← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فأما الأحكام التي لم يختلفوا فيها، فهم الذين يخالفونها كخلافهم إعطاء أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما - بحضرة الصحابة دون خلاف من أحد منهم - ارض خبير اليهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر إلى غير أجل، فخالفوا هذا الحاكم، وقالوا: هذا باطل لا يجوز. وغير هذا كثير جداً قد جمعناه عليهم مما لا ينكرون صحته. وأما الأحكام التي فيها [اختلاف] ، فإنا حكمنا فيما امرنا الله تعالى أن يرد إليه ما تنازع العلماء فيه من القرآن، ومن السنة الصحيحة، فلأيهما شهد القرآن وسنة رسول الله ﷺ بالصحة أخذناه. وأما هم فحكموا على الصحابة ﵃ رأى مالك، واختيار ابن القاسم، فلينظر الناظر أي الطريقين أهدى فإن قالوا: ما يتهم مالك ولا بن القاسم. قيل لهم: ولا يتهم سفيان ولا ابن المبارك ولا الأوزاعي ولا الوليد بن مسلم [١٧٦ ب] ولا الليث ومن روى عنه، ولا احمد بن حنبل ولا سائر الفقهاء، فأي فرق بين تحكيم أولئك فيما اختلف فيه السلف، وبين تحكيم هؤلاء ومن فوقهم من التابعين ٨ - ثم قالوا: " وهو مع ذلك ضعيف الرواية عار من الشيوخ، وإنما هي كتب حسنها وأتقنها وضبطها؛ فمنها مروي مما قد رواها (١) على شيخ أو شيخين لا أكثر، ومنها كتب مشهورة ثابتة بيده صحيحة، مثل المسانيد، والمصنفات والصحيح كمسلم والبخاري، لا يمترى في شيء منها، ومنها ما قد خفي على المحتج لعدم الراوي لها، وقلة استعمالها أو لطروئها (٢) وحدوثها في بلدتنا لم يروها علماء بلدنا، ولا شغلوا (٣) بها، ولا سمعوا بها فيما مضى عمن مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها، فهم لا مكذبون (٤) لها، ولا عاملون [بها] ، ثم إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد تركت وسكت عنها الصحابة والتابعون، والعلماء الماضون، ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح وقضوا بها واستمر الحكم عليها ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كلام مخلط في غاية التناقض. أما قولهم عنا بضعف الرواية، والتعري من الشيوخ، فلو كان لهم عقول لأضربوا

стр. 772

عن هذا، لأنهم ليسوا من أهل الرواية فيعرفوا قويها (١) من ضعيفها، ولا اشتغلوا [بها] قط ساعة من الدهر، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها، وما عرفوا قط من الصحابة، ﵃، رجلاً، ولا من التابعين عشرة رجال، ولا يفرقون بيت تابع وصاحب، سوى من ذكرنا، فلا حياء يمنعهم من أن يتعرضوا للكلام في الرواية. وأكثر المتكلمين في هذا الباب لا يقيمون الهجاء، ولا يعرفون ما حديث مسند من حديث مرسل، ولا ثقة من ضعيف، ولا حديث النبي ﷺ من كعب الاحبار، وما منهم أحد يمزج له حديث موضوع مع صحيح فيميزه (٢) ، ثم يقولون: عار من الشيوخ، وهم ما كان لهم شيخ قط، ولا عمروا لمجلس حديث، ولا اشتغلوا [١٧٧/أ] بتفنيده (٣) ، إنما كان عندهم عبد الملك بن سليمان الخولاني (٤) ، فكان (٥) شيخاً صالحاً لم يكن أيضاً (٦) مكثراً من الرواية، كان ربما ألم به بعضهم إلمام من لا يدري ما يطلب، يخرجون من عنده كما دخلوا، لم يعتدوا قط عنه كلمة، ولا اهتبلوا بما يروي بلفظة، إنما يقعدون عنده قعود راحة، إذا لم يكن عليهم شغل. ثم لم يلبث هؤلاء الخشارة أن نقضوا كذبهم خذلاناً من الله تعالى، فشهدوا لنا بأنها كتب أتقناها وضبطناها، منها مروي رويناها عن شيخ أو شيخين، ومنها كتب مشهورة ثابتة بأيدينا مثل المسانيد المصنفات، لا يمترون فيها. وهذا ضد ما حكموا من تعرينا من الشيوخ ومن ضعف الرواية، فهم لا يدرون ما يقولون ولا يبالون بالكذب والفضيحة (٧) ، لكنا والله نصفهم بما هم (٨) أهله من انهم ماضبطوا قط كلمة عن رسول الله ﷺ ولا عن صاحب ولا عن تابع، ولا يحسنون قراءة حديث لو وضع بأيديهم، ولا يفرقون بين جابر بن عبد الله وجابر بن زيد ولا يفرقون بين رأي

стр. 773

ورواية (١) . وأما أن من كتبنا ما خفي على المحتج لعدم الراوي لها (٢) وقلة استعمالها، فما خفاء العلم على الحمير حجة على أهل العلم، ولا قلة طلبهم لرواية السنن دليلاً على عدم الراوي، بل الرواة ولله الحمد موجودون. فمن (٣) أراد الله تعالى به خيراً وفقه لطلب ما يقرب منه، ولم يشغله عما يعنيه ما لا يعنيه وما لا يغني عنه من الله شيئاً؛ وكذلك ليس قلة استعمالهم لتلك الكتب عيباً على الكتب، إنما (٤) العيب في ذلك على من ضيعها، وحظ نفسه ضيع لو عقل. وأما ما ذكره من طروئها في بلدهم، فما بلدهم حجة على أهل العلم، ولكن هكذا (٥) يكون إزراء السكارى على الأصحاء، واعتراض أهل النقص على أهل الفضل. والعجب كله قولهم: " علماء بلدنا "، وهذه والله صفة معدومة في بلدهم جملة، فما يحسنون ولله الحمد لا رأياً ولا حديثاً ولا علماً [١٧٧ ب] من العلوم إلا الشاذ منهم والنادر ممن هو عندهم مغموز (٦) عليه، " والجاهلون لأهل العلم أعداء "، ومن جهل شيئاً عاداه (٧) . والعجب أيضاً عيبهم كتب العلم بأنهم لم يسمع ذكرها عندهم ولا سمعوا بها فيما مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها. إن هذا لعجب، فإذا نافرت كتب العلم هذه الطبقة المجهولة الجاهلة، فكان ماذا لقد اذكرني هذا الجنون ما حكاه الأصمعي (٨) ، فإنه ذكر أنه مر بكناسين على حش، أحدهما يكيل والثاني يستقي، والأعلى يقول للأسفل: إن المأمون سقط من عيني مذ قتل أخاه! فما سقوط هذه الكتب عند هؤلاء الجهال إلا كسقوط المأمون من عين الكناس، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قولهم: إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد (٩) تركت، فليت شعري من تركها

стр. 774

لئن كان تركها تارك لقد أخذ بها من هو فوقه أو مثله، وما ضر الحديث الصحيح من تركه، بل تاركه هو المحروم حظ الأخذ به، فإما مخطئ مأجور في اجتهاده، وإما عاص لله تعالى في تقليده في ترك السنة. وأما قولهم: وسكت عنها الصحابة والتابعون والعلماء الماضون. فقد كذبوا على الصحابة والتابعين، وعلى العلماء الماضين، ونسبوا إليهم الباطل، وكيف سكتوا عنها وهم رووها ونقلوها وأقاموا بها الحجة على من بعدهم كالذي يلزمهم. وأما قولهم: ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح: ما خالفوا قط حكماً صح عن النبي ﷺ ، وغن كان واحد منهم أو اثنان خالفوا بعض ذلك، فقد وافقه غير المخالف ممن هو ربما فوق المخالف له أو مثله، والحجة كلها هي القرآن والسنة لا ترك تارك ولا أخذ آخذ، والحق حق أخذ به أو ترك، والباطل باطل أخذ به أو ترك، وما عدا هذا فهذر وهذيان، وبالله تعالى التوفيق. وما نعلم أشد خلافاً لما حكم به الصحابة والتابعون [١٧٨/أ] منهم - كم قصة في الموطأ خاصة لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وغيرهم ﵃ خالفوها!! فمن السلف الصالح إلا هؤلاء لو عقلوا ونعوذ بالله من الخذلان والجبن. ٩ - ثم قالوا: " ثم رأوا تصنيفاً وتمثيلاً واشتقاقاً وتعريفاً ونتائج تلزم المرء على سبيل طريق الاحتجاج، وظاهر القول مما يحكمه البيان، وينطلق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه (١) [الحجة] وتصرفه الألحان من الكلام والأفانين من النحو وتحبير المعاني باللفظ وإشعارها بالحس وتنبيهها بالجرس، فأنكروا (٢) ذلك وفروا عنه، إذ (٣) لم يكن ذلك طريقة من مضى ولا سنن [من به] يقتدى، فوقع النفار في النفوس، وجعلوا ذلك كله بدعة وحدوث شرع، وزيادة وتنميقاً أحدثوه (٤) أصحاب الكلام، وأهل البدعة ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق -: إن في هذا الكلام عبرة لمن اعتبر، فأول ذلك إقرارهم لنا بأنهم رأوا لنا تصنيفاً وتعريفاً (٥) ونتائج تلزم المرء على طريق الاحتجاج

стр. 775

وظاهر القول مما يحكمه (١) البيان وينطق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه الحجة وبصرفه (٢) اللحن بأفانين النحو وتحبير المعاني في اللفظ، وإشعارها بالحس وتنبيهها بالجرس. وهذه - ولله الحمد - نعمة جليلة لله تعالى علينا لا نقوم بشكرها، وهل الحق إلا في النتائج اللازمة للمرء على طريق الاحتجاج أما سمعوا قول الله تعالى ﴿فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (الرحمن: ٣٣) ، ولا خلاف أن السلطان هو الحجة، وقوله تعالى: ﴿فلله الحجة البالغة﴾ (الأنعام: ١٤٩) وإذا شهدوا لنا بالبيان فلله الحمد كثيراً، ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾ ، (الرحمن: ١ - ٢) ، أما علموا أن القرآن بيان من الله تعالى وإذا شهدوا لنا باللغة تصوب (٣) قولنا، فقد فزنا - ولله الحمد - بالقدح المعلى (٤) ، قال تعالى: ﴿قرآناً عربياً﴾ (يوسف: ٢/ طه: ١١٣/ الزمر: ٢٨/ فصلت: ٣/ الشورى: ٧/ الزخرف: ٣) ، فإذا اللغة تشهد [١٧٨ ب] لنا، والقرآن بأيدينا، فقد فلجنا (٥) - ولله الحمد - وخاب وخسر من خالفنا. وأما قولهم في خلال ذلك إنهم رأوا لنا تمثيلاً واشتقاقاً (٦) فكذب بحت. أما الكذب فدعواهم علينا التمثيل، فلسنا نقول به ولله الحمد، لأنه من باب القياس الذي هو عندنا عين الباطل، لكنا نريهم بالتمثيل الذي يقرون به تناقض أقوالهم وإفساد بعضها بعضاً. وأما الاشتقاق، فقد عرف أهل المعرفة أننا (٧) لا نقول به فيما عدا الأوصاف من الصفات فقط. وأما قولهم (٨) إنهم أنكروا كل هذا وقد فروا عنه: فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير. وإن من أنكر البيان والحجة وما يصوبه النحو واللغة وأشعر بالحس، لمخذول مسخم الوجه، ونعوذ بالله من الضلال. وكذلك إخبارهم بوقوع النفار لهذا الحق، وأنهم جعلوا كل ذلك بدعة، فلا جرم قد قيل في القرآن: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر*

