات شيء لشيء (٢) كقولك زيد منطلق والخمر حرام والزكاة واجبة على مالك مقدار كذا وكذا (٣) من المسلمين والعالم محدث ومحمد رسول الله وما أشبه ذلك. والسلب نفي شيء عن شيء كقولك زيد ليس أميراً ومسيلمة ليس نبياً والربا ليس حلالاً والعالم ليس أزلياً وما أشبه ذلك؛ وقد يأتي لفظ الإيجاب والسلب كذباً إذا أوجبت الباطل ونفيت الحق. وإنما الفرق بين الإيجاب والسلب إدخال ألفاظ النفي وهي لا أو ليس أو ما أو الحروف التي تجزم في اللغة العربية الأفعال، بغير معنى الشرط، أو تنصبها وهي " لم " وأخواتها و " لن " وما أشبهها، فيكون نفياً، أو إخراجها فيكون إيجاباً. وأما الذي في الطبع فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها مقابلة الأضداد والمتنافيات، والثاني مقابلة المضاف، والثالث مقابلة القنية والعدم. وقد تكلمنا قبل في الأضداد وفي المتنافيات وفي الإضافة بما كفى. واعلم أن الضدين ثبات كل واحد منهما بنفسه، وكذلك المتنافيان. وأما المضافان فثبات كل واحد منهما بثبات الآخر، على ما بينا هنالك. ولذلك لا يدور كل واحد من الضدين على الآخر وكذلك المتنافيان. وأما المضافان فكل واحد منهما يدور على صاحبه فنقول: ضعف النصف ونصف الضعف ولا نقول جور العدل ولا عدل الجور ولا بياض السواد (٤) ولا سواد (٥) البياض ولا شر الخير ولا خير الشر. ومعنى

стр. 1098

التقابل هو كون شيئين في طرفين معينين يقتضي أحدهما وجود الآخر على الرتب التي ذكرنا، فكأنه يقابل أحدهما الآخر. وأما مقابلة القنية والعدم فذلك كالبصر وعدمه الذي هو العمى، فإن أحد هذين يدور على الآخر ولا يدور الآخر عليه، ومعنى الدوران هو الإضافة فنقول عمى البصر ولا نقول بصر العمى. واعلم أن القنية هي التي لا تدور على العدم أي لا تضاف إليه والعدم يدور على القنية أي يضاف إليها (١) . والعدم ليس معنى لكنه ذهاب الشيء وبطلانه ولا يعد عادماً إلا من يحتمل وجود ما هو عادم له، ألا ترى أن الحجر لا يسمى عادماً وكان هذا عندنا معنى [٣٣و] اتبعت فيه اللغة اليونانية، وأما اللغة العربية فكل حال لم يكن فيها شيء ما فإنه يطلق فيها اسم عدم ذلك الشيء، وسواء كان موجوداً قبل ذلك أو لم يكن. وكذلك يسمى فيها أيضاً بالعدم كل ما لم يكن، وسواء توهم كونه أو لم يتوهم؛ إلا أن الفرق بين الضدين وبين العدم والوجود أن كلا (٢) الضدين لهما إنية ومعنى ذلك أنهما موجودان، والموجود له إنية أي أنه موجود، والعدم لا إنية له أي لا وجود له. واعلم أن السلب والإيجاب إنما يقعان في الاخبار وبذلك يكون الصدق والكذب، وذكر الفلاسفة ها هنا شيئاً سموه " كون الشيء في الشيء " وليس يكاد ينحصر عندنا وإن كان محصوراً في الطبيعة، فلم نر وجهاً للاشتغال به إذ ليس إلا من تشقيق الكلام فقط كقولهم: النوع في الجنس والجنس في النوع وما أشبه ذلك مما لا قوة فيه في إدراك الحقائق وإقامة البراهين وكيفية الاستدلال الذي هو غرضنا في هذا الكتاب. وكذلك ذكروا أيضاً شيئاً وسموه " يكون الشيء مع الشيء " ورتبوه على ثلاثة أقسام: أحدها كون الشيء مع الشيء في زمن واحد، وهو المعهود في استعمال اللغة إذ كل شيئين كانا في زمان واحد فهما معاً أي كل واحد منهما مع الآخر، ورتبوا في ذلك أيضاً كون المضافين أحدهما مع الآخر أي أن (٣) مع النصف ضعفاً ومع الضعف

стр. 1099

نصفاً، ورتبوا في ذلك أيضاً كون النوعين معاً تحت جنس واحد أي مستويين فيه كالفرس والحمار تحت جنس (١) الحي، وكل هذه الأقسام ترجع إلى ال " مع " الزماني ولا تخرج عنه. وذكروا شيئاً (٢) سموه " القدمة "، وهذه لفظة أستعملها أهل اللغة العربية فيما تقدم زمانه زمان غيره كقولهم: الشيخ أقدم من الغلام، ودولة بني أمية أقدم من دولة بني العباس، وما أشبه ذلك، وأما أهل الكلام فإنهم استعملوها في الخبر عن المخلوقات والخالق تعالى فسموا الواحد الأول قديماً ونحن نمنع من ذلك ونأباه ولا نزيل القديم والقدم عن موضعهما (٣) في اللغة ولا نصف به الخالق البتة. وقد قال : " كالعرجون القديم " يريد البالي الذي مرت عليه أزمنة محيلة (٤) له بتطاولها، ونضع مكان هذه العبارة لفظة " الأول "، والإخبار بأنه تعالى لم يزل، وأن جميع ما دونه وهي كل المخلوقات لم تكن ثم كانت، وأن كل شيء سواه تعالى محدث مخلوق، وهو خالق أول واحد حق لا إله إلا هو. وذكر الأوائل أشياء في القدمة ليست صحيحة منها: أن الجنس أقدم من النوع بالطبع [٣٣ظ] من أجل أنه مذكور في الرتبة قبله، وهذا لا معنى له لأن الجنس هو جملة أنواعه نفسها، فلا يكون الشيء أقدم من نفسه، ولا يجوز أن يكون الكل أقدم من أجزائه. وذكروا أيضاً أن المدخل إلى العلوم أقدم من العلوم وهذا خطأ لأن العلم موجود في الطبيعة [أي بالقوة فيها] قبل دخول الداخل إلى طلبه. وذكروا أيضاً قدمة الشرف وهذا فاسد البتة إلا إن (٥) كان ذلك في اللغة اليونانية، واغتر بعضهم في ذلك في اللغة العربية في قولهم: " فرس عتيق " فظنوه بمعنى قديم كقولهم: " رجل عتيق " (٦) ، أي قديم، وليس كذلك، لأن العتيق في اللغة

стр. 1100

العربية من الأسماء (١) المشتركة فيقع على القديم كقولهم: " شراب عتيق " ويقع على الحسن (٢) الجيد كقولهم: " عتيق الوجه "، و " فلان ظاهر العتق " أي ظاهر الحسن، فعلى هذا المعنى قالوا: فرس عتيق، ويقع أيضاً على البراءة من الملك فيقولون: أعتق فلان عبده والعبد عتيق أي مبرأ من الملك. وأما العلة والمعلول فمن باب الإضافة ولا يجوز أن تسبق العلة المعلول أصلاً، ولو سبقته لوجدت (٣) وقتاً ما غير موجبة له، ولو كان ذلك لم تكن علة له (٤) ، إذ العلة ليست شيئاً أصلاً (٥) إلى القوة الموجبة لوجود ما يجب بوجودها، وبالله تعالى التوفيق. د باب الكلام على الحركة الحركة تنقسم ستة أقسام: قسمان أولان وهما حركتا الكون والفساد وهما في الجوهر، ومعنى الكون: " خروجه من الإمكان والعدم إلى الوجوب والوجود " وهذه حركة للجوهر الخارج لا لمبدعه المخرج له ؛ ومعنى الفساد: " خروجه من الوجود والوجوب إلى البطلان والعدم "، وذلك واجب في الأعراض ومتوهم على الأجرام إن شاء ذلك (٦) خالقها تعالى فيما شاء منها. والفساد عندنا على الحقيقة افتراق الجسم على أشياء (٧) كثيرة وذهاب أعراضه وحدوث أعراض أخر عليه، وأما الأجرام كلها فغير معدومة الأعيان أبداً بوجه من الوجوه، ولكنها منتقلة من صفة إلى صفة كما قال تعالى: ﴿خلقاً من بعد خلق﴾ (الزمر:٦) ومن مكان إلى مكان ومن عالم إلى عالم حتى تستقر المتعبدة منها في دار النعيم أو العذاب في عالم الجزاء بلا نهاية. وهاتان الحركتان تقعان أيضاً (٨) في الأعراض كلها لأنها كائنات فاسدات.

