← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وإذا أتاك خصمك بمقدمة مهملة فقرر معه معناها: العموم (١) أراد أو (٢) الخصوص، أي على الكل يحملها أو على بعض ما يقتضيه اللفظ الذي تكلم به، وتحفظ من إهمال هذا الباب، وإذا قضيت قضية فنفاها خصمك فتأمل فإن كان ما أوجبت ونفى هو من ذوات الوسائط فحقق عليه في أن يبين ما أراد كقولك: زيد أبيض، فيقول هو: ليس زيد بأبيض، فإنه لا يلزمه بهذا القول أن يكون زيد أسود، ولعله أراد أنه أحمر أو أصفر. ومثال هذا في الشرائع أن تقول: أمر كذا حرام فيقول خصمك ليس بحرام أو تقول أمر كذا واجب، فيقول خصمك: ليس بواجب، فإنه في قوله ليس بحرام ليس يلزمه أنه واجب ولا في قوله إنه ليس واجباً أنه حرام، بل لعله أراد أنه مباح فقط. وأما غير ذوات الوسائط فلا تبال (٣) عن هذا لأنك إن قلت: زيد حي فقال خصمك: هو غير حي فقد أوجب أنه ميت ضرورة، ولا واسطة (٤) هاهنا، ولقد لزمه القول بموته (٥) فانظر أنه قد يكون معنى النفي بلفظ الإيجاب إلا أن ذلك ليس شرطاً عاماً تثق النفس به بل هو في مكان دون مكان لأنك تقول: فلان ميت فيقول خصمك: فلان يكتب أو فلان حي فهذا معنى صحيح في نفي الموت ولكن لا تثق بهذا؛ فإنك إذا قلت: فلان متكيء فيقول خصمك: فلان جالس فقد تكونان معاً كاذبين بأن يكون المخبر عنه قائماً، وحقيقة النفي هو ما صدق أحدهما وكذب الآخر، فإذا أردت حقيقة النفي ورفع الإشكال فلا بد من أحد حروف النفي التي قدمنا ذكرها فتأمن من (٦) الغلط، ولهذا قال المتقدمون: إن لكل موجبة سالبة واحدة، ولكل سالبة موجبة واحدة، أي أن ذلك لا يكون إلا بإدخال حرف النفي فقط، والله أعلم بالصواب.

стр. 1122

[٤١ظ] ٦ باب اقتسام القضايا: الصدق والكذب وإذ قد ذكرنا أن عناصر الاخبار ثلاثة أي انقسامها ثلاثة وهي: واجب أو ممكن أو ممتنع فلنذكر إن شاء الله بتوفيقه لنا وجوه اقتسام (١) القضايا الموجبات والنوافي للصدق في هذه الأقسام الثلاثة فنقول، وبالله تعالى نتأيد: إن النفي العام والإيجاب العام يقتسمان (٢) الصدق والكذب ضرورة في عنصر الوجوب، فالموجبة أبداً (٣) صادقة حق، والنافية أبداً كاذبة باطل، مثل قولك: كل إنسان حي، فهذا حق ونفيه كذب، إذا قلت: ولا واحد من الناس حي فهذا أمر لا يخونك أبداً، فاضبطه. وكذلك أيضاً في عنصر الإمكان. فإن قولك: كل إنسان كاتب، إذا عنيت بالقوة، وإما إذا عنيت بالفعل فالقضيتان العامتان الموجبة والنافية كاذبتان فيه أبداً، كقولك: كل إنسان كاتب أي محسن للكتابة أو قولك ولا واحد من الناس كاتب، فكلتاهما كذب. وأما في عنصر الامتناع فالنافية أبداً صادقة، والموجبة أبداً كاذبة، كقولك: كل إنسان نهاق فهذا كذب، وإذا قلت ليس أحد من الناس نهاقاً فهذا صدق. ثم لنتكلم عن النفي الخاص والإيجاب الخاص إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن (٤) قضيتي النفي الخاص والإيجاب الخاص في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة لأنك تقول: بعض الناس حي فذلك حق ونفيه لا بعض الناس حي كذب، وأما في عنصر الامتناع فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب: فإن (٥) قولك بعض الناس حجر كذب ونفيه بعض الناس لا حجر صدق، فتصدق النافية أبداً في هذا القسم وتكذب الموجبة أبداً (٦) فيه. وإما في عنصر الإمكان فكلتاهما (٧) صادقة ضرورة وذلك قولك: بعض الناس كاتب تريد بالفعل حق،

стр. 1123

ونفيه بعض الناس لا كاتب تريد بالفعل حق. ثم لنتكلم على الإيجاب العام والنفي الخاص، فنقول وبالله تعالى نتأبد: إن قضيتي الإيجاب العام والنفي الخاص في عنصر الإيجاب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، فإن قولك: كل الناس حي صدق، ونفيه: لا كل الناس حي ولا بعض الناس حي كذب، فتصدق الموجبة أبداً وتكذب النافية. وأما في عنصر الإمكان فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب، فإن قولك كل الناس كاتب، تريد بالفعل، كذب، ونفيه لا كل الناس [٤٢و] كاتب أو لا بعض الناس كاتب (١) ، تريد بالفعل، صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. وأما في عنصر الامتناع فإنهما أيضاً يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، كقولك: كل إنسان نهاق كذب، ونفيه لا كل الناس نهاق أو لا بعض الناس نهاق صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. ثم لنتكلم على الإيجاب الخاص والنفي العام، فنقول، وبالله تعالى نتأيد: إن قضيتي الإيجاب الخاص والنفي العام في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة. فإن قولك بعض الناس حي حق، ونفيه: ليس واحد من الناس حياً كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. وأما في عنصر الإمكان فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس كاتب حق، ونفيه لا واحد من الناس كاتب كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. وأما في عنصر الامتناع فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس حجر كذب، ونفيه لا واحد من الناس حجر صدق، فتصدق النافية وتكذب الموجبة، فتدبر هذه القسمة فإنك ترى رتبة حسنة لا تخونك أبداً فاضبط: إننا عنينا بقولنا فيما تقدم لنا " عام " أنه الذي تسميه الأوائل " كلياً " والذي قلنا فيه " خاص " فهو الذي تسميه الأوائل " جزئياً ". واعلم ان العموم في النفي والإيجاب في عنصر الإمكان كاذبان أبداً، وأن الخصوص في النفي والإيجاب في عنصر الإمكان (٢) صادقان أبداً.

стр. 1124

واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الوجوب صادقة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الوجوب كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الوجوب صادقة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الوجوب كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الإمكان كاذبة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الإمكان كاذبة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الإمكان صادقة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الإمكان صادقة أبداً. واعلم أن الموجبة العامة في عنصر الامتناع كاذبة أبداً. واعلم أن النافية العامة في عنصر الامتناع صادقة أبداً. واعلم أن الموجبة الخاصة في عنصر الامتناع كاذبة أبداً. واعلم أن النافية الخاصة في عنصر الامتناع صادقة أبداً. واندرج لنا فيما ذكرنا آنفاً أمر غلط فيه جماعة من الناس فعظم فيه خطأهم وفحش جداً. وذلك أنهم قدروا أن القائل: ليس بعض الناس نهاقاً، أنه قد أوجب لسائرهم النهيق [٤٢ظ] ، فظنوها قضية كاذبة، وهذا كذب منهم وظن فاسد رديء باطل ينتج لهم نتائج عظيمة الفحش، لأنه يخبر عن سائرهم بخبر أصلاً لا بأنهم ينهقون، ولا بأنهم لا ينهقون، ولا ندري لو أخبر أكان يخبر بكذب أو بصدق حتى يخبر، فندري حينئذ صفة خبره، لكنه الآن قد صدق في نفيه النهيق عن بعضهم صدقاً صحيحاً متيقناً، وسكت عن سائرهم، وليس يلزم من أخبر عن بعض النوع بخبر يعمه ويعم سائر نوعه أن يخبر ولا بد عن سائر النوع إلا إن شاء أن يخبر، والسكوت ليس كلاماً؛ ومن سكت فلم يتكلم، ولا يقضى على أحد بسكوته وأنه قضى قضاءً لا يعلم إلا بالكلام إلا حيث أمضت الشريعة القضاء به فيما صار خارجاً بالأمر عن المعهود المعلوم فقط، وليس ذلك إلا في موضعين فقط لا ثالث لهما، أحدهما إقرار الرسول ﵊ على ما رأى، والثاني صمات البكر. ومن تكلم فلم يسكت، ألا ترى أن من قال نفس زيد حية ناطقة ميتة فهو صادق، فلو كان ظن هذا الظان الذي أبطلنا غلطه حقاً لكان القائل نفس زيد ناطقة ميتة كاذباً، لأنه على حكم هؤلاء الجهال كان

стр. 1125

يكون موجباً لسائر أنفس الناس غير (١) ما أخبر به عن نفس زيد، وهذا ما لا يظنه ذو عقل؛ ولو كان هذا لكانت القضايا المخصوصة كلها كواذب، أي أن كل خبر عن شخص بعينه كان يكون كاذباً، إذ ينطوي فيه عندهم أن سائر نوعه بخلاف ذلك، فلما كان هذا مكابرة للحس صح ما قلنا أولاً من أن المخبر بأن بعض الناس ليس حماراً صادق، ولم يكن النفي لما هو منفي أولى بالصدق فيه من الإيجاب لما هو موجب، ولم يلزمه أن يظن به أنه أوجب الحمارية لسائر من سكت عنه من باقي النوع، لكن سائر النوع موقوف على ما هو عليه أي له من الحكم ما قد وجب بعد له بغير هذه القضية التي قضيت على بعضه، وهذا الذي غلط فيه كثير ممن تكلم في علوم الشريعة وسموه " بدليل الخطاب " وقضوا به القضايا الفاسدة؛ وكذلك من أخبر بممكن فقال: بعض الناس كاتب أو ليس زيد كاتباً فليس فيه أن سائر الناس لا كتاب ولا أن من عدا زيداً كاتب، ولا يوجب قوله ما ذكرنا شيئاً مما سكت عنه أصلاً، وإنما يؤخذ حكم سائرهم من دلائل أخر وقضايا غير هذه، ولو كان ما ظنه هؤلاء المغفلون لوجب ضرورة أن قول [٤٣و] القائل: ليس زيد كاتباً (٢) كذب، إذ ذلك يوجب على حكم هؤلاء أن جميع الناس حاشاه كتاب. فلما كان كلا الأمرين باطلاً بطل الحكم لجميع ما ذكروه (٣) ، ولما صدق القائل: ليس زيد كاتباً، والقائل: عمرو كاتب، والقائل: خالد حي، والقائل: ليس عبد الله حجراً، ولم يوجب كل ذلك حكماً على غير من ذكر لا بموافقة ولا بمخالفة، صح ما قلناه من أن القضية إنما تعطيك مفهومها خاصة وإن ما عداها موقوف على دليله، وبطل أيضاً قول من قال: إن ما عداها داخل في حكمها، وبالله تعالى التوفيق. ولا يظن ظان أن هذا نقض لما قلنا في كتبنا في أحكام الدين إن الحكم الذي حكم به الواحد الأول تعالى على لسان الذي ابتعثه رسولاً إلينا في شخص من نوع أنه لازم لجميع النوع إلا أن يبين أنه خص به ذلك الشخص، وقلنا أيضاً إنه غير لازم

