← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وان كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جداً في الإمكان، فما نعلم أحداً ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته (١) بالإضافة إلى غامرها (٢) فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط - فتفكر فيما قال ابن السماك (٣) للرشيد، وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها فقال له الرشيد بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين، فلو منعت من خروجها منك، بكم كنت ترضى تفتدي من ذلك قال: بملكي كله. فقال: يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك ﵀. وان كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أن ملك السودان وهو رجل أسود (٤) مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك. فان قلت أخذته بحق، فلعمري ما أخذته بحق اذ استعملت فيه رذيلة العجب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة لا حالة يجب العجب فيها. (ز) وان أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت. واعلم ان عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها الا بان تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط. والمال ايضاً غاد ورائح (٥) ، وربما زال

стр. 387

عنك ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف. (ج) وان اعجبت بحسنك ففكر فيما عليك مما نستحيي نحن من اثباته وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن. وفيما ذكرنا كفاية. (ط) وان اعجبت بمدح اخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك اياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب، فان لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله. فان استحقرت عيونك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل اطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك ان كانت لك مسكة من تمييز. واعلم بأنك لو تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الأخلاق من امتزاج ناصرها المحمولة في النفس فستقف من ذلك وقوف يقين على ان فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وانك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها حمداً لواهبك إياها وإشفاقاً من زوالها، فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم، وارحم من منع ما منحت، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاطي (١) على واهبها تعالى، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقاً، فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلاً واجلاً. ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربواً في الطحال شديداً، فولد علي لك من الضجر وضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمراً حاسبت نفسي فيه، اذ أنكرت تبدل خلقي، فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي، وصح عندي أن الطحال موضع الفرح، فإذا فسد تولد ضده.

стр. 388

(ي) وان أعجبت بنسبك، فهذه اسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك. ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء ﵈ ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الاسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة. فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك. ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً، وشربة خمور، ولاطة، ومتعبثين (١) ، ونوكى، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا آثاراً (٢) قبيحة يبقى عارهم بذلك على الأيام، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فان كان ذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار، لا في الاعجاب. (ك) فان أعجبت بولادة الفضلاء اياك، فما أخلى يدك من فضلهم ان لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة ان لم تكن محسناً، والناس كلهم ولد آدم الذي خلقه الله تعالى بيده، وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته، ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيهم كل عيب (٣) وكل فاسق وكل كافر. واذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده او بفضله في نفسه ولا ماله، فأي معنى

стр. 389

للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك الا كالمعجب بمال جاره وبجاه غيره وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه (١) ، وكما تقول العامة في أمثالها: " كالخصي يزهى بذكر ابيه ". (٢) (ل) فان تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مفارقة (٣) ما فيك من العجب. هذا ان امتدحت بحق، فكيف ان امتدحت بكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وابراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك. وقد كان فيمن ولد لغير رشدة، من كان الغاية في رئاسة الدنيا كزياد وأبي مسلم، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل ممن يتقرب إلى الله تعالى بمحبته (٤) والاقتداء بحميد آثاره. (م) وان أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وان أعجبت بخفتك، فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب. فمن اعجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق. ١٦٢ - واعلم أن من قدر في نفسه عجباً أو ظن لها على سائر الناس فضلاً، فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة، فان رأى في نفسه قلة الصبر (٥) فليعلم أن جميع أهل

стр. 390

البلاء من المجذمين وغيرهم من الصابرين، أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز. وان رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم وإما مساو لهم، ولا مزيد. ١٦٣ - ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله تعالى من نعمة أو مال أو خول أو أتباع أو صحة أو جاه، فان وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى، ووجدها حائفة في العدل، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخولين أكثر مما هو فيه، أفضل منه. فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل، فالعادل بعيد من العجب البتة لعلمه بموازين الأشياء، ومقادير الأخلاق، والتزامه التوسط الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين. فإن أعجب لم يعدل، بل قد مال إلى جنبة الافراط المذمومة. ١٦٤ - ولتعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل، لان العاقل الرفيع النفس العالي الهمة، انما يغالب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة، فسقوط في الطبع ورذالة في النفس والخلق وعجز ومهانة، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ او بعقر برغوث او بفرك قملة وحسبك بهذا ضعة وخساسة. ١٦٥ - واعلم أن رياضة النفس (١) أصعب من رياضة الأسد، لان الأسد اذا سجنت في البيوت التي تتخذها (٢) لها الملوك، أمن شرها، والنفس ان سجنت لم يؤمن شرها.

стр. 391

١٦٦ - العجب أصل يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والنخوة والتعاطي (١) وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة، ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس، فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة: فمن معجب بعلمه فيكفهر ويتغلق (٢) على الناس، ومن معجب بعمله فيترفع ويتعاطى (٣) ، ومن معجب برأيه فيزهو على غيره، ومن معجب بنفسه فيتيه، ومن معجب بجاهه وعلو حاله فيتكبر وينتخي (٤) . ١٦٧ - وأقل مراتب العجب أن تراه يتوقر عن الضحك [في مواضعه] (٥) وعن خفة الحركات وعن الكلام إلا فيما لابد له منه من أمور دنياه، وعيب هذا أقل من عيب غيره، ولو فعل هذه الأفاعيل على سبيل الاقتصار على الواجبات وترك الفضول لكان ذلك فضلاً وموجباً لحمدهم، ولكنهم إنما يفعلون ذلك احتقاراً للناس وإعجاباً بأنفسهم، فحصل لهم بذلك استحقاق الذم، و " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ". حتى إذا زاد الأمر، ولم يكن هنالك تمييز يحجب عن توفيته العجب حقه ولا عقل جيد، حدث من ذلك ظهور الاستخفاف بالناس واحتقارهم بالكلام وفي المعاملة، حتى إذا زاد على ذلك وضعف التمييز والعقل ترقى ذلك إلى الاستطالة على الناس بالأذى باللسان واليد والتحكم والظلم والطغيان (٦) واقتضاء الطاعة لنفسه والخضوع لها إن أمكنه ذلك. فإن لم يقدر على ذلك امتدح بلسانه واقتصر على ذم الناس والاستهزاء بهم. ١٦٨ - وقد يكون العجب لغير معنى ولغير فضيلة في

