الكتب الكاذبة، فخيب [الله] سعيهم، وأبطل بغيهم، وله الشكر واصباً، وخسئوا في ذلك فعادوا إلى المطالبة عند أمثالهم، فكتبوا الكتب السخيفة إلى مثل ابن زياد (١) بدانية وعبد الحق (٢) بصقلية، فأضاع كيدهم وفل أيدهم، وله المن كثيراً والفضل، فخزوا في ذلك، ولم يبق لهم وجه إلا مثل هذه السخافة، فرموا سهمهم الضعيف، فأظهر الله في ذلك عوارهم وأبدى عارهم، وهو أهل الطول والمنة علينا أبداً، فعاد جدهم حسيراً، وحدهم كسيراً، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليماً كثيراً، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
стр. 807
٣ - رسالة في الرد على الهاتف من بعد .
стр. 808
فراغ
стр. 809
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
- ٣ -
رسالة في الرد على الهاتف من بعد
بسم الله الرحمن الرحيم: من علي بن أحمد إلى الهاتف من بعد دون أن يسمى أو (١) يعرف (٢) :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد خاتم النبيين، وعلى ملائكة الله المقربين وأنبيائه المرسلين (٣) ، ثم السلام على أهل الإسلام، فإن كنت منهم أيها المخاطب فقد شملك ما عمهم، وإن لم تكن منهم فلست أهلاً للسلام عليك.
أما بعد: فإن كتابين وردا علي لم يكتب كاتبهما اسمه فيهما، فكانا كالشيء المسروق المجحود، وكابن الغية المنبوذ، كلاهما تتهاداه الروامس، بالسهب الطوامس، فاجبنا عن الأول بما اقتضاه سفه كاتبه، وهذا جوابنا عن الثاني.
١ - أما استعاذته بالله من سوء ما ابتلانا الله به - فيما زعم - من الطعن على سادة المسلمين، وأعلام المؤمنين، وقذفنا لهم بالجهل، والقول في دين الله تعالى بما لم يأذن الله به، فليعلم الكذاب المستتر باسمه، استتار الهرة بما يخرج منها، انه استعاذ بالله تعالى من معدوم؛ حاشا لله أن يكون منا طعن على أحد من أعلام المؤمنين وسادة المسلمين، أو أن نقذفهم بالجهل، أو أن نقول في دين الله بما لم يأذن به الله، وإنما وصمنا (٤) بذلك جسارة وحيفا فيما (٥) نسب، وصم جيل (٦) معرضين عن القرآن والسنن، متدينين بالرأي والتقليد، لا يعرفون غيره، مخالفين لكل إمام سلف أو خلف.
стр. 810
وأما من كان مجتهداً مأجوراً أجرا أو أجرين فليس ممن يهمل لسانه ويطلق كلامه، بما ضرره عليه عائد في الدنيا والآخرة.
٢ - ثم قال: " فلم تقنع (١) بهذا المقدار في من هو في عصرنا، ومن كان قبل ذلك من علماء المسلمين، حتى تخطيت إلى أصحاب نبيك محمد، ﷺ ، وقلت إنهم ابتدعوا من الرأي ما لم يأذن به الله تعالى لهم، وأحدثوا بعد موت نبيهم ﷺ ما لا يجوز ".
قال علي: فاعلم أيها السافل أنك قد كذبت، وما يعجز أحد عن الكذب إذا (٢) لم يردعه عن ذلك دين أو حياء. معاذ الله من أن ننسب إلى الصحابة شيئاً مما ذكرت، فكيف هذا ونحن نحمد (٣) الله تعالى على ما من به علينا من الجري (٤) على سنتهم: من ترك التقليد ورفض القياس واتباع القرآن والسنن، وإنما الواصف لهم بما ذكرت من راء أن أقوالهم لا ينبغي أن تكتب، وفتاويهم لا يجب أن تطلب، وانهم كلهم أخطأوا إلا فيما وافق تقليده فقط، فهذا هو الذي لا يقدر أحد على إنكاره من فعلكم لشدة اشتهاره، والحمد لله رب العالمين.
٣ - ثم قال: " فليت شعري إذا كان ذلك كذلك عندك، فسنن النبي، ﷺ : نقل من تقبل (٥) فيها "
قال علي: فقد قلنا لك إنك تكذب فيما نسبت إلينا، ونحن نقبل ديننا عن الصحابة، ﵃، وهم حجتنا فيما نقلوه إلينا، وفيما أجمعوا عليه وإن لم ينقلوه مسنداً، ثم عن التابعين، وأفاضل الرواة، وهكذا عمن بعدهم من المحدثين، فعن هؤلاء نأخذ ديننا، ونقبل سنتنا. ولكن، أيها الجاهل، أما أنت وضرباؤك فقد استغنيتم عن القرآن، واكتفيتم بالتقليد عن سنن رسول الله ﷺ ، فما تتعنون (٦) في نقل سنة، ولا تشتغلون بحكم آية، وهذا أمر لا تقدرون (٧) على جحوده؛ فليت شعري، من إمامكم في هذه الطامة وعن من
стр. 811
بلغكم انه قال: استغنوا بالرأي عن القرآن، ومعاذ الله أن يقول هذا أحد من المسلمين لا سالف ولا خالف؛ وأما نحن فلا نفني ليلنا ونهارنا، ولا نقطع أعمارنا ولله الحمد كثيراً، إلا بتقييد أحكام القرآن، وضبط آثار رسول الله ﷺ ، ومعرفة أقوال الصحابة، رضى الله عنهم، والتباعين والفقهاء مكن بعدهم - رحمة الله على جميعهم - لا تقدر على إنكار ذلك، وإن رغم انفك، ونضجت كبدك غيظاً. وطريقتنا هذه هي طريقة علماء الأمة دون خلاف من أحد منهم.
٤ - ثم قال: " أنائم أنت أيها الرجل بل مفتون جاهل [أو متجاهل] ".
قال علي: فما نحن، ولله الحمد، إلا أيقاظ إذا استيقظنا، ونيام إذا نمنا. وأما الفتنة فقد أعاذنا الله منها، وله الشكر واصباً، لأننا لا نتعصب (١) لواحد من الفقهاء على آخر، ولا نثبت إلى أحد دون رسول الله، ﷺ ، ولا نتخذ دون الله ولا رسوله، ﷺ ، وليجة، وكيف لا نقطع بذلك وقد وفقنا الله تعالى لملة الإسلام، ثم لنحلة أهل السنة أصحاب الحديث، ثم يسرنا لاتباع القرآن وسنن رسول الله، ﷺ ، وإجماع المسلمين، إذ أحدثت وضرباءك سبيل الرأي والتقليد، وأضربت عن القرآن والسنة. فأنت المفتون الجاهل حقاً، إذ تنكر على من اتبع القرآن والسنة وإجماع الأمة. وهذه هي الحقائق التي يقطع كل مسلم على أنها الحق عند الله ، وأما وصفك لنا بالجهل، فلعمري إننا لنجهل كثيراً مما علمه غيرنا، وهكذا الناس، وفوق كل ذي علم عليم.
وأما قولك " متجاهل " فلعلها صفتك، إذ قامت حجة الله عليك، وأعرضت عنها لعمى قلبك، فنعوذ بالله مما ابتلاك به، ونسأله الثبات على ما أنعم به علينا من الحق.
٥ - ثم قال: " [ومثلك] قد انطوى على خبث سريرة وأبدى بلفظه ما يجنه ويستره " (٢) .
قال علي: فنحن نقول: لعن الله الخبيث السريرة، وإنما يعلم السرائر خالقها والمطلع عليها تعالى ثم الذي يسرها لكن ظاهره مبد عن باطنه. فمن أعلن باتباع كلام الله ، والسنن المأثورة عن رسول الله ﷺ ، وإجماع المسلمين،
стр. 812
فذلك دليل على طيب سريرته، ومن اعرض عن القرآن والسنن وعادى (١) أهلها واتكل على التقليد، وخالف الإجماع، فهذا برهان على خبث سريرته وفساد بصيرته، ونعوذ بالله من الخذلان.
٦ - ثم قال: وما أرى هذه الأمور إلا (٢) من تعويلك على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب إقليدس والمجسطي، وغيرهم من الملحدين.
قال علي: فنقول، وبالله تعالى التوفيق: اخبرنا (٣) عن هذه الكتب من المنطق واقليدس والمجسطي: أطالعتها أيها الهاذر أم لم تطالعها فإن كنت طالعتها، فلم تنكر على من طالعها كما طالعتها أنت وهلا أنكرت ذلك على نفسك وأخبرنا ما الإلحاد الذي وجدت فيها، إن كنت وقفت على مواضعه منها. وإن كنت لم تطالعها، فكيف تنكر ما لا يعرف أما سمعت قول الله ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦) وقوله تعالى ﴿وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ (النور: ١٥) ولك قلة اشتغالك بالقرآن وعهوده تعالى فيه، سهل عليك مثل هذا وشبهه. ولو كان لك عقل تخاف به الشهرة (٤) ، لم تتكلم في كتب لم تدر ما فيها.
٧ - ثم خرج إلى السفه الذي هو أهله فقال: " واعلم أن صورتك عندنا انك جمعت ثلاثة أشياء: قلة الدين، وضعف العقل، وقلة التمييز والتحصيل ".
