← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يوم القيامة، فإن وجد في فرائض صلاته نقص جبر من تطوع عن كان له، وكذلك في صيامه وزكاته وسائر أعماله، ورويناه من طريق تميم الداري عن رسول الله، ويبين صحة هذا قوله تعالى: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ (آل عمران: ١٩٥) ، ولا يلتفت إلى قول من يصد عن سبيل الله: " لا صلاة لمن لا يتم الفرض "، فهذا قول لم يأت به نص ولا إجماع، وإنما هذا فيمن ضيع الفرض في آخر وقته أو حلول وقته الذي لا فسحة فيه واشتغل بالنفل [٢٣٩/أ] كإنسان لم يبق عليه من صلاة الفرض إلا مقدار ما يصليها فقط، فترك الفرض واشتغل بالتطوع، أو وجد الصلاة المنكوبة تقام أو تصلى فتركها وأقبل على ما ليس بفرض من الصلاة، كمثل ما يأمر به بعض الناس: من وجد الإمام في الركعة الأولى من صلاة الصبح أن [يركع] ركعتي الفجر، فهذا هو الخطأ، فهذا لا يقبل منه، لأنه لم يصل الصلاة التي أمر بها، ومن لم يفعل ما أمر به وفعل غير ما أمر به لم يقبل منه: قال ﵇ (١) : " من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو رد " وكإنسان صام رمضان في الحضر تطوعاً لا بنية الفرض، فهذا لا يقبل منه. وأما من عليه من الفرض أو سلفت عليه فروض قد عطلها، فيستحب له التطوع ما أمكنه، كما روينا في الحديث المأثور آنفاً من جبر الفرض بالتطوع. واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الله ابتدأنا بمواهب خمس جليلة، لا يهلك على الله بعدهن إلا هالك، وهي انه تعالى غفر الصغائر باجتناب الكبائر فلو أن امرءاً وافى عرصة القيامة بملء الأرض صغائر إلا أنه لم يأت كبيرة أو أتاها ثم تاب منها، لما طالبه الله بشيء منها، وقال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ (النساء: ٣١) . والثانية: من اكثر من الكبائر، ثم منحه الله التوبة النصوح على حقها وشروطها قبل موته، فقد سقط عنه جميعها، ولا يؤاخذه ربه تعالى بشيء منها، وهذا إجماع من الأمة. والثالثة: أن من عمل من الكبائر ما شاء الله، ثم مات مصراً عليها، ثم استوت حسناته وسيئاته لم يفضل له سيئة، مغفور له، غير مؤاخذ بشيء مما يفعل، قال الله

стр. 842

تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) ، وقال تعال: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾ (القارعة: ٦) . والرابعة: انه تعالى جعل السيئة بمثلها والحسنة بعشر امثالها، ويضاعف الله تعالى لمن شاء. والخامسة: انه تعالى جعل الابتداء على من أحاطت به خطيئته، وغلب شره على خيره، بالعذاب والعقاب، ثم نقله عنه بالشفاعة إلى الجنة فخلده فيها، ولم يجعل (١) ابتداء جزائه على حسناته بالجنة، ثم ينقله منها إلى النار. فهل بعد ذلك الفضل منزلة نسأل الله أن لا يدخلنا في عداد من يعذبه بمنه. فهذا أصلحنا الله وإياكم جواب [٢٣٩ ب] ما سألتم عنه مما يكفر الذنوب الكبائر، وفيما يأتي بعد أيضاً من الجواب في سائر ما سألتم عنه، أشياء تستضيف إلى ما قد ذكرنا بحول الله تعالى وقوته. ٢ - وسألتم عن العمل الذي إذا قطع المرء به باقي عمره رجوت له الفوز عند الله ، وأيقنت له به، وعن السيرة التي أختارها وأحسد عليها من أعطيها، من أبواب التخلص من سخط الله في القول والعمل. وهاتان مسالتان وإن كنتم فرقتم بينهما فهي واحدة فأقول - وبالله [تعالى] التوفيق -: إني قد أدمت البحث عما سألتم عنه مدى دهر طويل، وفتشت عنه القرآن والحديث الصحيح، فلاح لي بعد طلب كثير، وتحصل لي بعد طلب شديد ما أخاطبكم به، أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته آمين. وقد كنت جمعت في هذا فصلاً نسخته لكم على هيئته، وهو أن فتشت على مراتب الحقائق في دار القرار في الآخرة - وإما الدنيا فمحل مبيت بؤسها منقض (٢) ، وسورها منسي كأن ذلك لم يكن - فوجدتها عشر مراتب، منها ثلاث هي مراتب الملك، والعلو، والسبق. فأولها: مرتبة عالم يعلم الناس دينهم، فإن كل من عمل بتعليمه أو علم شيئاً مما كان هو السبب في علمه، فذلك العالم والمتعلم شريك له في الأجر إلى يوم القيامة على آباد الدهور، فيا لها منزلة ما أرفعها، أن يكون المرء أشلاء متمزعة في قبره أو مشتغلاً

стр. 843

في أمور دنياه وصحف حسناته متزايدة، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب ومواترة عليه من حيث لم يقدر. ويؤيد هذا قوله ﵇ (١) : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين "، وقوله لعلي (٢) : " فوالله يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك من حمر النعم "، وقوله ﵇ (٣) : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، فذكر ﵇ ولداً صالحاً يدعو له، وصدقة جارية، وعلماً ينتفع به " قوله (٤) : " من عمل في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء "، ويؤيد هذا قول الله : ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ (النحل: ٢٥) ، وقوله: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ (العنكبوت: ١٣) فأسأل الله أيها الاخوة أن يجعلنا وإياكم من أهل الصفة الأولى، وأن يعيذنا من الثانية. فبشروا من سن القبالات والمكوس ووجوه الظلم بأخزى الجزاء واعظم البوار في الآخرة، إذ سيئاتهم تتزايد على مرور الأيام والليالي، والبلايا تترادف عليهم وهم في قبورهم؛ ولقد كان أحظى (٥) لهم لو لم يكونوا خلقوا من الإنس. واعلموا [٢٤٠/أ] انه لولا العلماء الذين ينقلون العلم ويعلمونه الناس جيلاً بعد جيل لهلك الإسلام جملة، فتدبروا هذا وقفوا عنده وتفكروا فيه نعماً، ولذلك سموا ورثة الانبياء، فهذه مرتبة. والثانية: حكم عدل، فإنه شريك لرعيته في كل عمل خير عملوه في ظل عدله وأمن سلطانه بالحق لا بالعدوان، وله مثل أجر كل من عمل سنة حسنة سنها. فيا لها مرتبة ما أسناها أن يكون ساهياً لاهياً وتكسب له الحسنات، وأين هذه الصفة وأما الغاش لرعيته والمداهن في الحق، فهو ضد ما ذكرنا، ويؤيد هذا قوله ﵇ (٦) : " وغن المقسطين فيما ولوا على منابر من نور على يمين الرحمن "، أو كلاماً هذا معناه؛

стр. 844

فهذه ثانية. وأما الثالثة: مجاهد في سبيل الله ، فإنه شريك لكل من يحميه بسيفه في كل عمل خير يعمله، وإن بعدت داره في أقطار البلاد، وله مثل أجر من عمل شيئاً من الخير في كل بلد أعان على فتحه بقتال أو حصر (١) ، وله مثل أجر كل من دخل في الإسلام بسببه أو بوجه له فيه أثر إلى يوم القيامة. فيا لها حظوة ما أجلها أن يكون لعله في بعض غفلاته ونحن نصوم له ونصلي. واعلموا أيها الاخوة الأصفياء أن هذه الثلاث سبق [إليها] الصحابة ﵃، لأنهم كانوا السبب في بلوغ الإسلام إلينا وفي تعلمنا العلم، وفي الحكم بالعدل فيما ولوا، وفي فتوح البلاد شرقاً وغرباً، فهم شركاؤنا وشركاء من يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، وفي كل خير يعمل به مما كانوا السبب في تعليمه أو بسطه أو فتحه من الأرض. واعلموا أن لولا المجاهدون (٢) لهلك الدين ولكنا ذمة لأهل الكفر، فتدبروا هذا فإنه أمر عظيم، وإنما هذا كله إذا صفت النيات وكانت لله، فقد سئل النبي عن عمل المجاهد وما يدانيه، فأخبر ﵇ انه لا يعدله إلا أمر لا يستطاع، فسألوه عنه فقال كلاماً معناه (٣) : أيقدر أحدكم أن يدخل مصلاه إذا خرج المجاهد فلا يفتر من صلاة وصيام فقالوا: يا رسول الله، لا نطيق ذلك. فاخبرهم أن هذا مثل المجاهد. وأخبرهم أيضاً ﵇ (٤) : أن روث وبولها ومشيها وشربها الماء، وإن لم يرد سقيها، كل ذلك له حسنات. وسئل عن أفضل الأعمال، فأخبر بالصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد (٥) . وسئل ﵇ عن الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل ليرى مكانه فقال (٦) : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد " أو كما قال؛ وأخبر ﵇: أن الأعمال بالنيات. فهذه الثلاث المراتب هي مراتب السبق التي من أمكنه شيء منها فليجهد نفسه،

стр. 845

وما توفيقي إلا بالله . ومن احب قوماً فهو معهم، فقد قال رجل: يا رسول الله [٢٤٠ ب] متى الساعة فقال له ﵇: ماذا أعددت لها فاستكان الرجل وقال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له (١) : أنت مع من أحببت؛ أو كما قال ﵇. وبعد هذه المرتبة مرتبة رابعة، هي مرتبة الحظوة والقربة، وهي حالة إنسان مسلم فتح الله له باباً من أبواب البر مضافاً إلى أداء فرائضه، إما في كثرة الصيام أو كثرة صدقة، أو كثرة صلاة، أو كثرة حج وعمرة، وما أشبه ذلك، فهذا له نوافل عظيمة وخير كثير، إلا أنه ليس له إلا ما عمل، وصحيفته تطوى بموته، حاشا من حبس أرضاً أو أصلاً تجري صدقته بعده، كما اختار النبي لعمر ﵁ إذ شاوره فيما يعمل في أرضه بخيبر، فإن هذا أيضاً تلحقه الحسنات بعد موته ما دامت الصدقة. ولقد سمعت أبا علي الحسين بن سلمون المسيلي (٢) يقول كلاماً استحسنته، وهو انه قال لي يوماً: من كثرت ذنوبه فعليه بكسب الضياع. ولعمري لقد قال الحق، فإن الضيعة إذا كسبت من حل ومن ارض مباح اكتسابها، فقد نص النبي أن كل من أكل من غرس مسلم أو من زرعه فهو له صدقة (٣) . وإذا اكتسبت من غير وجه مرضي، فهي غل وثقل على من اكتسبها. فاعتمدوا على ما نص (٤) لكم نبيكم ﵇، ودعوا كلام الفساق من (٥) أهل الجهل الذين يفسدون في الأرض أكثر مما يصلحون. فيحكون عن رجل أنه وجد ابنته قد غرست دالة فقلعها وقال: إنا لم نبعث لغرس الدوالي. فاعلموا أن هذا الرجل جاهل سخيف العقل مخالف لرسول الله، مهلك للحرث، مفسد في الأرض. فهذه مرتبة رابعة، وهي دون المراتب الثلاث الأول.