стр. 1126

لغير ذلك النوع أيضاً أصلاً إلا ببيان وارد بأنه فيما (١) سواه من الأنواع، فمن ظن في كلامنا هذا الظن فقد غاب عن فهم قولنا. وبيان ذلك أن عدد الأشخاص غير متناه عندنا، على ما قدمنا في أول هذا الديوان، فلا سبيل إلى عموم كل شخص منها بخطاب يخصه إذ هم حادثون جيلاً بعد جيل، والرسول ﵇ مبتعث ليحكم في كل شخص وعلى كل شخص يحدث أبداً إلى انقضاء عالم الاختبار (٢) ، فإذا حكم ﵇ في شخص بحكم ولم يعلمنا أنه خاص به ولا انفرد (٣) به ذلك الشخص بكلام يخصه به كان كحكمه على البعض الذين في عصره، وكان ذلك جارياً بالمقدمات المقبولة على كل حادث من الأشخاص أبداً. ويكفي من بطلان هذا الأعتراض أنه لا شيء من كلامه، ﵇، أتى مفرداً إلا وقد جاء بيان واضح بأنه (٤) عام لمن سوى ذلك الشخص ولما سواه أبداً. وليس هذا مكان الكلام في ذلك، وإنما نبهنا عليه لئلا يتحير فيه من صدم به ممن يقول بقولنا، وبالله تعالى التوفيق. واعلم أن قولك: كل الناس حي وقول الذي يناظرك: بعض الناس حي (٥) ليس خلافاً لقولك؛ وكذلك لو قال: زيد حي، لكن هذا تتال في الإيجاب لأنه تلاك فصوب بعض قولك ولم يخالفك في سائره ولا وافقك لكنه أمسك عنه؛ وكذلك إذا قلت: كل الناس لا حجر، فقال هو: بعض الناس لا حجر، فلم يخالفك أيضاً لكنه تتال في النفي أي تتابع. وإنما يكون خلافاً إذا قلت: ليس بعض الناس حياً، فهذا خلاف [٤٣ظ] أحدهما نفي عام والثاني نفي خاص. وأما القضايا المخصوصة وهي التي يخبر بها عن شخص واحد فإنها تقتسم الصدق والكذب أبداً في الواجب والممكن والممتنع، أما في الواجب فتصدق الموجبة أبداً

стр. 1127

وتكذب النافية، كقولك، زيد (١) حي، زيد لا حي. وأما في الممتنع فتكذب الموجبة أبداً وتصدق النافية كقولك: زيد حجر، زيد لا حجر. وأما في الممكن فكيف ما وافق حقيقة الخبر في صفة ذلك الشخص المخبر عنه مثل قولك: زيد طبيب، زيد ليس بطبيب، فإن التي توافق صفته تصدق، إما الموجبة وإما النافية، والتي تخالف صفته تكذب، إما الموجبة وإما النافية. ٧ - باب ذكر موضع حروف النفي واعلم أنه واجب أن تراعي إذا أردت أن تنفي صفة ما أين تضع حرف النفي، فأصل الحكم فيه إذا أردت البيان ورفع الإشكال أن تضع حرف النفي قبل الخبر لا قبل المخبر عنه، فيقول خصمك: زيد حي فتقول: زيد لا حي. واعلم أن الأوائل إذا وضعوا حرف النفي قبل الموضوع الذي هو المخبر عنه، كان معه خبراً أو لم يكن معه خبر، فحينئذ يسمونه " غير محصل " وإذا (٢) وضعوه قبل الموضوع، ووضعوه ثانية أيضاً قبل المحمول الذي هو الخبر سموه " غير محصل ومتغيراً " ولو وضعوه قبل المحمول فقط سمي " متغيراً " فقط. وذكروا أنه قد يقع في المهمل الذي لا سور عليه، وفي المخصوص وهو الإخبار عن شخص واحد وفي ذوات الأسوار. وإذا وضعوه قبل المحمول في القضية ذات السور سموه " مسلوباً "، وإذا وضعوه قبل السور سموه " نقيضاً "، وإذا وضعوه في كل موضع من هذه المواضع جمعوا له الأسماء الثلاثة المذكورة. وكل قضية لم يكن حرف النفي قبل موضوعها الذي هو المخبر عنه فهي تسمى " بسيطة "، نافية كانت أو موجبة، ذات سور كانت أو غير ذات سور، وذلك أنك إذا قلت: كل لا إنسان حجر (٣) فإنك لم تحصل شيئاً تخبر عنه. وتأمل عظيم الغلط

стр. 1128

الواقع (١) في تسويتك وضع حرف النفي قبل السور ووضعه قبل المحمول فإنك إذا قلت: لا كل إنسان كاتب صدقت، وكنت إنما نفيت بذلك الكتابة عن بعض الناس على الحقيقة، لاعن كلهم على ما قدمنا من أن النافية الجزئية تظهر بقول كلي وبجزئي أيضاً. وتأمل ذلك في قولك: ليس كل إنسان كاتباً فإن هذا أبين في اللغة العربية وأوضح في أنه نفي جزئي (٢) [٤٤و] وكذلك لو أضمرت اسم ليس فقلت: ليس كل إنسان كاتب (٣) أي ليس الحكم كل إنسان كاتب، فهذه كلها نوافي جزئيات فاضبط ذلك جداً. وأنت إذا قلت: كل إنسان لا كاتب فإنك نفيت الكتابة عن الجميع واحداً واحداً فتحفظ من (٤) مثل هذا، فأيسر ما في ذلك أن يكون خبرك كذباً وإن كنت لم تقصده فتضل بذلك من حسن ظنه بك، وهذه خطة خسف لا يرضى بها فاضل. واعلم أنك إنما تنفي ما تلصق به حرف النفي، فإن ألصقته بالمحمول الذي هو الخبر عن المخبر عنه نفيت المحمول كله، وإن ألصقته بالسور فإنما تنفي بعض القضية أو جميعها على حسب صيغة لفظك في اللغة، ألا ترى أنك تقول: ممكن أن يكون زيد أميراً، فإن جعلت حرف النفي قبل ممكن فقلت لا ممكن أن يكون زيداً أميراً فهذا " نقيض " لأنك نفيت النوع وهو العنصر، يعني أنك نفيت إمكان القضية كلها، فإذا جعلت حرف النفي بعد ممكن وقبل ذكر يكون الذي هو الزمان فقلت ممكن أن لا يكون زيداً أميراً فهذا " تغيير " لأن الإمكان لم تنفه بل أثبته، لكن أدخلت فيه نفي ما أدخل خصمك فيه الإمكان، وتغيرت المقدمة عن حالها، وهي: كون زيد أميراً؛ فإن جعلت حرف النفي بعد العنصر والزمان أي بعد لفظ الجواز وهو الإمكان وبعد لفظ الكون وقبل الموضوع الذي هو المخبر عنه فقلت: ممكن أن يكون غير (٥) زيد أميراً فلم تنف عن زيد شيئاً وهذا الذي يسمى " غير محصل "، ويسمى أيضاً

стр. 1129

" متغيراً "، إذا كانت [غير] بمعنى ليس (١) ، لأنك (٢) لم تنف عن شخص بعينه شيئاً ولا نفيت (٣) أيضاً ما أوجب خصمك ولا أوجبت أيضاً لشخص بعينه شيئاً لكن أخبرت عن غير زيد، وغير زيد لا يتحصل من هو ولا ما هو، وأبقيت الإمكان والكون بحسبهما مثبتين لا منفيين. وكذلك المقدمة التي أثبت خصمك لم تنفها أنت ولا أثبتها أيضاً بل سكت عنها جملة فلم تناقضه ولا خالفته. وإن (٤) جعلت حرف النفي بعد النوع وبعد الزمان وبعد الموضوع وقبل (٥) المحمول فقلت: ممكن أن يكون زيد لا أميراً فهذا سلب، ويسمى أيضاً " انتقالاً "، لأنك أثبت النوع الذي هو الإمكان والزمان الذي هو الكون والموضوع الذي هو المخبر عنه ونفيت عنه الحمل الذي أثبت خصمك فقط، فهذه قضية نافية. وهكذا القول في القضايا المهملة وفي القضايا المحصورة ولا فرق في نفي ما تنفي وإيجاب ما توجب. فافهم اختلاف هذه الرتب فمنفعتها في إيراد الحقائق وتثقيف المعاني ورفع الاشكال منفعة عظيمة (٦) جداً وبالله تعالى [٤٤ظ] التوفيق. وأعلم أنك إذا أوجبت لمخبر عنه بلفظة " ذي " شيئاً ما، مثل قولك: ذو مال أو ذو صفة كذا، فإنك إذا أردت نفي ذلك عنه لم يكن لك بد من إبقاء لفظة ذي في نفيك ذلك عن من أوجبته له فتقول: ليس ذا مال. ٨ - بقية الكلام في اقتسام القضايا الصدق والكذب واعلم أن من القضايا ما تصدق مفردة وتصدق مجموعة، ومنها ما تصدق مفردة وتكذب مجموعة، ومنها ما تكذب مفردة وتصدق مجموعة، ومنها ما تكذب مفردة وتكذب مجموعة.