قال علي: فليعلم هذا الجاهل السخيف وأشباهه أن هذه الصورة عندهم (٥) لا عندنا، وان ذمهم زين لمن ذموه، ومدحهم غضاضة على من مدحوه لأنهم لا ينطقون عن حقيقة، وإنما هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. فليقل بعد ما شاء، لكن نحن نوضح إن شاء الله تعالى [أن] هذه الصفات التي ذكر هي صفات كاتب الصحيفة الخاسئة (٦) . أما قلة دينه: فاعتراضه بالجهل على القرآن، وأما ضعف عقله: فكلامه فيما لا يحسن، وأما قلة تمييزه وتحصيله: فتهديده من لا يحفل به.
стр. 813
عوى ليروع البدرا (١) ... وما كلب وإن نبحا ٨ - ثم قال: " أما قلة دينك فلما أظهرته من الطعن على الصحابة، وتخطئتك (٢) لهم وتسفيهك لآرائهم ".
قال علي: فقد كذب هذا ومضى جوابه وأنه هو الطاعن عليهم، المخطئ لهم، المسفه لآرائهم، ببرهان لا إشكال فيه؛ وأنه تارك لجميعهم إلا ما وافق تقليده، فأي طعن على الصحابة، ﵃، أعظم من هذا! وأما تسفيهه لآرائهم، فهو يعلم من نفسه، وغيره يعلم منه، أن رأيهم كلهم عنده في نصاب من لا يلتفت إليه ولا يعتد به في العلم، إلا رأي من قلده دينه. فأي سفه أكثر من هذا وأي تخطئة لهم تفوقه (٣)
٩ - ثم قال: " وأما ضعف عقلك، فلما ظننته بنفسك من انك قمت بإظهار الحق وبيانه، وأنه قد صح لك منه ما لم يصح لصحابة نبيك، ﷺ ، ولا اهتدوا إليه ".
قال علي: فلو علم هذا المجنون الفاسق، أن هذه صفته وصفة أمثاله لأعول على نفسه. فأول ذلك كذبه علينا أننا ندعي انه قد صح لنا من الحق ما [لم] يصح لصحابة نبينا محمد ﷺ ، ولا اهتدوا إليه. وكيف هذا ولا نقول بغير السنن التي نقلوها إلينا، وعرفوا بها، ولا نتعداها. فكيف يصح لنا ما لم يصح لهم وليس عندنا شيء من الدين إلا من قبلهم ونقلهم فقد صح كذبه جهاراً. وأما الصفة التي ذكر فصفته لأنه سلك تقليد مالك، ولا يختلف اثنان أنه لم يكن قط في أصحابه، ﵃، مقلد لأحد، ولا موافق لجميع قول مالك حتى لا يحل عنه خلاف لشيء منها، فقد صح يقيناً أن هذا الجاهل، كاتب تلك الصحيفة، هو الذي يظن نفسه انه وقع من التقليد على علم غاب عن جميع الأمة، فهو العديم العقل حقاً، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله الهدى والتوفيق.
١٠ - ثم قال: " وأنت إنما نبغت في آخر الزمان وفي ذنب الدنيا، بعد البعد عن
стр. 814
القرون الممدوحة (١) ، في وقت قلة العلم وكثرة الجهل، فهذا عند (٢) كل عاقل من فساد حسك ونقصان عقلك ".
قال علي: فأما قوله إننا في آخر الزمان، فنعم، وفي ذنب الدنيا والبعد عن القرون الممدوحة، وفي وقت العلم وكثرة الجهل. ولكن الله تعالى، وله الحمد، علمنا من فضله كثيراً، ويسرنا لسلوك طريق الصحابة والتابعين وأهل القرون الممدوحة، ثم من بعدهم لأئمة المسلمين وأعلام المحدثين، إذ صرف قلبك عنهم، ووفقنا لاتباعهم والتمسك بطريقتهم إذ أعماك عن ذلك، وهدانا إلى طلب السنة إذ أضلك عنها (٣) ، فله الحمد كثيراً. وقد صح عن رسول الله ﷺ انه قال: " عن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً، طوبى للغرباء (٤) ". ولله الحمد [على ما وهب] (٥) من قوة (٦) الحس وتمام التمييز؛ ومن ضعف حسك وعدم عقلك، إعراضك عن ما أمر الله به من اتباع ما أتاك به رسول الله ﷺ ، وأقبلت على ما نهاك عنه [من] التقليد.
١١ - ثم قال: " وأما ضعف تمييزك وتحصيلك فظاهر في تناقضك. وذلك أنك تنهى غعن تقليد الصحابة فمن دونهم وتحث أتباعك على تقليدك، والتعويل على تواليفك، وتذم القول بالرأي، وأنت تفتي في دين الله ، بما لم يرد بيانه في كتاب الله، ولا على لسان رسول الله، ﷺ ".
قال علي: فليعلم هذا الجاهل أنه كاذب (٧) في أكثر ما ذكر: أما نهينا عن تقليد الصحابة فمن دونهم، فأمر لا ننكره، ونحن في ذلك موافقون لجميعهم في نهيم عن ذلك بلا خلاف. أينكر هذا السائل أمراً قد صح به إجماع الأمة كلها وهلا أنكر هذا على مالك إذ لا يختلف أحد أن قوله: لا يقلد لا صاحب ولا من دونه وأما قوله إننا نحض أتباعنا على تقليدنا فقد كذب صراحاً بواحاً (٨) ، وما نحض
стр. 815
أصحابنا وغيرهم، ولا نملأ كتبنا إلا بالأمر باتباع القرآن وسنن النبي ﷺ وإجماع الامة، ومطالعة أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من العلماء، وعرضها (١) على كلام الله ، وكلام نبيه محمد ﷺ ، فلأيها شهدا (٢) قلناه.
وأما دعواه (٣) بأننا في القرآن والسنة، فقد كذب جهاراً علانية، نفتي في كتبنا بما ليس في القرآن والسنة، فقد كذب جهاراً علانية، وكتبنا حاضرة ومشهورة، ظاهرة منشورة، ما فيها كلمة مما يقول، والحمد لله رب العاملين كثيراً. ولو تفكر هذا الجاهل فيمن هو المفتي بما ذكر لسخنت عينه، ولعظمت مصيبته، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١٢ - ثم قال: فانتبه أيها الجاهل، واعرف منزلتك، فإنك جاهل بمقدار نفسك.
قال علي: فلو أوصى نفسه بهذه الوصاة (٤) أو قبلها لوفق، فهي والله صفته يقيناً.
١٣ - ثم قال: " وحالك عند أهل التحصيل على وجهين: أحدهما ضعف العقل وقلة التمييز، والثاني خبث السريرة وقصد التمويه والتطرق إلى أسباب قد تريدها، والله تعالى بالمرصاد، وعالم سرائر العباد ".
قال علي: فليعلم هذا أن هذه هي صفاته، وأما تشنيعه بما ذكر فمنزلة نهيق ناهق وعواء عاو (٥) ، ولن يعدم على ذلك خزياً من الله عاجلاً وآجلاً، ومقتاً من عباده عوداً وبدءاً (٦) ، والله حسيب كل ظالم.
١٤ - وأما قوله: " لئن (٧) لم تنتبه من رقدتك، وتستيقظ من غفلتك، وتبادر إلى التوبة من عظيم ما افتريت، فسيرد فيك، وفيمن يقصدك ويترك أن يقيم فيك
стр. 816
حق الله، من أجوبة أهل العلم في أقطار الأرض ما ستعلمه (١) ، وأرجو أن يريح الله منك العباد والبلاد دون ذلك، أو يصلحك إن كان قد سبق في علمه ذلك. ولتعلمن أيها الإنسان، نبأه بعد حين ".
فنقول له: أيها المخذول عماذا نتوب عن اتباع القرآن وسنن رسول الله ﷺ وإجماع الأمة واتباع جميع الصحابة ﵃، وسلوك سبيل كل عالم في الأرض من المؤمنين فمعاذ الله من التوبة من هذا. وإلى ماذا نرجع إلى رأي مخلوق لا يغني عنا من الله شيئاً وتقليده حاشا الله من ذلك. ولعمري لئن نصحت نفسك ونظرت لها، لترجعن إلى ما دعوناك إليه من اتباع القرآن والسنة وإجماع الامة، وإلا فسترد وتعلم.
وقد استتبنا اللعين المريد المرتد (٢) المتوجه إليكم بهذه الأكذوبات المفتراة، والفضائح المفتعلة، وهو ابن البارية، ولقينا (٣) العتقي الذي حمق من حمق منكم، ونحن نرجو عادة الله تعالى فيمن عند عن كلامه، واستغنى عن كلام نبيه محمد ﷺ ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: ٤٠) .
وأما وعيدك بأجوبة العلماء في أقطار الأرض:
فتلك أضاليل المنى وغرورها ... سرت بكم في الترهات البسابس (٤) العلماء والله قسمان لا ثالث لهما: إما عالم موافق، وإما عالم أداه (٥) اجتهاده إلى مخالفتي، فهو إما سالك طريق أهل العلم في حسن المعارضة والمخاطبة بالحجة لا بالخبط والتخليط والحماقة، وإما ممسك ساكت، لا كالطريق التي سلكت من التقحم في الفتيا، قبل أن تستفتى، والتهالك في السخف.
