← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

حي، النتيجة: بعض الجوهر حي، وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول بعينها. النحو الخامس من الشكل الثالث: قالوا صغرى كلية موجبة: كل إنسان حي. كبرى جزئية نافية: وبعض الناس لا حجر. النتيجة: فبعض الحي ليس حجراً. لا عكس في هذا، لأنك لو عكست الكلية لانعكست جزئية، وجمعنا (١) إليها جزئية أخرى، وجزئيتان لا تنتج، والجزئية النافية لا تنعكس، لكن برهانه يرفع الكلام إلى الإحالة فنقول: إن كانت النتيجة المذكورة باطلاً فنقيضها حق، وهو كل حي حجر، ثم نقول: كل إنسان حي وكل حي حجر، النتيجة: فكل الناس حجر، وقد اتفقنا في المقدمة على أن بعض الناس لا حجر، وهذا محال، ونتيجة هذا النحو هي نتيجة النحو الثاني من الشكل الثالث، ويرجع هذا النحو إلى النحو الرابع من الشكل الأول بأن تأخذ النتيجة فتضيفها إلى المقدمة الصغرى، فتقول: كل إنسان حي، وبعض الحي لا حجر، النتيجة: فبعض الناس لا حجر، وهذه هي (٢) نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول، وهذا النحو ليس في كبراه لفظة أعم من التي في صغراه. النحو السادس من الشكل الثالث: صغرى جزئية موجبة: بعض الحي إنسان. كبرى كلية نافية: ولا واحد من الأحياء حجر. النتيجة: بعض الناس (٣) لا حجر. برهانه بعكسة واحدة، نقول: إن كان بعض الحي إنساناً فبعض الناس حي، ثم نضيف ذلك إلى الكلية السالبة فنقول: بعض الناس حي ولا واحد من الأحياء حجر، وهذا هو النحو الرابع من الشكل الأول. وإنما لم نعكس ما لم يعكس من المقدمات في الشكل الثاني والثالث لأنه إما كانت تخرج جزئيتين أو تخرج إلى ما قد خرج قبلها أو بعدها من الأنحاء، أو لأنه كان يكون أطول في العمل فقصدنا الأخصر

стр. 1157

والأكثر فائدة فهذه الأنحاء التي لا ينتج سواها إنتاجاً مطرداً. وسنبين إن شاء الله تعالى اعتراضات اعترضها المشغبون في هذه الأشكال، وحل ذلك كله بحول الله وقوته، وها نحن آخذون في تمثيل هذه (١) الأنحاء بمثال إلا هي ومثال شريعي بحول الله واهب الفضائل لمن شاء من عباده لا إله إلا هو (٢) ليظهر فضل هذه [٥٤و] الصناعة في كل علم. الشكل الأول: النحو الأول من الشكل الأول: كل ما خرج إلى الفعل من العالم فمعدود وكل معدود فمتناه فكل ما خرج إلى الفعل من العالم فمتناه. مثال شريعي: كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام. النحو الثاني منه: كل ما خرج إلى الفعل من العالم معدود ولا واحد من المعدودات أزلي، فليس شيء مما خرج إلى الفعل من العالم أزلياً. مثال شريعي: كل مسكر خمر وكل خمر ليست حلالاً فكل مسكر ليس حلالاً. النحو الثالث منه: بعض العالم مركب وكل مركب مؤلف من شتى (٣) ، فبعض العالم مؤلف من شتى (٣) . مثال شريعي: بعض المملوكات حرام وطئها، وكل حرام ففرض اجتنابه، فبعض المملوكات فرض اجتنابها. النحو الرابع منه: بعض العالم مركب وليس شيء من المركبات أزلياً فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض البيوع ربا وليس شيء من الربا حلالاً، فبعض البيوع ليس حلالاً.

стр. 1158

الشكل الثاني: النحو الأول منه: كل جمل العالم مؤلفات من أجزائها وليس شيء من المؤلفات أزلياً فليس شيء من العالم أزلياً. مثال شريعي: كل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه وليس شيء مما نهيت عنه حلالاً، فليس ذبحك لشيء لم تملكه حلالاً. النحو الثاني منه: ليس شيء أزلي مؤلفاً (١) وكل جمل العالم مؤلفات (٢) من أجزائها فلا شيء في جمل العالم أزلي (٣) . مثال شريعي: ليس شيء حلالاً مما نهيت عنه (٤) ، وكل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه، فليس حلالاً ذبحك لما (٥) لم تملكه. النحو الثالث منه: بعض العالم مركب، وليس شيء أزلي مركباً، فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض الآباء كافر وليس أحد تجب طاعته كافراً، فبعض الآباء لا تجب طاعته. النحو الرابع منه: بعض العالم ليس خالقاً، والأزلي خالق، فبعض العالم ليس أزلياً. مثال شريعي: بعض الفروج من المتملكات لا يحل وطئه، وكل فرج زوجة أو أمة مباحين يحل وطئه، فبعض الفروج من المتملكات، ليس فرج زوجة أو أمة، ليس مباحاً. الشكل الثالث: النحو الأول منه: كل مركب متناه (٦) ، وكل مركب مؤلف، فبعض المتناهيات

стр. 1159

[٥٤ظ] مؤلف. مثال شريعي: كل قاذف محصنة فاسق، وكل قاذف محصنة يحد، فبعض الفاسقين يحد. النحو الثاني منه: كل جسم مركب من أجزائه، وليس واحد من الأجسام أزلياً، فبعض المركب من أجزائه ليس أزلياً. مثال شريعي: كل المحرمين منهي عن الصيد (١) ، وليس أحد من المحرمين مباحاً له النساء، فليس بعض المنهيين عن الصيد (١) مباحاً لهم النساء. النحو الثالث منه: بعض الأعراض عدد، وكل الأعراض محمول، فبعض العدد محمول. مثال شريعي: بعض المصلين مقبول الصلاة، وكل مصل فمأمور باستقبال الكعبة إن قدر، فبعض المقبول صلاتهم مأمور باستقبال الكعبة إن قدر. النحو الرابع منه: كل جسم معدود، وبعض الجسم مركب، فبعض المركب معدود. مثال شريعي: كل مرضعة خمس رضعات حرام، وبعض المرضعات خمس رضعات أم، فبعض الأمهات حرام. النحو الخامس منه: بعض الأجسام ليس عرضاً، وكل جسم فشاغل مكاناً، فبعض الأعراض ليس شاغلاً مكاناً. مثال شريعي: ليس بعض القاتلين بغير حق يفاد منه، وكل قاتل بغير حق فاسق، فبعض من لا يفاد منه فاسق. النحو السادس منه: بعض الأجسام ذو جهات ست، وليس شيء من الأجسام عرضاً، فبعض ما هو ذو جهات ست ليس (٢) عرضاً.

стр. 1160

مثال شريعي: بعض الشروط مفسد للعقد، وليس شيء من الشروط متقدماً للعقد، فبعض المفسد للعقد لا يتقدم العقد. فإذ قد أتممنا بحمد الله تعالى وعونه لنا ما كنا (١) وعدنا به من ذكر أنحاء أشكال البرهان، فلنقل إن كل نتيجة ظهرت فيما قدمنا من القرائن فإنها إن (٢) كانت موجبة كلية فإنه قد يصح (٣) بصحتها عكسها وهو موجبة جزئية. وإن كانت موجبة جزئية فإنه قد يصح (٣) بصحتها عكسها وهو موجبة جزئية. وإن كانت سالبة (٤) كلية فإنه قد يصح بصحتها عكسها وهو نافية كلية. وإذا صحت الكلية فقد صحت جزئياتها وليس إذا صحت الجزئية صحت كليتها، فتأمل هذا تجده، وقد قدمنا لك من ذلك أمثلة بينة فأغنى عن تكرارها. فتدبر في هذا المكان عظيم منفعة العكس لأنه يصح لك بصحة النتيجة ما انطوى فيها مما ذكرنا الآن. [٥٥و] وأما النافية الجزئية فقد قدمنا أنها لا تنعكس، وإذا كان ماقلنا، فذلك إنتاج من النتيجة صادق أبداً، فالنتائج كما ذكرنا أربع عشرة (٥) نتيجة، تنعكس منها ثمان، ثلاث في الشكل الأول اثنتان منهما موجبتان، إحداها جزئية، والثانية كلية، والثالثة كلية نافية، واثنتان في الثاني كليتان نافيتان، وثلاث في الثالث موجبات جزئيات (٦) ، فلذلك اثنتان وعشرون نتيجة صادقة أبداً (٧) . وتذكر ما قلنا قبل إن القضايا، وهي الأخبار، تنقسم قسمين: قاطعة وشرطية، فهذه القاطعة قد ذكرتا أقسامها، والحمد لله واهب التمييز والعلم والبيان والقوة وهو الذي لا يستمد المزيد في كل ذلك ومن كل خير إلا منه، لا إله إلا هو، فإذ قد أتممنا ذلك فلنشرع (٨) في ذكر القسم الثاني وهو الشرطية، إن شاء الله ولا

стр. 1161

حول ولا قوة إلا بالله تعالى ذكره. تم السفر الأول من كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية تأليف أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الأندلسي رحمة الله عليه والحمد لله على ذلك كثيراً، كما هو أهله، وصلى الله على النبي محمد وسلم (١)

стр. 1162

وهذا بدء السفر الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد (١) ٢ - باب ذكر القضايا الشرطية نقول وبالله تعالى نستعين (٢) إن الشرطية هي ما لم يقطع في وصف الموصوف فيها بشيء لازم، والشرطية هذه تنقسم قسمين: إما معلقة بشيء آخر وإما مقسمة. فالمعلقة تنقسم قسمين، المعلقة بالجملة وتسمى المتصلة وهي التي علق الحكم فيها بحكم آخر تصح بصحته أو تبطل ببطلانه. مثال ذلك: إن كان من زنى وهو محصن وهو بالغ عاقل ثيباً فإنه يجلد ويرجم، لكنه ثيب فإنه يجلد ويرجم؛ فهذه قضية شرطية مركبة من حكمين: أحدهما صفة الزاني والثاني صفة ما يصنع به إن زنى وهو الجلد والرجم. فالحكم الأول يسمى المقدم، وهو قولك [٥٥ظ] إن كان زنى وهو محصن بالغ عاقل ثيباً، والحكم الثاني يسمى التالي (٣) وهو قولك فإنه يجلد ويرجم، فأثبت على ذكر (٤) هذه التسمية أيضاً فستتكرر (٥) عليك كثيراً (٦) إن شاء الله . فأحد قسمي المعلقة اللذين (٧) ذكرنا آنفاً أنها تنقسم عليهما أن يستثنى المقدم، ومعنى قولنا يستثنى هو أن يشترط أن كون الأمر المذكور أولاً موجب لكون الأمر المذكور آخراً. فإن لم يكن الأول لم يكن الآخر، والقسم الثاني هو ما استثنيت فيه التالي أي أنك تشترط أن كون الشيء الذي تذكر آخراً موجب لكون (٨) الأمر المذكور أولاً. فإن لم يكن المذكور آخراً لم يكن المذكور أولاً، فالقسم الأول مقدمة تركبت من موضوع ومحمول إلا أن أحدهما قرن به حرف شرط فإن أردت إنتاجها أضفت إليها أخرى