стр. 776

إن هذا إلا قول البشر﴾ (المدثر: ٢٤ - ٢٥) . وأطرف من هذا كله، جعلهم القرآن والسنة بدعة وإحداث شرع؛ فهل في الحيوان أكثر ممن يجعل قول من قال: لا آخذ إلا بما صح عن الله تعالى ورسوله ﷺ وأجمعت عليه الصحابة، إحداث شرع فليت شعري هل إحداث الشرع إلا في الحكم في التحريم والتحليل، والرأي والظن، لو عقلوا وأما قولهم (١) : لم يكن هذا طريقة من مضى، ولا سنن من به يقتدى، فقد كذبوا وأفكوا، وهل طريقة من مضى ومن به يقتدى إلا التمسك بالقرآن، والأخذ بسنن رسول الله ﷺ وإنما الطريقة التي لم تكن قط طريقة من مضى، ولا من به يقتدى، هي طريقتهم في تقليد إنسان بعينه، فهذه البدعة المنفية التي لم تكن قط صدر الإسلام، وإنما حدثت في القرن الرابع، ونعوذ بالله من الحدثان كلها. ١٠ - ثم قالوا: " وان معنى الفقه غير معنى الكلام " لأ١٧٩/أ] . فالجواب -[وبالله تعالى التوفيق]- أن هؤلاء القوم ليسوا من أهل الفقه ولا من أهل الكلام، ولا يحسنون شيئاً غير التناغي والقول (٢) الفاسد، نحو ما أوردنا من كلامهم آنفاً. وطريقة الفقه والكلام الصحيح، إنما هي اتباع القرآن والسنن فقط، وما عدا ذلك فباطل لا يجوز اتباعه، وبالله تعالى التوفيق. ١١ - ثم قالوا: " فخلوا كتاب حدا المنطق (٣) لأجل ذلك، ولما فيه التعمق والعرض، وترتيب الهيئات ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا من ذلك الباطل (٤) . ليت شعري أدخل حد المنطق في السنن إن هذا لعجب عجيب؛ ومن كانت هذه منزلته من الفهم ما كان حقه أن يعود إلا إلى كتاب الهجاء. ومن طرائف الدهر قولهم: إن في حد المنطق ترتيب الهيئات، وهذا أمر ما علمه قط أحد في حد المنطق، ونسأل هؤلاء السعوات (٥) عن حد المنطق هذا الذي يذمونه: هل عرفوه أم لم يعرفوه فإن كانوا عرفوه فليبينوا

стр. 777

لنا ما وجدوا فيه من المنكرات. وإن كانوا لم يعرفوه، فكيف يستحلون (١) أن يذموا ما لم يعرفوه (٢) ألم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ (يونس: ٣٩) ولكن إعراضهم عن القرآن إلى ما يطول عليه ندمهم يوم القيامة، [هو] الذي أوقعهم في الفضائح والقبائح، ونعوذ بالله من الخذلان. ١٢ - ثم قالوا: " ولو صح ما ذكرته من أمثال هذه الطرائق وإقامتها بالحجة والكلام، فقام بذلك أمثالك، ورووها (٣) عن الثقات والمشاهير، وأقاموها بالأسانيد الصحاح والرواية الصحيحة، حتى يوصلوها إلى من لا يهتم من التابعين، لوجب لخصمك اتباعهم فيه ولزومه والعمل به ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - عن هذا شهادة منهم على أنفسهم، فليعلموا (٤) أن كل ما نقوله لهم بأجمعهم منقول بالأسانيد الصحاح عن الرواة الثقات موصلة إلى النبي صلى الله عليه [١٧٩ ب] وسلم فواجب عليهم ما التزموه من الرجوع إلى الحق. فإن شكوا في ذلك، فالميدان بيننا وبينهم، وهذه كتبنا حاضرة مروية عنا، مثبتة بخطنا وخط الثقات، ممن أخذها عنا، قد شرقت وغربت، فهم بين خيرتين (٥) : إما أن يحضروا معنا، ويسألوا عن كل خبر أوردناه (٦) ، فإن كان عندهم علم يعترضون به فليعترضوا، وإن لم يكن عندهم فليسكتوا. وإما أمنا لهم (٧) ، وإن كرهوا ذلك، فليمحصوا (٨) كتبنا. فغن كان فيها شيء غير الحق فقد مكناهم من مقابلتنا، أو كفيناهم المؤنة في إثبات ما يريدونه. هيهات هيهات، يأبى الله إلا أن يتم نوره، ولا تستر الشمس بالأكف، وما يعارض الحق بالجهل. نعم، فليعلموا أنا لم نأت بحديث إلا من تصنيف البخاري أو تصنيف مسلم أو تصنيف أبي داود أو تصنيف النسائي أو تصنيف ابن أيمن أو تصنيف ابن أصبغ أو مصنف عبد الرزاق، أو تصنيف حماد أو تصنيف وكيع أو مصنف ابن أبي شيبة أو مسنده أو حديث سفيان بن عيينة أو حديث شعبة أو ما جرى هذا المجرى، مما لا يقدر عدو الله على

стр. 778

القدح (١) فيها، وأضربنا عن الحديث المستور من رواتنا. صيانة لأقدار الأئمة عن تعريضهم لمن لا يعبأ الله به شيئاً، إلا في الندرة مما لابد من إيراده. وكل هذه الدواوين عندنا - ولله الحمد - روايتنا وضبطنا وتصحيحنا، وذلك فضل الله ومنته؛ لكنهم بكم إذا ضمنا وإياهم مجلس، فإذا غابوا أتوا بمثل هذه البلاغم العفنة المضحكة، ونعوذ بالله مما امتحنهم به. ١٣ - ثم قالوا: " لكن بشرع زائد وعلم مبتدع انفردت به أنت من طريق نقلتها، وخالفت فيها من مضى من طريق ما ظهر إليك واطلعت عليه من وهلة أو غفلة أو تضييع أو عي أو بلادة أو قلة فهم نسبته إلى الرواة المؤلفين للدواوين الراسخة، لاتساعك في الكلام، ومعرفتك في اللغة، وتصديقك كتاب حد المنطق ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق -[١٨٠/أ] أن هذا مما قد أخزيناهم (٢) فيه، وبينا أن الشرع الزائد والجهل المبتدع هو ما هم عليه من التقليد الذي قد نهى عنه من قلدوه، والذي هم مقرون بأنه لا يجوز، وكفى ضلالاً وبدعة وشرعاً مهلكاً لمن يدين الله تعالى بشيء يقر بأنه باطل، وهذا يكفي من عقل، وبالله تعالى التوفيق. وأما قولهم: إننا انفردنا به وخالفنا من مضى، فكذب منهم بحت لم يستحيوا فيه من عاجل الفضيحة. وما انفردنا قط بقول ولله الحمد، بل نحن أشد موافقة للصحابة والتابعين، ﵃، منهم. فقد ألفنا كتاباً ضخماً فيما خالفوا فيه الطائفة من الصحابة ﵃ بآرائهم، دون تعلق بأحد من الصحابة والتابعين ﵃. وهم لا يجدون لنا هذا، إلا أن يجدوه في الندرة، ومما تعلقوا فيه من السنن الثابتة عن النبي ﷺ ، فشتان بين الأمرين. وأما قولهم: إننا نسبنا إلى الرواة المؤلفين للدواوين الراسخة الوهلة (٣) والغفلة والتضييع والعي والبلادة وقلة الفهم، فقد كذبوا. وغنما بينا بالبرهان الحق خطأ من اخطأ وصواب من أصاب فقط، وما العائب للصحابة إلا هم في ازورارهم (٤) عن كل ما جاء عنهم، وإطراحهم لجميع أقوال الصحابة استغناء عنهم برأي مالك وحده دون جميع فقهاء أهل الإسلام، سالفهم وخالفهم.

стр. 779

وأما إقرارهم لنا بالاتساع في الكلام والمعرفة باللغة، فأمر لا نحمدهم عليه في الإقرار، لأنا (١) لم نزد بذلك فضلاً، ولا يغضنا (٢) جحدهم لذلك إن جحدوا وحسبنا الله ونعم الوكيل. ١٤ - ثم قالوا: " وصنعت دواوين وحبرتها على ما قد ظهر إليك، لم تقتنع بتواليفهم ولا صوبتها ولا رضيتها، فخالفتهم وعبتهم فيما ألفوه وخطأتهم فيما صوبوه (٣) ، استنقاصاً لحقهم، وتنكباً عن [١٨٠ ب] قصدهم ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أن هؤلاء القوم لا يستحيون من الكذب والبهتان، يطلقون أننا رغبنا عن تواليفهم ولم نصوبها ولا رضيناها، وخالفناها، وعبناها (٤) وخطأناها، استنقاصاً لحقهم (٥) ، وتنكباً عن قصدهم، فهلا بينوا هذا الضمير إلى من يرجع وهذه التواليف ما هي لكننا نحن نبين - بحول الله تعالى - كل ذلك ببيان نشهد الله تعالى وملائكته وكل من سمعه بأنه الحق، وذلك أن الناس ألفوا: فألف أصحاب الحديث تواليف جمة، وألف الحنفيون تواليف جمة، وألف المالكيون تواليف، والشافعيون تواليف، فلم يكن عندنا تأليف طبقة من هذه أولى أن يلتفت إليه من تأليف غيرها، بل جمعناها ولله الحمد وعرضناها على القرآن وما صح عن النبي ﷺ ، فلأي تلك الأقوال شهد القرآن والسنة أخذنا به، وتركنا ما عداه. وأما هم (٦) فخالفوا تواليف جميع أهل الإسلام أولها عن آخرها، ولم يقنعوا بها ولا صوبوها (٧) ولا رضوها، بل خالفوها وعابوها وخطأوا أصحابها استنقاصاً لجميع أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في مشارق الأرض ومغاربها، حاشا المدونة والمستخرجة فقط. فمن أشد استنقاصاً للعلماء، ولكتب العلماء، هم أم نحن وهل في هذا خفاء على ذي بصيرة والحمد لله رب العالمين.

