← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

بناها كلية اللفظ على موصوف جزئي، فتفهم هذا وتحفظ من أهل الرقاعة جداً. وإنما كان الصواب أن يقول في النتيجة فالفرس حي، ولا يذكر " وحده " لأن " وحده " في الحقيقة مع " صهال " خبر عن الفرس، وليس لفظ " وحده " تابعاً للفرس فيذكر في النتيجة، لكنه تابع للصهال - وهو الحد المشترك - ولو ذكره في المقدمة الثانية مع الصهال فقال الفرس وحده صهال، وهو وحده (١) صهال حي، فالفرس حي لأصاب. ومن ذلك أيضاً لو قال قائل وهو يشير إلى رجل بعينه: الإنسان طبيب، لكان هذا اللفظ عاماً وباطنه الخصوص، فلو حمل عليه وصفاً يجب أن لا يقع إلا على معنى عام لكان كاذباً. وقد سأل بعض المغالطين طبيباً فقال له: الحر يحلل (٢) قال له نعم، فقال له: والبرد يحلل (٣) قال له نعم، فقال له: فالحر هو البرد والبرد هو الحر؛ فقال له الطبيب: إن وجهي تحليلهما (٤) مختلف وليس من أجل اتفاقهما في صفة ما وجب أن يكون كل واحد منهما هو الآخر، فلج المشغب وأبى، فلما رأى الطبيب جنونه وتراقعه (٥) قال له: أنت حي قال نعم قال: والكلب حي قال نعم قال: فانت الكلب والكلب أنت. واعلم أن هاتين الشغيبتين من الشكل الثاني، وقد أسيء (٦) في رتبتهما لأن الشرط في الشكل الثاني أن تكون إحدى مقدمتيه نافية ولا بد، فافهم هذا واضبطه فإنه لا يخونك أبداً. ولا تلتفت إلى أهل الشغب فإن مثل (٧) هؤلاء إنما يجرون مجرى المضحكين لسخفاء الملوك والملهين (٨) لضعفاء المطاعين، وليسوا من أهل الحقائق أصلاً، فلا تعبأ بهم شيئاً.

стр. 1192

وقالوا أيضاً: قد وجدنا (١) موجبتين لا تنتج وهي: ممتنع أن يكون الإنسان حجراً، وممتنع أن يكون الحجر حياً فهاتان صادقتان، النتيجة: ممتنع أن يكون الإنسان حياً، وهذا كذب، فافهم أيضاً موضع المغالطة هاهنا وهي: أن هاتين المقدمتين نافيتان نفياً مجرداً ليس فيه شيء من الإيجاب أصلاً، وقد قلنا إن نافيتين لا تنتج، وقد ذكرنا لك قبل أن المراعى إنما هو حقيقة المعنى المفهوم من اللفظ لا صيغة اللفظ وحدها، وهاتان المقدمتان وإن كانتا بلفظ الإيجاب فمعناها النفي المجرد المحض لأنهما نفتا عن [٦٦ظ] الإنسان الحجرية وعن الحجر الحياة ولم توجبا للحجر ولا للإنسان معنى أصلاً غي ما أوجبه لهما (٢) اسماهما فقط. وقد غالطوا أيضاً فقالوا: كل نهاق حي، ولا واحد من الناس نهاق (٣) ، فهاتان صادقتان، النتيجة: فلا واحد من الناس حي، وهو كذب. وإنما أتت المغالطة من أجل أن (٤) الصفة التي وصف بها النهاق تعم النهاق وتعم أيضاً معه الشيء الذي نفي عنه النهاق، فهذا سوء نظم. وإنما ينبغي له أن تصفه (٥) بما لا يشركه فيه الذي نفى عنه مشاركته جملة في المقدمة الثانية. ومن هذا الباب أن نقول: ليس كل آخذ مال بغير حقه سارقاً، وكل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسق، فهاتان صادقتان، النتيجة: فليس كل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسقاً، وهذا كذب، وإنما أتت المغالطة لأنك وصفت آخذ المال بغير حقه في المقدمة الموجبة بصفة تعمه وتعم كل سارق معه، وإنما كان ينبغي أن تصفه بما لا يشترك معه فيه من نفيت عنه (٦) في الأخرى مشاركته إياه. وقد غالطوا أيضاً من قبل إسقاط شيء من الموصوف فقالوا: الشعر غير (٧) موجود

стр. 1193

في شيء من العظام، والعظام موجودة في كل إنسان فهاتان صادقتان، النتيجة: فالشعر غير موجود في شيء من الإنسان، وهذا كذب، وهذه مغالطة قبيحة، لأن الموضوع وهو المخبر عنه المقصود بالوصف في المقدمة الأولى إنما هي العظام، لأنه عنها نفى الشعر ثم أثبت ذكر العظام في المقدمة الثانية في أن وصف مكانها فقط، وقد قدمنا أن الشبه بالإيجاب لا يكون إلا في ذاتي المخبر عنهما وفي الصفات الملازمة لهما لا في مواضعهما؛ إلا أنك لو صححت لقلت: فالشعر ليس في شيء من عظام الإنسان، وأيضاً فإن قوة هاتين المقدمتين قوة جزئية لأن العظام بعض من أبعاض الإنسان وليست (١) كل الإنسان، والشعر إنما هو في بعض الإنسان (١) لا في كله، وجزئيتان لا تنتج، فتذكر على ما قلنا لك قبل من ان الحد المشترك لا بد من أن يكون مخبراً عنه في إحدى المقدمتين وخبراً في الأخرى أو مخبراً عنه في كلتيهما أو خبراً في كلتيهما. فإن كان مخبراً عنه في الواحدة وخبراً في الثانية فانظر، فإن كانتا موجبتين فلا بد من أن يكون الوصف به لما وصف به ذاتياً عاماً له كله، ويكون أيضاً المخبر عنه معموماً في المقدمة الأخرى بما صار وصفاً له فيها، فإن كانت إحداهما نافية فليكن النفي الذي وصفت به المنفي عنه في إحدى المقدمتين منتفياً في الحقيقة عنه وعن الموصوف في (٢) الأخرى بذلك الموصوف في هذه [٦٧و] لأن الشيء الموصوف في إحدى المقدمتين هو صفة في الأخرى، فإن كان موصوفاً به في كلتا المقدمتين فلا بد من أن تكون إحدى المقدمتين نافية، فليكن حينئذ الذي نفيت في الواحدة عاماً لما نفيته عنه ومنتفياً عن الموصوف في الثانية، على حسب ما تنصه (٣) فيها. فإن كان موصوفاً في كلتيهما فافعل في الموجبتين ما قلنا لك (٤) في الشكل الأول، وافعل في التي إحداهما نافية ما قلنا لك في الشكل الثاني، والله الموفق للصواب.

стр. 1194

١١ - باب من أحكام البرهان (١) في الشرائع على الرتب التي (٢) قدمنا الألفاظ الواردة في الشرائع اللازم الانقياد لها بعد ثبوتها التي إليها يرجع فيما اختلف فيه منها، إما قول عام كلي ذو سور، أو ما يجري مجرى ذي السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور، أو من الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر، والأمر أيضاً هو على عموم المعنى، إلا حيث نبين (٣) بعد هذا إن شاء الله . وذلك نحو قوله، ﵇، " كل مسكر حرام " فهذا كلي ذو سور، أو كقوله : ﴿وأحل الله البيع﴾ (البقرة:٢٧٥) فهذا مهمل قوته قوة كلي ذي سور، وكقوله : ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (المائدة: ٩٠) فهذا أمر عام، ومثله قوله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (النساء: ٥٨) . ثم هذه الوجوه الثلاثة ينقسم كل واحد منها أربعة أقسام: أحدهما كلي اللفظ كلي المعنى، والثاني جزئي اللفظ جزئي المعنى وهو ما حكم به في بعض النوع دون بعض. وهذا النوع أيضاً فتنبه لما أقول لك هو أيضاً عموم لما اقتضاه لفظة، وهذا النوع والذي قبله معلومان بأنفسهما جاريان على حسب موضوعهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل على أنهما يقتضيان ما يفهم منهما (٤) ، ولو احتاجا إلى دليل لما كان ذلك الدليل إلا لفظاً يعبر عن معناه، فما كان يكون هذا (٥) المدلول عليه بأفقر إلى دليل من الذي هو عليه دليل، وهذا يقتضي ألا يثبت شيء أبداً، وفي هذا بطلان الحقائق كلها، ووجود أدلة موجودات لا أوائل لها، وهذا محال فاسد، والمعلوم بأول العقل أن اللفظ يفهم (٦) منه معناه لا بعض معناه ولا شيء ليس (٧) من معناه. ولذلك وضعت اللغات ليفهم من الألفاظ معانيها (٨) .

стр. 1195

والقسم الثالث جزئي اللفظ كلي المعنى، وهو ما جاء اللفظ به في بعض النوع دون بعضه إلا أن ذلك الحكم شامل لسائر ذلك النوع، وهذا لا يعلم [٦٧ظ] من ذلك اللفظ الجزئي لكن من لفظ آخر وارد بنقل حكم هذا الجزئي إلى سائر النوع. والقسم الرابع كلي اللفظ جزئي المعنى وهو ما جاء بلفظ عام والمراد به بعض ما اقتضاه ذلك اللفظ، إلا أن هذا القسم والذي قبله لا يفهم معنياهما من ألفاظهما أصلاً لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حس يبين كل ذلك أنه إنما أريد به بعض ما يقتضيه لفظة دون ما يقتضيه (١) ذلك اللفظ. ولولا البرهان الذي ذكرنا لما جاز أصلاً أن ينقل عن موضوعه (٢) في اللغة ولا أن يخص به بعض ما هو مسمى به دون سائر كل ما هو مسمى بذلك اللفظ. فأما النوع الذي هو كلي اللفظ جزئي المعنى فهو كقول الناس في معهود خطابهم " فسد الناس " وإنما المراد بعضهم، وهذا يعلم ببديهة العقل، لأن الناس لا يفسدون كلهم إلا بذهاب الفضائل جملة، والفضائل أجناس وأنواع مرتبة في بنية العالم، ولا سبيل إلى عدم نوع بأسرة جملة حتى لا يوجد في العالم أصلاً. وكقول القائل " الماء للعطشان حياة " إنما يريد بعض المياه، وهذا يعلم بالحس لأن ماء البحور (٣) والمياه المرة ليست حياة للعطشان. ومن هذا النحو قول الله : ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ (آل عمران:١٧٣) وهذا معلوم بالعقل أنه تعالى إنما عنى بعض الناس لأنه ممتنع لقاء جميع الناس لهم مخبرين؛ ومن ذلك أيضاً قول الله : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (المائدة: ٦) وإنما المراد به (٤) بعض أحوال القيام إلى الصلاة دون بعض، وهي حال كون المرء محدثاً، وهذا إنما علم ببيان آخر. وأعلم أن المراد بهذا اللفظ ما ذكرنا، وهذا مستعمل كثيراً في الكلام، إلا أنه (٥) لا بد من برهان يعدله عما وضع عبارة عنه في اللغة، وإلا فهو تحكم من مدعيه وإفساد للبيان الذي يقع به التفاهم. وليت شعري هل إذا لم يكن