стр. 846

ثم مرتبة خامسة: وهي مرتبة الفوز والنجاة، وهي حالة إنسان مسلم يؤدي الفرائض ويجتنب الكبائر ويقتصر على ذلك، فإن فعل هذا فمضمون له على الله تعالى الغفران بجميع سيئاته ودخول الجنة والنجاة من النار؛ قال الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر مات تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ (النساء: ٣١) ، وقد نص النبي ﵇ في الذي سأله عن فرائض الإسلام فأخبره بها فقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، قال ﵇ (١) : أفلح عن صدق، ودخل الجنة إن صدق. فهذه المراتب الخمس هي مراتب الزلفى والقربى التي لا خوف على أهلها ولا هم يحزنون. ثم بعدها مرتبتان [٢٤١/أ] وهما مرتبتا السلامة مع الغرر (٢) ، وعاقبتهما محمودة، إلا أن ابتداءهما مذموم مخوف هائل، وهما حال إنسان مسلم عمل خيراً كثيراً وشراً كثيراً، وأدى الفرائض وارتكب الكبائر، ثم رزقه الله التوبة قبل موته. والثانية حال امرئ مسلم عمل حسنات وكبائر ومات مصراً، إلا أن حسناته أكثر من سيئاته. وهذان غررا ولكنهما فائزان ناجيان بضمان الله لهما إذ يقول: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ (طه: ٨٢) ، ولقوله ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾ (القارعة: ٦) ولقوله تعالى ﴿عن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) ، ولا خلاف بين أحد من أهل السنة فيما قلنا من هذا. ثم مرتبة ثامنة وهي مرتبة أهل الأعراف، وهي مرتبة خوف شديد وهول عظيم، إلا أن العاقبة إلى سلامة، وهي (٣) حال امرئ مسلم تساوت حسناته وكبائره، فلم تفضل له حسنة يستحق بها الرحمة، ولا فضلت له سيئة يستحق [بها العذاب] . وقد وصف الله صفة هؤلاء في الأعراف، فقال تعالى بعد أن ذكر مخاطبة أهل الجنة لأهل النار ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم قالوا نعم﴾ (الأعراف: ٤٤) ثم قال بعد آية ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون* وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ (الأعراف: ٤٦ - ٤٧) .

стр. 847

فهذه الوقفة لا يعدل همها والإشفاق منها سرور الدنيا كله، ولكنهم ناجون من النار داخلون الجنة، لأنه لا دار سواهما، فمن نجا من النار فلابد له من الجنة، وليتنا نكون من هذه الصفة، فو الله إنها لمن أبعد (١) آمالي التي لا أدري كيف التوصل إليها إلا برحمة الله، وأما بعمل أعلمه مني فلا. ثم مرتبة تاسعة وهي مرتبة نشبة (٢) ومحنة وبلية وورطة ومصيبة وداهية، نعوذ بالله منها، وإن كانت العاقبة إلى عفو وإقالة وخير، وهي حال امرئ مسلم خفت موازينه ورجحت كبائره على حسناته، فهؤلاء الذين وصفوا في الأحاديث الصحاح أن منهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يبقى فيها ما شاء الله من الدهور، كما وصف النبي ﵇ في مانع الزكاة (٣) انه يبقى في العذاب الموصوف في الحديث يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى مصيره إلى جنة أو إلى نار، فيا لها بلية ما اعظمها؛ وكما نص ﵇ انه سأل أصحابه (٤) : " من المفلس عندك " قالوا: يا رسول الله، الذي لا دينار له ولا درهم، فاخبرهم ﵇ [٢٤١ب] أن المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة وله صيام وصلاة وصدقة فيوجد قد شتم هذا، وقتل هذا وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فينتصفون من حسناته حتى إذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئات هؤلاء الذين ظلم فرميت عليه، ثم قذف به في النار. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ (العنكبوت: ١٣) ، فيبقى هؤلاء في النار على قدر ما أسلفوا، حتى إذا بقوا كما (٥) جاء في الحديث الصحيح، جاءت الشفاعة التي ادخرها الله لنبيه ﷺ وجاءت الرحمة التي ادخرها الله لذلك اليوم الفظيع والموقف الشنيع وأخرجوا كلهم من النار فوجاً بعد فوج بعد ما امتحشوا أو صاروا (٦) حمماً. والله أيها الاخوة لولا أن عذاب الله لا يهون منه شيء ولا يتمناه عاقل لتمنيت أن أكون من هؤلاء خوفاً من خاتمة سوء، وأعوذ بالله مما يوجب الخلود ويقتضي جوابه تعالى إذ يقول: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ (المؤمنون: ١٠٨) ولكن يمنعني من

стр. 848

ذلك الرجاء في عظيم عفوه ، وأن النفس لا تساعد على أن تعد شيئاً من عذاب الله خفيفاً ولو نظرة إلى النار، أعاذنا الله منها، فوالله إن أحدنا ليستشنع موقف [جنا] يته أو موقف قصاصه بين يدي مخلوق ضعيف، فكيف بين يدي الخالق الذي ليس كمثله شيء، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فكيف بنار أشد من نارنا بسبعين ضعفاً فتأملوا ذلك عافانا الله وإياكم منها في فعل الصواعق في صم الهضاب وشم الجبال، فإنها تبلغ في التأثير فيها في ساعة ما لا تبلغه نارنا لو وقدناها هنالك عاماً مجرماً، فكيف بجلود ضعيفة ونفوس ألمة، هذا على أن الحسن البصري ﵁ ذكر يوماً موقف رجل يخرج من النار بعد ألف سنة فقال (١) : يا ليتني ذلك الرجل! وغنما تمنى الحسن هذا خوفاً من خاتمة شقاء، وأن يموت على غير الإسلام فيستحق الخلود في النار في الأبد. فقد كان ابن عمر ﵄ يدعو الله أن يميته على الإسلام، وكان الأسود بن يزيد (٢) يقول: ما حسدت أحداً حسدي مؤمناً قد دلي في قره! وإنما تمنى الأسود ذلك لأنه إذا مات مسلماً أمن الكفر. فهذه المرتبة أيها الأخوة مرتبة نعوذ بالله منها، فقد صح عن النبي ﵇ أن المرء المنعم في الدنيا يغمس في النار غمسة ثم يقال (٣) : أرأيت خيراً قط فيقول: لا ما رأيت خيراً قط! هذا في غمسة، فكيف بمن يبقى خمسين ألف سنة يجدد له فيها أضعاف العذاب على انه قد صح عن النبي ﵇ [٢٤٢/أ] من طريق أبي سعيد الخدري (٤) أن آخر أهل النار دخولاً الجنة وخروجاً من النار، وأقل أهل الجنة منزلة، رجل أمره الله أن يتمنى فيتمنى مثل ملك ملك كان يعرفه في الدنيا فيعطيه الله مثل الدنيا كلها عشر مرات، وهذا حديث صحيح، فلا يدخلنكم فيه داخلة لبراهين يطول فيها الكلام ولصغر قدر الأرض وقلته في الإضافة إلى قدر الآخرة وسعتها، يعلم ذلك من علم هيئة العالم وتفاهة الأرض في عظيم السموات. ولعمري إن هذه فضيلة عظيمة، لا سيما إذا أفكرنا أنها خالدة لا تنقضي أبداً. ولكن إذا أفكرنا فيما

стр. 849

قبلها من طول المكث بين أطباق النيران، يتجرعون الزقوم ويشربون الغسلين، ولهم مقامع من حديد، والأغلال في أعناقهم، والملائكة يسحبونهم على وجوههم، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، لم يف بذلك سرور وإن جل، ونٍال الله أن يجرينا وإياكم من هذه المرتبة، آمين. فلهؤلاء ذخرت الشفاعة وفي جملتهم يدخل من لم تكن له وسلية، ولا عمل خيراً قط غير اعتقاد الإسلام والنطق به، ولا استكف عن شر قط حاشا الكفر، على قدر ما يفضل من السيئات على الحسنات يكون العذاب، فأقله غمسة كما جاء في الحديث المذكور منه آنفاً، ولم يلج منه عضو في النار كما جاء في حديث جواز الصراط، وأكثره الذي ذكرنا أنه آخر أهل الإسلام خروجاً من النار في الحديث المذكور آنفاً. وأما المرتبة العاشرة فهي مرتبة السحق، والبعد، والهلكة الأبدية، وهي مرتبة من مات كافراً، فهو مخلد في نار جهنم لا يخفف عنهم من عذابها، ولا يقضي عليهم فيموتوا، خالدين فيها أبدا، سواء صبروا أم جزعوا، ما لهم من محيص. اللهم عياذك، عياذك، عياذك من ذلك، وقد هان كل ما تقدم ذكره عند هذه: " وإنما نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي " (١) ، ثبتنا الله وإياكم على الإسلام والإيمان وابتاع محمد ﵇. فهذا جواب ما سألتم عنه من السيرة المختارة التي أحسد عليها صاحبها، وأتمنى أعاليها، قد لخصتها وفسرتها، ثم أعيدها لكم مختصرة، ليكون أقرب للذكر وأسهل للحفظ إن شاء الله تعالى فأقول، وبالله التوفيق: إن أجل سير المسلم ثلاثة: طلب العلم، ونشره، والحكم بالعدل لمن ولي شيئاً من أمور المسلمين والجهاد - كل هذا مع أداء الفرائض واجتناب المحارم. وبعد هذا المداومة على الوتر، وركعتي الفجر والضحى، وركعتين في الليل وقبل الوتر [٢٤٢ ب] في منزله، وركعتين متى دخل المسجد، فإن زاد فليصل الضحى ثماني ركعات، وليصل اثنتي عشرة (٢) ركعة في آخر الليل في منزله قبل الوتر أو في أي وقت أمكنه من الليل، ولا أحب له الزيادة في الضحى على ما ذكرت، لكن من أراد الزيادة فليطول القراءة والركوع والسجود ما شاء، فإني أخاف عليه ما خافه مالك بن أنس إذ سأله سائل عن رجل أحرم قبل

