← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وهذا قد بيناه كما مر آنفاً انه لا مجاز للتناقض فيه أصلاً، وإنما التناقض المحض ما نسبوا إلى موسى ﵇ من أنه قدر بربه أنه يغفر الذنب لفاعله، ويعاقب بذلك الذنب من كان من ولد المذنب في الدرجة الرابعة، ثم يقول في مكان آخر: أن لا تقتل الأبناء لأجل الآباء ولا الآباء لأجل الأبناء، هذا مع إقرارهم بأنه ليس في التوراة ذكر عذاب ولا جزاء بعد الموت أصلاً، وإنما فيها الجزاء بالثواب والعقاب في الدنيا فقط، فهذا هو التناقض المجرد الذي لا خفاء به، وبالله تعالى التوفيق. ٩ - الفصل الثاني: وكان مما اعتراض به أيضاً ان ذكر قول الله تعالى: ﴿أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها دماءها ومرعاها والجبال أرساها﴾ ، (النازعات: ٢٧ - ٣٢) قال: فذكر في هذه الآية [أن] دحو الأرض وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد رفع سمك السماء وبعد بنائها وتسويتها وإحكام ليلها ونهارها، ثم قال في آية أخرى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وهو بكل شيء عظيم﴾ (البقرة: ٢٩) قال: فذكر [في] هذه الآية ضد ما في الأولى، وذلك أن هذه التسوية للسماء كانت بعد خلق ما في الأرض. ١٠ - قال أبو محمد: والقول في هذا كالقول [١٥٠ ب] في التي قبلها ولا فرق وهو: ان بظاهر هاتين الآيتين يكتفى عن تطلب تأويل أو تكلف مخرج وهو: انه تعالى ذكر في الآية التي تلونا أولاً أنه بنى السماء ورفع سمكها وأحكم الدور الذي به يظهر الليل والنهار، وأنه بعد ذلك أخرج ماء الأرض ومرعاها وأرسى الجبال فيها. وذكر تعالى في الآية الأخرى ان تسويته تعالى السموات سبعاً وتفريقه بين تلك الطرائق (١) السبع التي هي مدار الكواكب المتحيرة والقمر والشمس كان بعد خلقه كل ما في الأرض. فلم يفرق هذا الجاهل المائق بين قوله تعالى: إنه سوى السماء ورفع سمكها وبين قوله تعالى: إنه سواهن سبع سموات. فهل بعد هذا العمى عمى، وبعد هذا الجهل جهل ١١ - وإنما أخبر تعالى ان تسوية السماء جملة واختراعها كان قبل دحو الأرض، وأن دحوه الأرض كان قبل أن تقسم السماء على طرائق الكواكب السبع، فلاح أن

стр. 737

الآيتين متفقتان يصدق بعضهما بعضاً. ولكن ليذكر هذا الجاهل على ما يفتتحون به كذبهم المفترى وبهتانهم المختلق الذي يسمونه " التوراة " إذ يفترون (١) ان الله تعالى خلق إنساناً مثله، ولم يكن انفرد عنه تعالى إلا بشيئين: علم الشر والخير، ودوام الخلود والحياة، وأن آدم صلوات الله وسلامه عليه أكل من الشجرة التي فيها علم الخير والشر، فلما خالفه عظم ذلك عليه؛ قال: هذا آدم أكل من الشجرة التي بها يكون علم الخير والشر فساوانا في ذلك، فإن أكل من شجرة الحياة حصل على الخلد فكان مثلنا لا فضل لنا فيه، فجعل يخرجه من الجنة وفي يده سيف يذود به شجرة الحياة (٢) . حتى لقد انسخف (٣) جماعة من نوكاهم إلى ان قالوا: إن لآدم كان إنساناً من نوع الإنس الذي نحن منه، حصل على [١٥١/ أ] أكل شجرة الحياة فزاد (٤) بهاؤه وحصل له الخلد. فلو أن (٥) هذا الخسيس الجاهل تبراً إلى الله تعالى من المظاهرة لهذا الوضع وهذا الاعتقاد الساقط لكان أحظى (٦) له. ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يجعل له الخزي والمهانة، ويؤجل له الخلود بين أطباق النيران المعدة له ولأمثاله ولأشباهه والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبي الرحمة محمد ﷺ تسليماً كثيراً. ١٢ - الفصل الثالث (٧) : وكان مما اعترض به أيضاً ان ذكر قوله ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى منتهى قوله في الآية نفسها ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ (فصلت: ١٠) قال: فذكر في هذه الآية خلق الأرض في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فهذه ستة أيام، ثم ذكر قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ (فصلت:١١) إلى منتهى قوله تعالى ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ (فصلت: ١٢) . ثم ذكر قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾ (ق: ٣٨) . ١٣ - قال أبو محمد: والقول في هذه الآيات كالقول في التي مضى فيها الكلام

стр. 738

ولا فرق، وهي أنها تكتفي بظاهرها عن تكلف تأويل لها، وأنه لا يظن في شيء من هذا كله اختلافاً (١) إلا عديم العقل سليب التمييز مطموس عين القلب ظليم الجهل، لأنه تعالى إنما ذكر خلق الجميع من السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فسر لنا تعالى تلك الأيام الستة، فمنها يومان خلق فيهما (٢) الأرض ومنها أربعة أيام قدر في الأرض أقواتها، وأنه تعالى قضى السموات سبعاً في يومين، وقد صح بما تلونا قبل أن تسويته تعالى السموات سبعاً كان بعد خلقه لما في الأرض جميعاً، فاليومان اللذان خلق [الله] تعالى فيهما السموات سبعاً هما اليومان الآخران من الأربعة [١٥١ ب] الأيام التي قدر فيها أقوات الأرض لأن التقدير هو غير الخلق، لان الخلق هو الاختراع والإبداع وإخراج الشيء من ليس إلى أيس بمعنى من لا شيء إلى ان يكون شيئاً موجوداً. وأما التقدير فهو الترتيب وإحكام الأشياء الموجودات بعد إيجادها، وهذه معان لا يعلمها إلا من أعز الله تعالى نفسه من ذوي الهمم الرفيعة، المترفعة عن مهانة الإساءة ودناءة المعايش، القاصدة (٣) إلى طلب المعاني الفاضلة (٤) والحقائق المؤدية إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ ، والدخول في ظل الإسلام والملة الحنيفية المصحبة من الله تعالى السعد في الدنيا والنصرة والعزة، المتكفل لها في الآخرة بالفوز بالجنة والقبول والرضوان والريحان، والحمد لله رب العالمين الذي جعلنا من أهلها، وإياه تعالى نسأل ان يميتنا عليها حتى نلقاه وهو راض عنا، آمين. وأما من لم يقطع دهره إلا بالسرقة ولا أفنى عمره إلا بالخيانة والغش فبعيد عن إدراك هذه المعاني وفهمها. ١٤ - وليت شعري أين كان هذا الخسيس المائق إذ اعترض بهذا الاعتراض على هذه الأنوار الساطعة والحقائق الظاهرة عن التفكر فيما يقرأونه في هذيانهم المخترع وزورهم المفتعل الذي يسمونه " التوراة " إذ يقولون (٥) : إن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع وهل تكون الراحة إلا لتعب ونصب قد خارت قواه وضعفت طبيعته فمثل هذا وشبههه من دينه الخسيس الذي يستسر (٦) به لو تهمم

стр. 739

بالفكرة فيه ثم بادر إلى التوبة منه والدخول في دين الله تعالى الذي لا دين له سواه، الذي به بدا الملك على لسان محمد ﷺ ، والحمد لله رب العالمين [١٥٢ و] . ١٥ - الفصل الرابع: ثم ذكر الخسيس الجاهل قول الله تعالى ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات: ٣٥) ثم قال في آية أخرى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ (النحل: ١١١) قال: وهذا تناقض عظيم. ١٦ - قال أبو محمد: قد قال بعض العلماء المتقدمين: إن المنع من النطق المذكور في الآية إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة، وان الجدال المذكور في الآية الأخرى هو موقف آخر مما يتلو ذلك اليوم نفسه، وهذا قول صحيح يبينه قول الله تعالى قبل الآية المذكورة، إذ يقول : ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون* انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب* إنها ترمي بشرر كالقصر* كأنه جمالات (١) صفر* ويل يومئذ للمكذبين* هذا يوم لا ينطلقون* ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات: ٢٩ - ٣٦) فيه بعذر. هكذا نص الآيات متتابعات، لا فصل بينها (٢) ، فصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار، وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب، وهو أيضاً (٣) يوم جدال كل نفس عن نفسها؛ وهذا بيان لا إشكال فيه أصلاً. ١٧ - وها هنا وجه آخر وهو اتباع ظاهر الآيتين دون تكلف تأويل إلا أن يأتي بالتأويل نص آخر أو إجماع من جميع الأمة كلها ما بين الأشبونة والقندهار والشحر وأرمينية والمولتان (٤) . فنقول وبالله نستعين: عن هاتين الآيتين بينتان لا اختلاف بينهما أصلاً، وإن النطق المنفي عنهم في الآية الأولى والمعذرة التي لم يؤذن لهم فيها إنما ذلك فيما عصوا فيه خالقهم تعالى، كما (٥) قال في آية أخرى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ (يس: ٦٥) فلا عذر لكافر ولا لعاص أصلاً ولا كلام لهم. وأما الجدال الذي ذكر الله تعالى حينئذ

стр. 740

[لكل نفس] عن نفسها فإنما هو في طلب الناس مظالمهم [١٢٥ظ] بعضهم من بعض، فإن الله تعالى لا يضيع شيئاً من ذلك، على ما صح عن النبي صلى الله عليه [وسلم] من أن يوم القيامة يقص الشاة الجماء من الشاة القرناء (١) . وبيان هذا الذي قلنا ان المعذرة إنما هي إلى الله تعالى، ولا عذر يوم القيامة لمن كفر بالله تعالى أو بنبي من أنبيائه، وخالف الإسلام. وهذا هو الذي (٢) يكون يوم القيامة ولا يعذر عليه أحد. وإنما هو مصدر جادل يجادل جدالاً، وجادل هو فعل من فاعلين لا ينكر أحد هذا من أهل اللغة، فالله تعالى لا يجادل، وإنما يجادل الناس بعضهم بعضاً، فكل أحد حينئذ يجادل من ظلمه ليقتص منه وهذا ما لا يعرى منه مؤمن ولا كافر، فاستبان [معنى] الآيتين بظاهرهما دون تكلف تاويل، وبطل ما ظنه هذا الجاهل، والحمد لله رب العالمين. ١٨ - قال أبو محمد: ليس في حماقاتهم المبدلة التي يسمونها " التوراة " ذكر اجر ولا ثواب لمحسن بعد الموت ولا عقاب لمسيء في الدنيا أصلاً ولا في الكتب التي ينسبونها إلى أنبيائهم من هذا قليل ولا كثير. فلو نظر هذا المجنون فيما ينسبونه إلى سليمان ﵇ في تصويبه دعاء امرأة دعت له فقالت: ولا زالت أرواح أعدائك يدور بها الفلك؛ وهذا إبطال الثواب والعقاب إلا على معنى التناسخ ومضا [د] لما ذكروه عن غيره من الأنبياء إن هنالك ناراً ونعيماً؛ ومثل ما ينسبونه إليه أيضاً ﵇ من أنه قال مرة: " عن العالم لا أول له " وأنه قال مرة أخرى: " أنا كنت مع الله تعالى حين خلق الأرض والسماء ". فلو أن هذا الجاهل الشقي اشتغل بمثل هذا وشبهه من كذبهم وافترائهم لكان أولى به من تكلف ما لا يحسن ولا يدري، مما قد فضحه (٣) الله فيه عاجلاً، ويخزيه [١٥٣/أ] آجلاً، والحمد لله رب العالمين. ١٩ - الفصل الخامس: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ (الرحمن: ٣٩) قال: ثم قال في آية أخرى ﴿فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (الأعراف: ٦) قال: وهذا تناقض. ٢٠ - قال أبو محمد: لو فهم هذا المائق الجاهل أدنى فهم لم يجعل هذا تعارضاً، أما قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ فإن [ما] بعد هذه الآية

