معاني من المزامير والأمثال والجماعة ويكثر فيه من الإشارات والاقتباسات (١) . ولدى قراءة نماذج من شعره يبدو أنه إذا تجاوز الشؤون الدينية لا يفترق في معانيه وصوره عن الشعر العربي، فمن ذلك قوله في إحدى خمرياته (٢) :
حمراء في لونها، عذبة في مذاقها
خمرة أندلسية غير أنها ذائعة الصيت في المشرق
ضعيفة في الكأس ولكن ما إن تخالط اللب
حتى تتحكم في الرءوس وتميلها
الثاكل الذي تمتزج دموعه بالدم،
يبدد دم العنقود أحزانه
والندامى الذين يصرفون الكأس من يد إلى يد
كأنما يتياسرون فيما بينهم لإحراز جوهرة ثمينة.
ومن شعره في القلم:
حكمة المرء في سن قلمه
وذكاؤه فيما تخط يده
قلم المرء يرفعه إلى منزلة
يتيحها الصولجان للملك.
وله من أخرى:
قالت لي ابتهج لان الله
قد بلغك سن الخمسين في هذا الكون، ونسيت
أن لا فرق لدي بين أيامي التي عبرت
وما أسمعه عن أيام نوح
ليس لي في هذا العالم إلا الساعة التي أنا فيها.
إنها تدوم لحظة، ثم هي لا شيء، كالسحابة.
стр. 702
وله من قصيدة أرسلها إلى ابنه يوسف يذكر فيها فكاك الحصار عن لورقة:
أبعث بحمامة زاجلة وإن كانت لا تحسن النطق
وبرسالة لطيفة مربوطة إلى جناحيها
مخلقة بالزعفران، مضمخة بالمسك
وعندما تهم أن تطير أبعث معها أخرى
حتى إذا لقيها نسر أو وقعت في شرك
أو أبطأت، أسرعت الأخرى؛
فإذا بلغت بيت يوسف، حطت على ذروته
وإذا طارت لتحط على يده سر بها كأنها بلبل غريد
ونشر جناحيها وقرأ في الرسالة:
اعلم يا بني أن عصبة الثائرين الملعونين قد فرت
وتفرقت بين الربى كالعصف من حقل هبت عليه ريح
ومضت في الدروب كالغنم ضلت دون راع لها
كانوا يرجون أن يقهروا عدوهم لكنهم لم يبصروه
ومضينا للقضاء عليهم لحظة أن هربوا
فذبحوا وتساقطوا بعضهم فوق بعض عند المعبر
وأخفقت خطتهم ضد المدينة المنيعة المسورة
وله قصيدة طويلة يذكر فيها انتصاره - وكان قائداً فيما يقول لجيش غرناطة - على ابن عباد، وذلك بعد الانتصار على زهير الفتى وصاحبه ابن عباس (١) ، وهذا يدل على أن جانباً من شعره يتصل بأحداث الأندلس ويلقي عليها بعض الأضواء.
لتلك المنزلة الكبيرة التي بلغها إسماعيل في دولة بني زيري بغرناطة نجد أن الشعراء من يهود وغيرهم كانوا يتقربون إليه بالمدائح، رجاء الحظوة لديه والعطاء، ومن مدائحه أحمد بن خيرة المعروف بالمنفتل، وهو شاعر قرطبي، ولد فيه:
وما اكتحلت عيني بمثل ابن يوسف ... ولست أحاشي الشمس من ذا ولا البدرا ويقول ابن بسام في التعليق على هذه القصيدة: " وله في هذه القصيدة من الغلو
стр. 703
في القول، ما نبرأ منه إلى ذي القوة والحول.. فما أدري من أي شؤون هذا المدل بذنبه المجترئ على ربه أعجب: ألتفضيل هذا اليهودي المأفون على الأنبياء والمرسلين، أم خلعه إليه الدنيا والدين، حشره الله تحت لوائه، ولا أدخله الجنة إلا بفضل اعتنائه " (١) وللمنفتل هذا رسالة يذكر فيها فقره ورحلته عن قرطبة، يؤم جناب إسماعيل بن يوسف " فتى كرم خالاً وعماً، وشرح من المجد ما كان معمى، قساً فصاحة، وكعباً سماحة، ولقمان علماً، والأحنف حلماً " ويطنب فيها في الثناء عليه رجاء نواله ويختم رسالته بقصيدة مدحية أيضاً (٢) .
وهذا السلطان الواسع الذي أحرزه إسماعيل هو الذي مكن لليهود في كثير من الشؤون الإدارية والمالية لأنه كان يختار الموظفين منهم، فاكتسبوا الجاه في أيامه واستطالوا على المسلمين (٣) ، ثم أن هذا الجاه الدنيوي هو الذي ساعد الجماعة اليهودية يومئذ على تثبيت اللغة اليهودية وبعث الثقافة اليهودية والظهور بذلك.
٣ - يوسف ابن النغريلة:
وخلفه على الوزارة ابنه يوسف وكان فتى جميل الوجه حاد الذهن مقروفاً ببعض الشؤون (٤) ، وكان أبوه قد حمله على مطالعة بعض الكتب إليه المعلمين والأدباء من كل ناحية يعلمونه ويدارسونه، وأعلقه بصنعة الكتابة، وألحقه بخدمة بلكين بن باديس (٥) . وكان لباديس وزيران هما: علي وعبد الله ابنا القوري، فترقب إليهما يوسف بالأموال حتى اطمئن إليه ونصحا لباديس بالاعتماد عليه، فقدمه باديس على العمال والجبايات، فنفق لديه بتدبير الأموال حتى انتزع له بالحيلة ما كان بيد ابني القوري من أملاك (٦) . فاغتاظ ابنا القوري من ذلك وشاركهم شعورهم بعض رجال الدولة وحرضوا بلقين (بلكين) على قتله، وكان بلكين رجلاً لا يستطيع كتمان سر، فأخذ يتحدث بقتله علناً، فاحتال عليه اليهودي بأن دعاه للشرب عنده وتخلص منه بالسم، وكانت هذه الحادثة مما أثار الناس على اليهودي حتى هموا بقتله لأن بلكين كان
стр. 704
مرجواً لديهم. ولم يكف يوسف عن أساليبه فظل يتعقب ابني القوري حتى نفاهما عما تبقى لهما من أملاك، وازدهاه انتصاره وأبطره.
ومن الأسباب التي مكنت له في الدولة (١) :
(أ) كبر سن باديس وإسلامه الأمور كلها له واشتغال باديس بالشرب حتى كان لا يكاد يصحو.
(ب) اختلاف النساء في القصر حول من يقدم للإمارة بعد باديس وتوصل يوسف إليهن بأسباب الخدمة.
(ج) عمله مع أناس قليلي التجارب من مثل ابني القوري وبلكين وأشباههم وجريه فيهم على سياسة التفرقة وتضريب بعضهم ببعض.
أما الأسباب التي أدت إلى مصرعه فيمكن إجمالها فيما يلي:
(أ) توسع شأن اليهود وتسلطهم على المسلمين في حكومته وحكومة أبيه من قبله ونفور المسلمين من دفع الجبايات لهم، خصوصاً وأن باديس لم يأذن - رسمياً - لليهود بمطالبة المسلمين، ولكن يوسف وأعوانه كانوا يحتالون لذلك.
(ب) الصراع بينه وبين الناية وهو عبد للمعتضد بن عباد فر إلى غرناطة ولقي حظوة عند باديس، وكانت المنافسة بينه وبين اليهودي شديدة، وأخذ باديس يصغي إليه فيما يقوله ضد يوسف بعض إصغاء.
(ج) كثرت مؤامرات النساء وتشابكت وكانت كلما انكشفت واحدة منها عصبت برأس اليهودي، فرأى يوسف أن لا مخلص له إلا في التآمر مع صاحب المرية - ابن صمادح - ليستولي على غرناطة ويتخلص من باديس. وإتماماً لهذه المؤامرة نصح يوسف لباديس أن يقصي أكابر صنهاجة عن غرناطة ويوليهم الولايات بعيداً عنها، وانكشفت مؤامراته ونادى المنادي بذلك في الأسواق فهبت صنهاجة لدفع ذلك.
(د) عدم تورعه عن نقد الأديان والتطاول عليها في سخرية (٢) ، حتى كان اليهود أنفسهم غير راضين عنه، بل هم يتشاءمون باسمه ويتظلمون من جور حكمه،
стр. 705
وتطاول إلى لقب " الناغيد " (١) ونقل عنه أنه يقول إنه ينظم القرآن شعراً وموشحات وهكذا.
(هـ) ثورة الأتقياء على هذا الوضع أي على وضع الثقة في شخص غير مسلم، ومن ذلك نجمت قصيدة الشيخ أبي إسحاق الألبيري التي يحرض فيها صنهاجة على التخلص من اليهود والوزير اليهودي ويقول فيها (٢) :
وإني احتللت بغرناطة ... فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها ... فمنهم بكل مكان لعين
وهم يقبضون جباياتها ... وهم يخصمون وهم يقسمون
وهم يلبسون رفيع الكسا ... وأنتم لأوضاعها لابسون
وهم أمناكم على سركم ... وكيف يكون أمينا خؤون وكان لهذه القصيدة أثر في تحريك النفوس وازدياد الغليان. فلما نادى المنادي " يا معشر من سمع بالمظفر قد غدره اليهودي، وهذا ابن صمادح داخل في البلدة " (٣) وتسامع الناس بذلك، هبوا جميعاً. وهرب يوسف إلى داخل القصر واتبعته العامة حتى ظفروا به وقتلوه، وقيل إنهم وجدوه مختبئاً في مخزن للفحم وقد سود وجهه لئلا يعرف، ثم قصدوا اليهود فأحالوا عليهم قتلاً ونهبوا أموالهم، ويقال إنهم قضوا على أربعة آلاف ونيف في تلك المذبحة (٤) .
٤ - ابن حزم والثقافة اليهودية:
لم يكن ابن الحزم يعرف اللغة العبرية، وشاهد ذلك أنه يقول في الفصل: " ولقد أخبرني بعض أهل البصر بالعبرانية " (٥) ولكنه فيما يبدو وجد نفسه وجهاً لوجه أمام بعض المجادلين من اليهود في شؤون العقائد، فكان يناظرهم دون أن يطلع على التوراة (٦) . وكثرت المناظرات وتعددت حتى قال ابن حيان: ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود -
стр. 706
لعنهم الله - ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة (١) . ثم أنه رأى أن الاطلاع على نصوص كتبهم يقوي موقفه وينفي عنه تهمة الجهل بما يوردونه عليه من آراء، فقرأ التوراة وهي الأسفار الخمسة الأولى. ويبدو انه كان منها نسخ مترجمة ترجمات مختلفة ولم تكن هناك ترجمة واحدة معتمدة بقوله: " ورأيت في نسخة أخرى منها " (٢) وأورد نصاً مغايراً بعض المعايرة لنص آخر وجده في إحدى النسخ. وقد وصف ابن حزم نسخة التوراة - وهي مجموعة الأسفار الخمسة - بقوله: وإنما هي مقدار مائة ورقة وعشرة أوراق في كل صفحة منها من ثلاثة وعشرين سطراً إلى نحو ذلك بخط هو إلى الانفساح أقرب، ويكون في السطر بضع عشرة كلمة " (٣) . ويظهر من النصوص التي أوردها في هذه الرسالة ومن مقابلتها بالترجمة الموجودة بين أيدينا مدى البعد بين الترجمتين في اللفظ والمعنى.