стр. 850

الميقات، فكره ذلك وقال: لعله يتوهم أنه يأتي بأحسن مما (١) أتى به نبيه ﵇ فيهلك! وأنا لكل أحد أن يزيد على عدد ما كان ينتفل به نبيه محمد لوجهين: أحدهما قول الله : ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) ، والثاني: أن يخطر الشيطان في قلبه فيوسوس انه قد فعل من الخير أكثر مما كان محمد يفعله، فيهلك في الأبد ويحبط عمله، ويجد صلاته وصيامه في ميزان سيئاته، فيا لها مصيبة ما اعظمها، أن يحصل في جملة من قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ خاشعة* عاملة ناصية* تصلى ناراً حامية﴾ (الغاشية: ٢ - ٤) فلا دنيا ولا آخرة، على أن مداواة هذا البلاء لمن امتحن به سهلة، وهي أننا نقول له: ليعلم العاقل أن تكبيرة من رسول الله ﷺ اعظم عند الله واجل من كل عمل خير يعمله جميعنا، لو عمر العالم كله. فإن أحب المزيد كما ذكرنا فليركع أربع ركعات في منزله قبل الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد العصر، وركعتين بعد المغرب، وكل هذه النوافل فهي في البيوت أفضل منها في المسجد، وركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، إما في المنزل، وإما في المسجد، وست ركعات بعد صلاة الجمعة، ويستحب للمرء أن لا يقصر من الصيام عن صيام يوم عرفة ويوم عاشور التاسع والعاشر، وستة أيام من شوال مضافة إلى رمضان، لا يحول بينه وبينها إلا يوم الفطر وحده، فقد صح عن النبي ﵇ أن ذلك يعدل صيام الدهر، وان صيام يوم عرفة وعاشورا يكفر عامين وعاماً، وهذا أمر لا يزهد فيه إلا محروم. فإن أحب المزيد فليصم الاثنين والخميس، فإن أحب المزيد فليصم يوماً ويفطر يوماً، فإن زاد على ما ذكرنا فهو آثم عاص. سئل رسول الله عن صيام الدهر فقال: لا صام ولا أفطر. وقد روي عنه ﵇ ما هو أشد من هذا، وصح انه سئل عن أفضل من صيام يوم وإفطار يوم قال: " لا أفضل من ذلك " (٢) ، فمن [لم] ينته إلى ما حده له نبيه فلا عفا الله عنه. والحج والعمرة والتطوع كذلك حسن جداً وأجر عظيم، لا جزاء له إلا الجنة بنص كلامه ﵇، والصدقة بما تيسر، فإن الإكثار منها فيما فضل عن قوته وبما بقي له غناء، ولا تحل الصدقة [٢٤٣/أ] بأكثر من ذلك، وعياد مرضى الجيران، وشهود جنائزهم، فرض على مسلم جار على الكفاية، ولقاء الناس بالبشر والبر وانطلاق

стр. 851

الوجه، وهذا كله بعد أداء الفرائض واجتناب الكبائر، ويستحب من الذكر ما تقدم في أول هذه الرسالة، فبهذا يتخلص المسلم من عذاب الله، ويستوجب الجنة بفضل الله، فمن عجز عن هذا كله فليقتصر على أداء الفرائض واجتناب الكبائر فإنه فائز، ومع هذا فليخف ربه وليحسن الظن به، فقد صح عنه ﵇ انه قال (١) : إن الله يقول: انا عند ظن عبدي بي. فاعلموا أن تحسين الظن بالله تعالى أجر عظيم، وانه عمل بالقلب رفيع فاضل، فلعل ربه تعالى قد حفظ له حسنة لا يلقي العبد إليها باله ولا يذكر علتها، كما أنه أيضاً ربما هلك بسيئة حفظت عليه كان هو يحقرها، وليدم على فعل الخير وإن قل، فبهذا جاء الأثر الصحيح (٢) : " عن أحب الأعمال إلى الله أدومها ". ولا احب لنفسي ولكم ولا لأحد من المسلمين التقصير عن هذا، فمن ابتلي بالتقصير عنه فليتدارك نفسه بالتوبة والندم والاستغفار فيما سلف فإنه يجد ربه قريباً إذا راجعه، قابلاً له إذا فزع إليه، غافراً لما سلف من ذنوبه كما قال تعالى ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب﴾ (غافر: ٣) . فمن امتحن بتسويف التوبة ومماطلة النفس، فليكثر من فعل الخير ما أمكنه، ولعل حسناته تذهب سيئاته، وليدخل في قوله: ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم﴾ (التوبة: ١٠٢) ، ولعله (٣) يقل مكثه في النار، فقد جاء النص الصحيح بتفاضل مقامهم، فمن ابتلي وعجز فليتمسك بالعروة الوثقى، عروة الإسلام، وليعلم قبح ما يقول، فلعله ينجو من الخلود، وهو ناج منه بلا شك عن مات مسلماً. ٣ - وسألتم - رحمنا الله وإياكم - عن طلب العلم، وهل الآداب من العلم، تعنون (٤) النحو واللغة والشعر، وعن طلب الاشتغال بروايات القراء السبعة المشهورين على اختلاف ألفاظها وأحكامها، وعن قراءة الحديث، وعن مسائل، فنعم - وفقنا الله وإياكم لما يرضيه -: أما الاشتغال بروايات القراء المشهورين السبعة وقراءة الحديث وطلب علم النحو، واللغة، فإن طلب هذه العلوم فرض واجب على المسلمين على الكفاية، بمعنى أن من

стр. 852

قام بطلبها حتى يعم بعلمه تعليم من طلبها أو فتيا من استفتاه فيها من أهل بلده أو قريته، فإذا قام بذلك من يغنى بهذا القدر، سقط فرض طلبها حينئذ عن الباقين، إلا ما يخص كل إنسان في نفسه فقط، فالذي يلزم كل إنسان من حفظ القرآن فهو أم القرآن وشيء من القرآن معها، ولو سورة أي سورة كانت، أو أي آية، فهذا لابد لكل إنسان منه. ثم طلب علم القرآن واختلاف القراء السبعة فيه وضبط قراءتهم [٢٤٣ ب] كلهم، فرض على الكفاية وفضل عظيم لمن طلبه إن كان في بلده كثير ممن يحكمه وأجر جزيل، قال ﵇ (١) : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، فكفى بهذا فضلاً، وقد أمر ﵇ بتعليم القرآن فمن تعلمه فهو خير، ولو ضاع هذا الباب لذهب القرآن وضاع، وحرام على المسلمين تضييعه، وذهابه من أشراط الساعة، وكذلك ذهاب العلم. وأما النحو واللغة ففرض على الكفاية أيضاً كما قدمنا، لان الله يقول: ﴿وما أرسلنا من سرول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (إبراهيم: ٤) ، وأنزل القرآن على نبيه ﵇ بلسان عربي مبين، فمن لم يعلم النحو واللغة، فلم يعلم اللسان الذي به بين الله لنا ديننا وخاطبنا [به] ومن لم يعلم ذلك فلم يعلم ذلك فلم يعلم دينه، ومن لم يعلم دينه ففرض عليه أن يتعلمه، وفرض عليه واجب تعلم النحو واللغة، ولابد منه على الكفاية كما قدمنا، ولو سقط علم النحو واللغة على نية إقامة الشريعة بذلك، وليفهم بهما كلام الله تعالى وكلام نبيه وليفهمه غيره، بهذا له أجر عظيم ومرتبة عالية لا يجب التقصير عنها لأحد. وأما من وسم اسمه باسم العلم والفقه وهو جاهل للنحو والغة فحرام عليه أن يفتي في دين الله بكلمة، وحرام على المسلمين أن يستفتوه، لأنه لا علم له باللسان الذي خاطبنا الله تعالى به. وإذا لم يعلمه فحرام عليه أن يفتي بما لا يعلم؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء: ٣٦) ، وقال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (الأعراف: ٣٣) ، وقال تعالى: ﴿وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ (النور: ١٥) . فمن لم يعلم

стр. 853

اللسان الذي به خاطبنا الله ، ولم يعرف اختلاف المعاني فيه لاختلاف الحركات في ألفاظه، ثم أخبر عن الله بأوامره ونواهيه فقد قال على الله ما لا يعلم. وكيف يفتي في الطهارة من لا يعلم الصعيد في لغة العرب وكيف يفتي في الذبائح من لا يدري ماذا يقع عليه اسم الذكاة في لغة العرب أم كيف يفتي في الدين من لا يدري خفض اللام أو رفعها من قول الله ﴿إن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (التوبة: ٣) ، ومثل هذا في القرآن والسنة كثير، وفي هذا كفاية. فمن طلب علم النحو واللغة على النية التي ذكرنا فهو [٢٤٤/أ] أعظم أجر وأفضل علم، ومن طلبهما ليكونا له مكسباً ومعاشاً فهو مأجور محسن، ولكن أجره دون أجر الأول، وفوق سائر الصناعات التي يعاش منها، لأنه يعلم الخير ويبقي آخر عالماً فيمن علم، ومن طلبهما ليتوصل بهما إلى إقامة المظالم وإحياء رسوم الجور والتدرب في أحكام المكوس والقبالات والمخاطبة عن فساق الملوك بما يرضيهم ويسخط الله ، فقد خاب وخسر وغدا في لعنة الله وراح فيها، لأنه ظالم، وقد قال الله: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (هود: ١٨) . وأما علم الشعر فإنه على ثلاثة أقسام: أحدها (١) : أن لا يكون للإنسان علم غيره فهذا حرام، يبين ذلك قوله ﵇ (٢) : لان يملأ، أو يمتلئ، جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً. والثاني: الاستكثار منه، فلسنا نحبه وليس بحرام، ولا يأثم المستكثر منه إذا ضرب في علم دينه بنصيب، ولكن الاشتغال بغيره أفضل. والثالث: الأخذ منه بنصيب، فهذا نحبه ونحض عليه، لان النبي ﵇ قد استنشد الشعر، وأنشد حسان على منبره ﵇. وقال ﵇ (٣) : " إن من الشعر حكماً " وفيه عون على الاستشهاد في النحو واللغة. فهذا المقدار هو الذي يجب الاقتصار عليه من رواية الشعر، وفي هذا كفاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما من قال الشعر في الحكمة والزهد فقد أحسن وأجر، وأما من قال معاتباً