стр. 1163

فقلت: إن كان الزاني المحصن البالغ العاقل يجلد ويرجم فهذه مقدمة من مخبر عنه وخبر قرنت بأحدهما حرف شرط. ثم تقول: وهذا زان محصن (١) بالغ عاقل فهذه مقدمة ثانية إليها فتمت قرينة النتيجة فهذا يجلد ويرجم. والقول في كل ما صحبه حرف من حروف الشرط الواحد، وهي إن وإذاوإذا ما ومتى ومتى ما ومهما وكلما وما أشبه ذلك. وإن شئت أن تقدم في اللفظ المعلقة على التي علقت بها فلك ذلك. والمعلقة هي المسببة والمعلقة بها هي السبب، كالزنا مع الإحصان هو سبب الرجم، وكطلوع الشمس هو سبب النهار، وكدخول الأرض بين الشمس والقمر هو سبب كسوف القمر (٢) ؛ فهذه الأسباب هي المعلق بها الحكم، والكسوف والشمس (٣) والنهار هي المسببات (٤) وهي المعلقات. فنقول في تقديم المعلقة: إن كان نهار فالشمس قد طلعت، وإن كان اسم الثيب يقع على الزاني إن كان بالغاً عاقلآً محصناً (٥) فإنه يجلد ويرجم، وهذ١مثل تقديمك المحمول على الموضوع في القضايا القاطعة التي ليس فيها شرط. فتقول: الحياة في كل إنسان والجوهرية في كل حي فالجوهرية في كل إنسان. وقد تكون المقدمتان في الشرطية نافيتين، وقد تكون موجبتين وقد تكون موجبة ونافية كقولك: إن لم تغرب الشمس لم (٦) يأت الليل وإن لم يكن في الجو برق لم يكن صعق وإن لم تقر بما أتى به الرسول ﷺ ، لم تكن مسلماً [٥٦و] فالمقدمة الأولى هي قولك: إن لم تغرب الشمس وإن لم يكن في الجو برق وإن لم تقر بما أتى (٧) به محمد، ﷺ . والثانية هي قولك: لم يكن ليل، لم يكن صعق، لم تكن مسلماً. وأما الموجبتان فكالتي قدمنا قبل.

стр. 1164

وأما الموجبة والنافية فكقولك: الماء راسب بالطبع ما لم يقسر (١) أو يستحل، والنار صعادة بالطبع ما لم تقسر أو تستحل (٢) ، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فكأنك قلت: إن تركت الماء بطبعه فهو راسب، وإن تركت النار بطبعها فهي صعادة، وإن كان المتبايعان مجتمعين فالخيار لهما. وقد تكون المقدمات كثيرة في هذا الباب مثل قولك: إذا كان العالم محدثاً وكان المحدث يقتضي محدثاً، وكان لا شيء غير المحدث والمحدث، وكان لا محدث غير المحدث للعالم، وكانت أحداث مخالفة للطبيعة ظاهرة من إنسان محدث لها بأختياره، وكان يأتي بها شواهد على دعواه فمحدثها له محدث العالم، وإذا كان محدثها له متى طلبها من محدث العالم فمحدث العالم شاهد له بصحة ما يدعي، وإذا كان محدث العالم شاهداً له ومحدث العالم لا يشهد لمدعي باطل فهذا (٣) ليس مدعي باطل. وإذا كان ليس مدعي باطل فهو مدعي حق. وإذا كان مدعي حق وجب تصديقه. فالمقدم من هذا الاستدلال الشرطي كما ترى مقدمات كثيرة والتالي واحد وهو: فإذا كان مدعي حق وجب تصديقه. فهذا هو القسم الأول الذي ذكرنا أنه يستثنى فيه المقدم. أي أن (٤) المقدمة الأولى هي التي نقطع على أنها حق بعد أن يشترط أنها إن صحت الأولى صحت التي علقت صحتها بصحتها. وإن بطلت الأولى (٥) بطلت التي علقت صحتها بصحتها. وهذا واجب بأول العقل ضرورة: إذ كل شيء لا يجوز أن يصح إلا حتى يصح شيء آخر، ثم إذا لم يصح ذلك الشيء الآخر فواجب ضرورة أن لا يصح الذي لا صحة له إلا بوجود صحة لم توجد. ومن هذا الأصل الضروري البرهاني (٦) أبطلنا في الشرائع كل عقد أرتبط بشرط فاسد لا يصح في النكاح والطلاق والبيوع والعتق وسائر العقود كلها. وكذلك إن كان

стр. 1165

التالي لا يوجد ضرورة إلا بوجود الأول والأول غير موجود (١) فالتالي غير موجود. فإن جعلت (٢) المقدمة الأولى جزئية فقلت: إن كان زيد طبيباً فهو ناطق، لكن زيد (٣) طبيب فهو ناطق، فلو استثنيت نقيض الأول أي (٤) صححت [٥٦ظ] نفيه فقلت: لكن زيد ليس طبيباً لم يصح لك أنه ليس ناطقاً، وهكذا كل ما كان فيه الوصف في المقدم جزئياً للذي في التالي. وأما إن كان مساوياً له أو أعم فإنك إذا نفيت الأول انتفى الثاني كقولك: إن كان الإنسان حساساً أو قلت ضحاكاً فهو حي، لكنه ليس حساساً أو ليس ضحاكاً فليس حياً. ولا يجوز أن يكون التالي جزئياً للمقدم البتة لأنه مرتبط به موجود بوجوده، فهو (٥) أبداً إما مساو وإما أعم فاحفظ كل هذا واضبطه. فلو استثنيت نفي التالي أي صححته فإنه ينتج لك نفي الأول ضرورة على كل حال جزئياً كان الأول أو مساوياً. ألا ترى أنك لوقلت: إن كان زيد طبيباً فهو عالم لكنه ليس عالماً أصلاً فليس طبيباً؛ وكذلك المساوي، ألا ترى أنك لو قلت: إن كان الجرم إنساناً فهو ضحاك لكنه ليس ضحاكاً فليس إنساناً؛ ومن (٦) الجزئي الأخص أيضاً أن نقول: إن كان الجرم إنساناً فهو ناطق لكنه ليس ناطقاً فليس إنساناً. فإن استثنيت التالي أي صححته لم يصح لك الأول إلا في المساوي وحده، وأما الأعم فلا لأنك لوقلت: إن كان الجرم إنساناً فهو حي، لكنه حي، فلا يصح لك بذلك أنه إنسان. فالوجه هاهنا أن تصحح إما الأول فينتج لك صحة التالي، وإما أن تصحح نفي التالي فيصح لك نفي الأول. وأما إن صححت التالي أو صححت نفي الأول فإنه لا يصح لك بتصحيح التالي تصحيح الأول. ولا يصح لك بتصحيح نفي الأول نفي التالي إلا في المساوي فقط. إلا أنك تحتاج إذا أردت بنفي التالي نفي الأول في المساوي إلى عمل يمتد في إنتاج ذلك، إذ ليس ذلك بيناً بسرعة كبيان انتفاء

стр. 1166

التالي بانتفاء الأول؛ ألا ترى أنك إذا قلت: إن كان العمر طويلاً فالهرم موجود، لكن العمر ليس طويلاً، النتيجة: فالهرم ليس موجوداً، بين. فلو قلت والقرينة بحسبها: لكن (١) الهرم غير موجود، فإنك تحتاج في الإنتاج من ذلك أن طول العمر ليس موجوداً إلى عمل، وهو أن تقول: إن كان الهرم يوجد بوجود طول العمر فليس يمكن أن يعدم الهرم ويوجد طول العمر، لأن طول العمر إذا كان موجوداً وجد الهرم، فإن كان الهرم موجوداً وليس طول العمر موجوداً (٢) فليس الهرم إذن موجوداً بوجود طول العمر؛ وقد قدمنا أن الهرم يوجد بوجود طول العمر وهذا تناقض. وإنما كانت تكون بينة لوقدمت فقلت: إذا [٥٧و] كان ضعف الكبر غير موجود فطول العمر غير موجود، وضعف الكبر غير موجود، فطول العمر غير موجود وهذا بين. وقد قلنا إن القسم الذي تستثني فيه (٣) ضد المقدمة التالية أي تصححه فإنه ينتج لك نفي الأول ضرورة مثل أن تقول: إن كان العالم غير محدث فهو غير مؤلف ولا متناهي الجرم، لكن العالم مؤلف متناهي الجرم، فالعالم محدث. وقد تكون المقدمات التوالي في هذا النوع متنافية كقولك: إن كان يوجد زمان لغير جرم ذي زمان، والزمان إنما هو مدة يعد بها سكون أو حركة، فليس يوجد إذن زمان لغير جرم ذي زمان. فهذه أقسام الشرطي المتصل وهي إما أن تصحح المقدم وإما أن تصحح نفيه وإما أن تصحح التالي وإما أن تصحح نفيه (٤) ، فاعلم. وأما الشرطي المقسم (٥) فهو أن تقسم الشيء الذي تريد معرفة صحة حكمه على جميع أقسامه ولا تترك من جميع أقسامه التي (٦) يعطيه العقل إياها قسماً أصلاً، ولا تكون تلك الأقسام إلا متعاندة (٧) أي متباينة مختلفة كل واحد منها مخالف لسائرها، وجائز أن تكون الأقسام أثنين فصاعداً ولكن لا بد من الاختلاف المذكور.