وإذا تحدث ابن حزم عن أسفار التوراة استعمل أسماء معربة مثل سفر التكرار (٤) (التثنية) أو استعمل الأسماء العبرية، فهو يقول: وأما الكتب التي يضيفونها إلى سليمان ﵇ فهي ثلاثة واحدها يسمى شارهسير ثم (صوابه: شيرهشيريم) معناه شعر الأشعار.. والثاني يسمى: مثلا (هذه هي الصيغة السريانية أما العبرية مشلا بالشين) معناه الأمثال، والثالث يسمى فوهلث (صوابه: قوهلث) معناه الجوامع (٥) ولا نشك في أن التحريف في الأسماء إنما هو من جهل النساخ وأن ابن حزم كان يعرف الوجه الصحيح منها.
واطلع ابن حزم أيضاً على الأسفار الأخرى، وعلى كتب وشروح لليهود ولا يسميها ويكتفي بأن يشير إليها بقوله: " وفي بعض كتبهم " أو " وفي بعض كتبهم المعظمة " (٦) كما يشير إلى سفرين من أسفار التلمود يسمي أحدهما شعر توما ويسمي الثاني سادر ناشيم. وقرأ أيضاً تاريخ يوسيفوس (أو يوسف بن هارون الهاروني - كما يسميه -) (٧) وبالإضافة إلى هذا الإطلاع عرف شيئاً من أحوال اليهود بالمجاورة والمشاهدة فكان
стр. 707
يسأل بعض علمائهم ومقدميهم عما يتوقف فيهن مجادلاً في أكثر الأحيان لا مستفهماً، ونراه في المرية يجلس في دكان إسماعيل بن يونس الطبيب الإسرائيلي الذي كان مشهوراً بالفراسة (١) . وقد جعل وكده منذ البدء إثبات التحريف والتناقض والتبديل على التوراة، ولذلك درسها دراسة مستأنية، وكان هو رائد ابن خلدون في المنهج الذي اتبعه في نقد الخبر التاريخي من هذه الناحية اعني الناحية الزمنية والعددية.
٥ - بينه وبين صموئيل بن النغرالي (النغريلة) :
وكان من أوائل من لقيه ابن حزم من يهود إسماعيل - أو أشموال - ابن يوسف الكاتب المعروف بابن النغرالي ووصفه بأنه اعلم اليهود وأجدلهم (٢) . واعتقد أن اللقاء بينهما لم يتم في قرطبة وإنما كان بعد هجرة ابن حزم منها، وقد ذكر ابن حزم نفسه أنه لقيه مرة عام ٤٠٤ هـ، ونحن نعلم أن ابن النغريلة فارق قرطبة قبل ذلك بقليل وسكن مالقة وهي إحدى البلاد التي زارها ابن حزم، وربما أقام فيها مدة من الزمن. وفي هذا اللقاء سأله ابن حزم عن قول التوراة " لا تنقطع من يهوذا المخصرة ولا من نسله قائد حتى يأتي المبعوث الذي هو رجاء الأمم " فقال ابن النغرالي: لم تزل رءوس الجواليت ينتسلون من ولد داوود وهم من بني يهوذا وهي قيادة وملك ورياسة، فقال ابن حزم: هذا خطأ لأن رأس الجالوت لا ينفذ أمره على أحد من اليهود ولا من غيرهم وإنما هي تسمية لا حقيقة لها ولا له قيادة ولا بيده مخصرة الخ (٣) ثم لم يذكر ابن حزم ماذا كان رد ابن النغرالي عليه.
وفي موضع آخر تساءل ابن حزم عن قول إبراهيم إن سارة اخته، فقال ابن النغرالي: إن نص اللفظة في التوراة " أخت " وهي لفظة نقع في العبرانية على الأخت وعلى القريبة، فقال ابن حزم: يمنع من صرفنا هذه اللفظة إلى القريبة هاهنا قوله: لكن ليست من أمي وإنما هي بنت أبي. فوجب أنه أراد الأخت بنت الأم، قال: فخلط (أي ابن النغرالي) ولم يأت بشيء (٤) .
وتاريخ اللقاء بين ابن حزم وابن النغرالي يدل على أن اهتمام ابن حزم بشؤون الملل
стр. 708
الأخرى بدأ في دور مبكر، وما زال ينمو حتى تمثل على أتمه فيما حواه كتاب الفصل من ذلك.
٦ - على من يرد ابن حزم في هذه الرسالة
ذكر ابن بسام إسماعيل بن النغريلي ونسب إليه ما ينسبه آخرون إلى ابنه يوسف، وتابعه على ذلك ابن سعيد في المغرب ويبدو أن النص مضطرب وأنه يجب أن نضع كلمة يوسف حيث وردت كلمة إسماعيل (١) ، أما إذا انصرف الكلام على وجهه حسبما يذكره ابن بسام فإن إسماعيل كتب رداً على أبي محمد بن حزم (٢) ، ولست أستبعد ان يكون إسماعيل قد اطلع على أجزاء من الفصل تتعلق بالتوراة وكتب رداً عليها، ولكن هل هذا الرد هو الذي أثار ابن حزم لكتابة رسالته هذه
يقول ابن حزم في هذه الرسالة: " ولعمري إن اعتراضه الذي اعترض به ليدل على ضيق باعه في العلم وقلة اتساعه في الفهم على ما عهدناه عليه قديماً " فقوله " عهدناه قديماً " يدل على سابق معرفة به، ونحن لا نعرف لابن حزم صلة بيوسف - الابن - وكل ما أشار إليه في الفصل هو صلته بإسماعيل ولكن نستبعد أن يكون إسماعيل هو مؤلف كتاب في تناقض القرآن لان المصادر كلها تجمع على انه كان بعيد النظر حسن المدارارة لا يتورط فيما يوغر عليه الصدور، وهذه صفات عري منها ابنه يوسف، وإليه يمكن أن ينصرف قول ابن بسام: " وجاهر بالكلام في الطعن على ملة الإسلام " (٣) وإليه يمكن أن ينصرف قول ابن سعيد: وأقسم ان ينظم جميع القرآن في أشعار وموشحات يغنى بها (٤) ثم إن ابن حزم قد شهد لإسماعيل بالعلم والقوة على الجدل. ومهما نقل إن هذا شيء نسبي فلسنا نستطيع أن ننكر شهادة المصادر الأخرى له.
اغلب الظن - إذن - أن الذي كتب كتاباً في تناقض كلام الله - بزعمه هو يوسف وان ابن حزم يرد عليه وان قوله " عهدناه عليه قديماً " يشير حقاً إلى معرفة سابقة لا نعرفها. ويجب أن أقرر أن ابن حزم لم يذكر ابن النغريلة نصاً في هذه الرسالة وإنما أشار إلى انه رجل من يهود يعمل في ظل ملك ضعيف وانه استشعر البطر وشمخت نفسه لكثرة أمواله وأنه قليل العلم سيء الفهم، وكل هذه الصفات مما يمكن أن تلصق
стр. 709
بيوسف لا بأبيه إسماعيل.
ولما كان يوسف قد خلف أباه على الوزارة حوالي سنة ٤٥٠ أو التي بعدها - في الأرجح - فقد يقترن تطاوله على القرآن الكريم بشموخ نفسه في ارتقائه إلى خطة الوزارة أي أنه كتب ذلك بين عامي ٤٥٠ - ٤٥٥، وأن رسالته كانت معروفة قبل سنة ٤٥٦ وهي السنة التي توفي فيها ابن حزم (في شعبان منها) وابن حزم لم يظفر برسالة ابن النغريلة وإنما ظفر برد عليها، وهذا ربما دل على ان الزمن بين كتابة تلك الرسالة وصدور رسالة ابن حزم قد تطاول. ولعل تاريخ رد ابن حزم لا يعدو ان يكون بين سنتي ٤٥٣ - ٤٥٥، ومهما يكن من شيء فإن هذا الكتاب الذي صدر عن ابن النغريلة كان في أساس الثورة عليه بالإضافة إلى إساءاته الأخرى وربما كان لشيوع رد ابن حزم ورد عالم آخر قبله بين الناس دور في تحريك النفوس ضده، وما كانت الصيحة التحريضية التي أطلقها أبو اسحاق الألبيري إلا تتويجاً لذلك التفاعل الذي كان يتحرك في المشاعر.
٧ - طريقة ابن حزم في الرد:
تنقسم هذه الرسالة في قسمين: الأول: المشكلات التي أثارها ابن النغريلة ورد ابن حزم على كل مشكلة منها "، وتقع في ثمانية فصول - كما سماها ابن حزم - وهو لا يكتفي بالرد بل يشفعه بانتقاد إحدى المسائل التي وردت في التوراة لافتاً ابن النغريلة إلى أن بيته من زجاج؛ وتشغل هذه الفصول الفقرات ١ - ٣٣؛ وفي القسم الثاني ناقش ابن حزم بعض ما يسميه " الطوام " التي وردت في كتب يهود، وهو الجانب الذي أفاض فيه في كتاب الفصل. واعتذر في ختام الرسالة عن إيراد شنع اليهود بمثل ما اعتذر به في الفصل فذهب إلى أن الله تعالى قص علينا من كفرهم، فاقتدى بكتاب الله في ذلك.
وهذه الرسالة شاهد آخر يضاف إلى غيره من الشواهد التي تدل على كراهية ابن حزم لملوك الطوائف: " وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ومن معارضة الله تعالى في حكمه بإرادة إعزاز من أذله الله تعالى (١) ". وفاتحة الرسالة أيضاً تشير إلى تشاغل أهل الممالك عن إقامة دينهم، وهذا ما عرض له ابن حزم بشيء من التفصيل في رسالة التلخيص لوجوه التخليص.
стр. 710
- ٢ -
رسالتان له أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال تعنيف
١ - ابن حزم والمالكية:
هكذا هو عنوان هذه الرسالة (في الأصل المخطوط) وهي في الحق رسالة واحدة لا رسالتان، وقد قال ابن حزم في مطلعها: " كتب كتاباً خاطبنا فيه معنفاً " ولم يقل: كتابين. وقد كان صاحب هذه الرسالة مستتراً ثم ظهر، فإذا هو يمثل في موقفه من ابن حزم رأي فقهاء المالكية في بعض المسائل، ولذلك فإن ابن حزم يرد على جماعة لا على فرد، ويقول إنه يورد نص ألفاظهم على ركاكتها وغثائتها لئلا يظنوا بجهلهم أنها إن أوردت مصلحة فقد نسخت حقها ولم توف مرتبتها.