стр. 392

المعجب، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب، وهو شيء يسميه عامتنا " التمييز المتمندل " (١) وكثيراً ما نراه في النساء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال، وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلاً، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه وهو يعلم مع ذلك انه صفر من ذلك كله، لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة (٢) ، وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها، فربما يتوهم إن كان ضعيف العقل انه قد بلغ الغاية القصوى منها، كمن له حظ من علم، فهو يظن أنه عالم كامل، أو كمن له نسب معرق في ظلمة، وتجدهم لم يكونوا أيضاً رفعاء في ظلمهم، فتجده لو كان ابن فرعون ذي الأوتاد ما زاد على إعجابه الذي فيه، او له شيء من فروسية فهو يقدر انه يهزم علياً ويأسر الزبير ويقتل خالداً، أو له شيء من جاه رذل لا يرى الاسكندر على حال، أو يكون قوياً على أن يكسب، ما يتوفر بيده مويل يفضل عن قوته، فلو أخذ بقرني الشمس لم يزد على ما هو فيه. وليس يكثر العجب من هؤلاء وإن كانوا عجباً، لكن ممن لاحظ له من علم أصلاً، ولا نسب البتة، ولا مال ولا جاه ولا نجدة، بل نراه في كفالة غيره مهتضماً لكل من له أدنى طاقة، وهو يعلم أنه خال من كل ذلك، وأنه لاحظ له في شيء منه، ثم هو مع ذلك في حالة المزهو التياه. ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن سبب علو

стр. 393

نفسه واحتقاره الناس، فما وجدت عنده مزيداً على ان قال لي: " أنا حر لست عبد أحد ". فقلت له: أكثر من تراه يشاركك في هذه الفضيلة، فهم أحرار مثلك إلا قوماً من العبيد هم أطول يداً منك وأمرهم نافذ عليك وعلى كثير من الأحرار. فلم أجد عنده زيادة. فرجعت إلى تفتيش أحوالهم ومراعاتها، فأفكرت في ذلك سنين لأعلم السبب الباعث لهم على هذا العجب الذي لا سبب له، فلم أزل اختبر ما تنطوي عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم ومن مراميهم في كلامهم، فاستقر أمرهم على انهم يقدرون أن عندهم فضل عقل وتمييز ورأي أصيل، لو أمكنتهم الأيام من تصرفه أو وجدوا (١) فيه متسعاً لأداروا الممالك الرفيعة ولبنان فضلهم على سائر الناس، ولو ملكوا مالاً لأحسنوا تصريفه، فمن هاهنا تسرب التيه إليهم وسرى العجب فيهم. ١٦٩ - وهذا مكان فيه للكلام شغب عجيب ومعارضة معترضة وهو انه ليس شيء من الفضائل كلما كان المرء منه أعرى قوي ظنه انه قد استولى عليه واستمر يقينه في أنه قد كمل فيه إلا العقل والتمييز، حتى انك تجد المجنون المطبق والسكران الطافح يسخران بالصحيح، والجاهل الناقص يهزأ بالحكماء والأفاضل العلماء، والصبيان الصغار يتفكهون (٢) بالكهول، والسفهاء العيارين يستخفون بالعقلاء المتصاونين، وضعفة النساء يستنقصن عقول أكابر الرجال وآراءهم، وبالجملة: فكلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلا وأكمل ما كان تمييزاً، ولا يعرض هذا في سائر الفضائل، فإن العاري منها جملة يدري أنه عار منها، وإنما يدخل الغلط على من له أدنى حظ منها وإن قل، فإنه يتوهم حينئذ إن كان ضعيف التمييز أنه علي (٣) الدرجة فيه. ودواء من ذكرنا الفقر والخمول، ولا دواء لهم أنجع منه

стр. 394

وإلا فداؤهم وضررهم على الناس عظيم جداً، فلا تجدهم إلا عيابين للناس وقاعين في الأعراض، مستهزئين بالجميع، مجانبين للحقائق، مكبين على الفضول، وربما كانوا مع ذلك متعرضين للمشاتمة والمهارشة، وربما قصدوا إلى الملاطمة والمضاربة عند أدنى سبب يعرض لهم. ١٧٠ - وقد يكون العجب كميناً في المرء حتى إذا حصل على أدنى جاه ومال ظهر ذلك عليه، وعجز عقله عن قمعه وستره. ١٧١ - ومن طريف ما رأيت في بعض أهل الضعف أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده الصغير وامرأته حتى يصفها بالعقل في المحافل، وحتى إنه يقول هي أعقل مني، وأنا أتبرك بوصيتها. وأما مدحه إياها بالجمال والحسن والعافية فكثير في أهل الضعف جداً، حتى انه لو كان خاطباً لها زاد على ما يقول في ترغيب السامع لوصفه فيها، ولا يكون هذا إلا في ضعيف العقل عار من العجب بنفسه. ١٧٢ - إياك والامتداح، فغن كل من يسمعك، لا يصدقك وإن كنت صادقاً، بل يجعل ما سمع منك من ذلك من أول معايبك، وإياك ومدح أحد في وجهه، فإنه فعل أهل الملق وضعفة النفوس. وإياك وذم أحد في حضرته ولا في مغيبه، فلك في إصلاح نفسك شغل. ١٧٣ - وإياك والتفاقر (١) ، فإنك ما تحصل من ذلك إلا على تكذيبك أو احتقار من يسمعك، ولا منفعة لك في ذلك أصلاً إلا كفر نعمة ربك وشكواه إلى من لا يرحمك. وإياك ووصف نفسك باليسار، فإنك لا تزيد على اطماع السامعين فيما عندك ببطر (٢) ولا تزد على شكر الله تعالى وذكر فقرك إليه وغناك عمن دونه فغن هذا يكسبك

стр. 395

الجلالة والراحة من الطمع فيما عندك. [و] العاقل هو من لا يفارق ما أوجبه تمييزه، ومن سبب للناس الطمع فيما عنده لم يحصل إلا على أن يبذله لهم، فلا غاية لهذا أو يمنعهم فيلؤم ويعادونه، فإذا أردت أن تعطي أحداً شيئاً فليكن ذلك منك قبل أن يسألك، فهو أكرم وأنزه وأوجب للمجد (١) . ١٧٤ - من بديع ما يقع في الحسد قول الحاسد إذا سمع إنساناً يغرب (٢) في علم ما: " هذا شيء بارد، إذ لم يتقدم إليه ولا قاله قبله أحد ". فإن سمع من يبين ما قد قاله غيره قال: " هذا بارد وقد قيل قبله ". وهذه طائفة سوء قد نصبت أنفسها للقعود على طريق العلم يصدون الناس عنها ليكثر نظراؤهم من الجهال. ١٧٥ - إن الحكيم لا تنفعه حكمته عند الخبيث الطبع، بل يظنه خبيثاً مثله. وقد شاهدت أقواماً ذوي طبائع ردية، وقد تصور في أنفسهم الخبيثة أن الناس كلهم على مثل طبائعهم لا يصدقون أصلاً بأن أحداً هو سالم من رذائلهم بوجه من الوجوه، وهذا أفسد (٣) ما يكون من فساد الطبع والبعد عن الفضل والخير. ومن كانت هذه صفته لا ترجى له معافاة (٤) أبداً، وبالله تعالى التوفيق. ١٧٦ - العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم إذا رأى من يريد ظلمه دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحداً يذم العدل. فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين. ١٧٧ - الاستهانة نوع من (٥) أنواع الخيانة: إذ قد يخونك من

