← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

إلا وبينهما شبه ما وافتراق ما ضرورة لابد من ذلك. فإن كان الشبه يوجب استواء الحكم فليحكموا (١) لكل ما في العالم بحكم واحد في كل حال من أجل اشتباهه في صفة ما، ولم كان الاجتماع في الشبه يوجب استواء الحكم ولم يكن الافتراق في الشبه يوجب اختلاف الحكم فينبغي على هذا أن لا نحكم لشيئين أصلا بحكم واحد لأجل اختلافهما في صفة ما. وكل هذا خطأ وحيرة ومؤد إلى التناقض والضلال، ونعوذ بالله من ذلك كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢) . ١٥ - باب زيادة من الكلام بيان السفسطة وسمت الأوائل ما أخذ من مقدمات فاسدة " سفسطة ". ونحن نبين منها وجوها كافية بحول الله الواهب (٣) للعلم وقوته، لا اله إلا هو. واعلم أن المشغب الناصر للباطل أعظم سلاحه التلبيس، وذلك يكون إما بإيجاب ما لا يجب، وإما بإسقاط قسم من الأقسام (٤) أو أكثر من قسم، وإما بزيادة قسم فاسد [٧٨ظ] ، أو بأن يأتي بأقسام كلها فاسدة (٥) ، وإما أن يتعلق بلفظ مشترك متفق على صحته يعطي أشياء كثيرة مختلفة الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء؛ فيريد (٦) أن يخص بما (٧) اتفقت فيه بعض ما يعطي الاسم دون جميعه (٨) ، أو يريد أن يعم جميع ما يقع عليه ذلك الاسم بما (٩) يخص بعض ما يقع عليه ذلك الاسم، أو يأتي هو به (١٠) ابتداء. فإيجاب ما لا يجب هو نحو أن يقول: لو كان الباري تعالى غير جسم لكان عرضا

стр. 1227

فلما ثبت أن الباري تعالى ليس عرضا صح أنه جسم. فهذا علق كونه (١) تعالى غير جسم بكونه عرضا وهذا لا يجب، ولو علق ذلك بما يوجب قضيته لكان صادقا، وذلك لو قال: لو كان الباري تعالى محدثا أو كان غير جسم لكان عرضا. فهذا تقديم (٢) صحيح، لكن الباري تعالى ليس محدثا فليس جسما ولا عرضا. وإنما نحن الآن في بيان صحة عمل القرائن لا في بيان الجزيئات، ولذلك مكانه. وأما إسقاط قسم فكقول القائل: لا يخلوا هذا اللون من أن يكون أحمر أو أخضر أو أصفر أو أسود فقط أسقط (٣) الأبيض واللازوردي وغير ذلك. وأما زيادة قسم فاسد فكقول القائل: لا يخلو هذا الشيء من أن يكون هو هذا الشيء أو هو غيره أو لا هو هو ولا غيره. فهذا قسم فاسد زائد. وأما المجيء بأقسام كلها فاسدة فكقول القائل: لا يخلوا الباري تعالى من أن يكون فعل الأشياء كلها (٤) لدفع مضرة أو لاجتلاب منفعة أو لطبيعة أو لآفة (٥) أو لجوده وكرمه. فهذه كلها أقسام فاسدة. والصحيح أنه فعل (٦) لا لعلة ولا لسبب أصلا. فمن ادعى على خصمه أنه أتاه بشيء من هذه الوجوه فعليه أن يبين ذلك. وأما الغلط الواقع من اشتباه الأسماء فيكون من جاهل ومن عامد، فأما الجاهل فمعذور وأما العامد فملوم (٧) . فالجاهل غلطه في ذلك نحو غلط عدي بن حاتم إذ سمع الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (البقرة: ١٨٧) فطنها من الخيوط المعهودة. وأما العامد فنحو الذين قيل لهم " راعنا " من المراعاة فقالوا راعنا من الرعونة؛ ومثل ما قال بعض الأكابر وقد سئل عن اللفظ بالقرآن فقال: هذا السؤال محال واللفظ بالقرآن لا يجوز لأنه لا يلفظ،

стр. 1228

فأضرب عن اللفظ الذي هو القول والكلام وتعدى إلى اللفظ (١) الذي هو القذف كلفظ الرجل لقمة من فيه. فهذا ونحوه شعاوذ مضمحلة. وكذلك ينبغي لك (٢) أن تتحفظ من اشتباه الخط ولا سيما في الخط العربي فأن ذلك فيه فاش لأن لأكثر حروفه (٣) لا يفرق بينها في الصور إلا بالنقط كزبد [٧٩و] وزيد (٤) وزند وربد ورند (٥) وما أشبه ذلك. وقد كتب بعض الخلفاء إلى عامله: احص المخنثين قبلك، يريد إحصاء العدد، فقرأها الكاتب " اخص " فخصى كل من كان قبله منه. ولهذا صار طالب الحقائق مضطرا إلى قراءة (٦) النحو. ألا ترى أن قارئا لو قرأ: إنما يخشى الله من عباده العلماء، فرفع الهاء من الله ونصب الهمزة من العلماء قاصدا إلى ذلك، وهو عالم، لكان ذلك خروجا عن الملة وكذلك لو قرأ: إن الله بريء من المشركين ورسوله - بكسر اللام من رسوله - فتحفظ من مثل هذا تحفظا شديدا على ما نصف لك بعد هذا، إن شاء الله . ومن ذلك أشياء تقع في العطوف محيرة، كنحو ما غلط فيه جماعة من العلماء في قول الله : ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ (آل عمران: ٧) فظنوا أن " الراسخون في العلم " معطوفون على الله ؛ وليس كذلك وإنما هو ابتداء كلام وقضية، وعطف جملة على جملة، لبرهان ضروري قد ذكرناه في موضعه. ومن السفسطة أيضا تصحيح شيء آخر، وبطلانه ببطلان شيء آخر، بلا برهان يوجب إضافتهما. فلذلك فاسد جدا، كقول من قال: لو جاز أن يكون الباري مرئيا رؤية غير المعهودة لجاز أن يشم شما غير المعهود (٧) ؛

стр. 1229

وكقول القائل: لما صح التحريم في البر بالبر متفاضلا صح التحريم في الأرز بالأرز متفضلا. وهذا كله تحكم دعوى. وليس يعجز أحد عن ربط شيء بشيء لا رباط بينهما بلسانه إذا استجاز القطع بما اشتهى. وكقول من قال من العميان: لو كان اللون مرئيا لكان العقل مرئيا، فلما كان العقل غير مرئي وجب أن اللون غير مرئي، فتأمل هذا كله تجده بهتانا وجهلا ودالة في (١) غير موضعها كدالة الصبيان على آبائهم ولا فرق. فلذلك (٢) قد أتينا على ما يحتاج إليه من بيان البرهان الصحيح وذكر جمل الجدليات الفاسدة والشغبيات الساقطة وبيان كثير منها بمقدار ما يميزها به الطالب إذا رآها؛ وقلنا إن كل ما عدا البرهان على الطريق (٣) التي قدمنا فواجب اجتنابه. ولعمري لقد أكثرنا من البيان وكررنا لأن خطاء أصحابنا كثر في ذلك وفحش جدا فاحتجنا إلى المبالغة في البيان، فلنقتصر على ذلك، ولنأخذ في الزيادة في فضل ما أدركنا (٤) بالعقل. وبالله تعالى نعتصم ونتأيد لا إله إلا هو (٥) . ١٦ - باب الكلام في فضل قوة إدراك العقل على إدراك الحواس واعلم أن الحواس السليمة قد تقصر على كثير من مدركاتها وقد تضعف عنها وقد تخطىء ثم لا يلبث أن يستبين للنفس [٧٩ظ] غلطها وتقصيرها وما خفي عنها وتدركه إدراكا تاما على حقيقته. وإدراك العقل في كل ذلك إدراك واحد، وبالجملة فالعقل قوة أفرد الباري تعالى به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد. وإدراك النفس من قبل الحواس فيه للجسد شركة، والجسد كدر ثقيل فإدراكها بالعقل إذا نظرت به ولم تغب عليه الشهوات الجسدية أو سائر أخلاقها المذمومة إدراك صاف تام غير مشوب. ومن أقرب ما نمثل لك به كدر النفس بمشاركتها الجسد وصفائها بانفرادها عنه وخفة الجسد بمشاركة النفس وثقله بانفراده عنها ما ترى من حال النائم

стр. 1230

فإن جسده حينئذ أثقل وزناً (١) ويعلم ذلك من اكترى من الحمالين (٢) فإنهم يكثرون نهيه عن النوم حتى إذا استيقظ خف وزنه واستقل. وترى النفس في حال النوم قد تشاهد جزءا من النبوة بالرؤيا الصحيحة مما لا سبيل إلى مشاهدته في حال اليقظة. وهكذا كلما انفردت وتخلت عن الجسد أدركت غوامض الأشياء وصحيح العواقب في الآراء حتى إن المرء في تلك الحال لا يسمع كلام من معه ولا يرى كثيرا مما بحضرته (٣) . ثم نعود إلى ما بدأنا به فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إنك ترى الإنسان من بعيد صغير الجرم جدا كأنه صبي، وأنت لا تشك بعقلك أنه أكبر مما تراه، ثم لا يلبث أن يقرب منك فتراه على قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في أنه عليه. وكذلك يعرض لك في الصوت. وأيضا فإن الشيء إذا بعد عن الحاسة جدا بطل إدراكها جملة، فإن الإنسان إذا كان منك على خمسة أميال أو نحوها رأيت (٤) شبحه ولم تستبن عينيه ولا سمعت صوته أصلا، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت لون عينيه وسمعت كلامه. وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته ولم يشك العقل أن (٥) له صوتا مرعبا لو قربت منه لسمعته. فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون. وأما في حس الجسم فكخردلة تزاد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة، حتى إذا كثر صب الخردل لم يلبث أن يعجز عن الاستقلال به ولو أنه صب على ظهر فيل أو سفينة بحرية. والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة أولا (٦) لها نصيب من الثقل ضرورة، إلا أن الحس قصر عن إدراكه لتأخر إدراك الحس عن إدراك العقل وأنه لا يدرك إلا ما ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى. والعقل، كما بينت لك، يدرك حصة الخردلة من الثقل إدراكا لا فرق بينه وبين إدراكه حصة ما (٧) ظهر إلى الحس من