стр. 1101

ثم قسمان آخران وهما حركة الربو والاضمحلال [٣٤و] وهما من الكمية، فالربو هو: " تباعد (١) نهايات الجرم عن مركزه " والاضمحلال هو: " تقارب نهايات الجرم من مركزه "، وهذان لا يكونان إلا في النوامي، فيكون الربو بغذاء يستحيل إلى نوعها وينبسط من وسطها إلى طرفيها، ويكون الاضمحلال بأخذ الجو (٢) من رطوباتها أكثر مما يقبله الجرم من الغذاء، فترى الشجرة والنبت والحي ذا الجسد المركب يتغذى فيستحيل الغذاء أجزاء كأجزاء (٣) المتغذي به، ففي الحيوان يستحيل دماً ولحماً وشحماً وعظماً وعروقاً وشرايين وعصباً وشعراً وهلباً وريشاً وجلداً، فيمتد من (٤) ذلك الجسم ويطول ويعرض ويضخم؛ ويستحيل الغذاء للشجرة من الماء والرطوبات من الأرض (٥) والدمن عوداً ولحاءً وورقاً وزهراً وطعماً وصمغاً وخوصاً وعساليج، ويمتد ويعظم كما ذكرنا، وكذلك في النبت، ثم إذا ابتدأ كل ذلك يضمحل بتناهي أمره الذي رتبه له خالقه صار (٦) الجو والحر يأخذ من رطوبات الأجرام التي ذكرنا أكثر مما يقبله من الغذاء حتى ييبس الشجر والنبات ويموت الحي وتفترق (٧) أجزاؤه وترجع نفسه إلى عالمها الذي شاهدها فيه الصادق المبتعث من الخالق الأول (٨) ، إلينا (٩) ، ﷺ ، حين جولانه وتصرفه في عالم (١٠) الأفلاك بالقدرة الإلهية التي خص بها وهو ما بين مبدأ الأفلاك الذي هو فلك القمر، وبين تناهي أبعد العناصر الأربعة، جعل الله لنا في ذلك الفوز والنجاة والراحة وتخلصنا مما يقع فيه العصاة الآثمون (١١) . وتفتقر سائر (١٢) العناصر الجسدية إلى مستقرها الذي رتبها باريها

стр. 1102

تعالى فيه إلى أن يجمعها كلها يوم المبعث (١) ويعيدها كما بدأها، لا إله إلا هو. وتتفرق أيضاً أجزاء الشجر والنبات إلى مقرها أيضاً من العناصر الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض، فسبحان المبدع المركب المتمم المدبر، لا إله إلا هو، ﴿إن في ذلك لآية لقوم يعلمون﴾ (النمل:٥٢) ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ (يوسف:١٠٥) . ثم قسمان باقيان وهما الاستحالة والنقلة: فالاستحالة كاستحالة الخمر خلاً، فإن الخمر لم ترب ولا اضمحلت، ولا حدثت عينها ولا عين الخل، ولا عدم واحد منهما، ولا انتقل من مكان إلى مكان. وكذلك استحالة النار إلى الهواء والهواء إلى النار وبعض العناصر إلى بعض، وقد نجد المربع تزيد (٢) عليه مربعاً آخر فينمى ويربو ولا يستحيل عن التربيع. وأما النقلة فهي [٣٤ظ] الحركة العامية الظاهرة وهي تبدل الأماكن، وهذان القسمان كيفية، ومنافي كل حركة سكون المتحرك بها، فالسكون بالجملة ينافي الحركة بالجملة. والحركة المكانية النقلية تنقسم قسمين: اختيارية وطبيعية. فالاختيارية تنقسم قسمين: أحدهما تحريك الباري ما شاء من أجرام الجو حيث شاء تعالى من ريح أو مطر وما أشبه ذلك، وهي حركة حالة في الأشياء المذكورات وتأثير فيها. والثاني تحريك النفس لما هي فيه (٣) من الأجسام صعداً وسفلاً، وأمام ووراء، ويميناً ويساراً، وتحرك (٤) كل جسم مختار بجبلته. والطبيعة تنقسم ثلاثة أقسام: حركة من الوسط بمعنى علواً كالنار والهواء الآخذين أبداً في الارتفاع، ولا يأخذان سفلاً إلا بالقسر والقهر، وحركة إلى الوسط كحركة الماء والأرض فلا يأخذان أبداً إلا سفلاً يطلبان المركز أبداً (٥) ولا يأخذان علواً إلا

стр. 1103

بالقسر والقهر؛ وحركة حوالى الوسط، وهي حركة الأفلاك وكل ما فيها من الأجرام الجارية على رتبة معهودة طبيعية وهي كلها حركة استدارة، وهذه الحركة تنقسم قسمين إما من شرق إلى غرب كالفلك الأعلى في ذاته، وإما من غرب إلى شرق كالشمس والقمر والكواكب وأفلاكها، ثم هي أيضاً تختلف في حال سرعتها وبطئها، فتبارك الخالق المدبر، لا إله إلا هو (١) . تم كتاب قاطاغورياس، وهو كتاب الأسماء المفردة، بحوله وقوته وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وسلم (٢) .

стр. 1104

- ٢ - بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الأخبار وهو الأسماء المجموعة إلى غيرها وتسمى " المركبة " وهو المسمى في اللغة اليونانية " باري أرمينياس " ١ - رسم الاسم الاسم صوت موضوع باتفاق لا يدل على زمان معين، وإن فرقت أجزاؤه لم تدل على شيء من معناه، نريد بقولنا " موضوع باتفاق " اصطلاحاً من أهل اللغة على ما يختصرون به المعاني الكثيرة بلفظ مختصر يدل عليها كاتفاق العرب على أن سمت الراعي الطويل العنق، الأحدب الظهر، العالي القوائم، القصير الذنب، المتخذ للحمل والركوب " بعيراً "، واتفاق العجم على أن سمته باسم آخر. وكل تلك الأسماء دالة على الحيوان الذي ذكرنا [٣٥و] دلالة واحدة وهكذا كل مسمى وضع له اسم. وقولك " بعير " لا يدل على زمان معين، لا حال ولا ماض ولا مستقبل. وأنت إذا قسمته فقلت: " بعي " لم يدل على معنى البعير. وقد ظن قوم (١) جهال أن من الأسماء ما يدل شيء من أجزائه (٢) على شيء من معناه، كقولك: " عبد الله "، فإن عبداً يدل على معنى، فاعلم أن المعنى الذي يدل عليه " عبد " غير المعنى الذي يدل عليه " عبد الله " أي أنه لا يدل على المعنى الذي قصد بتسمية الرجل عبد الله. ألا ترى أنك تقول فيمن اسمه عبد الرحمن ليس هذا عبد الله هذا عبد الرحمن، أو هذا خالد فيمن اسمه خالد وتكون صادقاً مصيباً؛ ويكون مسميه عبد الله كاذباً مخطئاً، فلو كان المراد في التسمية الاخبار بأنه عبد الله لكان عبد الرحمن، ولكان عبد الرحمن عبد الله أيضاً، ولكنت في نفيك أنه عبد الله أيضاً كاذباً، ولكان من سماه عبد الله في الشهادة عليه والإخبار عنه صادقاً ولا شك في كذبه، فصح ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1105