стр. 854

لصديقه ومراسلاً له، وراثياً من مات من إخوانه بما ليس باطلاً، ومادحاً لمن استحق الحمد بالحق، فليس بآثم ولا يكره ذلك، وأما من قال هاجياً لمسلم، ومادحاً بالكذب، ومشبباً بحرم المسلمين، فهو فاسق، وقد بين الله هذا كله بقوله ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ (الشعراء: ٢٢٤) . والذي يجب على طالب العلم أن لا يقتصر على أقل منه من النحو، فمعرفة (١) ما يمر من القرآن والسنة من الإعراب، ويكفي من ذلك كتاب الواضح أو كتاب الزجاجي (٢) ، فإن قال وأوغل حتى يحكم كتاب سيبويه وما جرى مجراه فقد أحسن، وذلك زيادة في فضله وأجره. وأما من اللغة فمثل ذلك أيضاً، ويجزئ عنه منه [٢٤٤ ب] الغريب المصنف لأبي عبيد (٣) ، فإن زاد وأوغل واستكثر من دواوين اللغة فقد أحسن وأجر. ويجب رواية شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ﵃، وما خف من مختار أشعار الجاهلين ومختار أشعار المسلمين، غير مستكثر من ذلك، ولكن بقدر ما يتدرب في فهم معاني لغة العرب ومخارج كلامهم. وعلم الحساب والطب أيضاً من العلوم الرفيعة، فمن طلب علماً من ذلك لينتفع به الناس في القسمة والعلاج وحساب مقابلتهم فهو مأجور. وتعلم هذا المقدار فرض على الكفاية، إذ لو جهل هذا لضاع كثير من الدين، كحساب الوصايا والمواريث ومعرفة البيوع وغير ذلك. ومن طلبهما ليكتسب منهما فمأجور أيضاً، ومن طلبهما ليتوصل بهما إلى الظلم فآثم فاسق. وأما معرفة قراءة الحديث ففرض على الكفاية بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (التوبة: ١٢٢) . ولا سبيل إلى التفقه في الدين إلا بمعرفة أحكام القرآن، وحديث النبي ﷺ ، صحيحه من سقيمه، وناسخه من منسوخه، وما أجمع عليه مما اختلف فيه، فهذا أفضل ما استعمل المرء فيه نفسه، وأعظم ما يحاول لأجره وأمحاه لذنوبه. وقد قسم النبي هذا الباب أقساماً

стр. 855

كثيرة كافية كما حدثنا القاضي حمام بن احمد، قال: ثنا عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، نبا أبو أحمد الجرجاني، نبا محمد بن يوسف الفربري، نبا محمد بن إسماعيل البخاري، نبا محمد نبا حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ أنه قال (١) : " مثل ما بعثني الله [به] من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى به [الناس] فشربوا وسقوا وزرعوا (٢) ، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم (٣) ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به "؛ فهذا الحديث أيها الاخوة الأصفياء لو لم يأتنا غيره لكفانا، ففيه جماع (٤) طبقات الناس كما ترون، والطائفة الأولى التي (٥) أنبتت الكلأ والعشب هم الذين فهموا معاني القرآن والحديث وتدينوا بها وعلموها الناس؛ والطائفة الثانية التي أمسكت الماء فشرب الناس منها فسقوا ورعوا هم الشيوخ الذين رووا لنا الحديث [٢٤٥/أ] ، وقيدوه وعنوا به وبلغوا إلينا فأخذناه عنهم وإن لم يكن لهم فقه فيه، ولكنهم ﵃ أجروا فينا أجراً عظيماً، لأنهم كانوا سبب علمنا، فهم شركاؤنا في كل ما قيدنا وعلمنا مما أخذنا عنهم، والطائفة الثالثة هي المعرضة عن النبي ﷺ التي لا ترفع به رأساً ولا تقبله إذا سمعته ولا تعنى به ولا تطلبه، كما أن تلك القيعان مر عليها الماء مراً، كما دخل خرج، فمن استطاع منكم أيها الإخوة في الله أن يكون من الطائفة الأولى النقية فليفعل، فحسب الواحد منا أن يكون في جملة من أثنى عليه رسول الله ﷺ . وإن لم يمنح ذلك، فليكن من الأجادب التي تمسك الماء، لعل الله ينفع بنا وبكم في ذلك، ولو أن يموت أحدنا وهو مقيد بحديث النبي يشاهد مجالسة طالب له مستكثر منه، فأعيذ نفسي وإياكم بالله أن نكون من القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.

стр. 856

وأما كتب الرأي، فاعلموا أنها لا تحل قراءتها على معنى تقليد ما فيها والتدين به، ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول عن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء: ٥٩) ، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فحرام عليه أن يرد شيئاً مما اختلف فيه إلى قول عائشة وأم سلمة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ والعباس، ﵃ أجمعين، وهؤلاء أفاضل الأمة وعلماؤها، فكيف إلى قول أبي حنيفة وإلى سفيان ومالك والشافعي وأحمد وداوود وأبي يوسف ومحمد وابن القاسم لان من رد ذلك إلى غير القرآن وحديث النبي ﵇، فقد خالف ما أمره به تعالى في الآية المذكورة. ومن لم [يفعل] ما أمر الله تعالى به، فقد عصى الله ورسوله واستحق أقبح الصفات، ولم يحكم بما أنزل الله ﴿ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (المائدة: ٤٧) . وقد أخبرنا حمام بن أحمد (١) ، قال ثنا عبد الله بن علي الباجي (٢) ، ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن (٣) ، نبا أحمد بن مسلم، نبا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، نبا وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة، عن أبيه [٢٤٥ ب] ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ أنه قال (٤) : " لا ينزع العلم انتزاعاً من قلوب الرجال، ولكن ينزع بذهاب العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا ". وقال عبد الله بن عمر: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيماً حتى فشا فيهم أبناء سبايا الأمم فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا. وقد أخبرنا بهذا الحديث أيضاً حمام بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم، نبا أبو أحمد وأبو زيد المروزي كلاهما عن محمد بن يوسف الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري، نبا سعيد بن تليد، نبا ابن وهبن ثني عبد الرحمن بن شريح وغيره عن محمد أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول:

стр. 857

سمعت رسول الله يقول (١) : " إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعاً، ولطكن ينتزعه بقبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال فيستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون " فهذان عدلان جليلان أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة (٢) وهشام شهدا على عروة، وشهد عروة على عبد الله، وعبد الله على رسول الله ﷺ بما أبلغتكم، وليس اختلاف الألفاظ بموجب تعليلاً في الرواية إذا كان المعنى واحداً فقط، فصح ان النبي كان إذا حدث بحديث كرره ثلاث مرات فيؤديه السامع على حسب ما سمع في كل مرة: فهذه صفة الرأي. واعلموا رحمكم الله أني أقول إعلاناً لا أسره ان تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة ﵃، ولا في قرن التابعين ولا في قرن تابع التابعين، وهذه هي القرون التي أثنى النبي عليها، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي ﷺ ، وأنه لا سبيل إلى وجود رجل في القرون الثلاثة المتقدمة قلد صاحباً أو تابعاً أو إماماً أخذ عنه في جميع قوله فأخذه كما هو، وتدين به وأفتى به الناس، فالله الله في أنفسكم، لا تفارقوا ما مضى عليه جميع الصحابة أولهم عن آخرهم وتابعهم عن [متبوعهم] ، وتابع التابعين أولهم عن آخرهم، دون خلاف من واحد منهم، من ترك التقليد واتباع أحكام القرآن وحديث النبي ﵇ وروايته والعمل به. فاجتنبوا هذه [٢٤٦/أ] الحادثة في القرن المذموم المخالفة للإجماع المتقدم، وبعد أزيد من مائتين وخمسين عاماً من موت النبي ﵇، فكل بدعة ضلالة، فقد نصحت لكم وأديت ما لزمني في ذلك، وبقي ما عليكم. فقد صح عن النبي ﷺ (٣) : " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وإنما يجوز قراءة كتب الرأي على وجه اذكره لكم، وهو طلب ما أجمع عليه أئمة العلماء فيتبع ويوقف عنده، لان الله امرنا في الآية التي تلونا بطاعة أولي الأمر منا ولنعرف ما اختلف فيه العلماء فيعرض على كتاب الله ، وعلى حدي النبي، فلأي تلك الأقوال شهد القرآن والسنة المأثورة عن رسول الله ﷺ أخذنا به، ونترك سائر ذلك عن كنا