стр. 1196

اللفظ عبارة عن المعنى ولم يكن لكل معنى عبارة (١) معلومة له فكيف يريد أن يصنع المساوي بين هذه الألفاظ الذي لا يحملها على أنها كلية بهيئتها، أو يقول بالتوقف حتى يلوح له المراد، وبأي شيء يريد يفرق بين المعاني بزعمه هل يجد شيئاً غير لفظ آخر وهل ذلك اللفظ الآخر في احتمال التشكك (٢) في المراد به في (٣) معناه إلا كهذا اللفظ الأول، ولا فرق وهكذا أبداً. ولو صح هذا لبطلت فضيلتنا على البهائم، إذا (٤) لم يقع لنا التفاهم بالأسماء الواقعة على المسميات، وينبغي للعاقل أن لا يرضى لنفسه [٦٨و] بكل كلام أداه إلى إبطال التفاهم، فإن ذلك خروج عن ثقاف العقل وهزء بنعم الأول الواحد المتفضل علينا بهذه القوى العظيمة التي بها استحققنا أن يخاطبنا. ومما خرج بالأدلة الصحاح عن بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه قوله تعالى في آية التحريم (٥) : ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (النساء:٢٣) وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (النور:٢) ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً﴾ (المائدة:٣٨) وكثير من مثل هذا، فلولا براهين مقبولة من ألفاظ أخر بينت لنا أن المراد بالتحريم بعض المرضعات والمرضعات، وبعض (٦) الزواني والزناة دون بعض، وبعض السراق دون بعض، لوجب حمل هذه الألفاظ على كل ماهو (٧) مسمى بها، وإن كان البعض أيضاً من هذه المعاني يقع عليه الأسم الذي يقع على الكل. وأما اللفظ الجزئي الذي يدخل فيه معنى كلي فقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ (النساء: ١٩) في أول آيات من سورة النساء، ثم اتصل الخطاب إلى قوله تعالى ﴿حرمت

стр. 1197

عليكم أمهاتكم﴾ (النساء:٢٣) الآية، وكل ما ذكر فيها (١) فمحرم على غير الذين آمنوا كتحريمه على الذين آمنوا (٢) ولكن ليس بهذا اللفظ لكن بدلائل أخر من ألفاظ أخر (٣) أوقعت أيضاً هذا الحكم على غير من سمي في هذا المكان، ولولا تلك الألفاظ الأخر لما دخل في هذا الحكم من ليس مسمى باسم من خوطب به أصلاً. وإنما ذكرنا هذا القسم لئلا يظن جاهل أن هذا الحكم إنما انتقل من هذا اللفظ إلى غير من يقتضيه. فإذا أردت أن تقدم مقدمات من الأنواع التي ذكرنا في أول هذا الباب، وقلنا إن إليها يرجع في ما أختلف فيه، قلت: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، النتيجة: فكل مسكر حرام؛ فهذه قرينة من النحو الأول من الشكل الأول. وإن شئت قلت: كل سارق ما سوى أقل من ربع دينار فعليه قطع يده، وزيد (٤) سرق شيئاً ليس أقل من ربع دينار، فزيد عليه قطع يده (٤) . وهكذا يفعل في جميع الأوامر وهو أن يخرج الأمر بلفظ خبر كلي يعم ما اقتضاه اللفظ الذي يجب الأئتمار له. واعلم أن اللفظ إن كان من الألفاظ المشتركة كان ذلك جارياً على جميع الأنواع التي اقتضاها ذلك اللفظ، إن قدر على ذلك، حيث ما وجدت مجتمعات أو أفراداً. وليس لأحد أن يقول: لا أجري الحكم إلا على اجتماع جميع المعاني التي يقتضيها الاسم، لأنه حينئذ يصير مخالفاً لحكم الاسم من حيث قدر أنه موافق له، لن كل بعض منه يقع (٦٨ظ) عليه ذلك الاسم، فإذا لم يجره على ذلك البعض إذا وجده منفرداً فقد منع من إجراء الاسم على عمومه وما يقتضيه، وهذا إبطال موضوع الاسم، فإن كان ذلك ممتنعاً في الطبيعة أو كان لفظاً عاماً إلا أنه لا يقوم منه بيان يفهم أو كان لفظاً يقع على نوع واحد أو صفة واحدة إلا ان عمومها ممتنع في الطبع لا سبيل إليه ولا إلى إخراج شيء محدود منه، أو كان الإتيان بكل الوجوه التي يقتضيها ذلك الاسم غير واجب بحكم الشرع بيقين، لم يلزم منه إلا أقل ما يقتضيه ذلك اللفظ، لأن

стр. 1198

ما عدا هذا المقدار لا يقدر على استيفائه، والعجز علة مانعة، وغاية في البيان بأن ذلك اللفظ لم يقصد به العموم الذي لا يطاق أصلاً؛ وذلك كقول قائل: ادع لي الناس أطعمهم، فلا سبيل إلى عموم الناس كلهم، فإنما هذا على جماعة يقع عليهم اسم ناس. وكذلك حيث ذكر الله المساكين أو الفقراء إذ لا يطاق غير هذا أصلاً، ومن كلف غيره الممتنع فقد خرج عن حد من يكلم. فمن القسم الذي قلنا إنه يكون لفظاً يعم ذوي صفات شتى قوله حيث ذكر المحصنات، فإنه لا يجوز أن يخص بذلك بعض من يقع عليه هذا (١) الاسم دون بعض، ولا يجوز أيضاً أن نمتنع من إجراء الحكم حتى تجتمع جميع الصفات التي كل صفة منها تسمى (٢) إحصاناً. لكن إذا وجدت منها صفة واحدة فأكثر وجب لها حكم الاسم المعبر عنها، وهو اسم يقع على العفائف والحرائر والمتزوجات، إلا أن يأتي لفظ مانع من عمومه كل من ذكرنا فيوقف عنده على ما قدمنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ (النساء:٢٢) والنكاح يقع على العقد الصحيح وعلى الوطء صحيحاً كان أو فاسداً، فكل من وطئها الأب بزنا أو غيره حرام على الأبن، فتقول في مقدمة من هذا الباب: كل ما نكح الأب من النساء على الابن حرام، وهند (٣) نكحها أبو زيد، فهند على زيد حرام (٣) ؛ فالحد المشترك ههنا النكاح والأب، والحدان المقتسمان: أما في المقدمة الكبرى فالنساء والابن والحرام، وأما في الصغرى فزيد وهند وهما الخارجان في النتيجة. واعلم ما قلت لك إن اللفظ المشترك (٤) الواقع على أنواع شتى في (٥) عمومه لكل ما تحته من الأنواع، لأنه جنس لها، كاللفظ الواقع على النوع الواحد في عمومه لكل ما تحته (٦) من الأشخاص ولا فرق، إلا أن يقوم برهان [٦٩و] كما قدمنا على أن المراد بعض تلك الأنواع لا كلها، وبعض تلك الأشخاص لا كلها، فيؤخذ

стр. 1199

به في ذلك المكان خاصة لا حيث وجد ذلك اللفظ. لكنه إن وجد ذلك اللفظ في مكان آخر فهو محمول على عمومه لكل ما تحته أبداً، لأن ذلك البرهان الذي نقله عن عمومه في المكان الأول لم يدل (١) على أنه قد نقل عن موضوعه (٢) في اللغة قطعاً، لكنه دل على أن المراد به في هذا المكان خاصة بعض ما يقتضيه موضوعه (٢) في اللغة فقط. وأما قول القائل: فلان لا يظلم في حبة خردل (٣) ، فلا يفهم من ذلك عند التحقيق وترك المسامحة إلا ما اقتضاه اللفظ خاصة من أنه لا يظلم في الخردل خاصة، وهذا الذي وضع له اللفظ في اللغة، ولا يفهم من ذلك أنه لا يظلم في الآطام (٤) والضياع والدور، لأن الضياع والدور (٥) لا تسمى خردلاً أصلاً. لكن إن قال: فلان (٦) لا يظلم الناس شيئاً أو قال لا يظلم في شيء فحينئذ يعم بالنفي كل ما وقع عليه اسم ظلم. فإن لم يكن هذا فلأي معنى علقت (٧) في اللغة الأسماء على المسميات وثبت في العقول أنه لا بيان إلا بالألفاظ المعبرة عن المعاني التي أوقعت عليها في اللغة، وهذا ما لا يعلم أحد سواه إلا مغالط لنفسه مكابر لحسه، مسامح حيث لا تنبغي المسامحة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أفً﴾ (الإسراء:٢٣) فإنه لا يفهم من هذا (٨) اللفظ إلا منع أفً فقط، وأما القتل والضرب وغير ذلك فلا منع منه في هذا اللفظ أصلاً، لأن كل ذلك لا يسمى " أف " ولا يعبر عنه بأف، ولو أن إنساناً قتل آخر وأخبرنا عنه مخبر وشهد شاهد أنه قال له أف لكان كاذباً وشاهد زور وآتياً كبيرة من الكبائر، بحكم المختار للوسائط (٩) بيننا وبين الواحد الأول،

стр. 1200

صلى الله عليه وسلم، وعز باعثه وجل، إذ قضى أن شهادة الزور من الكبائر، فمن لم يردعه قبح الخروج عن المعقول فليردعه خوف النكال الشديد يوم الجزاء، نعوذ بالله من ذلك. ولو أن حالفاً حلف على القاتل أنه قال للمقتول " أف " لكانت يمينه غموساً، فكيف استجاز من يصف نفسه بالفهم أن يقضي قضاءً يقر به (١) على نفسه أنه كاذب إذا حقق الحكم ولعمري إن كثيراً منهم لأفاضل فهماء أخيار صالحون معظمون باستحقاقهم، ولكن النقص لم يعر منه بشر إلا المعصومين بالقوى الإلهية من الأنبياء ﵈ [٦٩ظ] خاصة، وزلة العالم مؤذية جداً ولو لم تعده إلى غيره لقل ضررها، لكن لما قال الله ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ اقتضت هذه اللفظة إتيان كل ما يسمى إحساتاً، ودفع كل ما يسمى إساءة، لأن الإساءة ضد الإحسان، والإحسان واجب فالإساءة ممنوعة، لأن قولك: أحسن إلى فلان يقوم مقام قولك (٢) لا تسيء إليه، وذلك معنى مقتضاه فقط (٣) وزائد معنى هو أيضاً شيء هو غير ترك الإساءة فقط (٤) . وأما قولك: لا تسيء إليه (٥) ، فليس فيه الإحسان إليه، وكذلك إذا قلت: لا تحسن إليه، فليس فيه أن تسيء إليه أصلاً، لأن هذا من الأضداد التي بينها وسائط، والوسيطة (٦) هاهنا التي (٧) بين الإساءة والإحسان: المتاركة. وأما إذا قلت أسيء إلى فلان ففيه رفع الإحسان عنه (٨) لأن الضد يدفع الضد، إذا وقع أحدهما بطل الآخر. فتدبر هذه المعاني تستضيء في جميع مطلوباتك بالنور الذي منحك خالقك تعالى وقرب به شبهك من الملائكة وأبانك عن البهائم، وإلا كنت كخابط عشواء حيران لا تدري ما تقدم عليه بالحقيقة ولا ماتترك باليقين، لكن بالجسر (٩) والهجم اللذين لعلهما يوردانك (١٠) المتالف ويقذفانك في المهالك، هدانا الله وإياك