وقد لاح بالحقيقة التي بينا أن الأوصاف والأخبار كلها إنما تقع على المسميات لا على الأسماء وأن المسميات هي المعاني والأسماء هي عبارات عنها، فثبت بهذا أن الاسم غير المسمى (١) ، ووضح غلط من ظن غير ذلك من أصحابنا الذين يقولون الكلام (٢) غير محققين له: إن الاسم هو المسمى (٣) ، وقد احتج بعضهم في خطائه ذلك بقول الله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ . (الأعلى:١) وهذا منهم سقوط شديد، وإنما بيان ذلك أن المسميات لما لم يتوصل (٤) إلى الأخبار عنها أصلاً إلا بتوسط العبارات المتفق عليها عنها جعلت المسميات عين (٥) تلك العبارات وإنما المراد المعبر بها عنها (٦) . ولما لم يكن سبيل إلى الثناء على الله إلا بذكر الاسم المعبر به عنه لم يقدر على إيقاع الثناء والحمد (٧) والتسبيح له تعالى إلا بتوسط الاسم، فأمرنا تعالى بما نقدر عليه لا بما لا نقدر عليه أصلاً، والمراد بالتسبيح هو تعالى، لا الصوت الفاني المنقطع المعدوم أثر وجوده، الواقع تحت حد الكمية في نوع القول كما قدمنا، فاعلم هذا. ومن الأسماء معارف وهي الخصوص كقولك زيد وعمرو والرجل الذي تعرف وغلام زيد وغلام الرجل وغلامي. ومنها نكرات وهي العموم كقولك رجل ما وحمار ما، وللأسماء أبدال (٨) تنوب عنها معروفة في اللغات بعضها للحاضر المتكلم وبعضها للحاضر المكلم وبعضها للمخبر عنه وبعضها للمشار [٣٥ظ] إليه كقولك: أنا وأنت وهو وهذا. وهذه هي المسماة (٩) عند أهل النحو الضمائر والمبهمات والكنايات

стр. 1106

وقد قدمنا أنها غاية الخصوص وأعرف المعارف. ٢ - القول على الكلمة تعني الفلاسفة بهذه اللفظة (١) الشيء الذي يسميه النحويون: " النعوت " والذي يسميه المتكلمون " الصفات "، وإذا رسمه النحويون قالوا: هو اسم مشتق من فعل مثل صح يصح فهو صحيح وظرف يظرف فهو ظريف (٢) وما أشبه ذلك. وقال الأوائل: إنه يدل على زمان مقيم (٣) لأنك تقول صح يصح فهو صحيح فهذا إخبار عن حاله الآن، وذلك بين (٤) فعل ماض ومستقبل، وهذه الكلمة صوت موضوع باتفاق أيضاً على ما قدمنا في الاسم لا يدل بعض أجزائها على معناها إلا أنها تدل على زمان مقيم كما ذكرنا. وذكروا في قولك الصحة أنها اسم لا كلمة وهذا الذي يسميه النحويون المصدر وهو على الحقيقة اسم للسلامة من العلل إلا أنه قد ينقسم قسمين: فمنه ما يكون فعلاً لفاعل وحركة لمتحرك كالضرب من الضارب، ومنه ما يكون صفة لموصوف كالصحة للصحيح فإنها محمولة فيه وصفة من صفاته. وأما الصحيح والضارب فاسمان للبريء من العلة وللمتحرك (٥) بالضرب استحقهما بمحموله وتأثيره، وإنما ذكرنا هذين اللفظين لأنهما موضوع الخبر ومحموله فهما جزءان للخبر، وكذلك قولك (٦) فعل وقعد أسماء (٧) موضوعة للعبارة عن التأثير الظاهر من الأجرام أو فيها وهي أيضاً جزء من أجزاء الخبر كقولك: زيد صحيح وعبد الله منطلق، فالخبر يقوم من اسمين أحدهما اسم مميز للمخبر عنه من غيره وهو الموضوع والثاني صفة مميزة للإخبار عنه من غيره وهو المحمول.

стр. 1107

٣ - القول على القول أراد الأوائل بلفظة القول ها هنا كل خبر قائم بنفسه وأقل ذلك اسم وصفة على ما قدمنا. والخبر المذكور يدل كل جزء منه على شيء من معناه بخلاف الألفاظ المفردات، إذ قلت محمد نبي دلك " محمد " على بعض مرادك بقولك: محمد نبي، وكذلك إذا قلت " نبي " أيضاً دلك على بعض مرادك بقولك محمد نبي (١) . وللخبر توابع ألفاظ (٢) سمتها الأوائل " لواحق وربطاً "، فاللواحق أشياء زائدة في البيان والتأكيد مثل قولك: العقل الحسن لزيد، والشعر الطويل (٣) الجيد [٣٦و] لفلان، والقوم أجمعون أتوني، فإن قولك: العقل الحسن اسمان لم يتم الخبر بهما تمامه بقولك زيد قائم، فلم يكن حكم اجتماع هذين اللفظين الناقصين كحكم اجتماع اللذين تم المعنى بهما. والألف واللام الداخلان في اللغة العربية للتعريف أو ما قام مقامهما في سائر اللغات من (٤) اللواحق أيضاً لأن كل ذلك بيان لاحق بالمبين فلذلك سميت هذه الزوائد لواحق. وأما الربط فهي التي يسميها النحويون حرفاً جاء لمعنى، وهي ألفاظ وضعت للمعاني الموصلة بين الاسم والاسم، وبين الاسم والصفة، وبين المخبر عنه والخبر، كقولك: زيد في الدار، وزيد وعمرو قاما، وزيد لم يقم، وهي مثل حروف الخفض ك: في وعن ومن وسائرها وكحروف الاستفهام مثل: هل وكيف وما أشبه ذلك، فإنك تقول: هل قام زيد وكذلك سائر الحروف الموصلة للمعاني. ومنفعة هذه الحروف في البيان عظيمة فينبغي تثقيف معانيها في اللغة، إذ لا يتم البيان إلا بها، وتنوب عن تطويل كثير. ألا ترى أنك تقول اخوتك وأعمامك أتوني، فلولا الواو احتجت إلى إفراد كل واحدة من الجملتين والإخبار عنها بأنهم أتوك. وقد يكون القول مركباً من لفظين ولا يكون تاماً كقولك: إن جئتني أو كقولك:

стр. 1108

إذا مات زيد، فإن قلت إن جئتني أكرمتك كان كلاماً تاماً (١) ، وإذا مات زيد انقطعت حركته كان كلاماً تاماً. والخبر كما قدمنا إما إيجاب وإما نفي، والموجب إما أن يكون كذباً وإما أن يكون صدقاً، والمنفي أيضاً كذلك. والخبر إذا تم كما ذكرنا سمي قضية فإما صادقة وإما كاذبة، فاحفظ هذا واذكره فإنه سيمر بك كثيراً إن شاء الله تعالى. والقضية النافية والموجبة تنقسم كل واحدة (٢) منهما قسمين: إما معلقة بشرط وإما قاطعة. فالمعلقة كقولك: من بدل دينه بغير الإسلام لزمه القتل، وقولك (٣) : إن كان متحركاً بإرادة فهو حي، وكقولك: إذا غابت الشمس كان الليل. وأعلم أن إن ومتى ومتى ما وإذا وإذا وما وكلما هذه الحروف توجب حكماً واحداً (٤) في الشرط وتعليق المحمول بالموضوع فيها، فإن أردت أن تجعل هذه القضايا بلفظ النفي قلت: من بدل دينه (٥) لم يجز أن يستبقى إلا أن يسلم، وإن كان متحركاً بإرادة فليس ميتاً [٣٦ظ] وإن غابت الشمس لم يكن نهاراً. وأما القاطعة فأن تقول: كل إنسان جوهر، أو أن تقول: الصلوات الخمس فرض على من خوطب بها، والنفي يكون بإدخال لا أو ليس أو ما أو الحروف التي ذكرنا أنها تجزم الأفعال بغير الشرط أو تنصبها، فإذا أدخلت شيئاً من هذه الحروف التي ذكرنا أنها تجزم الأفعال بغير الشرط أو تنصبها، فإذا أدخلت شيئاً من هذه الحروف على قضية كاذبة صار النفي حقاً. " إله غير الله " قضية كاذبة فإذا أدخلت عليها حرف النفي فقلت (٦) " لا إله غير الله " صدقت. وإذا أدخلت أحد (٧) هذه الحروف على قضية صادقة كنت كاذباً فهذا هو (٨) الذي سمته الأوائل " السلب والإيجاب " لأن هذه الحروف تسلب ما أوجبت في لفظك الذي أدخلتها عليه. ولكل موجبة سالبة واحدة ولكل سالبة موجبة واحدة وليس ذلك إلا بإدخال حرف من حروف النفي التي ذكرنا أو إخراجه فقط، وبالله تعالى