стр. 1130

فالتي (١) تصدق مفردة ومجموعة مثل قولك الإنسان حي، الإنسان ناطق، الإنسان ميت، الإنسان ضحاك، فكل ذلك حق صدق، فإن قلت: الإنسان حي ناطق ميت ضحاك، فكل ذلك حق صدق. وأما التي (٢) تصدق مفردة وتكذب مجموعة فكعبد مجتهد لنفسه لا لسيده، فقولك فيه: إنه عبد حق، وقولك فيه: مجتهد حق (٣) ، فإن قلت: هذا عبد مجتهد كذبت حتى تبين وجه اجتهاده؛ وإنما هذا في الصفتين المحمولتين إذا كانتا مضافتين إلى شيئين مختلفين فألبست بإسقاط ما هي مضافة إليه وأوهمت أن كلتا الصفتين مضافة إلى شيء واحد. وأما التي تصدق مجموعة وتكذب مفترقة فكرجل قوي النفس ضعيف الجسم، فإنك إن قلت: فلان ضعيف كذبت، وإن قلت فلان قوي كذبت. حتى تجمع فتقول: فلان قوي النفس، ضعيف الجسم، وإنما هذا فيما لا تقال فيه الصفة على الإطلاق لكن بإضافة. وأما التي تكذب مجموعة ومفردة فكقولك: الإنسان صهال، الإنسان نهاق، الإنسان شحاج (٤) فهذا كذب؛ فإن جمعته فقلت الإنسان صهال نهاق شحاج (٥) ، فهو كذب أيضاً. فاضبط جميع هذا إن أردت تحقيق المعارف وتصحيح القضايا وبالله تعالى التوفيق. ٩ - باب الكلام في المتلائمات (٦) هذه لفظة عبر بها الأوائل عن قضايا مختلفة الألفاظ متفقة المعاني وإن كان ظاهر لفظ بعضها وحقيقة معناها النفي، وظاهر بعضها وحقيقة معناها الإيجاب، وهي مع ذلك متفقة المعاني اتفاقاً صحبحاً لا اختلاف بينها. فاعلم أنه قد ترد [٤٥و] أخبار وقضايا بألفاظ شتى ومعناها واحد، فيظن الجاهل أنها مختلفة المعاني بسبب ما يرى من اختلاف

стр. 1131

ألفاظها فيغلط كثيراً، وهذا ما ينبغي لطلاب الحقائق أن يضبطوه ويقفوا على مراتبه ولا يمروا عنها معرضين، مثال (١) ذلك من أحكام (٢) الشريعة قولك: وطء الرجل كل ما عدا الزوجة المباحة له أو أمته المباحة له حرام، وقولك: ليس شيء مما عدا زوجة الرجل المباحة له أو أمته المباحة له ليس حراماً (٣) معنيان متفقان متطابقان، والألفاظ (٤) مختلفة، ظاهر إحدى القضيتين إباحة، وظاهر الأخرى تحريم. وكذلك إذا قلت: ليس (٥) كل ما ليس لحم خنزير حلالاً، وقولك: بعض ما ليس لحم خنزير ليس حلالاً، فهذان لفظان مختلفان ومعنيان متفقان، وهكذا ينبغي أن تتأمل الألفاظ الواردات وتتأمل معانيها لئلا تتجاذب أنت وخصمك فنون الاختلاف والتشاجر وأنتما متفقان غير مختلفين. واعلم أن قولك إذا قلت ممكن أن يكون، وقلت غير ممتنع أن يكون، وقلت غير واجب أن يكون، وقلت غير واجب أن لا يكون، فكلها متلائمات أي متفقات المعاني (٦) . واعلم أن قولك واجب ان لا يكون، ممتنع أن يكون، غير ممكن أن يكون متفقات المعاني. واعلم أن قولك غير واجب أن يكون، غير واجب أن لا يكون متفقان. واعلم أن قولك غير ممتنع أن يكون وقولك غير ممتنع أن لا يكون متفقان. واعلم أن قولك ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون متفقان. واعلم أن هذه الستة كلها متفقة. واعلم أن قولك ممكن أن يكون ليس نفيه ممكن أن لا يكون، لكن نفيه أن تقول: لا ممكن أن يكون، ونقيض قولك واجب أن يكون قولك لا واجب أن يكون، وضده

стр. 1132

واجب أن لا يكون، ونقيض ممتنع أن يكون لا ممتنع أن يكون، وضده ممتنع أن لا يكون، وهذا هو الذي سميناه نحن فيما خلا نفياً عاماً ونفياً خاصاً. واعلم أن قولك كل مؤلف لا أزلي، وقولك ليس واحد من المؤلفات أزلياً متفقان، وقولك ليس كل مرضعة حراماً وقولك بعض المرضعات حلال متفقان، وقولك بعض المؤلفات غير مركب، وقولك ليس كل مؤلف مركباً متفقان. واعلم أن قولك ليس واحد من المؤلفات غير محدث وقولك كل مؤلف محدث متفقان. ومما يدخل [٤٥ظ] في هذا النوع كل عدد أستثني منه عدد فقولك (١) مائة غير واحد ملائم لقولك تسعة وتسعون، وقولك مائة غير تسعة وتسعين ملائم لقولك واحد. وكذلك كل عدد أضفت إليه عدداً آخر فإنه ملائم للعدد المساوي لهما، كقولك ثلاثة وسبعة فذلك ملائم لقولك عشرة فاعلمه. والجامع لهذا الباب هو أنك إذا أثبت معنى بلفظ إيجاب لشيء ما ثم نفيت عن ذلك الشيء نفي الصفة التي أوجبت له، فقد أوجبت له تلك الصفة (٢) . وكل كلام أعطي معنى كإعطاء كلام آخر له (٣) فالكلامان مختلفان والمعنى واحد، فاحفظ هذا واضبطه. وأنت إذا سلبت شيئاً ما معنى ما، أي نفيته عنه بلفظ النفي، ثم أوجبت لذلك الشيء نفي ذلك المعنى الذي نفيته عنه في القضية الأخرى، فاللفظان مختلفان والمعنى واحد. مثال ذلك أن تقول: زيد صالح، فإذا سلبت الصلاح فقلت زيد غير صالح، فإذا نفيت النفي فقلت زيد ليس غير صالح فقد أوجبت له الصلاح (٤) ، فاضبط هذا تسترح من شغب كثير وتخليط كبير ولا تعد هذه الرتبة إن شاء الله تعالى. واعلم أن الكلي من الأخبار التي تسمى قضايا ومقدمات يقتضي الجزئي منها، أي أن الجزئي بعض الكلي إذا كان كلاهما موجباً أو كلاهما نافياً، وهو معنى من معاني التتالي الذي ذكرنا قبل. ألا ترى أنك تقول: كل حساس حي، فهذه قضية

стр. 1133

كلية، ثم يقول خصمك أو أنت: كل إنسان حي، فليست هذه الجزئية معارضة لتلك الكلية أصلاً ولا منافية لها بل هي بعضها وداخلة تحتها، ومثل هذا في الشريعة قول الله : ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (المائدة: ٣٨) . ثم قال رسول الله ﷺ : " القطع في ربع دينار ". فهذه الجزئية بعض تلك الكلية وتفسير لجزء من أجزائها وليست دافعة لها ولا لشيء منها أصلاً، ولا مانعة من القطع في أقل من ربع دينار إلا بإدخال حرف النفي فينتفي حينئذ ما نفاه اللفظ الجزئي ويكون ذلك كقول القائل: الحساس ناطق ثم يقول بعد ذلك: لا ناطق إلا الإنسان (١) والملك والجني، فتكون هذه الجزئية مبينة لمراد القائل: الحساس ناطق أي أنه أراد بعض الحساسين (٢) لا كلهم، وليس ذلك كذباً لأن الحساس يقع على الإنسان أي يوصف به كما يقع على كل حي. وهكذا (٣) القول في الكليات من النوافي [٤٦و] والجزئيات منها ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق. فقد أتينا على كل ما بطالب الحقائق والإشراف على صحيح معاني الكلام إليه فاقة وضرورة من أحكام الأخبار وهي الأسماء المركبة، وبقيت أشياء تقع، إن شاء الله ، في الكتاب الذي يتلو هذا، وهو كتاب صناعة البرهان. ولم أترك (٤) إلا أشخاص تقاسيم من موجبات وسوالب، من البسائط (٥) والمتغيرات والمحصورة والمهملة ومن المخصوصة ومن الإثنينية والثلاثية والرباعية لا يحتاج إليها، وإنما هي تمرن وتمهر لمن تحقق بهذا العلم تحققاً يريد ضبط جميع وجوهه. وإنما هذه المسائل التي تركنا كالنوازل الموضوعة في الفقه كقول القائل: رجل مات وترك عشرين جدة متحاذيات وعشرين من بنات (٦) البنين وبني البنين بعضهم أسفل من بعض في درج مختلفة، فمثل هذا لا يحتاج إليه لأنه لا يمر في الزمان ولكنه تمهر

стр. 1134

وتفتيق للذهن، وكنحو المسائل الطوال التي أدخلها أبو العباس المبرد في صدر كتابه " المقتضب " (١) في النحو فإنها لا ترد على أحد أبداً لا في كتاب ولا في كلام، وكنحو كلام (٢) كثير من وحشي اللغة كالعفنجج والعجالط والقذعمل (٣) ، ولسنا نذم من طلب هذا كله بل نصوب رأيه، لكنا نقول: ينبغي لطالب كل علم أن يبدأ بأصوله التي هي جوامع له ومقدمات، ثم بما لا بد منه من تفسير تلك الجمل، فإذا تمهر في ذلك وأراد الإيغال والإغراق فليفعل، فإنه من تدرب بالوعر زاد ذلك في خفة تناوله السهل، فقد بلغنا عن بعض الأنجاد أنه كان إذا أراد حرباً أدمن لباس درعين قبل ذلك بمدة، فإذا حارب خلع إحداهما لتخف عليه الواحدة، والنفس هكذا، وبالله التوفيق وله الأمر من قبل ومن بعد (٤) . تم كتاب باري أرمينياس والحمد لله على ذلك كثيراً كما هو أهله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم تسليماً كثيراً مؤبداً (٥)