стр. 780

١٥ - ثم قالوا (١) : " وخصمك لا يتهم أحداً (٢) من الآخذين عنهم كذلك، ولا يقع في نفسه أنك افقه ممن مضى، ولا أحذق ممن سلف، ولا أدرى بالمعاني والأحكام والتأويل، وعلم الناسخ والمنسوخ والأوامر والأفعال، والعام والخاص والمحظور والمباح، والفرض والندب، إذ قد حووا وطالعوا ما لا تحوي أنت عشر معشاره ولا تطالعه أبداً، لقربهم من دار الهجرة ومعدن الرسالة، ولصلاحهم (٣) [١٨١/أ] وإصلاحهم وورعهم، وأنهم في القرن المحمود الممدوح، وانهم قد طالعوا دواوين لم تطالعها أنت، وأن من الدواوين ما لا تقف أنت على أسمائها ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - اننا قد بينا أنهم هم المتهمون (٤) للصحابة والتباعين حقاً، لأنهم كلهم عندهم (٥) في نصاب من لا ينبغي أن يشتغل به ويطلب أقوالهم، ولا يلتفت إلى شيء من فقههم إلا ما وافق مالكاً (٦) فقط. وأما قولهم: إنه لا يقع بأنفسهم أننا أفقه ممن مضى، ولا أحذق ممن سلف إلى آخر الكلام، فهذا أمر لا ندعيه لأنفسنا، ومعاذ الله أن نظن هذا، ولكن كما نظروا هذا النظر، وأصابوا في ذلك، فلينظروا أيضاً أن مالكاً وابن القاسم لم يكونوا أفقه ممن مضى قبلهما من الصحابة والتابعين، ولا أدرى منهم بالمعاني والأحكام والتاويل، والناسخ والمنسوخ والأوامر والأفعال والخاص والعام، والمحظور والمباح والفرض والندب، إذ قد حووا بلا شك من لقاء النبي ﷺ ومشاهدته ما لا يحوي مالك وابن القاسم عشر معشاره، ولا طالعوه قط، لقرب أولئك من النبوة ومهبط الرسالة، ولمضمون صلاحهم وورعهم، وانهم القرنان الفاضلان المقدمان على قرن مالك وابن القاسم. فإذن (٧) لم يكن تأخر مالك عنهم موجباً تقليد رجل منهم. إلا اننا نحن على كل حال، ولله الحمد، لا ندعو إلى رأينا ولا قولنا، وإنما ندعو إلى اتباع المضمون له أنه أفضل جميع الإنس والجن، والمقطوع بعظمته، وأنه لا يقول إلا الحق، والذي امرنا الله باتباعه بإقرارهم إن كانوا مسلمين. وإلى هذا ندعوهم، وهم

стр. 781

يدعوننا إلى ترك ما صح عنه ﵇، واتباع رأي مالك. وإذا كان سائغاً لهم عند أنفسهم خلاف سفيان الثوري، وسعيد بن المسيب، والزهري لقول مالك، وساغ (١) لابن وهب وأشهب والمخزومي وابن الماجشون [١٨١ ظ] وابن نافع وابن كنانة مخالفة مالك في مسائل جمة، فقد سوغ (٢) ذلك وأوجب لنا وعلينا خلاف مالك لقول رسول الله ﷺ . وأما القبر من دار الهجرة، فدار الهجرة باقية بفضلها، لم ينتقص من فضلها شيء أصلاً، وقل غناء (٣) ذلك عن سكانها. وأما قولهم: " لأنهم في القرن [الممدوح المحمود] لورعهم وصلاحهم "، فما مالك أولى بذلك من فقهاء زمانه كسفيان والليث والأوزاعي ومعمر وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم ممن قبله وبعده ومعه، والفضل بيد الله تعالى لا بأهواء المتمنين. وأما قولهم: إنهم طالعوا دواوين لم نطالعها نحن، ومن الدواوين ما لا نقف على أسمائها، فلعمري ما لشيوخهم (٤) ديوان مشهور مؤلف في نص مذهبهم إلا وقد رأيناه ولله الحمد، كثيراً، ككتاب ابن الجهم وكتاب الأبهري الكبير، والأبهري الصغير والقزويني وابن القصار وعبد الوهاب والأصيلي (٥) ، ولقد كان ينبغي لهم

стр. 782

أن يدخلوا فيها هذه الخبايا التي تركنا بها هؤلاء الجهال، وإن كانت عندهم ولم يذكروها فقد غشوهم وظلموهم. وإن كانوا الغاية في ذلك الذي لم يقدروا على أكثر منها (١) ، فما بال كلام هؤلاء الجهال بالأهذار المقرة لعيون الشامتين ولكن لو عرف الناقص نقصه لكان كاملاً. ١٦ - ثم قالوا: " وهل تدعي [انك] أنت أحطت (٢) بجميعها علماً، وأحصيت ما في جميعها حفظاً " فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - انه يعكس عليهم هذا السؤال، يقال لهم: أتراكم أنتم أحطتم (٣) بجميع تواليف العلماء، وأحصيتموها (٤) فإن قلتم: نعم، كذبتم لأنكم لا تدرون شيئاً من الكتب، إلا خواص منكم، إلا المدونة والمستخرجة فقط. وإن قلتم: لا، قيل لكم: فمن أين وقع لكم أن تدينوا الله تعالى بقول مالك دون قول من سواه لو نصحتم أنفسكم وأما نحن فقلنا: قد أحطنا (٥) - ولله الحمد - بكل ما يحتج به المخالفون [١٨٢/أ] والموافقون، جمعنا ولله الحمد صحيح أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلمن وجمهور ما رواه المستورون ممن لم يبغوا مبلغ ان يحتج بنقلهم. هذا أمر نهتف [به] ونعلنه على رغم الكاشح وصغار وجهه، فمن استطاع إنكاراً فليبرز صفحته وليناظر مناظرة العلماء، فمن عجز عن ذلك فليسأل سؤال المتعلمين، أو ليسكت سكوت أهل الجهل الخبيرين بجهلهم. فإن أبوا إلا الرابعة، وهي هذر النوكى، فتلك خطة عائدة على أهلها بالخزي والدمار في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين. ١٧ - ثم قالوا: " وإنك تقصيت وأحصيت حديث رسول الله عليه وسلم كله أجمع أكتع حتى لم يفت حظك منه شيء، فتعمل من [غير تقليد] صاحب وتابع " فالجواب - وبالله تعلى التوفيق - قد قلنا اننا حصلنا بروايتنا وضبطنا ولله الحمد

стр. 783

كل خر صح عن رسول الله ﷺ ببرهان واضح، وهو أن المشهور من المسندات والمصنفات الموعية للأخبار، فقد جمعناها ولله الحمد، ولا يشذ عنا خبر فيه خير أصلاً، وحتى لو لم نحط بها كلها لما وجب بذلك طرح ما بلغنا منها، بل كان يلزمنا أن نعمل بما بلغنا، ولو لم يكن إلا خبر واحد، لا يحل غير ذلك. ثم نقول لهم: أتراكم انتم أحطتم بجميع حديث النبي ﷺ حتى تعلموا انه شاهد لأقوال مالك ثم نحن ننزلكم درجة: أتراكم أحطتم بجميع أقوال مالك ومسائله حتى لم يفتكم منها واحدة، فعلمتم أنها كلها حق هذا أمر يدري الله تعالى أنكم كاذبون في كل ما تذكرون فيه، فما سؤالكم إلا عائد عليكم. وهكذا عادة الله تعالى فيمن عند عن الحق، وفارق طريق السنة، وبالله تعالى التوفيق. ١٨ - ثم قالوا: " فخصمك لا يرى في معتقده أن يتهم (١) صاحباً، ولا أن [٨٢ ب] يخطئه وينسب إليه غفلة أو تقصيراً (٢) ، وكيف وهم القدوة المرضيون الذين بهم قامت الشرائع وبينت الحقائق " فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إننا ما نعلم أحداً أشد اتهاماً للصحابة كلهم من هؤلاء المقلدين، ولا أعظم تخطئة لهم منهم، لأنهم طرحوا جميع أقوال الصحابة، ﵃، ولا يرونهم في نصاب من يستحق أن تكتب أقوالهم إلا ما وافق رأي مالك، فقد اعترفوا مخالفة الذين قامت بهم الشرائع، وثبتت بتبليغهم الحقائق. ونحن نسألهم فنقول لهم: أخبرونا، إذا أوجدناكم (٣) في الكتب التي أنتم مقرون بها كالموطأ والبخاري أقوالاً صحاحاً عن الصحابة والتابعين [أتقرون بها] أو بما جاء عن مالك فإن قلتم: بما صح عن الصحابة، كذبتم وأفكتم: وإن قلتم: بما جاء عن مالك، صدقتم واعترفتم باتهامكم للصحابة وتخطئتكم إياهم، بخلاف ما قلتم ها هنا. فإن قلتم: لم يخالف مالك تلك الأقوال إلا بما هو أولى منها. قيل لكم: إذا خفي ذلك العلم الذي وقع عليه مالك على أولئك الصحابة، فأحرى وأمكن وأوجب على أن يخفى على مالك علم كثير وقفنا نحن عليه، إذ نسبتنا نحن من مالك، أقرب من نسبة مالك من أقل صاحب من الصحابة، لان مالكاً وغير مالك لو أنفق مثل أحد ذهباً لم يبلغ نصف مد شعير يتصدق به أقل الصحابة. وليست هذه المنزلة ولا هذه

стр. 784

الفضيلة لمالك على أحد من الناس، بل نحن وهم من جملة المسلمين، لا نقطع له ولا لنا بنجاة، ولا نضمن لنا ولا له الجنة ولا العصمة، بخلاف ضمان ذلك للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبالله التوفيق. ١٩ - ثم قالوا: " ومن أحكامهم ما قضوا بها في عهد رسول الله ﷺ ، واستمر الحكم عليها أو تتابع العمل بها وهو حاضر معهم لا غائب ولا متخلف، فهل كانت تحل لهم مخالفة الرسول ﷺ ، وأن يقضوا [١٨٣/ أ] بخلاف ما يرضاه، أو يبلغهم عنه حكم فيرغبوا عنه ويقتصروا على رأيهم، أو يؤثروا أقوالهم على قوله بعد علمهم بقوله، [فإنه لا يجوز أن يقصدوا إلى خلافه ﵇ استخفافاً بأمره] ويتجنبوا (١) ما يستحسنه ﵇ فمعاذ الله وحاشا لله من ذلك، فهم المنزهون عن كل شر، المظنون بهم كل خير، بهم قامت (٢) أعلام الدين، ورسخ العلم، وسطع الحق وأشرق النور، وأينعت (٣) الحكمة، واتسعت السنة، ولاح الدليل ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذه التمويهات ليس بأيديهم غيرها، وهي كلها عليهم لا لهم. أما قولهم في أحكامهم التي قضوا بها في عهد رسول الله صلى عليه وسلم، فنحن الآخذون، وهم المخالفون في أكثر الأمر، كقول أسماء بنت أبي بكر ﵁: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلناه، فخالفوهم بآرائهم في هذا القول الظاهر إلى جنب (٤) رسول الله ﷺ . وحكم علي باليمين في الثلاثة المتداعين في الولد بعلم رسول الله صلى الله وسلم في الإقراع عليه بينهم، وغير ذلك كثير جداً، وقد ذكرناه (٥) في كتابنا (٦) ولله الحمد. وأما قولهم: " فهل كانت (٧) تحل لهم مخالفة الرسول ﷺ ، أو أن يقضوا بخلاف ما يرضاه، أو يبلغهم عنه حكم فيرغبوا عنه ويقتصروا على رأيهم

стр. 785

بعد علمهم بقوله، فإنه لا يجوز أن يقصدوا إلى خلافه ﵇ استخفافاً بأمره " هذا ما لا يظن مسلم. لكن قد صح عن الواحد بعد الواحد منهم ﵃ أنه بلغه أمر رسول الله ﷺ ، فتأول فيه تأويلاً، كما روينا في نهيه ﵇ عن الحمر الأهلية، فاختلف الصحابة ﵃ في ذلك، فقال بعضهم: إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس. وقال بعضهم: إنما حرمت لأنه لم تكن حمر (١) . وقال بعضهم: إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر. وقال بعضهم: بل حرمت ألبتة. فهذه التأويلات [١٨٣ ب] كلها لا يجوز أن تكون كلها حقاً، ولا يجوز أن يضاف إلى الله منها شيء دون شيء آخر فيها بغير نص. فمثل هذا قد يتأوله المتأول مقدراً انه الحق، وهذا ما لا يجوز قبوله ممن وهم فيه، ومثل هذا كثير جداً. وأما مدحهم الصحابة ﵁، فنحن أمدح لهم منهم، وأعرف بحقوقهم وأشد توقيراً لهم، ولكن القوم مموهون يهولون بمدح الصحابة وبإنكار خلافهم، وهم أترك الناس لأقوالهم وأشد خلافاً لهم، لا يلتفتون إلى شيء من أقوالهم، وإنما يكتبون أقوال مالك فقط. فما الذي ادخل تقليد مالك في مدح الصحابة، لو نصحوا انفسهم، وبالله تعالى التوفيق. وإذ يهولون بمدح الصحابة ﵃ ويعظمون خلافهم، فنحن نسألهم عن المسائل المأثورة في الموطأ وغيره عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، أيأخذون بها أم يتركونها لقول مالك فإن قالوا: نتركها عاد تشغيبهم عليهم، وإن قالوا: بل نأخذها كذبوا، فإن قالوا: [إن] مالكاً كان أعرف بما ترك من أين تركها، قلنا لهم: يكفيكم بهذا إقرارهم بان مالكاً أظفر بعلم خفي عن عمر، وأمكن أن نعلم نحن كثيراً خفي عن مالك ولم يعرفه، لما قد ذكرناه من النسبة والنسابة بين جميع الناس وبين مالك وبين أول الصحابة ﵃، وبالله تعالى التوفيق. ٢٠ - ثم قالوا: " فنفس هذا السائل تنازعه أن الذي عليه الأكثر والجمهور هو الهدى، وانه الطريقة المثلى، لاتفاق العلماء، وائتلاف الجماعة وتتابع العمل، واستقرار الأمر عليه. ويقوله ﵇: إن أمتي هذه لا تجتمع على ضلالة، وإن أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا من العار والشنار الذي ينبغي أن يستحيي