стр. 1167

فالذي ينقسم قسمين نحو قولك: العالم إما محدث وإما أزلي، وهذا الشيء إما حرام وإما غير حرام، وهذا الشيء واجب أو غير واجب. ونحو قولك: هذان الاسمان إما واقعان على معنى واحد وإما على أكثر من معنى واحد. وأما الذي ينقسم أقساماً أكثر من أثنين أن تقول: لا يخلو العالم إن كان محدثاً من أن يكون أحدث نفسه أو أحدثه غيره أو حدث لا من محدث. ونحو قوله: هذا الشيء إما واجب وإما مباح متساو وإما مباح مستحب وإما مباح مكروه (١) وإما حرام وهذه الأقسام كما ترى تامة التعاند (٢) أي كل قسم منها مخالف لسائرها وقسمت تامة مستوفاة. وأما إذا كان التقسيم ناقصاً، وهو (٣) أن تكون أخللت بشيء من أقسامه إما جهلاً وإما نسياناً وإما عمداً، فليست أقسامه حينئذ تامة المعاندة (٤) وذلك نحو قولك: لا يخلو محدث العالم أن يكون أحدثه لجوده أو كرمه (٥) أو لأنه (٦) أو لاجترار منفعة أو لدفع مضرة أو لعلة ما (٧) غير ما ذكرنا. فهذا تقسيم ناقص لأنك أسقطت منه القسم الصحيح وهو أن يكون أحدثه لا لعلة أصلاً. وقد يعرض من هذا الباب [٥٧ظ] أن يكون التقسيم لا يخرج (٨) إلا على قسمين فقط فيحذف المقسم أحد القسمين ويذكر الآخر فيجعله كلياً في الحكم وهو في الحقيقة جزئي كقول القائل: الزمان حركة تعد فأخرج ذلك مخرج صفة كلية للزمان، وإنما الصواب أن يقول (٩) الزمان معنى لا زمناً (١٠) ، أي لا أن الزمان

стр. 1168

حركة تعد أو سكون يعد (١) ؛ ومن ذلك أيضاً ان تقول: المدبر المعتق بالموت موصى به فهو من الثلث. وإنما الصواب ان تقول المدبر المعتق (٢) بالموت إما موصى بعتقه أو معتق نصفه (٣) فتوفي القسمة حقها، فتحفظ من مثل هذا أشد التحفظ، فإن دخول الأغاليط كثيراً ما تدخل في (٤) هذا الباب، فأقل ما في هذا الباب (٥) أن تعمى عليك الحقائق إن كنت باحثاً فتعتقد الباطل وتضل غيرك ممن يحسن الظن بك، أو تتحير إن ظهر ما فسد (٦) من الأقسام إليك، أو تجيب جواباً فاسداً إن كنت مسؤولاً، أو تغالط خصمك إن كنت سائلاً، وكل هذه أحوال غير محمودة، بل هي (٧) مذمومة عند أهل الغقل جداً. فإن كنت جاهلاً بالتقسيم فتعلم وابحث، وإن كنت ناسياً ففتش وتدبر، وإن كنت عامداً فتلك أقبح فأعرض عنها. ومن ذلك أيضاً ان تقول: زيد إما (٨) جالس وإما متكيء، وليس هذا تقسيماً صحيحاً، إذ لعله ماش أو واقف. فاعلم الآن أن التقسيم إذا وقع على قسمين فقط واستوفيا حقيقة الطبع في التقسيم التام الذي لا يشذ عنه شيء فإنك إذا صححت أحد القسمين وأثبته وأخرجته من الشك فإنه ينتج لك أي يصحح لك ضد (٩) القسم الآخر ضرورة لا بد من ذلك، كقولك: العالم إما أزلي وإما محدث، لكن العالم محدث، فصح أنه ليس أزلياً. فإذا صححت نفي أحد القسمين وأثبته أنتج صحة القسم الآخر ضرورة (١٠) كقولك: العالم إما أزلي وإما محدث لكنه ليس أزلياً فصح أنه محدث وهكذا (١١) إذا كانت الأقسام أكثر من اثنين فإنك إذا صححت أحدها فقد صح أنه

стр. 1169

مخالف لسائرها لا بد من ذلك. وكذلك إذا صححت نفي جميع تلك الأقسام حاشا واحداً صح أن حكمه هو ذلك الواحد الذي بقي ضرورة، فإن صححت أن حكمه مخالف لبعض تلك الأقسام وبقي منها أكثر من واحد سقطت الأقسام التي صح أنه مخالف لها ولم يصح أن حكم الشيء الذي يتعرف [٥٨و] صحة حكمه في أحد ما بقي دون سائر ما بقي، ولا تبال أي الأقسام قدمت في اللفظ ولا أيها أخرت من (١) هذه الوجوه كلها. ونحن نمثل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فنقول، وبالله تعالى نتأيد: إذا قلت هذا الطعم إما تفه وإما زعاق وإما حلو وإما مر وإما حامض وإما ملح وإما حريف وإما عفص، لكنه مر، فقد نفيت عنه جميع الطعوم الباقية كلها يقيناً بلا شك. وكذلك إذا قلت: هذا العدد إما مساو لهذا العدد، وإما أقل منه، وإما أكثر منه، لكنه أكثر منه، فقد نفيت القسمين الباقيين (٢) بلا شك وهو حينئذ لا مساو ولا أقل يقيناً. فإن أبطلت جميع الأقسام حاشا واحداً فقلت في المسألة الأولى: لكنه ليس تفهاً ولا زعاقاً ولا حلواً ولا مراً ولا حامضاً ولا ملحاً ولا حريفاً فقد صح بلا شك أنه عفص. وكذلك لو قلت في الثانية لكنه ليس أكثر منه ولا مساوياً له فقد صح أنه أقل منه يقيناً (٣) ، فإن أبطلت بعض الأقسام وسكت عن أكثر من واحد منها سقطت الأقسام التي صححت أنها مخالفة له فقط ولم يثبت له واحد بعينه من الذي نفيت وبقي الاستدلال والنظر واجباً فيها كقولك في المسألة الأولى لكنه ليس مراً ولا حلواً فقد سقطت عنه المرارة والحلاوة وبقي الطعم مشكوكاً فيه على باقي الأقسام، ثم كلما أسقطت قسماً بقي موقوفاً على الباقي حتى لا يبقى إلا واحد فيصح حينئذ أن ذلك الواحد هو حكمه، وهكذا في جميع المسائل؛ وإنما أخرجت لك الوجوه كلها من مسألة واحدة لترى نسبة الوجوه بعضها من بعض بأمكن وأسهل منها لو كانت من مسائل شتى. ولو أنك أثبت من الأقسام الكثيرة اثنين فصاعداً بحرف الشك مثل أن تقول: لكنه إما حلو وإما حامض وإما مر فقد أبطلت سائرها وبقي الحكم موقوفاً على الذي قصرتها عليه.

стр. 1170

واعلم أن هذا الفصل لا يكون صحيحاً إلا بعد ذكرك جميع ما توجبه الطبيعة من الأقسام كلها، ثم تقصره منها على بعضها دون بعض، وأما إن لم تذكر أولاً جميع الأقسام (١) وابتدأت بذكرك (٢) بعض الأقسام مقتصراً عليها في القسمة فقد أسأت العمل، والصواب عنك (٣) ممنوع إلا من جهة واحدة لا ينبغي لك أن تتكل عليها (٤) ، وهي (٥) أن يتفق لك صحة وقوع أحد الأقسام التي ذكرت على الشيء الذي تطلب معرفة صحة حكمه، فإنك حينئذ إذا صححت ذلك القسم [٥٨ظ] الموافق خاصة صادفت الحق غير محسن في إصابته لكن كإنسان أوقعه البخت على كنز، وذلك نحو قولك: هذا الشيء إما حار وإما بارد لكنه حار، فإن كنت قد أصبت في وصفه بالحر حقيقة طبعه فقد أنتج لك ذلك بطلان كل قسم ذكرته أو لم تذكره، وإن نفيت في هذا العمل أحد القسمين اللذين ذكرت فإنه لم يصح لك شيء بعد، وذلك نحو قولك هذا الشيء إما حار وإما بارد، لكنه ليس بحار فاعلم أنك لم تصب بعد حقيقة طبعه ولا أثبت له البرد، لأنك أسقطت القسم الثالث وهو المعتدل، فلعله معتدل إذ ليس حاراً فلا يكون أيضاً داخلاً في القسم الثاني الذي ذكرت وهو البارد. ولو كان تقسيمك موعباً لارتفع الإشكال على ما قدمنا قبل وأنت إذا قطعت في القسمة الناقصة على أنه لا بد من أحد الأقسام التي ذكرت فالكذب حصتك من هذا الخبر والفضيحة صفتك فيه، وهاتان صفتا سوء، والأمر لله (٦) من قبل ومن بعد. فاحفظ هذه المعاني وميزها إذا مرت بك في جميع مطالبك وفتش عنها في كل ما يرد عليك فإنك تستضيء في العلم ضياءً تاماً وتشرف على عجائب تفرج عنك هموماً عظيمة إن كنت ممن يهتم بالحقائق. واعلم أن إيرادك في التقسيم لفظة إما أو لفظة أو، أو أنه لا يخلو من كذا وكذا، أو لا بد من كذا وكذا، أو هذا ينقسم كذا وكذا قسماً، منها كذا ومنها كذا، أو لا

стр. 1171

سبيل إلى غير كذا وكذا، أو ما أعطى هذا (١) المعنى، فكل ذلك سواء لا يحيل شيء من ذلك معنى أصلاً (٢) . ٣ - باب من أنواع البرهان تتضاعف الصفات فيه واعلم أنه قد تقع مقدمات بنسبة أعداد في الكثرة أو في القلة أو المساواة أو تفاضل كيفيات في الشدة أو الضعف أو تماثلها، فمنها ما هو تقديم صحيح فينتج إنتاجاً صحيحاً راجعاً إلى الشكل الول، كقولك: النرجس أشد صفرة [٥٩و] من اللفاح واللفاح أشد صفرة من الأترج. النتيجة: فالنرجس أشد صفرة من الأترج. فالحد الأوسط وهو اللفظة المشتركة في كلتا المقدمتين، التي طالما بينتها عليك زمان وصفي لك أنحاء الأشكال الثلاثة، هو هاهنا (٣) قولك (٤) : اللفاح، وقولك أشد صفرة هو الغرض المقصود والرابط ما بين الحدين، فلا بد من خروجه في النتيجة كخروج لفظة (٥) كل أو بعض في الأشكال المتقدمة، والحدان المقتسمان وهما اللفظان اللذان انفردت كل مقدمة منهما بواحد هما (٦) النرجس والأترج. وربما جاءا بلفظ تنظير (٧) صحيح فتقول: نسبة الخمسة إلى العشرة كنسبة الاثنين من الأربعة، النتيجة: فالخمسة نصف العشرة، وهكذا إن شيهت كيفية بكيفية ما. ثم شبهت تلك الكيفية الثانية بكيفية أخرى، فقد أنتج لك ذلك شبه الكيفية الأولى بالكيفية الثانية (٨) ضرورة، وذلك مثل قولك: بياض زيد كبياض عمرو وبياض عمرو كبياض خالد. النتيجة: فبياض (٩) زيد كبياض خالد. فهذه القرينة أعطت الخمسة أنها نصف العشرة وأعطتها أيضاً أن لها نسبة من عدد يشبه نسبة عدد آخر من عدد آخر،