стр. 817
وأما قولك: " أرجو أن يريح الله منك العباد والبلاد " فإنما يريح الله من الكافر العاند عن كلام الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وأما المؤمن فمستريح.
وما أقول لك إلا كما (١) قال جرير (٢) :
تمنى رجال أن (٣) أموت وغن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد
ص: آذاه. لعل الذي يبغي وفاتي ويرتجي ... (٤) بها قبل موتي أن يكون هو الردي والله لئن مت، ما أسد قبوركم، ولا أوفر عليكم رزقاً. ولأردن على رب رحيم، وشفيع مقبول، لأني كنت تبع كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، لا أتخذ دونهما وليجة. لكن إن مت انت، فتقدم والله على رب خالفت كتابه، وعلى نبي اطرحت أوامره ظهرياً وأطعت غيره دونه، فاعد للمسألة جواباً، وللبلاء جلباباً؛ وسترد فتعلم ولا عليك إن مت عاجلاً أو تأخر موتي، فلقد أبقى الله تعالى لك ولأمثالك مما أعانني الله ووفقني له حزناً طويلاً، وخزياً جزيلاً، وكسراً لكل رأي وقياس (٥) ونصراً للسنة مؤزراً، ولينصرن الله من ينصره، فهل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين.
وبعد، فلتطب نفسك بعد أن تذيقها برد اليأس، على أن تعارض بهوس ما في تلك الرسالة الحق الواضح، وكيف تعارض نص القرآن والسنة هيهات من ذلك.
стр. 818
فأقصر فهو أروح لك، وأجمل بك (١) عن شاء الله تعالى. والسلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
تمت الرسالة في الرد على الهاتف من بعد
بحمد الله وشكره وحسن توفيقه
ولله الحمد والشكر دائماً أبداً
ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم
стр. 819
٤ - رسالة التوقيف على شارع النجاة .
стр. 820
فراغ
стр. 821
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
- ٤ -
رسالة التوقيف على شارع النجاة
باختصار الطريق
قال الشيخ الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم ﵁:
الحمد لله رب العالمين كثيراً، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وسلم تسليماً وبالله نستعين على كل ما يقرب منه، أما بعد فإن خطابك اتصل بي فيما شاهدته من انقسام أهل عصرنا قسمين: فطائفة اتبعت علوم الأوائل وأصحاب تلك العلوم، وطائفة اتبعت علم ما جاءت به النبوة، ورغبتك في أن أبين لك وجه الحق في ذلك بغاية الاختصار، لئلا ينسي آخر الكلام أوله، وبنهاية (١) البيان، ليفهمه كل من قرأه، بلا كلفة، وأن يكون عليه من البرهان ما يصححه لئلا يصير دعوى كسائر الدعاوي، فسارعت إلى ذلك متأيداً بالله لوجوب نصيحة الناس والسعي في استنقاذهم من الهلكة، وحسبنا الله تعالى:
١ - اعلم - وفقنا الله وإياك لما يرضيه - أن علوم الأوائل هي: الفلسفة وحدود المنطق التي تكلم فيها أفلاطون وتلميذه أرسطاطاليس والإسكندر (٢) ومن قفا قفوهم، وهذا علم حسن رفيع لأنه فيه معرفة العالم كله، بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه إلى أشخاص جواهره وأعراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به، وتمييزه مما يظن من جهل (٣) أنه برهان، وليس برهاناً، ومنفعة هذا العلم عظيمة في تمييز الحقائق مما سواها.
стр. 822
٢ - وعلم العدد الذي تكلم فيه أندروماخش (١) مؤلف كتاب الأرثماطيقي في طبائع العدد، ومن نحا نحوه، وهو علم حسن صحيح برهاني. إلا أن المنفعة به إنما هي في الدنيا فقط: في قسمة الأموال على أصحابها ونحو هذا، وكل ما لا نفع (٢) له إلا [١٤٢ب] في الدنيا فهي منفعة قليلة وتحة (٣) لسرعة خروجنا من هذه الدار ولامتناع (٤) البقاء فيها، وكل ما ينقضي فكأنه لم يكن، وكما يقول يحيى (٥) :
(٦) وما هذه الدنيا سوى كر لحظة ... يعد بها الماضي وما لم يحن بعد
هي الزمن الموجود لا شيء غيره ... (٧) وما مر والآتي عديمان يا دعد ٣ - وعلم المساحة التي تكلم فيها جامع كتاب أقليدس (٨) ومن نهج نهجه، وهو علم حسن برهاني، وأصله معرفة نسبة الخطوط والأشكال بعضها من بعض، ومعرفة ذلك في شيئين: أحدهما فهم صفة هيئة الأفلاك والأرض، والثاني في رفع الأثقال (٩) والبناء وقسمة الأرضين ونحو ذلك. إلا أن هذا القسم منفعته في الدنيا فقط. وقد قلنا إن ما لا نفع له إلا في الدنيا فمنفعته قليلة لسرعة انقطاعها، ولأنه قد يبقى المرء في دنياه - طول مدته فيها - عارياً من هذين العلمين، ولا يعظم ضرره بجهلهما (١٠) لا في عاجل ولا في آجل.
٤ - وعلم الهيئة: الذي تكلم فيه بطليموس، ولونخس (١١) قبله، ومن سلك
стр. 823
مسلكهما، أو سلكا مسلكه، ممن كان قبلهما من أهل الهند والنبط والقبط، وهو علم برهاني حسي حسن، وهو معرفة الأفلاك ومدارها وتقاطعها ومراكزها وأبعادها، ومعرفة الكواكب وانتقالها وأعظامها وأبعادها وأفلاك تداويرها، ومنفعة هذا العلم إنما هو في الوقوف على أحكام الصنعة وعظيم حكمة الصانع (١) وقدرته وقصده واختياره، وهذه منفعة جليلة جداً لا سيما في الآجل.
٥ - وأما القضاء بالكواكب فباطل لتعريه من البرهان، وإنما هو دعوى فقط، ولا نحصى كم شاهدنا من كذب قضاياهم المحققة، وإن أردت الوقوف على ذلك فجرب، تجد كذبها أضعاف صدقها كالراقي والمتكهن سواء سواء ولا فرق.
٦ - وعلم الطب الذي تكلم فيه [١٤٣/أ] أبقراط وجالينوس وذياسقوريدس (٢) ومن جرى مجراهم، وهو علم مداواة الأجسام من أمراضها مدة مقامها في الدنيا، وهو (٣) علم حسن برهاني؛ إلا أن منفعته إنما هي في الدنيا فقط، ثم ليست أيضاً صناعة عامة، لأننا قد شاهدنا سكان البوادي وأكثر البلاد يبرأون من عللهم بلا طبيب، وتصح أجسامهم بلا معالجة كصحة المتعالجين وأكثر، ويبلغون من الأعمار كالذي يبلغه أهل التداوي في القصر والطول، وفيهم من يرتاض ومن يخدم ولا يرتاض، ومن لا يرتاض ولا يخدم كأهل اليسار منهم والدعة من الرجال والنساء. فان قيل: إن لهم علاجات يستعملونها (٤) قلنا تلك العلاجات ليست جاريات (٥) على قوانين الطب بل هي مذمومة عند أهل العلم بالطب، واكثر ما يقدمون عليه بالرقي ولا مدخل له عند أهل الطب.
٧ - فاعلم الآن أن كل علم قلت منفعته، ولم تكن مع قلتها إلا دنياوية وعاش من جهله كعيش من علمه - مدة كونهما (٦) في الدنيا - فإن العاقل الناصح لنفسه لا يجعله وكده، ولا يفني فيه عمره، لأنه ينفق أيام حياته، التي لا يستعيض في الدنيا منها (٧) فيما لا ضرورة به إليه ولا كثير حاجة تدعوه نحوه.
стр. 824
٨ - ووجدنا ما جاءت به النبوة ومنفعته في ثلاثة أشياء: أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية وإيجاب التزام حسنها: كالعدل والجود والعفة والصدق والنجدة في موضعها، والصبر والحلم والرحمة، واجتناب سيئها كأضداد هذه التي ذكرنا. وهذه منفعة عظيمة لا غنى لساكني الدنيا عنها، ولا شك في العقل في أن صلاح النفس ومداواتها من فسادها، أنفع من مداواة الجسد وإصلاحه، لأن مداواة الجسد تابعة لمداواة النفس. إذ في مداواة النفس إيجاب ألا يدخل الإنسان على جسده ما يؤلمه بالمرض، فيقطع به عن مصالحه [١٤٣ ب] . وما عم إصلاح النفس والجسد معاً أفضل وأولى بالاهتبال به مما خص إصلاح الجسد فقط - هذا برهان عقلي ضروري حسي.
٩ - ولا يمكن ألبتة إصلاح أخلاق النفس بالفلسفة دون النبوة، إذ طاعة غير الخالق لا تلزم. وأهل العقول مختلفون في تصويب هذه الأخلاق، فذو القوة الغضبية التي هي غالبة (١) على نفسه لا يرى من ذلك ما يراه ذو القوة النباتية (٢) الغالبة على نفسه، وكلاهما لا يرى من ذلك ما يرى ذو القوة الناطقة الغالبة على نفسه (٣) .