стр. 786

منه من له مسكة حياء وعقل، لان ما اتفقت عليه الجماعة وائتلفت فيه العلماء واستقر [١٨٤/أ] الأمر عليه، فلا خلاف فيه بين أحد من الأمة، ولا هم أولى به من غيرهم. وأما ما اختلف الناس فيهن فليس بعضهم أولى بالحق فيه من بعض، إلا من وافق قوله القرآن وسنة رسول الله ﷺ فقط، فلا أضل ولا أجهل ولا أقل حياء ممن يريد (١) رأي مالك الذي خالفه فيه غيره من العلماء بان يوجب اتباع الإجماع. وأما قولهم: إن الذي عليه الأكثر فهو الهدى والطريقة المثلى، فكلام في غاية السخف، لان الحنفيين كانوا أكثر من المالكيين أضعافاً مضاعفة، ولعلهم اليوم يوازونهم في العدد، والشافعيين أكثر منهم، فينبغي أن يتبع الأكثر، وقد قيل أهل المقالة تعد كثرتهم، فينبغي أن يعود الهدى لذلك ضلالاً. وهذا (٢) كلام مبرسم لا يرضى به [من له] مسكة عقل. وقد كان مالك وحده ثم وافقه نفر يسير ثم كثروا. وقد كان القائلون بمذهب الأوزاعي كثيراً ثم انقطعوا، وكل هذا لا معنى له. ثم يقال لهم: عن التزمتم اتباع الأكثر فإن جميع أهل الإسلام مجمعون على [أن] اتباع النبي ﷺ هو الواجب، وأنه لا يلزم اتباع أحد دونه، فلا تفارقوا هذا الإجماع فهو الحق المبين الذي من عاج عنه ضل في الدنيا والآخرة. وأما قولهم: " أصحابي (٣) كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، فحديث موضوع (٤) ، ثم لو صح لكان حجة عليهم، لأنهم يلزمهم على هذا أن لا ينكروا على أحد قال بقولة قائلها صاحب، وقد صح عن بعض الصحابة ألا غسل من الإكسال، وإباحة الدرهم من الدرهمين، وإباحة المتعة، وأكل البرد للصائم، وغير ذلك كثير لا يقولون به. وبالجملة إن القوم في هذر وعمى لا يحسنون، ولا يبالون ما يتكلمون به، والله اعلم. ٢١ - ثم قالوا: " ويخشى أن يكون غيرك ببلدة أخرى فيأتيه [أحدهم] [١٨٤ ب] ببرهان ودليل وحجة تقهره بخلاف ما قد أوضحت أنت وبينته له، فيقع في نفسه

стр. 787

أنه الحق، فينصرف إليه ويعمل بما قد رواه له وأوضحه، لحديث (١) قد صح عنده ورواه لم تطلع أنت عليه ولا أحصاه حفظك، ولا أحاط به علمك، فلا يدري بمن (٢) منكما يثق ولا بأيكما يتعلق، فيظل حيران هائماً، وكل واحد منكم يأتي بحجة وبرهان ودليل، وإذ حديث النبي ﷺ كثير متسع أكثر من أن يحاط به أو يحصى، ويدعي غيرك أن الحديث الذي ترويه أنت هو [المنسوخ والذي يرويه هو] (٣) الناسخ بأصح أسانيد ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذه طريق ضلال، ومن تلاعب الشيطان بمن أراد (٤) الله تعالى به الخذلان، ولو وجب أن لا يرجع أحد إلى ما قام به البرهان خوف أن يأتيه غيره بحجة أخرى، لما وجب أن يؤمن كافر أبداً، ولا أن يتوب مبتدع أبداً، ولا أن يرجع مخطئ إلى حقيقة أبداً، لأنه يقول اليهودي والنصراني والمجوسي والثنوي إذا أخذته الحجة، وقام عليه البرهان: كيف أرجع إليك ولعل غيرك يلقاني يوماً ما فيأتيني بحجة وبرهان ودليل يقهرني، بخلاف ما أوضحت أنت وبينت، فأرجع إليه أيضاً، وهكذا أبداً ويقول الخارجي والرافضي والمرجى والمعتزلي إذا قامت عليه الحجة، واثبت له البرهان: كيف أرجع إلى قولك، ولعل غيرك يلقاني يوماً فيأتيني بحجة وبرهان، ودليل يقهرني بذلك بخلاف ما أضحت أنت وبينت فأبقى حيران ويقول الحنفي والشافعي والحنبلي كذلك أيضاً سواء سواء، فعلى هذا القول الباطل يجب أن يبقى اليهودي على دينه ودين أبيه، والنصراني كذلك والمجوسي كذلك والثنوي يجب ان يبقى اليهودي على دينه ودين أبيه، والنصراني كذلك والمجوسي كذلك والثنوي كذلك والمعتزلي كذلك والخارجي كذلك والرافضي كذلك، فأي قول في الأرض أبعد عن الهدى من قول أدى إلى هذه الطريقة وهذا [١٨٥/أ] باب لا تنجلي الحيرة فيه عن الممتحن بها بكلام يسير، ولا بد لطالب الحقائق من أن يسمع حجة كل قائل، فإذا أظهر البرهان لزمه الانقياد والرجوع إليه، وإلا فهو فاسق. والبرهان لا يجوز أن يعارضه برهان آخر، فالحق لا يكون شيئين مختلفين ولا يمكن ذلك أصلاً، والحق مبين في الملل والديانات بموجب العقل والبراهين الراجعة إلى أول الحس والضرورة. فلا بد لمن أراد الوقوف على الحقائق من طلب العلم المؤدي إلى معرفة

стр. 788

البرهان، والحق يستبين في النحل بالرجوع إلى القرآن الذي اتفقت عليه الفرق، وإلى الإجماع المتيقن. فلا بد لمن أراد الوقوف على الحقائق في ذلك من الوقوف على ما أوجبه القرآن وصح به الإجماع. والحق يتبين فيما اختلف فيه العلماء بالرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من أحكام القرآن والسنن المسندة إلى رسول الله ﷺ ، فواجب على كل مسلم طلب ما يلزمه من ذلك والبحث عنه واعتقاده الحق إذا صح عنده، وكل هذا لا يدرك بالأماني الفاسدة ولا بالأهذار الباردة ولا بالدعاوى الكاذبة، لكن بطلب أحكام القرآن والبحث عن الحديث وضبطه والاشتغال به عما لا يجدي ولا يغني، وحسبنا الله ونعم الوكيل. [أما قولهم] : إن حديث النبي ﷺ متسع جداً أكثر من أن يحصى أو يحاط به، ويدعي غيرك أن الحديث الذي ترويه أنت منسوخ والذي يرويه هو هو [الناسخ] بأصح أسانيد - فكلام باطل؛ بل حديث النبي ﷺ محصى مضبوط مجموع مستقصى (١) ولله الحمد. ومن ادعى في حديث انه ناسخ أو منسوخ لم يصدق ألبتة إلا بأن يأتي على ما يدعيه بذلك بنص صحيح يخبر (٢) انه منسوخ، أو بإجماع صحيح يخبر انه منسوخ، أو بتقدم تاريخ مع تعذر الجمع بينهما، وكل هذا سهل ممكن لمن طلبه لا لمن قعد يهذر ويشتغل بالحديث البارد، وبالله [١٨٥ ب] تعالى التوفيق. وأما قولهم: " إذ كل ما ذكرتم مانع من الرجوع إلى ما قامت به البينة " (٣) . فالحجة (٤) عندكم فيما اعتقدتم مذهب مالك ولعل غيره أصح منه. فإن قالوا: وجدنا عليه من وثقنا به من شيوخنا. قيل لهم: وهكذا يقول أهل كل مذهب فيما هم عليه، وهكذا يقول أهل كل ملة فيما هم عليه، وهكذا يقول أهل كل نحلة فيما هم عليه: انهم كلهم وجدوا على ما هم عليه من وثقوا به، ومن لا يتهم بأنه ما جهل الحق، ولا انه قال الباطل. فحصلنا من هذا الجنون على لزوم الضلال وعلى قوله تعالى: ﴿إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ (الأحزاب: ٦٧) . ويقال لهم: لا يخلو السائل عن هذا من أن يكون ممكناً منه طلب العلم وفهمه، أو يكون

стр. 789

غبيا (١) لا يقدر على الطلب. فإن كان ممكناً منه طلب العلم، فليطلب وليبحث حتى يقف على البرهان ويعرفه. وإن كان غبياً، فليقل لمن أفتاه بشيء فيما نزل به: أهكذا أمر الله تعالى ورسوله فإن قال له: نعم، أخذ به، وإن قال: لا، أو قال له: هذا قول فلان، وذكر أحداً من دون النبي ﷺ من صاحب أو تابع أو فقيه أو سكت عنه، لم يلزمه اتباعه، وطلب عند غيره، وبالله تعالى التوفيق. ٢٢ - ثم قالوا: " ومما (٢) يحتج به عليك أيضاً أن أسماء الرجال والتورايخ تختلف في الآفاق والأسانيد، فمنها ما فيه الضعيف قوي، والقوي ضعيف، فكيف لك بالتغليب في الأحاديث المتضادة المتعارضة وقد يكون الرجال في الحديث الذي يرونه في طريق النهي، هم الذين يرونه من طريق الأمر، أو يتفرقوا فيكونوا هم ثقات لا داخل فيهم، إن غلبت أصحاب النهي، فقد كذبت (٣) أصحاب الأمر وليسوا أهلاً للتكذيب ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أن هذا لا يدرك بيانه إلا بطلب العلم والبحث، لا بالنهي والجلوس. والذي ذكروا من اختلاف التواريخ هو كما قالوا، ولكن اختلافهم [١٨٦/ أ] في الواحد يجرحه قوم ويعدله آخرون قليل جداً. والقول في ذلك أن المختلف فيه إن كان ممن اشتهرت عدالته في ضبطه، فالتعديل أولى به، حتى يأتي المجرح ببيان جرحة تسقط لها عدالته. وأما من كان مجهول الحال. فالتجريح أولى به من التعديل، لأن أصل الناس الجهل بهم والجهل منهم حتى يصح عليهم العلم (٤) بهم. وأما الأحاديث المتعارضة (٥) ، فقد بينا جملة العمل فيها في غير ما موضع من كتبنا، وبينا ذلك في أشخاص الأحاديث والحمد لله رب العالمين. ونحن نذكرها هنا جملة من ذلك كافية إن شاء الله تعالى فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إن الحديثين إذا نظرا، فإن كان أحدهما صحيح السند (٦) ، نظر: فإن كان أحدهما أقل معاني من الآخر، استعملا معاً إن كان كلاهما نهياً أو كان كلاهما أمراً، ولم يجز ترك شيء