وقد كانت الخصومة بين ابن حزم وفقهاء المالكية عنيفة بالغة العنف لان إبطال القياس والرأي والتقليد كان يعني حرباً لا هوادة فيها على فقهاء المالكية بالأندلس يومئذ. ولذلك وقفوا لمناظرة ابن حزم في المجالس العامة، وأشار هو إلى بعض هذه المناظرات في مواطن من كتبه فمنها:
أ) مناظرة بينه وبين الليث بين حريش العبدري (١) في مجلس القاضي عبد الرحمن ابن أحمد بن بشر وفي حفل عظيم من فقهاء المالكية، وكانت المناظرة تدور حول كتمان العالم بعض الحديث وإذاعة بعضه الآخر، قال ابن حزم: وذلك أني قلت له لقد نسبت إلى مالك ﵁ ما لو صح عنه لكان أفسق الناس، وذلك انك تصفه بأنه أبدى إلى الناس الملعول والمتروك والمنسوخ من رواية، وكتمهم المستعمل والسالم والناسخ حتى مات ولم يبده إلى أحد، وهذه صفة من يقصد إفساد الإسلام والتلبيس على اهله، وقد أعاذه الله من ذلك، بل كان عندنا أحد الأئمة الناصحين لهذه الملة، ولكنه أصاب واخطأ واجتهد، فوفق وحرم، كسائر العلماء ولا فرق، أو كلاماً هذا معناه (٢) . ويقول ابن حزم: إن أحداً من المالكية لم يجب إجابة معارضة بل صمتوا كلهم إلا قليلاً منهم أجابوني بالتصديق لقولي.
стр. 711
ب) مناظرة بينه وبين كبير من المالكيين حول قول ابن عباس في دية الأصابع: ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء وإن اختلفت منافعها. فالمالكية يرون هذا من باب القياس وابن حزم يراه نصاً جلياً في إبطاله. قال ابن حزم لمناظره: عن القياس عند جميع القائلين به وأنت منهم، إنما هو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص، وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع بل الخلاف موجود في كليهما، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع وبين دية الأضراس، وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك، فبطل هاهنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه، والنص في الأصابع والأسنان سواء، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن النبي ﷺ في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس ثم يفتي بذلك قياساً (١) .
وليس هذان المثلان إلا شيئاً يسيراً من ذلك الصراع المذهبي بين ابن حزم والمالكية، وهما نموذج لمناظرات أخرى عنيفة حامية. وقد ملأ ابن حزم كتبه الفقهية بردوده على فقهاء المالكية، ويبدو من حديثه عنهم - بوجه عام - انهم كانوا قد وقفوا عند حد المدونة والمستخرجة لا يتعدونهما إلى شيء، حتى لقد سئل عبد الله بن إبراهيم الأصيلي: كيف صفة الفقيه عندكم بالأندلس فقال: يقرأ المدونة وربما المستخرجة فإذا حفظ أفتى، فقال له سائله وهو شرقي: أجمعت الأمة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتي.
وروى ابن حزم أيضاً هذه القصة قال (٢) : حدثني أبو مروان عبد الملك بن أحمد المرواني (٣) قال: سمعت احمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي (٤) ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة وقد سأله سائل فقال له: ما المقدار الذي إذا بلغه المرء حل له ان يفتي فقال له: إذا عرف موضع المسالة في الكتاب الذي يقرأ حل له أن يفتي.
ولم يحمل ابن حزم على تقليد المالكيين وحدهم بل على التقليد عند غيرهم من أهل المذاهب الأخرى حتى قال في اتهامه لهم جميعاً: وأما أهل بلدنا فليسوا ممن يعتني بطلب دليل على مسائلهم فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول على قول صاحبهم
стр. 712
وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب (١) .
وكان هذا التقليد هو الذي حال بين أولئك الفقهاء وبين الارتفاع إلى مستوى الأحداث - كما نقول اليوم - لأنهم كانوا يقفون عند رأي صاحبهم لا يتجاوزونه، وقد حدث في أيام الفتنة البربرية أن كان الناس في فزع من هجوم البربر عليهم بقربطة فسألوا فقهاءهم الجمع بين المغرب والعشاء لئلا يتعرض لهم متلصصة البربر في المنعطفات والدروب المظلمة فما استطاعوا أن يفتوهم بذلك جموداً عند حد التقليد.
ومن سيئات ذلك التقليد، أن كان أولئك الفقهاء ضعفاء في علم الحديث ومعرفة صحيحه من ضعيفه، عاجزين عن القيام بأمر الجرح والتعديل وتصحيح النقل إجمالاً. ومن المضحك في هذا الباب ما يقوله شيخ من شيوخ المالكية مقدم في مشاورة القضاة في كتاب ألفه مكتوب كله بخطه، وأقر بتأليفه وقرأه غير ابن حزم عليه " روينا بأسانيد صحاح إلى التوارة أن السماء والأرض بكتا على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة " (٢) قال ابن حزن: هذا نص لفظه، فلا اعجب من الشيخ المذكور في ان يروي عن التوراة شيئاً من أخبار عمر بن عبد العزيز.
ولم تنجح المناظرات في رد ابن حزم عن الاتجاه الذي اختاره لنفسه، فحاول المالكية - حسب قوله - إثارة العامة ضده، فلما أخفقوا في هذا أيضاً لجأوا إلى السلطان وكتبوا الكتب الكاذبة " فخيب الله سعيهم وأبطل بغيهم فعادوا إلى المطالبة عند أمثالهم فكتبوا الكتب السخيفة إلى مثل ابن زياد بدانية وعبد الحق بصقلية " فلم ينفعهم ذلك كله، فلجأوا إلى كتابة الرسائل إليه - كهذه الرسالة -.
ولا ريب في أن هذه الخصومة كانت من الأسباب التي جرت إلى أزمة شديدة وقع فيها ابن حزم، بالإضافة إلى تكاتف الأشاعرة وغيرهم ضده، وقسمت علماء بلده قسمين: قسم يريد إسكاته وقسم يدافع عنه، وقد سمى هو في المدافعين عنه جماعة من الفقهاء المشهورين. ولخص ابن حيان المؤرخ مشكلة ابن حزم خير تلخيص حين قال: " فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض ولا يزفه بتدريج بل يصك به معارضه صك الجندل وينشقه متلقيه إنشاق الخردل فيفر عنه القلوب ويوقع بها الندوب حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالأوا على بغضه وردوا قوله وأجمعوا على تضليله وشنعوا عليه
стр. 713
وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به إلى منقطع أثره بتربه بلده من بادية لبلة.. وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه بباديته تلك من عامة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة يحدثهم وفقهم ويدارسهم ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف " (١) .
انهزم ابن حزم - إذن - أمام المذهب المالكي لان السياسة في المغرب وقفت تسند ذلك المذهب، وما حرق كتبه إلا شاهد قوي على ذلك، وبعد وفاة ابن حزم بسنوات وقعت الأندلس في قبضة المرابطين فبلغ انتصار المذهب المالكي أقصاه؛ لان أمير المرابطين لم يكن يحظى عنده إلا من علم علم الفروع - أي فروع مذهب مالك - فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ هكذا قال المراكشي (٢) ؛ وهذا هو عين ما كان ينعاه ابن حزم على فقهاء بلده ويلح من اجله على دعوتهم إلى الكتاب والسنة وهجر التقليد للأئمة.
٢ - هذه الرسالة:
تحوي رسالة الفقهاء المالكية إلى ابن حزم نقاطاً ومسائل كثيرة، وليس من همي ان أسرد كل ذلك ولكني اختار أهم الاتهامات التي وجهوها إلى ابن حزم نفسه. ولا يخطئ الناظر في هذه الرسالة أن يرى تلك الناحية التي عانى ابن حزم شيئاً كثيراً من أجلها، اعني علاقته بعلم المنطق، فهو عند هؤلاء الفقهاء متهم بأنه يرد بالمنطقي على الشرعي وله عناية بحد المنطق، والشق الأول من التهمة باطل لان ابن حزم اتخذ المنطق أساساً في الأحكام الشرعية ليثبت به تلك الأحكام لا ليردها، وأما الشق الثاني فيشير إلى كتاب التقريب " وما فيه من التعمق والعرض وترتيب الهيئات " (٣) وقد كان رد ابن حزم على هذا واحداً حيثما هاجمه به أعداؤه وهو: هل عرف هؤلاء الناس حد المنطق أو لم يعرفوه فإن عرفوه فليبينوا ما فيه من المنكرات، وإن لم يعرفوه فكيف يستحلون ان يذموا ما لم يعرفوه
стр. 714
وقد يتفرع عن هذه التهمة المزدوجة انه أوغل في التصنيف والتمثيل والاشتقاق والنتائج وأنهم يقرون بقوته في الحجاج واتساعه في اللغة ولكنهم يرون طريقته مخالفة لما كان عليه الأئمة من قبل، وكأنهم يلمحون من طرف خفي إلى اقتداره على المنطق هو المسؤول عن ذلك أيضاً. وقد دفع ابن حزم هذا كله، وحمد الله على رزقه من سعة اطلاع وقوة حجة ولم يحمدهم على شهادتهم له بذلك لأنها لا تزيده شرفاً ولا تطغيه.
وأما اتهامهم له بأنه ضعيف الرواية عار من الشيوخ فهو متصل - فيما يبدو - بكونه لم يرحل في طلب العلم. ولم ينف ابن حزم هذه التهمة، وإنما رد عليهم بتهمة مقابلة، فهو ليسوا من أهل الرواية وكل ما يعرفونه هو المدونة، وأكثرهم لا يقيم الهجاء، ولا يعرف ما حديث مرسل من مسند، وهم أيضاً عارون من الشيوخ، ما كان لهم شيخ قط إلا عند الملك بن سليمان الخولاني (١) ، وكانوا يجالسونه ثم يخرجون من عنده كما دخلوا.
وأقوى ما واجههوه قولهم: " إن أسماء الرجال والتواريخ تختلف في الآفاق، والأسانيد فمنها قوي ومنها ضعيف ". وقد شرح ابن حزم موقفه من الأحاديث المتعارضة باختصار في هذه الرسالة، وملخص ما قاله في الإحكام حول هذه المسألة (٢) .
(أ) كل خبر لم يأت إلا مرسلاً، أو لم يروه إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرعة فهو باطل بلا شك.
(ب) من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون استثبتنا أحدهما فإن ثبتت عدالته قطع على صحة خبره وإن ثبتت جرحته قطعنا على بطلان خبره وإن تعادلا توقفنا، وربما اهتدى غيرنا إلى الصواب فيه.
(ج) لا يكون خطأ في خبر ثقة إلا باعترافه أو شهادة عدل على أنه وهم فيه أو إثبات خطأ بالمشاهدة.
(د) كل خبرين صحيحين متعارضين لم يأت نص بالناسخ منهما فالزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ. " فإن وجد لنا يوماً غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه، وهي وهلة نستغفر الله منها وإنا
стр. 715
لنرجو أن لا يوجد لنا ذلك بمن الله تعالى ولطفه ".
ولا يزال هذا المنهاج من الناحية النظرية سديداً جيداً، أما عند التطبيق العملي فإنه يسمح باختلاف كثير.