стр. 1135

٣ - ٤ - ٥ - ٦ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب البرهان ١ -[نظرة عامة في القضايا وانعكاسها] قال أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم ﵁ (١) : هذا الجزء من ديواننا هذا جمعنا فيه ما في الكتاب الثالث من كتب أرسطاطاليس في المنطق وهو المسمى باليونانية " أنولوطيقيا " [٤٦ظ] وما (٢) في الكتاب الرابع من كتبه في المنطق وهو المسمى باليونانية " أفوذ قطيقا " (٣) لتناسب (٤) معنى الكتابين، إذ الغرض فيهما البيان عن صور (٥) البرهان وشروطه على ما نفسر (٦) بعد هذا إن شاء الله. وأضفنا إليه أيضاً ما ذكره في كتابه الخامس من كتبه في المنطق وهو المسمى " طوبيقا " (٧) وهو الموضوع في الجدل (٨) ، وزدنا في هذا الكتاب (٩) أشياء من مراتب الجدال وشروطه كثيرة مما لا غنى بالمتناظرين الطالبين للحقائق عنها، إذ ما ذكر في هذا (١٠) الكتاب هو من شرط (١١) قيام البرهان وتوابعه اللاحقة له، وأضفنا إليه أيضاً ما ذكره في كتابه السادس من كتبه في المنطق وهو المسمى باليونانية " سوفسطيقا " (١٢) وهوصفة أهل الشغب المنكبين عن الحقائق إلى نصر الجهل والشعوذة، إذ لا غنى بطالب الحقائق عن معرفة أهل هذه الصفة والتأهب لهم. فلما كان كل ما ذكرنا متشبثاً بالبرهان جمعناه إليه وبلغنا الغاية (١٣) في التقصي والبسط والشرح والإيجاز

стр. 1136

كما وعدنا، ولله الحمد، فنقول وبالله التوفيق (١) وبالخالق الأول الواحد (٢) نستعين: قد مضى لنا في الكتب المتقدمة من هذا الديوان أمور يجب ضبطها وذكرها وحضورها في الفهم والحفظ والإيراد لها عند الحاجة إليها من التبيين (٣) لك من غيرك والتبيين منك لغيرك، بحول الواحد الأول وقوته الموهوبة منه لنا ، ونحن الآن آخذون في ثمرة هذا الديوان وغرضه الذي إياه قصدنا بكل ما تقدم لنا في الأجزاء المتقدمة لهذا الجزء، وغرضنا في هذا الجزء (٤) بيان إقامة البرهان وكيفية تصحيح الاستدلال في جمل الاختلاف الواقع بين المختلفين في أي شيء اختلفوا فيه، فنقول، وبالواحد الأول تعالى نتأيد: إننا قد قلنا إن القضية لا تعطيك أكثر من نفسها، فإن اتفق الخصمان عليها وصححاها والتزما حكمها واختلفا في فرع من فروع ذلك المعنى وجب عليهما أن يأتيا بقضية أخرى يتفقان على صحتها أيضاً، فإن كانت القضيتان المذكورتان صحيحتين في طبعهما وفي تركيبهما (٥) فالانقياد لهما حينئذ لازم لكل واحد (٦) ، واعلم أن القضيتين المذكورتين إذا اجتمعتا سمتهما الأوائل " القرينة ". واعلم أن باجتماعهما كما ذكرنا تحدث أبداً عنهما قضية ثالثة صادقة أبداً لازمة ضرورة لا محيد عنها، وتسمى هذه القضية الحادثة عن اجتماع [٤٧و] القضيتين الأولى والثانية (٧) : " نتيجة " لأنها أنتجت عن تينك القضيتين (٨) والأوائل يسمون القضيتين والنتيجة

стр. 1137

معاً في اللغة اليونانية " السلجسموس " (١) وتسمى الثلاث (٢) كلها في اللغة العربية: " الجامعة "، مثال ذلك أن تقول: كل إنسان حي فهذه قضية تسمى على انفرادها: " مقدمة " ثم تقول: وكل حي جوهر، فهذه أيضاً قضية تسمى على انفرادها " مقدمة " فإذا جمعتهما معاً فاسمهما قرينة لاقترانهما وذلك إذا قلت: كل إنسان حي، وكل حي جوهر فيحدث من هذا الاجتماع قضية ثالثة وهي ان كل إنسان جوهر فهذه قضية تسمى على انفرادها نتيجة، فإذا جمعتها ثلاثتها (٣) سميت كلها جامعة، والجامعة باليونانية السلجسموس. وقد قدمنا في الجزء الذي قبل هذا ذكر القضايا وأنها بسائط ومتغيرات وقلنا إن المتغيرات في الموضوع هي غير المحصلات وهي التي تقع [فيها] (٤) حروف النفي قبل الشيء الموصوف وهو المخبر عنه، وهو الذي تسميه الأوائل الموضوع، فاعلم أن هذه التي تسمى متغيرات لا تنتج، أي أنه لا يوثق بأنها تنتج على كل حال إنتاجاً صحيحاً أبداً لا يخون البتة، وإن كانت قد تنتج في بعض الأحوال صدقاً فقد تنتج أيضاً كذباً. وما كان بهذه الصفة مما قد (٥) يصدق مرة ويكذب أخرى، فلا ينبغي أن يوثق بمقدماته ولا بنتائجها الحادثة عنها، ولا يجب أن يلتزم في أخذ البرهان، وإنما ينبغي أن يوثق بما قد تيقن أنه لا يخون أبداً. ثم قلنا إن البسائط وهي التي حققت معنى (٦) المخبر عنه ثم أوجبت له صفة أو نفت عنه صفة، منها محصورات ومهملات؛ وبينا أن المحصور هو ما وقع قبله لفظ يبين أن المراد به العموم وهو المسمى كلياً أو لفظ (٧) يبين أن المراد به الخصوص، وهو المسمى جزئياً؛ وذلك مثل قولك: كل الناس ناطق، بعض الناس ناطق أو كاتب إن شئت، ليس أحد من

стр. 1138

الناس نهاقاً، ليس بعض الناس نهاقاً أو كاتباً إن شئت، وما أشبه ذلك. وذكر الأوائل أن المهملات لا تنتج كما ذكرنا في المتغيرات سواءً سواءً، وهذا في اللغة العربية قول (١) لا يصح، وإنما حكى القوم عن لغتهم، لكنا نقول إن المهملة ما لم يبين الناطق بها أنه يريد بها بعض ما يعطي اسمها أو لم يمنع من العموم بها مانع ضرورة فإنها كالمحصورة الكلية ولا فرق. وسيأتي بيان هذا فيما يستأنف إن شاء الله ؛ فعلى هذا الحكم يلزم أن المهمل ينتج كإنتاج المحصور الكلي. ثم نرجع فنقول إن الجزئيات من [٤٧ظ] المحصورات والمهمل الذي يوقن أنه جزئي لا ينتج، بمعنى أنه لا ينتج إنتاجاً صحيحاً ضرورياً أبداً، وإنما قلنا (٢) هذا إذا كانت المقدمتان معاً جزئيتين، نافيتين كانتا أو موجبتين. وأما إذا كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية فذلك ينتج على ما نبين بعد هذا، إن شاء الله تعالى (٣) . واعلم أن القضية المخصوصة وهي التي تخص شخصاً واحداً بعينه فحكمها في كل ما قلنا حكم الجزئية ولا فرق، وذلك (٤) نحو قولك: زيد منطلق وما أشبه ذلك (٥) . ثم قلنا إن المحصور ينقسم قسمين: موجب وناف، واعلم أن القضايا النافيات أيضاً لا تنتج، كليتين كانتا أو جزئيتين، أي أنها لا تنتج إنتاجاً موثوقاً به في كل حال، وإنما ذلك إذا كانتا معاً نافيتين، وأما إذا كانت احداهما نافية والأخرى موجبة فذلك ينتج، على ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى. فصح الآن أن المقدمات التي ينبغي أن يوثق بها هي المحصورات والمهمل الذي في معنى المحصور، وهي كل قرينة كانت فيها (٦) مقدمة كلية أو مقدمة موجبة،

стр. 1139

إما أن تكون إحدى المقدمتين قد جمعت الأمرين معاً: العموم والإيجاب، وإما أن تكون المقدمتان اقتسمتا الأمرين فكانت الواحدة كلية والثانية موجبة، وإما أن تكون كل واحدة منهما كلية موجبة (١) . واعلم أنا قدمنا أن أقل (٢) القضايا قضية من كلمتين موضوع ومحمول، بمعنى مخبر عنه وخبر، فإذا أردت أن تجمع قضيتين يقوم منهما برهان، فلا بد لك (٣) من أن يكون في كلتا القضيتين لفظة موجودة في كل واحد منهما، أي تتكرر تلك اللفظة في كل واحدة من المقدمتين. ولا بد من ان يكون في كل واحدة منهما لفظة تنفرد بها ولا تتكرر في الأخرى، إذ لو اتفقنا في المخبر عنه والخبر لكانت القضيتان قضية واحدة ضرورة، كقولك: كل إنسان حي، وكل حي جوهر، فهاتان قضيتان قد تكرر ذكر الحي في كل واحدة منهما، وهذه اللفظة المتكررة كما ذكرنا تسميها الأوائل (الحد المشترك) من أجل اشتراك القضيتين فيه، وقد انفردت كل واحدة منهما بلفظة فانفردت الأولى بالإنسان لأنه ذكر فيها ولم يذكر في الثانية، ولو ذكر لكانت الثانية هب الأولى نفسها، وانفردت الثانية بالجوهر ولم يذكر في الأولى ولو ذكر لكانتا (٤) واحدة، فافهم هذا واضبطه، إن شاء الله . واعلم أن القضايا البسيطة المحصورة [٤٨و] تنقسم قسمين: قسماً ينعكس وقسماً لا ينعكس، والانعكاس هو أن تجعل الخبر مخبراً عنه موصوفاً، وتجعل المخبر عنه خبراً موصوفاً به، من غير أن يتغير المعنى في ذلك أصلاً، بل إن كانت القضية موجبة قبل العكس فهي بعد العكس موجبة، وإن كانت نافية قبل العكس فهي بعد العكس نافية، وإن كانت صادقة قبل العكس فهي بعد العكس صادقة، وإن كانت كاذبة قبل العكس فهي بعد العكس كاذبة، إلا أنه في بعض المواضع تكون القضية كلية قبل العكس، وجزئية بعد العكس لا يحيلها (٥) العكس بغير هذه البتة، وإنما نعني بهذا العكس ما (٦) لا يستحيل أبداً فيما ذكرنا قبل.