стр. 1231

ثقل القناطير المجتمعة. وهكذا الشم (١) فإن مقدار فلس من حلتيت يكون معك في البيت فلا تشمه أصلا [٨٠و] حتى إذا كثرت أجزاء الحلتيت لم يلبث الشم أن يجده ويضجر منه؛ والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن، وهكذا (٢) القول في المسك. والعقل أيضا يعلمك أن قوة الرائحة في القليل والكثير واحدة، ولكن الكثير إذا اجتمع كثر افتراق ما ينحل (٣) منه في الهواء فشغل مكانا واسعا. وكذلك السماء، لا نراها متحركة والعقل يوقن أنها متحركة بما نرى من اختلاف حركتي الأجرام التي فيها من شرق إلى غرب بحركة السماء لها، ومن غرب إلى شرق، وبانتقالها في الدرج وحركتها بذاتها (٤) . وكذلك العين لا تستبين حركة الشمس أصلا، حتى إذا بقيت مدة لاحت لها حركتها يقينا بأن تراها في كبد السماء بعد أن تراها (٥) في أفق المشرق. وكنماء الأجسام من الحيوان والنبات فإنك لا تستبين نموه على أنه بين يديك ونصب عينيك حتى إذا مضت مدة رأيت النماء بعينيك (٦) ظاهرا وعلمت نسبة زيادته على ما كان، والعقل يشهد أن لكل ساعة مرت (٧) حظا من نمو ذلك الشجر (٨) لم تتبينه (٩) ببصرك. وهذا إذا تدبرته كثير جدا. وقد بينا في باب الكلام في الكيفية من هذا الديوان مشاركة العقل للحواس في جميع مدركاتها وانفراده دونها بأشياء كثيرة؛ فلولا العقل ما عرفنا الغائب (١٠) عن الحواس ولا عرفنا الله . ومن كذب عقله فقد كذب شهادة (١١) الذي لولاه لم يعرف ربه، وحصل في حالة المجنون، ولم يحصل على حقيقة. وبالفكر والذكر

стр. 1232

تؤخذ المقدمات أخذا صحيحا بأن تنظر النفس في ضم طباع الأشياء بعضها إلى بعض حتى يقوم مرادها فيما تريد علمه وهذا الذكر مبثوث (١) في الحيوان. والحيوان قد يتفاضل فيه: فمن الحيوان ما يميز ربه ويذكر عليه (٢) وإن غاب عنه، ويهش إليه إذا قدم عليه؛ وأقواها في ذلك الفيل والكلب والقرد والدب ثم السنور؛ ومن الحيوان ما يذكر ذكرا دون ذلك كالفرس والبعير؛ ومن الحيوان سائر ما ذكرنا لا يذكر شيئا من ذلك كالديك وغيره. واعلم أن العقل والحس والظن والتخيل قوى من قوى النفس. وأما الفكر فهو حكم النفس فيما أدت إليها هذه القوى وأما الذكر فهو تمثل النفس لما أدته إليها هذه القوى فتجد النفس إذا افتقدت بالنسيان شيئا مما اختزنته تتطلبه وتفتشه في مذكوراتها بالفكر كما يفتش رب المتاع متاعه إذا أتلفه أو اختلط له بين أمتعة شتى، فيبحث عنه في وجه وجه ومكان مكان حتى يجده فيؤوب (٣) إليه، أولا يجده أصلا. وهكذا النفس سواء سواء، فسبحانه مدبر كل ذلك ومخترعه لا إله إلا هو. وليس في القوى التي (٤) ذكرنا شيء [٨٠ظ] يوثق به أبدا على كل حال غير العقل فبه تميز مدركات الحواس السليمة والمدخولة (٥) بالمرض وشبهه، كوجود العليل طعم العسل مرا كالعلقم، والعقل يشهد بالشهادة الصحيحة الصادقة أنه حلو، وكما ترى الشيء في الماء بخلاف شكله الذي يشهد العقل أنه شكله على الحقيقة. وأما الظن فأكذب دليل لأنه يصور لك الرجل الضخم المتسلح شجاعا ولعله غاية في الجبن، ويصور لك المتفاوت الطلعة بليدا ولعله غاية في الذكاء. وقد نبه الله تعالى على هذا فقال: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: ٤٦) . فأخبر أن الحواس تبع للعقل، وأن ذا العقل الذي يغلب هواه عليه لا ينتفع بما أدركت حواسه؛ وقال تعالى ﴿إن بعض

стр. 1233

الظن إثم﴾ (الحجرات: ١٢) ؛ وروي عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: " الظن أكذب الحديث " (١) . وأما التخيل فقد يسمعك صوتا حيث لا صوت، ويريك شخصا ولا شخص، وقد قال تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه: ٦٦) فأخبر تعالى بكذب التخيل. والعقل صادق أبدا، قال تعالى مصدقا لاعتراف من فضل شواهد عقله بالخطأ: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾ (الملك: ١٠ - ١١) . وقال تعالى ذاما لمن أعرض عن استعمال عقله: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ (يوسف: ١٠٥) . وقال تعالى مبطلا (٢) لكل ما لم يقم عليه برهان: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ . (البقرة: ١١١) . وقال تعالى (٣) ذاما لمن تكلم بغير علم وحامدا لمن حاج بعلم (٤) : ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦) . وقال تعالى في مثل ذلك: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ (يونس: ٣٩) . فهذه وصايا الواحد الأول (٥) التي أتانا بها رسوله، ﷺ ، وهذه موجبات العقول، فأين المذهب عن الخالق تعالى وعن العقل المؤدي إلى معرفته إلا إلى الشيطان الرجيم والجنون المؤدي إلى الضلال (٦) المبين، نسأل الممتن بالنعمة أن يزيدنا من المعرفة الفاضلة، وأن لا يسلبنا ما منحنا من العقل ومحبة استعماله (٧) وتصديق شهاداته (٨) ؛ وإلى العقل نرجع في معرفة صحة الديانة وصحة العمل

стр. 1234

الموصلين إلى فوز الآخرة والسلامة الأبدية، وبه نعرف حقيقة العلم، ونخرج (١) من ظلمة الجهل، ونصلح تدبير المعاش والعالم والجسد (٢) . ومن الناس من يستشهد بالعقل على تصحيح شيء ليس في العقل إلا إبطاله، كمتطلب في العقل عللا موجبة لجزئيات الشرائع، فإنه ليس في العقل إلا وجوب الائتمار للأول الخالق فقط في أي شيء أمر به، ولو [٨١و] أنه (٣) قتل أنفسنا فمن دونها بأنواع المثل (٤) ؛ وأما علة موجبة لتحريم لحم الخنزير وإباحة لحم التيس، أو لإيجاب الصلاة بعد زوال الشمس والمنع منها حين طلوعها، أو لأن تكون صلاة أربع ركعات وأخرى ثلاثا، أو صيام شهر رمضان دون ذي الحجة، أو الحج إلى مكة في ذي الحجة دون الحج إلى غيرها في شهر آخر، وقتل من زنا وهو محصن عفا عنه زوج المزني بها أو أبوها أو لم (٥) يعفوا، أو تحريم قتل من قتل النفس المحرمة إذا عفا عنه الولي. ولا تحريم المشقوق البطن أو المخنوق (٦) وتحليل المذبوح أو المنحور، فليس ابتداء هذا كله في العقل أصلا. وهكذا جميع الشرائع (٧) ، وهكذا جميع أفعال الخالق تعالى فإنه خلق الحمار خلقا مهين للسخرة، وخلق الفرس للركوب، وحبا صورة الإنسان بالعقل، وسلط الكلب على الظبي، وأباح ذبح بعض الحيوان دون بعض للأكل، وخلق بعض الحيوان طيارا وبعضه مائيا، وبعضه طعاما لبعض، وبعضه ناطقا وبعضه جاهلا، وبعضه ذا رجلين وبعضه ذا أربع أرجل وبعضه ذا ست أرجل وبعضه ذا أكثر من ذلك وبعضه بلا أرجل أصلا، وخلق الأسد شجاعا جريئا والقرد جبانا هلوعا، وخلق أشياء حادة الإبصار وخلق الخلد أعمى، وخلق ذوات السموم المؤذية للحيوان. وهكذا رتب الخالق الكريم الأشياء كلها (٨) . ويلزم من فر عن

стр. 1235

هذا إلى أن النفس فعلت ذلك (١) إيجاب العجز أو المسامحة في العبث على أصله للباري، تعالى عن ذلك. وقد بينا هذا (٢) في كتاب (٣) " الفصل " بيانا كافيا. وإنما العقل قوة تميز بها النفس جميع الموجودات على مراتبها وتشاهد بها ما هي عليه من صفاتها الحقيقية لها فقط وتنفي بها عنها ما ليس فيها. فهذه حقيقة حد العقل ويتلوه في ذلك الحواس سواء سواء، وهذا التميز هو حد إدراك العقل الذي لا إدراك له غيره. وأما حد منفعة العقل فهي استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، والكلام في هذا وغيره مما هو متصل به (٤) مستوعب، إن شاء الله تعالى، في كتابنا " في أخلاق النفس " (٥) . واعلم أن الأكثر في الناس جدا فالغالب عليهم الحمق وضعف العقول، والعاقل الفاضل نادر جدا وقليل البتة، وهذا يوجد حسا. وقد ورد النص بذلك عن الخالق الأول وعن خيرته المبتعث إلينا ﷺ ،. قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ (الأنعام: ١١٦) . وقال رسول الله [٨١ظ] ﷺ : " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " (٦) . وأما ما (٧) يظنه أهل ضعف العقول من أنه عقل وليس عقلا ولا مدخل للعقل فيه فقد غلطوا في ذلك كثيرا، فإنهم يظنون العقل إنما هو ما حيطت به السلامة في الدنيا ووصل به إلى الوجاهة والمال (٨) ؛ وهذا إذا