стр. 1109

التوفيق. واعلم أن كل قضية وقع في أول عقدها استثناء فهي شرطية (١) ، والشرطية تكون على وجهين: إما متصل وإما مقسم فاصل. فالمتصل هو ما أوجب أرتباط شيء بشيء آخر لا يكون إلا بكونه؛ وهو يكون على وجهين: إما موجب كقولك: إن غابت الشمس كان الليل، وإما ناف كقولك: إن لم تطلع الشمس لم يكن نهار. ألا ترى أنك ربطت كون النهار بكون طلوع الشمس ووصلته به، وربطت كون الليل بكون مغيب الشمس ووصلته به، وربطت كون الليل بكون (٢) مغيب الشمس ووصلته به. وأما المقسم الفاصل فهو ما جاء بلفظ الشك وإن لم يكن شكاً لكنه حكم للموضوع بأحد أقسام المحمولات وذلك مثل قولك: العالم إما محدث وإما لم يزل، وإن شئت أتيت بلفظة أو؛ إلا أن لفظة إما إذا قطعت وقسمت أبين من لفظة أو، وإذا كنت مقرراً مستفهماً، فإن شئت أتيت بلفظة أم، وإن شئت بلفظة أو، فتقول: أمحدث العالم أو لم يزل، وإن شئت قلت: أم لم يزل. وقد تكون أقسام هذا النوع أعني الفاصل أكثر من قسمين، وذلك على قدر توفية القسمة جميع ما تحتمله في العقل، وهذا موضع يعظم فيه الغلط إذا وقع في القسمة اختلال ونقص، فتحفظ منه أشد التحفظ، فإن كنت مسؤولاً فتأمل (٣) هل أبقى سائلك قسماً من أقسام سؤاله فنبه عليه، فإن لم تفعل فلا بد لك من الخطأ ضرورة إذا أجبت (٤) . وإن كنت سائلاً فلا ترض لنفسك بهذا فإنه من فعل الجهال أو الوضعاء الأخلاق المغالطين لخصومهم القانعين بغلبة الوقت دون إدراك الحقائق. واعلم [٣٧و] أن المحمول إذا كان واحداً والموضوعات كثيرة فهي قضايا كثيرة كقولك: الملك والانسي والجني (٥) أحياء. فهذه ثلاث قضايا، وإذا كان الموضوع

стр. 1110

واحداً والمحمولات كثيرة فهي قضية واحدة كقولك: نفس الإنسان حية ناطقة ميتة مشرقة على جسد يقبل اللون منتصب القامة؛ فإن فرقت كل ذلك أو كان كل محمول منها مستغنياً بنفسه (١) كانت قضايا متغايرة. واعلم أن الكلام لا يسمى قضية حتى يتم، وسواء طال أو قصر، كقولك الإنسان المركب من جسد يقبل اللون ونفس حية ناطقة ميتة يحرك يده بجسم محدد الطرف، وفي طرفه جسم (٢) مائع مخالف للون سطح جسمه في يده، يخط في ذلك السطح خطوطاً تفهم معانيها، فكل هذا مساو لقولك إنسان كاتب. واعلم أن القضايا إما اثنينية وهي المركبة من موضوع ومحمول كما قدمنا، وإما أكثر من اثنينية وهي أن تزيد صفة أو زماناً فتقول: محمد كان أمس وزيراً وعمرو رجل عاقل، وقد تزيد أيضاً على هذا بزيادتك فائدة أخرى وهي أن تزيد في القضية: إما وجوبها ولا بد، وإما إمكانها، وإما أنها محال لا تكون. وأنت إذا زدت على القضية التي هي مخبر عنه وخبر صفة أخرى كما ذكرنا جاز ذلك، وكانت الزيادة التي زدت هي غرضك في الخبر، يعني أنها تصير هي المحمول والخبر معاً، وكان المحمول والموضوع اللذان كانا هما المخبر عنه والخبر معاً موضوعاً ومخبراً عنه فقط، كقولك: زيد منطلق فإذا زدت فقلت: زيد المنطلق كريم أو زيد منطلقاً كريم فيصير قولك " زيد منطلقاً (٣) " موضوعاً أي مخبراً عنه ويصير قولك " كريم " هو المحمول، أي هو الخبر، وهكذا القول في النفي ولا فرق. واعلم أن القضايا إما مهملة وإما مخصوصة وإما ذوات أسوار. فالمخصوصة ما كانت خبراً عن شخص واحد أو عن أشخاص بأعيانهم لا عن جميع نوعهم بنفي أو إيجاب، كقولك: زيد غير منطلق، وإخوتك لا كرام، وفلان خليفة، وعمرو حي. واعلم أن هذا القسم الذي سميناه مخصوصاً لا يقوم منه برهان عام فتحفظ من

стр. 1111

ذلك وسيأتي بيان هذا القول في الكتاب الذي يتلو هذا الكتاب إن شاء الله . وأما ذوات الأسوار فهي تنقسم قسمين في الإيجاب وقسمين في النفي. فقسما الإيجاب إما كلي وإما جزئي، فالكلي ما وقع بلفظ [٣٧ظ] عموم كقولك: كل أو جميع أو لا واحد وما أشبه ذلك. والجزئي ما وقع بلفظ تبعيض كقولك: بعض أو جزء أو طائفة أو قطعة وما أشبه ذلك؛ وقسما النفي إدخال حروف النفي على كلا (١) هذين القسمين. وهذه الأسماء التي (٢) تعطي العموم المتيقن أو التبعيض المتيقن هي المسماة أسواراً لأنها كالسور المحيط بما في دائرته أو سائر شكله، ومن هذه أعني ذوات الأسوار يقوم البرهان الصحيح على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله ، وبها يقع الإلزام الذي به تبين الحقائق كقولك: كل (٣) إنسان حي، أو جميع الناس أحياء أو لا واحد من الناس نهاق أو لا واحد (٤) من الناس صهال أو قولك: بعض الناس كاتب أو طائفة من المسلمين (٥) أطباء وما أشبه ذلك، وكقولك في النفي لا بعض الناس حجر وما أشبه ذلك (٦) . وأما المهملة فهي التي لا يكون عليها شيء من الأسوار التي ذكرنا وقد تنوب، في اللغة العربية، المهملة مكان ذوات الأسوار، وذلك أنها لفظة تقع على الجنس أو النوع كقولك: الحي حساس، أو كقولك: الإنسان حي، وبين قولك كل إنسان حي، والحقيقة في ذلك عند قوة البحث أن تتأمل القضية المهملة فتنظر في محمولها فإن لم يمكن إلا أن يكون عاماً (٧) فالموضوع كلي، وإن لم يمكن أن يكون عاماً فالقضية جزئية ومما يبين هذا أنك إن لفظت بالمهمل فقلت: الإنسان حي ناطق ميت، الإنسان