стр. 1140

وأما التي قد تنعكس كما ذكرنا في بعض المواضع وربما أيضاً تتبدل إذا عكست، إما من صدق إلى كذب، وإما من كذب إلى صدق، وإما من نفي إلى إيجاب، وإما من إيجاب إلى نفي، فهذه هي القسم الذي قلنا فيه إنه لا ينعكس، وليس هذا القسم مما يتعنى به في إقامة البرهان لأنه قد يخون وليس بمستمر الصدق أبداً. والعكس الذي ذكرنا إنما هو تبدل مواضع الألفاظ في القضية فقط. وقد قدمنا وجوه أقسام الصفات في الموصوفين قبل وأنها ستة (١) : فوصف الشيء بما هو واجب له ينقسم قسمين: إما أعم منه كالحياة للإنسان فإنها تعمه وتعم معه أنواعاً (٢) كثيرة سواه، وإما مساو (٣) كالضحك لإنسان، فإنه لكل إنسان وليس لغير الناس أصلاً، ولا يجوز أن يكون أخص البتة. ووصف الشيء بما هو ممكن له ينقسم قسمين: إما أعم كالسواد فإنه في بعض الناس وفي أشياء من غير الناس، وإما أخص كالطب فإنه في بعض الناس دون بعض وليس لغير الناس ولا يجوز أن يكون مساوياً أصلاً، لأنه لو كان مساوياً لكان واجباً، والواجب غير الممكن. ووصف الشيء بامتناعه بما هو ممتنع فيه فيكون (٤) أعم كوصف الإنسان بأنه ليس حجراً، فإن هذا الوصف يعمه ويعم كل حيوان، وقد يمكن أن يوجد مساوياً كنفي الجمادية عن الحيوان. ثم نرجع إلى بيان العكس فنقول وبالخالق الواحد نتأيد: إن النافية الكلية تنعكس نافية كلية فنقول: لا واحد من الناس حجر، فإذا عكست (٥) قلت: لا (٦) واحد من الحجارة إنسان. واعلم أن كل (٧) ما انعكس كلياً فإنه ينعكس جزئياً، إذ كل ما أوجبته للكل فهو موجب لكل جزء من أجزائه التي تسمى باسمه، وكل ما نفيته عن الكل فهو منفي عن كل جزء من أجزائه التي [٤٨ظ] تسمى باسمه، نريد بالأجزاء

стр. 1141

هاهنا أشخاص النوع التي كل شخص منها يسمى باسم النوع فإن كل آدمي يسمى في ذاته إنساناً، والنوع أيضاً كله (١) يسمى إنساناً، ولم نرد أجزاء الجسم التي لا يقع على الجزء منها اسم الكل، كيد الإنسان ورجله؛ ألا ترى أنك لو قلت أيضاً: ولا بعض الحجارة إنسان، أو قلت: لا بعض الناس حجر لصدقت، فهذا الذي ذكرنا عكس صحيح صادق أبداً. والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية فتقول: كل إنسان حي، فإذا عكست قلت: وبعض الأحياء إنسان، وهذا عكس (٢) صادق أبداً. واعلم أن ما كان من هذا الباب والذي بعده مما قلنا فيه إنه ينعكس جزئياً فإنه لا ينعكس (٣) كلياً أصلاً لأنه ليس كل ما وجب للجزء وجب للكل. ألا ترى أنك لو قلت: وكل حي إنسان لكذبت لأن الملك حي وليس إنساناً. والفيل حي وليس إنساناً. ولا تغتر بما تجد من هذا الباب ينعكس (٤) كلياً صادقاً نحو قولك كل حي حساس وكل حساس حي، ولو قلت أيضاً وبعض الحساس حي لصدقت، وهذا إنما يصدق في المساوي فقط. فإن هذا العكس إن صدق في مكان كذب في آخر كما قدمنا. وإنما يكذب ذلك إذا كان الوصف أعم من الموصوف أو أخص منه كما قدمنا؛ فأما الأعم فنحو قولك: كل إنسان حي وأما الأخص فكقولنا: كل طبيب إنسان، فإذا عكست وقلت: وبعض الناس أطباء صدقت ولو قلت: وكل الناس أطباء كذبت، فلهذا قصدنا إلى عكسها جزئية لأنها تصدق في كل ذلك أبداً على كل حال من عام أو خاص أو مساو (٥) فتحفظ من هذا الباب ولا تغلط فيه، وأنت إذا سلكت الطريق التي نهجنا لك أمنت الغلط البتة ولم يكن (٦) إلى كلامك سبيل. والموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية فتقول: إن كان بعض الناس نحويين

стр. 1142

فبعض النحويين ناس، ولا تنعكس كلية لأنك وإن كنت تصدق في بعض المواضع فإنك كنت تكذب في مواضع أخر أيضاً. وإنها تصدق في الحمل الأخص والمساوي وتكذب في الحمل الأعم، وأنت إذا عكستها جزئية صدقت أبداً على كل حال. ألا ترى أنك تقول: إذا كان بعض النحويين ناساً فكل الناس نحويون كذبت. واعلم أن هذه القضايا كلها التي ذكرنا أنها تنعكس أي أنها تصدق إذا عكست أبداً فإنها تصدق في إيجابك الواجب، وفي اخبارك عن الممكن بما هو حق من صفاته وفي نفيك الممتنع. [٤٩و] . (١) واعلم أن النافية الجزئية لا تنعكس أي أنها ليس لها رتبة تصدق فيها أبداً لأنها وإن صدقت في نفي الممتنع إذا قلت: ليس بعض الناس حجراً فعكست فقلت: ولا بعض الحجارة إنسان فصدقت، فإنك إن نفيت الممكن حق نفيه فقلت: ليس كل إنسان طبيباً فإنك صادق، فإن عكست فقلت: ولا كل طبيب إنسان أو قلت ولا بعض الأطباء ناس كنت كاذباً، فلهذا لم نشتغل بعكس النوافي في الجزئيات لأنها في بعض المواضع تكذب في العكس. فأفهم ذلك (٢) كله، فبكل طالب علم حقيقة إليه أعظم (٣) حاجة. ونمثل ذلك بمثال شرعي فنقول: إنك تقول في النافية الكلية: إذا صح أنه ليس شيء من المسكرات حلالاً فليس شيء من (٤) الحلال مسكر أو لو عكستها جزئية لصدقت أيضاً، ولكن الكلي أتم وأعم للمطلوبات، فاكتفينا به إذا وجدناه واستغنينا به عن أن نذكر ما ينطوي فيه من جزئياته، لأن (٥) الإخبار عن الكل إخبار عن كل جزء من أجزائه. ونقول في الموجبة الكلية إذا كان كل والد واجب البر فبعض الواجب برهم الوالد، ولو عكستها كلية لكذبت لأنه يجب بر الأم والخليفة والعالم والفاضل والجار وليس واحد من هؤلاء والداً.

стр. 1143

وتقول في عكس الموجبة الجزئية: إذا كان بعض الكفار مباح الدم فبعض المباح دماؤهم كفار (١) ولو عكستها كلية فقلت: وكل مباح دمه كافر لكذبت، لأن الزاني المحصن مباح دمه وليس كافراً، فافهم هذا كله وثق به فإنه لا يخونك أبداً. وبرهان صحة ما ذكرنا أولاً إذا قلنا لا واحد من الناس حجر وأنه ينعكس كلياً فنقول: ولا واحد من الحجارة إنسان أنه إن خالفنا في صحة هذا العكس مخالف قلنا إن كان عكسنا هذا ليس حقاً فنقيضه حق على ما قدمنا من اقتسام قضيتي النفي والإيجاب للصدق والكذب. ونقيض قولنا لا واحد من الحجارة إنسان، بعض الحجارة إنسان، فنضم قولنا: بعض الحجارة إنسان ظغلى مقدمتنا التي صححنا فنقول: لا واحد من الناس حجر، وبعض الحجارة إنسان، وإذا كان بعض الحجارة إنساناً فبعض الناس حجارة، وقد قدمنا أنه ليس واحد من الناس حجراً، وهذا تناقض ومحال. وهذا (٢) الذي ذكرناه فإنما هو (٣) في عنصر الوجوب وهو لزوم الصفة للموصوف. وأما في عنصر الإمكان فلا فرق بين [٤٩ظ] قضاياه في الموجبات الجزئيات وبين ما ذكرنا من قضايا عنصر الوجوب، فنقول في الحمل الأعم: إن كان بعض الناس أسود فبعض السودان ناس، ونقول في الحمل الأخص: إن كان بعض الناس طبيباً فبعض الأطباء ناس، وليس في الإمكان حمل مساو لأن المساوي لازم لجميع النوع بالفعل. وإما قضايا الإمكان الكليات فإنها في الموجبات كواذب، نقول: ممكن أن يكون كل إنسان أسود أو طبيباً، فهذا كذب. وعكس الحمل الأعم كاذب أيضاً وهو: ممكن أن يكون كل أسود إنساناً. وأما (٤) عكس الحمل الأخص فصادق، نقول: ممكن أن يكون كل طبيب إنساناً. وأما قضايا الإمكان النوافي فالكلية كاذبة أبداً هي (٥) وعكسها، نقول: إن كان ممكن أن لا يكون واحد من الناس أسود أو طبيباً فممكن أن لا يكون واحد من

стр. 1144

السودان أو الأطباء إنساناً. وأما النافية الجزئية في عنصر الإمكان فإنها تنعكس نافية جزئية. نقول: ممكن أن لا يكون بعض الناس أسود، وعكسها: ممكن أن لا يكون بعض السودان إنساناً وهذا في الحمل الأعم، وتكذب في الحمل الأخص لأنك إذا قلت ممكن أن لا يكون بعض الناس طبيباً فتصدق، فإذا عكست وقلت: ممكن أن لا يكون بعض الأطباء إنساناً، كذبت. وأما في عنصر الامتناع فإن الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية. نقول: ممتنع أن (١) يكون بعض الناس حجراً، وممتنع أن لا يكون بعض الحجارة إنساناً، وتنعكس أيضاً موجبة كلية صادقة فتقول: ممتنع أن يكون كل واحد من الحجارة إنساناً. وأما الموجبة الكلية فتنعكس أيضاً كلية وجزئية صادقتين أبداً، نقول: ممتنع أن يكون كل واحد من الناس حجراً، وممتنع أن يكون كل واحد من الحجارة إنساناً، وممتنع أن يكون بعض الحجارة إنساناً. فأما (٢) النافية الكلية في عنصر الامتناع فتنعكس جزئية، فتقول: إن كان ممتنع أن لا يكون كل واحد من الناس حياً، فممتنع أن لا يكون بعض الأحياء إنساناً، وهكذا تصدق في منع نفي الضحك المساوي للنوع. وفي الحمل الأخص كالطب وما أشبهه نقول: إن كان ممتنع أن لا يكون كل (٣) واحد من الأطباء إنساناً فممتنع أن لا يكون بعض الناس طبيباً. وأما النافية الجزئية في عنصر الامتناع فإنها تنعكس نافية جزئية كقولك: ممتنع ألا يكون بعض الناس حياً (٤) وممتنع أن لا يكون بعض الأحياء ناساً وهذا (٥) ينعكس في الحمل المساوي والأخص أبداً.