стр. 741

متصلاً بها قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان* يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام* فبأي آلاء ربكما تكذبان* هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون* يطوفون بينها وبين حميم آن* فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (الرحمن: ٤٠ - ٤٥) فصح بهذا النص ان هذا إنما هو في حين إيرادهم جهنم التي هي إن شاء الله دار هذا الخسيس ذي الظهارة اليهودية والبطانة الدهرية ولا [ريب] في أنه إذا أخذ بناصيته وقدميه ليهودي بها في النار، نار جهنم، فإنه لا يسال عن ذنبه (١) يومئذ. وأما قوله تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ ، فإنما ذلك في أول وقوفهم يوم البعث وحين المسألة والحساب. فارتفع التناقض الذي لا مدخل له في شيء من القرآن ولا في كلام النبي ﷺ . ٢١ - ولكن هذا الوقاح المجنون لو تدبر ما في كذبهم المفترى الذي يسمونه " التوراة " في السفر الثاني منه ان الله تعالى قال لموسى بن عمران: إني أرى هذه الأمة قاسية الرقاب دعني لأعقب غضبي عليهم لأهلكهم وأقدمك على أمة عظيمة. ثم ذكروا أن موسى ﵇ دعا ربه تعالى وقال في دعائه (٢) : تذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحق عبيدك الذين حلفت لهم بذلك وقلت لهم سأكثر ذريتكم حتى تكونوا كنجوم السماء وأورثهم جميع الأرض التي وعدتهم بها ويملكونها أبداً، فحن [١٥٣ ظ] السيد ولم يتم ما أراد إنزاله بأمته من المكروه. ٢٢ - قال أبو محمد: هذا نص هذا الفصل عندهم. وهذه صفة لا يوصف بها إلا إنسان ضعيف النفس، وفيه البداء، وأنه تعالى لم يتم ما أراد ان يفعل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ٢٣ - وفي السفر المذكور إثر هذا ان الله تعالى قال لموسى ﵇: " من أذنب عندي سأمحوه من مصحفي، فاذهب أنت وهذه الأمة التي عهدت إليك فيها، وسيتقدمك ملك ". ثم بعد شيء يسير ذكر ان الله تعالى قال لموسى: " اذهب واصعد من هذا الموضع أنت وأمتك التي خرجت من أرض مصر إلى الأرض التي وعدت بها

стр. 742

مقسماً لإبراهيم وإسحق ويعقوب لأورثها نسلهم وأبعث بين يديك ملكاً لإخراج الكنعانيين والأموريين والبرزيين والحيثيين واليبوسيين (١) ، وتدخل في أرض تفيض (٢) لبناً وعسلاً، لست أنزل معكم لأنكم أمة قاسية الرقاب لئلا تهلك بالطريق. فلما سمع العامة هذا الوعيد الشديد عجت تبكي (٣) ولم تأخذ زينتها. فقال لموسى بن عمران (٤) : قل بني إسرائيل انتم قد قست (٥) رقابكم، سأنزل عليكم مرة أهلككم فضعوا زينتكم لأعلم ما أفعله بكم. ثم ذكروا جواب موسى ﵇ لله تعالى على هذا الكلام فقال: وكان يكلم السيد موسى ﵇ فماً لفم، كما (٦) يكلم المرء صديقه، فقال موسى بن عمران السيد: أتأمرني ان أقود هذه الأمة ولا تأمرني ما أنت باعثه معي. فقال له السيد: سيقدمك وجهي وأروح عندك. فقال موسى ﵇: إن لم تتقدمنا أنت فلا ترحلنا (٧) من هذا الموضع، وكيف اعرف أنا وهذه الأمة أنك عنا راض إذا لم تنطلق معنا ونتشرف بذلك على جميع من سكن الأرض من الأجناس فقال له: سأفعل ما قلت لأني عنك راض. ٢٤ - قال أبو محمد: ففي هذا الفصل من السخف [١٥٤/ أ] غير قليل، وبيان لا يحتمل تأويلاً (٨) ، لان فيه البداء، وأنه تعالى عما يقولون علواً كبيراً، قال

стр. 743

إنه لا يمضي معهم لكن يبعث معهم ملكاً يبصرهم بأمر الله تعالى، فلم يزل به موسى حتى رجع عن قال وقال: سأمضي معكم، ولم يقنع موسى بمسير الملك معهم إلا بمسير الباري معهم. وفي هذا تحقيق النقلة على الباري في الأماكن، وليست هذه صفة الله تعالى وغنما هي من صفات المخلوقين؛ وفيه التكليم فماً لفم وتحقيق التجسيم والتناقض على الباري تعالى في كلامه وفعله، دون تأويل. ولا مخرج لهم من هذا. ٢٥ - فلو فكر هذا الوقاح الزنديق في مثل هذا وشبهه لزجره (١) عن التعرض لما لا سبيل له إليه وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. ولو ان هذا الزنديق المائق كان له أقل تحصيل، لما أقدم على المظاهرة (٢) بهذا الدين الخسيس طرفة عين، ولكنه لم يقره الشيطان من كل ما استبان له من هذا البهتان إلا انسلاخه من جميع الأديان، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان. ٢٦ - الفصل السادس: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى مخاطباً لنبيه ﵇: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الكتاب فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك﴾ (٣) ، (يونس: ٩٤) قال هذا المجنون: فهذا محمد كان في شك مما ادعاه. ٢٧ - قال أبو محمد: كان يلزم هذا الخسيس (٤) أن لا يتكلم في لغة لا يحسنها، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يكشف سوءته ويبدي عورته. وليعلم ان [إن] في هذه الآية ليست التي بمعنى الشرط، لان من المحال العظيم الذي لا يتمثل في فهم من له مسكة أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه وينازع فيه (٥) أهل الأرض ويدين به أهل البلاد العظيمة ثم يقول لهم: إني في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون [١٥٤ ب] ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون، إلى مثل هذا السخف الذي لا يتصور إلا في مثل دماغ هذا المجنون الجاهل. وإنما معنى " إن "

стр. 744

ها هنا الجحد فهي هنا بمعنى " ما " وهذا المعنى هو أحد موضوعاتها في اللغة العربية، كما قال تعالى آمراً (١) نبيه ﷺ ان يقول: ﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ (الأعراف: ١٨٨) بمعنى: ما (٢) أنا ندير وبشير لقوم يؤمنون، كما ذكر الله عن الأنبياء انهم قالوا: ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم﴾ (إبراهيم: ١١) وكما قال تعالى مخبراً عن النسوة إذ رأين يوسف ﵇ فقلن: ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ (يوسف: ٣١) بمعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وكما قال تعالى: ﴿لو أردنا ان نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾ (الأنبياء: ١٧) أي ما كنا فاعلين. فعلى هذا المعنى خاطب نبيه ﵇: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، ثم قال تعالى فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك بمعنى ولا أعداؤك الذين يقاتلونك من الذين أوتوا الكتاب من قبلك ما هم أيضاً في شك مما أنزلنا إليك بل هم موقنون بصحة قولك وانك نبي حق، رسول الله ﷺ ، لا شك عندهم في ان الذي جاءك الحق. ومثل هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ (إبراهيم: ٤٦) تهويناً (٣) له: وكذلك قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ، (الزخرف: ٨١) بمعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول الجاهدين لا يكون له ولد. فوضح جهل هذا المعترض وضعف تمييزه، والحمد لله رب العالمين. ٢٨ - ولو ان هذا الجاهل الأنوك تدبر ما في باطلهم المبتدع وهجرهم الموضوع الذي يسمونه " توراة " إذ يقول: عن موسى ﵇ راجع ربه إذ أراد إرساله وقال (٤) : من أنا [١٥٥و] حتى أمضي (٥) إلى فرعون، أرسل من تريد ترسل. وأغضب ربع تعالى بذلك، وان يعقوب ﵇ صارع ربه (٦) ليلة بتمامها وهو لا يعرف من هو، فما انسلخ الصباح عرف انه الله - تعالى الله عن هذا الحمق من الكفر علواً كبراً - قالوا: فلما عرفه امسكه فقال له ربه: أطلقني، فقال له يعقوب: لا أطلقك حتى تبارك علي، فقال له ربه: كيف لا أبارك عليك وأنت كنت قوياً

стр. 745

على الله فكيف على الناس! ثم مس مأبضه (١) ، فعرج يعقوب من وقته فكذلك لا يأكل بنو إسرائيل من عروق الفخذ لان الله تعالى مسه. ولا يجرؤ (٢) منهم أحد فيقول: إن المصارع ليعقوب كان ملكاً، فإن لفظ اسم المصارع له في توراتهم " إلوهيم " وهذا هو اسم الله تعالى وحده بالعبرية - فلو ان هذا الجاهل تفكر في مثل هذا وشبهه لعلم ان الحق بأيدي غيرهم وأنهم في باطل وغرور، وعلى (٣) ضلال وزور، والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله تعالى. ٢٩ - الفصل السابع: ثم ذكر هذا المائق الجاهل قوله تعالى في وصف العسل: إن فيه شفاء للناس، فقال: وكيف هذا وهو يؤذي المحمومين وأصحاب الصفراء المحترقة ٣٠ - قال أبو محمد: لو كان مع هذا الجاهل الأنوك أقل معرفة بطبائع الإنسان او فهم مخارج اللغة العربية لم يأت بهذا البرسام. أما اللغة فإن الله تعالى لم يقل: العسل شفاء لكل علة، وإنما قال تعالى: فيه شفاء للناس؛ وهذا لا ينكره إلا رقيع سليب العقل والحياء او موسوس، لان منافع العسل وشفاءه في إسخان المبرودين وتقطيع البلغم وتقوية الأعضاء حتى صار لا يطبخ اكثر الأشربة إلا به ولا يعجن جميع اللعوقات إلا به، وما وصف جالينوس وبقراط، وهما عميدا أهل الطب، طبخ شيء من الأشربة إلا به جملة، وما ذكرا (٤) قط أن [١٥٥ ب] يطبخ شراب بسكر. ٣١ - وكيف ينكر هذا الأنوك ان يكون العسل شفاء محضاً، وهي أغلب أموره، فكيف أن يكون به شفاء، وهم يصفون عن نبي من أنبيائهم انه شفى أكلة في عضو إنسان بتين مدقوق وجعله عليه فإذا كان في التين شفاء من بعض الملل فكيف ينكر هذا الخسيس ان يكون في العسل أشفية كثيرة وقد وجدنا (٥) في اختلاطهم الذي يسمونه " توراة " عن الله تعالى في عدة مواضع انه إذا بلغ الغاية في مدح ارض القدس التي وعدهم بها قال: إلا أنها أرض تنبع عسلا ولبناً، ووعدهم فيها بأكل عسل