стр. 1201

بمنه. وإذا وصلت إلى هذا الفصل فقف عنده وارم بفكرك (١) إلى ما تكلمنا لك فيه آنفاً من المتلائمات التي عبرنا عنها بعبارات لعل بعض (٢) أهل الغفلة الذين نرغب من صلاحهم أكثر مما يرغبون من صلاح أنفسهم يقول عند نظره فيها: لقد تعنى هذا المؤلف في شيء يساوبه في المعرفة به كل أحد، فليعلم أننا إنما ننظر المعاني بألفاظ متفق عليها لتكون قاضية على ما يغمض فهمه مما ليس من نوعها (٣) ، فهاهنا يلوح لك فضل كلامنا آنفاً في المتلائمات وترتاح لفهمه جداً. وإذ قد قدمنا في أول كتابنا أنه لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ فلا سبيل إلى نقل موجب العقل عن موضعه من كون الأشياء على مراتبها التي رتبها عليها بارئها جل وعز، ولا سبيل إلى نقل مقتضى اللفظ عن موضعه الذي رتب للعبارة عنه، وإلا ركبت الباطل وتركت الحق وجميع الدلائل تبطل نقل اللفظ عن موضوعه في اللغة ولا دليل يصححه أصلاً. فإن قال قائل: قد وجدنا لفظاً منقولاً، قيل له: ذلك الذي وجدت قد تبين (٤) لنا أنه هو موضوعه في ذلك المكان ولم تجد ذلك فيما تريد (٥) إلحاقه به بلا دليل، وليس كل مسمى (٦) وجدته منقولاً عن رتبته بدليل موجباً (٧) أن تنقله أنت إلى غيره (٨) برأيك بلا دليل، فإن كان حكمك في إيجاب نقل ما لم تجد دليلاً ينقله لأنك قد وجدت لفظاً آخر [٧٠و] منقولاً حكماً صحيحاً، فقد وجدت أيضاً في

стр. 1202

الأوامر منسوخاً كثيراً بدليل صحيح، فاحكم على كل أمر بأنه منسوخ لأنك قد وجدت أموراً كثيرة منسوخة، وقد وجدت أيضاً في كلام الناس كذباً كثيراً (١) فاحكم على كل كلام بأنه كذب لأنك وجدت كذباً كثيراً (١) وهذا هو إبطال الحقائق فارغب عنه كما ينبغي، وبالله تعالى التوفيق. ١٢ - باب أقسام المعارف وهي العلوم اعلم ان معرفة كل عارف منا بما يعرفه، وهو علمه بما يعلم، ينقسم قسمين: أحدهما أول والثاني تال، فالأول ينقسم قسمين: أحدهما ما عرفه الإنسان بفطرته وموجب خلقته المفضلة بالنطق الذي هو التمييز والتصرف والفرق بين المشاهدات، فعرف هذا الباب بأول عقله، مثل معرفته أن الكل أكثر من الجزء، وأن من لم يولد قبلك فليس أكبر منك، ومن لم تتقدمه فلم توجد (٢) قبله، وأن نصفي العدد مساويان لجميعه، وأن كون الجسم الواحد في مكانين مختلفين في وقت واحد محال، وأن كل شيء صدق في نفيه فإثباته كذب، وإن كذب في نفيه فإثباته حق، وأن الحق لا يكون في الشيء وضده، وأن كل أقسام أخرجها العقل بكليتها تامة إخراجاً صحيحاً ولم يكن بد من أحدها فكذبت كلها حاشا واحداً أن ذلك الواحد حق وضرورة. والقسم (٣) الثاني من هذا القسم الأول هو ما عرفه الإنسان بحسه المؤدي إلى النفس بتوسط العقل كمعرفته أن النار حارة، والثلج (٤) بارد، والصبر مر، والتمر حلو، والثلج الجديد أبيض، والقار أسود، وأن جلد القنفذ (٥) خشن والحرير لين وأن صوت الرعد أشد من صوت الدجاجة وما أشبه ذلك. وهذان القسمان (٦) فلا

стр. 1203

يدري أحد كيف وقعت له صحة معرفته (١) بذلك ولا كان بين أول أوقات فهمه وتمييزه وعود (٢) نفسه إلى ابتداء ذكرها وبين معرفته بصحة ما ذكرنا زمان أصلاً، لا طويل ولا قصير ولا قليل ولا كثير ولا مهلة البتة (٣) ، وإنما هو فعل الله في النفس، وهي مضطرة إلى فعل (٤) ذلك ضرورة ولا تجد عنها محيداً البتة، وليس ذلك في بعض النفوس دون بعض بل في نفس كل ذي تمييز لم تصبه آفة. وكل نفس تعلم أن سائر النفوس تعلم ذلك ضرورة. فلو أن إنساناً رام أن يوهم نفسه خلاف ما ذكرنا لما قدر، فإن قدر على ذلك يوماً ما فليعلم أن بعقله آفة شديدة لا يجوز غير ذلك. وفي القسم الثاني من هذين القسمين تدخل صحة المعرفة بما صححه (٥) النقل عند المخبر تحقيق ضرورة، كعلمنا أن الفيل موجود ولم نره، [٧٠ظ] وأن مصر ومكة في الدنيا، وأنه قد كان موسى وعيسى ومحمد ﵈ وقد كان (٦) أرسطاطاليس وجالينوس موجودين، وكواقعة صفين والجمل وككون أهل القسطنطينية (٧) مملكين لملك الروم النصراني (٨) ، وأن النصرانية دينهم الغالب عندهم وكالأخبار تتظاهر عندنا كل يوم مما لا يجد المرء للشك فيه مساغاً عنده أصلاً، وكذلك أن (٩) في رأس الإنسان دماغاً وفي بطنه مصراناً (١٠) وفي جوفه قلباً وفي عروقه دماً، وإنما يرجع في ذلك إلى قول (١١) المشرحين وقول من رأى رؤوس القتلى مشدوخة وأجوافهم

стр. 1204

مخروقة، فصح ذلك أيضاً (١) صحة ضرورية، وهذان القسمان لا يجوز أن يطلب على صحتهما دليل ولا يكلف ذلك غيره إلا عديم عقل وافر (٢) جهل أو مشتبه بهما، فهو أقل عذراً (٣) . بل من هذين القسمين تقوم الدلائل كلها وإليهما (٤) ترجع جميع البراهين وإن بعدت طرقها (٥) على ما قدمنا لك من (٦) إنتاج نتائج عن مقدمات تؤخذ تلك المقدمات أيضاً من (٦) نتائج مأخوذة من مقدمات وهكذا أبداً، وإن كثرت القرائن والنتائج واختلفت أنواعها، حتى تقف راجعاً عند هذين العلمين الموهوبين بمن الأول الواحد وتطوله (٧) وإفاضة فضله علينا دون استحقاق منا لذلك، إذ لم يتقدم منا فعل يوجب أن يعطينا هذه العطية العظيمة التي أوجدنا بها السبيل إلى التشبه (٨) بالملائكة الذين هم أفضل خلق خلق والذين أفاض عليهم الفضائل إفاضة عامة (٩) تامة نزههم بها عن كل نقص قل أو جل (١٠) . وبهذه السبيل التي ذكرنا عرفنا أن لنا خالقاً واحداً أولاً (١١) حقاً لم يزل، وأن ما عداه محدث كثير مخلوق لم يكن ثم كان، وبها عرفنا صدق المرسلين الداعين إليه تعالى وصحة بعث محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة. ولولا العقل والبراهين المذكورة ما عرفنا صحة شيء من كل ما ذكرنا كما لا يعرفه (١٢) المجنون. فمن كذب شهادة العقل والتمييز فقد كذب كل ما أوجبت، وأنتج له ذلك تكذيب الربوبية والتوحيد والنبوة

стр. 1205

والشرائع. فإما يدخل في ذلك وإما يتناقض تناقض المجنون (١) بلسانه، نعوذ بالله من الخذلان. وبقدر قرب (٢) هذه النتائج من هذه المعارف الأوائل يسهل بيانها، وبقدر بعدها يتعذر (٣) بيانها، إلا أن كل ما صح من هذه الطرائق (٤) من قريب أو من بعيد فمستو في أنه حق استواءً واحداً وإن كان بعضه أغمض من بعض (٥) . ولا يجوز أن يكون حق أحق من حق آخر، ولا باطل أبطل من باطل آخر، إذ ما ثبت ووجد فقد ثبت ووجد، وما بطل فقد بطل، وما خرج عن يقين الوجود والثبوت ولم يدخل [٧١و] في يقين البطلان فهو مشكوك فيه عند الشاك، وهو في ذاته بعد إما حق وإما باطل لا يجوز غير ذلك، ولا يبطله إن كان حقاً جهل من جهله أو تشكك من تشكك فيه، كما لا يحق الباطل غلط من توهمه حقاً أو تشكك من تشكك فيه، فهذا جملة الكلام في القسم الأول. وأما الثاني فهو الذي ذكرت لك آنفاً أنه يعرف بالمقدمات المنتجة على الصفات التي حددنا من أنها راجعة إلى العقل والحس إما من قرب وإما من بعد، وفي هذا القسم تدخل صحة العلم بالتوحيد والربوبية والأزلية والاختراع والنبوة وما أتت به من الشرائع والأحكام والعبادات، على ما قدمنا في سائر كتبنا، لأنه إذا صح التوحيد وصحت النبوة وصح وجوب الائتمار لها وصحت الأوامر والنواهي عن النبي ﷺ وجب اعتقاد صحتها والائتمار لها. وفي هذا القسم أيضاً تدخل صحة الكلام (٦) في الطبيعيات وفي قوانين الطب ووجوه المعاناة والقوى والمزاج وأكثر مراتب العدد والهندسة. واعلم أنه لا يعلم شيء أصلاً بوجه من الوجوه من غير هذين الطريقين، فمن لم يصل منهما فهو مقلد مدع علماً (٧) وليس عالماً، وإن وافق اعتقاده الحق، لكنه