١٠ - والوجه الثاني من منافع ما جاءت به النبوة: دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة ولا سارعوا إلى الحقائق، وحياطة الدنيا والأبشار والفروج والأموال، والأمن على كل ذلك من التعدي والغلبة وكفاية من ضاع ولم يقدر على القيام بنفسه. وهذه منفعة عظيمة جلليلة، لا بقاء لأحد في هذه الدنيا، ولا صلاح لأهلها إلا بها. وإلا فالهلاك لازم والبوار واجب. وليست كذلك منفعة العلوم التي قدمنا قبل، وقد قدمنا أنه لا سبيل إلى منع التظالم ولا إلى إيجاد التعاطف بغير النبوة أصلاً، لما ذكرنا من أن طاعة غير الخالق تعالى لم يقم برهان بوجوبها، ولأن الفسوق ومختلفة الأهواء لا ينقاد بعضها إلى بعض.
١١ - والوجه الثالث من منافع ما جاءت به النبوة هو التقدم لنجاة النفس فيما بعد خروجها من هذه الدار، من الهلكة التي ليس معها ولا بعدها شيء من الخير، لا ما قل ولا ما كثر، ولا سبيل ألبتة إلى معرفة حقيقة مراد الخالق منها ولا إلى معرفة
стр. 825
طريق خلاصنا إلا بالنبوة، وأما بالعلوم الفلسفية التي قدمنا فلا - أصلا - ومن ادعى ذلك فقد ادعى الكذب، لأنه يقول ذلك بلا برهان ألبتة، وما كان هكذا فهو باطل، ولا يعجز أحد عن الدعوى، وليست [١٤٤/أ] دعوى أحد أولى من دعوى غيره بلا (١) برهان. ثم البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى، لأن الفلاسفة الذين إليهم يستند هذا المدعي يختلفون في أديانهم كاختلاف غيرهم سواء سواء، فوجب طلب الحقيقة في ذلك عند من قام البرهان على انه إنما يخبر عن خالق العالم ومدبره . وهذا مكان يلزم العاقل الناصح لنفسه ألا يجعل كده ولا اجتهاده إلا في الوقوف على حقيقته، وإلا فهو موبق لنفسه، ولا يشتغل عن ذلك بعلم من العلوم تقل منفعته، ومن فعل هذا فهو ضعيف العقل، فاسد التمييز، سيئ الاختيار، مستحق للذم، جان على نفسه عظيم الجنايات.
١٢ - فأول ذلك أن ينظر: هذا العالم محدث كما قالت الأنبياء ﵈ وأكثر علماء الأوائل والفلاسفة، أم لم يزل كما قال غيرهم. ومعرفة حقيقة ذلك قريبة جداً لصحة البرهان الحسي الضروري المشاهد على تناهي عدد الأشخاص النامية من كل نوع من أنواع الحيوان والنبات، فإن أشخاص نوعين منها اكثر عدداً بلا (٢) شك من أشخاص أحد ذينك النوعين. فإذ لا شك في هذا عند أحد، فقد ثبت المبدأ في وجود كل عدد متناه، فقد وجب لها المبدأ ضرورة - ولا بد - وإن زمان وجود الفلك الكلي - بكل ما فيه - يزيد عدد ساعاته بما يأتي منه، وبالضرورة يدري كل أحد (٣) أن ما قبل الزيادة، فإن النقص موجود فيه قبل تلك الزيادة، عما صار إليه بتلك الزيادة. ولا شك في [أن] الزيادة والنقص لا يمكن وجودهما إلا في ذي نهاية ومبدأ. فصح المبدأ للعالم ضرورة، وصح أنه محدث مبتدأ (٤) ، والله أعلم.
١٣ - وأيضاً فإن الزمان كله يوم ثم يوم - هكذا مدة وجوده - وكل يوم فله مبدأ ونهاية بالمشاهدة. فإذ كل جزء من أجزاء الزمان ذو مبدأ ونهاية - والزمان ليس هو شيئاً غير أجزائه التي هي أيامه [١٤٤ ب]- فالزمان ذو مبدأ ونهاية - ولابد - ضرورة، ومن ادعى مدة غير الزمان فقد ادعى الباطل وما لا يقوم به برهان أبداً. ومن أراد إيقاع الزمان على الباري تعالى فقد تناقض بالباطل، لأن الزمان - كما بينا - ذو مبدأ، والباري
стр. 826
لا مبدأ له، فهو خالق الزمان، فهو في غير زمان - ولابد -.
١٤ - ثم ينظر هل له محدث مبتدئ أو لا، فوجب بأول العقل أن الحدوث والإبتداء فعل، والفعل يقتضي فاعلاً ضرورة، ولا يمكن غير ذلك أصلاً.
وأيضاً فإن النشأة والتربية والعيش، وعمارة ما لا عيش إلا به من نبات الأرض والحيوان المسخر، لا يمكن شيء من ذلك ألبتة ولا يكون وجوده أصلاً إلا بلغة يقع بها التخاطب والتفاهم، ووجدنا كل من لم يعلم اللغة لا يتكلم أبداً. وهكذا وجدنا كل من يولد أصم، فإنه لا يكون ضرورة إلا أبكم لا ينطق أبداً؛ فصح ضرورة انه لا يتكلم أحد أبداً إلا من سمع الكلام وعلمه، وكذلك جميع العلوم لا يمكن ألبتة أن يحسنها أحد أبداً إلا حتى يعلمها، برهان ذلك المشاهد مدة عمر العالم إلى يومنا هذا، فإن كل من لا يعلم الكلام لا يعلمه. والكلام التي لا علم فيها كبلاد الروم والصقالبة والترك والديلم والسودان والبربر والبوادي التي بين الحواضر لا سبيل إلى أن يوجد فيها شيء من العلوم التي لم يعلموها مذ وجد (١) العالم إلى يومنا هذا، وكذلك جميع الصناعات من الحرث والحصاد والدرس، وآلات كل ذلك، والذرو والطحن وعمل الكتان والقطن والقنب والحرير وغزل ذلك كله، لا سبيل إلى أن يعرف أحد شيئاً من ذلك كله إلا حتى يوقف عليه فيقبله ويترفق به ويفتق (٢) بذهنه في ذلك بما جعل في طبعه من قبوله (٣) ، وبرهان ذلك انه من لم يعلمه قط لا يدريه، وأن البلاد التي خلت من بعض هذه الصناعات لا توجد أصلاً فيها مذ كان العالم إلى يومنا [١٤٥/أ] هذا، بخلاف ما تقتضيه الطبيعة مما لا يحتاج فيه إلى معلم: كالرضاع والأكل والشرب والجماع وغير ذلك مما لا يحتاج فيه الإنسان إلى معلم وكذلك سائر الحيوان. فصح ضرورة - صحة حسنة مشاهدة - أنه لا بد في اللغات من معلم، ولابد في الصناعات من معلم، ليس من المعلمين الذين في طبعهم تعلم ذلك دون تعليم، إذ لو كان ابتداء ذلك موجوداً في الطبيعة لوجد ذلك في كل عصر وفي كل مكان، لان الطبيعة واحدة في جميع النوع؛ وكذلك نجدهم يستوون كلهم فيما توجبه الطبيعة لهم، إلا أن يعرض عارض حائل في بعض النوع. فوجب ضرورة أن مبتدئ إيجاد (٤) العالم هو الذي ابتدأ تعليم اللغات وابتدأ تعليم الصناعات، لابد من ذلك، وانه تعالى علم كل ذلك أول من أحدث
стр. 827
من نوع الإنسان، ثم علمها ذلك المعلم سائر نوعه. ثم تداولوا تعلم ذلك. وهذا برهان ضروري حسي مشاهد، يقتضي - ولابد - وجود الخالق ووجود النبوة، وهي تعليم الخالق اللغات (١) والعلوم والصناعات ابتداء، ووجود الرسالة وهي تعليم ذلك النبي ﷺ لمن أمر بتعليمه إياه.
١٥ - فإذ قد صح هذا كله من قرب، فالنظر واجب: هل مبتدئ العالم واحد أم اكثر من واحد. ومعرفة حقيقة هذا يقرب جداً - وذلك أنه لولا الواحد لم يوجد عدد ولا معدود، ففتشنا العالم كله هل نجد فيه واحداً فلم نجده أصلاً، لان كل ما في العالم فإنه ينقسم أبداً فهو كثير لا واحد، فإذا لابد من واحد في العالم، فالواحد هو غير العالم، وليس غير العالم إلا مبتدئ العالم، فهو الواحد الذي لا يكثر، لا واحد سواه؛ فوجدنا العالم محدثاً تالياً كما وصفنا، لم يكن ثم كونه مكونه الذي ابتداه، ولابد من أول، إذ لولا الأول لم يكن الثاني أصلاً، ووجود الثاني يقتضي ضرورة وجود [١٤٥ ب] الأول، ولابد؛ والثاني موجود فالأول موجود. ففتشنا العالم كله عن أول لم يزل فلم نجده لأنه كله محدث، لم يكن ثم كونه مبتدئه، فوجب ضرورة أن الأول غير العالم، وليس غير العالم إلا مبتدئ العالم ومحدثه.