стр. 746

الصخور. أفترى إذ ليس في العسل شفاء أصلاً، إنما وعدهم تعالى بما فيه الداء والبلاء لا بما فيه الشفاء، هذا مع إنكار العيان، وجحد الضرورات في منافع العسل. ٣٢ - الفصل الثامن: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا) (ق: ٩) وقال: كيف يكون مباركاً وهو يهدم البناء، ويهلك كثيراً من الحيوان ٣٣ - قال أبو محمد: من لم يكن مقدار فهمه وعقله إلا هذا المقدار، لقد عجل الله له العقوبة في الدنيا والحمد لله رب العالمين. وليت شعري أما درى هذا الجاهل انه لولا شرب الماء لم يكن في الأرض حيوان أصلاً لا إنسان ولا ما سواه، وأن عناصر جميع المياه الظاهرة على وجه الأرض والمختزنة في أعماقها إنما هي من مواد القطر النازل من السماء أما راى هذا الأنوك ان الأمطار إذا كثرت غزرت العيون وفهقت الأنهار وطفحت البرك وامتلأت الآبار وسالت السيول وتفجرت في الأرض ينابيع حتى إذا قلت الأمطار وضعفت العيون ونقصت الأنهار وجفت (١) البرك والآبار وانقطعت السيول وغارت الينابيع، خشنت الصدور وفسد الهواء أما رأى [١٥٦/ أ] أنه لا نماء لشيء من النبات كله، منزرعه (٢) وصحراويه، وجميع الشجر بساتينها وشعرائها إلا بالماء النازل من السماء أما قرأ في هذيانهم الذي يسمونه " توراة " امتنان الله تعالى في صفة الأرض المقدسة بأنها لا تسقى من النيل، كما تسقى أرض مصر لكن من ماء السماء أتراه إنما من عليهم بضد البركة لا بالبركة إن هذا لعجب. أما علم أن الأمطار ترطب الأجسام وتذهب بقحلها (٣) وأن بالماء الذي عنصره ماء السماء تزال الخسيس وجهله وهو عميد اليهود وعالمهم وكبيرهم، وهذا مبلغه من الجهل والسخف، ونستعيذ بالله من الجهل والضلالة، والحمد لله رب العالمين. ٣٤ - قال أبو محمد: ها هنا انتهى كل ما ظن المائق أنه اعترض به، قد بان فيه كله زوره وجهله واغتراره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم نحن عن شاء الله تعالى ذاكرون بحول الله تعالى وقوته قليلاً من كثير من قبائحهم يديرونها وينسبونها إلى الباري تعالى في كتبهم التي طالعناها ووقفنا عليها، وتضاعف بذلك شكرنا

стр. 747

لله تعالى على عظيم ما منحنا من نعمة الإسلام والملة التي ابتعت بها محمداً ﷺ تسليماً كثيراً وعلى آله الطيبين والحمد لله على ما أولانا من فضل الإسلام وشرف الإيمان. ٣٥ - اعلموا أيها الناس، علمنا الله وإياكم ما يقربنا منه ويزلف حظوتنا (١) لديه أن اليهود أبهت الأمم وأشدهم استسهالاً للكذب، فما لقيت منهم أحداً قط مجانباً للكذب القبيح على كثرة من لقينا منهم، إلا رجلاً (٢) واحداً في طول أعمارنا، فطال تعجبي من ذلك إلى (٣) أن ظفرت بسرهم من ذلك في هذا الباب، وهو انهم يعتقدون بسخفهم وضعف [١٥٦ ب] عقولهم أن الملائكة الذين يحصون أعمال العباد لا يفقهون العربية ولا يحسنون من اللغات شيئاً إلا العبرانية، فلا يكتب عليهم كل ما كذبوا فيه بغير العبرانية، فحسبكم بهذا المقدار من الجهل العظيم والحمق التام! ٣٦ - فمن طوامهم أن علماءهم يقولون: إن الله إنما ستر عن يعقوب أمر يوسف وكونه في مصر ثلاثة عشر عاماً كاملاً، لأن أولاد يعقوب لعنوا كل من ينقل إلى أبيهم ان يوسف حي. قالوا: فدخل الله تحت هذه اللعنة إذا أطلع يعقوب على حياة يوسف، تعالى الله عن إفك هؤلاء المجانين وكفرهم. واغوثاه من عظيم هذا الحمق! أفيكون في البقر والحمير أو الكلاب أضل من قوم هذا مقدار عقولهم، ان يجيزوا أن تكون لعنة مخلوق تلحق الخالق اللهم فإنا نحمدك على توفيقك إيانا للإسلام وهدايتك إليه، ونسألك الثبات عليه إلى ان نلقاك مسلمين، برحمتك آمين. ثم العجب انهم قالوا في إخوة يوسف إنهم كانوا المخبرين ليعقوب بحياة يوسف، فهكذا في نص الكتاب المسمى عندهم " التوراة "، فما نرى اللعنة إلا قد لحقتهم. ٣٧ - ثم نجدهم لا يستحيون من أن ينسبوا إلى الأنبياء ﵈ انهم زنوا، وانهم من نسل الزنا، فإن السفر الأول من كتابهم ذلك المسمى " توراة ": أن يهوذا زنى بامرأة ولده ورشاها على ذلك جدياً من الغنم، ورهنها بالوفاء بذلك عصاه وزناره وخاتمه. وقد وقفت بعضهم على هذا فقال لي: كان ذلك مباحاً عندهم، فقلت له: إنك تقول الباطل، إذ (٤) ان في توراتهم أن يهوذا (٥) الذي جامعها أمر بها أن تحرق

стр. 748

إذ ظهر حملها. فإن كان ذلك، فلم أمر بحرقها ثم لا يستحيون ان يقولوا: إن من ذلك الزنا حملت بفارص (١) ابن يهوذا الذي من نسله كان داوود وسليمان ﵉، وكثير من الأنبياء كعاموص وشعيا وغيرهم. ٣٨ - ومن عجائبهم [١٥٧/ أ] انهم يقولون: عن كل نكاح كان على غير حكم التوراة فهو زنا والمتولد منه ولد زنا، حتى إنهم يبيحون لمن تهود من سائر الأديان ان يتزوج أخته [من] أبيه. ثم لا يستحيون ان يقولوا إن موسى وهرون أخاه تولدا من نكاح عمران بن قاهث بن لاوي عمته أخت أبيه يوخابد (٢) بنت لاوي. وأن سارة أم إسحق كانت أخت إبراهيم ابنة والده تارح، وأن سليمان بن داود كان ابن امرأة زنى بها داود، وولدت منه ابناً من الزنا وتزوجها او زنى المحمى حتى لم يطلقها (٣) ويقولون: إن الجمع بيت الأختين زنا، وان وطء الإماء بملك اليمين زنا، والمتولد من هذه النكاحات زنا، وهم يقرون أن جميع ولد يعقوب ﵇ كانوا من أختين نكحهما معاً، وهما ليا وراحيل ابنتا لابان، فولدت له ليا ستة ذكور، وولدت له راحيل يوسف وبنيامين (٤) ، وأن الأربعة الباقين من ولد يعقوب ولدوا له من زلفاء وبلها، أمتي (٥) راحيل وليا، وطئهما بملك اليمين لا بزواج أصلاً، لأن في توراتهم ان لابان أخذ عليه العهد عند كوم (٦) الشهادة أن لا يتزوج على ابنته، فكلهم من أبناء هذه الولادات. وهاتان مقدمتان تنتج ان جميع بني إسرائيل وجميع اليهود أولاد زنا. فغن قالوا: كان ذلك حلالاً قبل أن يحرم، أقروا بالنسخ، وإن قالوا: إن ذلك خاص لبني إسرائيل مذ أنزلت التوراة، لزمهم ترك قولهم: إن كل مولود في الأمم بخلاف حكم التوراة فهو ولد زنا، وعلى كل حال يلزمهم أن أولاد سليمان ﵇ كانوا أولاد زنا بحت، لأنهم مقرون انهم كانوا من أبناء العمونيات والموآبيات وسائر الأجناس، ورؤوس الجواليت إلى اليوم من أبناء من ذكرنا، تعالى الله تعالى وتنزه أنبياؤه ﵈ عن هذه المخازي؛ وإسحق أبوهم، وهرون وموسى وداود

стр. 749

وسليمان ويوسف على قول [١٥٧ ب] هؤلاء الكفرة، لعنهم الله، ولدوا (١) لغير رشدة، لعن الله قائل هذا معتقداً له ومصدقاً له. ٣٩ - ومن عجائبهم أنهم يقرون في كتابهم المسمى بالتوراة ان السحرة فعلوا بالرقي المصري مثلما فعل موسى بن عمران ﷺ من قلب العصا حية، ومن قلب ماء النيل، ومن استجلاب (٢) الضفادع، حاشا البعوض فلم يقدروا عليه (٣) . ٤٠ - قال أبو محمد: لو صح هذا، وأعوذ بالله، وأعوذ بالله، لما كان بين موسى ﵇ والسحرة فرق إلا قوة العلم والتمهر في الصناعة فقط، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من أن يكون آدمي يقدر بصناعته على خرق عادة، أو قلب عين، وننكر ان الله تعالى يولي ذلك أحداً غير الأنبياء ﷺ تسليماً كثيراً، الذين جعل الله تعالى ظهور المعجزات عليهم شاهداً لصدقهم. ٤١ - ومن عجائبهم قولهم في نقل أحبارهم الذي هو عندهم بمنزلة ما قال الأنبياء: إن فرعون كان بنى في المفاز صنماً يقال له باعل صفون (٤) ، وجعله طلسماً باستجلاب بعض قوى الأجرام العلوية، ليحير (٥) به كل هارب من أرض مصر، وان ذلك الطلسم حير موسى وهارون وجميع بني إسرائيل حتى تاهوا أربعين سنة في فحص التيه إلى أن ماتوا (٦) ملوكهم في المفاز، أولهم عن آخرهم، حاشا يوشع بن نون الافراهيمي، وكالب بن يوفنا اليهوذاني (٧) . فتباً وسحقاً لكل عقل يزعم صاحبه ان صناعة آدمية وحيلة سحرية غلبت قوة الله تعالى، وأعجزت رسول الله ﷺ حتى مات تائهاً في المفاز حائراً في القفار. ٤٢ - ومن تكاذيبهم قولهم في الكتاب الذي يسمونه " التوراة ": ان الله تعالى قال لهم: سترثون الأرض المقدسة وتسكونها في الأبد. ونحن نقول: معاذ الله أن يقول