стр. 790

منهما، أو استعملا معاً أيضاً، بأن (١) نستثني أحدهما من الآخر [إن كان أحدهما نهياً والآخر] أمراً إذ لا يجوز ترك واحد منهما للآخر. وإن لم يمكن استعمالهما ألبتة، طلب الناسخ منهما من المنسوخ. فإن عرف ببرهان لا بدعوى لكن بنص آخر يبين أن أحدهما هو الناسخ، أو بإجماع على ذلك، فالزائد، لأنه شرع وارد لا يجوز تركه، ولأنه بيقين دافع لحكم الخبر الآخر وزائد عليه، فلا يحل ترك اليقين. وهذه وجوه لا يخرج عنها خبران متعارضان أبد الأبد، والحمد لله رب العالمين. ثم نعكس عليهم هذا السؤال بعينه ونقول: إذا اختلفت الرواية عن مالك لوجهين أو ثلاثة وأربعة، وهذا كثير لهم جداً، فبأيها تأخذون أتغلبون رواية ابن القاسم فقد كذبتم ابن وهب وأشهب ومطرفاً (٢) وغيرهم، وليسوا أهلاً للتكذيب، أم كيف تفعلون فهذه هي الحيرة والضلالة حقاً، لا ما قد بينه الله تعالى وأوضحه ورفع (٣) الإشكال فيه، والحمد لله رب العالمين [١٨٦ب] . ٢٣ - ثم قالوا: " ونجد العلماء أيضاً يختلفون في التأويل ولا يتفقون، فكيف يوافقك على أن التأويل في آية كذا هو أمر كذا على ظاهر الآية وأن الآية لا تحتمل تأويلاً غير ظاهرها [وهو يجد غيرك يحدثه في تلك الآية بغير ما حدثته، بزائد فيه أو بناقص منه] " فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أن هذا كلام مختلط في قوله، فكيف يوافقنا على ان التأويل في آية كذا هو أمر كذا على ظاهر الآية وان الآية لا تحتمل تأويلاً وهذا برسام هائج لأن القول بالتأويل خلاف الأخذ بالظاهر بلا شك، وهم قد ساووا هنا بين الأمرين، ونحن لا نقول بالتأويل أصلاً إلا أن يوجب القول به نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس، ولا مزيد، وإلا فمن ادعى تأويلاً بلا برهان، فقد ادعى ما لا يصح، فدعواه باطل، ولا يحل أن يقال إن الله تعالى لم يرد بهذه الآية إلا معنى كذا، وأن الرسول ﷺ لم يرد بهذا القول إلا معنى كذا، من غير أن يأتي نص وإجماع بذلك، لأ [ن] من قال هذا من عند نفسه، فقد تقول على الله

стр. 791

تعالى وعلى رسوله ﵇ إذ لم يأت له حجة خبر عنه تعالى ولا عن نبيه ﷺ . وأما قولهم (١) : إن العلماء اختلفوا في التأويل، فنعم، وليس قول أحد منهم حجة على الآخرين منهم، والواجب رد ما تنازعوا فيه إلى ما أمر الله تعالى بالرد إليه، إذ يقول : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء: ٥٩) ونحن نعلم أن الله تعالى إذا نص على شيء فهو الذي أراد منا، ولو أراد غير ما خاطبنا به لبينه لنا بلا شك. فإذا لم يفعل، فما أراده قط؛ فمن ادعى انه أراده قط، فقد قال الباطل. والأمر في هذا أبين من الشمس لمن أراد الله به خيراً ولم يرد أن يضله. ثم نسألهم بهذا القول بعينه، فنقول لهم: قد تنازع العلماء كما قلتم في التأويل، فما الذي جعل تأويل مالك أولى من تأويل غيره، لو كان لكم اهتبال بأديانكم، ونسأل الله تعالى العصمة [١٨٧/ أ] . وأما قولهم: " وهو يجد غيرك يحدثه في تلك الآية بغير ماص: ووقع. (٢) حدثته، بزائد فيه أو بناقص منه "، فإنه إن وجد عند غيرنا حديثاً صحيحاً لم يجده عندنا أو زيادة وليس كلامنا ولا كلام غيرنا حجة على الله ولا على رسوله ﷺ ، بل كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ هو الحجة علينا وعلى كل أحد، وما ندعو إلا إليه فقط، وبالله تعالى التوفيق. ٢٤ - ثم قالوا: " ثم إنك تنهى عن النظائر والتفريع والتناتج والقياس، ثم تأتي بما هو أشد وأشنع، وذلك أنك تخالف مسائل كثيرة عما وردت واستقرت عليه وصح العمل بها، وتدعي أنت خلافها من طريق ظاهر الحجة والاتساع في اللغة والتصريف في الكلام، فتذهب إلى التشقيق والتناتج، ومن سبقك من المتقدمين العالمين بالسنة واللغة لم يكلفوا أنفسهم ما تتكلفه أنت، ولا غاصوا في المسائل، ولا أحالوها عن ما وردت عليه على حسب مفهومها ومسموعها، وتورعوا أن يقولوا: هذه مسألة فيها لأهل الكلام تصريف معان واحتجاج يؤدي إلى العقل قبول ذلك ويصوبه ".

стр. 792

فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كلام إنسان مخبول العقل يتناثر تناثر الرمل ولا يعقل (١) . فأول ذلك أنهم أنكروا نهينا عن النظائر والتفريع والتناتج والقياس، فخلط تخليطاً بجنون؛ وما نهينا قط عن التفريع والتناتج ولا عن النظائر إذا وقعت تحت نوع واحد، لكن نهينا عن القياس جملة، فجمع هؤلاء بين المختلفات جمع أهل الجهل حقاً. والتفريع هو ذكر تصاريف المسألة التي يجمعها جملة النص، كقول رسول الله ﷺ (٢) : " من زاد في صلاته أو نقص فليسلم، ثم يسجد سجدتين "؛ فنقول: من صلى ستاً أو سبعاً ساهياً فقد دخل في هذا الحديث [١٨٧ ب] ، لأنه زاد سجدة أو سجدتين أو سجدات ساهياً فقد دخل في هذا الحديث، لأنه في صلاته. وهذا كثير جداً لو جمع لقام منه جزء ضخم. والتناتج هو نحن قوله ﷺ (٣) : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام "، فانتج هذا أن المسكر حرام. وأن السيكران خمر، وأن كل نقيع العسل إذا أسكر خمر، ومثل هذا كثير جداً. والنظائر هي كقوله ﵇ (٤) : " إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة "، فكل حيضة فهي نظير تلك الحيضة في النوعية، والحكم لازم لها لزوماً، وهذا كله هو الظاهر بعينه، والنص بعينه. وأما القياس فهو غير هذاكله، وإنما هو أن يحكم لما لم يأت به النص بما جاء به النص في غيره، كحكمهم في تحريم الجوز بالجوز متفاضلاً ونسيئة، قياساً على تحريم الملح بالملح والقمح بالقمح والتمر بالتمر متفاضلاً ونسيئة، فهذا هو الباطل الذي لا يحل القول به، لأنه شرع لم يأذن به الله. وقد تقصينا الكلام في هذا كله في غير هذا المكان، ولكنا لا نفقد مهذاراً يكرر السؤال فنكرر له الجواب، إقامة لحجة الله تعالى عليه، وبالله تعالى التوفيق. ثم نعود إلى تخليطهم فنقول لهم: " إننا نأتي بما هو أشد وأشنع "، هو قول كان ينبغي لهم أن يبينوه وإلا فهو كذب وبهت. ثم ذكرتم أننا نخالف مسائل كثيرة عما وردت واستقرت عليه وصح العمل بها

стр. 793

ندعي نحن خلافها من طريق ظاهر الحجة والتصريف في اللغة والاتساع في الكلام: أي عمل هو، وعمل من هو فان كان عمل رسول الله ﷺ (١) ، فهم إذا صلوا [فليصلوا] كصلاته قاعداً بالناس في الفريضة، وكتسليمه مرتين من الصلاة، وكمسحه على العمامة، وغير ذلك كثيراً جداً. وإن كان عمل الصحابة (٢) ﵃ فقد ذكرنا فعلهم، وعمل عمر بن الخطاب ﵁ في إضعاف القيمة على رقيق [١٨٨/أ] حاطب، وعمله في حكمه بان يكون القراض مضموناً بحضرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وغير ذلك كثير. وددت لو بينوا لنا عمل من يريدون عمل قضاتهم بالأندلس وأفريقية فما جعل الله تعالى أولئك حجة على أحد، وما هم أولى باتباع عملهم من قضاة خراسان وسجستان والسند وسائر بلاد الإسلام من الحنفيين والشافعين، والله اعلم. وأما قولهم: " إن من سبقنا من المتقدمين العالمين بالسنة واللغة لم يتكلفوا قط غير طلب الحق في القرآن وسنن رسول الله ﷺ "، فغن كانوا لم يتكلفوا (٣) ذلك فبئس ما فعلوا، ولقد ظلموا أنفسهم، وبئس ما أثنى عليهم هؤلاء المخاذيل، وإن كانوا لم يغوصوا (٤) في المسائل، فما أحسنوا (٥) في ذلك، مع انهم أيضاً كذبوا عليهم، فما ندري أحداً أكثر غوصاً على ما لا يكاد يقع من المسائل منهم. وأما قولهم: " ولا أحالوها عما وردت على حسب مفهومها ومسموعها "، فهذا هو مذهبنا الذي ندعو الناس إليه، وهم لا ينكرون علينا إلا هذا بعينه، فلو عقل هؤلاء القوم ما هذروا هذا الهذر، ونعوذ بالله من الخذلان. ٢٥ - ثم قالوا: " كقولك في المصلي: إن له ان يقول عند افتتاحه الصلاة: الكبير الله أو كبير الله، والله اكبر، واحتججت فيه بكلام كثير، وأن اللفظ بالتكبير إنما جاء على العموم، فكل ما كبر به الله تعالى فهو تكبير، وأن من كبر

стр. 794

" الله أكبر " فقد خص، وكيف خص وهو لم يبلغه قط أن النبي ﷺ ، إلى من دونه من صاحب أو تابع انهم كبروا في الصلاة بما عدا " الله اكبر "، فصار عموماً عندهم إذا لم يبلغهم غيره ولا صح سواه ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أن الذي ذكروا عنا أنا قلناه هو (١) قولنا حقاً، وقد أوردنا حجتنا، ولم يأتوا بمعارضة فيها أصلاً أكثر من دعواهم انه لم يبلغهم قط عن النبي صلى الله [١٨٨ ب] عليه وسلم إلى من دونه من صاحب وتابع أنهم كبروا في الصلاة بما عدا " الله اكبر ". فيقال لهم: هبكم، لو صح ذلك عندكم، كما قلتم، لما كان لكم في ذلك حجة، إذ لم يمنع ﵇ ولا أحد من الصحابة أن يكبروا بغير " الله أكبر "، وقد أجاز أبو حنيفة ﵁ وغيره أن يفتتح الصلاة بالله أعظم. ويقال لهم: إن كان عدم البلاغ بافتتاح الصلاة بما عدا " الله أكبر " حجة عندكم، فمن أين أجزتم تنكيس الوضوء، ولم يأت قط عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، انه نكس وضوءه فأي فرق بين النقلين فجعلتم النقل الواحد حجة والآخر غير حجة. فان قالوا: الواو في آية الوضوء لا تعطي رتبة. قيل لهم: والأمر بالتكبير لا يقتضي أنه لا يكبر بغير " الله أكبر "، ولا فرق. ولا سبيل لهم من الانفكاك من هذا ألبتة، وبالله تعالى [التوفيق] . ثم يقال لهم أيضاً: هل بلغكم قط أن أحداً من الصحابة والتابعي أو تابعي التابعين قلد رجلاً واحداً دون النبي ﷺ في قوله كله، كما فعلتم أنتم بمالك فإذا لم يبلغكم ذاك، فكيف استحللتموه وقد صح النهي عن التقليد، وأمرتم باتباع القرآن والسنة فقط فكيف صار العمل عندكم " بالله أكبر " حجة، ولم يأت قط نهي عن التكبير بالله الكبير ولم يكن العمل بترك التقليد لإنسان بعينه حجة عندكم، وقد صح النهي مع هذا العمل عن التقليد لها. في هذا عجب لمن عقل، ونسأل الله تعالى التوفيق. ٢٦ - ثم قالوا: " وإنك تقول: من صلى ثماني ركعات ونسي من كل ركعة سجدة، فقد أجزأته وصلى كما أكر، وأنها (٢) صلاة تامة مجزئة عنه ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إننا هكذا قلنا، وهو الحق عند الله، وكل من قال غير هذا فمخطئ عند الله بلا شك، لان النبي صلى الله وسلم