стр. 1172

وكذلك أعطت الأخرى أن بياض زيد يشبه بياض عمرو ويشبه أيضاً (١) بياض خالد. وهذا مكان ينبغي أن تتحفظ فيه فربما غالط فيه بعض النوكى كما فعل الناشيء المكنى بأبي العباس إذ قال: إذا كانت العشرة في عشرة مائة، فالخمسة في الخمسة خمسون، وذلك لأن الخمسين نصف المائة والخمسة نصف العشرة، ونسبة العشرة من المائة كنسبة الخمسة من الخمسين، ونسبة الخمسة من العشرة كنسبة الخمسين من المائة. وإنما وقع هذا الإيهام الساقط لأن المتكلم أتى بلفظ غير واضح في المقدمة وكان الصواب ان يقول إذا كانت عشرة مكررة عشر مرات مائة فخمسة مكررة خمس مرات (٢) خمسة وعشرون. لكن أهل صناعة الحساب اختصروا التطويل بلفظ اتفقوا على وضعه للتفاهم فيما بينهم وليس عليهم أكثر من ذلك البيان (٣) للجاهل فقط. وتحفظ أيضاً من أن تأتي بحمل مختلف، ومعنى ذلك أن تكون الصفة التي تصف بها المخبر عنه في هذا النوع من البرهان مختلفة، فيتولد عليك من هذا غلط مثل ان تقول: الورد أطيب رائحة من الخزامى، والخزامى أضعف رائحة من المسك، فهذا تركيب [٥٩ظ] فاسد لأن حق هذه القرائن أن تكون الصفة من نوع واحد إلا في درج التفاضل (٤) فقط لأنها هي مع (٥) الحد المشترك فلا يجوز إلا أن تكون بلفظ واحد ومعنى (٦) واحد. وحكم (٧) الحد المشترك في هاتين القضيتين مختلف أحدهما أطيب رائحة، والثاني أضعف رائحة، فليس حداً مشتركاً، بل هما كلامان مختلفان لم يتم فيهما حق (٨) الاقتران، فلذلك خرجت النتيجة في بعض المواضع فاسدة، وربما صدقت، ولكنها غير موثوق بها على ما قدمنا. مما قد يصدق مرة ويكذب (٩) أخرى: ألا ترى

стр. 1173

أنك لو قلت: الورد أطيب رائحة من الخزامى، والخزامى أضعف رائحة من البنفسج، النتيجة: فالورد أطيب رائحة من البنفسج صادقة، وإذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى، والخزامى أضعف رائحة من المسك، النتيجة: فالورد أطيب رائحة من المسك كاذبة، وأنت إذا التزمت ما حددته (١) لك صدقت أبداً بلا شك، وذلك أن تقول: الورد أطيب رائحة من الخزامى، والخزامى أطيب رائحة من الضيمران، فالورد أطيب رائحة من الضيمران، فهذا الترتيب لا يخونك أبداً. ونمثل ذلك بمثال شريعي فنقول: إن موه مموه فقال: عليّ أكثر فضائل من العباس، والعباس أقل فضائل من أبي بكر، فأراد أن ينتج من ذلك: فعلي أكثر فضائل من أبي بكر وقال: إن مقدمتي كلتيهما صادقة لم يسوغ له (٢) ذلك، وقيل له اجعل مكان أبي بكر رسول الله، ملى الله عليه وسلم، فإنها أيضاً تأتيك مقدمتان صادقتان، ثم انظر ماذا تنتج فتقول: عليّ أكثر فضائل من العباس والعباس أقل فضائل من رسول الله، ﷺ ، فهاتان صادقتان، والنتيجة: فعلي أكثر فضائل من رسول الله، ﷺ ، وهذا كذب وكفر. ولا يترك يأخذ في نتيجة قرينة واحدة ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الأولى وفي نتيجة قرينة أخرى ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الثانية، مثل أن يأخذ في الواحدة ذكر الأكثر وفي الثانية ذكر الأقل، ولكن يعكس عليه ما يريد من ذلك فيلوح تمويهه من قريب، حتى إذا جعلت حكم الحد المشترك واحداً في اللفظ أصبت أبداً، وذلك مثل ان تقول: عليّ أكثر فضائل من أبي هريرة، وأبو هريرة أكثر [٦٠و] فضائل من معاوية، النتيجة: فعلي أفضل من معاوية (٣) ، فهذا الترتيب لا يخونك أبداً وصح لك في هذا النوع من البرهان صفتان للمخبر عنه أحدهما فضله على من نسبته منه والثانية فضله على من نسبت إليه الذي نسبت منه أولاً. ولذلك ترجمناه بأنه تتضاعف فيه الصفات، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1174

٤ - باب من أنواع البرهان تختلف مقدماته في الظاهر إلا أن الغرض في نفيها وإيجابها واحد هذا نوع من إقامة البرهان يصدق أبداً إذا رتب رتبة حسنة كقولك: بعض الموجودات شيء لم يزل، ولا موجود إلا الخالق والجوهر والعرض، وهذا الذي (١) لم يزل ليس هو الجوهر ولا العرض. النتيجة: فهو الخالق . فالمقدمة الأولى من هذه المقدمات الثلاث هي من النوع الذي ذكرنا قبل هذا متصلاً آخره بأول هذا الباب وهو الذي يعطي المخبر عنه أكثر من صفة واحدة. ألا ترى أنك (٢) أوجبت للمخبر عنه أنه لم يزل وأنه موجود وبأنه خالق لا إله إلا هو. والمقدمة الثالثة هي من القضايا المقسمة وقد صححت فيها نفي أنه الجوهر أو العرض، فوجب أنه القسم الثالث ضرورة وهو الخالق . والمقدمة الثانية المتوسطة هي من كلا النوعين المذكورين فأخذت من النوع الذي يعطي المخبر عنه أكثر من صفة واحدة قولك (٣) فيها إنه لم يزل وإنه ليس الجوهر وليس العرض، وأخذت من المقسمة قولك ليس الجوهر وليس العرض، ووصفت أيضاً فيها الموجود أنه أكثر من واحد، فقد أنتجت هذه المقدمات الثلاث نتيجة واحدة. وهذا النوع كثير التكرر في تضاعيف المناظرات (٤) وجم (٥) المرور في أثناء البحث عن الحقائق المطلوبات، لأنك توقن وجود (٦) شيء ما فتريد تحقيق صفاته، فتأخذ كل قسم ممكن أن يكون الموصوف يوصف به ثم تنفي عنه ما صح نفيه بالدلائل الصحاح حتى تنتفي (٧) كلها حاشا واحداً منها فقط. فذلك الذي يبقى هو صفة الشيء الذي تريد معرفة حقيقة حكمه. ومن ذلك أن تقول: واحد ممن في المنزل (٨) قتل زيداً، ولم يكن في البيت إلا يزيد وخالد ومحمد، فمحمد كان نائماً، ويزيد كان مغشياً عليه من علة به، النتيجة: [٦٠ظ] فخالد قتله. وقد تكثر

стр. 1175

المقدمات هاهنا جداً وتكون من جميع أنواع البرهان وتنتج إنتاجاً صحيحاً إذا رتبت على حسب ما ذكرنا من رتبة كل نوع من أنواع البرهان في بابه. ومن هذا الباب يفهم أن للأب الثلثين من قول الله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ (النساء:١١) وذلك أن المال ثلث وثلثان والمال للأبوين وللأم منه الثلث. النتيجة: فالثلثان للأب. وبالله تعالى التوفيق (١) . ٥ - باب من أنواع البرهان تكثر مقدماته وتوجب كل مقدمة منها المقدمة التي بعدها (٢) مثال ذلك أن تقول: إذا أفرط الأكل وجبت التخمة، وإذا وجبت التخمة ضعفت المعدة، وإذا ضعفت المعدة وجب سوء الهضم، وإذا وجب سوء الهضم وجب المرض. النتيجة: فوجود إفراط الأكل يوجب إفراط المرض (٣) . وهذا برهان صحيح لأن فساد الهضم لا يوجد إلا ومرض معه (٤) وفساد المعدة لا يوجد إلا وسوء الهضم (٥) معه، والتخمة لا توجد إلا وفساد المعدة معها، والزيادة في الأكل (٦) فوق القدر الموافق لقدرة (٧) الطبيعة لا توجد إلا وتخمة معها، وما لا يوجد إلا ووجد شيء آخر معه بوجوده والثاني أيضاً إذا وجد أوجب ثالثاً فواجب أن لا (٨) يوجد الثالث إلا بوجود الأول. وهذا أيضاً مما ينبغي أن تتحفظ في وضع مقدماته من أن تدخل (٩) فيها مقدمة كاذبة. فإن قائلاً لو قال: إذا وجدت قلة المال وجد الفقر، وإذا وجد الفقر فالحاجة موجودة، وأراد أن ينتج من ذلك: إذا وجدت قلة المال فالحاجة موجودة، فهذا كذب لأن كل (١٠) قلة مال ليست فقراً، وقد يكون المرء صنعاً (١١) وذا غلة كفاف لا