стр. 1236

كان بطرق محمودة مما لا معصية فيه ولا رذيلة (١) فهو عقل، وأما إذا كان بما أمكن من كذب ومنافقة وتضييع فرض وظلم إنسان ومساعدة على باطل فهو ضد العقل، لأن العقل (٢) بعد نهي الله تعالى الوارد علينا بذم هذه الخلال يذمها (٣) ذما صحيحا. فكيف يكون (٤) عقلا ما يذمه العقل ويفسده وينهى عنه ولم يوجد العقل إلا ذاما لهذه الرذائل ولا ورد الأمر من الله قط إلا بذمها. وكذلك ما ظنه آخرون من (٥) أن من العقل المحمود الذي لا ينبغي خلافه التزام أزياء معهودة لا معنى لها فليس هذا إذا حصلته إلا حمقا وجهلا وليس هذا من العقل في شيء. وبيان ذلك مذكور في كتابنا في " أخلاق النفس والسيرة الفاضلة " (٦) وفي كتابنا في " السياسة " (٧) إن شاء الله ، والله تعالى الموفق (٨) لكل فضيلة. واعلم أنه لا يدرك الأشياء على حقائقها إلا من جرد نفسه عن الأهواء كلها ونظر في (٩) الأراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها، وفتش أخلاق نفسه بعقله تفتيشا لا يترك فيها من الهوى والتقليد شيئا البتة، ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان واجتنب ما عداها مما قد رأينا أعلام كل ذلك، فإنه من فعل ما قلنا فضمان له إدراك الحقائق على وجودها في كل مطلوب وقد نبه الله على ذلك في عهوده إلينا فقال: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (النجم: ٢٣) وقال تعالى (١٠) : ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن

стр. 1237

الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ (النجم: ٢٨) وقال تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ (الزمر: ١٨) . واعلم أن الناس إلا من عصم الله تعالى، وقليل ما هم، يقبحون فعل من حكم بالهوى ويضللون من قلد ويبطلون التقليد، وهم لا ينطقون بكلمة بعد هذا إلا وهي راجعة إلى أحد هذين الوجهين الخبيثين اللذين قد شهدوا بقبحهما وخطاء من اتبعهما؛ فتأمل هذا تجده كثيرا، وكفى بذم الله تعالى هؤلاء إذ يقول: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن [٨٢و] تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف: ٢ - ٣) نعوذ بالله من مقته. إلا أننا نقول إن (١) من أحسن في وجه وأساء في آخر أفضل ممن أساء في كل وجه فهؤلاء ممقوتون لفعلهم خلاف قولهم، فلو أنهم مع إساءتهم في فعلهم يذمون الحقائق لتضاعف مقتهم لتضاعف إساءتهم، نعوذ بالله من الخذلان. وإذ قد أتينا في هذا الغرض بجمل كافية على أن الكلام في ذلك يطول جدا ويتسع - فلنقطع، على مذهبنا في هذا الديوان في الاختصار والبيان (٢) إن شاء الله ، ولنأخذ بحول خالقنا تعالى في كيفية المناظرة ووجوهها المحمودة والمذمومة ومراتبها فهي متعلقة بما تقدم أن شاء الله تعالى. ١٧ - باب أقسام السؤال عما تريد معرفة حقيقته (٣) مما يرتقى (٤) إليه بالدلائل الراجعة إلى الأوائل التي قدمنا اعلم أنه لا يوصل إلى معرفة حقيقة بالاستدلال إلا بالبحث، والبحث يكون عن فكر واحد، ويكون عن تذكر من اثنين، فإما من معلم إلى متعلم وإما من متناظرين مختلفين باحثين؛ وهذا الوجه هو آخر ما نتوصل به إلى بيان الحقائق لكثرة التقصي فيه وأنه لا يبقى بعد توفيته حقه بقية أصلا. فنقول وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد (٥) :

стр. 1238

اعلم أنه لابد في (١) أول السؤال عن كل مسؤول عنه مما يترقى إليه بالدلائل الراجعة إلى الأوائل التي قدمنا من سؤالات أربعة (٢) ولكل واحد (٣) منها نوع من الجواب: فأولها السؤال " بهل " فنقول: هل هذا الشيء موجود أم لا وهل أمر كذا حق أم لا فلابد للمسؤل حينئذ من جواب (٤) ضرورة بلا أو نعم؛ فإن قال لا أو قال لا أدري سقط السؤال عنه، على كل حال، لأن الشيء المسؤول عنه لا يخلو من أن يكون مما يدرك بأول العقل (٥) وبالحواس أو مما يدرك بالتوالي من المقدمات التي وصفنا، فإن كان مما يدرك بالحواس أو أول (٦) العقل فالكلام مع منكر ذلك عناء وكذلك مع من شك فيه. وإن كان مما يدرك بالتوالي فالسؤال أيضا عنه ساقط لأنه مغلوب ولكن لم يثبت شيئا فيتمادى معه في البحث عنه ولأنه قد صدق عن نفسه إذ قال لا أدري؛ ولا سبيل إلى أن يقال لأحد فيما ليس مدركا بأول العقل والحواس لم لم تدر هذا لكن حتى يثبت عنده بالدلائل ثم حينئذ يلزمه الإقرار بموجبها؛ فعلى من أراد إلزامه الإقرار بأمر ما أن يبينه (٧) له ويثبته (٨) لديه، إذ (٩) الواجب أن لا يصدق أحد بشيء لم يقم عليه دليل [٨٢ظ] وأن يصدق به إذا قام عليه الدليل. وإما إبطال المرء بالبراهين ما أثبته مثبت بلا برهان فهو تبرع منه وقوة، وذلك غير لازم له، إذ المثبت للشيء بلا برهان مدع والدعوى ساقطة إذا لم يؤيدها دليل. والأصل في البنية أن المرء ولد وهو لا يعلم شيئا ثم سمع الأقوال، وكل أحد يحسن عنده رأيه فلا سبيل إلزامه الإقرار بشيء منها أصلا إلا بأن يوجب برهان صحة شيء منها فيلزمه حينئذ، وإلا فليس بعضها أولى بالتصديق من بعض، ولا سبيل إلى أن

стр. 1239

تكون كلها حقا فتصدق (١) بجميعها. ونفيها كلها والشك فيها ممكن حتى يقوم البرهان على صحة الصحيح منها. فإن أجاب بنعم وصحح ما سئل عنه، سئل (٢) حينئذ بالمرتبة الثانية وهي السؤال " بما هو (٣) " وهو تال للسؤال بهل فيقال له إذا حققه (٤) فما هو أي أخبرنا بجوهره أو حده أو رسمه أو ما يمكن أن تخبرنا به عنه من صفات ذاته الملازمة له، (٥) أو بما يخبر به عنه مما قام به البرهان إن كان لا يدخل تحت حد، وهذا للباري وحده تعالى (٥) . فإذا أخبر بما أخبر به من ذلك سئل بالمرتبة الثالثة وهو السؤال " بكيف " أي هذا الذي حققت كيف حاله (٦) وكيف هيئته وكيف وجود ما أثبت له فيه، (٧) وهذا لا يدخل فيه الباري تعالى ولا في الرتبة الرابعة أصلا (٧) . فإذا أخبر (٨) بما أخبر به من ذلك (٩) سئل بالمرتبة الرابعة وهي " لم " فيقال له لم كان ما أثبت كما وصفت وما برهانك على صحة ما ادعيت مما ذكرت ولا سؤال عليه فيما لم يذكر أخل أو لم (١٠) يخل إلا بأن يدعى عليه تناقض أو نقص (١١) . فعلى من أثبت عليه ذلك أن يقيم البرهان على ما نسب إليه من صحة تناقضه أو نقصه (١٢) وفي هذه المرتبة الرابعة يقع الاعتراض وطلب الدلائل وإزافتها؛ ومثال ذلك أن

стр. 1240

تقول (١) . هل يوجد كسوف قمري أم لا، فيقول المجيب: نعم هو موجود، فلو قال لا قيل له: فهذا السواد (٢) الذي يعرض فيه (٣) ليلة النصف من الشهر ما هو فإن أنكره (٤) أنكر العيان وصار في نصاب من لا يكلم، وإن أقر به قيل له: هو الذي نريد بقولنا " كسوف "، فإذا حققت المعنى لم ننازعك في الاسم، وسألناك بعبارة ترضاها، وهي أن نقول لك: هل يوجد سواد في القمر ليلة النصف من الشهر أم لا فإذا حقق قيل له ما هو فيقول: هو ذهاب النور عن القمر لدخول الأرض بينه وبين الشمس والقمر التي منها يقبل النور؛ فيقول السائل: كيف تدخل الأرض بين الشمس والقمر فيقول المجيب: بأن تكون الشمس في درجة مقابلة للدرجة التي فيها القمر مع تقاطع فلكيهما. فيقول السائل: لم كان ذلك فيصف (٥) له المجيب حينئذ هيئة الفلك وانتقال الشمس وقطعها ومدة قطعها [٨٣و] وانتقال القمر ومدة قطعه وما يتم به هذا (٦) المعنى، وهكذا (٧) القول في كل مسؤول عنه من كل علم. واعلم أنه لا يجوز أن يقدم مؤخر من هذه المراتب الأربع (٨) على ما رتبنا قبله لأنه كلام على غير معهود. واعلم أن المسؤول بما وبكيف وبلم مخير في الجواب يجيب بما أمكنه مما لا يخرج به عن مقتضى سؤال السائل، إلا أن اللازم في السؤال بما (٩) أن يخبر السائل بحد الشيء المسؤول عنه أو رسمه، وإذا سئل بكيف هو: أن يجيب بأحوال الشيء العامة له ولغيره أو الخاصة له الشائعة في نوعه أو ما يخصه به من غيره إن كان المسؤول عنه