стр. 795

[١٨٩/أ] قال: " من زاد في صلاته أو نقص فليسلم ويسجد سجدتين " (١) ، وهذا قد زاد في صلاته ساهياً قياماً وركوعاً وعمل باقي ذلك وسجد ثماني سجدات كما أمر، فهو معفو عنه بالنص ويسلم ويسجد للسهو، كما أمره رسول الله ﷺ . ولكن أخبرونا انتم: من أين قال قائلكم عن من صلى خمس ركعات ساهياً ان صلاته تامة ويسجد للسهو، وإن صلى ستاً ساهياً بطلت صلاته، لأنه زاد في صلاته مثل نصفها فيا ليت شعري من أين خرجت هذه الشريعة الجديدة وأين قال الله تعالى أو رسوله ﷺ : إن من زاد في صلاته أقل من نصفها ساهياً صحت له، وإن من زاد فيها مثل نصفها ساهياً بطلت وهل جاء بهذا قرآن أو سنة صحيحة أو سقيمة أو قول صاحب أو معقول أو قياس شيء له وجه في الصواب حاشا لله من هذا، بل القرآن والنص من السنة الثابتة والمعقول والقياس كل ذلك يكذب هذا القول الفاسد. أما القرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ (الأحزاب: ٥) ، ولم يخص تعالى خطأ من خطأ، فلا يجوز أن يخص شيئاً من ذلك إلا أن يأتي بتخصيص شيء (٢) منه نص قرآن أو سنة أو إجماع. وأما السنة فقول النبي صلى الله تعالى [عليه وسلم] : " من زاد في صلاته أو نقص "، فلم يخص ﵇ [من] يفعل شيئاً من الدين يستدركه عليه غيره برأيه الفاسد، أو يريد منا ما لا يبلغه إلينا، هذا كله ضلال فاحش ممن قاله. وأما الإجماع، فما نعلم أحداً قال بهذا القول قبل القائل به منه، فلا فرق بين زيادة ركعة أو ركعتين. فإن قالوا: مقدار النصف كثير. قيل لهم: عهدنا بكم تقولون: إن الثلث هو الكثير، قلتم ذلك في الحوائج وغير ذلك، فما الذي جعله ها هنا في حد القليل أما هذا مما ينبغي أن يرغب عن القول به كل من نصح نفسه، وبالله تعالى التوفيق. ٢٧ - ثم قالوا: [١٨٩ ب] " وكذلك تقول: إنه من نسي القراءة في الركعة الأولى ولم يذكر (٣) حتى صلى، أن صلاته فاسدة منتقضة، وأنه لم يصل كما أمر، وغيرك يقول: يلغيها ويأتي بركعة مكانها ويسجد لسهوه ويتم صلاته، والله اعلم ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كذب وجهل، وما قلنا قط ما ذكروا،

стр. 796

بل قولنا إن كبر ثم نسي القراءة في الركعة الأولى أو في ركعتين أو في أكثر، ثم ذكر، فإنه يبني على تكبيره ويأتي بما بقي في صلاته كما أمر، ثم يسجد للسهو بعد السلام كما أمره رسول الله ﷺ ، لأنه زاد في صلاته ذلك الوقوف الذي تعدى فيه. ولكن يقال لهم: أين هذا الجواب الذي أجبتم به في هذه المسألة لعلها صلاة الصبح من قولكم (١) إن من زاد في صلاته مقدار نصفها بطلت صلاته. فلم أنكرتم (٢) علينا قولنا فيمن نسي فصلى ثماني ركعات ساهياً أن صلاته تامة وهذا لا مخلص لهم منه ألبتة، والله تعالى التوفيق. ٢٨ - ثم قالوا: " وكذلك تقول أيضاً: إن من ترك حرفاً واحداً من الحمد ولو واواً ولم يقرأه ناسياً، فقد بطلت تلك الركعة، وبطلت الركعة التي تليها، لأنه لم يقرأ كما أمر، وأن عليه الرجوع من حيث ترك ويتم قراءتها، وكذلك [لا] تصح له الركعة التي ترك فيها الحرف من الحمد لله ناسياً، أرأيت لو ترك قراءة الحرف من الحمد في أول ركعة من صلاته، ولم يسقط شيئاً من ذلك في سائر صلاته التي عليه، [فعليه] على أصلك أن يأتي بركعة ولا بد وأنت قلت: إذا فسدت أول ركعة من صلاته فقد فسدت كلها، ولا يصح أن يلغي تلك الركعة ولا يعتد بها، ويبني على ما صح من الركوع بعد فساد تلك الركعة، لأنك قلت: متى بطلت ركعته الأولى فقد بطلت تكبيرة الإجرام ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق -[١٩٠/أ] أن هذا الكلام كله كذب وإفك، وما قلناه قط ولا علمنا قط بقوله، فليبينوا لنا من أين رووه (٣) لنا، أو من أخبرهم بذلك عنا من ثقات أصحابنا فلا سبيل لهم إلى أحد الوجهين أبداً، وما قلنا إلا انه إذا لم يكبر الإحرام فهذا لم يدخل بعد في الصلاة فلا صلاة له. وأما إذا كبر كما أمر ثم نسي حرفاً من أم القرآن ولم يذكر إلا في آخر صلاته وقد صلى الركعات الباقيات بأم القرآن، فإنه يعيد في الركعات التي قرأ فيها بأم القرآن ويلغي الركعة التي أسقط منها الحرف من أم القرآن، ويأتي بركعة، ثم ليسلم وليسجد للسهو، فإن [ذكر] ذلك قبل أن يقرأها من الركعة الثانية، عاد إلى الوضع الذي أسقط منه الحرف فقرأ من هنالك، وبنى وسجد للسهو بعد السلام، لأنه زاد في صلاته كما أمر رسول الله

стр. 797

صلى الله عليه وسلم. فإن كانوا ينكرون علينا هذا، وما نعرف من قولهم إلا الحق [في] قولنا ها هنا فلا عليهم، فماذا يقولون فيمن أسقط من أم القرآن ناسياً من ركعة حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً حتى نوقفهم على ألا يقرأ منها إلا حرفاً واحداً فقط ويسقط باقيها ناسياً؛ فإن فرقوا بين شيء من ذلك، تناقضوا وسخف قولهم. وإن سووا بين ذلك كله، فهو قولنا، لان قراءة جميعها فرض، وإذ هو فرض، فكل حرف منها فرض، وبعض الفرض بلا خلاف. ومن لم يأت الفرض كما أمر فلا يعتد بتلك الركعة. هذا قولنا الذي نقطع على انه الحق عند الله تعالى، لموافقته لقول النبي ﷺ (١) : " لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن "، ومن أسقط منها حرفاً ناسياً فلم يقترئ بأم القرآن. وأما من ترك منها ولو حرفاً واحداً عامداً فقد بطلت صلاته كلها، لتعمده ان يخالف فيها ما أمر به، وبالله تعالى التوفيق. ٢٩ - ثم قالوا: " وإنك مرة تتأسى بفعل النبي [١٩٠ ب] ﷺ ، ومرة تتخلف عنه، كتنفلك في العيدين في المصلى، ولم يرد بذلك أثر عن النبي ﷺ أنه تنفل، ولا خالفه أحد من الصحابة ﵃ والتابعين والعلماء المشاهير في جميع الآفاق، فكلهم اقتصروا على الائتساء به في ذلك، وخالفتهم أنت لولوعك بالاحتجاج، وليرفع الناس رءوسهم إليك. ولو سلكت طريقة من مضى لكان أجمل لك وأولى ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - هذا كلام جمعوا فيه الكذب والجهل المظلم، واستحقوا به المقت من الله تعالى. فأما الكذب والجهل، فجسرهم على دعوى الإجماع من الصحابة والتابعين المشاهير في جميع الآفاق على ترك التنفل في المصلى قبل صلاة العيدين، فلو كان لهم مسكة عقل لم يقدموا على مثل هذا، وهذا أيوب السختياني وقتادة صاحباً أنس بن مالك، يذكران أن أنس بن مالك وأبا هريرة كانا يتنفلان في المصلى قبل صلاة العيدين، وذكر أيوب انه رأى ذلك من أنس بعينه، ولا يصح عن أحد من الصحابة النهي عن ذلك إلا عن ابن مسعود وحذيفة، وبرواية (٢) ساقطة منقطعة. وصح عن ابن عمر أنه كان لا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، فقيل له: فمن تنفل في المصلى فقال كلاماً معناه: لا يضيع له ذلك عند الله تعالى. وجاء عن

стр. 798

على بن أبي طالب انه خرج إلى المصلى، فرأى الناس يتنفلون، فقيل له: ألا تنهاهم يا أمير المؤمنين فقال: ما كنت بالذي ينهى عبداً إذا صلى. ومن التابعين ممن تنفل في المصلى قبل صلاة العيدين: الحسن البصري وجابر بن زيد وغيرهما. ومن الفقهاء: الشافعي وغيره. قال: حدثنا أحمد بن محمد الخولاني (١) إجازة، حدثنا الطلمنكي (٢) إجازة قال: حدثنا ابن عون [الله] (٣) قال حدثنا ابن الأعرابي (٤) قال: حدثنا سعدان بن نصر بن منصور المخرمي (٥) قال حدثنا معاذ بن معاذ [١٩١/أ] العنبري، حدثنا سليمان التميمي، عن عبد الله الداناج (٦) قال: رأينا أبا بردة يصلي يوم العيد قبل الإمام. وبه إلى سليمان قال: رأيت أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن (٧) ، وسعيد بن أبي الحسن، وجابر بن زيد يصلون قبل الإمام في العيد. فلو سكت هؤلاء الحمير عما لا يحسنون لكان أستر لعوارهم (٨) وأخفى لعارهم. فإن قالوا: إن النبي ﷺ [لم] يتنفل قبل الصلاة بالمصلى، قلنا لهم: صدقتم، لأنه كان الإمام ﵇، وكان إقباله وتكبريه للصلاة بلا مهلة. وهكذا نقول نحن: من أتى وهو الإمام فليكن إقباله وتكبيره للصلاة معاً. وما نهى النبي ﷺ عن التنفل يوم العيد بالمصلى، ولو كان مكروهاً لما أغفله حتى يبينه له غيره بالرأي الفاسد، بل قد حض ﵇ على التنفل جملة، وهذا من التنفل ومن فعل الخير،