стр. 1112

ضحاك، لم ينكر ذلك أحد، ولو قلت الإنسان طبيب بالفعل، الإنسان حائك بالفعل لأنكر ذلك عليك كل سامع ولكذبوك، لأن الصفة جزئية، وكذلك لو قلت الأطباء محسنون لكذبك كل سامع لأن الأطباء عموم. والمحسنون هم بعض الأطباء بلا شك، فلما حملت على المهمل صفة جزئية أنكرتها النفوس. واعلم أن السور الكلي لا يجوز أن يوضع إلا قبل الموضوع أي قبل المخبر عنه لا قبل المحمول، وهو الخبر، لأنك إذا قلت: كل إنسان حي صدقت، وإذا قلت: الإنسان كل حي، كذبت؛ وإنما يجوز أن تقرن السور الكلي (١) بالمحمول إذا كان حداً أو رسماً، كقولك: نفس الإنسان كل حية ناطقة مبتة ذات جسد ملون (٢) ، وإذا قلت: الإنسان كل ضحاك، أو إذا كان السور جزئياً مثل قولك: الإنسان بعض الحي. ٤ - باب العناصر [٣٨و] اعلم أن عناصر الأشياء كلها، أي أقسامها، في الإخبار عنها، ثلاثة أقسام لا رابع لها: إما واجب وهو الذي قد وجد (٣) وظهر، أو ما يكون مما لا بد من كونه، كطلوع الشمس كل صباح، وما أشبه ذلك. وهذا يسمى في الشرائع: " الفرض واللازم ". وإما ممكن وهو الذي قد يكون وقد لا يكون، وذلك مثل توقعنا أن تمطر غداً وما أشبه ذلك، وهذا يسمى في الشرائع: " الحلال والمباح ". وإما ممتنع وهو الذي لا سبيل إليه كبقاء الإنسان تحت الماء يوماً كاملاً، أو عيشه شهراً بلا أكل أو مشيه في الهواء بلا حيلة وما أشبه ذلك، وهذه التي إذا ظهرت من إنسان علمنا أنه نبي وهذا القسم يسمى في الشرائع (٤) : " الحرام والمحظور ". ثم الممكن ينقسم أقساماً ثلاثة لا رابع لها: ممكن قريب كإمكان وقوع المطر عند تكاثف الغيم في شهري كانون وغلبة العدد الكبير من الشجعان العدد اليسير من

стр. 1113

الجبناء؛ وممكن بعيد وهو كانهزام العدد الكثير من الشجعان عند عدد يسير من جبناء وكحجام يلي الخلافة وما أشبه ذلك؛ وممكن محض وهو يستوي طرفاه، وهو كالمرء الواقف إما يمشي وإما يقعد وما أشبه ذلك. وكذلك نجد هذا القسم المتوسط في الشرائع ينقسم أقساماً ثلاثة: فمباح مستحب ومباح مكروه ومباح مستو لا ميل له إلى إحدى الجهتين. فأما المباح (١) المستحب فهو الذي إذا فعلته أجرت وإذا تركته لم تأثم ولم تؤجر، مثل صلاة ركعتين نافلة تطوعاً؛ وأما المباح المكروه فهو الذي إذا فعلته لم تأثم ولم تؤجر وإذا تركته أجرت وذلك مثل الأكل متكئاً ونحوه؛ وأما المباح المستوي فهو الذي [إذا) فعلته أو تركته لم تأثم ولم تؤجر وذلك مثل صبغك ثيابك أي لون شئت، وكركوبك أي حمولة شئت ونحوه. وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممكن على وجوه، فمنه ما يأتي بلفظ الإيجاب كقولك: ممكن أن يموت هذا المريض، وقد يأتي بلفظ الشك فتقول: هذا المريض إما يموت وإما يعيش، وهذا الرمان إما حلو وإما حامض. وقد يأتي بلفظ النفي فتقول: هذا المريض لا ممتنع أن يبرأ. واعلم أن كل ممكن فإنك تصفه بالضدين معاً أحدهما بالقوة والآخر بالفعل كقولك: القاعد قائم أي أنه قاعد بالفعل قائم بالإمكان. واعلم أن الواجب قبل الممكن لأن الواجب هو الموجود وأما الممكن فلم يأت بعد وأما الممتنع فهو باطل لأنه لا يكون ولا يظهر. واعلم أن الواجب ينقسم قسمين: أحدهما [٣٨ظ] ما كان معلوماً قبل كونه أنه لا بد من كونه، كطلوع الشمس غداً، أو ما لم يزل ملازماً واجباً مذ وجد كملازمة التأليف للأجسام. والثاني ما كان قبل وجوبه غير مقطوع على أنه يكون كصحة المريض أو موته. واعلم أن الممتنع ينقسم أقساماً أربعة:

стр. 1114

أحدها الممتنع بالإضافة وهو إما في زمان دون زمان، أو في مكان دون مكان، أو من جوهر دون جوهر، أو في حال دون حال، كوجوب كون الفيلة فاشية في الهند وكونها إلى الآن ممتنعة أن تكون فاشية في أرض الصقالبة، وكوجوب المردة في خلال استيفاء المرء أربعة عشر عاماً وامتناع اللحية في تلك المدة ووجوبها بعد وجودها وكوجوب رفع المرء الذي لا يجود بنفسه أو ليس مغمى عليه لرطل (١) وامتناع حمله ألف رطل، وكامتناع الضعيف من رفع (٢) خمس مائة رطل، ووجوب حمل القوي لها، وكإمكان الذكي أن يغوص على المعاني (٣) الغامضة ويعمل الشعر الجيد، وامتناع ذلك من الغبي البليد (٤) الأبله الطبع فهذا وجه. والثاني الممتنع (٥) في العادة قطعاً وهو متشكل في حس النفس وتخيلها لوكان كيف كان (٦) يكون، كاتقلاب الجماد حيواناً، واختراع الأجسام دون تولد، ونطق الجماد، وهذا القسم به تصح نبوة النبي، إذا ظهرت منه ولا سبيل إليها لغيره. والثالث الممتنع في العقل ككون المرء قائماً قاعداً في حال واحدة، وككون الجسم في مكانين، وكانقلاب الذي لم يزل محدثاً، أو المحدث لم يزل؛ أو وجود أشياء كثيرة لم تزل (٧) ، وهذا بالجملة هو كل ما ضاد الأوائل المعلومة بأول العقل، وهذا ما لا سبيل إلى وجوده أصلاً، ولا يفعله الخالق أبداً، ولا يكون ذلك أصلاً، وفيه فساد بنية العالم وانخرام رتب العقول التي هي أسباب معرفة الحقائق ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته﴾ والرابع الممتنع (٨) المطلق مثل كل سؤال أوجب على ذات الباري تعالى تغيراً، فهذا هو الممتنع لعينه (٩) الذي ينقض بعضه بعضاً ويفسد

стр. 1115

أوله آخره (١) ، وهذا مثل سؤال من يسأل هل يقدر الله تعالى أن يخلق مثله ونحو هذا، فأعلمه لأنه لا يحدث أولاً على الإطلاق (٢) . واعلم أنه لا قسم لقضايا العالم غير ما ذكرنا أصلاً. وقد يأتي أيضاً اللفظ الذي يعبر به عن الواجب بلفظ النفي وبلفظ الإيجاب، وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممتنع بلفظ النفي، وقد يأتي أيضاً (٣) بلفظ الإيجاب، ولا سبيل إلى أن يأتيا بلفظ شك فتقول: واجب أن تطلع الشمس غداً، وممتنع أن لا تطلع غداً (٤) ، وتقول: واجب أن لا يوجد في النار برد، وممتنع [٣٩و] أن يوجد في النار برد (٥) . وقد قال قوم إن العناصر اثنان وهما واجب وممتنع فقط، قالوا: ولا ممكن البتة لأن الشيء الذي تسمونه ممكناً هو قبل وجوده ممتنع، وهو بعد وجوده واجب، فلا ثالث. قالوا: وما غاب عنا فإما أنه في علم الله تعالى يكون وإما أنه لا يكون، فإن كان الله قد علم أنه سيكون، فهو الآن واجب أن يكون، وإن كان تعالى علم أنه لا يكون فهو الآن ممتنع أن يكون. ونحن نقول: إن هذا حكم فاسد. أما حجتهم الأولى من أن الشيء قبل كونه ممتنع فخطأ، بل في القوة وفي الظن ربما قد (٦) كان وربما لم يكن؛ وأما احتجاجهم بعلم الله تعالى فإن الله تعالى قد أمر ونهى، فلو لم يكن الشيء الذي أمر به تعالى متوهماً كونه من (٧) المأمور به لم يكن للأمر به (٨) معنى، فالمتوهم كونه هو الممكن، وأفعال المختارين قبل كونها داخلة في قسم الممكن (٩) ، بخلاف أفعال الطبيعة.