стр. 1145

ومنفعتنا بمعرفة عكس القضايا من (١) وجهين. أحدهما ما يستأنف من رد بعض البراهين التي فيها صعوبة إلى البين (٢) اللائح منها، وهو الذي يأتي إن شاء الله [٥٠و] في رد أنحاء الشكل الثاني والثالث إلى الشكل الأول مفسراً في موضعه. والوجه الثاني في تصحيح المقدمات التي يريد طلاب (٣) الحقائق تقديمها ليجعلوها أصولاً لينتجوا منها ما يشهد للصحيح من الأقوال. وإذ قد قدمنا أن القضية تكون من موضوع ومحمول أي من مخبر عنه وخبر وأن القرينة تكون من مقدمتين في كل واحدة منهما (٤) لفظة تشترك فيها المقدمتان معاً، فاعلم أن كل لفظة من ألفاظ المقدمتين فإن الأوائل يسمونها " حداً " ويسمون اللفظة المشتركة: " الحد المشترك ". فاعلم الآن (٥) أن أشكال البرهان لا تكون إلا ثلاثة، نعني بأشكاله صور القرائن التي يقوم منها البرهان، لأنه لا بد من أن يكون الحد المشترك محمولاً في المقدمة الواحدة وموضوعاً في الثانية، أو يكون محمولاً في كل واحدة منهما أو يكون موضوعاً في كل واحدة منهما (٦) ؛ ولا سبيل في رتبة العقل إلى قسمة (٧) رابعة بوجه من الوجوه البتة. واعلم أيضاً أنه لا فرق بين قولك: الحياة في كل إنسان وبين قولك: كل إنسان حي، تريد في المعنى، وهذا تسميه الأوائل " تقديم الحمل " أي أن (٨) تجعل الصفة مخبراً عنها والموصوف مردوداً إلى (٩) الصفة أي كأنه خبر عنها فلا تبال باختلاف هذه العبارات. واعلم أن الأوائل يسمون المقدمة التي فيها اللفظ الأعم " مقدمة كبرى " مثل

стр. 1146

قولك: كل إنسان حي، وكل حي جوهر فالتي فيها ذكر الجوهر هي التي يسمونها كبرى لأن اللفظة التي فيها (١) أعم من اللفظة التي في المقدمة الأخرى، وذلك أن الجوهر أعم من الحي ومن الإنسان، والأخرى يسمونها الصغرى. واعلم أنه لا تنتج نافيتان ولا جزئيتان ولا مخصوصتان وهي التي يخبر بها (٢) عن شخص واحد بعينه. واعلم أن الحد المشترك لا يذكر في النتيجة أصلاً، ولو ذكر فيها لكانت النتيجة إحدى المقدمتين، وإنما يذكر في النتيجة اللفظة التي تنفرد بها المقدمة الواحدة، واللفظة الأخرى التي تنفرد بها أيضاً (٣) المقدمة الثانية. واعلم أنه لا يخرج في النتيجة إلا أقل ما في المقدمتين وأبعده من اليقين والقطع، لأن النتيجة من طبعها تحري الصدق فيها، فلذلك لا يخرج فيها إلا الأقل الذي لا شك فيه. فإن كانت إحدى المقدمتين مهملة والأخرى ذات سور، فالنتيجة مهملة، وإن كانت إحدى المقدمتين جزئية خرجت النتيجة جزئية، وإن كانت إحدى المقدمتين مخصوصة خرجت النتيجة مخصوصة، وإن كانت إحدى المقدمتين نافية خرجت النتيجة نافية، وإن [٥٠ظ] كانت إحدى المقدمتين جزئية أو مخصوصة والأخرى نافية خرجت النتيجة جزئية نافية أو مخصوصة نافية. نقول: لا واحد من الناس حجر وزيد من الناس فزيد لا حجر، وإنما هذه الرتبة فيما يصدق أبداً ويوثق (٤) بإنتاجه. وكذلك إن كانت إحدى المقدمتين ضرورية والثانية ممكنة فإنه لا تخرج في النتيجة إلا الممكنة، وأما إذا استوت المقدمتان، فالنتيجة مثلهما، فإن كانتا موجبتين فالنتيجة موجبة، وإن كانتا ضروريتين فالنتيجة ضرورية، وإن كانتا ممكنتين فالنتيجة ممكنة، وإن كانتا مهملتين فالنتيجة مهملة، إلا أنهما إن كانتا كليتين فالنتيجة كلية وربما كانت جزئية ولا تبال عن هذا، فالجزئي منطو في الكلي وليس الكلي منطوياً في الجزئي، وتذكر (٥) ما قلنا لك إن أشكال البرهان ثلاثة: فللشكل الأول أربعة أنحاء، وللشكل

стр. 1147

الثاني أربعة أنحاء (١) ، وللشكل الثالث ستة أنحاء، وإنما نعني بذلك الأنحاء الصادقة في الإنتاج أبداً على كل حال، فالشكل للبرهان كالجنس، والنحو له كالنوع، ثم المقدمات المأخوذة كالأشخاص، وهي غير محصاة عندنا بعدد لأنها تتصرف في كل علم وفي كل مسألة. واعلم أنه إنما سمي الشكل الأول أولاً لأن الشكلين الآخرين يرجعان عند الحقيقة إليه على ما نبين بعد هذا إن شاء الله . واعلم أنه قد تقدم لك مقدمتان نافيتان فينتجان لك إنتاجاً صادقاً صحيحاً (٢) فلا تثق بذلك لأنها طريق خوانة غير موثوق بصدقها أبداً، بل قد تقدمهما صحيحتين فتنتجان لك نتيجة كاذبة؛ فالخداع من هذا الباب هو نحو ما أقول لك: ليس كل إنسان حجراً، ولا كل حجر حماراً، النتيجة: فليس كل إنسان حماراً، وهذا حق. والفاضح لكل ما ذكرنا هو نحو ما أقول لك: تقول ليس كل إنسان أسود ولا كل أسود حي فهاتان صادقتان، النتيجة فليس كل إنسان حياً (٣) ، وكذلك أيضاً لو قلت: فليس بعض الناس حياً فكلتاهما كذب، فإياك والاغترار بمقدمتين نافيتين أصلاً (٤) ؛ وإنما (٥) صدقت القرينة الأولى من قبل حسن نظم المقدمتين لأنك نظمتها نظماً جعلت الذي (٦) نفيت عن الحجر مما ينتفي (٧) عن الإنسان جملة. وأنا أريك الآن زيادة بيان في صدق هذا الحكم، فأعمل لك مقدمتين إحداهما كذب بحت فتنتج لك إنتاجاً حقاً وهو أن تقول: كل إنسان حجر وكل حجر جوهر، النتيجة فكل إنسان جوهر. وتقول: ليس كل إنسان كلباً وليس [٥١و] كل كلب فرساً، النتيجة ليس كل إنسان فرساً (٨) وذلك حق، فالأولى مقدمة

стр. 1148

كذب أنتجت حقاً لحسن نظمها، وهو أنك وصفت الحجر بصفة تعمه وتعم الإنسان، والأخرى في النفي كذلك، نعني في حسن النظم فقط. فاعلم الآن أنه لا بد من صدق كل واحدة من المقدمتين، ولا بد مع الصدق فيهما من إحسان رتبتهما على الطريق (١) التي وصفت لك، وإلا تحيرت وتخبلت عليك الأمور، واختلط الحق في ذهنك بالباطل. وكذلك في المقدمتين الجزئيتين، وقد قدمنا أن حكم المخصوص حكم الجزئي ولا فرق فنقول: زيد ناطق وبعض الناطق (٢) ميت فزيد ميت، هذه نتيجة حق، ولكن لا تثق بمقدمتين جزئيتين البتة ولا مخصوصتين ولا مخصوصة وجزئية. واعلم أن هذه إنما صدقت من قبل صدق الخبر عن طبائع المخبر عنهما وعموم الصفة للمخبر عنهما، وأنا أريك خيانة هذه الطريق، وذلك أن تقول: زيد أبيض، وبعض البيض حجر، فهاتان صادقتان، النتيجة: فزيد حجر، وهذا كذب. وإن شئت قلت: زيد ناطق، وبعض الناطقين كاتب، هاتان مقدمتان حق، النتيجة: فزيد كاتب؛ هذه النتيجة [يمكن] أن تكون حقاً وممكن (٣) أن تكون كذباً. فتدبر مثل هذا ولا تنسه تفق من شغب عظيم، وتعلم أن الجزئيتين والمخصوصتين [والمخصوصة] والجزئية لا تنتج إنتاجاً صادقاً مطرداً لا يخون (٤) . وها نحن بحول الله (٥) خالقنا الواحد تعالى وعونه لنا شارعون في تشخيص الأشكال الثلاثة المذكورة آنفاً من مثال طبيعي ومثال (٦) شريعي ليكون أسهل للطالب وأجلى للشك. ولقد رأيت طوائف (٧) من الخاسرين شاهدتهم أيام عنفوان طلبنا وقبل تمكن قوانا في المعارف وأوان (٨) مداخلتنا صنوفاً من ذوي الآراء المختلفة كانوا

стр. 1149

يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين أنتجه بحث موثوق به على أن علم (١) الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة، فعمدة غرضنا وعلمنا (٢) إنارة هذه الظلمة بقوة خالقنا الواحد لنا (٣) فلا قوة لنا إلا به وحده لا شريك له. وأعلم أن هذا الكلام الذي نتأهب لإيراده دأباً وننبهك على الإصاخة إليه هو الغرض المقصود من هذا الديوان وهو الذي به نقيس جميع ما اختلف فيه من أي علم كان، فتذوقه (٤) ذوقاً لا يخونك أبداً، وتدبره (٥) نعماً وتحفظه جداً فهو الذي وعرته الأوائل وعبرت [٥١ظ] عنه بحروف الهجاء ضنانة به، واحتسبنا (٦) الأجر في إبدائه وتسهيله وتقريبه على كل من نظر فيه للأسباب التي ذكرنا في أول ديواننا هذا، ولم نقنع إلا بأن جعلنا جميع الأنحاء من لفظ واحد في الإيجاب ولفظ واحد في النفي، ليلوح رجوع بعضها إلى بعض ومناسبة بعضها بعضاً ووجوه (٧) العمل في أخذ البرهان بها، فقربنا من ذلك بعيداً وبينا مشكلاً وأوضحنا عويصاً وسهلنا وعراً وذللنا صعباً ما نعلم أحداً سمح بذلك ولا أتعب (٨) ذهنه فيه قبلنا، ولله الحمد أولاً وآخراً. وبوقوفك على هذا الفصل تدفع (٩) عنك غمة الجهل والنفار الذي يولده الهلع من سوء الظن بهذا العلم وشدة الهم بمخرقة كثير ممن يدعيه ممن ليس من أهله، وفقنا الله وإياك وسائر أهل نوعنا عامة وأهل ملتنا من المؤمنين (١٠) خاصة لما يرضيه، آمين. فاعلم (١١) أن الشكل الأول كبراه أبداً كلية (١٢) إما موجبة وإما نافية، وصغراه