стр. 858

نؤمن بالله وباليوم الآخر، فهو أعرف بنفسه (١) . فعلى هذا الوجه يجب قراءة كتب الرأي، لا على ما سواه. فمن قرأها على هذا أجر، وانتفع بها جداً، وأما من قرأها متديناً بها غير عارض لها على القرآن وحديث النبي فهو فاسق، لعصيانه ما أمره الله تعالى به، ولأنه لم يحكم بما انزل الله: فمن جمع إلى هذا استحلال مخالفة ما روي عن النبي ﷺ مما يعتقد صحته عنه ﵇ لقول أحد دونه، واعتقد ان هذا جائز فهو كافر مشرك مرتد عن الديانة، منسلخ عن الإسلام، حلال الدم والمال. وروينا عن النبي انه قال (٢) : " كل أحد يدخل الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ". ولا يحسبوا أني سبقت إلى هذا القول، فمعاذ الله ان أقول ما لم يقله الله تعالى ورسوله، قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (النساء: ٦٥) . فأنا أقول: والله ما آمن من حكم غير رسول الله في دينه. واعلموا أيضاً أن هذا الذي قلت هو رأي الشافعي ومالك وإسحاق بن راهويه، فإنه بلغني عن مالك، ﵀، انه سأله سائل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في رجل قيل له: قال النبي كذا، فقال هو: قال إبراهيم النخعي كذا فقال مالك: أرى أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وبلغني عن الشافعي، ﵀، انه ذكر يوماً حديثاً عن النبي ﵇ [٢٤٦ ب] فقال له إنسان: يا أبا عبد الله، أتأخذ بهذا الحديث فقال له الشافعي: أرأيت يا هذا علي زناراً خارجاً من كنيسة تسمعني أحدث عن النبي صلى الله [عليه] وسلم وتقول لي: تأخذ به وما لي لا آخذ به إذا صح الحديث عن رسول الله فهوديني وقولي. وذكر محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه انه قال: من سب رسول الله أو ترك صلاة فرضاً متعمداً حتى خرج وقتها بلا عذر أو رد حديثاً مسنداً صحيحاً بلغه عن رسول [الله] ، فهو كافر مشرك. وقد سمعنا أصحابنا يحكون عن ابن القاسم، ﵀، انه كان لا يجيز بيع كتب الرأي، فسئل عن ذلك فأخبر أنه لا يدري أحق هو أم باطل، وأجاز بيع المصاحف وكتب الحديث، لان الذي فيها حق. فكيف يظن جاهل لا يتقي الله عز

стр. 859

وجل أن مالك بن أنس وابن القاسم يلزمان الناس بتقليدهما وهما يقران أنهما لا يعلمان أحق ما أفتيا برأيهما أم باطل وقد صح ما هو أغلظ من هذا، وهو أن مالكاً ﵁ تمنى عند موته أن يضرب بكل مسألة أفتى فيها برأيه سوطاً، وهكذا كان الأئمة الفضلاء قبل زماننا هذا المدبر، ﵃ وعن الباقين، وفاء بالجميع إلى طاعته، ووالله لقد خذل الله وجل أمة تدين بشيء تمنى قائله أن يضرب بالسياط ولا يقوله. وأما ما ذكرتم من أمر قارئ هذه العلوم إن حضر بباله عند (١) الاشتغال بها حب الرئاسة في الدنيا وطلب الظهور، وكيف إن كان معظم نيته هذا المعنى. فهذا مذهب سوء. صح عن النبي أنه قال (٢) : " من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ". والحديث الصحيح الذي رويناه عن النبي ﷺ وفيه أنه (٣) " يؤتى يوم القيامة برجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه الله نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، وقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار "، والحديث الصحيح عن النبي أنه قال (٤) : " إن الله تعالى قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه ". وفيما ناولني حمام بن أحمد، وأخبرني أنه أخبر به العباس بن أصبغ [٢٤٧/أ] عن محمد بن عبد الملك بن أيمن. نبا إسماعيل بن إسحاق القاضي ببغداد، نبا إسماعيل ابن أبي أويس، ثني أخي يعني أبا بكر، عن سليمان بن بلال، عن إسحاق بن يحيى ابن طلحة، عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال (٥) : " من ابتغى العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء، أو ليقبل بأفئدة الناس إليه فإلى النار ". وهذه أحاديث في غاية الصحة، وأولاد كعب بن مالك ثقات كلهم، وهم ثلاثة مشهورين: عبد الله وعبد الرحمن وسعيد، فهذا أصلحكم الله وإيانا فتيا

стр. 860

نبيكم ﵇، وكلام ربكم ، فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون (١) أم أي قول بعد قول الله تعالى وكلام نبيه محمد ﷺ تطلبون وتقرءون (٢) لا كفى الله من لم يكفه قول ربه تعالى، وقول نبيه ﵇. فالله الله عباد الله، تداركوا أنفسكم بتصفية نياتكم في هذا الباب وفي العمل المرغوب في الصلاة والصيام والصدقة، ولا تشوفوا في شيء منه قصداً لغير وجه الله تعالى؛ فوالذي لا إله إلا هو إن من طلب علماً من علوم الديانة ليدرك به عرض دنيا أو ذكراً في الناس أو عمل عملاً مما أمره الله تعالى بعمله له فعمله هو لغيره تعالى، لقد كان أحظى له في آخرته وأسلم في عاقبته وأنجى له عند ربه تعالى أن يكون دفافاً أو بهزرياً (٣) . ووالله لأن يلقى الله تعالى عبد بكل بائقة (٤) دون الشرك، لا أخص من ذلك قتل النفس ولا قطع الطريق ولا ما دونهما، أخف وزراً من أن يلقاه وقد تدين لغيره وصلى وصام لسواه. واعلموا رحمكم الله أن من تعدم اللهو واللعب حتى مضى وقت صلاة مفروضة ولم يصلها، أخف ذنباً عند الله تعالى ممن صلاها لأجل الناس، ولولاهم ما صلاها، لأن كل إنسان من الذين ذكرنا لم يصل الصلاة التي أمر بها، وزاد هذا الآخر على الأول أن صلاها لغير الله تعالى؛ وكذلك من طلب العلم لغير الله تعالى، فإنه ترك الاشتغال بما يصلحه في دنياه وبما يروح به نفسه من البطالة، وأتعب نفسه في أفضل الأعمال، فقصد به التقرب إلى الناس فوكله الله إلى من قصده، وقال ﵇ (٥) : [٢٤٧ب] " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " أو كما قال عليه [السلام] ، فالجد الجد فإن لإبليس اللعين ها هنا مسلكاً خفياً ومدبا (٦) لطيفاً ومولجاً دقيقاً يحبط به الأعمال ويهلك به الرجال، أجارنا الله وإياكم من كيده وبغيه، ولا وكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنهلك. وأنا أريكم إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله، ميلقاً (٧) يعرف به كل

стр. 861

واحد منكم وغيركم ممن يقرأ كتابي هذا، إن كانت نيته صادقة لله أو مشوبة بقصد (١) إلى غيره، وذلك أن يفكر المرء في نفسه فيما يعمل من طلب علم أو فعل بر فيقول لها: يا نفس، أرأيت لو أن من يراني أو يبلغه خبري من الناس يكون طريقتهم في العلم وفي طلبه وفي عملهم على خلاف ما هم عليه كانوا يكرهون هذا الوجه من طلبي لما أطلب، ولا يستحسنون ما أفعل من البر، أكنت تفعلينه أم لا فإن علم من نفسه أنها كانت تفعل ذلك، سخط الناس أم رضوا، نفق عندهم أو كسد، فليحمد ربه تعالى وليبشر، كان (٢) عمله وطلبه خالصاً. وإن وجد نفسه تخبره أن الناس لو كرهوا ما يطلب وما يعمل لم يطلبه ولم يعمله، فليعلم أنه هلك وأن عمله وتعبه عليه لا له، وأنه قد خسرت صفقته، وأنه قد أشرك في نيته وعمله غير ربه تعالى، إذ قرن به الناس، فمن أضيع (٣) عملاً أو أسوأ منقلباً من هذا نعوذ بالله من هذه المرتبة، ونسأله التوقي من هذا. وليت شعري على ماذا يحصل المسكين الذي يطلب العلم ليحظى (٤) به في دنياه والله لا حصل من ذلك إلا (٥) على دنيا منغصة، ولباس خشن، ولذات يستتر بها استتار الغراب بسفاده ولا يتهناها موفرة، وعلى ما (٦) لا توفى نفسه منها. ولو طلب الدنيا على وجهها لكان أنفذ لأمره وأعظم لجاهه وأكثر لماله وأوفر للذاته وأتم لهيبته، وأقل لوزره، وأخف لعذابه. ولا يغرنكم ما يقول كاذب على العلماء: " طلبنا العلم لغير الله، فما زال بنا حتى ردنا إلى الله "، فلعمري إن جديراً ألا يبارك (٧) تعالى في كل شيء ابتدأ لغير وجهه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل [٢٤٨/أ] . وأما إن نوى في عمله أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ويحكم بالعدل إن ولي شيئاً من أمور المسلمين، وأن يظهر في ذلك الحق ما أمكنه، رضي الناس أم سخطوا، وأحب مع ذلك أن لا يذل ويكرم، وكانت نيته أن لا تأخذه في الله لومة لائم إن آتاه الله حظاً من الدنيا، وسره أن يؤتى مالاً حلالاً لا يأكله بخلافه ولا يكتسبه بدينه ولم يترك

стр. 862

لذلك أمراً يعتقده حقاً، ولا استعمل لأجل رغبته فيما ذكرنا أمراً يراه باطلاً، فهذه نية خير ومقصد حسن، ومذهب فاضل كانت عليه الصحابة والتابعون وأئمة الخير. وقد قال رسول الله [ ﷺ ] (١) : " المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ". وقد أثنى الله تعالى على ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ (الحج: ٤١) والدلائل على كل ما قلنا من القرآن والحديث تكثر جداً، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى. ٤ - وأما ما سألتم عنه من أي الأمور أفضل في النوافل: الصلاة أم الصيام أم الصدقة فقد جاءت الرغائب في كل ذلك، وكلها فعل حسن، وما أحب للمؤمن أن يخلو من أن يضرب في هذه الثلاث بنصيب ولو بما قل، إلا أن الصدقة الجارية في الثمار في الأرضين أحب إلي من الصلاة والصوم في التنفل. وقد روينا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " إذا صمت ضعفت عن الصلاة. والصلاة أحب إلي من الصيام "، ولسنا نقلد في ذلك ابن مسعود، ولا نقول أيضاً إن هذا ليس كما قال، ولكني أقول: " والله أعلم "، إذ لا نص في ذلك عن النبي ﵇؛ ولكني قد قلت: إني أحب للمؤمن أن يضرب في كل هذه الثلاثة نصيب ويأخذ بحظه من كل واحد منها وإن قل، فلذلك إن شاء الله خير له بلا شك من أن يأخذ بإحداهن ولا يأخذ من الباقيين نصيباً. وبيان ذلك أنه قد صح عن النبي ﷺ أن المصلين يدعون (٢) من باب الصلاة، والصائمين يدعون من باب الصيام، وأصحاب الصدقة يدعون من باب الصدقة (٣) ، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها. فقال: نعم، وأرجو أن تكون منهم. فإنما اخترنا ما بشر به [٢٤٨ب] النبي ﷺ أبا بكر، وحسبك بهذا اختياراً فاضلاً، جعلنا الله وإياكم من أهله، آمين. ٥ - وأما ما سألتم عنه مما روي في حديث التنزل، وهل الإجابة مضمونة في تلك الساعة، فحديث التنزل صحيح، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿ادعوني

стр. 863

أستجب لكم﴾ (غافر: ٦٠) ، وأخبرنا تعالى أنه لا يخلف الميعاد، ولكن ها هنا بينت ما سألتم عنه بياناً شافياً وهو قوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر: ١٠) ، فإنما شرط الإجابة العمل الصالح، أو أن يكون الداعي مظلوماً، على ما جاء في الأثر عن النبي ﵇ فمن دعا وعمله صالح أو هو مظلوم فقد جاء في الأثر عن النبي ﵇: أن دعاء المؤمن لا يخلو من إحدى ثلاث: إما تعجيل إجابة، وإما كفاية بلاء، وإما تعويض أجر، أو كلاماً هذا معناه. فاعلموا وفقنا الله وإياكم أن من دفع الله تعالى عنه بلاء، أو عوضه أجراً فقد أجاب دعاءه ولم يخيبه، وللإجابة في اللغة معنى غير الإسعاف، يقال في اللغة: ناديت فلاناً فأجابني، ودعوته فأجابني بمعنى أتاني، فالإجابة من الله تعالى بمعنى قبول عمل العامل في الدعاء وتعويضه عنه الأجر ودفعه عنه البلاء، وربما يفضل الله تعالى بإسعافه في أن يكون ما طلب، إذا كان مما سبق في علم الله تعالى أن يكون. ٦ - وأما ما سألتم عنه من أمر هذه الفتنة وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امتحنا به، نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون (١) على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه [٢٤٩/أ] ، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا. فقد صح عن النبي

стр. 864

صلى الله عليه وسلم أنه قال (١) : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ". وجاء في بعض الأحاديث: ليس وراء ذلك من الإيمان شيء، أو كما قال ﵇؛ وجاء في الأثر الصحيح عن النبي ﷺ (٢) : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب ". واعلموا رحمكم الله انه لا عذاب أشد من الفتنة في الدين، قال الله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ (البقرة: ١٩١) ، فأما الغرض الذي لا يسع أحداً فيه تقية، فأن لا يعين ظالماً بيده ولا بلسانه، ولا أن يزين له فعله ويصوب شره، وعاديهم بنيته ولسانه عند من يأمنه على نفسه، فإن اضطر إلى دخول مجلس أحدهم لضرورة حاجة أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن مسلم، أو لإظهار حق يرجو إظهاره، او الانتصاف من ظالم آخر، كما قال تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾ (الأنعام: ١٢٩) أو لصداقة سالفة - فقد يصادق الإنسان المسلم اليهودي والنصراني لمعرفة تقدمت - أو لطلب يعانيه، أو لبعض ما شاء الله ، فلا يزين له شيئاً من أمره ولا يعنيه ولا يمدحه على ما لا يجوز، وإن أمكنه وعظه فليعظه، وإلا فليقصد إلى ما له قصد غير مصوب له شيئاً من معاصيه، فإن فعل فهو مثله، قال الله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (هود: ١١٣) وفي هذا كفاية. ٧ - وأما ما سألتم عنه من وجه السلامة في المطعم والملبس والمكسب، فهيهات أيها الإخوة، إن هذا لمن أصعب ما بحثتم عنه وأوجعه للقلوب وآلمه للنفوس. وجوابكم في هذا ان الطريق ها هنا طريقان: طريق الورع، فمن سلكه فالأمر - والله - ضيق حرج. وبرهان ذلك أني لا أعلم لا أنا ولا غيري بالأندلس درهما حلالاً [٢٤٩ ب] ولا ديناراً طيباً يقطع على انه حلال، حاشا ما يستخرج من وادي لاردة (٣) من ذهب، فإن الذي ينزل منه في أيديهم، يعني أيدي المستخرجين له بعد ما يؤخذ منهم ظلماً فهو كماء النهر في الحل والطيب، حتى إذا ضربت الدراهم وسبكت الدنانير فاعلموا أنها تقع في أيدي الرعية فيما يبتغونه من الناس من الأقوات التي لا تؤخذ إلا منهم، ولا

стр. 865

توجد إلا عندهم من الدقيق والقمح والشعير والفول والحمص والعدس واللوبيا والزيت والزيتون والملح والتين والزبيب والخل وأنواع الفواكه والكتان والقطن والصوف والغنم والألبان والجبن والسمن والزبد والعشب والحطب. فهذه الأشياء لابد من ابتياعها من الرعية عمار الأرض وفلاحيها ضرورة. فما هو إلا أن يقع الدرهم في أيديهم، فما يستقر حتى يؤدوه بالعنف ظلماً وعدواناً بقطيع (١) مضروب على جماجمهم كجزية اليهود والنصارى، فيحصل ذلك المال المأخوذ منهم حق عند المتغلب عليهم، وقد صار ناراً، فيعطيه لمن أختصه لنفسه من الجند الذين استظهر بهم على تقوية أمره وتمشية دولته، والقمع لمن خالفه والغارة على رعية من خرج من طاعته أو رعية من دعاه إلى طاعته، فيتضاعف حر النار، فيعامل بها الجند التجار والصناع، فحصلت بأيدي التجار عقارب وحيات وأفاعي، ويبتاع بها التجار من الرعية، فهكذا الدنانير والدراهم كما ترون عياناً دواليب تستدير في نار جهنم، هذا ما لا مدفع فيه لأحد، ومن أنكر ما قلنا بلسانه فحسبه قلبه يعرفه معرفة ضرورية، كعلمه أن دون غد اليوم، فإذا فاتنا الخلاص فلا يفوتنا الاعتراف والندم والاستغفار، ولا نجمع ذنبين: ذنب المعصية وذنب استحلالها، فيجمع الله لنا خزيين وضعفين من العذاب، نعود بالله منذلك، ولنكن كما قال الله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ (آل عمران: ١٣٥) ، هذا مع ما لم نزل نسمعه (٢) سماع استفاضة توجب العلم الضروري أن الأندلس لم تخمس وتقسم كما فعل رسول الله فيما فتح، ولا استطيبت أنفس المستفتحين، وأقرت لجميع [٢٥٠/أ] المسلمين، كما فعل عمر ﵁ فيما فتح، لكن نفذ الحكم فيها بان لكل يد ما أخذت، ووقعت فيها غلبة بعد غلبة، ثم دخل البربر والأفارقة فغلبوا على كثير [من القرى دون قسمة] (٣) ، ثم دخل الشاميون في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري فأخرجوا اكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم، كما ترون الآن من فعل البربر، ولا فرق، وقد فشا في المواشي ما ترون من الغارات و [في] ثمار الزيتون ما تشاهدون من استيلاء

стр. 866

البربر والمتغلبين على ما بأيديهم إلا القليل التافه، ومشى في بلاد المتغلبين يقيناً العرى الحالسة (١) ظلم بظلم. وهذا باب الورع وقد أعلمتكم انه ضيق. وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زماننا هذا باب جدي لأنه لا يؤثم صاحبه، ولا يؤجر، وليس على الناس أن يتجنوا على أصول ما يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم إذا كان الأغلب هو الحلال وكان الحرام مغموراً. وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه، فإنما هو باب أغلق [] فرقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله، لأن الغايات [..] (٢) فإنما هي جزية على رءوس المسلمين يسمونها بالقطيع، ويؤدونها مشاهرة وضريبة على أموالهم من الغنم والبقر والدواب والنحل، يرسم على كل رأس، وعلى كل خلية شيء ما، وقبالات ما، تؤدى على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد. هذا كل ما يقبضه المتغلبون اليوم، وهذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي (٣) من الله . والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين (٤) ، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه. فإن قلتم: نحن نجتنب اللحم، فانتم تعلمون علماً يقيناً أن المواشي المغنومة ليست تباع للذبح فقط، بل تباع للنسل والرسل كثيراً وللحرث بها، فتباع ويؤخذ فيها الثمن، وهو نار لأنه بدل من المثمون ومال أخذ بالباطل، ثم ينصرف في أنواع التجارات والصناعات في الملابسات [٢٥٠ب] ، فيمتزج الأمر. فهذا ملا أحيلكم فيه على غائب، لكن ما ترونه بعيونكم وتشاهدونه أكثر من مشاهدتي له. وأنتم ترون الجند في بلادكم لا يأخذون أرزاقهم إلا من الجزية التي يأخذها المتغلبون من المسلمين فيما يباع في أسواقهم على الصابون والملح وعلى الدقيق والزيت وعلى الجبن وعلى سائر السلع، ثم بتلك الدراهم الملعونة يعاملون التجار والصناع، فحسبكم وقد علمتم ضيق