стр. 799

والله تعالى يقول: ﴿وافعلوا الخير﴾ (سورة الحج: ٧٧) . لكن لو أنكروا على أنفسهم البدعة المحضة والضلال الذي في أيديهم بالخطبة قبل الصلاة في العيدين ائتساء بمروان إذ يقول، وقد ذكر له أبو سعيد الخدري السنة في ذلك فقال له مروان: ذهب ما هنالك يا أبا سعيد. وتمادوا على ذلك بعد زوال أمر بني مروان اتباعاً للبدعة وثباتاً على الضلالة. فهذا كان ينبغي لهم أن ينكروا لا [تنفل] من تنفل بما لم ينه عنه. ونسألهم هل صح قط عن النبي ﷺ ، هل صام [أكثر من نصف] الدهر، أو صلى أكثر من ثلاث عشرة (١) ركعة من الليل، أو أباح أكثر من قيام ثلث الليل فلابد لهم من الإقرار بأنه لم يأت قط عنه ﵇ إلا ذلك؛ فمن أين استجازوا أن يستبيحوا خلاف أمره وفعله، فيبيحوا صوم أكثر من نصف الدهر، وقيام اكثر من ثلث الليل، وصلاة أكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولم يفعله قط ﷺ فإن قالوا: قد جاز لك عن بعض الصحابة. قيل لهم: وقد [١٩١ ب] صح تحريم ذلك عن بعضهم أيضاً، فلم أجزتم الفعل المخالف للنبي ﷺ ولأمره ولفعله وأنكرتم علينا فعلاً جماعة من الصحابة، ولم يصح النهي عن أحد منهم، ولا نهى عنه قط رسول الله ﷺ فهل هذا إلا أحموقة منهم وجهل وغباوة وأما قولهم: إننا خالفناهم لولوعنا بالاحتجاج، فقد أريناهم كذبهم، وأننا لم نخالفهم، ولكن أولعنا بالاحتجاج بالقرآن والسنن، فانه لأفضل من ولوعهم باتباع التقليد وخلاف القرآن والسنن الثابتة عن النبي ﷺ ، وإجماع الصحابة والتابعين. أما قولهم: " ليرفع الناس رءوسهم إلينا "، فكذب واضح، وما أردنا قط الترؤس على أمثالهم، ولو أردنا ذلك لسلكنا سبيلهم في التقليد، ولو فعلنا ذلك لما شقوا غبارنا في الرياسة في الدنيا، هذا ما لا يقدرون على إنكاره، فما منهم أحد يدعي انه يدانينا - ولله الحمد - في حفظ ما طلبوه، ليأكلوا به الخبز الخبيث لا الطيب، من الآراء، لو ملنا إليها أول ميلة، ولكن معاذ الله من ذلك، فما هذه الرياسة عندنا إلا نهاية الخساسة، وأما الذي نطلب الرياسة عنده، فهو الملي بقبول رغبتنا في ذلك لا إله إلا هو. وأما قولهم: " لو سلكت طريقة من مضى لكان أجمل لك " فنعم ولله الحمد، نحن السالكون طريقة من مضى من الصحابة والتابعين الذين هم الناس حقاً في اتباع

стр. 800

القرآن والسنن، ورفض التقليد والقياس، وهم الذين خالفوا من مضى في كل ذلك. فلو اتبعوا طريقة من مضى ليلموا في دينهم، وأما طريق من بعد الصحابة والتابعين من أهل التقليد والقياس، فيعيذنا الله من اتبع طريقتهم وسلوك منهجهم، ونسأل الله العافية من الخزي في ميزانهم، وله الحمد كثيراً [١٩٢/أ] على عصمته من ذلك من جميع البدع المضلة حمداً كما هو أهله. ٣٠ - ثم قالوا: " وإنك رتبت في كتبك خلاف ما رتبه الماضون المتفقون في الأحكام والشرائع في حكم ترتيب الصلوات وإرفاعها وحكم النية والوضوء، فقلت: إنه [إن] توضأ لصلاة بعينها لم يجز له أن يصلي بذلك الوضوء صلاة غيرها ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - ان هؤلاء القوم لا يستحيون من الكذب، ومن هذه صفته فقد كان الإضراب عن مجاوبته أولى، ولكن عدم العقل ممن هذه صفته يوهمه بجهله، إن أعرض عن مجاوبته، ان ذلك عجز عن البيان وإجلال لهم ومهابة منهم، فرأينا في واجب النصيحة لله تعالى وللرسول ﷺ وللقرآن وللمسلمين عامة، مجاوبتهم، مبينين لجهلهم وكذبهم، ومزيلين لهذا الظن السوء عن أنفسهم، وتعريفاً لهم بمقاديرهم، كي يرتدعوا بذلك عن مثل هذا الهوس البارد وشبهه. فأما قولهم: إننا نقول: من توضأ لصلاة بعينها لم يجز له أن يصلي بذلك الوضوء صلاة غير تلك الصلاة، فهذا قول ما قلناه قط، ولا نجده لنا ولله الحمد كثيراً في رواية أحد من ثقات أصحابنا عنا، وكيف وقولنا المشهور والذي لم نختلف فيه قط أن من تيمم لصلاة فرض أو نافلة، فإن له أن يصلي بذلك التيمم أبداً ما لم ينتقض وضوؤه بحدث من الأحداث، كالوضوء ولا فرق، أو ما لم يجد ماء، لكن لو سألوا أنفسهم في قولهم: إن من تيمم لفرض صلى به بعد الفريضة ما شاء من النوافل، وإن تيمم لنافلة لم يصل به بعدها فرضاً، لكان أولى بهم، فغن هذا لا يعقل وجهه ولا يدرى من أين وجب، ولعل الناسين رأوا لنا مسألة أخرى لم يفهموها ولا أحسنوا تأديتها من أين: إنا نقول من توضأ لصلاة بعينها ونوى أنه لا يرفع الحدث بوضوئه إلا لتلك الصلاة فقط لا لغيرها، فإنه لم يتوضأ [١٩٢ ب] كما أمر، ولا يصلي بذلك الوضوء لا تلك الصلاة ولا غيرها، إذ لم يأت بالوضوء الذي أمر الله تعالى به، فهو غير متطهر.

стр. 801

وأما قولهم: إننا رتبنا في كتبنا (١) خلاف ما رتبه (٢) الماضون المتفقون في الأحكام والشرائع، فهم الذين فعلوا ذلك، وقد نبهنا لهم عن مسائل جمة من الطهارة ومن الصلاة خالفوا فيها الصحابة الذين لا يعرف لهم مخالف فيها، والكتاب حاضر لا يمتنع عليهم رؤيته، ففي ذلك فلينتظروا إن قدروا، وهي أربع عشرة (٣) مسألة من الطهارة وخمس وثلاثون مسألة من الصلاة، من جملتها مسائل خالفوا فيها الإجماع المتيقن، كصلاة النبي ﷺ قاعداً بالناس، وغير ذلك كثيراً جداً مما قد بيناه في كتبنا، وأما خلافنا كتبهم فنعم، ما نعتذر من ذلك، وبالله تعالى التوفيق. ٣١ - ثم قالوا: " إنك (٤) قلت: إن تارك الصلاة عمداً حتى يخرج وقتها انه لا قضاء عليه فيما قد خرج وقته ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أننا هكذا نقول، وهو الحق الراجح الذي لا يحل خلافه، ولنا في هذه المسألة كتاب مفرد مشهور. وجملة الأمر أن إعادة الصلاة في غير وقتها إيجاب شرع، والشرائع لا يوجبها إلا الله والنبي ﷺ عن الله تعالى، لا من سواهما، ورسول الله ﷺ قد تبين أوقات الصلوات، أوائلها وأواخرها، وأخبر بانقطاع أوقاتها، ولم يأمر بإعادة، وما كان ربك نسياً، ولو أراد تمادي أوقاتها لما عجز عن ذلك، ولا يجوز ان يكون حكم وعمل في غير وقته، وما عمل في غير وقته فهو غير العمل الذي أمر الله تعالى به. وهذا قول ابن عمر وابن مسعود وسلمان وغيرهم، لا يعرف لهم من الصحابة مخالف في ذلك. ومن عجائب الدنيا أن يفرض (٥) الله تعالى الصلاة في وقت محدود، فيقول هؤلاء المخاذيل: إن من تعمد لا يؤديها [١٩٣/أ] ثم صلى في غير الوقت، فقد أطاع وعمل ما أمر به. وهذا هو الكذب البحت، وقد قال الله تعالى: ﴿فويل للمصلين الين هم عن صلاتهم ساهون﴾ (الماعون: ٥) ، فأثبت الله تعالى انهم يصلونها، وأنهم يسهون عنها، وأوجب لهم الويل، ومن صلى كما أمر فما له الويل، بل له السعد فصح ان من له الويل على ما صلى فلم يصل ولا صلاة له (٦) ، وهذا في غاية الوضوح

стр. 802

لمن أراد الله به خيراً. ٣٢ - ثم قالوا: " وقلت: عن الذي يأبى أن يصليها وهو يقر ان صلاتها فرض عليه لا قتل عليه، [قالوا] وقد قال الله على يتوب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (التوبة: ٥) . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إننا هكذا نقول، لأن رسول الله [ ﷺ ] قال من رواية ابن مسعود وعائشة وعثمان ﵃ (١) : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو نفس بنفس " ولا يحل قتل مسلم بغير هذه الثلاث إلا أن يأتي نص بقتله في قتله بصفته، فيضاف إلى هذا الحكم. ولم يأت نص بقتل تارك الصلاة حتى يخرج وقتها وهو يقر بفرضها، والعجب كل العجب من قولهم بقتل الممتنع من الصلاة إذا خرج وقتها وهي عندهم تجزئة متى صلاها أبداً. فلم خصوا خروج الوقت بقتله ووقتها باق في قولهم الفاسد أبداً فهل في التخليط أكثر من هذا وأما الآية التي ذكروا فلا حجة فيها، لان الله تعالى يقول فيها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (التوبة: ٥) فإنما أمر الله تعالى بقتل المشركين لا بقتل المسلمين، فمن أسلم فليس مشركاً، وإذ ليس مشركاً فقد حرم قتله. فإن أبوا التعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ، قيل لهم: ليس مراد الله تعالى ما ظننتم. برهان ذلك إجماع الأمة كلها، أولها عن آخرها وأنتم في الجملة، على أن امرءاً لو أسلم [١٩٣ب] مع طلوع الشمس فأنه يخلى سبيله ولا يثقف حتى يأتي الظهر ولا حتى يحول الحول على ماله فيزكي عليه، هذا ما لم يقله مسلم قط. ولو أسلمت نفساء أو حائض، فلا خلاف من أحد من الأمة كلها أنها يخلى سبيلها ولا يثقف حتى تطهر فتصلي؛ وصح بهذا يقيننا ان مراد الله تعالى بقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ، إنما هو الإقرار بان الصلاة فرض، ولو كان ما ظنوه لوجب ألا نخلي سبيل من أسلم حتى يأتي وقت الصلاة فيصلي وحتى يحول عليه الحول كاملاً (٢)