стр. 1150

أبداً موجبة إما جزئية وإما كلية. واعلم أيضاً أن الشكل الثاني والثالث راجعان إلى الشكل الأول أبداً، إما إلى قرينة من قرائنه، وإما إلى (١) نتيجة من نتائجه، إما في اللفظ، وإما في الرتبة، على ما نبين في كل نحو منهما إن شاء الله . واعلم أن الصغرى من المقدمتين مقدمة أبداً لتخرج اللفظة التي انفردت بها موضوعة في النتيجة أي مخبراً عنها، والكبرى مؤخرة أبداً لتخرج اللفظة التي انفردت بها محمولة في النتيجة أي خبراً. واعلم أنه إن وقعت صفة تخص بعض النوع (٢) في زمان دون زمان في إحدى المقدمتين وجب ضرورة أن تكون الأخرى كلية، وقد ذكرنا قبل أن بعض الأوائل وصفوا أن المقدمة الكبرى تقع فيها لفظة أعم من اللفظتين الأخريين المشتركة والتي انفردت بها المقدمة الأخرى، وهذا أمر غير صحيح على الإطلاق بل قد أجاز من عليه المعتمد في هذا العلم، وهو أرسطا طاليس، مرتب هذه الصناعة، المساواة في المقدمات وهو الصحيح. وقد وجدنا خمسة أنحاء منها الأربعة متساوية المقدمتين وهو النحو الثاني من الشكل الأول، والنحو الأول والثاني من الشكل الثاني، والنحو الثاني من الشكل الثالث، والنحو الخامس من الشكل الثالث وصغراه كلية وكبراه جزئية، فاللفظة الأعم في ذلك النحو خاصة في المقدمة الصغرى [٥٢و] لا في الكبرى. وقد نبهنا على كل نحو منها في مكانه إن شاء الله ، وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وهذا حين نأخذ في تشخيص الأنحاء المذكورة: الشكل الأول: الحد المشترك فيه موضوع في إحدى المقدمتين محمول في الأخرى أي إن اللفظة المذكورة في كلتا المقدمتين هي في إحداهما مخبر عنه وموصوف، وهي في الأخرى خبر وصفة. مثال ذلك: الشكل الأول: الحد المشترك فيه مخبر عنه في إحدى المقدمتين وخبر في الأخرى.

стр. 1151

النحو الأول من الشكل الأول: صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى كلية موجبة: وكل حي جوهر. النتيجة: كل إنسان جوهر. النحو الثاني من الشكل الأول: قالوا صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى كلية نافية: ولا واحد حي حجر. النتيجة: لا واحد إنسان حجر. وإن شئت قلت: لا أحد من الناس حجر. وهذا النحو متساوي المقدمتين، ليست إحداهما أعم من الأخرى. النحو الثالث من الشكل الأول: صغرى جزئية موجبة: بعض الناس حي. كبرى كلية موجبة: وكل حي جوهر. النتيجة: بعض الناس جوهر. النحو الرابع من الشكل الأول: صغرى جزئية موجبة: بعض الناس حي. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الأحياء حجر. النتيجة: بعض الناس ليس حجراً. الشكل الثاني: الحد المشترك فيه محمول في كلتا المقدمتين أي أنه خبر فيهما معاً. النحو الأول من الشكل الثاني: قالوا صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الحجارة حي. النتيجة: فلا واحد من الناس حجر. ليس بين هذا النحو الأول من الشكل الثاني وبين النحو الثاني من الشكل الأول إلا أن

стр. 1152

المحمول وهو الخبر الذي في المقدمة الكبرى من ذلك النحو الثاني من الشكل الأول هو موضوع أي مخبر عنه في المقدمة الكبرى من هذا النحو الأول من الشكل الثاني على حسب ما أتينا به هناك (١) وهنا فقط. برهان صحة هذه النتيجة نعكس المقدمة النافية فنقول: إن كان لا واحد من الحجارة حي فلا واحد من الأحياء (٢) حجر، وقد قلنا كل إنسان حي فنضيف اللفظ الذي حصل لنا في العكس إلى هذه التي لم تعكس فنقول: كل إنسان حي، ولا واحد من الأحياء حجر، وهذا هو النحو الثاني من الشكل الأول بعينه، خرج في العكس المخبر عنه خبراً والخبر مخبراً عنه على ما قدمنا إذ وصفنا رتب العكس فتذكره، وإنما لم نعكس الموجبة لأننا لو عكسناها لأتانا النحو الثالث من الشكل الثاني، وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. النحو الثاني من الشكل الثاني: قالوا صغرى كلية: ولا واحد من الحجارة حي. كبرى كلية موجبة: وكل إنسان حي. النتيجة: فلا (٣) واحد من الحجارة [٥٢ظ] إنسان. ليس بين هذا النحو والنحو الذي قبله فرق أصلاً إلا أن كبرى ذلك هي صغرى هذا، أخرت هنالك وقدمت هنا، وصغرى ذلك هي كبرى هذا قدمت هنالك (٤) وأخرت هنا، وإنما - كان ذلك لأنا نخرج موضوع نتيجة الذي قبل هذا محمولاً في نتيجة هذا، والمحمول هنالك موضوعاً هنا. وبرهان هذا (٥) النحو بعكستين عكسة للمقدمة الثانية وعكسة أخرى للنتيجة التي ذكرنا، فنقول إن كان لا واحد من الحجارة حي، فلا واحد من الأحياء حجر، وقد قلنا إن كل إنسان حي فنقول لا واحد من الأحياء حجر (٦) وكل إنسان حي فلا واحد من الحجارة إنسان. ثم نعكس هذه النتيجة فنقول: إذا كان لا واحد من الحجارة إنسان فلا واحد من الناس حجر،

стр. 1153

وهذه هي نتيجة النحو الثاني من الشكل الأول بعينها. واعلم أن مقدمتي هذا النحو والنحو الذي قبله متساويتان ليس في إحداهما لفظة هي أعم من اللفظة التي في الأخرى. واعلم أنه لا فرق في شيء من الأنحاء كلها بين قولك: لا واحد من الناس حجر، وقولك: لا شيء من الناس حجر، وقولك: لا واحد إنسان حجر، كل ذلك سواء قل كيف شئت. والأولى أن تقول الذي هو أبين في اللغة التي عبارتك بها، وهكذا حكم كل ما نفيت. النحو الثالث من الشكل الثاني: صغرى جزئية موجبة: بعض الناس حي. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الحجارة حي. النتيجة: بعض الناس لا حجر. ليس بين هذا النحو وبين النحو الرابع من الشكل الأول فرق إلا أن محمول المقدمة الكبرى من ذلك النحو هو موضوع المقدمة الكبرى من ذلك النحو هو محمول المقدمة الكبرى من هذا النحو. برهانه بعكس المقدمة النافية فتقول: إذا كان لا واحد من الحجارة حي فلا واحد من الأحياء حجر، ونضيف إلى ذلك المقدمة التي لم تعكس فنقول: بعض الناس حي ولا واحد من الأحياء حجر، وهذا هو النحو الرابع من الشكل الأول بعينه. النحو الرابع من الشكل الثاني: صغرى جزئية سالبة: بعض الحجارة ليس حياً. كبرى كلية موجبة: وكل إنسان حي. النتيجة: فبعض الحجارة ليس إنساناً؛ وإن شئت قلت: فليس كل حجر إنساناً، لأنا قد قلنا قبل إن النافية الجزئية تظهر بلفظ كلي وجزئي إن شئت. ثم

стр. 1154

نعكس هذه النتيجة فنقول: إذا كان بعض الحجارة ليس إنساناً، فبعض الناس ليس حجراً، وهذا هو نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها. وهذا النحو لا تعكس مقدمته لأنك لو عكست الموجبة الكلية لانعكست جزئية ومعها [٥٣و] جزئية نافية، وجزئيتان لا تنتج، والنافية الجزئية لا تنعكس على ما قدمنا. لكن برهانه برفع الكلام إلى الإحالة (١) ، وذلك أن نقول: إن أنكر منكر أن هذه النتيجة حق وهي قولنا فبعض الحجارة ليس إنساناً، فنقيضها حق وهو كل الحجارة إنسان، فنقول: كل الحجارة إنسان، وكل إنسان حي على ما أثبتنا في المقدمة الكبرى فينتج لنا ذلك: كل حجر حي، وقد صححنا في المقدمة الصغرى: بعض الحجارة لا حي، وهذا ضد ما أنتج لنا ما قدمنا آخراً، وهذا محال. الشكل الثالث: الحد المشترك فيه موضوع في كلتا المقدمتين أي مخبر عنه، ونتائجه كلها جزئيات. النحو الأول من الشكل الثالث: صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى كلية موجبة: وكل إنسان جوهر. النتيجة: فبعض الأحياء جوهر. برهانه بعكس المقدمة الصغرى فنقول: إن كان كل إنسان حياً فبعض الأحياء إنسان، ونضيف إليها المقدمة الكبرى فنقول: بعض الأحياء إنسان (٢) ، وكل إنسان جوهر، فبعض الأحياء جوهر، وهذه هي رتبة النحو الثالث من الشكل الأول.