١٦ - فإذ قد صح الخالق وأنه واحد أول لم يزل، وصحت النبوة، وصحت الرسالة، فالنظر واجب في الأنبياء:
فوجدنا شريعة النصارى في غاية الفساد لوجوده: أحدها قولهم بخلاف التوحيد في الابن والأب وروح القدس، والثاني لفساد نقلهم لرجوعه إلى ثلاثة فقط وهم مرقش ولوقا ويوحنا الناقل من متى (٢) ، فوضح عليهم الكذاب وأن أناجيلهم متضادة، ظاهرة الكذب (٣) في أخبارها، فبطلت الثقة بنقلهم، مع أنها شريعة معمولة من أساقفتهم وملوكهم بإقرارهم، وما كان هكذا فالأخذ به لا يجوز؛ إذ لا يجوز في هذا المكان إلا ما صح أنه جاء به المرسل عن الله تعالى.
ووجدنا اليهود أيضاً شريعتهم في غاية الفساد لأنها راجعة إلى كتب ضائعة النقل، لم ينقلها من أول كونها إلى فشوها عندهم كافة، بل دخلها التغيير والإتلاف وانقطاع
стр. 828
حكمها ونقلها، لكفرهم بها أيام دولتهم، ثم بعدها (١) ، واتصال ذلك فيهم المئين من السنين، مع عظيم ما فيها من كذب الاخبار، مع بطلان شرائعهم التي أمروا بها بإقرارهم، وامتناع إقامتها، وما كان هكذا فليس هو من عند الله بل هو باطل مفتعل، إذ لا سبيل إلى العمل بالواجب عندهم.
ثم نظرنا في المجوس فوجدناهم مقرين أن شريعتهم كثير منها من عمل أزدشير بن بابك الملك، وأنه ضاع من شريعتهم وكتابهم نحو الثلثين (٢) أيام أحرق الإسكندر كتابهم، وما كان هكذا فلا يجوز التدين به لأن الدين [الذي] يزعمون انه الحق لا يختلفون في أنه قد علم، وما كان هكذا فلا يتدين به عاقل.
ثم نظرنا [١٤٦/أ] في المنانية (٣) فوجدنا نقلهم فاسداً غير متصل بصاحبهم مع ظهور الكذب في كتب صاحبهم، وفساد ما أتى به وأخبر عنه. ولم ينقل له أحد أية معجزة نقلاً يوجب صحة العلم بها، وما كان هكذا فهو باطل بلا شك، مع ما فيها من الفساد الظاهر من إيجابه قطع النسل ليعود النور إلى خلاصه، وهذا أمر لا يمكن ألبتة لاختلاف أجناس الحيوان البحري والطائر والدارج وعدم القوة على قطع تناسلها، فلا أفسد من شريعة مدارها على سبيل إيجاب ما لا سبيل إليه.
ثم نظرنا في الصابئين فوجدناها ملة قد بطلت بالكلية، ولم يبق لها أثر مع أن أصولهم أصول المنانية التي لا شك في كذبهم. وأيضاً فإن نقلهم قد انقطع فلا سبيل إلى تصحيح معجزة شاهدة لمن قلدوه دينهم. وأيضاً فإن شرائعهم بإقرارهم من عمل أكابرهم، وما كان هكذا فلا يتدين لبه عاقل.
فإذ قد بطلت هذه الديانات وليس في العالم ملة تقر بنبي غير هؤلاء - ولابد من ملة مأخوذة عن نبي إذ لا سبيل إلى معرفة ما يأمر به الخالق تعالى إلا بنقل نبي - لم يبق إلا محمد بن عبد الله ﵇ وملته هو الذي كتابه منقول نقل الكواف من
стр. 829
عنده إلينا - بخلاف نقل الإنجيل الراجع إلى ثلاثة قد ظهر كذبهم، وبخلاف نقل (١) التوراة التي هي راجعة إلى واحد وهو عزرا (٢) ، وكانت قبل ذلك أيام دولتهم ممنوعة من كل واحد إلا من الكاهن وحده - وأعلامه منقولة كذلك في الكتاب المذكور، كإعجاز القرآن وعجز العرب عنه وكشقه القمر إذ سألوه آية، وكتجربة اليهود بأن يتمنوا الموت وإعلامه انهم (٣) لا يتمنوه أبداً (٤) وإذعان ملوك اليمن وإيمانهم به دون خوف منهم له ولا طمع منه في حظوة [١٤٦ ب] دنيا من مال أو جاه لديه، بل دعاهم إلى ترك الملك والنزول عنه والدخول في العامة، وإسقاط الفخر والثأر والعداوات وطلب الدماء. والرجوع إلى مؤاخاة من قتل الآباء والأبناء، فأجابوه كلهم كملوك اليمن وملوك عمان والبحرين وغيرهم - حتى جبلة بن الأيهم ثم ارتد أنفة ولم يزل نادماً على ردته - لا ينكر ذلك أحد، مع براءة كتابه المنزل عليه من كل كذب ومن كل مناقضة ومن كل محال، فصحت نبوته صحة لا مرية فيها، وشريعته المتصلة من عهده عنه إلينا، لأنها لم تكن قط منقطعة فيما بينه وبيننا ولا طرفة عين فما فوقها، ولا كانت عند خاص دون عام، بل منقولة من بين المشرق والمغرب.
فإذا قد صح هذا كله: فالواجب على العاقل ألا يقطع دهره إلا بطلب معرفة ما ينجيه في معاده، ويخلصه من الهلكة ومن النيران المحيطة بها، ويرفعه إلى السموات التي هي محل الحياة الأبدية والنجاة من كل مكروه، وموضع السرور السرمدي واللذات الدائمة التي لا انقطاع لها، ولا يشتغل من سائر العلوم إلا بمقدار ما يعرف به أعراضها، ويزيل عن نفسه عمى (٥) الجهل بأنه لعل فيها ما ليس فيها، وما يتعلق بالديانة منها، ثم يرجع إلى ما فيه خلاصه.
وإذ لاشك في هذا فاعلم ان الفلاسفة لم يدعوا قط انهم تخلصوا بها بعد الموت،
стр. 830
ولو ادعوا ذلك لكانت دعواهم كاذبة لتعريها من برهان يصدق الأبدية، والنجاة من كل مكروه، وموضع السرور السرمدي واللذات الدائمة التي لا انقطاع لها، والله اعلم بالصواب. وأيضاً فانهم في آرائهم في أديانهم يختلفون: هذا بين في كتبهم، فبعضهم يثبت حدوث العالم كسقراط وأفلاطون، وبعضهم يثبت أنه لم يزل وانه له فاعل لم يزل يخلق، وهذا قول ينسب إلى أرسطاطاليس، وبعضهم يثبت النبوة والمعاد والجزاء في المعاد، والملائكة، كأفلاطون وصاحب كليلة ودمنة من [١٤٧/أ] فلاسفة الهند، وبعضهم يقول بتناسخ الأرواح، كصاحب كتاب سندباد من فلاسفة الهند. فهم كغيرهم في الاختلاف، ولا فرق، ولا فضل.
فالعاقل الناصح لنفسه هو من اتبع من يخلصه، والمجنون هو من اتبع من لا يخلصه ولا يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه عاجلاً ولا آجلاً، ليس في الحماقة أكثر من هذا. وإذ لا شك في هذا فهذه صفة تعم كل أحد حاشا الذي أرسله الله خالقنا تعالى إلينا، لخلاصنا في عاجلنا وآجلنا.
١٨ - واعلم أن من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة أو يكسب به مالاً فقد هلك، لأنه طلبه لغير ما أمره خالقه ان يطلبه، لان خالقنا إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط. فمن طلبه لغير ما أمره به خالقه، فقد عطاءه وبطل تعبه وحبط عمله وضل سعيه.
١٩ - واعلم أن من أخذ الشريعة عن غير ما صح عن صاحب الشريعة الذي أرسله الله تعالى بها، واتبع من لم يأمره الله تعالى باتباعه فقد خاب وخسر وبطل عمله، والذي قلنا في هذا هو الذي مضى عليه جميع أهل الحق من الذين صحبوا رسول الله، ﷺ ، فمن بعدهم، جيلاً جيلاً؛ وحدث في خلال ذلك من الآراء الفاسدة ما لا يخفى على أحد حدوثه ومبدأه، وقد لاح أن كل حادث غير ما أتى به رسول الله ﷺ فهو باطل مفترى، والباطل فرض اجتنابه، وبالله التوفيق.
فهذا بيان ما سالت عنه بغاية الاختصار والبيان ونهاية البرهان، والحمد لله كثيراً، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليماً كثيراً.
كملت رسالة التوقيف على شارع النجاة باختصار الطريق،
بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، وبالله المستعان
стр. 831
٥ - رسالة التلخيص لوجوه التخليص
стр. 832
فراغ
стр. 833
- ٥ -
رسالة التلخيص لوجوه التخليص
[٢٣٥ ب] بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلى على محمد وعلى آله
قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ﵀: سلام عليكم أيها الاخوة الفضلاء، والصدقاء الكرام، المغتبط بودهم، الذي هو أفضل من القرابة الواشجة والمجاورة الدائمة، فقد بشر الله المتحابين فيه بأتم البشرى، وأنه يظلهم يوم لا ظل إلا ظله. فأني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو الموفق للخير، الواهب للنعم، وأسأله الصلاة على نبيه ورسوله وصفيه وخليله محمد ﷺ ، وأستوهبه تعالى لي ولكم المزيد من كل حسنة مقربة منه ومبعدة (١) من سخطه.