стр. 396

لا يستهين بك، ومن استهان بك فقد خانتك الانصاف، فكل مستهين خائن، وليس كل خائن مستهيناً. ١٧٨ - الاستهانة بالمتاع دليل على الاستهانة برب المتاع. ١٧٩ - حالتان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما وهما المعاتبة والاعتذار، فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي وذكر الاحسان، وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين. ١٨٠ - لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو انه أشد العيوب وأعظم الرذائل ما لم يظهره بقول أو فعل، بل يكاد يكون أحمد ممن أعانه طبعه على الفضائل، ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل. ١٨١ - الخيانة في الحرم أشد من الخيانة في الدماء. ١٨٢ - العرض أعز على الكريم من المال؛ ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله، ويصون نفسه بجسمه، ويصون عرضه بنفسه، ويصون دينه بعرضه ولا يصون بدينه شيئاً أصلاً. ١٨٣ - الخيانة في الأعراض أخف من الخيانة في الأموال، وبرهان ذلك أنه لا يكاد يوجد من لا يخون في العرض وإن قل ذلك منه وكان من اهل الفضل. وأما الخيانة في الأموال، وإن قلت أو كثرت، فلا تكون إلا من رذل بعيد عن الفضل. ١٨٤ - القياس في أحوال الناس قد يكذب في أكثر الأمور ويبطل في الأغلب، واستعمال ما هذه صفته في الدين لا يجوز. ١٨٥ - المقلد راض ان يغبن عقله، ولعله مع ذلك يستعظم أن يغبن ماله فيخطئ في الوجهين معاً. ١٨٦ - لا يكره الغبن في ماله ويستعظمه إلا لئيم الطبع دقيق الهمة مهين النفس.

стр. 397

١٨٧ - من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمر به الله تعالى ورسوله ﷺ فإنه يحتوي على جميع الفضائل. ١٨٨ - رب مخوف كان التحفظ (١) منه سبب وقوعه. ورب سر كانت المبالغة في طيه علة انتشاره (٢) ، ورب إعراض أبلغ في الاسترابة من إدامة النظر. واصل ذلك كله الإفراط الخارج عن حد الاعتدال. ١٨٩ - الفضيلة وسيطة بين الإفراط والتفريط، فكلا الطرفين مذموم، والفضيلة وسيطة بينهما محمودة، حاشا العقل فإنه لا إفراط فيه. ١٩٠ - الخطأ في الحزم خير من الخطأ في التضييع. ١٩١ - من العجائب ان الفضائل مستحسنة ومستثقلة، والرذائل مستقبحة ومستخفة. ١٩٢ - من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه، فإنه يلوح له وجه تعسفه. ١٩٣ - حد الحزم معرفة الصديق من العدو. وغاية الخرق والضعف جهل العدو من الصديق. ١٩٤ - لا تسلم عدوك لظلم ولا تظلمه، وساو في ذلك بينه وبين الصديق، وإياك وتقريبه وإعلاء قدره فإن هذا من فعل النوكى. ومن ساوى بين عدوه وصديقه في التقريب والرفعة، فلم يزد على أن زهد الناس في مودته وسهل عليهم عداوته، ولم يزد على استخفاف عدوه وتمكينه من مقاتله وإفساد صديقه على نفسه وإلحاقه بجملة أعدائه؛ غاية الخير أن يسلم عدوك من ظلمك ومن تركك إياه للظلم، وأما تقريبه فمن شيم النوكى الذين قد قرب منهم التلف؛ وغاية الشر إلا

стр. 398

يسلم صديقك من ظلمك، وأما إبعاده فمن فعل من لا عقل له، ومن قد كتب عليه الشقاء؛ ليس الحلم تقريب العدو، ولكنه مسالمتهم مع التحفظ منهم. ١٩٥ -[كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع، كان ذلك سبباً لهلاكه، فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض لا منفعة فيه أصلاً] . ١٩٦ -[كم شاهدنا ممن أهلكه كلامه ولم نر قط أحداً بلغنا أنه أهلكه سكوته، فلا تتكلم إلا بما يقربك من خالقك، فإن خفت ظالماً فاسكت] . ١٩٧ - قلما رأيت امراً أمكن فضيع إلا فات (١) فلم يمكن بعد. ١٩٨ - محن الإنسان في دهره كثيرة، وأعظمها محنته بأهل نوعه من الأنس [وداء] (٢) الإنسان بالناس اعظم من دائه بالسباع الكلبة والأفاعي الضارية، لأن التحفظ من كل ما ذكرنا ممكن، ولا يمكن التحفظ من الإنس أصلاً. ١٩٩ - الغالب على الناس النفاق، ومن العجب انه لا يجوز مع ذلك عندهم إلا من نافقهم. ٢٠٠ - لو قال قائل ان في الطبائع مزية كرية (٣) لأن أطراف الأضداد تلتقي، لم يبعد من الصدق. وقد نجد نتائج الأضداد تتساوى، فنجد المرء يبكي من الفرح ومن الحزن، ونجد فرط المودة يلتقي مع فرط البغضة في تتبع العثرات، وقد يكون ذلك سبباً للقطيعة عند عدم الصبر والإنصاف.

стр. 399

٢٠١ - كل من غلب عليه طبيعة ما، فإنه وإن بلغ الغاية من الحزم والحذر، فإنه مصروع إذا كويد من قبلها. ٢٠٢ - كثرة الريب تعلم صاحبها الكذب لكثرة ضرورته إلى الاعتذار بالكذب، فيضرى عليه ويستسهله. ٢٠٣ - اعدل الشهود على المطبوع على الصدق وجهه لظهور الاسترابة عليه إن وقع في كذبة أو هم بها. وأعدل الشهود على الكذاب لسانه لاضطرابه ونقض بعض كلامه بعضاً. ٢٠٤ - المصيبة في الصديق الناكث اعظم من المصيبة به. ٢٠٥ - اشد الناس استعظاماً (١) للعيوب بلسانه هو أشدهم استهلالاً لها بفعله. ويتبين ذلك في مسافهات أهل البذاء ومشاتمات الأرذال البالغين غاية الرذالة من الصناعات الخسيسة من الرجال والنساء كاهل التعيش بالزمير وكنس الحشوش والخادمين في المجازر وساكني دور الحمل المباحة لكراء الجماعات الرذلة والساسة للدواب، فإن كل من ذكرنا أشد الخلق رمياً من بعضهم لبعض بالقبائح وأكثرهم عيباً بالفضائح، وهم أوغل الناس فيها وأشهرهم بها. ٢٠٦ - اللقاء يذهب بالسخائم، فكان نظر العين إلى العين يصلح القلوب، فلا يسؤك التقاء صديقك بعدوك، فغن ذلك يفتر (٢) أمره عنك. ٢٠٧ - أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. وأشدها كلها إيلاماً للنفس الهم للفقد من المحبوب وتوقع المكروه، ثم المرض، ثم الخوف ثم الفقر. ودليل ذلك ان الفقر يستعجل ليطرد به الخوف، فيبذل المرء ماله كله ليامن، والخوف والفقر يستعجلان ليطرد

стр. 400

بهما ألم المرض فيغرر الإنسان في طلب الصحة ويبذل ماله فيها إذا أشفق من الموت ويود عند تيقنه (١) به لو بذل ماله كله ويسلم (٢) ويفيق. والخوف يستهل ليطرد به الهم، فيغرر المرء بنفسه ليطرد عنها الهم. وأشد الأمراض لها ألماً وجع ملازم في عضو ما بعينه. وأما النفوس الكريمة فالذل عندها أشد من كل ما ذكرنا وهو أشعل المخوفات عند ذوي النفوس اللئيمة.