стр. 1155

النحو الثاني من الشكل الثالث: قالوا صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الناس حجر. النتيجة: فبعض الأحياء لا حجر. برهانه بعكس المقدمة الصغرى نقول: إن كان كل إنسان حياً، فبعض الأحياء إنسان، ولا أحد (١) إنسان حجر، فبعض الأحياء ليس حجراً، وهذه رتبة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها، وهذا النحو متساوي المقدمتين ليس في إحداهما لفظ أعم مما في الأخرى. النحو الثالث من الشكل الثالث: صغرى جزئية موجبة: بعض الأحياء ناس. كبرى كلية موجبة: وكل الأحياء جوهر. النتيجة: بعض الناس جوهر. برهانه بعكس المقدمة الجزئية نقول: إن كان بعض الأحياء ناساً فبعض الناس حي، ثم نضيف ذلك إلى المقدمة الكلية فنقول: بعض الناس حي، وكل حي جوهر، وهذا هو النحو الثالث من الشكل الأول بعينه. النحو الرابع من الشكل الثالث: صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى جزئية موجبة: وبعض الناس جوهر. النتيجة: بعض الجوهر حي (٢) . رتية هذا النحو مخالف لرتبة الذي قبله في تقديم الجزئية وتأخيرها، فكبرى ذلك صغرى هذا، وصغرى ذلك كبرى هذا، إلا أنه (٣) يخرج موضوع نتيجة الذي قبل هذا محمولاً في نتيجة هذا في الرتبة، ومحمول نتيجة ذلك موضوعاً في نتيجة هذا، إذ الحد الذي في المقدمة الكبرى هو [٥٣ظ] الذي يخرج محمولاً في النتيجة، وبرهانه بعكس المقدمة الجزئية، نقول: إن كان بعض الناس جوهراً فبعض الجوهر ناس، ثم نضيف ذلك إلى المقدمة الكلية فنقول: بعض الجوهر ناس، وكل الناس

стр. 1156

حي، النتيجة: بعض الجوهر حي، وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول بعينها. النحو الخامس من الشكل الثالث: قالوا صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى جزئية نافية: وبعض الناس لا حجر. النتيجة: فبعض الحي ليس حجراً. لا عكس في هذا، لأنك لو عكست الكلية لانعكست جزئية، وجمعنا (١) إليها جزئية أخرى، وجزئيتان لا تنتج، والجزئية النافية لا تنعكس، لكن برهانه يرفع الكلام إلى الإحالة فنقول: إن كانت النتيجة المذكورة باطلاً فنقيضها حق، وهو كل حي حجر، ثم نقول: كل إنسان حي وكل حي حجر، النتيجة: فكل الناس حجر، وقد اتفقنا في المقدمة على أن بعض الناس لا حجر، وهذا محال، ونتيجة هذا النحو هي نتيجة النحو الثاني من الشكل الثالث، ويرجع هذا النحو إلى النحو الرابع من الشكل الأول بأن تأخذ النتيجة فتضيفها إلى المقدمة الصغرى، فتقول: كل إنسان حي، وبعض الحي لا حجر، النتيجة: فبعض الناس لا حجر، وهذه هي (٢) نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول، وهذا النحو ليس في كبراه لفظة أعم من التي في صغراه. النحو السادس من الشكل الثالث: صغرى جزئية موجبة: بعض الحي إنسان. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الأحياء حجر. النتيجة: بعض الناس (٣) لا حجر. برهانه بعكسة واحدة، نقول: إن كان بعض الحي إنساناً فبعض الناس حي، ثم نضيف ذلك إلى الكلية السالبة فنقول: بعض الناس حي ولا واحد من الأحياء حجر، وهذا هو النحو الرابع من الشكل الأول. وإنما لم نعكس ما لم يعكس من المقدمات في الشكل الثاني والثالث لأنه إما كانت تخرج جزئيتين أو تخرج إلى ما قد خرج قبلها أو بعدها من الأنحاء، أو لأنه كان يكون أطول في العمل فقصدنا الأخصر

стр. 1157

والأكثر فائدة فهذه الأنحاء التي لا ينتج سواها إنتاجاً مطرداً. وسنبين إن شاء الله تعالى اعتراضات اعترضها المشغبون في هذه الأشكال، وحل ذلك كله بحول الله وقوته، وها نحن آخذون في تمثيل هذه (١) الأنحاء بمثال إلا هي ومثال شريعي بحول الله واهب الفضائل لمن شاء من عباده لا إله إلا هو (٢) ليظهر فضل هذه [٥٤و] الصناعة في كل علم. الشكل الأول: النحو الأول من الشكل الأول: كل ما خرج إلى الفعل من العالم فمعدود وكل معدود فمتناه فكل ما خرج إلى الفعل من العالم فمتناه. مثال شريعي: كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام. النحو الثاني منه: كل ما خرج إلى الفعل من العالم معدود ولا واحد من المعدودات أزلي، فليس شيء مما خرج إلى الفعل من العالم أزلياً. مثال شريعي: كل مسكر خمر وكل خمر ليست حلالاً فكل مسكر ليس حلالاً. النحو الثالث منه: بعض العالم مركب وكل مركب مؤلف من شتى (٣) ، فبعض العالم مؤلف من شتى (٣) . مثال شريعي: بعض المملوكات حرام وطئها، وكل حرام ففرض اجتنابه، فبعض المملوكات فرض اجتنابها. النحو الرابع منه: بعض العالم مركب وليس شيء من المركبات أزلياً فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض البيوع ربا وليس شيء من الربا حلالاً، فبعض البيوع ليس حلالاً.

стр. 1158

الشكل الثاني: النحو الأول منه: كل جمل العالم مؤلفات من أجزائها وليس شيء من المؤلفات أزلياً فليس شيء من العالم أزلياً. مثال شريعي: كل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه وليس شيء مما نهيت عنه حلالاً، فليس ذبحك لشيء لم تملكه حلالاً. النحو الثاني منه: ليس شيء أزلي مؤلفاً (١) وكل جمل العالم مؤلفات (٢) من أجزائها فلا شيء في جمل العالم أزلي (٣) . مثال شريعي: ليس شيء حلالاً مما نهيت عنه (٤) ، وكل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه، فليس حلالاً ذبحك لما (٥) لم تملكه. النحو الثالث منه: بعض العالم مركب، وليس شيء أزلي مركباً، فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض الآباء كافر وليس أحد تجب طاعته كافراً، فبعض الآباء لا تجب طاعته. النحو الرابع منه: بعض العالم ليس خالقاً، والأزلي خالق، فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض الفروج من المتملكات لا يحل وطئه، وكل فرج زوجة أو أمة مباحين يحل وطئه، فبعض الفروج من المتملكات، ليس فرج زوجة أو أمة، ليس مباحاً. الشكل الثالث: النحو الأول منه: كل مركب متناه (٦) ، وكل مركب مؤلف، فبعض المتناهيات

стр. 1159

[٥٤ظ] مؤلف. مثال شريعي: كل قاذف محصنة فاسق، وكل قاذف محصنة يحد، فبعض الفاسقين يحد. النحو الثاني منه: كل جسم مركب من أجزائه، وليس واحد من الأجسام أزلياً، فبعض المركب من أجزائه ليس أزلياً. مثال شريعي: كل المحرمين منهي عن الصيد (١) ، وليس أحد من المحرمين مباحاً له النساء، فليس بعض المنهيين عن الصيد (١) مباحاً لهم النساء. النحو الثالث منه: بعض الأعراض عدد، وكل الأعراض محمول، فبعض العدد محمول. مثال شريعي: بعض المصلين مقبول الصلاة، وكل مصل فمأمور باستقبال الكعبة إن قدر، فبعض المقبول صلاتهم مأمور باستقبال الكعبة إن قدر. النحو الرابع منه: كل جسم معدود، وبعض الجسم مركب، فبعض المركب معدود. مثال شريعي: كل مرضعة خمس رضعات حرام، وبعض المرضعات خمس رضعات أم، فبعض الأمهات حرام. النحو الخامس منه: بعض الأجسام ليس عرضاً، وكل جسم فشاغل مكاناً، فبعض الأعراض ليس شاغلاً مكاناً. مثال شريعي: ليس بعض القاتلين بغير حق يفاد منه، وكل قاتل بغير حق فاسق، فبعض من لا يفاد منه فاسق. النحو السادس منه: بعض الأجسام ذو جهات ست، وليس شيء من الأجسام عرضاً، فبعض ما هو ذو جهات ست ليس (٢) عرضاً.

стр. 1160

مثال شريعي: بعض الشروط مفسد للعقد، وليس شيء من الشروط متقدماً للعقد، فبعض المفسد للعقد لا يتقدم العقد. فإذ قد أتممنا بحمد الله تعالى وعونه لنا ما كنا (١) وعدنا به من ذكر أنحاء أشكال البرهان، فلنقل إن كل نتيجة ظهرت فيما قدمنا من القرائن فإنها إن (٢) كانت موجبة كلية فإنه قد يصح (٣) بصحتها عكسها وهو موجبة جزئية. وإن كانت موجبة جزئية فإنه قد يصح (٣) بصحتها عكسها وهو موجبة جزئية. وإن كانت سالبة (٤) كلية فإنه قد يصح بصحتها عكسها وهو نافية كلية. وإذا صحت الكلية فقد صحت جزئياتها وليس إذا صحت الجزئية صحت كليتها، فتأمل هذا تجده، وقد قدمنا لك من ذلك أمثلة بينة فأغنى عن تكرارها. فتدبر في هذا المكان عظيم منفعة العكس لأنه يصح لك بصحة النتيجة ما انطوى فيها مما ذكرنا الآن. [٥٥و] وأما النافية الجزئية فقد قدمنا أنها لا تنعكس، وإذا كان ماقلنا، فذلك إنتاج من النتيجة صادق أبداً، فالنتائج كما ذكرنا أربع عشرة (٥) نتيجة، تنعكس منها ثمان، ثلاث في الشكل الأول اثنتان منهما موجبتان، إحداها جزئية، والثانية كلية، والثالثة كلية نافية، واثنتان في الثاني كليتان نافيتان، وثلاث في الثالث موجبات جزئيات (٦) ، فلذلك اثنتان وعشرون نتيجة صادقة أبداً (٧) . وتذكر ما قلنا قبل إن القضايا، وهي الأخبار، تنقسم قسمين: قاطعة وشرطية، فهذه القاطعة قد ذكرتا أقسامها، والحمد لله واهب التمييز والعلم والبيان والقوة وهو الذي لا يستمد المزيد في كل ذلك ومن كل خير إلا منه، لا إله إلا هو، فإذ قد أتممنا ذلك فلنشرع (٨) في ذكر القسم الثاني وهو الشرطية، إن شاء الله ولا
следующие страницы →