стр. 750

الله تعالى الكذب، وقد ظهر هذا الوعد، فما سكنوه في [١٥٨/ أ] الأبد وما عمروه إلا مدة يسيرة من آباد الأبد، ثم أخلوه وأخرجوا عنه وورثه الله أمة محمد ﷺ . ٤٣ - ومن عجائبهم قولهم فيه: إن الله قال لموسى: إذا أراد بنو إسرائيل الخروج عن مصر أن يأخذ أهل كل بيت من بني إسرائيل خروفاً أو جدياً (١) ويذبحونها مع الليل ويأخذون من دمائها ويمسون بها أبوابهم وعتب بيوتهم، ثم قال: قلت سأمسح بأرض مصر هذه الليلة، وأهلك كل بكر ولد بأرض مصر من أبكار الآدميين وبكور (٢) نتاج المواشي، واحكم في مصر أنا السيد وعند ذلك يكون الدماء. الدم لكم في البيوت التي تكونون فيها، فإذا نظرت إلى ذلك تجاوزكم ولا يصل إليكم ضر. ثم قال بعد أسطار حاكياً عن موسى انه قال لبني إسرائيل (٣) : اذهبوا وليذبح أهل كل بيت منكم الضأن، وعيدوا واصبغوا في دمائها رانا (٤) ، ورشوا به أبوابكم وأعتابكم ولا يخرج أحد عن باب بيته إلى الصبح، فإن السيد سيمسخ ويهلك المصريين، فإذا نظر إلى الدم على العتب وفي الأبواب لم يجاوز الباب، ولا يأذن للقاتل (٥) بالدخول إلى بيوتكم وقتلكم. ٤٤ - قال أبو محمد: فيكون أسخف من عقول [من] ينسبون إلى الله تعالى مثل هذا الكلام الفاسد أو ترى الله لا يعرف أبوابهم حتى يجعل عليها علامات! إن هذا لعجب. لو عقل هذا المجنون لشغله هذا السخام الذي في دينه الذي يباهي به، عن التعرض للحقائق يروم إبطالها، فكان كما قال الله : ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨) .

стр. 751

٤٥ - ومن عجائبهم أنهم يلتزمون أكل الفطير في مرور الوقت المذكور في كل عام ولا يلتزمون أكل الخروف، على ما ذكرنا، وهم يقرون في كتابهم انهم مأمورون بذلك كله. فغن قالوا: إنما أمرنا بذلك ما دمنا (١٥٨ ب] في أرض القدس. قيل لهم: اتركوا أيضاً استعمال أكل الفطير حتى تكونوا في أرض القدس فلا فرق في كتابكم بين الأمر بالفطير والخروف. ٤٦ - ومن عجائبهم في الكتاب المسمى عندهم " التوراة " ان موسى ﵇ مجد الله تعالى يوم أغرق فرعون فقال في تمجيده (١) : ذلك قولي ومديحي للسيد الذي صار لي مسلماً، هذا إلاهي أمجده وإله آبائي أعظمه، السيد قاتل كالرجل القادر. أفيسوغ لذي عقل أن ينسب إلى نبي الله تعالى انه شبه قوة ربه بقوة الرجل القادر وهل في الافتراء اعظم من هذا لو عقلوا ٤٧ - ومن عجائبهم قولهم في السفر الثاني من كتابهم (٢) : ثم صعد موسى وهرون وناداب وأبيهو وسبعون (٣) رجلاً من المشايخ، ونظروا إلى إله إسرائيل وتحت رجله كلبة زمرد فيروزي. وفي بعض الفصول ان موسى ﵇ قال، أو يعقوب (٤) : رأيت الله مواجهة وسلمت نفسي. مع قولهم عن الله تعالى قال لموسى ﵇: من رأى وجهي من الآدميين مات، ولست تقدر تراني، لكن سترى مؤخري. فهل في التناقض اعظم من هذا: مرة يقول من رأى وجهي مات، ومرة يقول رأيته مواجهة وسلمت نفسي. وكل ما ذكرناه ففي كتابهم الذي يسمونه " توراة " لا في نقل ضعيف ولا غيره. ٤٨ - ومن عجائبهم قولهم في السفر الثاني إن هرون [أخا] موسى بإقرارهم قال

стр. 752

لبني إسرائيل في مغيب موسى (١) : اقلعوا أقراط الذهب عن آذان نسائكم ومواليكم (٢) وأولادكم وبناتكم، ايتوني بها. ففعلت العامة ما أمر به وأتوا بالأقراط إلى هرون، فلما أقبضها أفرغها وجعل لهم منها عجلاً، فلما بصر به هرون بنى مذبحاً بين يدي وصرخ (٣) مسمعاً: غداً عبد السيد (٤) . ثم ذكر بعد فصول بأن موسى ﵇ وجد بني إسرائيل عراة بين يدي العجل [١٥٩ و] يتغنون ويرقصون، وكان عراهم هرون بجهالة قلبه. ٤٩ - هذه نصوص كتابهم. أفيسوغ في عقل من له أدنى مسكة أن يكون نبي يعمل عجلاً للعبادة من دون الله تعالى ويأمر قومه يعبدوا له، ويرقص هو وهم تعظيماً للعجل على أنه إلاههم الذي من مصر وإذا جاز ان يكون عجلاً وثناً ويعبدوه، جاز لنبي بالقبول من كلامه وأمره في العجل وما الذي جعل سائر عمله أصح من زناه وفتحه بيوت الأوثان وتقريب القرابين لها ولعل سائر ما أمر به وما عمل مفتعل كل ذلك من جنس عمل العجل والزنا. والذي لا شك فيه عندي ان من يدل توراتهم وأدخل فيها مثل هذا، إنما قصد إلى إبطال النبوة جملة، وبالله تعالى التوفيق. ٥٠ - ومن عجائبهم قولهم في السفر الرابع: إن بني إسرائيل إذ طلبوا أكل اللحم وضجوا من أكل المن، ان الله تعالى قال لموسى (٥) : تقدسوا غداً تأكلون اللحمان، فأنا أسمعكم قائلين من ذا الذي يعطينا. قد كنا بخير. يعطيكم السيد اللحمان فتأكلون،

стр. 753

ليس يوماً واحداً ولا اثنين ولا خمسة ولا عشرة إلا حتى تكمل أيام الشهر، حتى يخرج على مناخركم وتصيبكم التخم. فقال له (١) موسى: هؤلاء هم ستمائة [ألف] رجل وأنت تقول: أنا أعطيكم اللحوم طعماً شهراً، أترى تكثر ذبائح الغنم والبقر فيقتاتون بها، أو تجمع حيتان البحر معاً لتشبعهم [فقال السيد] : ماذا يهم السيد أترى السيد عاجزاً فالآن ترى إن تم قوله. ثم ذكروا ان الله تعالى أنزل السمانى حول العسكر فأكلوا حتى تخموا ومات كثير منهم بالتخمة، فسمي ذلك الموضع قبور الشهوات (٢) . ٥١ - قال أبو محمد: فلو تدبر هذا اللعين الجاهل كذبهم في هذا الفصل، لردعه عن أن يظن بقول الله تعالى لنبيه ﵇ ﴿فإن كنت [١٥٩: ب] في شك مما أنزلنا إليك﴾ ، وليعلم ان الشك المجرد قد نسبوه إلى موسى ﵇ في هذا الفصل، فإنه لم يثق بقول ربه ولا صدق قدرته على إطعام بني إسرائيل اللحم شهراً كاملاً، وهذا مع ما فيه من الشك المكشوف الذي لا يجوز ان يخرج له تأويل يبعده عن الشك، ففيه من السخف غير قللي، لان من رأى شق البحر، وإنزال المن (٣) المشبع لهم، فواجب عليه ان لا يستعظم إشباعهم بلحم ينزله عليهم. ولكن الكذب والتوليد لا يكون إلا هكذا ليفضح الله تعالى به أهله. والحمد لله على ما من به علينا من طهارة الإسلام، ووضوح حجته، وله الشكر على ما كفانا من دنس الكفر، وتناقض عراه. ٥٢ - وبعد هذا الفصل أيضاً في السفر الرابع ما ذكره من قول الله تعالى لموسى ﵇ إذ ضج بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة، قالوا: فقال السيد لموسى ابن عمران (٤) : " حتى متى تتناولني هذه الأمة التي لا يؤمنون بي على ما آتيتهم من العجائب التي فعلت أمامهم، سأضربهم بالوبأ حتى أمسخهم، وأجعلك مقدماً على أمة عظيمة أشد قوة من هذه "، وان موسى لم يزل يرغب إلى الله حتى قال: قد غفرت لك كما سألتني. ففي هذا الفصل من إطلاق الكذب في الحلف على الله

стр. 754

عز وجل ما لا يجوز ان ينسب مثله إليه تعالى. ٥٣ - وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم " بالفصل في الملل والنحل " (١) الفصل الذي في توراتهم في ذكر أنسابهم، وبينا عظيم الكذب فيه: وهو انهم ذكروا ان سبعة نفر من بني إسرائيل من ولد قاهث بن لاوي نسلوا ثمانية آلاف ذكر قبل موتهم في التيه، وأولئك السبعة أحياء قائمون (٢) وهم حينئذ أكثر (٣) ما كانوا. وقد قال بعضهم: إن هذا من المعجزات. فأجبناه بان المعجزات إنما تكون [١٦٠/أ] للأنبياء ﵈، وأما لكفار (٤) عاصين فلا. هذا سوى ما في توراتهم من شرائعهم التي يلتزمونها الآن كالقرابين، وكمن مس نجساً فإنه ينجس إلى الليل، ومن حضر على مقبرة ينجس إلى الليل حتى يغتسل كله بالماء. وأما الصلوات التي يصلونها الآن فمن وضع أحبارهم، فيكفيهم انهم على غير شريعة موسى ﵇ ولا على شريعة نبي من الأنبياء. ٥٤ - ومن طرائفهم قولهم في كتاب لهم: يعرف (بشعر توما) ان تكسير ما بي جبهة خالقهم (٥) إلى أنفه كذا وكذا ذراعاً. وقالوا في كتاب لهم من " التلمود " - وهو فقهم (٦) - يسمى " سادر ناشيم " (٧) ومعناه حيض النساء: ان في رأس خالقهم تاجاً من كذا وكذا قنطاراً من الذهب، وان صديقون (٨) الملك هو يجلس التاج على رأس خالقهم، وان في إصبع خالقهم خاتماً تضيء من فصه الشمس والكواكب. ٥٥ - ومن طوامهم (٩) قولهم عن رجل من أحبارهم الذين يريدون، ان من شتم أحداً منهم يقتل، ومن شتم أحد الأنبياء لا يقتل. فذكر عن لعين منهم يدعونه إسماعيل انه قال لهم، وكلامه عندهم والوحي سيان، فقال: كنت أمشي ذات يوم في خراب بيت المقدس، فوجدت الله تعالى في تلك الخرب يبكي ويئن كما يئن