стр. 867

الأمر في كل مرة ما يأتي من البلاد التي غلب عليها البرير من الزيت والملح، أن كل ذلك غصب من أهله، وكذلك الكتان أكثره من سهم صنهاجة الآخذين النصف والثلث ممن أنزلوا عليه من أهل القرى، وكذلك التبن مزرقة، وأما القمح فهو أشبه بيسير، لأن الأرض وإن كانت مغصوبة فالزرع لزراعة حلال وعليه إثم الأرض، إلا أن تكون الزريعة مغصوبة، فحصلنا في شعل نارٍ [أشد] من ذي قبل؛ ولكن التخلص لنا ولكم أن لا يأخذ الإنسان فيما يحتاج إليه ما أيقن أنه مغصوب بعينه، ولعلنا فيما جهلنا من ذلك أعذر قليلاً فإن النار المدفونة في الرماد أفتر حراً من النار المؤججة المشتعلة، فواغوثاه. ٨ - وأما ما سألتم عنه من تفاضل الكبائر، فنعم، فالحسنات تتفاضل والكبائر تتفاضل؛ سئل ﷺ عن اكبر الكبائر، فذكر ﵇ أشياء، منها عقوق الوالدين، وشهادة الزور. واستعظم ﵇ أشياء منها زنا الزاني بامرأة جاره، ومنها زنا الشيخ ومنها زنا الزاني بامرأة المجاهد، فهذه الوجوه أعظم عند الله بنص نبيه ﵇ [من] سائر (١) وجوه الزنا وكل عظيم؛ وذكر كذب الكاذب أيضاً بعد العصر، فدل على انه اعظم منه إثماً في سائر الأوقات، وذكر ﵇ كذب السلطان وزهو الفقير، فعلمنا بذلك ان الكذب من الملك أعظم ذنباً من كذب غيره، وأن زهو الفقير أكبر إثماً من زهو الغني. وكذلك الإلحاد بالبيت والظلم بمكة اعظم منه في سائر البلاد، والقتل بلا شك أعظم إثماً من اللطمة والضربة، والكذب على النبي أشنع من الكذب على غيره. قال النبي ﵇ (٢) : " إن الكذب [علي] أعظم من الكذب على غيري فمن كذب علي فليلج النار " [٢٥١/أ] ، وإن شعبة بن الحجاج ﵀ يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وأنا أقول: لأن يضرب عنقي أو أصلب أو يرمى بي وأهلي وولدي إلي من أن أقطع الطريق أو أقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وأنا أعلم أن ذلك حرام، [وهذا] أحب إلي من أن أستحل الاحتجاج بحديث عن النبي ﷺ لا أعتقده صحيحاً، أو أن أرد حديثاً صحيحاً عنه ﵇، ولم يصح نسخه بنص آخر، ولا صح عندي تخصيصه بنص آخر، فالكبائر تتفاضل كما أخبرتكم تفاضلاً بعيداً، وكذلك العذاب عليها بتفاضل كما تتفاضل الحسنات ويتفاضل الجزاء عليها؛ صح عن النبي صلى الله

стр. 868

عليه وسلم [أنه] قال (١) : " إن أهل الجنة يتراءون من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري ". وصح عنه ﵇ أنه أمرنا أن نسأل الله الفردوس الأعلى، فإنه وسط الجنة وأعلاها، وفوق ذلك عرش الرحمن (٢) . وجاء نص القرآن بان المنافقين في الدرك الأسفل من النار (٣) . وقال تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (غافر: ٤٦) ، والأشد والأسفل لا يقعان إلا بالإضافة إلى ما هو أخف وأعلى. وجاء الحديث الصحيح (٤) أن أبا طالب يخفف عنه العذاب بنعلين في رجليه يغلي منهما دماغه، وأنه أخرج عمه من النار إلى ضحضاح منها، وانه أخف أهل النار عذاباً، هذا الذي ذكرت معاني الحديث التي ذكرت لكم. فهذا أصلحكم الله بيان ما سألتم عنه حسب ما علمني الله ، لم أقل شيئاً من ذلك من عند نفسي، ويعيذني الله ما أقول في شيء من الدين برأي أو بقياس، لكن حكيت لكم ما قاله الله تعالى وعهده إليكم نبيكم ﵇. ولعمري إني لأفقر منكم إلى قبول ما أوصيتكم به، وأحوج إلى استعماله. فإني والله أعلم من عيوب [نفسي أكثر مما أعلم من عيوب] كثير من الناس ونقصهم. وقد توصل الشيطان إلى جماعة من الناس بأن أسكتهم عن تعليم الخير، بان وسوس إليهم، أو لمن يقول لهم: إذا أصلحتم أنفسكم، فحينئذ اسعوا في صلاح غيركم؛ وربما اعترض عليهم بقول الله : ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (المائدة: ١٠٥) وبقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (البقرة: ٤٤) الآية؛ والحديث الصحيح عن النبي ﷺ (٥) : أن رجلا يقذف به في النار فتندلق أقتابه [٢٥١ ب] فيقول له أهل النار: يا فلان ألست الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله، وأنهاكم عن المنكر وآتيه، أو كما قال ﵇، فأسكتهم عن تعليم الخير. فاعلموا رحمكم الله أن الآية الأولى لا حجة فيها للمعترض بها فيها، لأنه ليس فيها نهي لنا عن أن

стр. 869

ننهى من ضل عن ضلالة، ولكن فيها تطبيب لأنفسنا عن غيرنا ولا يضرنا من ضل إذا اهتدينا. وقد جاء في بعض الآثار أن المنكر إذا خفي لم يؤخذ به إلا أهله، وأنه إذا أعلن فلم ينكره أخذ فاعله وشاهده الذي لا ينكره (١) . فإنما في هذه الآية إعلام لنا أننا لا نضر بإضلال من ضل إذا اهتدينا و [على] من اهتدى بنا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وأما (٢) الآية الثانية فلم ينكر فيها الأمر بالبر، وإنما أنكر استضافة إتيان النكر إليه، ونعم. معترفون لها (٣) بذنوبنا منكرون على أنفسنا وعلى غيرنا، راجعون الأجر على إنكارنا، خائفون العقاب على ما نأتي مما ندري أنه لا يحل. ولعل أمرنا بالمعروف وتعليمنا الخير ونهينا عن المنكر، يحط به ربنا تعالى عنه ما نأتي من الذنوب، فقد أخبرنا تعالى أنه لا يضيع عمل عامل منا. وأما الحديث المذكور فهو رجل غلبت معاصيه على حسناته، فإن كان مستحلاً للمنكر الذي كان يأتي ومرائياً بما يأتي به، فهذا كافر مخلد في نار جهنم، ويكفي من بيان هذا قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (الزلزلة: ٧ - ٨) . فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وعصى مع ذلك، فوالله لا ضاع له ما أسلف من خير ولا ضاع عنده ما أسلف من شر، وليوضعن كل ما عمله يوم القيامة في ميزان يرجحه مثقال ذرة، ثم ليجازين بأيهما غلب. هذا وعد الله الذي لا يخلف الميعاد. وقد أمر تعالى فقال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (آل عمران: ١٠٤) ، وقال تعالى ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (التوبة: ١٢٢) ، فأمر تعالى من نفر ليتفقه في الدين بان ينذر قومه، ولم ينهه عن ذلك إن عصى، بل أطلق الأمر عاماً، وقال تعالى: ﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾ (آل عمران: ١١٥) ، فمن رام أن يصد عن هذه السبيل بالاعتراض الذي قدمنا، فهو فاسق صاد عن سبيل الله، داعية من دواعي النار، ناطق بلسان الشيطان، عون لإبليس على ما يحب، إذ لا ينهى عن باطل ولا يأمر بالمعروف ولا يعمل خيراً. وقد بلغنا عن مالك انه سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال له قائل: يا أبا عبد الله، وأنت لا تفعل ذلك، فقال: يا ابن أخي ليس [٣٥٢/أ] في الشر قدرة. ورحم الله الخليل بن أحمد الرجل الصالح حيث يقول:

стр. 870

اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري (١) وذكرت هذه المسألة يوماً بحضرة الحسن البصري ﵁ فقال (٢) : ود إبليس لو ظفر منا بهذه، فلا يأمر أحد بمعروف ولا [ينهى] عن منكر. وصدق الحسن، لأنه لو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يذنب، لما (٣) أمر به أحد من خلق الله تعالى بعد النبي ﷺ ، فكل منهم قد أذنب وفي هذا هدم للإسلام جملة. فقد صح عن النبي ﵇ أنه قال: " ما من أحد إلا وقد ألم، إلا ما كان من يحيى بن زكريا " أو كلام هذا معناه. فخذوا حذركم من إبليس وأتباعه في هذا الباب، ولا تدعوا الأمر بالمعروف وإن قصرتم في بعضه، ولا تدعوا النهي عن منكر وإن [كنتم] تواقعون بعضه، وعلموا الخير وإن كنتم لا تأتونه كله، واعترفوا بينكم وبين ربكم بما تعلمونه بخلاف ما تعلمونه، واستغفروا الله تعالى منه دون أن تعلنوا بذكر فاحشة وقعت منكم، فإن الإعلان بذلك من الكبائر؛ صح ذلك عن النبي ﷺ . فلعل أحدنا يستحي من ربه تعالى إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو يعلم من نفسه خلاف ما يقول يكون ذلك سبب إقلاعه ومقته لنفسه، ولعل الاعتراف الله تعالى والاستغفار المردد له يوازي ما يقصر فيه، فيحط عنا تعالى ربنا ذو الجلال، وقد قال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله﴾ (النساء: ١٠٨) . وقد امرنا الله تعالى على لسان نبيه بالاستخفاء بالمعاصي إذا وقعت، ونهينا عن الإعلان بها أشد النهي، قال رسول الله ﷺ كلاماً معناه (٤) : " كل الناس معافى إلا المجاهر، والإجهار أو من الإجهار، الشك مني، أن يبيت المرء يعمل عملاً فيستره الله عليه، ثم يصبح فيفضح نفسه، أو كما قال ﵇. فإنما أنكر فعل المعصية نفسها ثم وصف [أنهم] مع ذلك يستخفون من الناس وأنه معهم، فلا يمكنهم الاستخفاء منه بل هو عالم بذلك كله. وإذا رأيتم من يعتقد انه لا ذنب له فاعلموا أنه قد هلك؛ وإن العجب (٥) من اعظم الذنوب وأمحقها للأعمال. فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب والرياء، فمن امتحن