قال أبو محمد: أما بعد، فإن كتابكم ورد علي وفي أوله وصفكم لي بما لست أهله عند نفسي، ولكني احدث بنعمة الله تعالى علي مؤتمراً لأمره إذ يقول ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (الضحى: ١١) ، فأقول: بلى، عن الله تعالى عندي نعماً أنا أسأله ثم أرغب إليكم بالأمانة التي عرضها الله تعالى ﴿على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ (الأحزاب: ٧٢) أن تسألوه تعالى لي ولكم إذ يخفف في سجودكم في أواخر ليلكم، أن لا يجعل ما وضع عندنا من مادة الفهم في دينه فتنة لنا في دينه، ولا حجة علينا في الآخرة، وأن يجعل ما أودعنا من ذلك عوناً على طاعته في هذه الدار، وزلفى لديه تعالى في دار القرار، آمين آمين.
والذي ذكرتم من وجوب الإرشاد للمسترشد، ولزوم البيان لمن سأل، فنعم، سمعاً وطاعة لأمر الله تعالى إذ يقول: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون* إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم﴾ (البقرة: ١٥٩، ١٦٠) ، أعاذنا الله وإياكم من كل ما يؤدي للفتنة، ورزقنا البيان الموجب لمرضاته وتوبته، آمين.
стр. 834
ولقد ذكر بعض (١) أهل العلم وابتغاء الخير في الشيخ الفاضل أبي الخيار مسعود ابن سليمان بن مفلت (٢) ﵁ معتمداً قوياً ومعتقداً (٣) كافياً، برد الله مضجعه، [٢٣٦/أ] ونفعه بفضله وعمله، وصحة ورعه وفهمه، وصدعه بالحق، رفع الله بذلك درجته. وأما ما ذكرتم من صفتي عنكم فأقول على ذلك ما قال سفيان ابن عيينة، ﵀، إذ رأى حاجة الناس إليه بذهاب السالفين من أئمته، فأنشد رافعاً صوته بحضرة الجماعة (٤) :
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد ورأيت المسائل التي سألتم عنها، فوجدتها مسائل لا يستغني من له أقل اهتمام بدينه عن البحث عنها والوقوف عليها. ولقد أجدتم (٥) السؤال، وأنا أسأل الله تعالى [أن] يوفق لإصابة الجواب عنه يا رب العالمين. ورأيتكم سألتم في بعض تلك المسائل بألفاظ شتى والمعنى واحد، فنصصت ألفاظكم فيها لتقفوا على ذلك إن شاء الله تعالى.
١ - سألتم - وقفنا الله وإياكم - عن أقرب ما يعتب به العبد المجرم ربه تعالى، وعن أفضل ما يستنزل به عفوه وفضله ، ويستدفع به سخطه وغضبه، وعن انفع ما يشتغل به من كثرت ذنوبه، وعن خير ما يسعى به المرء في تكفير صغائره وكبائره. فهذه أيها الصفوة الفاضلة أربع مسائل فرقتم بينها ومعناها واحد. فالجواب إن شاء الله تعالى عن ذلك. قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) . وحدثنا الرجل الصالح [أبو] محمد [عبد الله] بن يوسف بن نامي، عن احمد بن فتح (٦) ، عن عبد الوهاب بن عيسى،
стр. 835
عن احمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، عن قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، أنبأنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (١) : " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر "، فكان هذا الحديث موافقاً لقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ (النساء: ٣١) . فصح أن بأداء الفرائض واجتناب الكبائر - أعاذنا الله وإياكم منها - تحط السيئات التي هي دون الكبائر. فبقى أمر الكبائر، فوجب النظر فيها، فوجدنا الناس قد اختلفوا فيها (٢) . فقالت طائفة: هي سبع، واحتجوا بحديث النبي ﵇ (٣) [٢٣٦ ب] : " اجتنبوا السبع الموابقات، فذكر ﵇ الشرك، والسحر، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " وروي عن ابن عباس أنه قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. فوجب النظر فيما اختلفوا فيه من ذلك، ورده إلى القرآن وحديث النبي الصحيح عنه كما أمرنا ربنا : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء: ٥٩) ، فلما فعلنا ذلك، وجدنا الحديث المذكور الذي احتج به من قال: إن الكبائر سبع، لا أكثر ليس فيه نص على أنه لا موبقات إلا ما ذكر فيه، ولا فيه ما يمنع من وجوب موبقات أخر إن جاء بذلك نص آخر. وأما لو لم يأتنا آخر في أن ليس ها هنا كبائر غير السبع المذكورة، لوجب علينا الاقتصار على ما في ذلك الحديث فقط. وإما وجدنا نصاً آخر بإثبات كبائر لم تذكر في هذا الحديث، فواجب علينا إضافتها إلى الموبقات المذكورة فيه،
стр. 836
لأنه ليس شيء من كلامه ﵇ أولى بالقبول من بعض، بل الكل واجب قبوله، ولا تعارض في شيء منه، لأنه كله من عند الله ، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٣) ، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (النساء: ٨٢) .
فصح بهذا ما قلنا من ضم ما يوجد في النصوص ضماً واحداً، وقبوله كله وإضافته بعضه إلى بعض، فنظرنا في ذلك فوجدناه ﵇ قد ادخل في الكبائر وبنص لفظه غير الذي ذكر في الحديث الذي ذكرنا آنفاً، فمنها: قول الزور، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والكذب ﵇، وتعريض المرء أبويه للسب بأن يسب آباء الناس. وذكر ﵇ الوعيد الشديد بالنار على الكفر، وعلى كفر نعمة المحسن بالحق، وعلى النياحة في المآتم، وحلق الشعور فيها، وخرق الجيوب، والنميمة، وترك التحفظ من البول، وقطيعة الرحم، وعلى الخمر، وعلى تعذيب الحيوان بغير الذكاة لأكل ما يحل أكله، أو ما أبيح أكله منها، وعلى إسبال الإزار، على سبيل البخترة، وعلى المنان بما يفعل من الخير، وعلى المنفق سلعته بالحلف الكاذب، وعلى مانع فضل مائه من الشارب، وعلى الغلول، وعلى مبايعة الأئمة للدنيا فإن أعطوا منها وفي [٢٣٧/أ] لهم وغن لم يعطوا منها لو يوف لهم، وعلى المقتطع بيمنه حق امرئ مسلم، وعلى الإمام الغاش لرعيته، وعلى من ادعى إلى غير أبيه، وعلى العبد الآبق، وعلى من غل، وعلى من ادعى ما ليس له، وعلى لاعن ما لا يستحق اللعن، وعلى بغض الأنصار، وعلى تارك الصلاة (١) ، وعلى تارك الزكاة، وعلى بغض علي. ووجدنا الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة والمفسدين في الأرض بالحرابة، فصح لي أن كل ما يوعد الله به النار فهو من الكبائر (٢) . فلما صح هذا كله بنص القرىن، إذ من اجتنبها أدخله الله مدخلاً كريماً، ونص الحديث أيضاً، وجب النظر في ذلك على المؤمن المشفق من عذاب ربه تعالى ومن نار هي أحر من نار هذه بسبعين ضعفاً، ومن الوقوف بأصعب الأحوال وأشد الأهوال واعظم الكرب واكثر الضيق وأكثر العرق
стр. 837
في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من شر ذلك اليوم، وأن يرزقنا فيه الفوز والنجاة.
فوالله أيها الأحبة إن أحدنا ليشتد روعه ويخفق قلبه من وعيد آدمي ضعيف مثله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يقدر أن يتمادى شهراً واحداً في عذاب من عاداه وكاشفه بأكثر من الحبس، فكيف بذلك اليوم المذكور، وبعذاب أهونه الوقوف في حال دنو الشمس من الرءوس، وبلوغ العرق إلى أكثر مساحة الأجسام، في يوم طوله خمسون (١) ألف عام، ثم بعد ذلك يرى مصيره إما إلى جنة أو إلى نار فأين المفر إلا إلى الله وحده لا شريك له فوجدناه تعالى قال: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ (الأنبياء: ٤٧) ، وقال تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية* وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية* وما أدراك ماهيه* نار حامية﴾ (القارعة: ٦ - ١١) ، فعلمنا بهذا وبقوله تعال: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) ، أن من استوت حسناته وسيئاته وفضلت له حسنة واحدة لم ير ناراً فيا لها من سرور ما أجله، وهذا هو معنى قوله ﵇ (٢) : " إن بغياً سقت كلباً فغفر الله لها، وإن رجلاً أماط غصن شوك عن الطريق فأدخله الله الجنة " وذلك أن هذين فضل لهما هذان العملان بعد موازنتهما سيئاتهما بحسناتهما، فخلصا من النار [٢٣٧ ب] ودخلا الجنة. فوجب علينا إذ قد جاءتنا عهود ربنا بهذا كله، أن نطلب الأعمال الماحية أو الموازنة للسيئات، فيثابر المرء منها على ما وفقه الله تعالى للمثابرة عليه. فوجدناه، ﵇، قد سئل عن أحب الأعمال إلى الله تعالى، فذكر الصلاة لميقاتها، والجهاد، وكثرة السجود، وذكر ﵇ انه (٣) : " لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل أوتي مالاً فسلطه الله على هلكته في الحق "، وذكر لعمر، ﵁، تحبيس أصل ماله وتسبيل ثمرته، وذكر ﵇ أنه (٤) " لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه طائر أو سبع أو إنسان إلا كان له
стр. 838
صدقة ".