وقد كشفت هذه الرسالة عن عدة أمور هامة، منها: مدى اطلاع ابن حزم على الفقه المالكي: " فلعمري ما لشيوخهم ديوان مشهور ومؤلف في نص مذهبهم إلا وقد رأيناه ولله الحمد كثيراً ككتاب ابن الجهم وكتاب الأبهري الكبير والأبهري الصغير والقزويني وابن القصار وعبد الوهاب والأصيلي ". ومنها نظرته الموضوعية الناقدة بعد اطلاعه على ما ألفه أهل كل مذهب: " فألف أصحاب الحديث تواليف جمة وألف الحنيفون تواليف جمة وألف المالكيون تواليف والشافعيون تواليف فلم يكن عندنا تأليف طبقة من هذه أولى أن يلتفت إليه من تأليف غيرها بل جمعناها - ولله الحمد - وعرضناها على القرآن وما صح عن النبي ﷺ ".
وحدد ابن حزم في هذه الرسالة مظان الحديث المعتمدة عنده وهي: تصنيف البخاري وأبي داود والنسائي وابن أيمن وابن أصبغ وعبد الرزاق وحماد ووكيع ومصنف ابن أبي شيبة أو مسنده وحديث سفيان بن عيينة وحديث شعبة. ويقول ابن حزم إنه أضرب عن الحديث المستور من الرواة صيانة لأقدار الأئمة عن تعريضهم لمن لا يعبأ به الله شيئاً. وذكر أنه كان يقتني كل هذه الدواوين وقد رواها وضبطها وصححها.
وثمة شيء آخر كشفت عنه هذه الرسالة وهو شيوع آراء منسوبة لابن حزم لم يقل هو بها (ف: ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٠) وكان هذا مما يوسع شقة الاختلاف بينه وبين أهل المذاهب الأخرى.
- ٣ -
رسالة في الرد على الهاتف من بعد (١)
وهذه الرسالة شبيهة بالرسالة السابقة، بل توشك أن تكون ثانية الرسالتين اللتين سئل فيهما سؤال تعنيف، إذ يقول في أولها " أما بعد فإن كتابين وردا علي لم يكتب كاتبهما اسمه فيهما "، ثم يذكر أنه أجاب عن الاول، وأنه بصدد الإجابة في هذه
стр. 716
الرسالة عن الكتاب الثاني. ومنزع الاتهامات في الرسالتين واحد، وإن كانت تلك الاتهامات في الرسالة السابقة اعم واكثر وقد أديت بلهجة محاور هادئ نسبياً. أما في هذه الرسالة فإن من بعد امرؤ غاضب يعتمد الشتم والبذاء أكثر مما يعتمد الاحتجاج، فهو يتهم ابن حزم بأنه مفتون جاهل أو متجاهل وأنه ينطوي على خبث سريرة وأنه قليل الدين ضعيف العقل قليل التمييز والتحصيل، وأنه نبغ في آخر الزمان بعيداً عن القرون الأولى الممدوحة في وقت غلبت عليه قلة العلم وكثرة الجهل (وفي هذا يشركه أيضاً الهاتف من بعد دون أن يدري) وهو ينذره بضرورة التوبة فغن لم يفعل فإنه سيستعدي عليه أهل العلم في أقطار الأرض ليفتوا بآرائهم في من كان على مثل حاله، ويختم ذلك داعياً أن يريح الله العباد والبلاد من ابن حزم أو يصلحه إن كان سبق ذلك في علمه.
ومع أن هذا السيل من الهجاء يمكن أن يعد هراء لا يغير حقيقة ولا يثبت تهمة، فإن ابن حزم جزأ أقوال هذا الهاتف في أربعة عشر موقفاً، ورد على كل موقف، حتى إن الهاتف حين قال " أنائم أنت أيها الرجل بل مفتون جاهل أو متجاهل " أجابه ابن حزم بهدوء شديد، ملتزماً الفهم الحرفي الظاهري لما أورده ذلك الهاتف فقال: فما نحن ولله الحمد إلا أيقاظ إذا استيقظنا ونيام إذا نمنا، وأما الفتنة فقد أعاذنا الله منها وله الشكر واصباً وأما وصفك لنا بالجهل فلعمري إننا لنجهل كثيراً مما علمه غيرنا، وهكذا الناس، وفوق كل ذي علم عليم (الفقرة: ٤ في الرسالة) .
وهذا السيل من الشتائم يدور حول تهمتين ترددنا في الرسالة السابقة:
(١) أولاهما أن ابن حزم يطعن على سادة المسلمين وأعلام المؤمنين ويقذفهم بالجهل، بل تخطى ذلك إلى الصحابة، وقال انهم ابتدعوا في الرأي وطعن عليهم وسفه آراءهم، وذهب به الاعتداد بالنفس حداً بعيداً حين ظن أنه قد صح له ما لم يصح للصحابة، ومن ثم فهو متناقض لأنه يدعو إلى عدم تقليد الصحابة ويحث أتباعه على تقليده.
والرد على هذه التهمة سهل، فابن حزم لم يطعن على أحد من أعلام المؤمنين وسادة المسلمين لا من الصحابة ولا ممن جاء بعدهم، بل هو يأخذ دينه مما نقله هؤلاء عن الرسول (ص) ، وهو يعتقد انه أصح تقديراً للصحابة والأئمة السابقين لأنه جرى على سنتهم في رفض الرأي والقياس والتقليد، وهو لا يتعصب لإمام على إمام كما يفعل
стр. 717
خصومه، وإنما يأخذ كل ما يأخذه عن القرآن والسنة، وإذا كان لا يحتج برأي واحد دون الرسول ولا يقلده فليس معنى ذلك انه يعيبه ويزري عليه. إنما يطعن على الصحابة من ترك جميع ما قالوه إلا ما كان موافقاً لإمامه الذي يقلده. أما اتهامه بأنه يحث أصحابه على تقليده فإنها تدل على غفلة قائلها، إذ لا يصح لامرئ ينهى عن التقليد جملة وتفصيلاً، أن يفتح الباب على نفسه فيدعو الأصحاب لتقليده، فمثل ذلك تناقض لا يقع فيه شخص له أدنى حظ من الذكاء.
من الواضح أن توجيه هذه التهمة لابن حزم إنما كان يمليه التناحر المذهبي، ومحاولة الغض من الخصم بكل وسيلة ممكنة، وتشويه موقفه لإسكاته، وعلى ذلك فإن هذه التهمة الباطلة ظلت تلصق بابن حزم، حتى لقد رددها بعض الباحثين في العصر الحديث، دون أن يفقه مدى الشنعة فيها. ولو قال قائل انه يستعمل عبارة فجة خشنة - كما قال الذهبي (١) - لكان أقرب إلى الواقع، ولكن شتان بين ذلك وبين الوقيعة والطعن.
(٢) وأما التهمة الثانية فهي ان تورط ابن حزم في إنكار الرأي والقياس والقول بالتقليد أو إن شئت فقل بلسان الخصوم: إن خروجه على مذهب مالك وغيره إنما كان بسبب تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب أقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين.
وهذه التهمة أضعف من التي قبلها والرد عليها أسهل ولذلك واجهها ابن حزم بقوله: أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وأقليدس والمجسطي، أطالعتها أيها الهاذر أم لم تطالعها فإن كنت طالعتها فلم تنكر على من طالعها كما طالعتها أنت وهل أنكرت ذلك على نفسك، وأخبرنا ما الإلحاد الذي وجدت فيها وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر ما لا تعرف
والحقيقة التي تشف عنها هذه التهمة هي الجهل المطبق لدى ذلك الهاتف، فإن من يزج بكتاب أقليدس في مبادئ الهندسة مع كتب الملحدين والدهرية إنما يكشف عوار نفسه ومبلغ جهله.
ومسألة أخرى أهم من هذه جميعاً فاتت جميع الذين هاجموا ابن حزم وهي أن اطلاعه على هذه الكتب كان يجب أن يقوي لديه الميل إلى الأخذ بالرأي والقياس،
стр. 718
أي الاحتكام إلى الجانب العقلاني في النظر إلى الأمور الشرعية، ومع ذلك فإن مطالعتها لم تزده إلا تصلباً برفض الرأي والقياس في شؤون الدين والشريعة، وبرفض العلل في تلك الشؤون نفسها، وكل ما أفاده ابن حزم من الاطلاع على المنطق هو أن يستوعب قيام الأحكام الشرعية على أسس منطقية. هو أمر حاوله الغزالي من بعد ولم يتهمه أحد بالإلحاد أو بالانقياد لآراء الدهرية.
- ٤ -
رسالة التوقيف على شارع النجاة باختصار الطريق
تصور هذه الرسالة منعطفاً في مشكلة الثقافة بالأندلس، فبعد الثورة التي مثلها ابن عبد ربه ومن جرى مجراه على الثقافة الهيلينية متمثلة في التهكم بمن يقول بكروية الأرض أو بمن يطلب علم النجوم (أو الفلك بوجه عام) (١) أصبح المثقفون ينقسمون في فريقين: فريق يقبل على علوم الأوائل وفريق يعادي هذه العلوم ويقبل على علوم الشريعة، وعلى هذا الأساس وجه السؤال إلى ابن حزم: أين يقع الحق هل هو في صف طلاب الثقافة الهيلينية أو هو في صف طلاب الثقافة الإسلامية
ويبدو أن الذين طرحوا هذا السؤال على ابن حزم دون غيره من الناس إنما كانوا يحاولون الحصول على جواب توفيقي يبعث الاطمئنان في نفوسهم؛ إذ لا ريب في أنهم كانوا يعملون موقفه من علوم الأوائل، وما ناله من خصومه بسبب إقباله على تعلمها. ولكن يبدو أيضاً أن الذين ألقوا عليه ذلك السؤال لم يعرفوا رسالته في مراتب العلوم (وهي رسالة ستكون من مشتملات الجزء التالي) لأنهم لم يطلعوا عليها أو لأنها لم تكن قد كتبت بعد، أو أنهم اطلعوا عليها فلم يقتنعوا بما جاء فيها من مقررات - والفرض الأول أقرب إلى الرجحان - ولها جاءوا يسألونه حول الأفضلية: بين العلوم التي تنسب للأوائل والأخرى التي جاءت متصلة بالنبوة، مؤكدين أنهم يريدون بياناً مختصراً في هذه المسألة، ليكون حاسماً على نحو تقريري واضح، لا يضيع فيه الجواب المحدد في تضاعيف التفصيلات.
واستجابة لهذا المطلب قام ابن حزم بحصر العلوم المنتمية إلى الأوائل في أربعة هي/ الفلسفة وحدود المنطق، علم المساحة، علم الهيئة، علم الطب، ووصفها بأنها
стр. 719
علوم حسنة لأنها حسية برهانية، وأنها نافعة، ولكن منفعتها كلها دنيوية، لأنها تفيد في شؤون متعلقة بواقع الإنسان على هذه الأرض وتحقق له مصلحة في الدنيا، ومن هذا الجانب لا يمكن أن تكون المطلب النهائي للإنسان، إذ لا تستطيع أن تنافس ما جاءت به النبوة؛ ذلك أن ما جاءت به النبوة يحقق ثلاثة أشياء هامة تعجز عنها علوم الأوائل، وهي:
(١) إصلاح الأخلاق النفسية بينما العلوم الهلينية لا تستطيع إلا إصلاح الجسد؛ ومن الواضح أن إصلاح النفوس ومداواتها أهم من إصلاح الأجساد ومداواتها.