стр. 1176

يحتاج إلى أحد ولا بفضل عنه شيء؛ لكن لو قلت: إذا وجدت حال التقصير عن الكفاف وجد الفقر، وإذا وجد الفقر وجدت الحاجة، لأنتج ذلك إنتاجاً صحيحاً وهو: إذا وجدت حال التقصير عن الكفاف وجدت الحاجة. فينبغي لك (١) أن تتحفظ من مثل هذا من الأسماء المشتركة العامة لمعان فتحقق معانيها بألفاظ مختصة بها، وأن تتحفظ من الصفات الكليات العامة فلا توقعها بعمومها على بعض ما تحتها دون بعض. وقد موه بعض المغالطين (٢) فقال ليفسد هذا البرهان: إذا عدمت [٦١و] النار عدم الحر، وإذا عدم الحر لم نحتج إلى التبرد، فأراد أن ينتج: إذا عدمت النار لم نحتج إلى التبرد، وهذا كذب لأن المحموم والصائف محتاجان إلى التبرد ولا نار ظاهرة عندهما، وإنما هذا لأن المقدمة الأولى كذب، وإنما الصاب أن يقول: إذا عدمت النار عدم الحر المتولد عنها. وهذا مثال شريعي: كل وطء صح علم الواطئ بباطنه وظاهره وحكمه فهو إما فراش وإما عهر، وكل مباحة العين للواطئ (٣) فراش وكل ما ليس فراشاً فهو (٤) عهر، والأمة المشتركة عهر (٥) ، وكل ذي عهر عاهر، فكل واطىء أمة مشتركة عاهر وكل عاهر فله الحجر، فكل واطئ أمة مشتركة فله الحجر. فهذه المقدمات كلها أنتجت أن كل واطئ أمة مشتركة فله الحجر. ٦ - باب من البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى مثاله: إن وصف شيء بالإسكار وصف بالتحريم، ونبيذ التين إذا إلى وصف بالإسكار، فالتحريم واجب لنبيذ التين إذا إلى. فهذا كما ترى ظاهره أن الوصف بالتحريم إنما هو معلق بالإسكار فإذا أردت أن تجعله قاطعاً في لفظه قلت: التحريم حكم كل مسكر، وبعض المسكرات نبيذ التين إذا غلى، فالتحريم حكم نبيذ التين

стр. 1177

إذا غلى (١) . وقد غالط في هذا الباب قوم من المشغبين فقالوا: قد قطعتم بأن نافيتين لا تنتج إنتاجاً موثوقاً به، وأنتم في بعض هذه الأبواب التي خلت تنتجون إنتاجاً مطرداً من نافيتين، وفي هذا الباب أيضاً كقولكم (٢) من لم يكن ضحاكاً لم يكن إنساناً، والفرس ليس ضحاكاً، فالفرس ليس إنساناً. وتقولون: كل من لم يؤمن فليس مقبولاً من الله ، والوثني ليس مؤمناً (٣) ، فليس مقبولاً من الله . فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إن النفي الذي أبعدنا إقامة البرهان المطرد منه هو (٤) كل نفي مجرد وهو كل نفي لم يوجب (٥) للمخبر عنه صفة أصلاً، فسواء إذا كان النفي بهذه الصفة أي بلفظ النفي أو بلفظ الإيجاب لا (٦) ينتج أبداً شيئاً، وسنذكر شيئاً من هذا في باب مفرد في هذا الديوان في ذكر مغالطات (٧) [٦١ظ] رامها بعض المغالطين في الأشكال، إن شاء الله . وأما ما كان نفياً في اللفظ (٨) وهو يوجب معنى وصفة ما للمخبر عنه فهذا ليس نفياً ولكنه إيجاب صحيح، وإنما يراعى المعنى الذي يعطيه اللفظ لا صيغة اللفظ وحده. ومن هاهنا لم يلزمنا تشبيه الباري في نفينا عنه أشياء هي أيضاً منفية (٩) عن كثير من خلقه إلا أن ذلك لم يوجب تشبيهه (١٠) تعالى كقولنا (١١) . إن الباري تعالى ليس جسماً، والعرض ليس جسماً، والباري تعالى ليس عرضاً، والجسم ليس عرضاً، لأنا في هذا النفي لم نثبت للباري حالاً يشترك فيها مع العرض إذ نفينا عنه الجسمية، ولا مع الجسم إذ نفينا عنه العرضية، وهذا هو

стр. 1178

النفي المجرد المحض. وأما في القضايا التي ذكرنا آنفاً فإننا أوجبنا فيها الضحك لمن كان إنساناً، وأوجبنا للفرس نفي الإنسانية، وأوجبنا له بذلك شبهاً مع كل من ليس ضحاكاً في أنهم ليسوا ناساً. وكذلك أوجبنا لمن لم يؤمن ضد القبول، وهو التبرؤ، وأوجبنا ضد الإيمان، وهو الكفر للوثني. وقد قدمنا أن المعنى إذا أنحصر إلى شيئين فنفيت أحدهما فقد أوجبت الآخر ضرورة فاحفظ هذا وإذا نفيتهما معاً (١) فلم توجب شيئاً أصلاً، وإذا نفيت النفي فقد أوجبت ضرورة وإذا أوجبت النفي فقد نفيت بلا شك. فثقف هذا كله يثلج (٢) يقينك بصحة علمك. ٧ - باب من البرهان يؤخذ من نتيجة كذب بأن يصدق نفيها اعلم أنه إذا كانت (٣) إحدى المقدمتين كذباً والأخرى صدقاً فأنتجت نتيجة كاذبة ظاهرة الكذب وكانت المقدمة الكاذبة مما رضيها خصمك سامحته في ذلك لتريه فحش إنتاجه (٤) ؛ فإن الشيء إذا كذب فنفيه حق لا شك في ذلك (٥) ، فإذا كذبت نتيجة ما فنفيها حق. فقد يصح أخذ البرهان على هذا الوجه صحة مطردة موثوقاً بها أبداً. مثال ذلك: إنسان (٦) خالفك فقال: العالم أزلي، فقلت له (٧) : أنا أسامحك في تقديم هذه المقدمة فأقول: العالم أزلي وأضيف إليها صحيحة أخرى (٨) وهي الأزلي ليس مؤلفاً فالنتيجة: العالم ليس مؤلفاً (٩) ، وهذا كذب ظاهر وإذا كان هذا كذباً فنقيضه حق، وهو العالم مؤلف، وإذا كان هذا حقاً وقد قدمنا أن الأزلي ليس مؤلفاً فقد صح أن العالم ليس أزلياً إذ هو مؤلف، وظهر كذب مقدمته، إذ قال: العالم

стр. 1179

أزلي. فهذا استدلال صحيح لا [٦٢و] يخون (١) أبداً إذا أخذ مما يخالف النتيجة وترد (٢) النتيجة إلى الإحالة. وتذكر هاهنا (٣) ما كتبت لك في أنحاء من الأشكال الثلاثة التي يصح البرهان فيها بردها إلى الإحالة. ومن ذلك أيضاً أن تقول النصارى: الفاعل الأول ثلاثة فتقول: قل بنا الفاعل ثلاثة، ثم نضيف إلى هذه المقدمة مقدمة صحيحة متيقنة وهي: والثلاثة عدد والعدد مركب من أجزائه المساوية لكله، فالثلاثة مركبة من أجزائها المساوية لجميعها، وقد قلتم الأول ثلاثة، فالأول مركب من أجزائه المساوية لجميعه وكله، وقد تيقنتم أنتم ونحن أن الأول غير مركب وغير ذي أجزاء، فالأول مركب ذو أجزاء لا مركب ولا ذو أجزاء، وهذا محال، وإذ هذا محال وصح أنه لا مركب فقد صح أنه ليس عدداً وإذ (٤) صح أنه ليس عدداً فقد (٥) صح أنه ليس ثلاثة، وظهر كذب مقدمتكم (٦) الفاسدة، وبالله تعالى التوفيق. ٨ - باب من البرهان مركب من نتائج كثيرة مأخوذة من مقدمات شتى مثال ذلك أن نقول: كل معدود فذو طرفين وكل ذي طرفين فمتناه فكل معدود متناه؛ ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الأول فنقول: كل معدود متناه وكل متناه فذو أجزاء فالنتيجة: كل معدود فذو أجزاء. ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الثاني فنقول: كل معدود فذو أجزاء وكل ذي أجزاء مؤلف، النتيجة: فكل معدود مؤلف. ثم (٧) نأخذ نتيجة هذا البرهان الثالث فنقول كل معدود مؤلف (٧) وكل مؤلف فمقارن للتأليف، النتيجة: فكل معدود مقارن للتأليف، ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الرابع فنقول: كل معدود مقارن للتأليف، وكل مقارن للتأليف فلم يسبق التأليف، النتيجة:

стр. 1180

فكل معدود فلم يسبق التأليف، ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الخامس فنقول: كل معدود لم يسبق التأليف (١) والعالم معدود، [فالنتيجة] : فالعالم لم يسبق التأليف (١) ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان السادس فنقول: العالم (٢) لم يسبق التأليف، والتأليف محدث، [النتيجة] : فالعالم لم يسبق المحدث، ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان السابع فتقول (٢) : العالم لم يسبق المحدث وما لم يسبق المحدث فمحدث مثله، النتيجة: فالعالم محدث. وقد تأتيك في هذا الباب مقدمات قاطعة وشرطية متصلة ومقسمة، واستدلال بضد ما يخرج في النتيجة، وبالجملة فإنه يتصرف لك في جميع أنواع البرهان، وكل ذلك إذا أخذته على الشروط التي قدمنا فهو موثوق بإنتاجه، والحمد لله رب العالمين (٣) . ٩ - باب [٦٢ظ] من أحكام القضايا واعلم أن من القضايا قضايا ينطوي في ذكرك إياها قضايا أخر وإن كنت لم تلفظ بها وهذا المعنى يؤخذ (٤) من المتلائمات ومن عكس القضايا وقد ذكرناهما (٥) . وهذا نحو قولك: لا يجوز أن يكون الأزلي مؤلفاً، فقد انطوى لنا في هذا الكلام أنه لا يجوز أن يكون المؤلف أزلياً ضرورة لا بد من ذلك، وانطوى فيه (٦) أيضاً أن المؤلف محدث. وكذلك إذا قلت: كل مسكر حرام، فقد انطوى فيه أن المسكر ليس حلالاً، وأن الحلال ليس مسكراً، وانطوى فيه أيضاً أن نبيذ التمر إذا أسكر حرام وأن السوكران إذا أسكر حرام، وأن نبيذ التفاح إذا أسكر حرام (٧) ، وغير ذلك كثير (٨) . وكذلك (٩) إذا قلت: زيد يمشي فقد انطوى لك فيه أنه متحرك وأنه ذو رجل سالمة