стр. 1116

ثم نقول: إن الحس والعقل قد ثبت فيهما أن بين مشي القاعد الصحيح الجوارح والجسم الغير ممنوع وبين مشي المقعد المبطل الساقين فرقاً، وهذا فرق بين الممكن والممتنع. وكذلك فيهما أن بين قعود الصحيح الذي ذكرنا الذي إذا شاء تركه تركه، وبين قعود المقعد الذي لو رام جهده تركه لم يقدر، فرقاً واضحاً، وهذا فرق بين الممكن والواجب. والواجب أن نلزم (١) من قال بخلاف قولنا أن لا يتأهب للجوع إذا أصابه بأكل الطعام لأنه إن كان انتهى أجله فواجب أن يموت، وإن كان لم ينته أجله فممتنع أن يموت، وينبغي له (٢) أن يقتحم النيران إذ إن كان (٣) في المغيب أنه لا يحترق فممتنع أن يحترق، فيلزم مخالفنا أن تأهبه وفكرته وسعيه فيما يدفع به عن نفسه البرد والعطش والأذى كتأهبه وفكرته لدفع حركة الفلك أو لمنع الشمس من الطلوع، ونحن إنما نناظر الناس حتى نردهم إلى موجب العقل أو الحس أو نلزمهم أن يخرجوا عن رتب العقل وإلى مكابرة الحس، فإذا خرجوا إلى ما ذكرنا فقد كفونا التعب معهم، ولزمنا الإعراض عنهم وتركهم يتمنون الأضاليل ويفرحون بالأباطيل كالسكارى والصبيان المغرورين بأحوالهم، المسرورين بأفعالهم، ونشتغل بما يلزمنا من تبيين الحقائق لطلابها، فإنما نتكلم مع النفوس العاقلة المميزة، لا مع الألسنة فقط، ولا مع النفوس السخيفة. ٥ - باب الكلام في الإيجاب والسلب وهو النفي ومراتبه ووجوهه النفي المفيد معنى والذي تنفي به ما أوجب خصمك إنما حكمه أن يكون للمحمول لا [٣٩ظ] للموضوع لأنك تثبت الاسم ثم توجب له صفة أو تنفيها عنه. ولو نفيت الموضوع وهو الاسم المخبر عنه لكنت لم تحصل معنى تخبر عنه كقولك: لا زيد منطلق، لأن ظاهر هذا اللفظ نفي زيد ونفي الانطلاق معه. والأوائل يسمون مثل هذا " قضية غير محصلة "، وإنما الصواب أن تقول: زيد غير منطلق، أو ليس منطلقاً، فتكون قد أثبت زيداً ونفيت عنه الانطلاق. والأوائل يسمون هذه " قضية مسلوبة " و " متغيرة في المحمول " لأنك غيرتها عن الإيجاب، فتحفظ في هذا المكان، فأقل

стр. 1117

ما في ذلك أن تجيب على أحد وجهي الكلام اللذين هما إما نفي المخبر عنه جملة وإما نفي الصفة عنه، فتكون مجيباً قبل تحقيق السؤال وتصحيحه، فيلزمك نقص الفهم والجور في الحكم. وإذا أردت نفي ما أوجب خصمك نفياً تاماً صحيحاً فلا بد لك من أنك إنما تريد نقض بعضه أو نقض كله، فإن أردت نقض بعضه فبين ذلك، وإن أردت نقض كله فلا بد من أن يجمع كلامك ثمانية شروط وإلا فليس نقضاً تاماً: أحدها (١) : أن يكون الموضوع فيما أوجب هو وفيما نفيت أنت واحداً، فإن كانا اثنين وقع الشغب، وذلك مثل قول القائل: الموجود محدث، فيقول الآخر: الموجود ليس محدثاً، فهذا فساد في بنية الكلام، وليس أحد الكلامين نقضاً للآخر، لأن الباري موجود، وليس محدثاً، والعالم موجود وهو محدث، ونحو ذلك عرض لأصحابنا من أهل السنة والمعتزلة فإنهم أكثروا التنازع والخوض حتى كفر بعضهم بعضاً، فقالت المعتزلة: القرآن مخلوق، وهم يعنون العبارة المسموعة، وقال أصحابنا: القرآن لا مخلوق (٢) ، وهم يعنون علم الباري . والثاني: أن يكون المحمول الذي أوجب أحدهما هو المحمول الذي نفى الآخر لا غيره أصلاً، وذلك مثل قائل قال (٣) زيد عالم، فقال مخالفه: زيد ليس بعالم، فإن عنى أحدهما عالماً بالنحو، وعنى الآخر عالماً بالفقه لم تتناقض قضيتاهما. والثالث: أن يكون الجزء الذي فيه استقر الحكم من الموضوع واحداً في كلتا القضيتين لا غيره كقائل قال: زيد أسود، يريد أسود الشعر، فيقول الآخر: زيد ليس بأسود، يريد اللون أو العين. والرابع: أن يكون الجزء من المحمول في القضيتين واحداً لا متغايراً كقائل قال (٤) : زيد ضعيف، فيقول الآخر: زيد ليس بضعيف، يريد أحدهما ضعف الجسم بالبنية الكلية، والآخر نفي ضعف الجسم بالمرض الذي هو جزء من أجزاء [٤٠و] الضعف. والخامس: أن يكون الزمان الذي أثبت فيه أحدهما ما أثبت هو الزمان الذي نفى فيه الآخر

стр. 1118

ما أثبت هذا لا غيره، كقائل قال: زيد كاتب - أي قد كتب ويكتب (١) فيقول الآخر: زيد ليس كاتباً، أي ليس الآن يكتب. والسادس: أن تكون الحال التي أثبت فيها أحدهما ما أثبت، هي الحال التي نفى فيها الآخر (٢) ما أثبت هذا لا غيرها، كقائل قال: الطفل فارس، يريد الإمكان والاحتمال في البنية (٣) ، فيقول الآخر: الطفل ليس بفارس يريد بالفعل في حال الطفولة. والسابع: أن تكون إضافة الشيء الذي أثبت هو وإضافة الشيء الذي نفى خصمه إلى شيء واحد لا إلى شيئين، كقائل قال: زيد عبد، فيقول الآخر: زيد ليس عبداً، يريد أحدهما لله ، ويريد الآخر نفى أنه متملك لإنسان، ونحو قولك (٤) : السيف يقطع، فيقول خصمك: السيف ليس يقطع، أردت اللحم (٥) ، وأراد هذا الحجارة. والثامن أن تكون القضيتان مستويتين في الجوهر أو في العرض، لا مختلفتين، كقائل قال: زيد ينتقل، فقال خصمه: زيد لا ينتقل، وهما يخبران جميعاً عن رجل (٦) قاعد في سفينة تسير، فهو ينتقل بالعرض، أي بنقل السفينة إياه، وهو غيرمنتقل بذاته بل هو ساكن. وبالجملة ففتش كلام خصمك فإن كان في كلامك الذي تريد إيجابه أو نفيه معنى يخالف ما حكم هو فيه بإيجاب أو بنفي فبينه ولا تخالف شيئاً من معانيه إلا بحرف النفي فقط وإلا كنت شغبياً معنتاً (٧) أو جاهلاً، فهذه شروط النقيض. والنفي الكلي وهو نفيك الصفة عن جميع النوع أو نفيك جميع الصفة عن بعض النوع تنطق به (٨) بلفظ يشبه في ظاهره الجزئي لأنك إذا أردت النفي الكلي، وهو العام، قلت ليس واحد (٩) من الناس صهالاً، أو ليس أحد من الناس صهالاً،