وصح عن النبي ﷺ شيء وجب إتحافكم به، فهو من أفضل الهدايا، وذلك ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن نامي بالإسناد المتقدم إلى مسلم، أنبأنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، ثنا محمد بن ميمون ثنا واصل الأحدب مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال (١) : " يصبح على كل سلامي من احكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزئ من كل ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ". وحديث رويناه من طريق مالك عن سمي مولى أبي بكر (٢) ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي ﵇ قال (٣) : " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى به إلا من عمل (٤) أكثر من ذلك ". وصح عنه ﵇ أنه قال لأصحابه ﵃ (٥) : " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة قالوا: وكيف يا رسول الله قال: إن " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن " وانه ﵇ ذكر لهم سبحان الله والحمد لله والله أكبر، عدداً يبلغ مائتين وخمسين مرة لكل واحدة منهن عشر حسنات فذلك ألفان وخمسمائة حسنة كل يوم، وأنه ﵇ قال (٦) : فأيكم يعمل في يومه ألفين وخمسمائة سيئة أو كلاماً هذا معناه؛ وأمر ﵇ الفقراء إذ شكوا إليه [أن] الأغنياء يعتقون وتصدقون، وهم لا يقدرون على ذلك [٢٣٨/أ] فأمرهم ﵇ أن يقولوا في دبر كل صلاة:
стр. 839
الله اكبر أربعاً وثلاثين مرة، وسبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة فتلك مائة. وقد نص الله أن الحسنة بعشرة أمثالها، فعلى هذه للمائة المذكورة ألف حسنة (١) . وحض النبي على قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وأخبر أنها من كنوز الجنة (٢) .
وحض ﵇ على الاستغفار، وأخبر ﵇ أنه ربما استغفر في اليوم مائة مرة. فهذه وصايا نبيكم الذي بنا رءوفاً رحيماً حريصاً على صلاحنا، الذي لا ينطق عن الهوى عن هو إلا وحي يوحى، فعليكم بها، ودعوا أقوال البطالين الكذابين المفسدين في الأرض القائلين إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة البطالين، كذبوا وأفكوا، بل هم البطالون المبطلون حقاً، العائجون عن سبيل ربهم وعن صراط نبيهم المستقيم، بل الاستغفار تركه علامة الفاسقين المصرين المستخفين، نعوذ بالله من مثل سيرتهم.
فهذه وفقنا الله وإياكم حظوظ رفيعة مع سهولة مأخذها، وقرب متناولها، لا تقطع بأحد منكم عن عمله، ولا تقطع جسمه، ولا ترزؤه كلفة، إذ أحصاها عالم الغيب والشهادة اجتمع بها ما يرجى تثقيل ميزان الحسنات، فتحبط بذلك السيئات، فلعل النجاة تحصل.
ولسنا نقول هذا على الاقتصار على ذلك دون الاستكثار من سائر أعمال الخير، ومن تلاوة القرآن ما أمكن، فإنا روينا عن ابن عباس ﵁، أو عن أنس بن مالك - الشك مني - انه قال (٣) : إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدق في عيونكم من الشعر، كنا نعهدها على عهد رسول الله من الموبقات، فاعلموا أيها الإخوة أن الأمر والله جد، وان المنتشب صعب، وأن التخليص عسير إلا بتوفيق الله برحمته لعمل الخير، بقبول اليسير منا، وتجاوزه عن كثير ذنوبنا، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، ولكن الله تعالى قال وقوله الحق: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى* وأن سعيه سوف يرى* ثم يجزاه الجزاء الأوفى* وأن إلى ربك المنتهى﴾ (سورة النجم: ٣٩ - ٤٢) و ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ (سورة النمل: ٩٠) ، وقال تعالى ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ (سورة يس: ٥٤) .
стр. 840
فيستحب للمسلم الذي يطلب النجاة أن يأتي بما لعله أن يوازي ذنوبه ويوازن سيئاته، وأن يواظب على قراءة القرآن فيختمه في كل شهر مرة، فإن ختمه في أقل فحسن ما بين ما ذكرنا إلى أن يختمه في ثلاث لا أقل، ولا يسع أحداً أن يختمه في أقل من ذلك، ويواظب مع ذلك [٢٣٨ب] على قراءة قل هو الله أحد، ولو في كل ركعة من صلاته مع أم القرآن وسورة أخرى، فإنا روينا أن رجلاً من الأنصار كان يفعل ذلك، فسأله رسول الله ﷺ عن فعله ذلك فقال: إني أحبها، فقال ﵇: عن حبك إياها أدخلك الجنة، أو كما قال. وإن لم يفعل فليقرأها في كل يوم مرة، فإنها تعدل في الآخر ثلث القرآن، وهذا الآخر لا يحقره إلا مخذول، فإن كثر منها فحظه أصاب؛ وليكثر من الصلاة على النبي متى ذكر، فإنا روينا عنه انه قال (١) : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً. أفيزهد أحدكم عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده، [إلا] محروم. وليكثر من حمد الله عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده، فقد روينا عن النبي ﵇ في ذلك كلاماً معناه أن العبد لا يزال يفعل ذلك حتى يرضى الله عنه، أو كلاماً هذا معناه، وليكثر من قول لا إله إلا الله، فإنها ألفاظ تتم بحركة اللسان دون حركة الشفتين فلا يشعر بذلك الجليس.
وليواظب على صلاة الفرض في الجماعة، فإنه صح عن النبي عليه الصلاة أن صلاة الصبح في الجماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة عشاء الآخرة في الجماعة تعدل قيام نصف ليلة (٢) ، فأيكم أيها الأخوة يطيق القيام ما بين طرفي ليلة لا ينام فيها أو نصف ليلة كذلك فقد حصل له هذا الأجر تاماً بأهون سعي وأيسر شيء.
وليكثر من ألفاظ رويناها عن رسول الله ﷺ : وهي انه دخل على إحدى أمهات المؤمنين وهي في مصلاها تذكر الله ، فقال لها رسول الله: لو قلت كلمات ثلاثاً فوزنت (٣) بما قلت لرجحتهن - أو قال: لعدلتهن (٤) - وهي: " سبحان الله عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته "، فنحن نستجب أن يقولها العبد ثلاثاً كل يوم، وليواظب جهده، وقد صح أن العبد يحاسب
стр. 841
يوم القيامة، فإن وجد في فرائض صلاته نقص جبر من تطوع عن كان له، وكذلك في صيامه وزكاته وسائر أعماله، ورويناه من طريق تميم الداري عن رسول الله، ويبين صحة هذا قوله تعالى: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ (آل عمران: ١٩٥) ، ولا يلتفت إلى قول من يصد عن سبيل الله: " لا صلاة لمن لا يتم الفرض "، فهذا قول لم يأت به نص ولا إجماع، وإنما هذا فيمن ضيع الفرض في آخر وقته أو حلول وقته الذي لا فسحة فيه واشتغل بالنفل [٢٣٩/أ] كإنسان لم يبق عليه من صلاة الفرض إلا مقدار ما يصليها فقط، فترك الفرض واشتغل بالتطوع، أو وجد الصلاة المنكوبة تقام أو تصلى فتركها وأقبل على ما ليس بفرض من الصلاة، كمثل ما يأمر به بعض الناس: من وجد الإمام في الركعة الأولى من صلاة الصبح أن [يركع] ركعتي الفجر، فهذا هو الخطأ، فهذا لا يقبل منه، لأنه لم يصل الصلاة التي أمر بها، ومن لم يفعل ما أمر به وفعل غير ما أمر به لم يقبل منه: قال ﵇ (١) : " من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو رد " وكإنسان صام رمضان في الحضر تطوعاً لا بنية الفرض، فهذا لا يقبل منه. وأما من عليه من الفرض أو سلفت عليه فروض قد عطلها، فيستحب له التطوع ما أمكنه، كما روينا في الحديث المأثور آنفاً من جبر الفرض بالتطوع.
واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الله ابتدأنا بمواهب خمس جليلة، لا يهلك على الله بعدهن إلا هالك، وهي انه تعالى غفر الصغائر باجتناب الكبائر فلو أن امرءاً وافى عرصة القيامة بملء الأرض صغائر إلا أنه لم يأت كبيرة أو أتاها ثم تاب منها، لما طالبه الله بشيء منها، وقال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ (النساء: ٣١) .
والثانية: من اكثر من الكبائر، ثم منحه الله التوبة النصوح على حقها وشروطها قبل موته، فقد سقط عنه جميعها، ولا يؤاخذه ربه تعالى بشيء منها، وهذا إجماع من الأمة.