стр. 1206

هاهنا مبخوت، وسلامة الغرر قد (١) وجدنا أهل الحزم لا يحمدونها، وانتظار وجود اللقطة وترك الطلب والاكتساب خلق ذميم مرذول ساقط (٢) جداً، وفي هذا المقلد مشابه (٣) قوية ومناسبة صحيحة لمن هذه صفته، بل المقلد أسوأ حالاً لأن تضييعه أقبح وأوخم عاقبة. إلا أن توجب الشريعة أن يسمى عالماً وإن لم يعلم ذلك ببرهان فيوقف عند ما أوجبته الشريعة في ذلك (٤) . إلا أن هاهنا وجهاً ينبغي لك استعماله في المناظرة خاصة على سبيل كف شغب الخصم الجاهل وليس مما يصح به قول ولا يلزم في الحقيقة أحداً ولا يثبت به برهان، وهو أن قوماً قد اعتادوا عادة (٥) سوء أفسدت فضيلة التمييز فيهم بالجملة، وذلك أنهم لا يلتفتون إلى البرهان وإن أقروا أنه برهان وقد ألفوا الإقناع والشغب إلفاً شديداً، وهم (٦) ينقدعون إذا عورضوا به، فهؤلاء إن عارضتهم ببرهان (٧) لم ينجع فيهم، وربما آذوك بألسنتهم، وإن عارضتهم بإقناع ذلوا له ذلة اليتيم (٨) وكفوك شرهم واشتد خزيهم (٩) وغيظهم وربما أثر ذلك في بعضهم؛ فأذكرني أمر هذه الطائفة على كثرتهم في الناس ما قاله بعض قدماء الأطباء: إن ذا الطبع الشديد الذي لا تخدره (١٠) الأدوية القوية [٧١ظ] فإن قرص بنفسج يخدره. ومثال ذلك أقوام تراهم (١١) إذا نصرت عندهم القول الصحيح بالمقدمات الصحاح التي هي منصوصة في القرآن والحديث الذي يقرون بصحته لم يؤثر ذلك فيهم أصلاً، وكذلك لو وقفتهم عليه حساً وعقلاً، حتى إذا قلت لهم فلان يقول هذا القول وذكرت لهم رجلاً من عرض الناس موسوماً بخير انقادوا له

стр. 1207

وتوقفوا جداً وسهل جانبهم، ولا سيما إن ذكرت لهم جماعة يقولون بذلك فقد كفيت التعب معهم، فمثل هؤلاء ينبغي أن يردعوا بما يؤثر فيهم، فالطبيب الحاذق لا يعطي الدواء إلا على قدر احتمال بنية المتداوي (١) ، ومداواة النفوس أولى بالتلطف لإصلاحها من مداواة الأجسام. وأما ما طلب بتقديم (٢) المقدمات فإما أن يطلب على وجهه الذي وصفنا (٣) فيكون الطالب على يقين وثلج، وإما أن يتفق هو وخصمه على مقدمات لم تثبت بالعمل الذي قدمنا لكن بتراض منهما؛ وهذا ينقسم قسمين: أحدهما أن يوفقا لمقدمات (٤) حق فيدخلان في القسم الذي قدمنا ببختهما لا ببحثهما وبجدهما لا بحدهما (٥) ، وبحظهما لا بتفتيشهما؛ والثاني أن يتفقا على مقدمة فاسدة أو مقدمتين كذلك (٦) ، وهذا ينقسم قسمين: أحدهما أن يتراضيا على ذلك معاً فهما ظالمان لأنفسهما، وما أنتجت تلك البلايا التي التطخا فيها فلازم لهما في قوانين المناظرة لا في الحقيقة، والحقيقة باقية بحسبها لا يضرها تراضي الجهال بالباطل، وذلك كثير جداً في الملل والآراء الطبيعية والنحل والفتيا (٧) كاتفاق المنانية على قدم الأصلين والنصارى على التثليث وقوم من المعتزلة على أن أشياء في العالم محدثة غير مخلوقة، وهذا نسميه نحن " عكس الخطأ على الخطأ " ومما حضرنا من ذلك على كثرته رد إخواننا الحكم في جنين الأمة على خطائهم في تقويم الغرة في جنين الحرة. والقسم الثاني أن يوافق الخصم العالم المحق خصمه على مقدمة فاسدة يقدمها لا راض (٨) بها ولكن (٩) ليريه فساد إنتاجها وأنها تؤديه إلى محال أو إلى فساد

стр. 1208

أصله (١) . واعلم أن هذا الحكم ينبغي أن يلزم الراضي به إن يلزم الراضي به إن التزمه وليس يلزم المسامح (٢) فيها بشرط تبيين (٣) فسادها كالذي ألزم أذرباذ بن مارا كسفند (٤) الموبذماني بن حماني (٥) في نفس قوله تحسين قتله وهو ضد ما حقق ماني أولاً (٦) . وكثيراً ما نلزم نحن في الشرائع أهل القياس المتحكمين أشياء من مقدماتهم تقودهم (٧) إلى التناقض أو إلى ما لا يلتزمونه، فيلوح بذلك فساد [٧٢و] مقالتهم كالذي قدمه عظيم من (٨) أسلافنا (٩) نحبه لفضله، ولكن الحق أحب إلينا منه وأفضل، فإنه قال: من بلغ الحلم من رجل أو امرأة ولم يعلم الله في أول أوقات (١٠) بلوغه بجميع صفاته علم استدلال ونظر وبحث فهو كافر حلال دمه وماله (١١) ؛ ونحن نقسم بالله خالقنا قسماً لا نستثني فيه أن هذا الرئيس قد أنتج حكمه هذا عليه أن يكون كافراً حلال الدم والمال؛ ونعيد القسم بالله تعالى ثانية أنه ما دخل قبره إلا جاهلاً بتمام صحة ما ضيق في علمه هذا التضييق، على أنه قد تجاوز في عمره خمسة وثمانين عاماً، يرحمنا الله وإياه ويغفر لنا وله. ولولا أن مقدمته هذه فاسدة

стр. 1209

لوجب عليه ما أوجب على من هو محدود بحده ومرسوم برسمه، ولكنها ولله الحمد قضية باطل فلا يجب ما أنتجت لا عليه ولا على غيره، وقد ذكرنا هذا الباب في النوع الخامس من البرهان. واعلم أن من وافقنا في هذه الأوائل ثم كذب موجباتها أو خالفنا في هذه الأوائل فلم يثبتها تركناه وكنا إن كلمناه كمن كلم السكران، إلا في حالين: أحدهما أن يضطرنا (١) إلى الكلام معه خوف أذى (٢) ما إن تركنا الكلام معه. والثانية الرجاء في أوبته وأوبة غيره من حاضر أو غائب يبلغه كلامنا، أو تثبت حاضر أو غائب يبلغه كلامنا، فأي ذلك كان فواجب علينا الكلام حينئذ بما نرجو به (٣) المنفعة إما لأنفسنا وإما لمن يلزمنا تبصيره من أهل نوعنا، فقد قال الأول الواحد الخالق خالق الصدق والآمر به في عهوده إلينا: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ (النساء:١٣٥) وقال تعالى أيضاً (٤) : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النمل:١٢٥) وقال لنا رسوله المتوسط بيننا وبينه تعالى، ﷺ ، في وصاياه لنا " لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً أحب إليك من حمر النعم " (٥) . حتى إذا ارتفع خوفنا أو رجاؤنا لزمنا حينئذ أن نفعل ما أمرنا به الواحد الأول في عهوده إلينا إذ يقول (٦) ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (المائدة:١٠٥) فنقول لمن لزمنا أن نقول له من هذه الطائفة، ولعمري إنهم لكثير كما وصف الواحد الأول تعالى إذ يقول مخبراً لنا عمن تاه في الأباطيل: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ (الكهف:١٠٤) وقال تعالى أيضاً (٧) ﴿أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾ (الأعراف:١٩٥) فنقول لمن هذه صفته: إن كنتم

стр. 1210

تنكرون الحقائق [٧٢ظ] وما شهد به الحس والعقل وأدياه إلى النفس ولا (١) تستحيون من قبيح هذه الصفة فدعوا التعب في أكل الطعام والسعي فيه وانتظروا كما أنتم واخرجوا أفذاذاً إلى مضارب العدو من أطراف الثغور والشعاري الموحشة رافلين في ثيابكم وابقوا هنالك (٢) مطمئنين ظاهرين حتى تروا صحة ما نحدثكم به مما تشهد (٣) النفس أنه يحل بكم، واقذفوا بأنفسكم على أمهات رؤوسكم من أعلى المنار وزموا (٤) السكاكين الحادة (٥) على لحومكم ثم جروا أيديكم بها، فإن امتنعوا من كل هذا فقد حققوا الأوائل الدالة على عواقب الأمور، وإن تمادوا أعرضنا عنهم وانصرفنا (٦) إلى ما هو أجدى علينا وأولى بنا مما نرجو به التقرب من خالقنا يوم جمعنا للقضاء في عالم الجزاء، نسأله ضارعين أن يمن (٧) علينا وأن يثبتنا في عداد العقلاء الأبرار في هذه الدار وأن يدخلنا في عداد الفائزين هنالك، ونعوذ به من ضد ما سألناه آمين. وأتم من هؤلاء الذين ذكرنا رقاعة وأوقح وجوهاً المدعون للإلهام، وما يعجز صفيق الوجه عن (٨) أن يدعي أنه ألهم بطلان قولهم بلا دليل، ومثل هؤلاء يرحمون لذهابهم عن الحق، وبالله تعالى نستعين. وقد شغب منهم (٩) قوم فقالوا: بأي شيء ثبتت عندكم صحة (١٠) هذه الأمور التي صحت بالعقل وبماذا علمتم صحة العقل وهذا فساد في القول وقد قلنا إن صحة