стр. 1241

شخصا. وإن (١) سئل بلم: أن يجيب بالعلة الموجبة لكون ما أخبر بكونه، ويرسم العلة برسمها الذي لا يشاركها فيه غيرها. وينبغي أن تكون العلة لازمة لما يستدل بها عليه كالقتل فإنه علة الموت القتلي إذ لا يجوز أن يكون قتل ولا يكون موت، والموت القتلي معلول للقتل، ولكن ليس كل موت معلولا للقتل، إذ قد (٢) يكون موت بلا قتل وكذلك أيضا ليس الموت علة للقتل. والحد مأخوذ من صفة الشيء التي هي (٣) صفة عنصره ومأخوذ (٤) من تمامه أيضا، كقولك إذا سئلت عن حد الطب أن تقول: صناعة، فهذا عنصر الطب، ثم تقول: مبرئة لأبدان الناس وبهذا يتم الطب ويكون طبا. وإذا سئلت عن المرض أن تقول: ضعف يكون في الجسم بتعادي أخلاطه وخروجها عن (٥) الاعتدال، فالضعف عنصر المرض وتعادي الأخلاط تمامه وبه يسمى مرضا (٦) . وكذلك قولك في حد المتنفس: انه حيوان يجذب الهواء بآلة طبيعية ويخرجه بها. وينبغي أن يكون الحد والرسم في كل ما ذكرنا وفي كل ما تسأل (٧) عنه فتجيب بما يدور (٨) على محدوده ومرسومه كقولك: كل خط إما مستقيم وإما معوج، وكل ما هو إما مستقيم وإما معوج خط، وكل جسم طويل عريض عميق، وكل طويل عريض عميق جسم، فهذا واجب (٩) لكل ما وصف به (١٠) في كل زمان وكل مكان وعلى كل حال. فإذا أردت أن تحقق فليكن ذلك بلفظ الإيجاب ومعناه، فإنك إذا قلت حار أو قلت بارد فقد أثبت معنى واجبا، وإذا أردت أن تنفي فليكن ذلك بلفظ النفي ومعناه، فإنك إذا قلت: لا حار، فلم تثبت معنى أصلا بوجه من الوجوه، وكذلك إذا قلت: لا جسم لا عرض؛ وقد يكون

стр. 1242

غير الحار باردا وقد يكون معتدلا وقد يكون طبيعة علوية لا يدخل فيها شيء من هذه الصفات. وإذا (١) أردت أن تقسم فينبغي لك [٨٣ظ] التحفظ من مثل هذا بأن لا تدع قسما إلا حققته، إما بحرف النفي فتكفى المؤونة، أو بتفتيش الأقسام كلها قسما قسما والنظر هل فيها فاسد أو زائد (٢) أو نفي محتمل، ومن ما ذكرنا في شروط وضع حرف النفي في مواضعه (٣) ، وتهمم بالأسماء والمسميات والكلية (٤) والجزئية وبالموصوف والصفة والكيفية والكمية (٥) والزمان وسائر الشروط، فإنك إن نظرت نظرا صحيحا لم تخف عنك الحقائق ولا جازت (٦) عليك المخارق، وملاك ذلك عون الله إياك وتوفيقه لك. وكمال العلم ليس إلا لخالق العلم والمعلوم، لا إله إلا هو (٧) . ١٨ - باب الكلام في رتب (٨) الجدال وكيفية المناظرة المؤديين إلى معرفة الحقائق من حكم الجدال أن لا يكون إلا بين اثنين (٩) طالبي حقيقة ومريدي بيان، أما أن يكون أحدهما على يقين من أمره ببرهان قاطع لا بإيهام نفسه ولا بأمر أقنعها به، ويكون الآخر متوهما أنه على حق متمنيا (١٠) لنفسه ما لم يحصل له، وكالعامهِ (١١) في الظلمة خادعا لنفسه مغالطا لعقله، أو مغرورا كالحالم لا يدري أنه نائم حتى ينتبه. فهذا الذي ذكرنا أنه على يقين من أمره ببرهان قاطع يريد أن يوصل إلى مناظره من الحقيقة مثل ما عنده منها، ويحاول أن يحل شك هذا الغالط المخالف له أو المغالط ويفضح سره

стр. 1243

في المغالطة ويدفع شره. أو يكون أحدهما موقنا كما قدمنا، والثاني لم يقف على بيان الحقيقة فهو يطلب الحقيقة والوقوف عليها. فإذا اتفق أن يكون المتناظران هكذا فتلك مناظرة فاضلة حميدة العاقبة يوشك أن تنجلي (١) عن خير مضمون وأجر (٢) موفور وهي التي أمر الله تعالى بها إذ يقول: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل:١٢٥) وإذ يقول تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ (النحل: ١٢٥) وإذ يقول تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ١١١النمل: ٦٤) . ولم يذم قط هذه المناظرة إلا سخيف جاهل مذموم الطبع مفسد على الناس قد جعل هذا النفار ستارة دون جهله فلم يقنع بأن حرم نفسه الخير حتى سعى في أن يحرمه سواه. وأما إذا كان المتناظران معا غالطين أو مغالطين أو كان أحدهما جاهلا [٨٤و] طالبا والثاني غالطا أو مغالطا فتلك مناظرة يكثر فيها الشغب ويعظم النصب ويكثر الصخب ويشتد الغضب، ويوشك أن تشتد (٣) مضرتها، وأما المنفعة فلا منفعة؛ وربما كان الجاهل فيها مسارعا إلى قبول ما قرع سمعه دون برهان صحيح فيهلك باعتقاد الباطل وقبوله. وأما إن كان عالما موقنا فالمضمون له انتقاض البنية بالأسف والغيض إلا أنه محمود في نصرة الحق مأجور بذلك ولعله أن ينفع سامعا منه. وملاك ذلك أن لا ينطق بينهما ثالث بكلمة إلا أن يرى حيفا ظاهرا فيشهد به، وألا يقطع أحدهما كلام صاحبه حتى يتمه، وأن لا يطول المتكلم (٤) منهما بما لا فائدة فيه، وأن يفضيا (٥) إلى الاختصار الذي لا يقصر عن البيان الموعب. فإن أخطأ أحدهما ثم أراد الإقالة فذلك له، وواجب على الآخر أن يقيله لأن المرء ليس قوله جزءا منه، لكنه واجب عليه ترك الخطأ إذا عرف أنه خطأ، فالمانع من الإقالة ظالم مشغب جاهل. وكذلك إن رأى حجته فاسدة فأراد (٦) تركها وأخذ غيرها فذلك له، وهو محسن

стр. 1244

في ذلك، وليس ذلك (١) انقطاعا في القول المناظر عنه؛ والمانع من ذلك جاهل ضيق الباع في العلم متغفل (٢) لخصمه، وذلك قبيح جدا. فإن تنازعا الكلام أو تنازعا التكليم مثل أن يقول كل واحد منهما: أنا أسأل أو يقول كل واحد منهما للآخر: كن (٣) أنت السائل، فهذا عجز من كليهما وقلة ثقة، إما بالقوة على نصر القول الذي يريد بيانه وإما بصحة القول نفسه (٤) ؛ فإن كان من قلة ثقة بقوة نصره فليتسع في العلم (٥) ولا يتعرض للمناظرة حتى يقوى، وهو كالجبان لا يجب أن (٦) يحضر القتال فيوهن طائفته؛ وإن (٧) كان من قلة ثقة بصحة القول فهذا ملوم جدا في الإقامة على قول لا يثق بصحته، وواجب عليهما بالجملة (٨) الاتفاق على أمر يفتتحان به الكلام. وأما نحن فطريقتنا في ذلك تخيير الخصم أن يكون سائلا أو مسؤولا فأيهما تخير أجبناه إليه (٩) ، فإن رد الخيار ألينا اخترنا أن يكون هو السائل، لأن هذا العمل هو أكثر قصد الضعفاء وعمدة مرغوبهم، وهم يضعفون إذا سئلوا، فنختار حسم أعذارهم وتوفيتهم أقصى مطالبهم التي يظنون أنهم فيها أقوى ليكون ذلك أبلغ (١٠) في قطع معالقهم. ثم إنه إن بدا له في ذلك واختار أن نسأله أجبناه إلى ذلك أيضا (١١) ، إلا أننا لا نقضي بذلك على غيرنا لأنه ليس واجبا، فمن تخير أن يكون سائلا وأذن له خصمه من ذلك فله أن يسأل وليس له أن يتحكم فيترك ذلك [٨٤ظ] وينتقل إلى أن يكون مسؤولا؛ فإن فعل فهذا عجز أو خرق (١٢) في حكم المناظرة، ونحن نختار

стр. 1245

للفاضل أن لا يضايق في ذلك رغبة منا في إظهار الحق، وقلة سرور بالغلبة الظاهرة (١) . وهكذا نحب لكل من اتبع طريقتنا (٢) . ومن أذن لخصمه في أن يكون السائل فواجب عليه في حكم المناظرة أن يجيب، فإن لم يفعل فعن ظلم أو عجز (٣) ، إلا أن يكون هناك أمر مخوف يمنع من البوح بالجواب فلسنا نتكلم مع المخاوف، وإنما المناظرة مع الأمن، إلا من بذل نفسه لله تعالى وعرف ما يطلب وما يبذل في ذلك فله الفوز إن أراد نصر الإسلام أو الحق فيما اختلف فيه المسلمون فقط. ولا أرى (٤) أن ينزل المسلم العاقل عن نفسه (٥) التي (٦) لا شيء موجود في وقته من الخلق أعز عليه منها ولا أوجب حرمة إلا فيما فيه فوزها الأبدي فقط، فالعاقل لا يرى لنفسه ثمنا إلا الجنة (٧) . ومن سأل فأجابه خصمه فسكت عن المعارضة فإما أن يكون صدق الجواب وإما أن يكون عجز عن المعارضة (٨) وهذا مكان قد انقطعت فيه المناظرة التي ابتدآها إلا أن يستأنفا أخرى، اللهم إلا من خوف كما قدمنا (٩) ، إلا أن يكون المجيب يأتي بما لا يعقل أو بقحة ومباهتة أو بما هو من غير ما سئل عنه، جهلا أو مكابرة، فمن هذه صفته فسكوت الخصم عن معارضته واجب (١٠) ، إلا بإخباره بأن الذي أتى به ليس مما هما فيه ويبين الدليل على ذلك فقط، إلا ما كان من ذلك لا يحتاج إلى