(٢) دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة وإيقاف التظالم بينهم، أي تنظيم أمور المعاش وإحقاق العدالة بين الناس، وهذا لا تستطيعه العلوم لأنها اجتهاد بشري غير ملزم ولا ينقاد له الناس بالطاعة كما ينقادون لأوامر صادرة من خارج نطاق الاجتهاد الإنساني.
(٣) كفالة النجاة للنفس بعد المرحلة الدنيوية.
وقد يبدو من هذا العرض أن ابن حزم انتصر للعلوم الدينية دون أن ينكر الدور الهام الذي تقوم به علوم الأوائل، ولكن التعمق في دراسة الرسالة يدل على انه استطاع الربط بين الجانبين ربطاً وثيقاتً حين ذهب يثبت ضرورة الاستدلال العقلي البرهاني الذي يعده مدخلاً إلى التدين (١) ؛ فالمؤمن يستطيع عن طريق التمرس بالفكر المنطقي أن يتوصل إلى البت في أمر العالم: هل هو محدث أو لم يزل، والطرق للبرهان على حدوثه متعددة منها تناهي العدد، ومنها ان الزمان ذو مبدأ، وهذا يعني وجود أول وراء العالم، وهذا الأول لا يمكن أن يكون ذا مبدأ، وأن هذا الأول - وهو محدث العالم - هو الذي علم اللغة وأعطى الأشياء مسمياتها؛ فإذا قد صح ذلك حق لنا ان نتساءل: هل مبتدئ العالم واحد أو اكثر من واحد، وإذا فتشنا وجدنا أن الواحد غير موجود في تركيب العالم، لأنه قابل دائماً للانقسام، وإذن لا بد من واحد خارج عن تركيب العالم.
بعد ثبوت حدوث العالم ووجود أول محدث له ينتقل المرء ليتفحص الشرائع بنظر عقلي أيضاً (مستفاد من دراسة علوم الأوائل) فيجد الشرائع من مسيحية ويهودية
стр. 720
ومجوسية ومانوية وصابئية جميعاً فاسدة، لفساد النقل إما بتغيير أو انقطاع أو ضياع أو تناقض أو غير ذلك، فلم تبق إلا شريعة واحدة تتمتع بالصحة وذلك هي ملة محمد (ص) وذلك لسببين هامين أولهما أن كتابه منقول عن كواف وثانيهما أن أعلامه مثل إعجاز القرآن وشق القمر منقولة كذلك.
من ثم يتبين أن جميع العلوم ليست سوى أدوات في خدمة العلم الذي يجدر بالإنسان أن يمضي عمره في طلبه، لأنه يكفل النجاة في المعاد، وهو علم الشريعة الإسلامية؛ فهو علم يؤخذ عن صاحب الشريعة نفسه لا عن غيره، من غير ان يكون لطالبه هدف دنيوي من إدراك رياسة أو كسب مال.
- ٥ -
رسالة التلخيص لوجوه التخليص
هذه رسالة من أجود ما كتبه ابن حزم وأكثره هدوءاً وأعلقه بأسباب النفوس الباحثة عن طريق النجاة، ترفرف عليها مسحة الأخوة وتشملها سعة الأفق ورحابة الصدر، وفيها يظهر شموخ ابن حزم في اتساع النظرة الدينية، فهي خلاصة للاستقصاء في البحث والقدرة على الوضوح والوعي والدقة وفهم أحوال الدين والدنيا، كتبها رداً على أسئلة جاءته من بعض أصدقائه " لا يستغني عنها من له أقل اهتمام لدينه " أجادوا فيها السؤال وجود هو فيها الجواب، فضم الأسئلة المتشابهة بعضها إلى بعض في نطاق واحد واستشهد على آرائه بالأحاديث متخففاً من إسنادها في الأكثر، رجاء الاختصار، وكلها أحاديث صحيحة لا يشك أحد في صحتها ولا يتردد في قبولها إلا حديثين (ف: ٨) .
والأسئلة في مجموعها ثمانية وهي:
١ - ما أفضل ما يعمله المرء ليحصل به على عفو ربه وما انفع ما يشتغل به من كثرت ذنوبه في تكفير الصغائر والكبائر.
٢ - ما العمل الذي إذا قطع به الإنسان باقي عمره رجا الفوز وما السيرة التي يختارها ابن حزم.
٣ - ما القدر الذي يطلبه المرء من العلوم
٤ - أي الأمور في النوافل أفضل الصلاة أم الصيام أم الصدقة
стр. 721
٥ - هل حديث التنزل صحيح وهل الإجابة مضمونة في تلك الساعة
٦ - ما رأي ابن حزم في الفتنة الأندلسية وانقسام البلاد إلى إمارات
٧ - كيف تكون السلامة في المطعم والملبس والمأكل للذين يسكنون الأندلس في ظل تلك الفتنة
٨ - هل تتفاضل الكبائر
وإذا استثنينا السؤال الخامس - وهو يدور حول مشكلة محددة - وجدنا الأسئلة الأخرى جميعاً بالغة الأهمية.
وفي الجواب عن السؤال الأول وضح ابن حزم رأيه في ماهية " الكبيرة " وما الذي يخفف من أثقال الذنوب وأن الله مواهب خمساً قد أتحفنا بها، لا يهلك على الله بعدها إلا هالك وهي:
١ - أن الله يغفر الصغائر باجتنابه الكبائر.
٢ - أن التوبة الخالصة قبل الموت تسقط الكبائر نفسها.
٣ - إذا ارتكب المرء الكبائر وزنت حسناته بسيئاته فإن رجحت حسناته غفر الله له.
٤ - أن السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها.
٥ - أن هناك شفاعة ذخرها الله للمؤمنين يخرجهم بها بعد أن ينالوا شطراً من العذاب.
وكان من حق ابن حزم هنا أن يجيب عن السؤال الثامن وهو: هل تتفاضل الكبائر لأنه متصل بالموضوع الأول في أجوبته. وإنا لنرى مبلغ الأمل الذي بثه ابن حزم في النفوس عن طريق فهمه الواسع لروح الدين، وهو يجيب عن السؤال الأول.
فأما الجواب عن العمل الذي يختاره والسيرة التي يفضلها فقد كان جواباً بارعاً في دقته وشموله؛ ومنه ومن أجوبة أخرى في هذه الرسالة تتضح لنا الروح الاجتماعية التي أدركها ابن حزم من طبيعة الدين، فافضل الأعمال ثلاثة متدرجة، وكلها تضع الفرد موضع المسؤولية الاجتماعية: أولها وأهمها: عمل عالم يعلم الناس دينهم؛ وثانيها: الحاكم العادل الذي يشارك رعيته في كل عمل عملوه في ظل عدله وامن سلطانه؛ وثالثها: مجاهد في سبيل الله، وهكذا تتدرج مراتب العمل عند ابن حزم من أوسع حدوده الاجتماعية إلى أصغر المراتب الفردية حتى يتم من ذلك تسع مراتب متفاضلة
стр. 722
متدرجة لا تحرم الإنسان أملاً، وتليها جميعاً مرتبة واحدة مؤكدة الهلاك وهي حال الكافر فحسب. ومرة أخرى يتبين لنا اخذ ابن حزم بالرجاء وفهمه الدقيق لطبيعة موقف الفرد في الجماعة أو بعيداً عنها.
وهذا الفهم للنواحي الاجتماعية هو خير ما يميز هذه الرسالة، ومن خلال هذه الأجوبة كتب ابن حزم صفحة هامة في التاريخ الاجتماعي الاقتصادي للأندلس بعيد الفتنة البربرية، ونحن مدينون له بمعرفة أن الأندلس لم تخمس ولم تقسم عند الفتح، لكن نفذ الحكم فيها بأن لكل يد ما أخذت، ووقعت في البلاد غلبة إثر غلبة، دخلها أولاً الأفارقة فحازوا ما حازوه ثم الشاميون أصحاب بلج فاخرجوا اكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم ثم كانت الفتنة البربرية فاخذ البربر يستولون على ما بأيدي السكان ويشنون الغارات على المواشي وثمار الزيتون.
ويرى ابن حزم أن كل مدبر مدينة أو حصن في الأندلس فهو محارب لله تعالى ساع في الفساد لأنه يسمح بالغارة على الرعية ويبيح للجند قطع الطريق ويضرب المكوس والجزية على رقاب المسلمين ويسلط اليهود عليهم ليجمعوها منهم، وتسمى هذه الجزية " القطيع " وتؤدى بالعنف ظلماً وعدواناً لدفع رواتب الجند، فيعامل الجند بهذه الدراهم والدنانير التجار والصناع فتصبح في حرمتها كالحيات والعقارب والأفاعي بعد أن كانت حلالاً مستخرجاً من وادي لا ردة، ولا سلامة إلا بالإقرار بحرمتها والاستغفار من ذلك إذ كان التورع عن استعمالها أمراً غير عملي.
ثم يكون القطيع أيضاً من الغنم والبقر والدواب وعلى الأسواق وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين، وهذه الدواب تباع للذبح وللنسل. فإذا امتنع المرء عن أكل اللحم لم يمتنع عن شراء الدواب للنسل والحرث، وهي نار كلها لأنها بدل من المثمن، ثم ينصرف ثمنها في أنواع التجارات.
ثم إن مرتبات الجند تتحصل أيضاً من الجزية على الصابون والملح والدقيق والزيت والجبن، وهي جزية غير مشروعة يدفعها المسلمون وتجري في التعامل " وقد علمتم ضيق الأمر في كل ما يأتي من البلاد التي غلب عليها البربر من الزيت والملح وغن كل ذلك غصب من أهله، وكذلك الكتان أكثره من سهم صنهاجة الآخذين النصف والثلث ممن نزلوا عليه من أهل القرى، ولا سلامة من أكل الحرام والتعامل به في كل ذلك، ولكن ليفعل المرء ما هو ممكن وهو أن يجتنب ما يعرف انه غصب معرفة يقين، ثم يعذر
стр. 723
فيما جهله ".
وتستعلن ثورة ابن حزم على هذا الوضع السيئ وعلى الحكام الذين يمكنون للذميين من المسلمين، ويسلمون الحصون للروم دون قتال، على تساهلهم في شؤون المسلمين والاهتمام بمصالح أنفسهم دون مصالح الرعية، ومع ذلك لا نراه ينصح بالخروج عن طاعتهم، وهو نفسه في حيرة من الامر، لانه يعتقد أن اجتماع كل من ينكر بقلبه يؤلف قوة لا تغلب فكيف لا يتم هذا والمسألة أصعب من أن يدعو فيها إلى إصلاح شامل بالقوة ولذلك تراه ينصح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتقية لمن عجز عن ذلك، ولكنه شديد الإنكار على من يعين أولئك الظلمة أو يزين لهم أفعالهم، فإذا اضطر المرء للدخول على بعضهم لقضاء الحقوق فيلفعل، وليعظ إن وجد للوعظ مجالاً.