стр. 401

٩ - فصل في غرائب أخلاق النفس ٢٠٨ - ينبغي للعاقل ان لا يحكم بما يبدو له من استرحام الباكي المتظلم وتشكيه وكثرة تلومه (١) وتقلبه وبكائه، فقد وقفت من بعض من يفعل هذا على يقين انه الظالم المعتدي المفرط في الظلم. ورأيت بعض المظلومين ساكن الكلام معدوم التشكي مظهراً لقلة المبالاة. فيسبق إلى نفس بعض من لا يحقق النظر انه ظالم، وهذا مكان ينبغي التثبت فيه ومغالبة (٢) ميل النفس جملة، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصد الإنصاف بما يوجبه الحق على السواء. ٢٠٩ - من عجائب الأخلاق ان الغفلة مذمومة، وأن استعمالها محمود. وإنما ذلك لان من هو مطبوع [على] الغفلة يستعملها في غير موضعها، وفي حيث يجب التحفظ، وهي تغيب عن فهم الحقيقة فدخلت تحت الجهل فذمت لذلك. وأما المتيقظ الطبع فإنه لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم [فيه] البحث والتقصي. والتغافل فهم للحقيقة وإضراب عن الطيش واستعمال للحلم وتسكين للمكروه، فلذلك حمدت حالة التغافل وذمت الغفلة. ٢١٠ - وكذلك القول في إظهار [الجزع وإبطانه] (٣)

стр. 402

وإظهار الصبر وإبطانه. فان اظهار الجزع عند حلول المصائب مذموم لانه عجز مظهره عن ملك نفسه فأظهر امراً لا فائدة فيه، بل هو مذموم في الشريعة وقاطع عما يلزم من الأعمال وعن التأهب لما يتوقع حلوله مما لعله أشنع من الأمر الواقع الذي عنه حدث الجزع.. فلما كان إظهار الجزع مذموماً كان ضده محمودا، وهو إظهار الصبر لأنه ملك النفس واطراح لما لا فائدة فيه وإقبال على ما يعود وينتفع به في الحال وفي المستأنف. وأما استبطان [الصبر] (١) فمذموم لأنه ضعف في الحس وقسوة في النفس وقلة رحمة. وهذه أخلاق سوء لا تكون إلا في أهل الشر وخبث الطبيعة وفي النفوس السبعية (٢) الرديئة. فلما كان ذلك نتيجة ما ذكرنا (٣) ، كان ضده محموداً وهو استبطان الجزع لما في ذلك من الرحمة والرقة والشفقة والفهم لقدر الرزية. فصح بهذا أن الاعتدال هو أن يكون المرء جزوع النفس صبور الجسد بمعنى أن لا يظهر في وجهه ولا في جوارحه شيء من دلائل الجزع وبالله تعالى التوفيق. ٢١١ - لو علم ذو الرأي الفاسد ما استضر به من فساد تدبيره في السالف لأنجح بترك استعماله فيما يستأنف.

стр. 403

١٠ - فصل في تطلع (١) النفس إلى معرفة ما تستر به عنها من كلام مسموع أو شيء مرئي وإلى المدح (٢) وبقاء الذكر ٢١٢ - هذان أمران لا يكاد يسلم منهما أحد إلا ساقط الهمة جداً أو من راض نفسه الرياضة التامة وقمع قوة نفسه الغضبية قمعاً كاملاً. ومداواة شره النفس إلى سماع كلام تستر به عنها أو رؤية شيء اكتتم به دونها أن يفكر فيما غاب عنها من هذا النوع في غير موضعه الذي هو فيه، بل في أقطار الأرض المتباينة، فان اهتم بكل ذلك فهو مجنون تام الجنون عديم العقل البتة. وأن لم يهتم لذلك فهل هذا الذي اختفى عنه إلا كسائر ما غاب عنه منه سواء بسواء ولا فرق ثم ليزدد احتجاجاً (٣) على هواه فليقل بلسان عقله لنفسه: يا نفس أرأيت لو لم تعلمي ان ها هنا شيئاً أخفي عنك أكنت تطلعين إلى معرفة ذلك فلا بد من لا، فليقل لنفسه: فكوني الآن كما كنت تكونين لو لم تعلمي بان ها هنا شيئاً ستر عنك، فتربحي الراحة وطرد الهم وألم القلق وقبح صفة الشره. وتلك غنائم كثيرة وأرباح جليلة وأغراض فاضلة سنية، يرغب العاقل فيها ولا يزهد فيها إلا تام النقص.

стр. 404

٢١٣ - واما من علق على وهمه وفكره بان يبعد اسمه في البلاد ويبقى ذكره على الدهور، فليتفكر في نفسه وليقل لها: يا نفس أرأيت لو ذكرت بأفضل الذكر في جميع أقطار المعمور أبد الأبد إلى انقضاء الدهور ثم لم يبلغني ذلك ولا عرفت به أكان لي في ذلك سرور وغبطة أصلاً فلا بد من " لا " ولا سبيل إلى غيرها البتة، فإذا صح ذلك وتيقن فليتعلم يقيناً أنه إذا مات فلا سبيل له إلى علم انه يذكر أو انه لا يذكر، وكذلك وأن كان حياً إذا لم يبلغه. ثم ليتفكر أيضاً في معنيين عظيمين أحدهما كثرة من خلا من الفضلاء من الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أولاً والذين لم يبق لهم على أديم الأرض عند أحد من الناس اسم ولا رسم ولا ذكر ولا خبر ولا أثر بوجه من الوجوه. ثم من الفضلاء الصالحين من أصحاب الأنبياء السالفين والزهاد ومن الفلاسفة والعلماء والأخيار وملوك الأمم الدارة وبناة المدن الخالية واتباع الملوك أيضاً الذين انقطعت أخبارهم فلم يبق لهم عند أحد علم ولا لأحد بهم معرفة أصلاً البتة. فهل ضر من كان فاضلاً منهم ذلك أو نقص من فضائلهم أو طمس من محاسنهم أو حط درجتهم عند بارئهم ومن جهل هذا الأمر فليعلم انه ليس في شيء من الدنيا خبر عن ملك من ملوك الدنيا والأجيال السالفة ابعد مما بأيدي الناس من تاريخ ملك بني اسرائيل فقط، ثم ما بأيدينا من تاريخ ملك يونان والفرس وكل ذلك لا يتجاوز ألفي عام، فأين ذكر من عمر الدنيا قبل هؤلاء أليس قد دثر وفني وانقطع ونسي البتة ولذلك قال الله تعالى: ﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ (النساء: ١٦٤) وقال تعالى: ﴿وقروناً بين ذلك كثيراً﴾ (الفرقان: ٣٨) وقال الله تعالى: ﴿والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ (إبراهيم: ٩) فهل الإنسان، وأن ذكر برهة من الدهر، إلا كمن خلا قبل من الأمم الغابرة الذين ذكروا ثم نسوا جملة