стр. 1211

ذلك ثابتة ضرورة في النفس لا بدليل (١) دل على صحة ذلك أصلاً. وكفانا ما عارضناهم به إن أنصفوا أنفسهم وإلا فلا كلام لنا مع من أقر أنه لا يصحح العقل وأنه لا عقل له. ١٣ - باب ذكر أشياء تلتبس على قوم في طريق البرهان واعلم أن قوماً قدروا أن (٢) البرهان يقوم مما ذكرنا في باب الإضافة من كون أحد الشيئين يقتضي الآخر فلم يفرقوا بين الواجب من ذلك وغير الواجب (٣) ، ونحن نفرق إن شاء الله بين الصحيح من ذلك والفاسد فنقول، وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد (٤) : إن هذا شيء (٥) يسميه المتقدمون " برهان الدور "، مثال ذلك: أن يقول القائل: الدليل على أن كون القصد في الأمور موجود أن الإفراط موجود. فيقال له: وما الدليل على أن كون الإفراط موجود فيقول: لما كان القصد موجوداً وجب أن الإفراط موجود، فقام من هذا الكلام: لما كان الإفراط موجوداً كان الإفراط موجوداً، وهذا فساد (٦) في الرتبة، وهو أن يستشهد على الشيء بنفسه، وإنما الصواب [٧٣و] أن يستشهد على مجهول (٧) بمتيقن، فإذا كان الشيء مجهولاً فليس متيقناً عند الذي هو عنده مجهول، وأنت هاهنا (٨) تروم أن تبين المجهول (٩) بنفسه التي هي ذلك المجهول بعينه. وإذا كان الشيء متيقناً فالمتيقن لا يحتاج فيه إلى برهان، فهذا الاستدلال (١٠) فاسد كما ترى. وكل شيء فإما معلوم وإما مجهول، فالمعلوم يصحح غيره من المجهولات، والمجهول يصحح بغيره من المعلومات، وكون كل واحد من المضافين مقتضياً وجود صاحبه أمر معلوم بأول العقل، فطلب الاستدلال

стр. 1212

عليه خطأ. وأما الخطأ في بيان المجهول بالمجهول فكنحو إنسان قال لآخر (١) : ما صفة الفيل فيقول له (٢) : صفة الخنزير، والسائل لا يعرف صفة الخنزير فيقول له وما صفة الخنزير فيقول له (٢) : صفة الفيل. فهذا فساد شديد وهو راجع إلى أن صفة الفيل هي (٣) صفة الفيل. ويدخل في هذا الخبال من رام أن يثبت القياس بالقياس والخبر بالخبر وما أشبه ذلك. وأما كون الشيء مستدلاً به على بطلانه فلا يجوز ذلك أيضاً إلا من وجه واحد، وهو أن يكون مؤدياً إلى فساد أو تناقض فالعقل أبطله حينئذ وليس (٤) هو أبطل نفسه ولو صحح (٥) إبطاله لنفسه لكان صحيحاً، ولو كان صحيحاً لم يكن باطلاً، وقد قدمنا أن صحة موجب العقل لم يعلم لها سبب أكثر من ثباتها في النفس ضرورة لا محيد عنها، ولم يثبت العقل بالعقل لكن بالضرورة التي لا وقت للتمييز بتقدمها (٦) البتة. وقد يدخل (٧) أيضاً في الاستدلال شيء (٨) يسمى " الاستدلال بالمعلول على العلة " كمن أراد أن يقيم البرهان على وجود النار بالدخان الذي هو متولد عن النار وعن فعلها، والعلة أظهر في العقول من المعلول، إلا أنه إذا كان السائل جاهلاً بكون العلة علة، وكان عالماً بأن المعلول متولد عن العلة فواجب حينئذ أن يحقق عنده أن هذا الشيء علة لهذا الآخر بارتباط المعلول بها وكونه موجوداأ بوجودها. ولو أن أمرأ رأى دخاناً على بعد فقال: في ذلك المكان نار ولا بد لأني أرى هنالك دخاناً قد سطع، لكان مستدلاً بحقيقة الاستدلال. وهذا لم يستدل على أن كلية النار موجودة من أجل الدخان لكن علم أن المعلول لا يوجد إلا وعلته موجودة، فلما رأى الدخان وهو المعلول علم أن العلة هناك وهي النار، وبالله تعالى التوفيق [٧٣ظ] .

стр. 1213

١٤ - باب ذكر أشياء عدها قوم براهين وهي فاسدة وبيان خطأ من عدها برهاناً فمن ذلك شيء سماه الأوائل " الاستقراء " وسماه أهل ملتنا " القياس " فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن معنى هذا اللفظ هو أن تتبع بفكرك أشياء موجودات يجمعها نوع واحد أو جنس واحد، أو يحكم فيها بحكم واحد، فتجد في كل شخص من أشخاص ذلك النوع أو في كل نوع من أنواع ذلك الجنس صفة قد لازمت كل شخص مما تحت النوع أو كل نوع تحت الجنس أو كل واحد من المحكوم فيهم، إلا أنه ليس وجود تلك الصفة مما يقتضي العقل وجودها في كل ما وجدت فيه، ولا تقتضيه طبيعة ذلك الموصوف فيكون حكمه لو اقتضته طبيعته أن تكون تلك الصفة فيه ولا بد، بل قد يتوهم وجود شيء من ذلك النوع خالياً من تلك الصفة. وكذلك أيضاً لم يأت لفظ في الحكم بأنه ملازم لكل شيء مما فيه تلك الصفة فيقطع قوم من أجل ما ذكرنا على أن كل أشخاص ذلك النوع، وإن غابت عنهم، ففيها تلك الصفة وأن كل ما فيه تلك الصفة من الأشياء فمحكوم (١) فيه بذلك الحكم. ولعمري لو قدرنا على تقصي جميع (٢) الأشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علماً بأنه لم يشذ عنا منها واحد، فوجدنا هذه (٣) الصفة عامة لجميعها، لوجب أن نقضي بعمومها لها، وكذلك لو وجدنا الأحكام منصوصة على كل شيء فيه تلك الصفة لقطعنا أنها لازمة (٤) لكل ما فيه تلك الصفة، فأما ونحن لا نقدر على استيعاب ذلك ولا نجده أيضاً في الحكم منصوصاً على كل ما فيه تلك الصفة، فهذا تكهن من المتحكم به وتخرص وتسهل في الكذب وقضاء بغير علم وغرور للناس ولنفسه أولاً التي نصيحتها عليه أوجب. ونمثل لذلك مثالاً عيانياً فنقول، وبالله تعالى التوفيق (٥) : وصف الموصوف بالصفة ينقسم قسمين: أحدهما صفة لا بد للموصوف منها (٦)

стр. 1214

ضرورة كعلمنا يقيناً أن كل ذي روح فمتنفس، وكل متنفس فذو آلة يتنفس بها إما يقبض بها الهواء ويدفعه وإما يقبض بها الماء ويدفعه (١) إن كان من سكان الماء، فهذا قسم قائم في العقل معلوم ضرورة ولا (٢) محيد عنه، ولو عدمت النفس تلك الآلة لفارقت الجسد. والقسم الثاني صفة (٣) قد توجد ملازمة للموصوف بها ولو عدمت لم تضره كالمرارة فإنك إن تقريت أكثر أصناف الحيوان وجدتها فيه إلا الجمل فلا مرارة له، وقد ذكر قوم أن الفرس لا [٧٤و] طحال له. وكالعلم الفاشي بين الناس أننا لم نشاهد قط بغلة تلد ولا بغلاً (٤) يولد، وككوننا لم نر (٥) قط كبشاً من الضأن ذا لحية. وقد أخبرني مخبر في مجلس بعض الرؤساء أنه شاهد بغلة ولدت في بلد ذكره وشهد له بصحة ذلك قوم كانوا في تلك الناحية. وأخبرني من أثق به أنه رأى كباشاً بلحى وتيوساً بلا لحى، وأنا رأيت سنينيراً صغيراً ولد ذا جسدين متميزين منحازين تامين لا ينقص منهما عضو أصلاً، في كل جسد ذنب ويدان ورجلان يجمعهما رأس واحد ليس فيه إلا عينان وأذنان وفم واحد؛ ورأيت أيضاً فروجاً وفرخ إوزة تفقست البيضتان عنهما ولكل واحد منهما أربعة أرجل وأريت الفروج جماعة كانوا معي. فالقطع على أن هذا لا يكون هو التحكم المذموم الذي قد يخون. وقد غلط في هذا الباب جماعة من أهل ملتنا وطوائف من أهل نحلتنا، فأما المخالفون لنا في النحلة وهم موافقون لنا في الملة فإنهم تتبعوا الفاعلين فلم يجدوا فاعلاً البتة مختاراً، إلا جسماً، فقطعوا على (٦) أن الفاعل الأول جسم لأنهم لم يشاهدوا فاعلاً إلا جسماً. فتحفظ من مثل هذا الشغب الذي عظم فيه غلط كثير من الناس. فقد أريتك الطريق التي أغتروا (٧) بها فاجتنبها، وهذا (٨) القول مع قيام

стр. 1215

البرهان على بطلانه ومع أنه دعوى مجردة فعلى كل ذلك قد ناقضوا (١) فيه، وذلك أنهم لم يغالطوا أنفسهم ويغروها وتتبعوا ما وجدوا تتبعاً صحيحاً فلم يجدوا قط فاعلاً مختاراً غير محدث وغير مركب إما من ولادة وإما من رطوبات مستحيلة، (٢) فلازم لهم إن كان حكمهم صحيحاً إذ لم يشاهدوا قط فاعلاً مختاراً إلا مركباً من ولادة أو من رطوبات مستحيلة أن يقطعوا في الواحد الأول تعالى أنه محدث مركب من ولادة أو من رطوبات مستحيلة (٢) تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وإلا (٣) فقد ناقضوا وأبطلوا دليلهم. وليعلموا أنهم في بلية شنعاء وهم يقرون بلا خلاف منهم أن من اعتقد هذا فمفارق للملة مباح دمه متبريء من خالقه تعالى، أفلا يستحيي من له أدنى فهم وعقل من أن يشهد على نفسه بأنه ثابت على شيء باطل وأما الذي غلط فيه بعض الموافقين لنا في النحلة من أصحابنا الإخباريين فإنهم تتبعوا كل موصوف في العالم فرأوه إنما استحق ذلك الاسم بصفة فيه اشتق له [٧٤ظ] منها ذلك الاسم، فقطعوا من أجل ذلك على أن الواحد الأول ذو سمع وبصر وحياة وإرادة وأنه متكلم لا يسكت، لأنه (٤) تعالى موصوف بأنه سميع بصير حي مريد وله كلام، ولو أنهم أنصفوا أنفسهم ولم يقتحموا فيما يعيرون به خصومهم لكانوا إذ (٥) فتشوا هذا التفتيش قد وجدوا يقيناً أنهم لا يرون أبداً ولا يشاهدون موصوفاً بشيء إلا وتلك الصفة عرض في الموصوف محمول وأن الصفة لا يحملها إلا جوهر، على أن هذا الذي نذكر لا يتوهم متوهم في العالم رتبة سواها؛ فلازم لهم إذ لم يشاهدوا قط موصوفاً بصفة إلا وهو جوهر يحمل عرضاً في ذاته أن يقولوا: إن الأول الذي ليس كمثله شيء جوهر يحمل الأعراض ولم يفارقها قط، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. لكنهم قد خجلوا من هذا الخطأ وشردوا عنه، ولم يختلفوا في أن قائل ذلك معتقداً له جاحدٌ للخالق تعالى مباح دمه، لخروجه من الملة.