أما العلوم وما يجب طلبه منها فقد وضحه ابن حزم في رسالة في مراتب العلوم بإسهاب وأورد شيئاً مما قاله هنالك في هذه الرسالة بوجه الإيجاز، وخلاصة رأيه أن طلب علم القراءات والنحو واللغة فرض كفاية، وأن طلب العلم إجمالاً لابد أن يكون لوجه الله تعالى غير مخلوط بشيء من طلب الجاه والذكر في هذه الدنيا، والعلم أضعف السبل إلى كسب المال، وغيره من الطرق أقدر على كسب الدنيا لمن أرادها.
وعرج ابن حزم في آخر الرسالة على ذكر التوبة فقسمها أربعة أقسام:
١ - التوبة من ذنوب بين العبد وربه كالزنا، وشرب الخمر، وهذه تتم بالاستغفار والقلاع والندم.
٢ - التوبة من تعطيل الفرائض عمداً وتتم بالندم والإكثار من النوافل وفعل الخير. ولا قضاء لما فات عند ابن حزم في صوم أو صلاة، أما الزكاة والكفارات فليؤد ما فاته منها.
٣ - التوبة لمن امتحن بمظالم العباد وضرب أبشارهم وقذف أعراضهم وإخافتهم ظلماً وتتم بالخروج عن المال المأخوذ ظلماً ورده إلى أصحابه أو إلى ورثتهم أو إلى إمام المسلمين إن كان لهم إمام عدل.
٤ - توبة من امتحن بقتل النفس، وهو أصعب الذنوب، وتتم بان يمكن ولي المقتول من دم القاتل، أو ليلزم الجهاد وليتعرض للشهادة جهده.
стр. 724
- ٦ -
رسالة البيان عن حقيقة الإيمان
كان ابن الحوات أحد المعجبين بابن حزم حتى إنه ليقول في رسالته إليه: " إنه لولا خوف المشغبين وما ذهينا به من ترؤس الجاهلين لكتبت أقوالك ومذاهبك وبثثتها في العالم وناديت عليها كما ينادى على السلع "، وكان قريباً في الطريقة من ابن حزم: قوة نظر وذكاء وسرعة جواب واستعمالاً للبرهان، أي أن فيه ما يهيئه لان يكون " متكلماً "، ولكن بين الصديقين فوارق أساسية في الطبيعة وعناصر الشخصية. فابن الحوات يخاف المشغبين والحكام الجاهلين، ويحاول أن يقنع صديقه بألا يعرض نفسه للمحنة، ويلمح إليه أنه - أي ابن الحوات - يستعمل ضروباً من الساسة في معاملة الناس، وكأنه يحضه على اتباع طريقته، ولكن ابن حزم يعتقد أن الخوف من المشغبين والمترئسين الجاهلين لا يكف أذاهم، ولذلك فهو يؤثر ان يصدع بالحق دون خشية، وهو لا يخاف الناس " فقد سبق القضاء بما هو كائن فلا ترده حيلة محتال "، وعدم التعرض للمحنة في سبيل الحق ينطبق عليه مثل يردده العوام: " فلان يحب الشهادة والرجوع إلى البيت " فقد جرب هو مواجهة الأخطار حتى لقد انتصر له ناس يخالفونه في مقالته، اليس هذا حماية من الله الذي وعد بنصر من ينصره لقد قام يذب عن ابن حزم حين كثرت عليه الهجمات القاضي عبد الرحمن بن بشر وابن عبد الرءوف صاحب الاحكام وحكم بن منذر بن سعيد ويونس بن عبد الله بن مغيث وأحمد بن عباس واحمد بن رشيق، فلماذا يخاف نعم إن السياسة قد تكون ناجحة، ولكن يبدو أنها لم تكن في طبعه، ولهذا فهو يستحسنها حين تكون ضرباً من الموعظة الحسنة، ولكنه لا يستطيع أن يتحول عن طريقته في النقد المواجه إلى المداراة. ويتخلل هذه التلميحات التوجيهية من صديقه ابن الحوات قضيتان أشبه بالنادرتين: في إحداهما يعتب ابن الحوات على ابن حزم انه نمي إليه بأنه (أي ابن حزم) قد نسب إلى صديقه القول بأن لا إدام إلا الخل، وفي الثانية ابن حزم بأنه سريع إلى إفشاء ما يقوله مؤيدوه بل قد يقولهم ما لم يقولوه؛ ويتنصل ابن حزم من هاتين التهمتين ضاحكاً من الثانية متبرئاً من الأولى لأنه لا يستجيز الكذب على أحد ولا يستحل الخروج على المنطق في مثل ذلك القول، لأنه يعلم تمام العلم أن الادام أنواع كثيرة.
تلك مقدمة أشبه بالحديث الذاتي، ولكن رسالة البيان عن حقيقة الإيمان إنما
стр. 725
أثارتها قضية أخرى كانت قد دونت في مدرجة ملحقة برسالة ابن الحوات، وهذه القضية هي: هل يتم إيمان المرء دون استدلال ذلك أن ابن الحوات مثل ابن حزم ينكر التقليد، ومن أنكر التقليد توصل بسهولة إلى القول بان العقل الإنساني قادر على معرفة الله، خصوماً وان الآيات التي تحض على استعمال النظر كثيرة، وخصوماً وان ابن حزم نفسه - كما رأينا في رسالة سابقة - يستعمل الاستدلال طريقاً للإيمان.
وجواب ابن حزم عن هذه القضية واضح صريح: نعم إنه يعرف علم الكلام وطرائق أهله في الاستدلال، فهو لا يجهل ذلك ولا يمكن أن يتهم بأنه يعادي شيئاً لجهله به. وأنه يستعمل الاستدلال ويحسن استعماله حين يشاء ولكنه لا يراه فرضاً على الناس. بل المفروض على الناس الائتمار لما جاء به الوحي، والآيات الواردة في القرآن حضت على النظر، وثمة فرق شاسع بين الحض والأمر.
وهو ينكر التقليد وينهى عنه، ولكن لو أن إنساناً اهتدى إلى الحق عن طريق التقليد لكان مصيباً في الاهتداء إلى الحق مذموماً في المنهج الذي اختاره؛ فالتقليد مذموم لكن إن أدى إلى باطل فقد أوقع صاحبه في الكفر أو الفسق، وإن أدى إلى حق فقد جاء على صاحبه بالتوفيق، ولكنه لم يبرئه من الذم.
والفرق بينه وبين ابن الحوات أن هذا الثاني يريد أن يعمم رفض التقليد بحيث يتناول أيضاً عدم تقليد الرسول، احتكاماً إلى العقل على طريقة المعتزلة والأشعرية، بينا يرى ابن حزم ان التقليد هو تقليد كل إنسان دون الرسول، فأما الأخذ بما جاء به الرسول فهو ائتمار لا تقليد. كذلك فإن ابن الحوات يرى أن الرسول لا تجب طاعته إلا بعد معرفة الله، فمعرفة الله مقدمة على معرفة رسله، أما ابن حزم فيرى أن العقل الإنساني لم يعط القدرة على ذلك، وأنه لا وجوب لشيء إلا إذا دعا إليه الرسل، ومعرفة الله قد وجبت على الناس بدعاء الرسل لا بقدرة العقل. فالعقل لا يحرم شيئاً ولا يوجبه وإنما فيه معرفة الأشياء على ما هي عليه. العقل قادر على التلقي والتفسير ولكنه لا يوجب حرمة لحم الخنزير أو أن تكون صلاة الظهر أربع ركعات.
كل ما تطلبه الدين من الناس هو الإقرار بدعوة الإسلام وتحقيقها في القلوب، ولكنهم لم يكلفوا المعرفة البرهانية، ومعظم الأمة لا يعرف أن يتهجى كلمة " استدلال " ومع ذلك فغن الواحد فيهم يتحمل العذاب في سبيل دينه، ويستحل دم أبيه إذا كفر.
وبعد هذا الجدل النظري يعود ابن حزم بصديقه إلى الواقع العملي: فيتدرج به في
стр. 726
الخطوات التالية:
١ - هل كان إسلام أبي بكر وخديجة وعائشة وعلي وبلال قائماً على طلب معجزة
٢ - هل كان إسلام من دعي إلى الإسلام من خارج مكة كالنجاشي وذي الكلاع والمبايعين من الأنصار قائماً على طلب معجزة
٣ - هل بدأ ابن الحوات نفسه بالاستدلال على معرفة الله حين البلوغ، وإذا بدأ هذا الاستدلال بعد سنوات من بلوغه الحلم فهل كان خلال تلك السنوات مؤمناً أو كافراً
وإذن فهو ينبه صديقه إلى أن لا يتمادى في الانسياق وراء المتكلمين، فهم أجسر الناس على عظيمة تقشعر منها الجلود، وهم سبب المنازعات بين المسلمين وتكفير بعضهم بعضاً.
وهكذا وجد ابن حزم من " يزايد " عليه في إنكار التقليد إلى حد التحريم، ويتجاوزه إلى الاحتكام للعقل، متأثراً بطرائق المتكلمين دون أن يكون كذلك، ولكنه قد أوصل أحد المبادئ التي يدعو لها ابن حزم إلى نهايته المنطقية.
٧، - ٨
رسالة في الإمامة، ورسالة في حكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين
تتناول الرسالة الأولى أحوال إمام يصلي خلفه الناس دون أن يعرفوا مذهبه، وهذا الإمام يجيز الوضوء بالنبيذ، والغسل من حوض الحمام وهو راكد، ويمسح في الوضوء بطرف رأسه، ويبسمل في الفاتحة ويجعل البسملة آية. إلى غير ذلك من أحواله؛ وتدل الأجوبة على أن ابن حزم لا يرى في أكثر هذه الأحوال مدعاة لعدم الصلاة خلف ذلك الإمام، ذلك لان كل ما يؤاخذه به ذلك السائل قد فعله جماعة من كبار الصحابة والتابعين وليس السائل بأفضل منهم.
ولكن الرسالة لا تتوقف عند حد الإمامة، وإنما تتناول أسئلة عن السلم وعن تفرق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة؛ ويدل آخر سؤال على ان السائل مالكي المذهب فهو يطلق على مالك لقب " أمير المسلمين في العلم " فيرد ابن حزم بان ليس للمسلمين أمير طاعته مفترضة في الدين بعد الرسول ويعد عدداً كبيراً من الأئمة لم يكونوا يقلون عن مالك اطلاعاً وتقوى، ويحذر سائله من الإفراط في العصبية لمالك، فقد أفرط قوم في
стр. 727
علي - وهو أعلى من مالك بدرجات كثيرة - فضلوا.
وأما الرسالة الثانية (وهي الثامنة بحسب ترتيب هذا الجزء) فإنها لا تقف عند مدلول العنوان، إذ ليس العنوان إلا سؤالاً عن المشكلة التي تناولت الفقرات الخمس الأولى، فإذا انتقلنا إلى الفقرة التالية وجدنا سؤالاً عن الذنوب التي تاب عنها المرء هل تبقى مكتوبة في صحيفته، وأسئلة أخرى عن من حلف مكرهاً هل تجب عليه كفارة، وعن المأسور في دار الحرب هل تلزمه العهود التي قطعها للعدو على نفسه وغير ذلك. وتتخلل الرسالة خرافات يستنكرها ابن حزم، وروح شكية يستعيذ بالله منها، وهي على الجملة رسالة متعددة الأغراض لا تضبط بموضوعات كبرى.