стр. 405

ثم ليتفكر الإنسان فيمن ذكر بخير أو بشر، هل يزيده ذلك عند الله تعالى درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته. فإذا (١) هذا كما قلنا فالرغبة في الذكر رغبة في غرور (٢) ، ولا معنى له ولا فائدة فيه أصلا، لكن إنما ينبغي ان يرغب العاقل في الاستكثار من الفضائل وأعمال البر التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل والثناء والحسن والمدح وحميد الصفة، فهي التي تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكوراً عنده الذكر الذي ينفعه ويحصل على بقاء فائدته ولا يبيد أبد الأبد، وبالله الوفيق. ٢١٤ - شكر المحسن (٣) فرض واجب، وإنما ذلك بالمقارنة له يمثل ما احسن فاكثر، ثم بالتهمم بأموره والتأتي بحسن الدفاع عنه ثم بالوفاء له، حياً وميتاً، ولمن يتصل به من شأفة (٤) وأهل كذلك، ثم بالتمادي على وده ونصيحته ونشر محاسنه بالصدق وطي مساويه ما دمت حياً وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك. وليس من الشكر عونه على الآثام وترك نصيحته في ما يوتغ (٥) به دينه ودنياه، بل من عاون من أحسن إليه على باطل فقد غشه وكفر إحسانه وظلمه وجحد إنعامه. وأيضاً فان إحسان الله تعالى وإنعامه على كل أحد اعظم واقدم وأهنأ من نعمة كل منعم دونه، فهو تعالى الذي شق لنا الإبصار الناظرة وفتق فينا الآذان السامعة ومنحنا الحواس الفاضلة ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا ان يخاطبنا، وسخر لنا ما في السماوات و [ما في] (٦) الأرض من الكواكب والعناصر، ولم يفضل

стр. 406

علينا من خلقه شيئاً غير ملائكته المقدسين الذين هم عمار السماوات فقط، فأين تقع نعم المنعمين من هذه النعم فمن قدر انه يشكر محسناً إليه بمساعدته (١) على باطل أو بمحاباته فيما لا يجوز فقد كفر نعمة اعظم المنعمين عليه وجحد إحسان اجل المحسنين إليه ولك يشكر ولي الشكر حقاً ولا حمد أهل الحمد أصلاً، وهو الله تعالى. ومن حال بين المحسن إليه وبين الباطل وأقامه على مر الحق، فقد شكره حقاً وأدى واجب حقه عليه مستوفى، ولله الحمد أولاً وآخراً وعلى كل حال.

стр. 407

١١ -[فصل] (١) في حضور مجالس العلم (٢) ٢١٥ - إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علماً وأجراً لا حضور مستغن بما عندك طالب عثرة تشنعها أو غريبة تشيعها، فهذه أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العالم أبداً. فإذا حضرتها على هذه النية، فقد حصلت خيراً على كل حال، فان لم تحضرها على هذه النية فجلوسك في منزلك أروح لبدنك وأكرم لخلقك واسلم لدينك. ٢١٦ - فإذا حضرتها كما ذكرنا فالتزم أحد ثلاثة اوجه لا رابع لها وهي: (أ) إما أن تسكت سكوت الجهال، فتحصل على اجر النية في المشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة الفضول وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس. (ب) فإن لم تفعل فأسأل سؤال المتعلم فتحصل على هذه الأربع المحاسن وعلى خامسة، وهي استزادة العلم. وصفة سؤال المتعلم هو أن تسال عن ما لا تدري لا عن

стр. 408

ما تدري فإن السؤال عما تدريه سخف وقلة عقل وشغل لكلامك وقطع لزمانك بما لا فائدة فيه لا لك ولا لغيرك وربما أدى إلى اكتساب العداوات. وهو يعد عين الفضول. فيجب عليك أن لا تكون فضولياً، فانها صفة سوء. فان أجابك الذي سألت بما فيه كفاية لك فاقطع الكلام، فان لم يجبك بما فيه كفاية، أو أجابك بما لم تفهم فقل له: لم أفهم، واستزده، فان لم يزدك بياناً وسكت أو أعاد عليك الكلام الأول ولا مزيد فأمسك عنه والا حصلت على الشر والعداوة ولم تحصل على ما تريده من الزيادة. (ج) والوجه الثالث ان تراجع مراجعة العالم، وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضاً بيناً، فان لم يكن ذلك عندك ولم يكن عندك إلا تكرار قولك أو المعارضة بما لا يراه خصمك معارضة، فأمسك لأنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر زائد ولا على تعليم، بل على الغيظ لك ولخصمك والعداوة التي ربما ادت إلى المضرات. وإياك وسؤال المعنت (١) ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم، فهما خلقا سوء دليلان على قلة الدين وكثرة الفضول وضعف العقل وقوة السخف، وحسبما الله ونعم الوكيل. ٢١٧ - وإذا ورد عليك خطاب بلسان أو هجمت على كلام في كتاب، فاياك أن تقابله مقابلة المغاضبة الباعثة على المغالبة (٢) قبل أن تتيقن بطلانه ببرهان قاطع. وأيضاً فلا تقبل عليه اقبال المصدق (٣) به المستحسن إياه قبل علمك بصحبته ببرهان قاطع فتظلم في كلا الوجهين نفسك وتبعد عن ادراك الحقيقة، ولكن أقبل عليه سالم القلب عن النزاع عنه والنزوع اليه، لكن إقبال من يريد حظ نفسه في فهم

стр. 409

ما سمع ورأى ليزيد (١) به علماً وقبوله ان كان حسناً أو رده ان كان خطأ، فمضمون لك، اذا فعلت ذلك، الأجر الجزيل والحمد الكثير والفضل العميم. ٢١٨ -[من اكتفى بقليله عن كثير ما عندك، فقد ساواك في الغنى ولو أنك قارون، حتى اذا تصاون في الكسب عما تشره أنت اليه فقد حصل أغنى منك بكثير. ومن ترفع عما تخضع اليه من أمور الدنيا فهو أعز منك بكثير] (٢) . ٢١٩ - فرض على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين جميعاً، فقد استوفى الفضلين معاً، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعلم وأساء في ترك العمل به، فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل به، وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالة واقل ذماً من آخر ينهى عن تعلم الخير ويصد عنه. ولو لم ينه عن الشر الا من ليس فيه منه شيء ولا أمر بالخير الا من استوعبه لما نهى أحد عن شر ولا أمر بخير بعد [النبي ﷺ وحسبك بمن ادى رأيه إلى هذا فساداً وسوء طبع وذم] (٣) حال، وبالله تعالى التوفيق. ٢٢٠ -[قال أبو محمد ﵁: فاعترض ها هنا انسان فقال: كان الحسن ﵁ إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً واذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وهكذا تكون الحكمة، وقد قيل: أقبح شيء في العالم ان يأمر [المرء] بشيء لا يأخذ به في نفسه أو ينهى عن شيء يستعمله.