стр. 1119

وليس واحد من الخيل ناطقاً، وليس شيء من النطق في هذا الفرس. والنفي الجزئي، وهو نفيك الصفة عن بعض النوع لا عن كله، تنطق به بلفظ جزئي وبلفظ كلي [ ... ] (١) ومعنى هذين اللفظين واحد لا اختلاف فيه، أحدهما ظاهره العموم والثاني ظاهره الخصوص. والإيجاب الكلي وهو إثباتك الصفة لجميع النوع لا يكون إلا بلفظ كلي إما بسور كما قدمنا، وإما مهمل يقصد به العموم كقولك: كل إنسان حي، أو كقولك: جميع الناس أحياء، أو تقول، الإنسان حي، وأنت لا تريد شخصاً واحداً بعينه، أو تقول: الناس أحياء وأنت لا تريد بعضاً منهم. والإيجاب الجزئي وهو إثباتك الصفة لبعض النوع لا يكون أصلاً إلا بلفظ جزئي كقولك: بعض الناس كتاب، فأفهم هذه الرتب وتثبت فيها. وقد قال [٤٠ظ] بعض المتقدمين إن القائل إذا أتى بقضية مهملة فقال: الإنسان كاتب، ان الأسبق إلى النفس أن مراده بذلك بعض النوع لا كله. وأما نحن فنقول: إن هذا القول غير صحيح وإن هذه المهملات يعني الألفاظ التي تأتي في اللغة: مرة للنوع كله، ومرة للشخص الواحد، ومرة لجماعة من النوع، فإنها إن لم يبين المتكلم بها أنه أراد شخصاً واحداً من النوع، أو بعض النوع دون بعض، أو لم يقم على ذلك برهان ضروري، أو مقبول، أو متفق عليه من الخصمين، فلا يجوز أن تحمل على عموم النوع كله لأن الألفاظ إنما وضعت للإفهام لا للتلبيس. وكل لفظة فمعبرة عن معانيها ومقتضية لكل ما يفهم منها، ولا يجوز أن يكلف المخاطب فهم بعض ما تقتضيه اللفظة (٢) دون بعض، إذ ليس ذلك في قوة الطبيعة البتة، بل هذا من الممتنع الذي لا سبيل إليه ومن باب التكهن، إلا باتفاق منهما أو ببيان زائد، وإلا فهي سفسطة وشغب وتطويل بما لا يفيد ولا يحقق معنى.

стр. 1120

وسمى بعض المتقدمين قول القائل: كل إنسان حي، وقول المخالف له: ليس (١) كل إنسان حياً، " ضداً "، وسمى قول القائل: كل إنسان حي وقول الآخر لا بعض الناس حي، " نقيضاً " وذكر أن النقيض أشد مباينة من الضد، واحتج بأن قال إن القضيتين الأوليين اللتين سميناهما ضداً كلتاهما كلية، الواحدة موجبة والأخرى نافية، والقضيتان الأخريان اللتان سميناهما نقيضاً، الواحدة كلية والثانية جزئية، والواحدة موجبة والثانية نافية، فإنما اختلفت الأوليان (٢) في جهة واحدة وهي الكيفية فقط أي في الإيجاب والنفي، وهما متفقتان في الكمية أي أن كلتيهما كلية، واختلفت الأخريان في جهتين: إحداهما الكيفية، أي الإيجاب والنفي كاختلاف قضيتي الضد، والثانية الكمية وهي أن الواحدة كلية والثانية جزئية. قال: فما اختلف من جهتين أشد تبايناً مما اختلف من جهة واحدة. ونحن نقول: إن هذا خطأ وإن هذا القائل إنما راعى ظاهر اللفظ دون حقيقة المعنى، وإن قضاء هذا القائل وإن كان صادقاً في عدد وجوه الاختلاف، فهو قضاء كاذب في شدة الاختلاف، ولو كان (٣) قال مكان أشد " أكثر " لكان حقاً. بل نقول: إن التي تسمى ضداً، ونحن (٤) نسميها " نفياً عاماً " إن (٥) شئت، أو " نقيضاً عاماً "، أشد تبايناً من [٤١و] الأخرى التي نسميها " نقيضاً خاصاً " لأن قائل الأولى نفى جميع ما أوجبه الآخر وكذبه في كل ما حكى، ولم يدع معنى من معاني قضيته إلا وخالفه فيها وباينه في جميعها. وأما الثانية فإن قائلها إنما نفى بعض ما أوجبه (٦) الآخر وأمسك عن سائر القضية فلم ينفها ولا أوجبها ولا خالفه فيها ولا وافقه، وإنما باينه في بعض قضيته لا في كلها، والمباين في الجميع أشد خلافاً من المباين في البعض.

стр. 1121

وإذا أتاك خصمك بمقدمة مهملة فقرر معه معناها: العموم (١) أراد أو (٢) الخصوص، أي على الكل يحملها أو على بعض ما يقتضيه اللفظ الذي تكلم به، وتحفظ من إهمال هذا الباب، وإذا قضيت قضية فنفاها خصمك فتأمل فإن كان ما أوجبت ونفى هو من ذوات الوسائط فحقق عليه في أن يبين ما أراد كقولك: زيد أبيض، فيقول هو: ليس زيد بأبيض، فإنه لا يلزمه بهذا القول أن يكون زيد أسود، ولعله أراد أنه أحمر أو أصفر. ومثال هذا في الشرائع أن تقول: أمر كذا حرام فيقول خصمك ليس بحرام أو تقول أمر كذا واجب، فيقول خصمك: ليس بواجب، فإنه في قوله ليس بحرام ليس يلزمه أنه واجب ولا في قوله إنه ليس واجباً أنه حرام، بل لعله أراد أنه مباح فقط. وأما غير ذوات الوسائط فلا تبال (٣) عن هذا لأنك إن قلت: زيد حي فقال خصمك: هو غير حي فقد أوجب أنه ميت ضرورة، ولا واسطة (٤) هاهنا، ولقد لزمه القول بموته (٥) فانظر أنه قد يكون معنى النفي بلفظ الإيجاب إلا أن ذلك ليس شرطاً عاماً تثق النفس به بل هو في مكان دون مكان لأنك تقول: فلان ميت فيقول خصمك: فلان يكتب أو فلان حي فهذا معنى صحيح في نفي الموت ولكن لا تثق بهذا؛ فإنك إذا قلت: فلان متكيء فيقول خصمك: فلان جالس فقد تكونان معاً كاذبين بأن يكون المخبر عنه قائماً، وحقيقة النفي هو ما صدق أحدهما وكذب الآخر، فإذا أردت حقيقة النفي ورفع الإشكال فلا بد من أحد حروف النفي التي قدمنا ذكرها فتأمن من (٦) الغلط، ولهذا قال المتقدمون: إن لكل موجبة سالبة واحدة، ولكل سالبة موجبة واحدة، أي أن ذلك لا يكون إلا بإدخال حرف النفي فقط، والله أعلم بالصواب.