стр. 1181

وأنه حي وأشياء كثيرة. ولذلك ظن قوم ذوو شغب وجهل أننا مخطئون في قولنا إن القضية الواحدة لا (١) تنتج ولا (٢) تعطيك إلا نفسها فقط، وقال آخرون منهم إن القضية الواحدة تنتج (٢) وأبوا ما (٣) ذكرنا، وليس ظنهم صحيحاً لأن كل ما ذكرنا ليس إنتاجاً إذ شرط معنى الإنتاج أن نستفيد من اجتماع كلتا القضيتين معنى ليس منطوياً (٤) في إحداهما أصلاً فأنت إذا قلت: كل مسكر حرام فليس فيه إيجاب أن نبيذ التمر يسكر ولا بد أصلاً لكن حتى تلفظ به وتصحح له أنه قد يسكر، فإذا حققت (٥) له هذه الصفة فحينئذ تقطع له بالتحريم دون شرط، وإلا فإنما هو (٦) في قولك كل مسكر حرام بالإمكان إن أسكر لا بالوجوب؛ إذ في العالم أشياء كثيرة لا تسكر فلعله منها فتدبر هذا ودع المسامحة وحقق. وهذا الذي ذكرنا في هذا الباب من قضايا تفهم منها (٧) قضايا لم يلفظ بها إنما هو انطواء فيها فقط (٨) ، ومعنى الانطواء أننا أتينا إلى معان كثيرة فعبرنا عنها بلفظ واحداً طلباً للاختصار. وبالجملة فكل قضية (٩) فجزئياتها يدخل الإخبار عنها في الإخبار بكليتها كقولك: الإنسان حي فإنك قد أخبرت أن زيداً حي وعمراً حي وخالداً حي (١٠) وهنداً حية، وبالجملة فكل رجل وامرأة لأنهم أجزاء الإنسان فافهم هذا. وكذلك أيضاً ينطوي (١١) في كل قضية إبطال ضدها كقول الله تعالى ﴿أن إبراهيم لأواه حليم﴾ (التوبة:١١٤) فقد (١٢) انطوى فيه نفي ضد الحلم وهو السفه،

стр. 1182

فقد انطوى فيه ان إبراهيم ليس سفيهاً. وأما الانتاج فخلاف ذلك، وهو ما قد بيناه ولله الحمد. واعلم أيضاً أنه ليس في كل وقت [٦٣و] يردك الكلام الذي تريد أن تجعله مقدمة على الرتب (١) التي قدمنا لك في أخذ البرهان، لكن تردك الأقوال (٢) المخالفة لتلك الرتب على ثلاثة اوجه: فوجه مخالف لكل ما ذكرنا في الرتبة والمعنى فلا تلتفت إليه وحقق الرتبة والصدق على الشروط التي قدمنا لك، فليس يقوم لك من غبر ما قلنا برهان البتة. ووجه آخر فيه ألفاظ زائدة لا تصلح المعنى ولا تفسده ولو سكت عنها لم تحتج إليها فلا تبال بها، وعان أخذ البرهان من سائر الكلام الصحيح، وتلك الألفاظ الزائدة إنما تعطي معنى ليس من البرهان في شيء، ومن هذا المكان تثبت لنا إقامة الحد بشهادة شاهدين اتفقا على ما يوجب الحد ثم اختلفا في صفات لا معنى لها في الشهادة، والشهادة تامة دونها، كشاهدين شهدا على زيد أنه سرق بقرة فقال أحدهما: صفراء وقال الآخر: سوداء فإنه ليس كونها صفراء أو سوداء مما يعاند (٣) سرقته لها ولا ينفيها نعني لا ينفي (٤) سرقته لها، والكلام تام دون ذكر شيء من ذلك. ومن هذا الباب أيضاً نفسه ومن ضده أبطلنا إقرار من أقر بمحال كمن قال: فلان قتلته (٥) بسحري لعلمنا أن السحر لا يقتل، فالزيادة التي زاد مفسدة للمعنى فهي مقدمة فاسدة، ولو أقر مرة فقال، قتلته بسيف، وقال مرة أخرى: قتلته برمح لكان إقراراً صحيحاً، لأنه ليس شيء من هذه الزيادات معاندة للقتل فسكوته عنها وذكره لها سواء إذ ليس في ذكرها ما يفسد المقدمة. ونحو هذا ما يذكره أهل الملل المخالفة لنا من أن للدنيا مذ حدثت سبعة آلاف

стр. 1183

سنة. وقال (١) آخرون خمسة آلاف سنة (١) . وقال آخرون ستة آلاف سنة (٢) . وقال آخرون أربعمائة ألف سنة وقلنا نحن لا حد عندنا في ذلك، وقد يمكن أن تكون أضعاف أضعاف هذه الأعداد كلها، وقد يمكن أن يكون أقل من ذلك، فكل هذه الأقوال ليس بكادح في اتفاقنا على أن للعالم أولاً ومبدأً (٣) . وهذه كلها ألفاظ لسنا نقول إنها لا تفسد المبدأ والحدوث (٤) فقط، لكنا لا نقتصر على كل (٥) ذلك حتى نقول: بل إنها كلها على اختلافها موجبة للحدوث والمبدأ، فلسنا نستضر باختلاف مثل هذه الألفاظ ولا بزيادتها ولا بنقصانها (٦) إذا أعطت صحة المعنى المطلوب ولم تفسده. والوجه الثالث أن يأتي بلفظ (٧) قد قام البرهان على وجوب الانقياد إليه (٨) فنحتاج إلى أخذه في المقدمات بيننا وبين من خالفنا [٦٣ظ] في بعض الآراء ممن يقر معنا بذلك اللفظ وينقاد له، وفي ذلك اللفظ حذف بين ولفظ قد ترك ذكره ولا (٩) يقدر خصمنا على إنكار ذلك ولا يضر ذلك الحذف شيئاً أو هو (١٠) كما لو ذكر ولا فرق، إذا تيقن كونه قائماً في المعنى، وذلك نحو مقدمة نأخذها من قول الله : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (النساء:٤٣) فلا شك عند السامع لهذه الآية، إن كان له أدنى فهم للسان العربي وأقل معرفة بالملة الإسلامية، أن

стр. 1184

هاهنا (١) معنى به إليه ضرورة قد (٢) حذف من اللفظ اكتفاء بأنه لا يخفى ذلك أصلاً وهي " فأحدثتم " ومكان معنى هذه اللفظة بين " سفر " وبين " أو جاء " وكذلك إن احتجنا إلى مقدمة أخرى من قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (المائدة:٨٩) فلا شك عند أحد (٣) من أهل الملة الإسلامية واللغة العربية أن المعنى " فحنثتم ". وقد يكون الحذف على رتبة أخرى، وهو أن يوجب اللفظ في بنية اللغة ارتباطاً بمعنى لم يذكر ولا بد من تصحيحه كقول القائل: فلان تاب، فلا يحيل (٤) على سامع أنه أذنب، وفلان أرتد فلا يحيل على سامع أنه قد كان مسلماً، وهذا المال موزون فلا يحيل على سامع أنه بميزان، ومثل هذا كثير، فمثل هذا الحذف لا يضر الكلام شيئاً، والكلام صحيح، وأخذ المقدمات منه للبرهان واجب وإثبات المعنى للمحذوف (٥) فيها لازم، ولا يتعلل في مثل هذا الحذف إلا جاهل غبي أو مكابر سخيف أو منقطع متسلل (٦) . وكذلك إذا قلت ضرب زيد بالسيف عمراً فأبان رأسه أنتجت (٧) أن زيداً قتل عمراً وهذا إنتاج صادق صحيح (٨) وتقديم صحيح ولا يضرك إن حذفت من المقدمة: وكل من أبين رأسه مقتول، وكل من أبان رأس غيره فقد قتله ففلان قتل فلاناً. وكذلك قوله : ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (البقرة:١٩٦) فهذا إنتاج صحيح مكتفى به عن أن نقول سبعة وثلاثة مساوية لعشرة، فتلك عشرة، لصحة العلم بذلك. فافهم الآن من هذا الباب أن خلاف الرتب التي قدمت لك (٩) لا يكون إلا على

стр. 1185

ثلاثة أوجه: فساد الرتبة والمعنى فاطرحه، وزيادة في (١) اللفظ فإن كانت تفسد (٢) المعنى فاطرحه، وإن كانت (٣) لا تفسده فلا تبال بها (٣) فلن يضرك، وحذف من اللفظ فإن كان يفسد المعنى فاطرحه وإن كان لا يفسده فلا تبال به [٦٤و] فلن يضرك، وثقف هذا كله فالمنفعة به عظيمة جداً. واعلم أن الخصم إذا أقر لك بالمقدمتين اللتين على الشروط التي قدمنا من الصحة وأنكر النتيجة فقد تناقض وسقط وبطل قوله، وكذلك إن كانت النتيجة كاذبة على ما قدمنا فوجب عليه تصديق ضدها على ما قدمنا من البرهان الذي يؤخذ من ضد النتيجة الكاذبة التي يسامح الخصم في أخذ (٤) المقدمات فيه (٥) ، فإن صدق ذلك الضد فقد راجع الحق ولزمه أن يكذب مقدمته الفاسدة، وإن صدق النتيجة ولم يرجع عن تكذيب مقدمته الفاسدة فقد صدق الشيء وضده وهذا (٦) محال، ومن أنكر الحق وصدق الباطل أو صدق الشيء وضده (٦) أو أنكرهما جميعاً فقد سخف وسقط الكلام معه وبان بطلان قوله، وبالله تعالى التوفيق، وله الأمر من قبل ومن بعد لا إله إلا هو. ولا تغلط فتقدر أن من وافقك في قولك فقد لزمه ما لزمك فهذا جهل ممن أراد إلزام خصمه، أو شغب. واعلم أن موافقة الخصم للخصم (٧) تنقسم قسمين: أحدهما موافقة في النتيجة فقط دون موافقة له في المقدمات المنتجة للنتيجة، فهذا هو الذي قلنا لك أن لا تغتر (٨) به إذ إنما وافقك على ذلك لتقديمه مقدمات أخر أنتجت تلك النتيجة إما هي فاسدة وإما مقدماتك فاسدة، فإن هذا وإن أدخلته مقدماته في موافقتك الآن فهي مخرجة له عما قليل إلى مخالفتك. والوجه الثاني أن يوافقك على مقدماتك فهذا الوفاق اللازم