والثالثة: أن من عمل من الكبائر ما شاء الله، ثم مات مصراً عليها، ثم استوت حسناته وسيئاته لم يفضل له سيئة، مغفور له، غير مؤاخذ بشيء مما يفعل، قال الله
стр. 842
تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) ، وقال تعال: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾ (القارعة: ٦) .
والرابعة: انه تعالى جعل السيئة بمثلها والحسنة بعشر امثالها، ويضاعف الله تعالى لمن شاء.
والخامسة: انه تعالى جعل الابتداء على من أحاطت به خطيئته، وغلب شره على خيره، بالعذاب والعقاب، ثم نقله عنه بالشفاعة إلى الجنة فخلده فيها، ولم يجعل (١) ابتداء جزائه على حسناته بالجنة، ثم ينقله منها إلى النار. فهل بعد ذلك الفضل منزلة نسأل الله أن لا يدخلنا في عداد من يعذبه بمنه. فهذا أصلحنا الله وإياكم جواب [٢٣٩ ب] ما سألتم عنه مما يكفر الذنوب الكبائر، وفيما يأتي بعد أيضاً من الجواب في سائر ما سألتم عنه، أشياء تستضيف إلى ما قد ذكرنا بحول الله تعالى وقوته.
٢ - وسألتم عن العمل الذي إذا قطع المرء به باقي عمره رجوت له الفوز عند الله ، وأيقنت له به، وعن السيرة التي أختارها وأحسد عليها من أعطيها، من أبواب التخلص من سخط الله في القول والعمل. وهاتان مسالتان وإن كنتم فرقتم بينهما فهي واحدة فأقول - وبالله [تعالى] التوفيق -: إني قد أدمت البحث عما سألتم عنه مدى دهر طويل، وفتشت عنه القرآن والحديث الصحيح، فلاح لي بعد طلب كثير، وتحصل لي بعد طلب شديد ما أخاطبكم به، أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته آمين. وقد كنت جمعت في هذا فصلاً نسخته لكم على هيئته، وهو أن فتشت على مراتب الحقائق في دار القرار في الآخرة - وإما الدنيا فمحل مبيت بؤسها منقض (٢) ، وسورها منسي كأن ذلك لم يكن - فوجدتها عشر مراتب، منها ثلاث هي مراتب الملك، والعلو، والسبق.
فأولها: مرتبة عالم يعلم الناس دينهم، فإن كل من عمل بتعليمه أو علم شيئاً مما كان هو السبب في علمه، فذلك العالم والمتعلم شريك له في الأجر إلى يوم القيامة على آباد الدهور، فيا لها منزلة ما أرفعها، أن يكون المرء أشلاء متمزعة في قبره أو مشتغلاً
стр. 843
في أمور دنياه وصحف حسناته متزايدة، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب ومواترة عليه من حيث لم يقدر. ويؤيد هذا قوله ﵇ (١) : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين "، وقوله لعلي (٢) : " فوالله يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك من حمر النعم "، وقوله ﵇ (٣) : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، فذكر ﵇ ولداً صالحاً يدعو له، وصدقة جارية، وعلماً ينتفع به " قوله (٤) : " من عمل في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء "، ويؤيد هذا قول الله : ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ (النحل: ٢٥) ، وقوله: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ (العنكبوت: ١٣) فأسأل الله أيها الاخوة أن يجعلنا وإياكم من أهل الصفة الأولى، وأن يعيذنا من الثانية. فبشروا من سن القبالات والمكوس ووجوه الظلم بأخزى الجزاء واعظم البوار في الآخرة، إذ سيئاتهم تتزايد على مرور الأيام والليالي، والبلايا تترادف عليهم وهم في قبورهم؛ ولقد كان أحظى (٥) لهم لو لم يكونوا خلقوا من الإنس. واعلموا [٢٤٠/أ] انه لولا العلماء الذين ينقلون العلم ويعلمونه الناس جيلاً بعد جيل لهلك الإسلام جملة، فتدبروا هذا وقفوا عنده وتفكروا فيه نعماً، ولذلك سموا ورثة الانبياء، فهذه مرتبة.
والثانية: حكم عدل، فإنه شريك لرعيته في كل عمل خير عملوه في ظل عدله وأمن سلطانه بالحق لا بالعدوان، وله مثل أجر كل من عمل سنة حسنة سنها. فيا لها مرتبة ما أسناها أن يكون ساهياً لاهياً وتكسب له الحسنات، وأين هذه الصفة وأما الغاش لرعيته والمداهن في الحق، فهو ضد ما ذكرنا، ويؤيد هذا قوله ﵇ (٦) : " وغن المقسطين فيما ولوا على منابر من نور على يمين الرحمن "، أو كلاماً هذا معناه؛
стр. 844
فهذه ثانية.
وأما الثالثة: مجاهد في سبيل الله ، فإنه شريك لكل من يحميه بسيفه في كل عمل خير يعمله، وإن بعدت داره في أقطار البلاد، وله مثل أجر من عمل شيئاً من الخير في كل بلد أعان على فتحه بقتال أو حصر (١) ، وله مثل أجر كل من دخل في الإسلام بسببه أو بوجه له فيه أثر إلى يوم القيامة. فيا لها حظوة ما أجلها أن يكون لعله في بعض غفلاته ونحن نصوم له ونصلي.
واعلموا أيها الاخوة الأصفياء أن هذه الثلاث سبق [إليها] الصحابة ﵃، لأنهم كانوا السبب في بلوغ الإسلام إلينا وفي تعلمنا العلم، وفي الحكم بالعدل فيما ولوا، وفي فتوح البلاد شرقاً وغرباً، فهم شركاؤنا وشركاء من يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، وفي كل خير يعمل به مما كانوا السبب في تعليمه أو بسطه أو فتحه من الأرض.
واعلموا أن لولا المجاهدون (٢) لهلك الدين ولكنا ذمة لأهل الكفر، فتدبروا هذا فإنه أمر عظيم، وإنما هذا كله إذا صفت النيات وكانت لله، فقد سئل النبي عن عمل المجاهد وما يدانيه، فأخبر ﵇ انه لا يعدله إلا أمر لا يستطاع، فسألوه عنه فقال كلاماً معناه (٣) : أيقدر أحدكم أن يدخل مصلاه إذا خرج المجاهد فلا يفتر من صلاة وصيام فقالوا: يا رسول الله، لا نطيق ذلك. فاخبرهم أن هذا مثل المجاهد. وأخبرهم أيضاً ﵇ (٤) : أن روث وبولها ومشيها وشربها الماء، وإن لم يرد سقيها، كل ذلك له حسنات. وسئل عن أفضل الأعمال، فأخبر بالصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد (٥) . وسئل ﵇ عن الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل ليرى مكانه فقال (٦) : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد " أو كما قال؛ وأخبر ﵇: أن الأعمال بالنيات.
فهذه الثلاث المراتب هي مراتب السبق التي من أمكنه شيء منها فليجهد نفسه،
стр. 845
وما توفيقي إلا بالله . ومن احب قوماً فهو معهم، فقد قال رجل: يا رسول الله [٢٤٠ ب] متى الساعة فقال له ﵇: ماذا أعددت لها فاستكان الرجل وقال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له (١) : أنت مع من أحببت؛ أو كما قال ﵇.
وبعد هذه المرتبة مرتبة رابعة، هي مرتبة الحظوة والقربة، وهي حالة إنسان مسلم فتح الله له باباً من أبواب البر مضافاً إلى أداء فرائضه، إما في كثرة الصيام أو كثرة صدقة، أو كثرة صلاة، أو كثرة حج وعمرة، وما أشبه ذلك، فهذا له نوافل عظيمة وخير كثير، إلا أنه ليس له إلا ما عمل، وصحيفته تطوى بموته، حاشا من حبس أرضاً أو أصلاً تجري صدقته بعده، كما اختار النبي لعمر ﵁ إذ شاوره فيما يعمل في أرضه بخيبر، فإن هذا أيضاً تلحقه الحسنات بعد موته ما دامت الصدقة.
ولقد سمعت أبا علي الحسين بن سلمون المسيلي (٢) يقول كلاماً استحسنته، وهو انه قال لي يوماً: من كثرت ذنوبه فعليه بكسب الضياع. ولعمري لقد قال الحق، فإن الضيعة إذا كسبت من حل ومن ارض مباح اكتسابها، فقد نص النبي أن كل من أكل من غرس مسلم أو من زرعه فهو له صدقة (٣) . وإذا اكتسبت من غير وجه مرضي، فهي غل وثقل على من اكتسبها. فاعتمدوا على ما نص (٤) لكم نبيكم ﵇، ودعوا كلام الفساق من (٥) أهل الجهل الذين يفسدون في الأرض أكثر مما يصلحون. فيحكون عن رجل أنه وجد ابنته قد غرست دالة فقلعها وقال: إنا لم نبعث لغرس الدوالي. فاعلموا أن هذا الرجل جاهل سخيف العقل مخالف لرسول الله، مهلك للحرث، مفسد في الأرض. فهذه مرتبة رابعة، وهي دون المراتب الثلاث الأول.