стр. 1122

[٤١ظ] ٦ باب اقتسام القضايا: الصدق والكذب وإذ قد ذكرنا أن عناصر الاخبار ثلاثة أي انقسامها ثلاثة وهي: واجب أو ممكن أو ممتنع فلنذكر إن شاء الله بتوفيقه لنا وجوه اقتسام (١) القضايا الموجبات والنوافي للصدق في هذه الأقسام الثلاثة فنقول، وبالله تعالى نتأيد: إن النفي العام والإيجاب العام يقتسمان (٢) الصدق والكذب ضرورة في عنصر الوجوب، فالموجبة أبداً (٣) صادقة حق، والنافية أبداً كاذبة باطل، مثل قولك: كل إنسان حي، فهذا حق ونفيه كذب، إذا قلت: ولا واحد من الناس حي فهذا أمر لا يخونك أبداً، فاضبطه. وكذلك أيضاً في عنصر الإمكان. فإن قولك: كل إنسان كاتب، إذا عنيت بالقوة، وإما إذا عنيت بالفعل فالقضيتان العامتان الموجبة والنافية كاذبتان فيه أبداً، كقولك: كل إنسان كاتب أي محسن للكتابة أو قولك ولا واحد من الناس كاتب، فكلتاهما كذب. وأما في عنصر الامتناع فالنافية أبداً صادقة، والموجبة أبداً كاذبة، كقولك: كل إنسان نهاق فهذا كذب، وإذا قلت ليس أحد من الناس نهاقاً فهذا صدق. ثم لنتكلم عن النفي الخاص والإيجاب الخاص إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن (٤) قضيتي النفي الخاص والإيجاب الخاص في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة لأنك تقول: بعض الناس حي فذلك حق ونفيه لا بعض الناس حي كذب، وأما في عنصر الامتناع فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب: فإن (٥) قولك بعض الناس حجر كذب ونفيه بعض الناس لا حجر صدق، فتصدق النافية أبداً في هذا القسم وتكذب الموجبة أبداً (٦) فيه. وإما في عنصر الإمكان فكلتاهما (٧) صادقة ضرورة وذلك قولك: بعض الناس كاتب تريد بالفعل حق،

стр. 1123

ونفيه بعض الناس لا كاتب تريد بالفعل حق. ثم لنتكلم على الإيجاب العام والنفي الخاص، فنقول وبالله تعالى نتأبد: إن قضيتي الإيجاب العام والنفي الخاص في عنصر الإيجاب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، فإن قولك: كل الناس حي صدق، ونفيه: لا كل الناس حي ولا بعض الناس حي كذب، فتصدق الموجبة أبداً وتكذب النافية. وأما في عنصر الإمكان فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب، فإن قولك كل الناس كاتب، تريد بالفعل، كذب، ونفيه لا كل الناس [٤٢و] كاتب أو لا بعض الناس كاتب (١) ، تريد بالفعل، صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. وأما في عنصر الامتناع فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، كقولك: كل إنسان نهاق كذب، ونفيه لا كل الناس نهاق أو لا بعض الناس نهاق صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. ثم لنتكلم على الإيجاب الخاص والنفي العام، فنقول، وبالله تعالى نتأيد: إن قضيتي الإيجاب الخاص والنفي العام في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة. فإن قولك بعض الناس حي حق، ونفيه: ليس واحد من الناس حياً كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. وأما في عنصر الإمكان فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس كاتب حق، ونفيه لا واحد من الناس كاتب كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. وأما في عنصر الامتناع فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس حجر كذب، ونفيه لا واحد من الناس حجر صدق، فتصدق النافية وتكذب الموجبة، فتدبر هذه القسمة فإنك ترى رتبة حسنة لا تخونك أبداً فاضبط: إننا عنينا بقولنا فيما تقدم لنا " عام " أنه الذي تسميه الأوائل " كلياً " والذي قلنا فيه " خاص " فهو الذي تسميه الأوائل " جزئياً ". واعلم ان العموم في النفي والإيجاب في عنصر الإمكان كاذبان أبداً، وأن الخصوص في النفي والإيجاب في عنصر الإمكان (٢) صادقان أبداً.

стр. 1124

واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الوجوب صادقة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الوجوب كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الوجوب صادقة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الوجوب كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الإمكان كاذبة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الإمكان كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الإمكان صادقة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الإمكان صادقة أبداً. واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الامتناع كاذبة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الامتناع صادقة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الامتناع كاذبة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الامتناع صادقة أبداً. واندرج لنا فيما ذكرنا آنفاً أمر غلط فيه جماعة من الناس فعظم فيه خطأهم وفحش جداً. وذلك أنهم قدروا أن القائل: ليس بعض الناس نهاقاً، أنه قد أوجب لسائرهم النهيق [٤٢ظ] ، فظنوها قضية كاذبة، وهذا كذب منهم وظن فاسد رديء باطل ينتج لهم نتائج عظيمة الفحش، لأنه يخبر عن سائرهم بخبر أصلاً لا بأنهم ينهقون، ولا بأنهم لا ينهقون، ولا ندري لو أخبر أكان يخبر بكذب أو بصدق حتى يخبر، فندري حينئذ صفة خبره، لكنه الآن قد صدق في نفيه النهيق عن بعضهم صدقاً صحيحاً متيقناً، وسكت عن سائرهم، وليس يلزم من أخبر عن بعض النوع بخبر يعمه ويعم سائر نوعه أن يخبر ولا بد عن سائر النوع إلا إن شاء أن يخبر، والسكوت ليس كلاماً؛ ومن سكت فلم يتكلم، ولا يقضى على أحد بسكوته وأنه قضى قضاءً لا يعلم إلا بالكلام إلا حيث أمضت الشريعة القضاء به فيما صار خارجاً بالأمر عن المعهود المعلوم فقط، وليس ذلك إلا في موضعين فقط لا ثالث لهما، أحدهما إقرار الرسول ﵊ على ما رأى، والثاني صمات البكر. ومن تكلم فلم يسكت، ألا ترى أن من قال نفس زيد حية ناطقة ميتة فهو صادق، فلو كان ظن هذا الظان الذي أبطلنا غلطه حقاً لكان القائل نفس زيد ناطقة ميتة كاذباً، لأنه على حكم هؤلاء الجهال كان

стр. 1125

يكون موجباً لسائر أنفس الناس غير (١) ما أخبر به عن نفس زيد، وهذا ما لا يظنه ذو عقل؛ ولو كان هذا لكانت القضايا المخصوصة كلها كواذب، أي أن كل خبر عن شخص بعينه كان يكون كاذباً، إذ ينطوي فيه عندهم أن سائر نوعه بخلاف ذلك، فلما كان هذا مكابرة للحس صح ما قلنا أولاً من أن المخبر بأن بعض الناس ليس حماراً صادق، ولم يكن النفي لما هو منفي أولى بالصدق فيه من الإيجاب لما هو موجب، ولم يلزمه أن يظن به أنه أوجب الحمارية لسائر من سكت عنه من باقي النوع، لكن سائر النوع موقوف على ما هو عليه أي له من الحكم ما قد وجب بعد له بغير هذه القضية التي قضيت على بعضه، وهذا الذي غلط فيه كثير ممن تكلم في علوم الشريعة وسموه " بدليل الخطاب " وقضوا به القضايا الفاسدة؛ وكذلك من أخبر بممكن فقال: بعض الناس كاتب أو ليس زيد كاتباً فليس فيه أن سائر الناس لا كتاب ولا أن من عدا زيداً كاتب، ولا يوجب قوله ما ذكرنا شيئاً مما سكت عنه أصلاً، وإنما يؤخذ حكم سائرهم من دلائل أخر وقضايا غير هذه، ولو كان ما ظنه هؤلاء المغفلون لوجب ضرورة أن قول [٤٣و] القائل: ليس زيد كاتباً (٢) كذب، إذ ذلك يوجب على حكم هؤلاء أن جميع الناس حاشاه كتاب. فلما كان كلا الأمرين باطلاً بطل الحكم لجميع ما ذكروه (٣) ، ولما صدق القائل: ليس زيد كاتباً، والقائل: عمرو كاتب، والقائل: خالد حي، والقائل: ليس عبد الله حجراً، ولم يوجب كل ذلك حكماً على غير من ذكر لا بموافقة ولا بمخالفة، صح ما قلناه من أن القضية إنما تعطيك مفهومها خاصة وإن ما عداها موقوف على دليله، وبطل أيضاً قول من قال: إن ما عداها داخل في حكمها، وبالله تعالى التوفيق. ولا يظن ظان أن هذا نقض لما قلنا في كتبنا في أحكام الدين إن الحكم الذي حكم به الواحد الأول تعالى على لسان الذي ابتعثه رسولاً إلينا في شخص من نوع أنه لازم لجميع النوع إلا أن يبين أنه خص به ذلك الشخص، وقلنا أيضاً إنه غير لازم
следующие страницы →