стр. 728
فراغ
стр. 729
١ - رسالة في الرد على ابن النغريلة اليهودي .
стр. 730
فراغ
стр. 731
- ١ -
[٤٧ - أب] رد أبي محمد بن حزم على ابن النغريلة اليهودي لعنه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله
قال أبو محمد علي بن احمد بن حزم ﵁:
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وسلم تسليماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
١ - اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سبباً إلى انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائهم عليهم، وعن حياطة ملتهم [بها] عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة (١) والذمة، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتموا بذلك ضعف همنا، لأنهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء والحمية للملة الغراء، ثم هم متردون بما يؤول إليه إهمال هذا الحال من فساد سياستهم والقدح في رياستهم، فللأسباب أسباب، وللمداخل إلى البلاء أبواب، والله اعلم بالصواب. وقد قال علي بن العباس (٢) :
لا تحقرن سبيباً ... كم جر أمراً سبيب وقال أبو نصر ابن نباتة (٣) :
стр. 732
فلا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف (١) تجذ الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر لاسيما إن كان العدو من عصابة لا تحسن إلا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المغتر إلى الضعف البادي، وتحت ذلك الختل والكيد والمكر، كاليهود الذين لا يحسنون شيئاً من الحيل (٢) ولا آتاهم الله شيئاً من أسباب القوة وإنما شأنهم (٣) الغش [١٤٨/ أ] والتخابث والسرقة، على التطاول والخضوع، مع شدة العداوة لله تعالى ولرسوله ﷺ .
٢ - وبعد فإن بعض من تقلى قلبه (٤) للعداوة للإسلام وأهله وذوبت كبده ببغضه الرسول ﷺ من متدهرة الزنادقة المستسرين بأذل الملل وأرذل النحل من اليهود التي استمرت لعنة الله على المرتسمين بها، واستقر غضبه [على] المنتمين إليها، أطلق الأشر لسانه، وأرخى البطر عنانه، واستشمخت لكثرة الأموال لديه نفسه المهينة، وأطغى توافر (٥) الذهب والفضة عنده همته الحقيرة، فألف كتاباً قصد فيه، بزعمه، إلى إبانة تناقض كلام الله في القرآن اغتراراً (٦) بالله أولاً، ثم بملك ضعفة (٧) ثانياً، واستخفافاً بأهل الدين بدءاً، ثم بأهل الرياسة في مجانة (٨) عوداً؛ فلما اتصل بي أمر هذا اللعين لم أزل باحثاً عن ذلك الكتاب الخسيس لأقوم فيه بما أقدرني الله عليه من نصر دينه بلساني وفهمي، والذب عن ملته ببياني وعلمي، إذ قد عدمها، والمشكى إلى الله ووجود الأعوان والأنصار على توفية هذا الخسيس الزنديق المستبطن مذهب الدهرية في باطنه، المكفن بتابوت اليهودية في ظاهره، حقه الواجب عليه من سفك الدماء واستيفاء ماله وسبي نسائه وولده، لتقدمه طوره وخلعه الصغار عن عنقه، وبراءته من
стр. 733
الذمة الحاقنة (١) دمه، المانعة من ماله وأهله، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. فأظفرني القدر بنسخة رد فيها عليه رجل من المسلمين، فانتسخت الفصول التي ذكرها ذلك الراد عن هذا الرذل الجاهل، وبادرت إلى بطلان ظنونه الفاسدة بحول الله تعالى وقوته؛ ولعمري عن اعتراضه الذي اعترض به ليدل على ضيق باعه في العلم، وقلة اتساعه في الفهم على ما عهدناه عليه [١٤٨ ب] قديماً، فإننا ندريه عارياً إلا من المخرقة، سليماً إلا من الكذب، صفراً إلا من البهت؛ وهذه عقوبة الله تعالى المعجلة لمن سلك مسلك هذا الزنديق اللعين مقدمة، أما ما أعد الله له ولأمثاله من الخلود في نار جهنم [فهو] المقر لعيون أولياء الله فيه وفي ضربائه، وبالله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
٣ - الفصل الأول: فكان أول ما اعترض به هذا الزنديق المستسر باليهودية، على القرآن بزعمه أن ذكر [قول] لله : ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾ (النساء: ٧٨) قال هذا المائق (٢) الجاهل: فأنكر في هذه الآية تقسيم القائلين بأن ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة فمن عند محمد، وأخبر أن كل ذلك من عند الله؛ قال: ثم قال في آخر هذه الآية: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ (النساء: ٧٩) قال هذا الزنديق الجاهل: فعاد مصوباً لقولهم ومضاداً لما قدم في أول الآية:
٤ - قال أبو محمد بن حزم: لو كان لهذا الجاهل الوقاح أقل بسطة أو أدنى حظ من التمييز لم يتعرض بهذا الاعتراض الساقط الضعيف، والآية المذكورة مكتفية بظاهرها عن تكلف تاويل، مستغنية ببادي ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها، ولكن جهله أعمى بصيرته وطمس إدراكه. وبيان ذلك أن الكفار يقولون: إن الحسنات الواصلة إليهم هي من عند الله وان السيئات المصيبة لهم (٣) في دنياهم هي من عند محمد ﷺ ، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وبين وجه ورود حسنات الدنيا وسيئاتها على كل من فيها بان الحسنات السارة هي من عند الله تعالى بفضله على الناس، وان كل سيئة يصيب الله تعالى بها إنساناً في دنياه فمن [١٤٩/ أ] قبل نفس المصاب بها بما يجني على نفسه من تقصيره فيما يلزمه من أداء حق الله تعالى الذي لا
стр. 734
يقوم به أحد، وكل ذلك من عند الله تعالى جملة، فأحد الوجهين (١) وهو: الحسنات فضل من الله تعالى مجرد لم يستحقه أحد على الله تعالى إلا حتى يفضل به من احسن إليه من عباده، والوجه الثاني وهو السيئات تأديب من الله تعالى أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى.
٥ - ولا يستوحشن (٢) مستوحش فيقول: كيف يكون النبي ﷺ المخاطب بهذا الخطاب مقصراً في أداء واجب ربه تعالى فليعلم أن التقصير ليس يكون معصية في كل وقت، وإنما يكون النبي ﵇ منزهاً عن تعمد المعصية صغيرها وكبيرها. وأما تأدية شكر الله تعالى وجميع حقوقه على عباده فهذا ما لا يستوفيه ملك ولا نبي فكيف من دونهما، كما أخبر رسول الله ﷺ : " إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله " فقيل له: ولا أنت يا رسول الله فقال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " (٣) ، أو كما قال ﵇.
٦ - فإنما أنكر الله تعالى على الكفار في الآية المتلوة آنفاً قولهم للنبي ﵇: عن ما أصابهم من سيئة فهي منك يا محمد، وأخبر أنها من عند أنفسهم، وأن كل ذلك من عند الله تعالى؛ فلم يفرق المجنون بين ما أوجبه الله تعالى من أن كل من أصابته سيئة فمن نفسه، وبين ما ذكر الله تعالى من قول الكفار لمحمد ﷺ : إن ما أصابهم من سيئة فمنك يا محمد. فأي ظلم يكون اعظم من ظلم من جهل أن يفرق بين معنيي هذين اللفظين
٧ - وإنما كان الكفار يتطيرون بمحمد ﷺ عندما يرد عليهم من نكبة تعرض لهم (٤) بكفرهم وخلافهم له عليه [١٤٩ ب] السلام، كما تطير إخوانهم قبلهم بموسى ﷺ إذ قال تعالى حاكياً عنهم قولهم: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله﴾ (الأعراف: ١٣١) . وما أرى هذا الزنديق الأنوك إذ (٥) اعترض بهذا
стр. 735
الاعتراض كان إلا سكران الخمر، وسكر عجب الصغير إذا كبر، والخسيس إذا أشر، والذليل الجائع إذا عز وشبع، والسفلي إذا أمر وشط، والكلب إذا دلل ونشط، فإن لهذه المعاني مسالك خفية (١) في إفساد الأخلاق التي تقرب من الاعتدال. وكيف بخلق سوء متكرر في الخساسة والهجنة والرذالة والنذالة واللعنة والمهانة
ولله در القائل (٢) :
[إذا أنت أكرمت الكريم ملكته] ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى وهذا الذي قلنا هو المفهوم من نص الآية دون تزيد ولا انتقاص ولا تبديل لفظ، والحمد لله رب العالمين كثيراً.
٨ - ولكن لو تذكر هذا المائق الجاهل ما يقرأونه في كفرهم البدل وإفكهم المحرف بأخرق تحريف وأنتن معان - حاشا ما خذلهم الله تعالى في تركه على وجهه ليبدي فضائحهم، فأبقوه تخبيثاً من الله تعالى لهم ليكون حجة عليهم، من ذكر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم - في كتابهم الذي يسمونه: " التوراة " إذ يقولون فيه في السفر الرابع عن موسى ﷺ انه قال مخاطبا لله (٣) : " يا رب كما حلفت قائلاً: الرب وديع ذو حن عظيم بعفو عن الذنب والسيئة وليس ينسى شيئاً من المآثم، الذي يعاقب بذنب الوالد الولد في الدرجة الثانية والرابعة ". ويقرأون فيه أيضاً في أول السفر الأول (٤) : " إن قاين ابن آدم عاقبه الله في السابع من ولده " ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر [١٥٠ و] الخامس منه: " إن الله ﵎ قال لموسى: لا تقتل الآباء لأجل الأبناء، ولا الأبناء لأجل الآباء، ألا كل واحد يقتل بذنبه " - فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذي هو الحق الواضح الواحد غير المختلف: ﴿قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً* ما أصابك من حسنة
стр. 736
فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وهذا قد بيناه كما مر آنفاً انه لا مجاز للتناقض فيه أصلاً، وإنما التناقض المحض ما نسبوا إلى موسى ﵇ من أنه قدر بربه أنه يغفر الذنب لفاعله، ويعاقب بذلك الذنب من كان من ولد المذنب في الدرجة الرابعة، ثم يقول في مكان آخر: أن لا تقتل الأبناء لأجل الآباء ولا الآباء لأجل الأبناء، هذا مع إقرارهم بأنه ليس في التوراة ذكر عذاب ولا جزاء بعد الموت أصلاً، وإنما فيها الجزاء بالثواب والعقاب في الدنيا فقط، فهذا هو التناقض المجرد الذي لا خفاء به، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - الفصل الثاني: وكان مما اعتراض به أيضاً ان ذكر قول الله تعالى: ﴿أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها دماءها ومرعاها والجبال أرساها﴾ ، (النازعات: ٢٧ - ٣٢) قال: فذكر في هذه الآية [أن] دحو الأرض وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد رفع سمك السماء وبعد بنائها وتسويتها وإحكام ليلها ونهارها، ثم قال في آية أخرى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وهو بكل شيء عظيم﴾ (البقرة: ٢٩) قال: فذكر [في] هذه الآية ضد ما في الأولى، وذلك أن هذه التسوية للسماء كانت بعد خلق ما في الأرض.