стр. 410

قال أبو محمد: كذب قائل هذا، وأقبح منه من لم يأمر بخير ولا نهى عن شر، وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير. قال أبو محمد: وقد قال أبو الأسود الدؤلي (١) : [من الكامل] . لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك اذا فعلت عظيم وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فاذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم قال أبو محمد: ان أبا الأسود انما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء وانه يتضاعف قبحه فيه مع نهيه عنه، فقد احسن كما قال الله تعالى: ﴿اتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (البقرة: ٤٤) ولا يظن بأبي الأسود الا هذا وأما أن يكون نهى عن النهي عن الخلق المذموم فنحن نعيذه بالله من هذا، فهو فعل من لا خير فيه. وقد صح عن الحسن أنه سمع انساناً يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله، فقال الحسن: ود ابليس لو ظفر منها بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ولا يأمر بمعروف. قال أبو محمد: صدق الحسن، وهو قولنا آنفاً. جعلنا الله ممن يوفق لفعل الخير والعمل به، وممن يبصر رشد نفسه، فما أحد الا له عيوب، اذا نظرها شغلته عن غيره، وتوفانا على سنة محمد ﷺ آمين رب العالمين] (٢) .

стр. 411

تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ورضي الله عن أصحاب رسول الله.

стр. 412

فراغ

стр. 413

- ٣ - رسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور

стр. 414

فراغ

стр. 415

رسالة في الغناء الملهي مقدمة كثر القول في الغناء، وقد لخص ابن الجوزي المواقف المختلفة منه بقوله: " تكلم الناس في الغناء فأطالوا، فمنهم من حرمه، ومنهم من أباحه من غير كراهة، ومنهم من كرهه مع الإباحة " (١) ثم تطور الأمر إلى النظر في الغناء مقترناً مع مختلف الآلات الموسيقية أو مجرداً عنها، وانقسم الناس في إجازة بعض الآلات دون بعضها الآخر، أو في عدم اباحتها جميعاً (٢) . وقد تمثلت هذه الخلافات في فصول مدرجة في الكتب وفي رسائل وكتب خصصت لهذا الموضوع، فمن الفصول ما ذكره الغزالي في الإحياء ولخصه النويري في نهاية الأرب (٤: ١٦١ - ١٨٨) وما جاء في عوارف المعارف للسهروردي وفي وقت القلوب لأبي طالب المكي. وأما المصنفات من رسائل وكتب في الموضوع فانها كثيرة جداً، فمنها: ١ - كتاب لعبد الملك بن حبيب (٣٢٨/ ٨٥٢) في كراهة الغناء (٣) . ٢ - ذم الملاهي لابن أبي الدنيا (٢٨١/ ٨٩٤) (وهو أشمل

стр. 416

من الغناء) ؛ نشر بلندن ١٩٣٨ بتحقيق جيمس روبسون (ومعه بوارق الالماع: انظر ما يلي رقم: ٥) وقد قام الناشر بترجمة الكتابين إلى الانجليزية. ٣ - كتاب مصنف في ذم الغناء والمنع منه لأبي الطيب الطبري الشافعي (٤٥٠/ ١٠٥٨) ذكره ابن الجوزي (١) وابن تيمية (٢) . ٤ - كتاب السماع لابن القيسراني (٣) (٥٠٧/ ١١١٣) تحقيق أبو الوفا المراغي، القاهرة ١٩٧٠. ٥ - بوارق الالماع لأبي الفتوح أحمد بن محمد الغزالي (٥٢٠/ ١١٢٦) ، نشر مع كتاب ابن أبي الدنيا وترجم إلى الانجليزية (انظر رقم: ١) . ٦ - كتاب السماع والرقص لابن تيمية (ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، القاهرة ١٣٢٣) ٢: ٢٧٧ - ٣١٥. ٧ - كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (٤) لابن حجر الهيثمي (٩٧٣/ ١٥٧٥) ط. القاهرة، ١٣١٠، ١٣٢٥) . ٨ - إيضاح الدلالات في سماع الآلات (٥) لعبد الغني النابلسي (١١٤٣/ ١٧٣١) ط. دمشق ١٣٠٢ وبومبي ١٣٠٣. فرسالة ابن حزم في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور تجيء في سلسلة طويلة من المؤلفات التي كتبت قبلها وبعدها، وهي على

стр. 417

بساطتها تعد ذات قيمة هامة في فتح الباب أمام توهين الأحاديث التي وردت في ذم الغناء والنهي عنه. ومن الطبيعي أن نجد المتصوفة يؤيدون حل السماع، وأن يكون ما كتبوه حول هذا الموضوع غزيراً جداً، وان يتجاوزوا الأحاديث إلى عمل أسلافهم أو يستشهدوا على ذلك بالصلحاء من الصحابة والتابعين. ولكن الشيء الذي يستوقف النظر هو افتراق المتمسكين بالحديث أنفسهم في فريقين: فريق يبرز دور الأحاديث التي تنحو نحو تحريم السماع، وفريق ثان يبرز هذه الأحاديث نفسها ويضعفها ويتشبث بأحاديث أخرى. ولنأخذ أمثلة على ذلك متقيدين بالأحاديث والنصوص التي أوردها ابن حزم: ١ - حديث عائشة: " ان الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها " رده ابن حزم لان فيه من اسمه سعيد بن أبي رزين عن أخيه، فقال انه لا يعرف، وأيده الذهبي (ميزان: ٢: ١٣٦) وابن حجر (لسان: ٣: ٢٩) ونقل فيه قول ابن حزم نفسه، ومع هذا نجد ابن الجوزي قد قبله (تلبيس: ٢٣٣) ، ولم يورده ابن القيسراني، وأورده ابن أبي الدنيا (:٤٦) . ٢ - الحديث: " اذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة الخ " وهو عن علي يرفعه إلى الرسول، رده ابن حزم لأن عدداً ممن ذكروا في السند لا يدري من هم مثل: أبي المرجى الجيلاني (لم يذكره الذهبي وأورد ابن حجر فيه رأي ابن حزم) وأحمد بن سعيد (لم يذكره الذهبي وذكر ابن حجر (١) رأي ابن حزم فيه) ومحمد بن كثير الحمصي (لم يذكره كل من الذهبي وابن حجر) وفرج بن فضالة (وقال فيه احمد: حدث عن يحيى بن سعيد مناكير، وحدث عن ثقات أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: حديثه عن يحيى بن سعيد فيه نكارة، وقال الساجي: روى عن يحيى بن سعيد مناكير) (٢) . ومع كل ذلك فان