стр. 1216

والعجب واقع على هؤلاء كوقوعه على المذكورين قبل ولا فرق. فينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر بما أوجبه العقل، ويقر بما شاهد وأحس وبما قام عليه برهان راجع إلى البابين (١) المذكورين، وأن لا يسكن إلى الاستقراء أصلاً إلا أن يحيط علماً بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي حكم فيه. فإن لم يقدر فلا يقطع بالحكم على ما لم يشاهد ولا يحكم إلا على ما أدرك دون ما لم يدرك. وهذا إذا تدبرته في الأحكام الشريعية (٢) نفعك جداً ومنعك من القياس الذي غر كثيراً من الناس ومن الأئمة الفضلاء الذين غلط بغلطهم ألوف ألوف من الناس، وأنت إذا فعلت ذلك كنت على يقين من الصواب لأنك لم تقطع بتحليل ولا بتحريم ولا إيجاب إلا على كل ما أتاك عن الله تعالى الحكم عليه، وأما ما لم تجد فيه نصاً فأمسك عنه ولا تقطع عليه بأنه (٣) داخل في حكم ما وجدت فيه نصاً بتكهنك (٤) . واعلم أن قوماً غلطوا أيضاً (٥) في هذا النوع غلطاً لم يخرجوا به من هذا المنتشب (٦) إلا أنهم بسوء النظر ظنوا انفسهم خارجين منه فسموا فعلهم في هذا الباب باسم آخر، وهو أن سموه " الاستدلال بالشاهد على الغائب " وبالحقيقة لو حصلوا البحث لعلموا أن الغائب عن الحواس من الأشياء المعلومة ليس بغائب عن العقل بل هو شاهد فيه كشهود ما أدرك بالحواس ولا فرق. وإذا أيقن المرء أن الحواس موصلات إلى النفس وأن النفس إنما [٧٥و] يصح حكمها في المحسوسات (٧) ، إذا صح عقلها من الآفات، وبأن تتفرغ من كل ما يشغل عقلها، وانفردت بأن تستبين (٨) به وتفكر فيما دلها عليه، لم يجد المرء حينئذ لما يشاهد بحواسه فضلاً على ما شاهد بعقله دون حواسه، فلا غائب من المعلومات أصلاً، إذ ما غاب عن العقل لم يجز أن يعلم البتة،

стр. 1217

ونحن نجد الأعمى الذي ولد أكمه موقنا بأن (١) الألوان موجودة، كإيقان المبصر لها ولا فرق؛ وكذلك يقيننا (٢) بوجود الفيل وإن كنا لم نره قط كيقين من رآه ولا فرق. وإنما افترق الأعمى والبصير في كيفية الألوان فقط، وأما في أن اللون صحيح موجود فلا فرق بينهما في يقين العلم بذلك. وكذلك نحن إنما يفضلنا من رأى الفيل بالكيفية فقط، وإنما صحة وجوده فلا فضل له علينا في المعرفة بأنه حق. ونحن وإن كنا لم نشاهد ولا اخبرنا من شاهد ولا بلغنا أن في الناس اليوم إنسانا يرفع من الأرض ستمائة رطل، فلسنا ننكر وجوده، إن وجد، كإنكارنا وجود إنسان يرفع ستة آلاف رطل من الأرض، وكلاهما لم نشاهده ولم نشاهد مثله. فليس وجودنا أشياء كثيرة مشتركة في بعض صفاتها اشتراكا صحيحا، ثم وجودنا بعض تلك الأشياء، ينفرد بحكم ما نتيقنه فيها بموجب أن نحكم على سائر تلك الأشياء باستوائها في هذا الحكم الثاني من قبيل استوائها (٣) في الحكم الأول. وهذه دعوى (٤) سمجة وتحكم فاحش، وإنما يلزم هذا إذا اقتضت طبيعة ما وجود (٥) شيء فيما هي (٦) فيه وعلمنا وجوب ذلك بعقولنا، فإذا كان ذلك، حكمنا ضرورة على ما لم نشاهد من أجزاء ذلك الشيء كحكمنا على ما شاهدناه منها، كاقتضاء طبيعة ذرع كل جسم متحرك أن يكون متناهي الأقطار، فهذا معلوم بأولية العقل وموجب حكم الكمية، وكاقتضاء طبيعة مني الإنسان أن لا يتولد منه بغل ولا جمل، لكن جسم بشكل ما، فيه نفس ناطقة تقبل التعليم والتصرف في الصناعات (٧) ، فليست معرفتنا بأن أجسامنا متناهية لأن طبيعة العقل توجب ذلك بأقوى من معرفتنا بأن جسم الفلك متناه إنما صح عندنا لأن أجسامنا متناهية، لكن الوجه الذي صح أن أجسامنا متناهية به صح أن جسم

стр. 1218

الفلك متناه (١) . وكذلك أيضا علمنا بأن كل شيء رخو لاقى شيئا صلبا ملاقاة شديدة (٢) صدم، فإن الصلب يؤثر في الرخو ضرورة، إما بتفريق أجزائه وإما بإحالته عن شكله، ليس من أجل أنا شاهدنا ذلك في أجسام معدودة، لكن طبيعة العقل تقتضي ذلك [٧٥ظ] ومثل هذا كثير. وأما ما لا تقتضيه طبيعة العقل ولا تنفيه، فإنا إن وجدناه صدقناه، وأن لم نجده لم نمنع منه. فإنا قد شاهدناه في الناس من لا يأكل اللبن أصلا، ولو أكله لقذف قذفا شديدا، وآخر لا يأكل الشحم أصلا، فليس من أجل وجودنا ذلك يجب أن نقطع قطعا على أن في الناس أيضا من لا يأكل التمر أصلا، ولا يجب أيضا أن نمنع من وجود ذلك أصلا. وكذلك إذا وجدنا حجرا يجذب الحديد فليس يجب (٣) أن نقطع على أنه لا يوجد، ولابد، حجر يجذب النحاس، ولا أن (٤) نقطع أيضا على أنه لا يوجد. ومثل ذلك كثير. وأشد من هذا كله التحكم على الخالق الأول بأنه قد حرم هذا وحلل هذا، بلا حكم وارد عنه تعالى بذلك، لكن بشهوات النفوس، لأنه قد حرم شيئا آخر يشبه هذا الذي تحرم أنت في بعض صفاته. بلى، ولقد لعن الله تعالى أناسا عصاة معتدين، افتراه يلعن (٥) كل إنسان لأنهم مثل أولئك الملعونين في أنهم ناس وأنهم عصاة معتدون وأحرق قوما لأنهم خانوا المكيال، وأحرق معهم أطفالهم ونساءهم افترى كل خائن للمكيال والميزان (٦) يحرق هو وولده وامرأته إن هذا لهو الضلال البعيد. ومن بديع ما يقع للمغرورين بهذا النوع الفاسد أنهم إذا أحبوا أن يبدو لهم في هذا الحكم الذي حكموا به لم يصعب عليهم تركه، فيخرجون أشياء من المشتبهات

стр. 1219

عن حكم وجد في بعضها ويقولون: هذا خرج عن أصله وشذ، والشاذ لا يقاس عليه. ونحن نقول: لو كان هذا الحكم المشذوذ عنه (١) أصلا للشاذ لما شذ عنه ما شذ، ولا يجوز أن ينبعث فرع من غير أصله. ولو كان ذلك، لما كان الأصل أصلا للمتأصل به، ولا كان المتأصل من الأصل متأصلا منه. ولا تظن أن ما خالف صورة نوعه الجامعة له أنه شاذ عن نوعه وأصله فتخطئ. لأنك إذا عملت علل التركيب علمت (٢) أنه لم يشذ عن أصله البتة، وأن تلك الزوائد إنما هي من زيادة في مادة العنصر على مقدار ما يقوم منه الشخص التام وكذلك النقص أيضا هو نقص من مادة العنصر. فهكذا تكون الأصول الصحاح. ومثل هذا ما يستعمله النحويون في عللهم فإنها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة البتة (٣) . وإنما الحق من ذلك أن هكذا (٤) سمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها ونقلها، وما عداها (٥) فهو، مع أنه [٧٦ظ] تحكم وفاسد متناقض، هو (٦) أيضا كذب، لأن قولهم كان الأصل كذا، فاستثقل فنقل إلى كذا، شيء يعلم كل ذي حس أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك. وقد قال الخالق الأول قولا كفى كل تعب إذ يقول تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ١١١) ثم زاد بيانا فقال تعالى: ﴿فإن شهدوا فلا تشهد معهم﴾ (الأنعام: ١٥٠) ثم زادنا (٧) بيانا فقال تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (الأنبياء: ٢٣) والذي (٨) قلنا من تمييز العقل والحواس هو فعل الله فلا يسأل لم كان ذلك، وما عداه ففعل لنا، لابد

стр. 1220

فيه من السؤال. بلم، فإن صح به برهان قبل وإلا رفض. وقد سمي بعضهم هذا الباب: " إجراء العلة في المعلول " ولعمري لو صح أن ذلك علة ككون القتل علة للموت القسري (١) ، والجوع علة لإرادة الغذاء، والعطش علة لإرادة الماء العذب، إن ذلك لواجب إجراؤها في معلولاتها حتى لا سبيل إلى أن يوجد أبدا قط في الدهر علة إلا ومعلولها موجود. وأما إن لم تكن هكذا فاعلم أنها ليست علة. وأما ما ادعى متحكم أنها علة دون برهان فغير واجب اجراؤها فيما (٢) ليس معلولا بها. وبالجملة فليس في الشرائع علة أصلا بوجه من الوجوه ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله فقط، إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر. فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به. فإذا لم ترد فلا سبب يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه. وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا وموجبها معها فليس ذلك إلا في الطبيعيات (٣) فقط؛ وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يوقع اسم علة على غير هذا المعنى فيقع التلبيس بإيقاع اسم واحد على معنيين مختلفين؛ وهذه (٤) أقوى سبيل لأهل المخرقة. واعلم وتنبه لما أنا مورده عليك، إن شاء الله : إن هذا الشيء الذي سموه استدلالا بالشاهد على الغائب وإجراء للعلة في المعلول إنما يصح به إبطال التساوي (٥) في الحكم لا إثباته، لأنك متى وجدت أشياء مستوية في صفات ما وهي مختلفة الأحكام فلا تشك في اختلافها، بل معرفتنا باختلافها علم ضروري. وكذلك نكون حينئذ غير قاطعين على أن حكم ما غاب عن حواسنا من سائر تلك الأشياء الغائبة التي تساوي هذه الحاضرة في الصفة التي استوت هذه الحاضرة كلها فيها لا على أنه موافق لحكم هذه [٧٦ظ] الحاضرة ولا على أنه مخالف. وهذا ما لا يخالفنا فيه