стр. 755

الحمامة (١) ، وهو يقول (٢) : ويلي هدمت بيتي، ويلي على ما فرقت من بني وبناتي، قامتي منكسة حتى أبني بيتي وأرد بناتي وبني، قال هذا الكلب لعنه الله: ثم قبض الله على ثيابي وقال لي: لا أتركك حتى تبارك علي. فباركت عليه وتركني. ٥٦ - قال أبو محمد: أشهد الله تعالى خالقي وباعثي بعد الموت والملائكة والأنبياء والمرسلين والناس أجمعين والجن والشياطين أني كافر برب يكون بين الخرب ويطلب البركة من كلب اليهود. فلعن الله تعالى عقولاً جاز فيها مثل هذا. ٥٧ - ومن عجائبهم قولهم في السفر الخامس من توراتهم ان [١٦٠ ب] موسى ﵇ قال لهم: إن الله ﵎ يقول لكم (٣) : إني لم أدخلكم البلاد لصلاحكم ولا لقوام [قلوبكم] ، ولكن لكفر من كان فيها. ثم يقولون في عيدهم (٤) الذي يكون في عشر تخلو من أكتوبر، وهو (٥) تشرين الأول، ساخطين على الله تعالى غضاباً عليه تعالى إذ قصر بهم ولم يؤدهم حقهم الذي يجب لهم عليه - فيقولون لعنهم الله: عن الميططرون (٦) - ومعناه الرب الصغير، تحقيراً (٧) لربهم تعالى وتهاوناً به - يقوم هذا اليوم قائماً وينتف شعره ويقول: ويلي إذ أخرجت بيتي وأيتمت بني، قامتي منكسة لا أرفعها حتى أبني بيتي. فهم كما ترى يلعنون ربهم ويصغرونه ويقولون ذلك بأعلى أصواتهم في أكبر أعيادهم وأعظم مجامعهم. فكيف يجتمع هذا الحمق العظيم قوله لهم في توراتهم: " لم (٨) أدخلكم البلاد لصلاحكم ولا لقوام قلوبكم " فهل التناقض والفساد والتبديل الظاهر إلا هذا كله لو عقلوا

стр. 756

٥٨ - وفي السفر الخامس أيضاً أن موسى ﵇ قال لهم (١) : إن السيد إلاهكم الذي هو نار آكلة. وفي موضع آخر من كتبهم ان الله تعالى هو الحمى المحرقة؛ وفي الذي يسمونه " الزبور ": احذر ربك الذي قوته كقوة الجريش (٢) . فهذا وشبهه هو الحمق والتناقض وتوليد زنديق سخر منهم وأفسد دينهم. وهم يحققون على سليمان ﵇ انه بنى بيوت الأوثان لنسائه وقرب لها القرابين، وهو عندهم نبي. وقد مضى الكلام في بطلان كل كلام وعمل يظهر ممن هذه صفته، وانه ليس مأموناً ولا صادقاً، لعنهم الله فإنهم كذبوا على أنبياء الله وافتروا. ٥٩ - ويقرءون في السفر الرابع من توراتهم (٣) أن الله تعالى أمرهم أن يضربوا القرن ضرباً خفيفاً، حتى إذا لقوا العدو [١٦١/أ] فليضربوا القرن بشدة ليسمعه فيبصرهم، وفي هذا من السخف والكفر غير قليل، ولكن حق لمن غضب الله عليه وتبرأ منه وألحقه لعنته وألحقه سخطه ان يكون مقدار علمهم وعقولهم التصديق لكل ما اوردنا، والحمد لله رب العالمين على منته علينا بالإسلام، ومحمد صلى الله وسلم. ٦٠ - وهم معترفون بان التوراة طول أيامهم في دولتهم لم تكن عند أحد إلا عند الكاهن وحده، وبقوا على ذلك نحو ألف ومائتي عام، وما كان هكذا لا يتداوله إلا واحد فواحد فمضمون عليه التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان، لا سيما وأكثر ملوكهم وجميع عامتهم في اكثر الأزمان كانوا يعبدون الأوثان ويبرءون من دينهم ويقتلون الأنبياء، فقد وجب باليقين هلاك التوراة الصحيحة وتبديلها مع هذه الأحوال بلا شك. وهم مقرون بان يهوآحاز (٤) بن يوشيا الملك الداوودي (٥) المالك لجميع بني إسرائيل بعد انقطاع ملوك سائر الأسباط، بشر من التوراة أسماء الله تعالى

стр. 757

وألحق فيها أسماء الأوثان. وهم مقرون أيضاً أن أخاه الوالي بعده وهو الياقيم بن يوشيا احرق التوراة بالجملة وقطع أثرها، وهو في حال ملكه قبل غلبة بخت نصر عليهم. وهم مقرون بان عزرا الذي كتبها لهم من حفظه بعد انقطاع أثرها، إنما كان وراقاً ولم يكن نبياً، إلا أن طائفة منهم قالت فيه إنه ابن الله، قد بادت هذه الطائفة وانقطعت. فأي داخلة أعظم من هذه الدواخل التي دخلت على توراتهم وأما القرآن، فإنه لا يختلف ملي ولا مي أنه لم يزل من حين نزوله إلى يومنا هذا مثبوتاً (١) عند الأحمر والأسود لم ينفرد به أحد دون أحد، بل أبيح نسخه لكل من مضى وجاء، فنقله نقل كواف لا يحصرها عدد، كنقل ان [١٦١ ب] [في] الدنيا بلداً يقال له الهند، وسائر ما لا يجوز للشك فيه مساغ ولا مدخل، والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً. ٦١ - قال أبو محمد: إن أملي لقوي وإن رجائي مستحكم في أن يكون الله تعالى يسلط على من قرب اليهود وأدناهم وجعلهم بطانة وخاصة، ما سلط على اليهود، وهو يسمع كلام الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم عن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (المائدة: ٥١) وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم اكبر﴾ (آل عمران: ١١٨) ، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون بالمودة﴾ (الممتحنة:١) ، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ (المائدة: ٥٧) ، وقوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ (البقرة: ٦١) ؛ وقوله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ (المائدة: ٨٢) . فمن سمع هذا كله، ثم أدناهم وخالطهم بنفسه من ملوك الإسلام فإنه إن شاء الله تعالى قمين (٢) أن يحيق الله به ما أحاق بهم من الذلة والمسكنة والهوان والصغار والخزي في الدنيا سوى العذاب المؤلم في الآخرة.

стр. 758

٦٢ - وإن من فعل ذلك لحري (١) أن يشاركهم فيما أوعد الله تعالى في توراتهم في الصفر الخامس إذ يقول لهم تعالى (٢) : سنأتيكم وسيأتي عليكم هذه اللعنة التي أصف لكم فتكونون ملعونين في مدائنكم وفدادينكم وتلعن أجدادهم وبقاياكم ويكون نسلكم ملعوناً، وتكون اللعنة على الداخل منكم [١٦٢/ أ] والخارج، فيبعث الله عليكم الجوع والحاجة والنصب في كل ما علمته أيديكم حتى يهلككم ويقل عددكم لتخليكم منه. ثم يلقي الوبأ على بقيتكم ليقطع آثاركم من الأرض التي أورثكموها ويبعث الرب عليكم الجدب ويهلككم بالسموم والثلوج، ويحيل آثاركم ويطلبكم حتى يندركم ويجعل سماءه فوقكم نحاساً وأرضكم التي تسكنونها حديداً، فتمطر عليكم الغبار من السماء، وينزل عليكم الدماء حتى تهلكوا عن آخركم ويظفر الرب بكم أعداءكم فتدخلون إليهم على طريق واحدة وتنهزمون على سبعة، ويفرقكم في آخر أجناس الأمم، فتكون جيفكم طعم السباع وطيور السماء ولا يكون لهم عنكم دافع، ويبتليكم الرب بما ابتلى به المصريين (٣) في أدبارهم من الحكة والأكال (٤) الذي لا دواء له، ويبتليكم الرب بالبلية والغم حتى تماسكوا بالحيطان القليلة كتماسك العميان، ولا تقوموا على إقامة سبلكم فتكونوا في هضيمة طول دهر وفي سخره لا يكون لكم منفذ. ويتزوج أحدكم امرأة فتخالفه إلى غيره، ويبني أحكم بيتاً ويسكنه غيره؛ ويغترس كرماً ويقطفه غيره، ويذبح بين قدمي أحدكم ثورة ولا يطعم منه، وينزع من أحكم حماره معاينة ولا يرد إليه، وتعطى مواشيكم الأباعد، ولا تجدون ناصراً على ردها وتغلب على أولادكم وبناتكم، ولا يكون فيكم قوة للدفع عنهم، وتأكل حبوبكم أجناس تجهلونها وفواكه ارضكم، وتكونون مع ذلك في هضيمة أبداً وفي جزع منهم، فيبتليكم الرب بأجناس الأمراض وأضرها (٥) التي لا دواء لها من أقدامكم إلى رؤوسكم، ويذهب (٦) بالملك الذي تقدمونه على أنفسكم إلى قوم لم تعرفوهم ولا آباؤكم، لتجدوا (٧) عندهم أصنامهم المصنوعة من الخشب والرخام،

стр. 759

وتكونون مثلاً لمن سمع بكم من جميع الأجناس التي أندركم فيها، فتزرعون كثيراً وترفعون قليلاً، لان الجراد [١٦٢ ظ] يأتي عليه، وتعمرون كرومكم وتحفرونها ولا تقطفون (١) منها شيئاً، لان الدود يأتي عليها. ويكثر زيتونكم ولا تدهنون (٢) لأنها لا تعقد. ويولد لكم الأولاد والبنات ولا تنتفعون بهم لأنهم يساقون في السبي. ويأتي على جميع فواكه بلدكم القحوط والجدب فلا تنتفعون بها. ومن كان بين ظهرانيكم من [أهل] القرى يلعنونكم ولا يشفقون عليكم، فتتواضعون ويكون (٣) الأرذال يشتمونكم وتكونون لهم ساقة فيأتي عليكم جميع هذه اللعنات وتتبعكم حتى تحزوا، إذ لم تسمعوا للرب إلاهكم، ولم تحفظوا رسالاته التي عوهدت إليكم، وتكون فيكم العجائب والمسوخ في ذريتكم في الأبد، إذ لم تقفوا عند أمر الرب إلاهكم بطيب أنفسكم (٤) ، فتخدمون أعداءكم الذين (٥) يبعث الرب عليكم في الجوع والعطش والعري والحاجة، وتحملون على رقابكم أغلال الحديد وتجرونها؛ ويأتي الرب عليكم بجيش من مكان بعيد في سرعة العقبان من الذين لا يكرمون شيخاً ولا يرحمون صغيراً، فيأكلون نتاجكم وما أنبتت أرضكم، ولا يدعون لكم سمناً ولا خمراً ولا زبيباً ولا ثوراً ولا شاة حتى يأتوا عليكم ويخرجوكم من جميع مدائنكم التي يرثكم الرب إلاهكم وتضيق عليكم حتى تأكلوا وسخ أجوافكم ولحوم (٦) أولادكم وبناتكم الذين يولدون (٧) لكم في زمان حصاركم، فمن كان منكم مترفاً أو متملكاً يمنع أخاه وامرأته لحوم (٨) بنيه شحاً عليها إذ لا يجد ما يقتات به سواه من شدة الحصار من أعدائكم لكم. ومن كانت فيكم رخصة البنان التي لا تقوى على المشي من رخوصتها تحسد زوجها على أكل لحوم أولادها، والسلى الذي يخرج من فرجها، إذ لا تجد (٩) مطمعاً سواه. ٦٣ - قال أبو محمد: هذه بشارة من الله تعالى لهم، ومنحته التي خصهم بها