١٠ - قال أبو محمد: والقول في هذا كالقول [١٥٠ ب] في التي قبلها ولا فرق وهو: ان بظاهر هاتين الآيتين يكتفى عن تطلب تأويل أو تكلف مخرج وهو: انه تعالى ذكر في الآية التي تلونا أولاً أنه بنى السماء ورفع سمكها وأحكم الدور الذي به يظهر الليل والنهار، وأنه بعد ذلك أخرج ماء الأرض ومرعاها وأرسى الجبال فيها. وذكر تعالى في الآية الأخرى ان تسويته تعالى السموات سبعاً وتفريقه بين تلك الطرائق (١) السبع التي هي مدار الكواكب المتحيرة والقمر والشمس كان بعد خلقه كل ما في الأرض. فلم يفرق هذا الجاهل المائق بين قوله تعالى: إنه سوى السماء ورفع سمكها وبين قوله تعالى: إنه سواهن سبع سموات. فهل بعد هذا العمى عمى، وبعد هذا الجهل جهل
١١ - وإنما أخبر تعالى ان تسوية السماء جملة واختراعها كان قبل دحو الأرض، وأن دحوه الأرض كان قبل أن تقسم السماء على طرائق الكواكب السبع، فلاح أن
стр. 737
الآيتين متفقتان يصدق بعضهما بعضاً. ولكن ليذكر هذا الجاهل على ما يفتتحون به كذبهم المفترى وبهتانهم المختلق الذي يسمونه " التوراة " إذ يفترون (١) ان الله تعالى خلق إنساناً مثله، ولم يكن انفرد عنه تعالى إلا بشيئين: علم الشر والخير، ودوام الخلود والحياة، وأن آدم صلوات الله وسلامه عليه أكل من الشجرة التي فيها علم الخير والشر، فلما خالفه عظم ذلك عليه؛ قال: هذا آدم أكل من الشجرة التي بها يكون علم الخير والشر فساوانا في ذلك، فإن أكل من شجرة الحياة حصل على الخلد فكان مثلنا لا فضل لنا فيه، فجعل يخرجه من الجنة وفي يده سيف يذود به شجرة الحياة (٢) . حتى لقد انسخف (٣) جماعة من نوكاهم إلى ان قالوا: إن لآدم كان إنساناً من نوع الإنس الذي نحن منه، حصل على [١٥١/ أ] أكل شجرة الحياة فزاد (٤) بهاؤه وحصل له الخلد. فلو أن (٥) هذا الخسيس الجاهل تبراً إلى الله تعالى من المظاهرة لهذا الوضع وهذا الاعتقاد الساقط لكان أحظى (٦) له. ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يجعل له الخزي والمهانة، ويؤجل له الخلود بين أطباق النيران المعدة له ولأمثاله ولأشباهه والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبي الرحمة محمد ﷺ تسليماً كثيراً.
١٢ - الفصل الثالث (٧) : وكان مما اعترض به أيضاً ان ذكر قوله ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى منتهى قوله في الآية نفسها ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ (فصلت: ١٠) قال: فذكر في هذه الآية خلق الأرض في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فهذه ستة أيام، ثم ذكر قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ (فصلت:١١) إلى منتهى قوله تعالى ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ (فصلت: ١٢) . ثم ذكر قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾ (ق: ٣٨) .
١٣ - قال أبو محمد: والقول في هذه الآيات كالقول في التي مضى فيها الكلام
стр. 738
ولا فرق، وهي أنها تكتفي بظاهرها عن تكلف تأويل لها، وأنه لا يظن في شيء من هذا كله اختلافاً (١) إلا عديم العقل سليب التمييز مطموس عين القلب ظليم الجهل، لأنه تعالى إنما ذكر خلق الجميع من السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فسر لنا تعالى تلك الأيام الستة، فمنها يومان خلق فيهما (٢) الأرض ومنها أربعة أيام قدر في الأرض أقواتها، وأنه تعالى قضى السموات سبعاً في يومين، وقد صح بما تلونا قبل أن تسويته تعالى السموات سبعاً كان بعد خلقه لما في الأرض جميعاً، فاليومان اللذان خلق [الله] تعالى فيهما السموات سبعاً هما اليومان الآخران من الأربعة [١٥١ ب] الأيام التي قدر فيها أقوات الأرض لأن التقدير هو غير الخلق، لان الخلق هو الاختراع والإبداع وإخراج الشيء من ليس إلى أيس بمعنى من لا شيء إلى ان يكون شيئاً موجوداً. وأما التقدير فهو الترتيب وإحكام الأشياء الموجودات بعد إيجادها، وهذه معان لا يعلمها إلا من أعز الله تعالى نفسه من ذوي الهمم الرفيعة، المترفعة عن مهانة الإساءة ودناءة المعايش، القاصدة (٣) إلى طلب المعاني الفاضلة (٤) والحقائق المؤدية إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ ، والدخول في ظل الإسلام والملة الحنيفية المصحبة من الله تعالى السعد في الدنيا والنصرة والعزة، المتكفل لها في الآخرة بالفوز بالجنة والقبول والرضوان والريحان، والحمد لله رب العالمين الذي جعلنا من أهلها، وإياه تعالى نسأل ان يميتنا عليها حتى نلقاه وهو راض عنا، آمين. وأما من لم يقطع دهره إلا بالسرقة ولا أفنى عمره إلا بالخيانة والغش فبعيد عن إدراك هذه المعاني وفهمها.
١٤ - وليت شعري أين كان هذا الخسيس المائق إذ اعترض بهذا الاعتراض على هذه الأنوار الساطعة والحقائق الظاهرة عن التفكر فيما يقرأونه في هذيانهم المخترع وزورهم المفتعل الذي يسمونه " التوراة " إذ يقولون (٥) : إن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع وهل تكون الراحة إلا لتعب ونصب قد خارت قواه وضعفت طبيعته فمثل هذا وشبههه من دينه الخسيس الذي يستسر (٦) به لو تهمم
стр. 739
بالفكرة فيه ثم بادر إلى التوبة منه والدخول في دين الله تعالى الذي لا دين له سواه، الذي به بدا الملك على لسان محمد ﷺ ، والحمد لله رب العالمين [١٥٢ و] .
١٥ - الفصل الرابع: ثم ذكر الخسيس الجاهل قول الله تعالى ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات: ٣٥) ثم قال في آية أخرى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ (النحل: ١١١) قال: وهذا تناقض عظيم.
١٦ - قال أبو محمد: قد قال بعض العلماء المتقدمين: إن المنع من النطق المذكور في الآية إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة، وان الجدال المذكور في الآية الأخرى هو موقف آخر مما يتلو ذلك اليوم نفسه، وهذا قول صحيح يبينه قول الله تعالى قبل الآية المذكورة، إذ يقول : ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون* انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب* إنها ترمي بشرر كالقصر* كأنه جمالات (١) صفر* ويل يومئذ للمكذبين* هذا يوم لا ينطلقون* ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات: ٢٩ - ٣٦) فيه بعذر. هكذا نص الآيات متتابعات، لا فصل بينها (٢) ، فصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار، وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب، وهو أيضاً (٣) يوم جدال كل نفس عن نفسها؛ وهذا بيان لا إشكال فيه أصلاً.
١٧ - وها هنا وجه آخر وهو اتباع ظاهر الآيتين دون تكلف تأويل إلا أن يأتي بالتأويل نص آخر أو إجماع من جميع الأمة كلها ما بين الأشبونة والقندهار والشحر وأرمينية والمولتان (٤) . فنقول وبالله نستعين: عن هاتين الآيتين بينتان لا اختلاف بينهما أصلاً، وإن النطق المنفي عنهم في الآية الأولى والمعذرة التي لم يؤذن لهم فيها إنما ذلك فيما عصوا فيه خالقهم تعالى، كما (٥) قال في آية أخرى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ (يس: ٦٥) فلا عذر لكافر ولا لعاص أصلاً ولا كلام لهم. وأما الجدال الذي ذكر الله تعالى حينئذ
стр. 740
[لكل نفس] عن نفسها فإنما هو في طلب الناس مظالمهم [١٢٥ظ] بعضهم من بعض، فإن الله تعالى لا يضيع شيئاً من ذلك، على ما صح عن النبي صلى الله عليه [وسلم] من أن يوم القيامة يقص الشاة الجماء من الشاة القرناء (١) . وبيان هذا الذي قلنا ان المعذرة إنما هي إلى الله تعالى، ولا عذر يوم القيامة لمن كفر بالله تعالى أو بنبي من أنبيائه، وخالف الإسلام. وهذا هو الذي (٢) يكون يوم القيامة ولا يعذر عليه أحد. وإنما هو مصدر جادل يجادل جدالاً، وجادل هو فعل من فاعلين لا ينكر أحد هذا من أهل اللغة، فالله تعالى لا يجادل، وإنما يجادل الناس بعضهم بعضاً، فكل أحد حينئذ يجادل من ظلمه ليقتص منه وهذا ما لا يعرى منه مؤمن ولا كافر، فاستبان [معنى] الآيتين بظاهرهما دون تكلف تاويل، وبطل ما ظنه هذا الجاهل، والحمد لله رب العالمين.
١٨ - قال أبو محمد: ليس في حماقاتهم المبدلة التي يسمونها " التوراة " ذكر اجر ولا ثواب لمحسن بعد الموت ولا عقاب لمسيء في الدنيا أصلاً ولا في الكتب التي ينسبونها إلى أنبيائهم من هذا قليل ولا كثير. فلو نظر هذا المجنون فيما ينسبونه إلى سليمان ﵇ في تصويبه دعاء امرأة دعت له فقالت: ولا زالت أرواح أعدائك يدور بها الفلك؛ وهذا إبطال الثواب والعقاب إلا على معنى التناسخ ومضا [د] لما ذكروه عن غيره من الأنبياء إن هنالك ناراً ونعيماً؛ ومثل ما ينسبونه إليه أيضاً ﵇ من أنه قال مرة: " عن العالم لا أول له " وأنه قال مرة أخرى: " أنا كنت مع الله تعالى حين خلق الأرض والسماء ". فلو أن هذا الجاهل الشقي اشتغل بمثل هذا وشبهه من كذبهم وافترائهم لكان أولى به من تكلف ما لا يحسن ولا يدري، مما قد فضحه (٣) الله فيه عاجلاً، ويخزيه [١٥٣/أ] آجلاً، والحمد لله رب العالمين.
١٩ - الفصل الخامس: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ (الرحمن: ٣٩) قال: ثم قال في آية أخرى ﴿فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (الأعراف: ٦) قال: وهذا تناقض.
٢٠ - قال أبو محمد: لو فهم هذا المائق الجاهل أدنى فهم لم يجعل هذا تعارضاً، أما قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ فإن [ما] بعد هذه الآية