стр. 1221

خصومنا لأنه ضروري. فثبت أن المنفعة عظيمة صحيحة باختلاف المشاهدات في إبطال القطع بتساوي الغائبات عن الحواس معها، وإننا لا ننتفع باستواء المشاهدات فيما لم توجبه طبيعة العقل لها في معرفة حكم الغائبات. ألا ترى أننا إذا لم نجد حمارا يجتر لا نقطع على أنه لا يوجد، بل إن وجد لم ننكره؛ ولقد أخبرني مخبر (١) أنه صح عنده وجود فرس يجتر، ولم يوجد قط ذو قرن إلا وهو مشقوق الحافر حاشا الحمار الهندي (٢) فهو ذو قرن وهو غير (٣) مشقوق الحافر؛ ومثل هذه الأمور التي لا توجبها الطبيعة فهي في حد الممكن إلا أنها على قدر قلة وجودها وكثرته تدخل في الممكن البعيد أو المتساوي أو (٤) القريب. ونجد النار مضيئة حمراء حارة، فمن قال إن (٥) الضياء علة الإحراق أريناه أشياء مضيئة كالمرايا وغيرها وهي غير محرقة، ومن قال الحمرة علة الإحراق أريناه الدم غير محرق، ومن قال الحرارة علة الإحراق أريناه أشياء تحر الجسم ولا تحرق. فوجب ضرورة أن لا يكون شيء مما ذكرناه علة وهي صفات مطردة كما ترى؛ لكن كل عنصر بسيط حار يلبس صعاد مضيء مصعد للرطوبات قد (٦) يسفل بالقهر ويستحيل هواء فهو محرق بلا شك، لأن طبيعة العقل تقتضي ذلك. ومن سلك الطريق التي نهينا عنها لم يسلم من حيرة أو تناقض أو تحكم بلا دليل. ومما قاد إليه أيضا هذا الاستدلال الفاسد قوما أن قالوا: لما كنا أحياء ناطقين وكانت الكواكب أعلى منها وفي أصفى مكان، وكان (٧) تأثيرها ضاهرا فينا كانت أولى بالحياة والنطق منا، فهي أحياء ناطقة عاقلة. فيلزمهم على هذا البرهان الفاسد أنهم لما وجدوا كل عاقل مميز ناطق حي فيما بيننا إنما هو لحم ودم

стр. 1222

وذو دماغ وقلب لا يجوز غير ذلك ولا شاهدوا قط حيا ناطقا إلا هكذا، أن (١) يقطعوا أن الكواكب والملائكة مركبون من لحم ودم وذوو أدمغة وقلوب لأنها أحياء ناطقة. وكل هذا خطأ لأنه ليس من أجل شرفنا على الحجارة وأننا نؤثر فيها وجب لنا النطق والحياة، ولا من أجل أننا ناطقون أحياء وجب أن نكون لحما ودما. ولكنا (٢) لما كنا مميزين متصرفين مختارين حساسين وجب [٧٧و] لنا اسم النطق والحياة عبارة عن حالنا تلك فقط وتسمية لها. وموه أيضا بعضهم فقال مثبتا لسكنى النفس في الدماغ أن الملك إنما يسكن أبدا (٣) في القصاب العالية، والنفس ملك البدن، والدماغ أعلى البدن، فالنفس فيه. وكم رأينا ملكا لا يسكن إلا الحضيض من عمله ويدع القصاب. فعارضه محير مثله فقال مثبتا لأنها في القلب: إن الملك أبدا إنما يسكن أبدا وسط عمله، والقلب وسط البدن، فوجب (٤) أن تكون النفس فيه. وكم ملك سكن (٥) طرف عمله أو قرب طرفه (٦) وترك الوسط. وهذا كله تحكم ضعيف. وكمن قال: وجدت الكلب طويل الذنب يصلح (٧) لحراسة الغنم، والسبع طويل الذنب فيصلح أيضا لحراسة (٨) الماشية. وهذا يكثر جدا وفيما ذكرنا كفاية. ومثل هذا استعمله قوم كثير فحرموا به وأحلوا وتحكموا في دين الله تعالى. وذلك مثل حكمهم بأن الكيل علة التحريم في الربا، وحكم آخرين أن (٩) الادخار علة التحريم في الربا، وقال آخرون: الأكل هو علة التحريم في الربا (١٠) ، فهل

стр. 1223

هذا إلا (١) كالذي ذكرنا قبل سواء سواء. وكذلك إن وجدنا صفة في موصوف ولذلك الموصوف حكم ما، فإذا ارتفعت تلك الصفة ارتفع ذلك الحكم، فإنه ليس واجبا من أجل هذا فقط أن يكون ذلك الموصوف متى وجدت له تلك الصفة وجد له ذلك الحكم بل لعله قد توجد له تلك الصفة ولا يوجد له ذلك الحكم. مثال ذلك: ان الحياة إذا لم تكن موجودة قط في جسم ما فواجب ضرورة أن ذلك الجسم ليس إنسانا بلا شك؛ فإن أراد امرؤ أن يجري على الطريق التي ذممنا له (٢) لزمه أن يقول: فالحياة متى وجدت في جسم ما وجب أن يكون إنسانا وهذا كذب بحت. ومثال ذلك في الشريعة: أن ملكك إذا ارتفع عن شيء فقد صح ملكه إلى غيرك، أو صح أنه لا ملك لمخلوق عليه، فهذا حق (٣) ؛ فإذا ارتفع ملك غيرك عنه لم يلزم أن يصح ملكه لك أو أنه لا ملك لمخلوق عليه، بل لعله يملكه ثالث غيركما. واعلم الآن أن المسامحة في طلب الحقائق لا تجوز البتة، وإنما هو حق أو باطل ولا (٤) يجوز أن يكون الشيء حقا باطلا، ولا باطلا حقا، ولا باطلا لا حقا. فإذا بطل (٥) هذا القسمان ببديهة العقل ضرورة ثبت القسم الثالث إذ لم يبق قسم سواه وهو إما حق وإما باطل. ولذلك قال لنا الأول الواحد في عهوده إلينا: ﴿فما [٧٧ظ] ذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: ٣٢) . ولعل جاهلا يعترض علينا ها هنا في شيئين فيقول: أنتم تقولون بإباحة أشياء كالغناء (٦) وغير ذلك فحق هي أم باطل فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن كل ما أبحناه إذا فعله الفاعل ترويحا لنفسه وعونا على الصحة والنشاط ليقوى على إنفاذ أوامر خالقه فهذا (٧) كله حق؛ وإذا فعله عبئا وأشرا فكل ذلك ضلال. إلا أن من الضلال ما هو لغو أي غير معدود علينا رفقا بنا. ومنه ما هو معدود علينا

стр. 1224

عدلا فينا. وقد قال لنا الخيرة المرسل إلينا (١) من قبل الواحد الأول، ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " (٢) . والشيء الثاني أن يقول الناقد (٣) : قلتم لاشيء إلا حق أو باطل، فالحق برهاني: إما أولي وإما منتج عن أولي، إما بقرب وإما ببعد، وما عدا هذين الطريقين فباطل. وأنتم تحكمون بخبر الواحد في الأحكام وبشهادة الشاهدين، وتقرون أن حكمكم ذلك لعله باطل. فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن الحكم بخبر الواحد في الأحكام وبشهادة الشاهدين حق برهاني ضروري (٤) نقطع على غيبه؛ وأما الجزئيات من ذلك، يعني من الشهادة، فلا ندري أموافقة هي للذي (٥) تيقنا أنه حق أو (٦) لا وهذا من تقصيرنا عن علم الغيب. إلا أننا متحققون (٧) بلا شك في الحكم بذلك ثم (٨) كل قضية منها فإما حق وإما باطل في ذاتها لابد من ذلك، ولم ندع علم كل حق وعلم كل باطل، بل كثير من الأمور يخفى علينا الحكم فيها إلا أنها (٩) في ذواتها إما حق وإما باطل. ومن بديع ما غلط فيه إخواننا الموافقون لنا في النحلة (١٠) والملة المخالفون لنا في الفتيا (١١) أن حكمين وردا في الشعير والتمر فنقلوا أحدهما إلى الزيتون والتين، ومنعوا من نقل الآخر إلى الزيتون والتين: وهو أن التحريم جاء في الشعير بالشعير والتمر بالتمر في البيع إلا مثله بمثل كيلا بكيل يدا بيد، وأمرنا بإخراج الشعير أو التمر في زكاة الفطر. فقالوا قول من تحكم: أما التحريم في البيع إلا مثلا بمثل (١٢)

стр. 1225

ويدا بيد فمنقول إلى الزيتون والتين، وأما الإعطاء في الزكاة فغير منقول إلى الزيتون والتين. ولهم من مثل هذا وأشنع آلاف قضايا مما نبينه في (١) كتبنا في أحكام الديانة، إن شاء الله . والتحكم باللسان لا يعجز عنه من رضيه لنفسه [٧٨و] والباطل كثير. وأما الذي يحمد الواهب المنعم عليه أهله فالحق، والذي يجب أن يفرح به الحاصل عليه فما أوجبه البرهان. واعلم أنه لا فرق فيما تصح به الأحكام الشريعية وبين ما تصح به القضايا الطبيعية في مراتب البرهان الذي قدمنا؛ بل الخطأ في الشرائع أضر وأشد فسادا في الدنيا، وأردى عاقبة في الأخرى، وأحق بالنظر فيه والاهتبال (٢) بتصحيحه، وأولى بترك المسامحة وأحضى بتحري الصواب، وأن لا يقدم فيها إلا على ما أوجبته مقدمات مقبولة (٣) عن مثلها إلى أن تبلغ أوائل العقل والحس، وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد ومنه الاستزادة من جميل مواهبه. والخطأ في كل (٤) ذلك يشمله اسم (٥) الباطل وتنفرد هذه الجهة (٦) بالنكال في الدار الآخرة لمن عاند وترك البحث هو قادر عليه. واعلم أن المتقدمين سموا المقدمات " قياسا "، فتحيل إخواننا القياسيون حيلة ضعيفة سوفسطانية بأن أوقعوا اسم القياس على التحكم والسفسطة، فسموا تحكمهم بالاستقراء المذموم قياسا، وسموا حكمهم فيما لم يرد فيه نص بحكم شيء آخر مما ورد فيه نص لاشتباههما في بعض أوصافهما قياسا واستدلالا وإجراء للعلة في المعلول. فأرادوا تصحيح الباطل بأن سموه باسم أوقعه غيرهم على الحق الواضح كالذي بلغنا عن بعض جهال البربر أنه أراد استحلال أكل خنوص صاده بأن سماه باسم ولد الأيل. وقد جاء عن الرسول، ﵇، أنه أنذر بقوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها. وهذه حيلة مموهة لا تثبت على التخليص. وقد قلنا قبل إنه ليس في العالم شيئان