стр. 760

بإقرارهم ألسنتهم، وفي كتابهم [١٦٣/أ] الذي يقرءونه. فيلتق الله تعالى امرؤ آتاه الله تعالى نعمة من نعمه، ومنحه عزة، وليجتنب هؤلاء الأنجاس الأنتان الأقدار الذين أحاق الله تعالى بهم من الغضب واللعنة والذلة والقلة والمهانة والسخط والخساسة والوسخ ما لم يحق بأمة من الأمم قط. وليعلم أن هذه الكسى التي كساهم الله تعالى إياها (١) أعدى من الجرب، وأسرع تعلقاً من الجذام، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، ومن معارضة الله تعالى في حكمه بإرادة إعزاز من أذله الله تعالى، ورفعة من حطه الله، وأكرام (٢) من أهانه الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ٦٤ - قال أبو محمد: قد أوردنا في هذا الكتاب من شنعهم أشياء تقشعر منها الجلود، ولولا ان الله تعالى نص علينا من كفرهم ما نص كقوله تعالى عنهم: إنهم قالوا عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء، لما استجزنا ذكر ما يقولون لشنعته وفظاعته. ولكننا اقتدينا بكتاب الله في بيان كفرهم، والتحذير منهم (٣) . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله [وسلم] . تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً يا رب العالمين

стр. 761

٢ - رسالتان أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال تعنيف .

стр. 762

فراغ

стр. 763

- ٢ - [١٧٢/أ] رسالتان له أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال التعنيف والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم، عونك يا الله. قال أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم ﵀: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً، ورضي الله عن الصحابة. أما بعد، فإن بعض من تكلم بما وقر في نفسه بغير حجة وانطلق به لسانه بغير برهان، كتب كتاباً خاطبنا فيه معنفاً على ما لم يفهمه ومتعرضاً لما لا يحسنه، واستتر عنا مدة، ثم ظهر إلينا، فلزمنا أن نبين له موضع الخطأ من كلامه، ونوقفه على مخالفته للحق، تأدية للنصيحة التي افترضها تعالى على لسان رسوله ﷺ ، إذ يقول (١) : " الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين عامة ". ونحن نورد نص ألفاظهم، على ركاكتها وغثاثتها، لئلا يظنوا بجهلهم أنها إن أوردت مصلحة قد نسخت (٢) حقها ولم توف مرتبتها، ونبين، بعون الله، عظيم ما فيها من الفساد والهجنة، وما توفيقنا إلا بالله العلي العظيم. ١ - بدأ هؤلاء القوم كتابهم بعد أن قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم: " أما بعد رعاك الله وكلأك - فإن خصمك يحتج أنه لا يلزمه الخروج عما قيده الشيوخ الثقات عنهم، وتضمن ذلك كتب جمة هي معلومة مشهورة مسموعة رواية رواها الثقات عنهم وهم في جملتهم عدد كثير، إلى قول واحد يطلب التعليل والاحتجاج ويرد بالمنطقي على الشرعي ".

стр. 764

فالجواب - وبال التوفيق - أن خصمنا يحتج أنه لا يلزمه الخروج عما قيده الثقات إلى آخر الفصل (١) - كلام يشاركهم فيه كل فرقة من فرق الإسلام، فليسوا أولى بهذه القصة من أصحاب أبي حنيفة ولا من أصحاب الشافعي، ولا من أصحاب أحمد بن حنبل [١٧٢ ب] ﵀ على جميعهم، فكل لهم ثقات على الجملة وثقات عندهم، عن لم يكونوا أكثر من شيوخ المالكيين لم يكونوا أقل منهم، قد رووا أقوالهم وقيدوها عن الثقات كذلك، وهم أيضاً في جملتهم عدد كبير. وتضمنت تلك الأمور كتب الثقات عنهم، ليس جهل هؤلاء بها حجة على أولئك، كما أن أولئك أيضاً لا يعرفون كتب المالكيين، وأكثرهم لم يسمع قط بأسمائها، فأي فرق بين هذه الدعاوى لو نصحوا أنفسهم وأما قولهم في الخروج عما هذه صفته إلى قول واحد، فمعاذ الله أن ندعو أحداً إلى قول أحد غير قول الله وقول رسوله ﷺ الذي يقول الكاره والراضي منهم والمسلم والراغم إنه الحق الذي لا حق في الأرض سواه. وأما قولهم: إنا نرى التعليل والاحتجاج، فقد مزحوا الكذب بالصدق والباطل بالحق، وأعوذ بالله أن نرى التعليل، بل قد رمونا ها هنا برأيهم، وهم الداعون إلى التعليل لا نحن، وكتب حذاقهم في إثبات العلل والقول بالتعليل مملوءة، كما أن كتبنا وكتب أصحابنا مملوءة من إبطال العلل والمنع من التعليل. فلو اتقى الله تعالى هؤلاء القوم لم يتكلموا فيما لا يحسنونه وقد سمعوا قول الله تعالى: ﴿هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦) . وأما قولهم إننا نرد بالمنطقي على الشرعي، فكذب وجهل ومكابرة، ونحن الداعون إلى الشرع، لأننا إنما ندعو الناس إلى كتاب الله تعالى الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (فصلت: ٤٢) وإلى بيان رسوله ﷺ ، الذي أمره الله تعالى بالبيان عنه، وإلى إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف يرد على الشرعي من هذه صفته إنما يرد على الشرعي من يدعى إلى كلام الله تعالى وكلام نبيه محمد صلى عليه وسلم، وإجماع الصحابة ﵃، فيعارض [١٧٣/أ] ذلك برأيه ويعرض عن ذلك إلى قياسه، إن (٢) كان

стр. 765

عند نفسه ممن يفهم، أو إلى تقليده إن تقليده إن كان مقصراً معترفاً بتقصيره. فلينظروا هم ونحن في هاتين الصفتين: من الجاهل لكل صفة منهما (١) ثم لينظر كل واحد منا الجزاء من الملي بالمجازاة، من الذي لا إله إلا هو. ٢ - ثم قالوا: " والشرع إنما هو مسموع متبع معمول به ". فالجواب: إن هذا حق صحيح، ولكن يلزمهم تبيين من هو الشرع منه مسموع ومن هو المتبع في الشرع، وشرع من هو المعمول به. فإن (٢) قالوا: إنه لا يسمع الشرع إلا من رسول الله ﷺ عن الله تعالى، ولا يتبع في الشرع أحد سواه ﵇، ولا يجوز العمل إلا بشرعه، صدقوا وهو قلنا، ولله الحمد، ووافقونا وانقطع الخلاف. فإن قالوا غير هذا لزمهم ما لا يخفى على أحد من أهل الإسلام، فإن قالوا: هو مسموع من العلماء وهم المتبعون فيه، قيل لهم: هل اتفق العلماء أو اختلفوا فإن قالوا: اتفقوا، كذبوا كذباً لا يخفى على ذي عقل، ولا يرضي بالكذب إلا خسيس لا دين له ولا مروءة. وغن قالوا: بل اختلفوا، قيل لهم: فلا تموهوا بإجمال ذكر العلماء من أهل الأمصار. ٣ - ثم قالوا: " فمن الشرع ما قد عمل به، ثم ترك لحديث وارد نسخه، أو لوهن في طريقه فلم يصح، أو لم يقع الإجماع على استعماله من أجل ذلك ". الجواب - وبالله التوفيق - عن قولهم: فمن الشرع ما قد عمل به، ثم ترك لحديث وارد نسخه، فينبغي لمن تعاطى هذا يورد (٣) ذلك الحديث الذي نسخ ذلك الشرع، فإن أورده لزم الانقياد له، وغن عجز عن ذلك فليتق الله على نفسه، ولا يكذب على رسول الله ﷺ بان يقول عليه بظنه ما لا يعلم صحته، فان الله تعالى يقول: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (يونس: ٣٦) ، وقد صح أن من كذب على رسول الله ﷺ فليتبوأ مقعده من النار (٤) ، ومن [١٧٣ ب] ترك شرعاً صحيحاً لدعواه الكاذبة أن ها هنا حديثاً قد نسخه، ولا يدري صحة ذلك ولا يعرفه، فقد أتى أكبر الكبائر، ونعوذ بالله من الخذلان.

стр. 766

وأما قولهم: لوهن في طريقه فلم يصح، فهذا علم ما يدرى منهم أحد يدري فيه كلمة فما فوقها، ومن تكلم فيما لا يدري فقد تعرض لسخط الله، إذ يقول: ﴿وتقولون لأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ (النور: ١٥) . ثم أطرف شيء قولهم: " أو لم يقع الإجماع على استعماله "؛ نسأل هذا الجاهل الذي أتى بهذه الطامة عن كل ما يدينون ما خالف فيه مالكاً سائر العلماء، وربما بعض أصحابه: هل وقع الإجماع على استعماله (١) أم لا فغن قالوا: وقع الإجماع على استعماله، كابروا أسمج مكابرة، وناقضوا بادعائهم الإجماع على ما فيه الاختلاف بإقرارهم. وغن قالوا: لم يقع الإجماع على استعماله، قيل لهم: فكيف تعيبون القول بما لم يقع الإجماع على استعماله وانتم تقولون في أكثر أقوالكم بما لم يقع الإجماع على استعماله ولو أن من هذا مبلغه من العلم سكت، لكان أولى به وأسلم، والحمد لله على مننه. ٤ - ثم قالوا: " وليس يشك أن المتقدمين من الصحابة والتابعين والسلف الماضين قد بحثوا عنه ووقفوا منه على حقيقة أوجبت تركه أو استعماله (٢) ، فسكتوا عن ذلك للمعرفة الثابتة التي وردتهم (٣) ، وإنهم في غير الثقة والقبول غير متهمين ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إنه جرى (٤) أيضاً في هذا الفصل أيضاً من البرد والغثاثة على مثل ما جرى عليه قبل هذا. ويقال لهم: هل اتفقوا -[اعني] الصحابة والتابعين والسلف الماضين - على كل شيء من مسائل الدين حتى لم يختلفوا، أو اختلفوا فان هم (٥) قالوا: لم يختلفوا في كل مسألة، ظهر كذبهم على جميعهم وصاروا في نصاب من يرجم لعظم ما تقحم [١٧٤/أ] فيه. وإن قالوا: اختلفوا في كثير من المسائل، قيل لهم: صدقتم، فأما ما اجتمعوا عليه فنحن الذين اتبعوا إجماعهم، ولله الحمد كثيراً، وإنما خالف إجماعهم من دعا إلى تقليد إنسان بعينه، كما فعل هؤلاء في تقليدهم مالكاً دون غيره، ولم يكن قط في الصحابة، ولا في