стр. 1186

الذي تقوم به الحجة إن كانت صحاحاً بالجملة أو تقوم به على الخصمين معاً الحجة فقط على كل حال صحاحاً كانت أو غير صحاح لالتزامهما إياها. فإن قال قائل: كيف تختلف المقدمات وتنتج نتيجة واحدة لا سيما وأحد العملين في بعض المقدمات حق والعمل الثاني باطل، فقد صار الحق والباطل ينتجان إنتاجاً واحداً، فليتذكر (١) على ما ذكرناه قبل أن نبدأ بذكر أنحاء الأشكال من أنه قد تكون مقدمات فاسدة (٢) تنتج إنتاجاً صحيحاً وبيناها هنالك وما نذكره (٣) إثر هذا الباب، فمذكور (٤) هنالك تقديم مقدمتين نافيتين فنقول لك (٥) : ليس كل إنسان حجراً ولا كل حجر حماراً النتيجة: ليس كل إنسان حماراً. وقلنا هنالك إن هذا تقديم غرار خوان (٦) لأنك إذا وثقت به واستسلمت إليه قدم إليك (٧) مثلها فقال: ليس كل إنسان أسود وليس كل أسود حياً، النتيجة: ليس كل أسود حياً (٨) فهذا تقديم فاسد، قد (٩) ينتج إنتاجاً يوافق [٦٤ظ] الإنتاج الصحيح في بعض المواضع، إلا أنك إن اتبعته فكما أدخلك في الحقيقة في مكان فكذلك يخرجك منها في آخر (١٠) . وقد بينا هذا هنالك وفي الباب الذي يتلو هذا الباب ولم ندع للإشكال إليك سبيلاً. وكثيراً ما يحتج علينا اليهود بأنا قد وافقناهم على أن دينهم قد كان حقاً وأن نبيهم (١١) حق، ويريدون من هاهنا إلزامنا الإقرار به حتى الآن، فاضبط هذا المكان، واعلم أنا إنما وافقناهم على مقدماتهم، وهي (١٢) مقدمات أنتجت لنا موافقتهم فيما

стр. 1187

ذكروا، فأضربوا عن تلك (١) المقدمات واتباعها فيما أنتجت وتعلقوا بالموافقة في النتيجة فقط. فلا تغتر بموافقة في النتيجة أصلاً حتى تصحح المقدمات؛ وإنما صححنا نحن وهم أن من ثبت أنه أتى بمعجزات فهو نبي، وموسى، ﵇، أتى بمعجزات، النتيجة (٢) : فموسى نبي، وهذه المقدمة نفسها تنتج نبوة محمد، ﷺ ، فنقول: كل من أتى بمعجزات فهو نبي، ومحمد ﷺ أتى بمعجزات (٣) فهو نبي، فاضبط هذا جداً. وقد وافقنا أصحاب القياس في نتائج كثيرة إلا أن مقدماتهم غير مقدماتنا فليس إلزامنا إياهم ولا إلزامهم إيانا رافعاً (٤) الشغب بتلك النتائج واجباً لكن حتى نتفق على المقدمات الموجبة لها. فإن شغب مشغب فقال: قد رأينا (٥) مقدمات يختلف إنتاجها، وذكر استدلال الخارجي والمرجىء بقول الله : ﴿لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾ (الليل:١٥،١٦) فإن الخارجي قال: قد صحت آثار وآيات بأن القاتل يصلاها ولا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فالقاتل هو الأشقى الذي كذب وتولى. وقال المرجئ: قد صحت آثار (٦) وآيات بأن المقر بالتوحيد والإيمان يدخل الجنة، والنار لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فالزاني (٧) لم يكذب ولا تولى فالزاني لا يصلاها. فأعلم ان هذا من البرهان (٨) الذي نبهتك عليه (٩) فتذكر عليه، إذ أخبرتك أن من المقدمات المقبولة كلاماً فيه حذف، والحذف في هذه المقدمات التي قدر الجاهل (١٠) أنها أنتجت إنتاجاً مختلفاً هو شيء قد دل عليه البرهان، وهو أن (١١) المراد لا يصلاها صلي خلود

стр. 1188

وأنها (١) نار بعينها من جملة نار جهنم لا يصلى تلك النار إلا أهل هذه الصفة، وليس في هذا أن كل نار في جهنم لا يصلاها إلا أهل هذه الصفة (١) . وهذا أيضاً مما ينبغي أن تتحفظ منه بأن تستوعب كل ما هو متصل بالمقدمات وإلا فهي مقدمات ناقصة، وليست في (٢) هذه الآية وحدها مقبولة عندنا لكن معها (٣) آيات [٦٥و] كثيرة وأخبار كثيرة فضمها كلها بعضها إلى بعض (٤) ولا تأخذ بعض الكلام دون بعض فتفسد المعاني، وأحذرك من شغب قوم في هذا المكان (٥) إذا ناظروا ضبطوا على آية (٦) واحدة أو حديث واحد، وهذا سقوط شديد وجهل مفرط إذ ليس ما ضبطوا عليه أولى بان يتخذ مقدمة يرجع إلى إنتاجها من آيات أخر وأحاديث أخر، وهذا تحكم وسفسطة فاحذره أيضاً جداً. ١٠ - باب أغاليط أوردناها خوفاً من تشغيب مشغب بها في البرهان وينبغي أن تتحفظ من أغاليط شغب (٧) بها مشغبون وقحاء في عكس المقدمات وفي الأشكال، وقد ذكرنا في بعض الأبواب الخالية نبذاً من هذا، فمن ذلك أنا قد قلنا: إن النافية الكلية تنعكس نافية كلية، فإن قال لك قائل: لا فارسي إلا أعجمي، هذا حق، وعكسها لا أعجمي إلا فارسي، كذب. فتنبه لموضع المغالطة، واعلم أن هذه القضية موجبة لا نافية وإن كان ظاهرها النفي، وتذكر ما قلنا لك في الباب المترجم بأنه (٨) باب من البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى في الإنتاج من مقدمتين ظاهرهما أنهما نافيتان فإن ذلك يبين لك هذا المكان.

стр. 1189

ونزيد هاهنا بياناً فنقول: ألا ترى أنك قد أوجبت العجمة لكل فارسي فهذه موجبة كلية وليست نافية البتة، وإذ هي كذلك فعكسها موجبة جزئية، وهي قولك: وبعض الأعجمين فارسي؛ وكذلك قولك: ليس شيء من الجوهر محمولاً في عرض، فهذه صادقة، فإذا عكست فقلت: ولا شيء من الأعراض محمولاً في الجوهر، فهذا كذب. فتفهم موضع المغالطة في (١) هذا الباب، وهو أن العكس الذي ذكرنا حكمه في النوافي وصححناه إنما هو في نفي اشتباه الذاتين أو في نفي اشتباه جزئيهما ولم نرد نفي اشتباه غيرهما. وهاهنا إنما نفيت اشتباه موضع الجوهر وموضع العرض، وموضعهما غيرهما، وموضع كل شيء فهو غير الشيء الذي في الموضع بلا شك. وتحفظ أيضاً من المغالطة الواقعة (٢) في عكس الموجبة الكلية بأن يقال لك: أليس كل ماض من الزمن قد كان مستقبلاً، فلا بد من نعم، فيقال لك: فبعض المستقبل قد كان ماضياً، وهذا كذب، فتحفظ من موضع المغالطة هاهنا، وهو أنه إنما دخل الكلام (٣) الغلط من التسوية بين زمانين هما غير الصفتين اللتين هما المضي والاستقبال، المضي (٤) خبر عن شيء كان موجوداً حال المستقبل، لأن المستقبل عدم ولا حال للعدم (٤) . ويقتضي لفظ [٦٥ظ] المخبر عنهما اختلافهما لا التسوية بينهما، وتصحيح ذلك أن تقول: بعض المستقبل يصير ماضياً أو قد صار ماضياً وهذا (٥) صحيح. وتحفظ أيضاً من غلط يقع في عكس الموجبة الجزئية. مثاله: بعض الخمر قد كان عصيراً، فإن قلت: بعض العصير قد كان خمراً كذبت. والغلط أيضاً هاهنا من قبل تسويتك بين زماني المخبر عنهما، وزمانهما غيرهما، وإنما يصح العكس في الصفات الملازمة للمخبر عنهما لا في الصفات اللازمة لغيرهما. وتصحيح ذلك أن

стр. 1190

تقول: وبعض العصير صار خمراً أو يصير خمراً؛ فاحفظ الآن أن العكس الصحيح إنما هو في الذوات أو في الصفات الملازمة للذوات. وقد غالط (١) أيضاً بعض النوكى ممن مذهبه إفساد الحقائق والجري إلى غير غاية وطلب ما لا يدري هو فكيف غيره فقال: إن الشكل الأول قد يكذب فيقول: الفرس وحده صهال، والصهال حي، فالفرس وحده حي. فإنما أتى الغلط هاهنا من زيادة زيدت تفسد المعنى وهي " وحده "، فتذكر ما قلت لك في الباب الذي قبل هذا الباب من حكم اللفظ الزائد في المقدمات فاسدات اللفظ (٢) والرتبة؛ فتأمل الألفاظ الزائدة كما حددت لك، وأعلم أن الموصوف في النتيجة ليس مقتضياً لأن تلك الصفة لا تكون إلا له ولا بد، بل قد تعمه وتعم غيره. ونزيدك بياناً ليقوى تحفظك من تخليط كل (٣) من لا يتقي الله في السعي في إفساد الحقائق من المدلسين الذين هم أحق بالنكال من المدلسين في النقود والبيوع، وقد قال رسول الله ﷺ : " من غشنا فليس منا " (٤) ولا غش أعظم من غش في إبطال الحقائق فنقول، وبالله تعالى التوفيق: تأمل ضعف هذا المدلس فإنه إذا قطع بأن الفرس وحده صهال، فقد صح بلا شك أن الصهال وحده فرس، لأن الصهيل صفة مساوية للفرس ليست أعم منه وقد نبهناك على هذا في باب عكس القضايا فلما أتى هذا المدلس بقضية توجب أن الصهال وحده فرس قال: والصهال حي، بعد أن شرط انفراد الصهال بالفرسية، وأدرج في قوله الصهال حي أنه الصهال المراد بالذكر في المقدمة الأولى، فأوجب برتبة لفظه أن وصف الصهال بالجياة وصف مساو لا أنه وصف أعم، فصار قائلاً الصهال وحده حي، فهذه المقدمة الثانية مموهة كما ترى، وهي كاذبة لأنها وضعت موضع كذب وشبهت بالحقائق (٥) ، فلكذب المقدمة كذبت النتيجة. وقد بينت [٢٦و] لك أن كذب المقدمة الثانية إنما كان لأنه

стр. 1191

بناها كلية اللفظ على موصوف جزئي، فتفهم هذا وتحفظ من أهل الرقاعة جداً. وإنما كان الصواب أن يقول في النتيجة فالفرس حي، ولا يذكر " وحده " لأن " وحده " في الحقيقة مع " صهال " خبر عن الفرس، وليس لفظ " وحده " تابعاً للفرس فيذكر في النتيجة، لكنه تابع للصهال - وهو الحد المشترك - ولو ذكره في المقدمة الثانية مع الصهال فقال الفرس وحده صهال، وهو وحده (١) صهال حي، فالفرس حي لأصاب. ومن ذلك أيضاً لو قال قائل وهو يشير إلى رجل بعينه: الإنسان طبيب، لكان هذا اللفظ عاماً وباطنه الخصوص، فلو حمل عليه وصفاً يجب أن لا يقع إلا على معنى عام لكان كاذباً. وقد سأل بعض المغالطين طبيباً فقال له: الحر يحلل (٢) قال له نعم، فقال له: والبرد يحلل (٣) قال له نعم، فقال له: فالحر هو البرد والبرد هو الحر؛ فقال له الطبيب: إن وجهي تحليلهما (٤) مختلف وليس من أجل اتفاقهما في صفة ما وجب أن يكون كل واحد منهما هو الآخر، فلج المشغب وأبى، فلما رأى الطبيب جنونه وتراقعه (٥) قال له: أنت حي قال نعم قال: والكلب حي قال نعم قال: فانت الكلب والكلب أنت. واعلم أن هاتين الشغيبتين من الشكل الثاني، وقد أسيء (٦) في رتبتهما لأن الشرط في الشكل الثاني أن تكون إحدى مقدمتيه نافية ولا بد، فافهم هذا واضبطه فإنه لا يخونك أبداً. ولا تلتفت إلى أهل الشغب فإن مثل (٧) هؤلاء إنما يجرون مجرى المضحكين لسخفاء الملوك والملهين (٨) لضعفاء المطاعين، وليسوا من أهل الحقائق أصلاً، فلا تعبأ بهم شيئاً.