стр. 803

فيزكي، فحينئذ يطلق ويخلى سبيله. ومن قال هذا فقد خرج عن الإسلام بخرقه الإجماع. ثم. نسألهم عن المقر بفرض الصلاة وهو يقول: لا أصلي، أكافر هو أو مؤمن فإن قالوا: كافر، وهم لا يقولون هذا، لزمهم ألا يورثوا منه ورثته المسلمين ولا يدفنوه في مقابرهم ولا تنفذ وصيته. ثم نسألهم، فإن قالوا: بل هو مسلم، فقد حرم الله دماء المسلمين إلا بحقها، وقد بين الله تعالى حقها، ولم يبين في جملة ذلك من قال: لا أصلي، وهذا القول منهم لم يأت بد قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر، فهو فاسد مقطوع على فساده، واستحلال لدم مسلم بالباطل وبالرأي الفاسد. وأما نحن فنقول: إنه أتى منكراً، وقد أمر رسول الله ﷺ (١) : من رأى منكم منكراً أن يغيره بيده، فنحن نضربه (٢) أبداً حتى يصلي أو يموت، غير قاصدين إلى قتله، وهكذا نفعل بكل من أتى منكراً حتى يتركه، وبالله تعالى التوفيق. ٣٣ - ثم قالوا: وقلت: " إن للمصلي أن يصلي ظهراً خلف من يصلي عصراً ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - أننا هكذا قلنا، وهو الحق الذي من خالفه أخطأ بيقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (البقرة: ٢٨٦) ، ويقول: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ (النساء: ٨٤) ، وقال تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾ (المائدة: ١٠٥) ، وقال رسول الله صلى الله عليه [١٩٤/أ] [وسلم] (٣) : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى - ولكل مصل ما نوى ونيته. وما أوجب قط رسول الله ﷺ ان تتفق نية الإمام مع نية المأموم، بل قد أباح الله تعالى اختلاف نياتهم بيقين. وقد صلى رسول الله ﷺ صلاة بقوم ثم سلم، ثم صلى بآخرين تلك الصلاة بعينها، فهي له ﵇ تطوع ولهم فرض، وقد فعل ذلك معاذ بعلمه، وهذا مما خالفوا فيه السنة وجميع الصحابة أولهم عن آخرهم بآرائهم الفاسدة. والعجب انهم يأمرون من صلى الفرض عندهم ووجد

стр. 804

إماماً يصلي بجماعة أن يصلي معه إن شاء، فهي له نافلة، وللإمام فريضة. فليت شعري أي فرق بين أن يصلي المرء نافلة خلف من يصلي فريضة، وبين أن يصلي فريضة خلف من يصلي نافلة أو ظهراً خلف من يصلي عصراً فإن قالوا: لا ندري أي صلاة هي الفرض، أتوا بالمحال الظاهر، لأنهم لا يجيزون على هذا ان يصلي مع الجماعة إلا أن يشاء، وهذه صفة النافلة بلا شك لا صفة الفرض، مع انه لا يحل لمسلم ان يصلي في يوم واحد صلاتين بنية أيهما ظهر ذلك اليوم، هذا ما لا يقوله مسلم، فهو إذا صلى الأولى بنية الظهر فقد أدى فرضه، لا يحل له ذلك في الثانية بوجه من الوجوه، لأنه يزيد في الدين شرعاً لا يحل له زيادته، وبالله تعالى التوفيق. ٣٤ - ثم قالوا: " وإنك استحسنت قول ابن عمر، وجعلت قوله حجة (١) في القصر في قوله: لو سافرت ميلاً لقصرت، وهل قوله حجة تلزم المسافر الموقوف عند قوله، وهل قوله وقول غيره إلا سواء ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - قد كذبوا علينا في دعواهم أنا استحسنا قول ابن عمر في هذا، وأنا جعلنا قوله حجة، ومعاذ الله من ذلك، ومن أن يكون قول أحد غيره (٢) حجة بعد رسول الله صلى [١٩٤ب] الله عليه وسلم. وما جعلنا الحجة في ذلك إلا ما صح عن النبي ﷺ من رواية عمر بن الخطاب وأم المؤمنين عائشة (٣) وابن عباس ﵃: من أن صلاة السفر ركعتان (٤) ، ولم يخص الله تعالى سفراً من سفر، ولا رسوله ﷺ ، ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (مريم: ٦٤) ولم نجد أحداً يقصر في أقل من ميل، ووجدنا عمر بن الخطاب وغيره يقصرون في هذا القدر، فقلنا باتباع السنة في ذلك لا باتباع ابن عمر في ذلك. ولكن بهذا أنكروا على أنفسهم تقليد ابن عمر من بين الصحابة في المنع من المسح على العمامة، وقد خالفه في ذلك جمهور الصحابة، هنالك كان فعل ابن عمر حجة، وهذا هو الضلال بعينه والتخليط والتحكيم في الدين بالرأي الفاسد. وكذلك تقليدهم

стр. 805

مالكاً في أن لا قصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلاً بغير أن يعضد قوله هذا قرآن، ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس، ولا نظر، ولا احتياط، ولا رأي يصح، بل خذلهم مالك في هذه المسألة بعينها، فروى عنه أشهب أن القصر جائز في أربعين ميلاً، وروى عنه ابن الماجشون في " المبسوط " (١) لإسماعيل أن القصر جائز في أربعين ميلاً، وروى عنه إسماعيل بن أبي أويس ابن عمه وابن اخته (٢) أن القصر جائز في ستة وثلاثين ميلاً، وأنه بلغه ذلك عن ابن عباس وابن عمر، فقد أسلمهم صاحبهم في هذه المسألة وتبرأ من تقليدهم، وبالله تعالى التوفيق. وما علم قط ذو حس سليم فرقاً بين ثمانية وأربعين ميلاً وبين سبعة وأربعين ميلاً ولا بين ستة وثلاثين ميلاً وخمسة وثلاثين ميلاً وأربعين ميلاً، وكل هذا لا معنىً له، ولا يتشاغل به ناصح لنفسه أصلاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ٣٥ - ثم قالوا: " وقلت في الحد على قاذف الصبية دون البلوغ: إنما لزمه الحد للكذب وغيرها عندي [١٩٥/ أ] سواء ". فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إننا هكذا نقول، لأن الله تعالى يقول: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (النور: ٤) ، والصغيرة محصنة بالإسلام وبالحرية، وبعدم الزنا منها جملة بيقين الكذب عليها، وقلنا: العجب كله ممن يوجب الحد بالشك في كذبه ولعله صدق، ثم يسقط الحد بيقين الكذب، وإنما كان ينبغي لهم أن يعجبوا من قياسهم حد القذف والزنا على قذف آخر بفعل قوم لوط، وبين قاذف بالكفر أو ببعض الكبائر من الزنا وأكل لحم الخنزير وغير ذلك، فمن أين خصوا من رمى آخر بفعل قوم لوط بالحدود دون من رماه بالكفر أو بالعقوق أو بشرب الخمر، وهم لا يقولون إن فعل قوم لوط زنا ولا حده عندهم حد الزنا، فمن هذا ينبغي أن يعجب، لا ممن تعلق بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . إلى ها هنا انتهى ما رسموا من السخف، وقد أوضحنا أنه كله عائد عليهم، وهم قوم كادونا من طريق المغالبة وإثارة العامة، فأركس الله تعالى جدودهم، وأضرع خدودهم، وله الحمد كثيراً، وخابوا في ذلك فعادوا إلى المطالبة عند السلطان، وكتبوا

стр. 806

الكتب الكاذبة، فخيب [الله] سعيهم، وأبطل بغيهم، وله الشكر واصباً، وخسئوا في ذلك فعادوا إلى المطالبة عند أمثالهم، فكتبوا الكتب السخيفة إلى مثل ابن زياد (١) بدانية وعبد الحق (٢) بصقلية، فأضاع كيدهم وفل أيدهم، وله المن كثيراً والفضل، فخزوا في ذلك، ولم يبق لهم وجه إلا مثل هذه السخافة، فرموا سهمهم الضعيف، فأظهر الله في ذلك عوارهم وأبدى عارهم، وهو أهل الطول والمنة علينا أبداً، فعاد جدهم حسيراً، وحدهم كسيراً، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليماً كثيراً، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.

стр. 807

٣ - رسالة في الرد على الهاتف من بعد .

стр. 808

فراغ

стр. 809

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله - ٣ - رسالة في الرد على الهاتف من بعد بسم الله الرحمن الرحيم: من علي بن أحمد إلى الهاتف من بعد دون أن يسمى أو (١) يعرف (٢) : الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد خاتم النبيين، وعلى ملائكة الله المقربين وأنبيائه المرسلين (٣) ، ثم السلام على أهل الإسلام، فإن كنت منهم أيها المخاطب فقد شملك ما عمهم، وإن لم تكن منهم فلست أهلاً للسلام عليك. أما بعد: فإن كتابين وردا علي لم يكتب كاتبهما اسمه فيهما، فكانا كالشيء المسروق المجحود، وكابن الغية المنبوذ، كلاهما تتهاداه الروامس، بالسهب الطوامس، فاجبنا عن الأول بما اقتضاه سفه كاتبه، وهذا جوابنا عن الثاني. ١ - أما استعاذته بالله من سوء ما ابتلانا الله به - فيما زعم - من الطعن على سادة المسلمين، وأعلام المؤمنين، وقذفنا لهم بالجهل، والقول في دين الله تعالى بما لم يأذن الله به، فليعلم الكذاب المستتر باسمه، استتار الهرة بما يخرج منها، انه استعاذ بالله تعالى من معدوم؛ حاشا لله أن يكون منا طعن على أحد من أعلام المؤمنين وسادة المسلمين، أو أن نقذفهم بالجهل، أو أن نقول في دين الله بما لم يأذن به الله، وإنما وصمنا (٤) بذلك جسارة وحيفا فيما (٥) نسب، وصم جيل (٦) معرضين عن القرآن والسنن، متدينين بالرأي والتقليد، لا يعرفون غيره، مخالفين لكل إمام سلف أو خلف.

стр. 810

وأما من كان مجتهداً مأجوراً أجرا أو أجرين فليس ممن يهمل لسانه ويطلق كلامه، بما ضرره عليه عائد في الدنيا والآخرة. ٢ - ثم قال: " فلم تقنع (١) بهذا المقدار في من هو في عصرنا، ومن كان قبل ذلك من علماء المسلمين، حتى تخطيت إلى أصحاب نبيك محمد، ﷺ ، وقلت إنهم ابتدعوا من الرأي ما لم يأذن به الله تعالى لهم، وأحدثوا بعد موت نبيهم ﷺ ما لا يجوز ". قال علي: فاعلم أيها السافل أنك قد كذبت، وما يعجز أحد عن الكذب إذا (٢) لم يردعه عن ذلك دين أو حياء. معاذ الله من أن ننسب إلى الصحابة شيئاً مما ذكرت، فكيف هذا ونحن نحمد (٣) الله تعالى على ما من به علينا من الجري (٤) على سنتهم: من ترك التقليد ورفض القياس واتباع القرآن والسنن، وإنما الواصف لهم بما ذكرت من راء أن أقوالهم لا ينبغي أن تكتب، وفتاويهم لا يجب أن تطلب، وانهم كلهم أخطأوا إلا فيما وافق تقليده فقط، فهذا هو الذي لا يقدر أحد على إنكاره من فعلكم لشدة اشتهاره، والحمد لله رب العالمين. ٣ - ثم قال: " فليت شعري إذا كان ذلك كذلك عندك، فسنن النبي، ﷺ : نقل من تقبل (٥) فيها " قال علي: فقد قلنا لك إنك تكذب فيما نسبت إلينا، ونحن نقبل ديننا عن الصحابة، ﵃، وهم حجتنا فيما نقلوه إلينا، وفيما أجمعوا عليه وإن لم ينقلوه مسنداً، ثم عن التابعين، وأفاضل الرواة، وهكذا عمن بعدهم من المحدثين، فعن هؤلاء نأخذ ديننا، ونقبل سنتنا. ولكن، أيها الجاهل، أما أنت وضرباؤك فقد استغنيتم عن القرآن، واكتفيتم بالتقليد عن سنن رسول الله ﷺ ، فما تتعنون (٦) في نقل سنة، ولا تشتغلون بحكم آية، وهذا أمر لا تقدرون (٧) على جحوده؛ فليت شعري، من إمامكم في هذه الطامة وعن من
следующие страницы →