стр. 1246

دليل لوضوحه واستواء السامعين في علمه. والفلج (١) في المناظرة هو ظهور البرهان الحقيقي فقط، وليس انقطاع الخصم فلجا (٢) ، فقد ينقطع جهلا أو خوفا أو لشغل بال طرقه، وكل ذلك ليس قطعا للحق إن كان بيده. وليست شهادة الحاضرين بالغلبة لأحدهما شيئا إذ قد يكونون موافقين في رأيهم لرأي الذي شهدوا له فسبيلهم وسبيله واحدة (٣) ، والإنصاف في الناس قليل. وقد يكونون غير محصلين لما (٤) يقولون ولا فهماء ما (٥) يسمعون وهذا كثير جدا. وأما من انقطع عن معارضة خصمه عجزا عن الجواب لا لخوف مانع فهو المغلوب لا قوله، وإن كان ذلك عن حقيقة برهان فهو مغلوب وقوله معا، ولا يضر ما صح بالبرهان عجز معتقده عن نصره، ولا يقوى ما لم يصح ببرهان لتمويه من مموه (٦) في نصره بالسفطسة. والبرهان لا يتعارض أبدا فما صح ببرهان فلا يبطله برهان آخر أبدا إلا أن يكون مما يستحيل، كبرهان صح بحياة زيد أمس ثم صح آخر بموته اليوم. وهكذا كل ما يمكن تنقله ولا ينتقل شيء مما ذكرنا مما صح [٨٥و] ببرهان إلا برهان آخر، وإلا فحكم البرهان الأول باق. ولا ينتقل الشيء عن الإمكان إلى الوجوب إلا ببرهان، ولا ينتقل بعد الوجوب إلى الإمكان إلا ببرهان، والمعاندة والمكابرة عار وإثم وسخف. واعلم أن السائل إذا قال لخصمه: ما قولك في كذا فالجواب مفوض إلى المسؤول يجيب بما شاء. وأما إذا قال له: أمر كذا أحق هو فلابد من أن يجيب إما بنعم أو بلا كما قدمنا - (٧) ، كسائل سأل فقال: ما تقول في الأرض أكرية أم لا، فلابد له من نعم أو لا. أو لو قال له: ما تقول في لحوم الحمر الأهلية (٨) أحلال أم لا فكذلك أيضا، أو قال له هل الخلاء موجود أو لا فلابد من نعم

стр. 1247

أو لا. وكذلك إذا سأل السائل بتقسيم فقال: ما قولك في كذا وكذا: أكذا أو كذا (١) ، مثل قوله: ما تقول في الورد أبارد أم حار أم معتدل أو ما تقول في كسب الحجام أمستحب أم حرام أم مكروه فإن كانت الأقسام مستوفاة فلا بد للمسؤول من التزام أحد تلك الأقسام، فإن لم يفعل فهو منقطع بالحقيقة، وإن كانت غير مستوفاة فالسائل جاهل أو معاند، فإن ظهر انقطاع الخصم فالمتقدمون يقولون: ليس على السائل بيان الحقيقة، وأما نحن فنقول: إن ذلك عليه، ومن أبطل حكما ما فعليه أن يبين قوله، فإما أن يدخل في مثل ما أبطل وإما أن يجلي الحيرة. وبيان الحقائق فرض وقد أخذ الله تعالى ميثاق العلماء أن يبينوا ما علموا ولا يكتمونه (٢) . وإذا استوفى الخصم الأقسام وزاد فيها قسما فاسدا فليس للآخر أن يدع ما هما فيه ويأخذ في الاحتجاج في بيان القسم الزائد الذي زاد لكن يقول له: زدت قسما فاسدا وهو كذا، وإنما ذكرته لك لئلا تجوزه (٣) علي فيكون سكوتي عنه عند من لا ينصف مثل إقراري به ولكني لا (٤) أستضر بذلك وألتزم من الأقسام التي ذكرت قسما كذا، وهو الصحيح. واعلم أن من ترك ما هو فيه مع خصمه من المناضرة وخرج إلى مسألة أخرى فجاهل مشغب منقطع (٥) كمثل ما شاهدنا كثيرا ممن ترك ما هما بسبيله وجعل يتعقب (٦) لحن خصمه (٧) في كلامه، ولسنا نقول هذا نصرا للحن ولكن نصرا للحق (٨) وتركا للاشتغال بغير ما شرعا فيه، وليس على الخصم (٩) أكثر من أن يعبر عن مراده بما يفهم به خصمه ولا مزيد بأي لفظ كان وبأي لغة كان، إلا أننا نختار الاختصار الجامع

стр. 1248

[٨٥ظ] لكثير المعاني في (١) قليل الألفاظ وسبطها وفصيحها لمن قدر على ذلك، وإلا فلا (٢) لوم عليه إلا في مكان واحد، وهو أن يسأله السائل والمسؤول يدري أن السائل يقول بقول يؤول (٣) به إلى التزام قول الخصم أو إلى التناقض، فجوابه ها هنا بأن يقول له: ما تقول (٤) أنت في كذا وكذا أي فإني أقول بقولك (٥) فإن قال له الذي عورض بهذا: لست أقول ما تظن ولا أقول شيئا ولا أنصر ها هنا (٦) جوابا وإنما أنا طالب برهان ولاعليك من خطائي إن أخطأت أنا، فانصر قولك أو أقر بالخطاء، فواجب حينئذ أن لا يعارضه بسؤال أصلا لكن ببرهان يبين به صحة قوله فقط. وقد يكون الخصم يسامح خصمه في أن يريه الإقرار بفساد قوله ثم يقول له: فدع قولي وهات قولك وبين (٧) وجه الصواب. وهذا الفعل خطاء إلا من (٨) وجهين: أحدهما أن يكون صادقا في إقراره ببطلان قوله ورجوعه عنه وطلبه معرفة الحق، فهذا فضل عظيم وفاعله محمود جدا. والثاني: أن يكون قد علم أن خصمه يأتي بمثل ذلك فيريد يلزمه مثل ما ألزمه هو ليكف عن (٩) نفسه شغبه وهذا إنصاف. ومثال ذلك أن يقول أحد الخصمين: الجدال مكروه، فيقول الآخر: فإذا هو مكروه فبأي شيء يوصل عندك إلى معرفة الحق مما اختلف فيه من هو عندك رضا من أهل ملتك هات ما (١٠) عندك ودع الجدال الآن جانبا. وهذا يرجع إلى ما قلناه قبل من وجود (١١) أقسام تبطل كلها إلا واحدا، فيصح ذلك الواحد، فإن الخصم حينئذ لابد له من أن يذكر

стр. 1249

التقليد أو الإيهام (١) أو ترك طلب الحق. وكل هذه الوجوه باطل فاسد فإذا بطلت صح الجدال. فهذا الذي قلنا حصر للخصم إلى هذا الوجه من وجوه البرهان فيراجع الحق أو ينقطع إما بسكوت أو بهتان يأتي به. وقد ذكرنا في باب أقسام المعارف ما يعارض به الخصم الجاهل من أشياء يعدها الجاهل حجة وليس حجة (٢) أصلا فوجب أن يكف ضرر جهلهم بها على كل حال. واعلم أن من الخطاء معارضة الخطاء بالخطاء في المناظرة مثل أن يقول السائل للمسؤول: أنت تقول كذا أو لم تقل كذا، فيقول المجيب: وأنت تقول أيضا (٣) كذا أو لأنك أنت أيضا تقول كذا (٤) ، فيأتيه بمثل ما أنكر هو عليه أو أشنع، فهذا كله خطاء فاحش وعار عظيم واقتداء بالخطاء اللهم إلا في [٨٦و] مكانين: أحدهما أن يكون القول الذي اعترض به المجيب قولا صحيحا ينتج ما يقول هو، فهذا وجه فاضل وقطع للسائل. وذلك كمعتزلي قال لآخر: لم قلت إن الله تعالى خالق (٥) الشر فقال لأنك تقول معي إن الله تعالى خلق (٦) جميع العالم من جواهره وأعراضه، والشر عرض، فالله تعالى خالق الشر. فهذه معارضة صحيحة إلا أن ظاهر لفطها غير محكم لأنه في الظاهر إنما جعل علة قوله بما يقول قول خصمه بما يقول، فلزمه (٧) أنه لولا قول خصمه بذلك لم يقل هو بما قال. وهذا خطاء وإنما الصواب أن يقول: لقيام البرهان على أن الله تعالى خالق الجوهر والعرض ثم يمضي في مسألته. والوجه الثاني هو أن يكون السائل مشغبا يقصد التشنيع والإغراء والتوبيخ