стр. 1192

وقالوا أيضاً: قد وجدنا (١) موجبتين لا تنتج وهي: ممتنع أن يكون الإنسان حجراً، وممتنع أن يكون الحجر حياً فهاتان صادقتان، النتيجة: ممتنع أن يكون الإنسان حياً، وهذا كذب، فافهم أيضاً موضع المغالطة هاهنا وهي: أن هاتين المقدمتين نافيتان نفياً مجرداً ليس فيه شيء من الإيجاب أصلاً، وقد قلنا إن نافيتين لا تنتج، وقد ذكرنا لك قبل أن المراعى إنما هو حقيقة المعنى المفهوم من اللفظ لا صيغة اللفظ وحدها، وهاتان المقدمتان وإن كانتا بلفظ الإيجاب فمعناها النفي المجرد المحض لأنهما نفتا عن [٦٦ظ] الإنسان الحجرية وعن الحجر الحياة ولم توجبا للحجر ولا للإنسان معنى أصلاً غي ما أوجبه لهما (٢) اسماهما فقط. وقد غالطوا أيضاً فقالوا: كل نهاق حي، ولا واحد من الناس نهاق (٣) ، فهاتان صادقتان، النتيجة: فلا واحد من الناس حي، وهو كذب. وإنما أتت المغالطة من أجل أن (٤) الصفة التي وصف بها النهاق تعم النهاق وتعم أيضاً معه الشيء الذي نفي عنه النهاق، فهذا سوء نظم. وإنما ينبغي له أن تصفه (٥) بما لا يشركه فيه الذي نفى عنه مشاركته جملة في المقدمة الثانية. ومن هذا الباب أن نقول: ليس كل آخذ مال بغير حقه سارقاً، وكل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسق، فهاتان صادقتان، النتيجة: فليس كل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسقاً، وهذا كذب، وإنما أتت المغالطة لأنك وصفت آخذ المال بغير حقه في المقدمة الموجبة بصفة تعمه وتعم كل سارق معه، وإنما كان ينبغي أن تصفه بما لا يشترك معه فيه من نفيت عنه (٦) في الأخرى مشاركته إياه. وقد غالطوا أيضاً من قبل إسقاط شيء من الموصوف فقالوا: الشعر غير (٧) موجود

стр. 1193

في شيء من العظام، والعظام موجودة في كل إنسان فهاتان صادقتان، النتيجة: فالشعر غير موجود في شيء من الإنسان، وهذا كذب، وهذه مغالطة قبيحة، لأن الموضوع وهو المخبر عنه المقصود بالوصف في المقدمة الأولى إنما هي العظام، لأنه عنها نفى الشعر ثم أثبت ذكر العظام في المقدمة الثانية في أن وصف مكانها فقط، وقد قدمنا أن الشبه بالإيجاب لا يكون إلا في ذاتي المخبر عنهما وفي الصفات الملازمة لهما لا في مواضعهما؛ إلا أنك لو صححت لقلت: فالشعر ليس في شيء من عظام الإنسان، وأيضاً فإن قوة هاتين المقدمتين قوة جزئية لأن العظام بعض من أبعاض الإنسان وليست (١) كل الإنسان، والشعر إنما هو في بعض الإنسان (١) لا في كله، وجزئيتان لا تنتج، فتذكر على ما قلنا لك قبل من ان الحد المشترك لا بد من أن يكون مخبراً عنه في إحدى المقدمتين وخبراً في الأخرى أو مخبراً عنه في كلتيهما أو خبراً في كلتيهما. فإن كان مخبراً عنه في الواحدة وخبراً في الثانية فانظر، فإن كانتا موجبتين فلا بد من أن يكون الوصف به لما وصف به ذاتياً عاماً له كله، ويكون أيضاً المخبر عنه معموماً في المقدمة الأخرى بما صار وصفاً له فيها، فإن كانت إحداهما نافية فليكن النفي الذي وصفت به المنفي عنه في إحدى المقدمتين منتفياً في الحقيقة عنه وعن الموصوف في (٢) الأخرى بذلك الموصوف في هذه [٦٧و] لأن الشيء الموصوف في إحدى المقدمتين هو صفة في الأخرى، فإن كان موصوفاً به في كلتا المقدمتين فلا بد من أن تكون إحدى المقدمتين نافية، فليكن حينئذ الذي نفيت في الواحدة عاماً لما نفيته عنه ومنتفياً عن الموصوف في الثانية، على حسب ما تنصه (٣) فيها. فإن كان موصوفاً في كلتيهما فافعل في الموجبتين ما قلنا لك (٤) في الشكل الأول، وافعل في التي إحداهما نافية ما قلنا لك في الشكل الثاني، والله الموفق للصواب.

стр. 1194

١١ - باب من أحكام البرهان (١) في الشرائع على الرتب التي (٢) قدمنا الألفاظ الواردة في الشرائع اللازم الانقياد لها بعد ثبوتها التي إليها يرجع فيما اختلف فيه منها، إما قول عام كلي ذو سور، أو ما يجري مجرى ذي السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور، أو من الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر، والأمر أيضاً هو على عموم المعنى، إلا حيث نبين (٣) بعد هذا إن شاء الله . وذلك نحو قوله، ﵇، " كل مسكر حرام " فهذا كلي ذو سور، أو كقوله : ﴿وأحل الله البيع﴾ (البقرة:٢٧٥) فهذا مهمل قوته قوة كلي ذي سور، وكقوله : ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (المائدة: ٩٠) فهذا أمر عام، ومثله قوله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (النساء: ٥٨) . ثم هذه الوجوه الثلاثة ينقسم كل واحد منها أربعة أقسام: أحدهما كلي اللفظ كلي المعنى، والثاني جزئي اللفظ جزئي المعنى وهو ما حكم به في بعض النوع دون بعض. وهذا النوع أيضاً فتنبه لما أقول لك هو أيضاً عموم لما اقتضاه لفظة، وهذا النوع والذي قبله معلومان بأنفسهما جاريان على حسب موضوعهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل على أنهما يقتضيان ما يفهم منهما (٤) ، ولو احتاجا إلى دليل لما كان ذلك الدليل إلا لفظاً يعبر عن معناه، فما كان يكون هذا (٥) المدلول عليه بأفقر إلى دليل من الذي هو عليه دليل، وهذا يقتضي ألا يثبت شيء أبداً، وفي هذا بطلان الحقائق كلها، ووجود أدلة موجودات لا أوائل لها، وهذا محال فاسد، والمعلوم بأول العقل أن اللفظ يفهم (٦) منه معناه لا بعض معناه ولا شيء ليس (٧) من معناه. ولذلك وضعت اللغات ليفهم من الألفاظ معانيها (٨) .

стр. 1195

والقسم الثالث جزئي اللفظ كلي المعنى، وهو ما جاء اللفظ به في بعض النوع دون بعضه إلا أن ذلك الحكم شامل لسائر ذلك النوع، وهذا لا يعلم [٦٧ظ] من ذلك اللفظ الجزئي لكن من لفظ آخر وارد بنقل حكم هذا الجزئي إلى سائر النوع. والقسم الرابع كلي اللفظ جزئي المعنى وهو ما جاء بلفظ عام والمراد به بعض ما اقتضاه ذلك اللفظ، إلا أن هذا القسم والذي قبله لا يفهم معنياهما من ألفاظهما أصلاً لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حس يبين كل ذلك أنه إنما أريد به بعض ما يقتضيه لفظة دون ما يقتضيه (١) ذلك اللفظ. ولولا البرهان الذي ذكرنا لما جاز أصلاً أن ينقل عن موضوعه (٢) في اللغة ولا أن يخص به بعض ما هو مسمى به دون سائر كل ما هو مسمى بذلك اللفظ. فأما النوع الذي هو كلي اللفظ جزئي المعنى فهو كقول الناس في معهود خطابهم " فسد الناس " وإنما المراد بعضهم، وهذا يعلم ببديهة العقل، لأن الناس لا يفسدون كلهم إلا بذهاب الفضائل جملة، والفضائل أجناس وأنواع مرتبة في بنية العالم، ولا سبيل إلى عدم نوع بأسرة جملة حتى لا يوجد في العالم أصلاً. وكقول القائل " الماء للعطشان حياة " إنما يريد بعض المياه، وهذا يعلم بالحس لأن ماء البحور (٣) والمياه المرة ليست حياة للعطشان. ومن هذا النحو قول الله : ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ (آل عمران:١٧٣) وهذا معلوم بالعقل أنه تعالى إنما عنى بعض الناس لأنه ممتنع لقاء جميع الناس لهم مخبرين؛ ومن ذلك أيضاً قول الله : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (المائدة: ٦) وإنما المراد به (٤) بعض أحوال القيام إلى الصلاة دون بعض، وهي حال كون المرء محدثاً، وهذا إنما علم ببيان آخر. وأعلم أن المراد بهذا اللفظ ما ذكرنا، وهذا مستعمل كثيراً في الكلام، إلا أنه (٥) لا بد من برهان يعدله عما وضع عبارة عنه في اللغة، وإلا فهو تحكم من مدعيه وإفساد للبيان الذي يقع به التفاهم. وليت شعري هل إذا لم يكن
следующие страницы →