стр. 418

ابن أبي الدنيا (٤٢) قبله وكذلك ابن الجوزي (تلبيس: ٢٣٤) وأورده ابن القيسراني، وهو من صف ابن حزم فركز تضعيفه على شخص فرج ابن فضالة وأورد ما جاء فيه من أقوال أهل العدل والتجريح، ومن ذلك قول ابن حبان: فرج بن فضالة كان يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحل إلا احتجاج به. ثم أورد ابن حبان هذا الحديث نفسه واستدل به على ما قاله (١) . ٣ - الحديث ان الرسول نهى عن تسع (منهن الغناء) لم يقبله ابن حزم لأن فيه من اسمه " كيسان " ولا يدرى من هو، وفيه محمد بن مهاجر وهو ضعيف. (لم يذكر الذهبي وابن حجر من اسمه كيسان مولى معاوية، وأما محمد بن مهاجر فان هذا الاسم ينطلق على ستة أشخاص (٢) ، ولا يدري إلى أيهم يشير ابن حزم بالضعف، ولعله لا يعني محمد بن مهاجر الوضاع فان هذا متأخر أي في حدود ٢٦٠) وهذا الحديث لم يورده ابن القيسراني أو ابن الجوزي. ٤ - قول ابن مسعود " والغناء ينبت النفاق في القلب " يروى منقطعاً ومرفوعاً؛ وقد استشهد به ابن أبي الدنيا (ذم الملاهي: ٤٦) وابن الجوزي (تلبيس: ٢٣٥) وزاد فيه " كما ينبت الماء البقل ". وقد أورده ابن القيسراني مسنداً إلى أبي هريرة، أي من طريق أخرى غير طريق ابن مسعود، وفي سنده عبد الرحمن بن عبد الله العمري، الذي يقول فيه أحمد بن حنبل " لا يسوى حديثه شيئاً، حرقنا حديثه.. أحاديثه مناكير وكان كذاباً (٣) " ثم أورده من طريق ابن مسعود وقال: رواه سلام عن شيخ مجهول (٤) ، وهذا عين ما قاله ابن حزم.

стр. 419

٥ - حديث أبي أمامة مرفوعاً: بتحريم تعليم المغنيات وشرائهن وبيعهن؛ وأضاف اليه الآية: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الخ رده ابن حزم لأن فيه اسماعيل بن عياش وهو ضعيف. وقال في تفسير الآية: إنه قول بعض المفسرين الذين لا يحتج بأقوالهم. وقد قبله ابن الجوزي (تلبيس: ٢٣٢) وأورد آراء المفسرين في الآية (تلبيس: ٢٣١) ومنهم ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وسعيد ابن جبير وقتادة وابراهيم النخعي. وأورده ابن القيسراني (السماع: ٧٩) عن طريق عبيد الله بن زحر " صاحب كل معضلة " وفيه القاسم بن عبد الرحمن " وهو منكر الحديث، وكان يروي عن الصحابة المعضلات ". وتوقف ابن القيسراني طويلاً عند قوله تعالى ﴿ومن الناس من يشتري لهو الأحاديث﴾ وقال: " وأوردوا في ذلك عدة أسانيد إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر فنظرت في جميعها فلم أر فيها طريقاً يثبت إلى واحد من الصحابة إلا طريقاً واحداً " (١) ثم قال: يقال لهؤلاء القوم المحتجين: هذه التفاسير هل علم هؤلاء الصحابة الذين أوردتم أقاويلهم في هذه الآية ما علمه رسول الله ﷺ أو لم يفعله ومن أمحل المحال أن يكون تفسير " لهو الحديث " بأنه الغناء والرسول يقول لعائشة: أما كان معكن من لهو، فان الأنصار يعجبهم اللهو (٢) ٥، - ٦، ٧ - لم يقبل ابن حزم أحاديث عبد الملك بن حبيب، وعدها جميعاً هالكة؛ وعبد الملك بن حبيب (٢٣٨/ ٨٥٢) (٣) فقيه أندلسي مشهور رحل إلى المشرق وجمع علماً كثيراً، وعاد إلى الأندلس فأصبح مشاوراً مع يحيى بن يحيى الليثي، وفي أخباره ما يدل

стр. 420

على أنه كان يحدث بأشياء لم يسمعها مباشرة من أصحابها، وقال ابن الفرضي: لم يكن لابن حبيب علم الحديث، وحكى الباجي وابن حزم ان أبا عمر ابن عبد البر كان يكذبه. ولكن بعض الأندلسيين دافعوا عنه بقوة لغزارة علمه وفضله وكثرة مؤلفاته. وروايته للأحاديث التي أوردها ابن حزم تدل على أنه كان يرى كراهية الغناء، ومع ذلك فقد حكي عنه أنه كان يأخذ بالرخصة في السماع وأنه كان له جوار يسمعنه، وقد عرض له بذلك الشاعر يحيى ابن حكم الجياني المشهور بالغزال فيما آذاه به من شعره؛ والقول الأول أقوى. ٨ - أما حديث البخاري " ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " فضعفه عند ابن حزم ان البخاري لم يأت به مسنداً وإنما قال: قال هشام بن عمار؛ وفي سند الحديث " أبو عامر " أو " أبو مالك " ولا يدري من هو. وقد انتقد ابن قيم الجوزية موقف ابن حزم هذا حين قال: " وخفي عليه أن البخاري لقي من علقه عنه وسمع منه وهو هشام بن عمار، وخفي عليه أن الحديث قد أسنده غير واحد من أئمة الحديث غير هشام بن عمار، فأبطل سنة صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ لا مطعن فيها بوجه " (١) ومأخذ ابن القيم صحيح، فإن البخاري روى عن هشام بن عمار أبي الوليد السلمي الدمشقي (٢) ، وعبر بالقول (ولم يقل حدثنا) لأنه وقع له مذاكرة (٣) ؛ وأما أبو عامر أو أبو مالك بالشك (وعند أبي داود حدثني أبو مالك دون شك) فقد قيل: الشك في اسم الصحابي لا يضر، وقد اختلف في اسمه فقيل عبد الله بن هانئ وقيل عبد الله بن وهب وقيل عبيد بن وهب، وقد أدرك خلافة عبد الملك بن مروان (٤) .