стр. 767

التابعين، ولا في القرن الثالث واحد فما فوقه فعل هذا الفعل، ولا أباحه لفاعل، فهم المخالفون حقاً للإجماع حقاً في هذا وفي مسائل (١) أخر قد أوضحناها في كتبنا. وأما ما اختلفت فيه الصحابة، رشي الله عنهم، فليس قول بعضهم أولى من قول بعض، ولا يحل تحكيم إنسان ممن دونهم في الاختيار في قولهم، ولا يجوز في ذلك إلا ما أمر الله تعالى به، إذ يقول: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء: ٩٥) ، فمن رد الاختلاف إلى اختيار مالك (٢) وأبي حنيفة والشافعي أو إنسان بعينه، فقد خالف القرآن والإجماع المتقدم من الصحابة والتابعين، وهو الإجماع الصحيح. وأما قولهم: إن الصحابة والتابعين بحثوا عنه ووقفوا على حقيقة أوجبت تركه، فهذه صفة معدومة فيما لم يصح نسخه، ولا سبيل إلى وجوبها إلا فيما تيقن نسخه كالقبلة إلى بيت المقدس، وما أشبه ذلك. وأما ما اختلفوا، فحاشا لله أن يكون إجماعاً فيما قد صح فيه الخلاف. وأما الطامة فقولهم: " فسكتوا عنه للمعرفة الثابتة التي وردتهم "، فهذه عظيمة نعوذ بالله من أن يظن مثلها بالصحابة، ﵁، من أن سكتوا عن تبليغ ناسخ صح عنده عن النبي ﷺ . ومن فعل هذا فقد وجبت عليه اللعنة وحقت، قال الله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون* إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك [١٧٤ ظ] أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾ (البقرة: ١٥٩ - ١٦٠) ، فكيف يحل لمن يدري ما الإسلام أن يظن أن الصحابة والتابعين اتفقوا على السكوت عن ذكر حديث ناسخ لعمل شرعي صح عن النبي ﷺ هذا ما لا يظنه بهم إلا الروافض الملعونون، ونعوذ بالله من الخذلان. وأما قولهم: " وإنهم في غير الثقة والقبول غير متهمين "، صحيح، وهو قولنا لا قولهم؛ لأنا نحن الذين ندين لله تعالى بكل ما أسنده لنا الثقة عن الثقة حتى يبلغ إليهم عن النبي ﷺ ، لا ما صح نسخه وعلم (٣) ناسخه، أو ثبت تخصيصه

стр. 768

ونقل ما خصه؛ ونحن الذين قبلنا منهم حقاً، وإنما ترك توقيفهم (١) ورفض القبول منهم واتهمهم من اطرح جميع أقوالهم، ولم يلتف إليها، ولا اشتغل إلا قول مالك وحده، وحكم عليهم رأي مالك واختياره، فهذا هو المتهم لهم حقاً، لا من لم يخالف إجماعهم ولا حكم في اختلافهم أحداً (٢) غير رسول الله ﷺ ، فلأي أقوالهم حكم النبي ﷺ قال به، والحمد لله رب العالمين. ٥ - ثم قالوا: " فوجب لهذا الطالب المجتهد الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم والأخذ بسيرتهم إذ عنهم أخذ دينهم، وهم الناقلون إليه شريعته نقل كافة عن كافة، ونقل واحد عن كافة، ونقل كافة عن واحد إلى النبي ﷺ وكرم ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن قولهم: وجب لهذا الطالب المجتهد الاقتداء بهم، وسلوك طريقتهم، والأخذ بسيرتهم فصحيح إن فعلوه، وحق إن عملوا به، ونحن نسألهم ونناشدهم الله ما الذي يدينون به ربهم تعالى: أهو ما (٣) وردهم عن الصحابة والتابعين، أو ما وجدوا في المدونة من رواية ابن القاسم عن مالك فغن قالوا: بما جاءنا عن الصحابة، كذبوا كذباً يستحقون به المقت من الله تعالى، ومن [١٧٥/ أ] كل من سمعهم. فإن قالوا: بل بما جاءنا من رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، فليعلموا أنهم لم يقتدوا بالصحابة والتابعين والسلف المرضيين، ولا سلكوا طريقهم، ولا أخذوا بسيرتهم. وإن قالوا: إن مالكاً (٤) لم يخالف طريقة الصحابة والتابعين، قيل لهم: ما مالك بهذا أولى ممن خالفه كسفيان الثوري والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وغيرهم، ومن ادعى على هؤلاء وغيرهم أنهم (٥) كلهم خالفوا الصحابة والتابعين، حاشا مالكاً وحده، قالوا الكذب والباطل، ولم ينفكوا ممن عكس عليهم هذه الدعوى الكاذبة فنسب إلى مالك ما نسبوه هم إلى غير مالك، وحاشا لله من هذا، بل كل امرئ منهم مجتهد لنفسه يصيب ويخطئ، وواجب عرض أقوالهم على القرآن والسنة، فلأيها شهد القرآن والسنة أخذ بقوله وترك ما عداه. وقد بينا ان سيرة الصحابة والتابعين وطريقهم هي الاجتهاد، وطلب سنن النبي صلى الله عليه ولسم ولا مزيد،

стр. 769

وترك تقليد (١) إنسان بعينه. فهم قد خالفوا جميع سيرة الصحابة والتابعين، وخالفوا طريقهم، ولم يقتدوا بهم، ونحن مقتدون بهم حقاً، والحمد لله رب العالمين. وأما قولهم: " فعنهم أخذ دينه "، فلو اتقوا الله تعالى ولم يكذبوا كان أسلم لهم في الدنيا والآخرة، ولو رجعوا إلى أنفسهم فنظروا هل رووا ما يدينون به عن الصحابة والتابعين أو لم يشتغلوا قط بشيء من ذلك فأن كان عندهم الصحابة والتابعون (٢) إنما هم مالك وحده، فهذه حماقة (٣) لا يرضاها لنفسه ذو مسكة. وأما قولهم: " وهم المبلغون والناقلون إليه شريعته نقل كافة عن كافة (٤) ونقل واحد عن كافة، ونقل كافة عن واحد إلى النبي ﷺ "، فهذه والله طريقتنا لا طريقتهم، وسبيلنا لا سبيلهم، هذا أمر لا يستطيعون إنكاره؛ لأنهم لا يشتغلون بحديث أصلاً، ولا بأثر، إنما هو قول مالك وابن [١٧٥ب] القاسم، وهذا رأي، ولا مزيد إلا في الندرة فيما لا يعرفون صحته من سقمه، وفيما يأخذون بعضه، ويخالفون بعضه تظارفاً (٥) ولا مزيد، ونسأل الله التوفيق. ٦ - ثم قالوا: " ففي الخروج عن الثقات وعن الجماعة إلى رأي واحد إن كان ذلك الواحد من جملة الجماعة لا مزية له عليه، فهو والله شذوذ، وخطأ لا يحل "، وهذه صفتهم في خروجهم عن أقوال جميع الصحابة والتابعين، وسائر الفقهاء لهم إلى رأي مالك وحده، إن كان ذلك الواحد هو الذي أجازه الله تعالى برسالته، واستصفاه لوحيه وعصمه، وافترض طاعته على الجن والأنس، فقد وفق (٦) من خالف بأهل الأرض كلهم له، فكيف وجميع (٧) الصحابة والتابعين مجموعون على وجوب ترك قول كل قائل لما صح عن رسول الله ﷺ وهذه طريقتنا، والحمد لله رب العالمين كثيراً. فانظروا الآن من الزائر منا ومنهم، ومن الشاذ نحن أم هم وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.

стр. 770

٧ - ثم قالوا: " ولاسيما أن هذا المدعي الحق فيما يمتثله ويؤثره ويصوبه من الترتيب، والهيئات، والاشتقاق، والتفتيق، وتغليب الظاهر، وإعماله على مفهوم خطابه على ما يبدو للسامع، وترك الأخذ بالتأويل، والأحكام الماضية من السلف الصالح ". فالجواب - وبالله التوفيق - إن هذا كلام مخلط يشبه كلام الممسوسين (١) لأنه ناقص غير تام، وما ندعي الحق إلا فيما لا يقدر أي واحد (٢) منهم أن ينكر ان الحق فيه من القرآن وكلام رسول الله ﷺ ، وإجماع الصحابة ﵃ فقط، وأما ذكر هيئات واشتقاق وتفتيق، فحمق صفيق، وهذيان عتيق، ومن عند الله يكون التوفيق. وأما تغليبنا الظاهر وإعماله، على مفهوم خطابه، فكلام لا يعقل لاستعمال الظاهر دالاً بمفهوم خطابه، وهو نفسه الذي يبدو للسامع منه، لا معنى للظاهر غير ذلك. فلو عقل هؤلاء المساكين [١٧٦/أ] ما تكلفوا ما يفتضحون فيه من قرب، لكن من يضل الله فلا هادي له. وأما ترك الأخذ بالتأويل، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما تأويل يشهد بصحته القرىن، او سنة صحيحة أو إجماع، فبه نقول إذا وجدناه، وإما تأويل دعوى لا يشهد بصحته (٣) نص قرآن، ولا إجماع، فهذا الذي ننكره وندفعه ونبرأ إلى الله تعالى منه. فإن كانوا أنكروا إنكارنا هذا الباطل، فما يحتاج معهم إلى تطويل أكثر من أن نقول لهم: ما الفرق بين تأويلكم العاري من شهادة القرآن والسنة، وبين تأويل غيركم من الحنفيين (٤) والشافعيين إذا عري أيضاً من تصحيح القرآن والسنة وهذا ما لا سبيل إلى فرق بينه، ولا يتبع شيئاً مما هذه صفته بعد قيام الحجة ووصول البيان إليه إلا (٥) محروم التوفيق محروم البصيرة. وأما الأحكام الماضية بين السلف الصالح، رضى الله عنهم، فإنها لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أحكام لم يختلفوا فيها، وإما أحكام اختلفوا فيها:

стр. 771

فأما الأحكام التي لم يختلفوا فيها، فهم الذين يخالفونها كخلافهم إعطاء أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما - بحضرة الصحابة دون خلاف من أحد منهم - ارض خبير اليهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر إلى غير أجل، فخالفوا هذا الحاكم، وقالوا: هذا باطل لا يجوز. وغير هذا كثير جداً قد جمعناه عليهم مما لا ينكرون صحته. وأما الأحكام التي فيها [اختلاف] ، فإنا حكمنا فيما امرنا الله تعالى أن يرد إليه ما تنازع العلماء فيه من القرآن، ومن السنة الصحيحة، فلأيهما شهد القرآن وسنة رسول الله ﷺ بالصحة أخذناه. وأما هم فحكموا على الصحابة ﵃ رأى مالك، واختيار ابن القاسم، فلينظر الناظر أي الطريقين أهدى فإن قالوا: ما يتهم مالك ولا بن القاسم. قيل لهم: ولا يتهم سفيان ولا ابن المبارك ولا الأوزاعي ولا الوليد بن مسلم [١٧٦ ب] ولا الليث ومن روى عنه، ولا احمد بن حنبل ولا سائر الفقهاء، فأي فرق بين تحكيم أولئك فيما اختلف فيه السلف، وبين تحكيم هؤلاء ومن فوقهم من التابعين ٨ - ثم قالوا: " وهو مع ذلك ضعيف الرواية عار من الشيوخ، وإنما هي كتب حسنها وأتقنها وضبطها؛ فمنها مروي مما قد رواها (١) على شيخ أو شيخين لا أكثر، ومنها كتب مشهورة ثابتة بيده صحيحة، مثل المسانيد، والمصنفات والصحيح كمسلم والبخاري، لا يمترى في شيء منها، ومنها ما قد خفي على المحتج لعدم الراوي لها، وقلة استعمالها أو لطروئها (٢) وحدوثها في بلدتنا لم يروها علماء بلدنا، ولا شغلوا (٣) بها، ولا سمعوا بها فيما مضى عمن مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها، فهم لا مكذبون (٤) لها، ولا عاملون [بها] ، ثم إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد تركت وسكت عنها الصحابة والتابعون، والعلماء الماضون، ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح وقضوا بها واستمر الحكم عليها ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كلام مخلط في غاية التناقض. أما قولهم عنا بضعف الرواية، والتعري من الشيوخ، فلو كان لهم عقول لأضربوا

стр. 772

عن هذا، لأنهم ليسوا من أهل الرواية فيعرفوا قويها (١) من ضعيفها، ولا اشتغلوا [بها] قط ساعة من الدهر، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها، وما عرفوا قط من الصحابة، ﵃، رجلاً، ولا من التابعين عشرة رجال، ولا يفرقون بيت تابع وصاحب، سوى من ذكرنا، فلا حياء يمنعهم من أن يتعرضوا للكلام في الرواية. وأكثر المتكلمين في هذا الباب لا يقيمون الهجاء، ولا يعرفون ما حديث مسند من حديث مرسل، ولا ثقة من ضعيف، ولا حديث النبي ﷺ من كعب الاحبار، وما منهم أحد يمزج له حديث موضوع مع صحيح فيميزه (٢) ، ثم يقولون: عار من الشيوخ، وهم ما كان لهم شيخ قط، ولا عمروا لمجلس حديث، ولا اشتغلوا [١٧٧/أ] بتفنيده (٣) ، إنما كان عندهم عبد الملك بن سليمان الخولاني (٤) ، فكان (٥) شيخاً صالحاً لم يكن أيضاً (٦) مكثراً من الرواية، كان ربما ألم به بعضهم إلمام من لا يدري ما يطلب، يخرجون من عنده كما دخلوا، لم يعتدوا قط عنه كلمة، ولا اهتبلوا بما يروي بلفظة، إنما يقعدون عنده قعود راحة، إذا لم يكن عليهم شغل. ثم لم يلبث هؤلاء الخشارة أن نقضوا كذبهم خذلاناً من الله تعالى، فشهدوا لنا بأنها كتب أتقناها وضبطناها، منها مروي رويناها عن شيخ أو شيخين، ومنها كتب مشهورة ثابتة بأيدينا مثل المسانيد المصنفات، لا يمترون فيها. وهذا ضد ما حكموا من تعرينا من الشيوخ ومن ضعف الرواية، فهم لا يدرون ما يقولون ولا يبالون بالكذب والفضيحة (٧) ، لكنا والله نصفهم بما هم (٨) أهله من انهم ماضبطوا قط كلمة عن رسول الله ﷺ ولا عن صاحب ولا عن تابع، ولا يحسنون قراءة حديث لو وضع بأيديهم، ولا يفرقون بين جابر بن عبد الله وجابر بن زيد ولا يفرقون بين رأي

стр. 773

ورواية (١) . وأما أن من كتبنا ما خفي على المحتج لعدم الراوي لها (٢) وقلة استعمالها، فما خفاء العلم على الحمير حجة على أهل العلم، ولا قلة طلبهم لرواية السنن دليلاً على عدم الراوي، بل الرواة ولله الحمد موجودون. فمن (٣) أراد الله تعالى به خيراً وفقه لطلب ما يقرب منه، ولم يشغله عما يعنيه ما لا يعنيه وما لا يغني عنه من الله شيئاً؛ وكذلك ليس قلة استعمالهم لتلك الكتب عيباً على الكتب، إنما (٤) العيب في ذلك على من ضيعها، وحظ نفسه ضيع لو عقل. وأما ما ذكره من طروئها في بلدهم، فما بلدهم حجة على أهل العلم، ولكن هكذا (٥) يكون إزراء السكارى على الأصحاء، واعتراض أهل النقص على أهل الفضل. والعجب كله قولهم: " علماء بلدنا "، وهذه والله صفة معدومة في بلدهم جملة، فما يحسنون ولله الحمد لا رأياً ولا حديثاً ولا علماً [١٧٧ ب] من العلوم إلا الشاذ منهم والنادر ممن هو عندهم مغموز (٦) عليه، " والجاهلون لأهل العلم أعداء "، ومن جهل شيئاً عاداه (٧) . والعجب أيضاً عيبهم كتب العلم بأنهم لم يسمع ذكرها عندهم ولا سمعوا بها فيما مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها. إن هذا لعجب، فإذا نافرت كتب العلم هذه الطبقة المجهولة الجاهلة، فكان ماذا لقد اذكرني هذا الجنون ما حكاه الأصمعي (٨) ، فإنه ذكر أنه مر بكناسين على حش، أحدهما يكيل والثاني يستقي، والأعلى يقول للأسفل: إن المأمون سقط من عيني مذ قتل أخاه! فما سقوط هذه الكتب عند هؤلاء الجهال إلا كسقوط المأمون من عين الكناس، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قولهم: إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد (٩) تركت، فليت شعري من تركها

стр. 774

لئن كان تركها تارك لقد أخذ بها من هو فوقه أو مثله، وما ضر الحديث الصحيح من تركه، بل تاركه هو المحروم حظ الأخذ به، فإما مخطئ مأجور في اجتهاده، وإما عاص لله تعالى في تقليده في ترك السنة. وأما قولهم: وسكت عنها الصحابة والتابعون والعلماء الماضون. فقد كذبوا على الصحابة والتابعين، وعلى العلماء الماضين، ونسبوا إليهم الباطل، وكيف سكتوا عنها وهم رووها ونقلوها وأقاموا بها الحجة على من بعدهم كالذي يلزمهم. وأما قولهم: ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح: ما خالفوا قط حكماً صح عن النبي ﷺ ، وغن كان واحد منهم أو اثنان خالفوا بعض ذلك، فقد وافقه غير المخالف ممن هو ربما فوق المخالف له أو مثله، والحجة كلها هي القرآن والسنة لا ترك تارك ولا أخذ آخذ، والحق حق أخذ به أو ترك، والباطل باطل أخذ به أو ترك، وما عدا هذا فهذر وهذيان، وبالله تعالى التوفيق. وما نعلم أشد خلافاً لما حكم به الصحابة والتابعون [١٧٨/أ] منهم - كم قصة في الموطأ خاصة لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وغيرهم ﵃ خالفوها!! فمن السلف الصالح إلا هؤلاء لو عقلوا ونعوذ بالله من الخذلان والجبن. ٩ - ثم قالوا: " ثم رأوا تصنيفاً وتمثيلاً واشتقاقاً وتعريفاً ونتائج تلزم المرء على سبيل طريق الاحتجاج، وظاهر القول مما يحكمه البيان، وينطلق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه (١) [الحجة] وتصرفه الألحان من الكلام والأفانين من النحو وتحبير المعاني باللفظ وإشعارها بالحس وتنبيهها بالجرس، فأنكروا (٢) ذلك وفروا عنه، إذ (٣) لم يكن ذلك طريقة من مضى ولا سنن [من به] يقتدى، فوقع النفار في النفوس، وجعلوا ذلك كله بدعة وحدوث شرع، وزيادة وتنميقاً أحدثوه (٤) أصحاب الكلام، وأهل البدعة ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق -: إن في هذا الكلام عبرة لمن اعتبر، فأول ذلك إقرارهم لنا بأنهم رأوا لنا تصنيفاً وتعريفاً (٥) ونتائج تلزم المرء على طريق الاحتجاج

стр. 775

وظاهر القول مما يحكمه (١) البيان وينطق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه الحجة وبصرفه (٢) اللحن بأفانين النحو وتحبير المعاني في اللفظ، وإشعارها بالحس وتنبيهها بالجرس. وهذه - ولله الحمد - نعمة جليلة لله تعالى علينا لا نقوم بشكرها، وهل الحق إلا في النتائج اللازمة للمرء على طريق الاحتجاج أما سمعوا قول الله تعالى ﴿فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (الرحمن: ٣٣) ، ولا خلاف أن السلطان هو الحجة، وقوله تعالى: ﴿فلله الحجة البالغة﴾ (الأنعام: ١٤٩) وإذا شهدوا لنا بالبيان فلله الحمد كثيراً، ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾ ، (الرحمن: ١ - ٢) ، أما علموا أن القرآن بيان من الله تعالى وإذا شهدوا لنا باللغة تصوب (٣) قولنا، فقد فزنا - ولله الحمد - بالقدح المعلى (٤) ، قال تعالى: ﴿قرآناً عربياً﴾ (يوسف: ٢/ طه: ١١٣/ الزمر: ٢٨/ فصلت: ٣/ الشورى: ٧/ الزخرف: ٣) ، فإذا اللغة تشهد [١٧٨ ب] لنا، والقرآن بأيدينا، فقد فلجنا (٥) - ولله الحمد - وخاب وخسر من خالفنا. وأما قولهم في خلال ذلك إنهم رأوا لنا تمثيلاً واشتقاقاً (٦) فكذب بحت. أما الكذب فدعواهم علينا التمثيل، فلسنا نقول به ولله الحمد، لأنه من باب القياس الذي هو عندنا عين الباطل، لكنا نريهم بالتمثيل الذي يقرون به تناقض أقوالهم وإفساد بعضها بعضاً. وأما الاشتقاق، فقد عرف أهل المعرفة أننا (٧) لا نقول به فيما عدا الأوصاف من الصفات فقط. وأما قولهم (٨) إنهم أنكروا كل هذا وقد فروا عنه: فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير. وإن من أنكر البيان والحجة وما يصوبه النحو واللغة وأشعر بالحس، لمخذول مسخم الوجه، ونعوذ بالله من الضلال. وكذلك إخبارهم بوقوع النفار لهذا الحق، وأنهم جعلوا كل ذلك بدعة، فلا جرم قد قيل في القرآن: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر*
следующие страницы →