стр. 1250

ولا يقصد طلب حقيقة، فهذا واجب أن يكسر غربه ويردع عيبه (١) بمثل هذا فقط ولا يناضر بأكثر من ذلك، إذ الغرض كف ضرره فقط، ولا يكف ضرره بمناظرة (٢) صحيحة أصلا فلا شيء أكف لضرره مما ذكرنا. واعلم أنه لا يجوز أن يصحح الشيء بنفسه البتة، وجائز أن يبطل بنفسه، ولا تظن أن الأوائل التي منها يؤخذ البرهان صححت بأنفسها فتخطىء، بل تلك أشياء قد ذكرنا أن الخلقة صححتها وأنه لم يخل ذو الفهم قط من معرفة صحتها. ولا تظن أيضا أن إبطال الشيء بنفسه تصحيح له فتخطئ ولم يبطل بنفسه من أجل أنه صحح إبطاله به فكان حينئذ يكون مصححا مبطلا وذلك محال، لكن لما أبطل نفسه أيقنا أنه باطل لأن الحق الصحيح لا يبطل أصلا، ولأنه نقض حكمه، فكل (٣) ما انتقض فباطل. وليس قول من قال مبطلا للنظر: إن النظر لا يصحح (٤) بالنظر، قولا صحيحا، لأن النظر الذي به تصحح (٥) الأشياء هو ردها إلى المقدمات الأوائل التي قد (٦) قضى الطبع بصحتها، فما رجع (٧) إليها فشهدت له فهو صحيح، وما لم يرجع إليها فهو فاسد، فهذا النظر هو النظر الذي به تصح الأشياء لا أن (٨) النظر إنما صح (٩) بنظر آخر (١٠) . وإذا انقطع الخصم (١١) فقد انقطعت المناظرة فلهما حينئذ أن يبتدئا سؤالا ثانيا. وللمنقطع حينئذ أن يقول: أنا أسألك سؤالا يتصل بمسألتنا وألزمك أنك قائل كقولي الذي أنكرت عليّ. وليس للآخر أن يمتنع من ذلك، فإن امتنع فهو متسلل ضعيف، فإن وفى الآخر بشرطه فكلاهما ملوم إن لم يرجعا إلى الحق إذا عجز المسؤول

стр. 1251

عن التفريق بين القولين، وكما نلوم من ظهر إليه برهان فتمادى على الباطل ولم يرجع [٨٦ظ] إلى موجب البرهان، فكذلك نلوم من سارع إلى القبول لما سمع بلا برهان، وكما نحمد من رجع إلى موجب البرهان فكذلك نحمد من ثبت على موجبه ولم يرجع لاقناع سمعه أو سفسطة؛ وإن (١) عجز عن كسرهما، فحصل لنا من (٢) هذه المقدمات حمد من لم يعتقد إلا ما أوجبه البرهان فقط. والتكثير من الأدلة قوة وليس يعده عجزا إلا جاهل منقطع. وحقق كل ما تسمعه من خصمك ولا تتغفله (٣) وأقله إن أخطأ ولا تدع مشكلا إلا وقفته عليه، فإذا استقر البيان سليما من النقص والإشكال فأجب حينئذ. وكما (٤) تطالب خصمك بذلك فالتزم له سواء سواء. وبين سؤالك سليماً من النقص والإشكال. وإياك وإدخال ما ليس من المناظرة فهذا من فعل أهل المجون (٥) أو من يريد أن يطيل الكلام حتى ينسي آخره أوله لينسى غلطه وسقطه. وتأمل مقدماته ومقدماتك وعكسك وعكسه (٦) ونتائجه فلا ترض لنفسك من خصمك ولا من نفسك لخصمك (٧) إلا بالحق الواضح. واعلم أنه ليس على المرء أكثر من نصر الحق وتبيينه، ثم ليس عليه أن يصور للحواس أو في النفوس ما لا سبيل إلى تصويره وما لا صوره له أصلا، كمن أثبت أن الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ولا حاملا ولا محمولا، فأراد الخصم منه أن يشكل له ذلك، فهذا لا يلزم؛ وهذا كأعمى كلف بصيرا أن يصور له الألوان، فهذا ما لا سبيل إليه، وهذا تكليف فاسد لا نقص في العجز عنه على المكلف (٨) . وأما ما دام ذلك ممكنا فواجب على المكلف بيانه

стр. 1252

بأقصى ما يقدر عليه. ولقد أخبرني مؤدبي أحمد بن محمد بن عبد الوارث (١) ﵀ أن أباه صور لمولود (٢) كان له أعمى ولد أكمه حروف الهجاء أجراما من قير ثم ألمسه إياها حتى وقف على صورها بعقله وحسه، ثم ألمسه تراكيبها (٣) وقيام الأشياء (٤) منها حتى تشكل الخط وكيف يستبان الكتاب ويقرأ في نفسه ورفع بذلك عنه غمة عظيمة. وأما الألوان فلا سبيل إلى ذلك فيها وليس إلا الإقرار بما قام به البرهان وإن لم يتشكل في النفس أصلا. ولقد امتحنت مرة ببعض أصدقائنا فإنه سامنا أن نريه العرض منخزلا عن الجوهر قائما بنفسه، وقال لي: إن لم ترني ذلك فإني لا أصدق بالعرض. فلست أحصي كم مثلث له تربيع الطين ثم تدويره وذهاب [٨٧و] التربيع وبقاء الطين بحسبه، وحركات المرء من قيامه وقعوده (٥) وحمرة الثوب بعد بياضه، فأبى في (٦) كل ذلك إلا أن أريه العرض مزالا عن الجوهر باقيا بحسبه يراه في غير جوهر، فلا أحصي كم قلت له: إن العرض لو قام بنفسه وكان كما تريد مني لم يكن عرضا وإنما هو عرض لأنه بخلاف ما تريد أن تراه عليه، فلج (٧) وتمادى (٨) فعدت إلى أن قلت له مهازلا: لو أمكنك إخراجي عن كرة العالم فربما كان يمكن حينئذ لو أمكن انخزال العرض عن الجوهر ولا سبيل إلى كل ذلك أن تراه في غير (٩) جوهر؛ فأما والعالم كله (١٠) كرة مصمتة وجوهرة متصلة متجاورة الأجزاء لا تخلخل فيها ولا خلاء (١١) ، فحتى لو انفصل العرض من جوهر ما وجاز أن يبقى بعد انفصاله عنه لما صار إلا في جوهر آخر، لا

стр. 1253

بد من ذلك (١) . فما ردعه هذا الهزء عما هجس في نفسه وفارقته آبيا فما أدري أوفق بعدي لرفض هذا المرار (٢) الهائج أم لا. فليس مثل هذا التكليف الفاسد وكون المرء لا تتشكل له الحقائق بقادح (٣) في البرهان ولا بملتفت إليه. وكفانا من ذلك كله (٤) وحسبنا قيام صحة ذلك في النفس بدلالة العقل على أنه حق فقط. ولو جاز لكل من لا يتشكل في نفسه شيء أن ينكره لجاز للأخشم أن ينكر الروائح، وللذي ولد أعمى أن ينكر الألوان، ولنا أن ننكر الفيل والزرافة، وكل هذا باطل. وإنما يجب على العاقل أن يثبت ما أثبت البرهان ويبطل ما أبطل البرهان، ويقف فيما لم يثبته ولا أبطله البرهان (٥) حتى يلوح له الحق. وكذلك ليس علينا قسر الألسنة إلى الإقرار بالحق لكن علينا قسر النفوس إلى الإقرار به وقطع الألسنة عن المعارضة الصحيحة لعدم وجودها، إذ لا يتعارض البرهان، وإذا أقمناه فقد أمنا أن يقيمه خصمنا، وكذلك أيضا إن قصر مقصر عن إقامة البرهان على حق يعتقده فذلك لا يضر الحق شيئا. ولا يفرح بهذا من خصمه إلا الذي يفرح بالأماني وهو الأحمق المضروب به المثل. ولا تقنع بغفلة خصمك بل انظر (٦) في كل ما يمكن أن يصح به قوله، فإن وجدت حقا ببرهان فارجع إليه ولا تتردد، ولا ترض لنفسك ببقاء ساعة آبيا من قبول الحق. وإن وجدت تمويها فبينه ولا تغتر بذهاب خصمك عنه فلعل غيره من أهل مقالته يتفطن لما غاب عنه. هذا ولا تقنع إلا بحقيقة الظفر ولا تبال أن قيل عنك إنك مبطل، فلك فيمن نسب إليه ذلك من المحققين أكرم أسوة من الأنبياء ﵈ فمن (٧) دونهم. نعم حتى إن كثيرا منهم قتل دفعا [٨٧ظ] لحقه ونسبة (٨) للباطل إليه. ولا تستوحش مع الحق إلى أحد، فمن كان معه الحق فالخالق تعالى معه (٩) . ولا تبال بكثرة خصومك ولا بقدم أزمانهم ولا بتعظيم الناس إياهم ولا

стр. 1254

بعزتهم (١) فالحق أكثر منهم وأقدم وأعز وأعظم عند كل أحد وأولى بالتعظيم. وإذا شئت أن تتيقن فساد مراعاة ما ذكرنا فتأمل أهل كل ملة وكل أمة، فإنك تجدهم مطبقين على تعظيم أسلافهم وصفتهم بكل فضيلة وبكل خير وذم أسلاف من خالفهم. وتأمل كل قول يقال، فقد كان القائلون به في أول أمره (٢) قليلا، وأكثر ذلك يرجع إلى واحد ثم كثر أتباعه. وفتش كل قول قديم تجده قد كان ابن ساعة بعد أن لم يكن، ثم مرت عليه الأيام والشهور والسنون والدهور. فاعلم أن مراعاة هذه الأمور من ضعف العقل وقلة العلم. ولا تبال (٣) أيضا وان (٤) كانوا فضلاء على الحقيقة (٥) فقد يخطئ الفاضل ما لم يكن معصوما. ولو أن ذلك الفاضل لاح له ما لاح لك لرجع إليك ولو لم يفعل لكان غير فاضل. وأخبرك بحكاية لولا رجاؤنا في أن يسهل بها الإنصاف على من لعله ينافره (٦) ما ذكرناه، وهي: أني ناظرت رجلا من أصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبكوء كان في لسانه، وانفصل المجلس على أني ظاهر، فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء، فتطلبتها في بعض الكتب فوجدت برهانا صحيحا يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد (٧) أصحابنا ممن (٨) شهد ذلك المجلس فعرفته بذلك، ثم رآني (٩) قد علمت على المكان من الكتاب، فقال لي (١٠) ما تريد فقلت: أريد (١١) حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان وإعلامه بأنه المحق وأني كنت المبطل وأني راجع (١٢) إلى قوله. فهجم عليه من ذلك أمر مبهت وقال لي: وتسمح