стр. 421

٩ - حديث: " من جلس إلى قينة صب في أذنيه الآنك " (أي الرصاص) ، وقد قال ابن حزم: " انه بلية لأنه عن مجهولين " وأبو نعيم اسمه عند ابن القيسراني: " عبيد بن محمد " وقال فيه: ضعيف ولم يبلغ عن ابن المبارك؛ والحديث عن مالك منكر جداً، وانما يروى عن ابن المنكدر مرسلاً. فهذا في نقد الإسناد قريب مما قاله ابن حزم. ١٠ - وقد مر القول في ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية (انظر رقم: ٥) . ١١ - والحديث: " يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها.. " لم يقبله ابن حزم لأن فيه معاوية بن صالح وهو ضعيف، وفيه مالك بن أبي مريم ولا يدرى من هو (وأيده في ذلك الذهبي وقال ابن حبان إنه من الثقات) ؛ وأما معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي (١) فدخل الأندلس واستقضاه الامام عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) بقرطبة، وتوفي في آخر أيام الداخل (٢) ؛ وقد ضعف في الحديث، قال ابن معين: ليس بمرضي، ووثقه آخرون. وهذا الحديث يقدم لنا مشكلة واضحة فالشخصان اللذان لم يرضهما ابن حزم وثقهما غيره، فبأي القولين يؤخذ وقد وردت عدة أحاديث تقرن الخسف والمسخ بظهور المعازف والقينات والإقبال على الشراب (انظر ذم الملاهي: ٤١ - ٤٢، ٤٤ - ٤٦) . ١٢ - حديث فيه النهي عن صوتين ملعونين: صوت نائحة وصوت مغنية، والحديث أورده ابن أبي الدنيا (٥٠) وذكره ابن القيسراني بروايتين: " نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان " وقال رواه جابر، وأنكر عليه هذا الحديث وضعف لأجله فقال فيه ابن حبان: كان رديء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ يروي الشيء على التوهم ويحدث على الحسبان

стр. 422

وكثرت المناكير من حديثه فاستحق الترك، وتركه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين (١) ؛ ولعل جابراً هو جابر بن يزيد الجعفي الكوفي (١٢٨/ ٧٤٦) وقد عرف بالكذب والتدليس والغلو في التشيع (٢) ؛ وأما الرواية الثانية ففيها محمد بن يزيد الطحان اليشكري، وهو خبيث وضاع (٣) . وقد رويت في ذم الغناء والتحذير منه أحاديث أخرى لم يوردها ابن حزم، ومنها: ١ - " والذي نفسي بيده لا تنقضي الدنيا حتى يقع بهم الخسف والقذف، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك بأبي وأمي قال: اذا رأيت النساء ركبن السروج وكثرت القينات وشهدت شهادات الزور " رواه سليمان اليمامي في سند ينتهي إلى أبي هريرة يرفعه، واليمامي هذا منكر الحديث في ما قاله البخاري (٤) . ٢ - " ليبيتن أقوام من أمتي على أكل وشراب ولهو، ثم ليصبحن قردة وخنازير، وليصيبن أقواماً من أمتي خسف وقذف باتخاذهم القينات وشربهم الخمور وضربهم بالدفوف ولبسهم الحرير " وفيه رجل غير مسمى، وهو زياد بن زياد الجصاص، وهو متروك الحديث (٥) . ٣ - " امرني ربي بنفي الطنبور والمزمار " رواه إبراهيم ابن اليسع وهو فيما قاله البخاري منكر الحديث (٦) . (وجاء عند ابن الجوزي في تلبيس ابليس: ٢٣٣ من طريق أخرى بعثت بهدم المزمار والطبل؛ وفي طريق ثالثة: بعثت بكسر المزامير) .

стр. 423

٤ - وعن علي أنه قال: " نهاني رسول الله ﷺ عن المغنيات والنواحات وعن شرائهن وبيعهن وتجارة فيهن، وقال: كسبهن حرام " وفي سنده الحارث بن نبهان وهو لا يكتب حديثه (١) . ٥ - " النظر إلى المغنية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام " رواه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو متروك الحديث ويروي مناكير " (٢) . ٦ - وحديث روي عن صفوان بن أمية قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرة فقال: يا نبي الله إن الله كتب علي الشقوة ولا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فتأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال رسول الله ﷺ : لا إذن ولا كرامة ولا نعمة. وفي سنده يحيى بن العلاء وليس بثقة (٣) وهذا الحديث في سنن ابن ماجة، وقد اعتمده ابن الجوزي (تلبيس ابليس: ٢٣٤) . أما الأحاديث التي يستند اليها من يرون إباحة الغناء فهي نفسها التي يناقشها من يرون كراهته أو تحريمه؛ ومنها (حسب ترتيب ابن حزم) : ١ - حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة، ودخل أبو بكر فنهرهما فقال له الرسول: دعهما يا أبا بكر فانهما أيام عيد، وحديث آخر عن عائشة وجاريتين لها تغنيان بغناء بعاث فانتهرهما أبو بكر وقال: مزمار الشيطان، فقال الرسول دعهما. وفي الحديث " انهما ليستا بمغنيتين ". فقد استشهد بهما ابن القيسراني (٤) . ورد ابن الجوزي على ذلك بأن الحديثين لا يشيران إلى غناء، وإنما كان الناس يومئذ ينشدون الشعر ويسمى ذلك غناء للترجيع، وهذا لا يخرج الطباع عن حد

стр. 424

الاعتدال وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والقد والاعتدال! وقال أبو الطيب الطبري: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي عليه قوله، وكانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء (١) ؛ وقال ابن تيمية في هذا الصدد: ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي ﵇ أقر الجواري عليه (ولكن) ليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع (٢) . ٢ - حديث ابن عمر حين سمع مزماراً فسد أذنيه وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا: وهو حديث يؤيد وجهة نظر الذين لا يرون حل الغناء ولهذا أورده ابن الجوزي وقال: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم! (٣) وقال ابن تيمية: من الناس من يقول إن الرسول لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأنه كان صغيراً أو يجاب بأنه لم يكن يستمع بل كان يسمع، وهذا لا إثم فيه (٤) . ٤ - حديث الحبش الذين كانوا يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعا الرسول عائشة إلى مشاهدتهم. أورده ابن القيسراني (٥) ، ولم يورده ابن أبي الدنيا وابن الجوزي.

стр. 425

٥ - ٦: وأما الخبر عن أصحاب رسول الله وهم في عريش يستمعون إلى غناء، وعن ابن عمر وأنه سفر في بيع مغنية، وأنه وعبد الله بن جعفر سمعا الغناء بالعود، فمما انفرد به ابن حزم عن المراجع التي اعتمدناها، ولكن هذا ليس من مذهبه، إذ كل ما دون الكتاب وسنة الرسول فليس بحجة عنده، ومن الغريب أنه فعل ذلك هنا في الاحتجاج لإباحة الغناء. ولا يدعنا ابن حزم في حيرة حول أي أنواع الغناء يعني، فهو وان لم يطنب في القول، فقد وصف الغناء بأنه مله، وأنه مصاحب بالعود، وبأنه يسمع من القينة، ومعنى ذلك أنه يرى كل مراحل الغناء حلالاً ابتداء من الحداء والنصب حتى الغناء المتقن الذي يقوم على النشيد والبسيط والهزج، أو ما يسمى " النوبة " ذات الأدوار الثلاثة، ولا يمكن أن نعرف كيف كان يتجه ابن حزم في هذه القضية لو عرف ارتباط السماع بالتصوف، وارتباطهما بالرقص، هل كان موقفه يقترب من موقف ابن القيسراني أو من موقف ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم.
следующие страницы →