стр. 1226

إلا وبينهما شبه ما وافتراق ما ضرورة لابد من ذلك. فإن كان الشبه يوجب استواء الحكم فليحكموا (١) لكل ما في العالم بحكم واحد في كل حال من أجل اشتباهه في صفة ما، ولم كان الاجتماع في الشبه يوجب استواء الحكم ولم يكن الافتراق في الشبه يوجب اختلاف الحكم فينبغي على هذا أن لا نحكم لشيئين أصلا بحكم واحد لأجل اختلافهما في صفة ما. وكل هذا خطأ وحيرة ومؤد إلى التناقض والضلال، ونعوذ بالله من ذلك كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢) . ١٥ - باب زيادة من الكلام بيان السفسطة وسمت الأوائل ما أخذ من مقدمات فاسدة " سفسطة ". ونحن نبين منها وجوها كافية بحول الله الواهب (٣) للعلم وقوته، لا اله إلا هو. واعلم أن المشغب الناصر للباطل أعظم سلاحه التلبيس، وذلك يكون إما بإيجاب ما لا يجب، وإما بإسقاط قسم من الأقسام (٤) أو أكثر من قسم، وإما بزيادة قسم فاسد [٧٨ظ] ، أو بأن يأتي بأقسام كلها فاسدة (٥) ، وإما أن يتعلق بلفظ مشترك متفق على صحته يعطي أشياء كثيرة مختلفة الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء؛ فيريد (٦) أن يخص بما (٧) اتفقت فيه بعض ما يعطي الاسم دون جميعه (٨) ، أو يريد أن يعم جميع ما يقع عليه ذلك الاسم بما (٩) يخص بعض ما يقع عليه ذلك الاسم، أو يأتي هو به (١٠) ابتداء. فإيجاب ما لا يجب هو نحو أن يقول: لو كان الباري تعالى غير جسم لكان عرضا

стр. 1227

فلما ثبت أن الباري تعالى ليس عرضا صح أنه جسم. فهذا علق كونه (١) تعالى غير جسم بكونه عرضا وهذا لا يجب، ولو علق ذلك بما يوجب قضيته لكان صادقا، وذلك لو قال: لو كان الباري تعالى محدثا أو كان غير جسم لكان عرضا. فهذا تقديم (٢) صحيح، لكن الباري تعالى ليس محدثا فليس جسما ولا عرضا. وإنما نحن الآن في بيان صحة عمل القرائن لا في بيان الجزيئات، ولذلك مكانه. وأما إسقاط قسم فكقول القائل: لا يخلوا هذا اللون من أن يكون أحمر أو أخضر أو أصفر أو أسود فقط أسقط (٣) الأبيض واللازوردي وغير ذلك. وأما زيادة قسم فاسد فكقول القائل: لا يخلو هذا الشيء من أن يكون هو هذا الشيء أو هو غيره أو لا هو هو ولا غيره. فهذا قسم فاسد زائد. وأما المجيء بأقسام كلها فاسدة فكقول القائل: لا يخلوا الباري تعالى من أن يكون فعل الأشياء كلها (٤) لدفع مضرة أو لاجتلاب منفعة أو لطبيعة أو لآفة (٥) أو لجوده وكرمه. فهذه كلها أقسام فاسدة. والصحيح أنه فعل (٦) لا لعلة ولا لسبب أصلا. فمن ادعى على خصمه أنه أتاه بشيء من هذه الوجوه فعليه أن يبين ذلك. وأما الغلط الواقع من اشتباه الأسماء فيكون من جاهل ومن عامد، فأما الجاهل فمعذور وأما العامد فملوم (٧) . فالجاهل غلطه في ذلك نحو غلط عدي بن حاتم إذ سمع الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (البقرة: ١٨٧) فطنها من الخيوط المعهودة. وأما العامد فنحو الذين قيل لهم " راعنا " من المراعاة فقالوا راعنا من الرعونة؛ ومثل ما قال بعض الأكابر وقد سئل عن اللفظ بالقرآن فقال: هذا السؤال محال واللفظ بالقرآن لا يجوز لأنه لا يلفظ،

стр. 1228

فأضرب عن اللفظ الذي هو القول والكلام وتعدى إلى اللفظ (١) الذي هو القذف كلفظ الرجل لقمة من فيه. فهذا ونحوه شعاوذ مضمحلة. وكذلك ينبغي لك (٢) أن تتحفظ من اشتباه الخط ولا سيما في الخط العربي فأن ذلك فيه فاش لأن لأكثر حروفه (٣) لا يفرق بينها في الصور إلا بالنقط كزبد [٧٩و] وزيد (٤) وزند وربد ورند (٥) وما أشبه ذلك. وقد كتب بعض الخلفاء إلى عامله: احص المخنثين قبلك، يريد إحصاء العدد، فقرأها الكاتب " اخص " فخصى كل من كان قبله منه. ولهذا صار طالب الحقائق مضطرا إلى قراءة (٦) النحو. ألا ترى أن قارئا لو قرأ: إنما يخشى الله من عباده العلماء، فرفع الهاء من الله ونصب الهمزة من العلماء قاصدا إلى ذلك، وهو عالم، لكان ذلك خروجا عن الملة وكذلك لو قرأ: إن الله بريء من المشركين ورسوله - بكسر اللام من رسوله - فتحفظ من مثل هذا تحفظا شديدا على ما نصف لك بعد هذا، إن شاء الله . ومن ذلك أشياء تقع في العطوف محيرة، كنحو ما غلط فيه جماعة من العلماء في قول الله : ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ (آل عمران: ٧) فظنوا أن " الراسخون في العلم " معطوفون على الله ؛ وليس كذلك وإنما هو ابتداء كلام وقضية، وعطف جملة على جملة، لبرهان ضروري قد ذكرناه في موضعه. ومن السفسطة أيضا تصحيح شيء آخر، وبطلانه ببطلان شيء آخر، بلا برهان يوجب إضافتهما. فلذلك فاسد جدا، كقول من قال: لو جاز أن يكون الباري مرئيا رؤية غير المعهودة لجاز أن يشم شما غير المعهود (٧) ؛

стр. 1229

وكقول القائل: لما صح التحريم في البر بالبر متفاضلا صح التحريم في الأرز بالأرز متفضلا. وهذا كله تحكم دعوى. وليس يعجز أحد عن ربط شيء بشيء لا رباط بينهما بلسانه إذا استجاز القطع بما اشتهى. وكقول من قال من العميان: لو كان اللون مرئيا لكان العقل مرئيا، فلما كان العقل غير مرئي وجب أن اللون غير مرئي، فتأمل هذا كله تجده بهتانا وجهلا ودالة في (١) غير موضعها كدالة الصبيان على آبائهم ولا فرق. فلذلك (٢) قد أتينا على ما يحتاج إليه من بيان البرهان الصحيح وذكر جمل الجدليات الفاسدة والشغبيات الساقطة وبيان كثير منها بمقدار ما يميزها به الطالب إذا رآها؛ وقلنا إن كل ما عدا البرهان على الطريق (٣) التي قدمنا فواجب اجتنابه. ولعمري لقد أكثرنا من البيان وكررنا لأن خطاء أصحابنا كثر في ذلك وفحش جدا فاحتجنا إلى المبالغة في البيان، فلنقتصر على ذلك، ولنأخذ في الزيادة في فضل ما أدركنا (٤) بالعقل. وبالله تعالى نعتصم ونتأيد لا إله إلا هو (٥) . ١٦ - باب الكلام في فضل قوة إدراك العقل على إدراك الحواس واعلم أن الحواس السليمة قد تقصر على كثير من مدركاتها وقد تضعف عنها وقد تخطىء ثم لا يلبث أن يستبين للنفس [٧٩ظ] غلطها وتقصيرها وما خفي عنها وتدركه إدراكا تاما على حقيقته. وإدراك العقل في كل ذلك إدراك واحد، وبالجملة فالعقل قوة أفرد الباري تعالى به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد. وإدراك النفس من قبل الحواس فيه للجسد شركة، والجسد كدر ثقيل فإدراكها بالعقل إذا نظرت به ولم تغب عليه الشهوات الجسدية أو سائر أخلاقها المذمومة إدراك صاف تام غير مشوب. ومن أقرب ما نمثل لك به كدر النفس بمشاركتها الجسد وصفائها بانفرادها عنه وخفة الجسد بمشاركة النفس وثقله بانفراده عنها ما ترى من حال النائم

стр. 1230

فإن جسده حينئذ أثقل وزناً (١) ويعلم ذلك من اكترى من الحمالين (٢) فإنهم يكثرون نهيه عن النوم حتى إذا استيقظ خف وزنه واستقل. وترى النفس في حال النوم قد تشاهد جزءا من النبوة بالرؤيا الصحيحة مما لا سبيل إلى مشاهدته في حال اليقظة. وهكذا كلما انفردت وتخلت عن الجسد أدركت غوامض الأشياء وصحيح العواقب في الآراء حتى إن المرء في تلك الحال لا يسمع كلام من معه ولا يرى كثيرا مما بحضرته (٣) . ثم نعود إلى ما بدأنا به فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إنك ترى الإنسان من بعيد صغير الجرم جدا كأنه صبي، وأنت لا تشك بعقلك أنه أكبر مما تراه، ثم لا يلبث أن يقرب منك فتراه على قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في أنه عليه. وكذلك يعرض لك في الصوت. وأيضا فإن الشيء إذا بعد عن الحاسة جدا بطل إدراكها جملة، فإن الإنسان إذا كان منك على خمسة أميال أو نحوها رأيت (٤) شبحه ولم تستبن عينيه ولا سمعت صوته أصلا، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت لون عينيه وسمعت كلامه. وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته ولم يشك العقل أن (٥) له صوتا مرعبا لو قربت منه لسمعته. فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون. وأما في حس الجسم فكخردلة تزاد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة، حتى إذا كثر صب الخردل لم يلبث أن يعجز عن الاستقلال به ولو أنه صب على ظهر فيل أو سفينة بحرية. والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة أولا (٦) لها نصيب من الثقل ضرورة، إلا أن الحس قصر عن إدراكه لتأخر إدراك الحس عن إدراك العقل وأنه لا يدرك إلا ما ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى. والعقل، كما بينت لك، يدرك حصة الخردلة من الثقل إدراكا لا فرق بينه وبين إدراكه حصة ما (٧) ظهر إلى الحس من
следующие страницы →