стр. 1255

نفسك بهذا! فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا لما (١) أخرته إلى غد. واعلم أن مثل (٢) هذا الفعل يكسبك أجمل الذكر مع تحليك بالإنصاف الذي لا شيء يعدله. ولا يكن غرضك أن توهم نفسك أنك غالب، أو توهم من حضرك ممن يغتر بك ويثق بحكمك أنك غالب، وأنت بالحقيقة مغلوب، فتكون خسيسا وضيعا جدا وسخيفا البتة وساقط الهمة وبمنزلة (٣) من يوهم نفسه أنه ملك مطاع وهو شقي منحوس، أو في نصاب من يقال له إنك أبيض مليح وهو أسود مشوه، فيحصل مسخرة ومهزأة عند أهل العقول الذين قضاؤهم هو الحق. واعلم أن من رضي بهذا فهو مغرور (٤) وسبيله سبيل صاحب الأماني فإنها (٥) بضائع النوكى؛ والمغرى بها يلتذ بها (٦) [٨٨ظ] حتى إذا ثاب إليه عقله ونظر في حاله علم أنه في أضاليل وأنه ليس في يده شيء. وإياك والالتفات إلى من يتبجح بقدرته في (٧) الجدل فيبلغ به الجهل والنوك (٨) إلى أن يقول: إني قادر على أن أجعل الحق باطلا والباطل حقا، فلا تصدق مثل هؤلاء الكذابين فإنهم سفلة أرذال (٩) أهل كذب وشر ومخرقة. واعلم أنه لا سبيل إلى ذلك لأحد ولا هو في قوة مخلوق أصلا، والتمويهات كلها قد بينتها لك، وهي مضمحلة، إذا حصلت وفتشت لم توجد إلا دعاوى (١٠) وحماقات. ومن فاحش ما يعرض في هذه السبل أن يلوح البرهان للمرء فيحدوه الالف

стр. 1256

بما قد ألفه من المذاهب (١) إلى أن يقول: لابد أن (٢) ها هنا حجة (٣) تعارض هذا البرهان وإن خفيت عني. واعلم أن هذا مغرور شقي جدا لأنه غلب ظنه على يقينه، وصدق ما لم يصح عنده، وكذب ما صح عنده، وأثبت ما لعله أن لا يكون، وترك حاصلا قد كان؛ وهذا غاية الخذلان، ومثله من ترك برهانا قد صح عنده لتمويه لم يتدبره فحمله التهور على اعتقاده. وبالجملة فالجهل لا خير فيه، والعلم إذا لم يستعمله صاحبه فهو أسوأ حالا من الجاهل، وعلمه حجة زائدة عليه. وإياك وتقليد الآباء فقد ذم الله ذلك، ولو كان محمودا لعذر من وجد آباءه زناة أو سراقا أو على بعض الخلال التي هي أخبث مما ذكرنا في أن يقتدي بهم. وإياك والاغترار بكثرة صواب الواحد فتقبل له قولة واحدة بلا برهان، فقد يخطئ في خلال صوابه في ما (٤) هو أبين وأوضح من كثير مما أصاب فيه. واقنع من خصمك بالعجز عن (٥) أن ينصر قوله، ولا تطالبه بالإقرار بالغلبة، فليس ذلك من فعال (٦) أهل القوة. وهذا باب لا ينتج شيئا (٧) إلا العداوة وأن توصف بلؤم الظفر، ولتكن رغبتك في أن تكون محقا عالما عاقلا (٨) غالبا في الحقيقة، وإن سميت مبطلا جاهلا أحمق مغلوبا، أكثر من رغبتك في أن تسمى محقا عالما عاقلا غالبا وأنت في الحقيقة مبطل جاهل أحمق (٩) مغلوب؛ بل لا ترغب في هذا (١٠) أصلا وعاده (١١) واكرهه جدا ولك فيمن وصفه الجهال بذلك (١٢)

стр. 1257

قبلك من المرسلين ﵈ والأفاضل المتقدمين (١) أفضل أسوة وأكرم (٢) قدوة، وكذلك أن توصف بالفسق وأنت فاضل خير من أن توصف بالفضل وأنت فاسق. وتحفظ من الخروج من مسألة إلى مسألة قبل تمام الأولى وبيانها (٣) فهذا من أفعال أهل الجهل. واحذر مكالمة من ليس مذهبة إلا [٨٨ظ] المضادة والمخالفة أو الصياح (٤) والمغالبة، فلا تتعن به ولو أمكنك (٥) صرفه عن ضلاله بالوعظ لكان حسنا. فإن لم يكن فبالزجر والقدع (٦) فإن كان ممتنع الجانب فليجتنب كما يجتنب المجنون فأذاه أكثر (٧) من أذى كثير من (٨) المجانين. وتحفظ من الكلام بحيث يتعصب عليك ظلما، واحذر (٩) من أن تجيب نفسك عن خصمك مثل أن تقول له: إن قلت كذا ألزمك كذا (١٠) ، فلعله لا يقول ذلك فتخزى، إلا أن تكون مؤلفا (١١) ، فلا بد لك من ذلك (١٢) ومن إنصاف خصمك وتقصي حججه وإلا كنت ظالما. وتحفظ أن تقول خصمك ما لم يقل (١٣) فتكذب. وتحفظ من أن تجيب من (١٤) لم يسألك فتحصل على الخزي (١٥) ؛ وأقل ذلك أن يعرض عنك، فكيف إن قال لك: لم

стр. 1258

أسألك. ولا تتكلم على لسان مناظر (١) غيرك حتى يدع الكلام ويبيح لك مناظره أن تكلمه، فأقل ما في هذا أن يقول لك: أنا غني عن نصرك، ويقول له خصمه: أنا أقويك به مباركا لك (٢) فيه فتخزى جدا (٣) . وإياك والكلام في علم من العلوم حتى تتبحر فيه إلا على سبيل (٤) الاستفهام والتزيد إلا ما أحسنت منه فقط. واعترف لمن هو أعلم منك فهو أزين (٥) لك، ولا تبخسه حقه فلن ينقصه تنقصك (٦) إياه بل هو نقص فيك. وإياك والامتداح بما تحسن، واترك ذلك فهو من غيرك فيك أحسن، ولا تحقر أحدا حتى تعرف ما عنده فربما فجأك منه ما لم تحتسب، وليس ذلك إلا من فعل أهل النوك الذين لا يحصلون. واحذر كل من لا ينصف وكل من لا يفهم، ولا تكلم إلا من ترجو إنصافه وفهمه، وأنفق الزمان الذي يمضي ضياعا في مكالمة من لا يفهم ولا ينصف فيما هو أعود عليك تعش غانما للفضائل (٧) سالما من المغالط (٨) وهذا حظان جليلان جدا. واجعل بدل كلامه (٩) حمد الله على السلامة من مثل حاله، ولا تتكلم إلا في إبانة حق أو استبانتة. واعلم أنه لا يقدر أحد على هذه الشروط إلا بخصلة واحدة وهي أن يروض نفسه على قلة المبالاة بمدح الناس له أو ذمهم إياه، ولكن يجعل وكده طلب الحق لنفسه فقط (١٠) . وقد ذكرت الأوائل في صفة المنقطع الذي لا ينصف (١١) وجوها نذكرها وهي:

стр. 1259

منها أن يقصد إبطال الحق أو التشكيك (١) فيه ومن هذا النوع أن يحيل في جواب ما يسأل عنه على أنه ممتنع غير ممكن. والثاني: أن يستعمل البهت والرقاعة والمجاهرة بالباطل ولا يبالي بتناقض قوله ولا بفساد ما ذهب إليه (٢) ومن ذلك أن يحكم بحكم ثم ينقضه. والثالث: الانتقال من قول إلى قول وسؤال إلى [٨٩و] سؤال على سبيل التخليط لا على سبيل الترك والإنابة (٣) . والرابع أن يستعمل كلاما مستغلقا يظن الجاهل أنه مملوء حكمة وهو مملوء هذرا. ومن أقرب ما حضرني ذكره حين كتابي هذا على كثرة (٤) هذا الشأن في كتب الناس فكتاب أبي الفرج القاضي المسمى " باللمع " (٥) فإنه مملوء كلاما مغلقا لا معنى له إلا التناقض والهدم لما بنى (٦) . وفي زماننا هذا من سلك هذه الطريق في كلامه فلعمري لقد أوهم خلقا كثيرا أنه ينطق بالحكمة ولعمري إن أكثر كلامه ما يفهمه هو فكيف غيره. والخامس أن يحرج خصمه ويلجئه إلى تكرار الكلام بلا زيادة فائدة لأنه يرجع إلى الموضوع الذي طرد عنه ويلوذ حواليه بلا حياء ولا تقوى ولا مزيد أكثر من وصف قوله بلا حجة. والسادس الإيهام بالتضاحك والصياح والمحاكاة والتطييب (٧) والاستجهال والجفاء وربما بالسب (٨) والتكفير واللعن والسفه والقذف للأمهات (٩) والآباء وبالحرى إن لم يكن لطام وركاض. وأكثر هذه المعاني ليست تكاد تجد في أكثر أهل زماننا غيرها، والله المستعان. والناس في كلامهم الذي فضلوا به على البهائم والذي لولاه لكانوا (١٠) من أشباه

стр. 1260

الحمير والبقر، على ثلاثة أصناف (١) : فصنف لا يبالي فيما صرف كلامه مبادرا إلى الإنكار أو التصديق أو المكابرة دون تحقيق، فإن سألته إثر انقضاء كلامه عن القول الذي نصر دون تحقيق لم يدر ولا عرف من نصر ولا قوله، وهذا هو الأغلب في الناس، وتجد من هذه صفته يضن على أخيه وجاره بزبل منتن عند رجلي حماره فلا يبذله لمن ينتفع به، وهو أسمح الناس بالنطق الذي بان به عن التيوس والكلاب في غير أجر ولا بر لكن في الباطل والوزر والإفساد، وإن لم يحصل من ذلك ظاهرا إلا على تخشين (٢) أنابيب صدره وتصديع رأسه واحتدام طبعه وإن سفه وسفه عليه. وصنف آخر ينصر ما عقد عليه نيته واعتقده بغير برهان، فلا يبالي بما نصره من حق أو باطل أو محال أو مكابرة أو أذى، وكذلك لا تجده اعتقد ما اعتقد إلا إلفا أو تقليدا أو شهوة، دون تحري حق ولا مجانبة باطل، وهؤلاء كثير وهم دون الأولين. وصنف ثالث لا يقصدون إلا إلى (٣) نصر الحق وقمع الباطل وهؤلاء قليل جدا، ولا أعلم في الموجودات شيئا أقل [٨٩ظ] منه البتة، نسأل الله تعالى أن يثبتنا في عدادهم (٤) وأن لا يحيلنا (٥) عن هذه الصفة الكريمة بمنة آمين، فإن العاقل ينبغي له أن يبغض نفقة حياته ونطقه (٦) اللذين بهما أبانه خالقه تعالى عن الجمادات وسائر الحيوانات في غير ما ينتفع به لمعاده أكثر مما يبغض إنفاق ماله الذي هو غاد عنه ورائح. واعلم أن ما ذكرنا من الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة (٧) المطالعة لجميع الآراء والأقوال (٨) والنظر في طبائع

стр. 1261

الأشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها وتفتيشها، والإشراف على الديانات والآراء (١) والنحل والمذاهب والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم، فمن ذم من الجهال ما ذكرنا فليعلم أنه (٢) خالف ربه تعالى، فقد أعلمنا (٣) في كتابه المنزل أقوال المختلفين من أهل الجحد القائلين بأن العالم لم يزل، ومن أهل الثنوية (٤) ، ومن أهل التثليث ومن الملحدين (٥) في صفة كل ذلك ليرينا تعالى تناقضهم وفساد أقولهم. ثم نرجع فنقول: ولابد لطالب الحقائق من الاطلاع على القرآن ومعانيه ورتب (٦) ألفاظه وأحكامه وحديث النبي ﷺ وسيره الجامعة لجميع الفضائل المحمودة في الدنيا والموصلة إلى خير (٧) الآخرة. ولابد له مع ذلك من مطالعة الأخبار القديمة والحديثة والإشراف على أقسام (٨) البلاد ومعرفة الهيئة والوقوف على اللغة التي تقرأ الكتب المترجمة بها والتبحر في وجوه المستعمل منها، ولابد له مع ذلك من مطالعة النحو ويكفيه منه ما يصل به إلى اختلاف المعاني بما يقف عليه من اختلاف الحركات في الألفاظ ومواضع الإعراب منها فقط، وهذا مجموع في كتاب " الجمل " لأبي القاسم عبد الرحمن ابن إسحاق الزجاجي الدمشقي (٩) . وأما كل ما تقدم فليستكثر منه ما أمكنه، ولذلك حدان: حد هو الغاية وحد هو الذي لا ينبغي أن يقتصر على أقل منه. فالحد الأكبر

стр. 1262

هو ألا تخلو (١) من النظر في العلوم التي قدمنا إلا في أوقات (٢) أداء الفرائض والنظر فيما لابد لك منه من المعاش وترك كل ما يمكن أن تستغني عنه من أمور الدنيا. واعلم أن نظرك في العلوم على نية إدراك الحقائق في إنكار الباطل ونصر الحق وتعليمه للناس وهدي الجاهل ومعرفة ما تدين به خالقك لئلا تعبده (٣) على جهل فتخطئ أكثر مما تصيب من (٤) ملة الله تعالى ونحلة الحق والمذهب المصيب في أداء ما تعبدك به تعالى [٩٠و] ونفعك الناس في أديانهم وأبدانهم وتدبير أمورهم وإنفاذ أحكامهم وسياستهم، وتبصير من يتولى شيئا من ذلك وتعديل طبعة ونصيحته في ذلك، بالحق وتفهيمه وتقبيح القبيح لديه، أفضل عند الله من كل نافلة تتقرب بها (٥) إلى الله وأعظم أجرا وأعود عليك من كل مال تتكسبه (٦) بعد ما لا قوام لجسمك وعيالك إلا به مما لعلك تتركه لمن لو شاهدت فعله فيه (٧) بعدك لغاظك، ومن كل جاه لعله لا يكسبك إلا الإثم والخوف والتعب والغيظ. واعلم أن ذلك أعظم ثوابا وأفضل عاقبة وأكثر منفعة من صلتك الناس بالدنانير والدراهم؛ وضرر الجهل والخطاء أشد وأعظم من ضرر الفقر والخمول. واعلم أنك لا تورث العلم إلا من يكسبك الحسنات وأنت ميت، والذكر الطيب وأنت رميم، ولا يذكرك إلا بكل جميل. ولا تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه إلا كل فاضل بر (٨) ، ولست تصحب في طلب المال والجاه إلا أشباه الثعالب والذئاب. وأحدثك في ذلك بما نرجو (٩) أن ينتفع به قارئه إن شاء الله تعالى، وذلك (١٠)

стр. 1263

أني كنت معتقلا في يد (١) الملقب بالمستكفي (٢) وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر (٣) في مطبق (٤) وكنت لا آمن قتلته لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر (٥) ﵁، وكان العيارون (٦) قد انتزوا (٧) بهذا الخاسر على المستظهر فقتله، واستولى على الأمر واعتقلنا حيث ذكرنا. وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة، وهي متصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى أن لاح لي وجه البيان فيها وصح لي وحق لي الحق يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفت (٨) فبالله الذي لا إله إلا هو الخالق الأول (٩) مدبر الأمور كلها أقسم، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به وإشراق الصواب لي أشد من سروري بإطلاقي (١٠) مما كنت فيه، وما ألفنا كتابنا هذا وكثيرا من كتبنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا،

стр. 1264

لا نسر (١) هذا بل نعلنه، ولا يمكن الطالب (٢) إبطال قولنا في ذلك، إلى الله تعالى نشكو، وإياه نستحكم لا سواه، لا إله إلا هو. وأما الحد الأصغر الذي لا (٣) ينبغي للعاقل أن [٩٠ظ] يقصر دونه فلينظر الوقت الذي ينفرد فيه (٤) للفضول من الحديث الذي لا يجدي (٥) مع جيرانه أو القعود متبطلا بلا شغل لا من عمل أخرى ولا من عمل دنيا، أو حين مشيه في الأرض مرحا، وقد نهاه خالقه تعالى عن ذلك، فليجعل هذه الأوقات (٦) للتعلم والنظر في العلوم التي قدمنا ورياضة طبعه على العدل الذي هو أس كل فضيلة، فإن العدل يقتضي أن لا يميل لقول على قول إلا ببرهان واضح، ويقتضي له أيضا أن لا يشتغل بالأدنى ويترك الأفضل، فإنه إن فعل هكذا أوشك أن يظفر بما فيه الفوز في الدارين. وأما الأوقات التي يشتغل فيها أهل الجهل إما باللذات بالمعاصي، وإما بظلم الناس في أموالهم، والسعي بالفساد في سياستهم، والنيل من أعراضهم، والجور عليهم، فإن اشتغالهم بالأمراض المؤلمة لأنفسهم المؤذية لأبدانهم أعود عليهم من ذلك وأفضل، فكيف الاشتغال بالعلوم المؤدية إلى خير الدنيا وفوز الآخرة وقد قال الواحد الأول: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر:٢٨) وقال رسول الله ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (٧) ولا فقه إلا بمعرفة ما ذكرنا والإشراف عليه. فمن حرم ما ذكرنا (٨) فما أخوفنا عليه أن يكون الله لم يرد به خيرا، نعوذ بالله من ذلك لأنفسنا ولأبنائنا ولإخواننا ولكل أهل (٩) الخير والفضل، وما توفيقنا إلا بالله .

стр. 1265

واعلم أن من فضل العلم والإكباب على طلبه والعمل بموجبه أنك تحصل على طرد الهم (١) الذي هو الغرض الجامع لجميع المقاصد من كل قاصد أولها عن آخرها وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل لا إله إلا هو. ١٩ - باب كيفية أخذ المقدمات من (٢) العلوم الظاهرة عند الناس بإيجاز (٣) العلوم الدائرة بين الناس اليوم المقصودة بالطلب اثنا عشر علما، وينتج منها علمان زائدان، وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين، ولكن إنما نتكلم على ما ينتفع به الناس في كل زمان مما يتوصلون به إلى مطلوبهم من إدراك العلوم بحول الله تعالى وقوته. فالعلوم التي ذكرنا: علم القرآن. وعلم الحديث. وعلم المذاهب. وعلم الفتيا. وعلم المنطق. وعلم النحو (٤) . وعلم اللغة. وعلم الشعر. وعلم الخبر. وعلم الطب. وعلم العدد والهندسة (٥) . وعلم النجوم. وينتج من هذه علم العبارة وعلم البلاغة. فأما علم القرآن فينقسم أقساما [٩١و] وهي علم قراءاته وإعرابه وغريبه وتفسيره وأحكامه؛ فالمرجوع إليه من علم قراءته مقدمات مقبولة راجعة إلى قراء مرضيين معلومين، راجعة إلى النبي ﷺ الذي قد قامت البراهين على صحة نقلها عنه وعلى صحة ثبوته. وأما إعرابه فهو مقدمة صحيحة فيه إذا أخذ (٦) اللفظ فيه على حركات ما وهيئة ما فهو أصل مرجوع إليه. وأما لغته فإلى المعهود منها في اللغة العربية. وأما أحكامه فإلى مفهوم ألفاظها وإلى بيان النبي ﷺ لها.
следующие страницы →