стр. 871

بالعجب في علمه فليفتكر فيمن هو أفضل عملاً منه، وليعلم انه لا حول ولا قوة له فيما يفعل من الخير، وأن ذلك إنما [٢٥٢ ب] هو هبة من الله تعالى، فلا يتلقاها بما يوجب أن يسلبها ولا يفخر بما حصل له فيه، لكن ليعجبه فضل ربه تعالى عليه، ليعلم أنه لو وكل إلى نفسه طرفة عين لهلك. وأما الرياء فلا يمنعكم خوف الرياء أن يصرفكم عن (١) فعل الخير، لان لإبليس في ذم الرياء حبالة ومصيدة، فكم رأيت من ممتنع من فعل الخير خوف أن يظن به الرياء، ولعلكم قد امتحنتم بهذا، ولكن أصفوا نياتكم لله تعالى، ثم لا تبالوا من كلام الناس فإنما هو ريح وهواء منبث، وقل والله ضرر كلامهم وكثر نفعه لكم، فعليكم بما ينتفعون به في دار قراركم وعند من يعلم سركم وجهركم وعند من يملك ضركم ونفعم، وحده لا شريك له. ٩ - واعلموا أن كل حديث ذكرته لكم في رسالتي هذه فليس شيء منه إلا صحيح السند متصل ثابت بنقل الثقات مبلغ إلى رسول الله ﷺ ؛ إلا أن الحديث الذي من طريق ابن أبي أويس عن أخيه، ذكرناه قبل (٢) ، قد أسيء (٣) الثناء على أبي [بكر] لكراهته بعض أئمة الحديث (٤) ، وحديث الإجهار لم يأت إلا من طريق ابن أخي الزهري، وقد تكلم فيه، إلا أن معنى الحديث صحيح فخرج متمماً من سائر الأحاديث الثابتة. لكني أضربت عن الأسانيد خوف التطويل ورجاء الاختصار، مع أن أكثرها أو كلها مشهورة في المصنفات المشهورة من روايتنا، والحمد لله رب العالمين. واعلموا أن كل ما اخترت فيها من صفة ذكر أو كيفية عمل، فليس من رأيي، وأعوذ بالله العظيم، ولكنه كله إما اختيار مروي عن النبي وإما عمل، ولابد، وكل ذلك منقول بالأسانيد الصحاح ولله الحمد. ١٠ - ومضى في كلامنا ذكر التوبة، فأردت أن أبين لكم وجوهها، وإن كانت

стр. 872

ليست مما سألتم عنه باسمه، لكن نسق الكلام اقتضى إثباتها، لأنها دخلت فيما سألتم مما يحط الكبائر، فاعلموا أن التوبة تكون على أربعة أضرب: أحدها: ما بين المرء وبين ربه تعالى من أعمال سوء عملها كالكبائر من الزنا وشرب الخمر وفعل قوم لوط والشرك وما أشبه ذلك، فالتوبة من هذا تكون بالإقلاع والندم والاستغفار وترك المعاودة بفعله وإضمار ان لا يعود بنيته. فإن فعل التائب من هذه الوجوه هذا الفعل سقط عنه بإجماع الأمة كل ما فعل من ذلك بينه وبين ربه تعالى، وأيضاً فيمن أقيم عليه الحد مما ذكرنا ومات مسلماً كان ذلك كفارة لما فعل بنص حديث النبي ﷺ . والضرب الثاني: من عطل فرائض الله عمداً حتى فات وقتها، فقد اختلف الناس، فقوم قالوا: يقضيها، وقوم قالوا: لا سبيل إلى قضائها، وبهذا نأخذ، لان من فعل الشيء في غير الوقت الذي أمره الله تعالى أن يفعله فيه، فلم يفعل الشيء الذي أمره الله تعالى أن يفعله، وإنما فعل شيئاً آخر [٢٥٣/أ] . وإذا لم يفعل ما أمر به فهو باق، وتوبة هذا عندنا بالندم والإقلاع والإكثار من النوافل وفعل الخير، كما جاء في الأمر عن النبي ﷺ (١) : " أن لم يوف فرض صلاته جبر من تطوع إن وجد له ". فأما ما كان من هذا فرضاً في المال فليؤده متى أمكنه كالزكاة والكفارات، لأن الله لم يحد لأحد وقت أداء الزكاة والكفارات حداً لا يتعدى، كما حد للصلاة حداً وللصيام وقتاً محدود الطرفين معلوم الأول والآخر ينقضي وقت كل ذلك بخروج أوله. والضرب الثالث: من امتحن بمظالم العباد، من أخذ أموالهم وضرب أبشارهم وقذف أعراضهم وإخافتهم ظلماً والإفساد عليهم، فالتوبة من هذه، الخروج عن المال المأخوذ بغير حقه ورده إلى أصحابه أو إلى ورثتهم، فاما أن يردها إلى الذين غصبها منهم بأعيانهم فقد سقط الإثم عنه يقيناً، وأما إن ردها إلى ورثتهم فقد سقط عنه إثم غصبه ما غصب عن الورثة أيضاً وبقي حق الموتى قبله، لأنه فعل ثان. فليكثر من فعل الخير ما أمكنه، فإن جهلوا فإلى إمام المسلمين إن كان لهم إمام عدل تجب طاعته، وإن لم يكن فلا بد من صرف المال إلى مصالح المسلمين، لأنه مال لا يعرف ربه، وليكثر

стр. 873

مع ذلك من الخير ليجد أرباب المتاع ما يأخذون منه يوم القيامة فليس إنصافه عمراً بمسقط عنه ظلم زيد. وأما من تاب بزعمه وهو زام يديه على ما ظلم فيه أو على ما يدري انه ظلم بعينه بين، فهذا مصر لا تائب، ولكنه ممسك عن الازدياد من الظلم، كإنسان مصر على الزنا إلا انه لا يزني. وأما التوبة من ضرب إنسان، فهو بأن يمكن الإنسان من نفسه ليقتص منه أو ليعفو، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه أقتص من نفسه في ضربة بقضيب، فإن مات المضروب فموعدهما يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ولكن ليستكثر من فعل الخير ليجد من ظلم ما يأخذ وما يترك، وكذلك القول في سب الأعراض والإخافة. وأما الإفساد فالتوبة منه بالإقلاع والندم والإصلاح. والضرب الرابع: من امتحن بقتل النفس التي حرم الله تعالى، وهذا أصعب الذنوب مخرجاً، فقد جاء عن النبي: من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة [٢٥٣ ب] وقد عاينها وشم ريحها ملء محجم من دم امرئ مسلم فليفعل، أو كلاماً هذا معناه. فمن ابتلي بهذه العظيمة، فتوبته أن يمكن ولي المقتول من دمه، فإن قتله فقد اقتص منه وانتصف، وإن عفا أو أكثر قتلاه، فليلزم الجهاد، وليتعرض للشهادة جهده، فما أرجو أن يكفر عنه فعل شيء غيرها. فإن اعترض معترض بالحديث الذي فيه أن رجلاً قتل مائة ثم تاب أدخله الجنة (١) ، فلا حجة له فيه، لأن ذلك كان في الأمم الذين قبلنا، هكذا نص الحديث المذكور، وكانت أحكام تلك الأمم بخلاف أحكامنا، قال الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة﴾ (المائدة: ٤٨) ، ومنها [ما] جاء في الحديث نفسه أن توبة ذلك القاتل كانت بأن خرج من قريته قرية السوء إلى قرية قوم صالحين، وهذا لا معنى له عندنا ولا في ديننا بإجماع الأمة، وقد كانت توبة بني إسرائيل بقتل أنفسهم، وهذا حرام عندنا وفي ديننا لا يحل ألبتة، ولعل ذلك القاتل المائة كان كافراً فآمن، فمحا إيمانه كل ما سلف له في كفره، فهذا أيضاً وجه ظاهر.

стр. 874

وأما التوبة في شريعتنا فإنما هي التبرؤ من الذنب والخروج عنه بما أمكن، إلا الكافر والحربي فإن توبته من كفره ومن كل ما قتل أو ظلم فإنما هو بالإسلام فقط واعتقاد العمل به وبشرائعه وليس عليه في ما قتل من المسلمين في حال كفره إذا أسلم وسدد وأصلح. والحمد لله رب العالمين. فهذا جواب ما سألتم عنه، وفقنا الله وإياكم للخير، وجعلنا في ديننا إخوانا على سرر متقابلين، آمين. والحمد لله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المسلمين وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تمت رسالة التلخيص لوجوه التخليص

стр. 875

٦ - رسالة البيان عن حقيقة الإيمان

стр. 876

فراغ

стр. 877

- ٦ - رسالة البيان عن حقيقة الإيمان كتب بها ﵁ إلى أبي أحمد عبد الرحمن بن خلف المعافري الطليطلي المعروف بابن الحوات (١) ، ﵁ [١٩٠ ب] بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله قال الفقيه الحافظ أبو محمد علي بن حزم ﵁: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته الفاضلين، وسلم تسليماً كثيراً وبعد، فإنه وردني يا سيدي وأخي كتابك، أكرم كتب الأحبة في الله ، وحمدت الله تعالى على ما أدى إليه من صلاح حالك. وأورد علي صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الحسن (٢) - أكرمه الله - من خبرك ما أبهجني، وملأ نفسي سروراً، فلن تزال الدنيا بخير، ما دام مثلك مرفوع اللواء، معمور الفناء، وحمدت الله على ما ذكرته فيه من حسن معتقدك لي، فهذا الذي يلزم بعضنا لبعض، فنحن غرباء بين المتعصبين على من سلم لهم دنياهم، ليسلم له دينه، ووقفت على قولك فيه: إنه لولا خوف المشغبين، وما دهينا (٣) به من ترؤس الجاهلين، لكتبت أقوالك ومذاهبك وبثثتها (٤)

стр. 878

في العالم، وناديت عليها كما ينادى على السلع. ١ - فاعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك - أن خوفك المشغبين لا يكف عنك غرب أذاهم، لو قدروا لك على مضرة، وان كشفك الحق وصدعك به لا يقدم إليك مؤخراً عنك أتخشون الناس ﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ (التوبة: ١٣) . يقول الواحد الأول خالقنا لا إله إلا هو ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ (آل عمران: ١٧٥) . ٢ - يا أخي: اجتهد لربك، وادع إليه وخفه في الناس، يكفك الله تعالى أمرهم، ولا تخفهم فيه، فيدعك وإياهم، وأعوذ بالله، قد سبق، قد سبق القضاء بما هو كائن فلن يرده حيلة محتال، وكائن بالموت قد نزل، فتركت (١) من تداريهم مسرورين بذهابك، لا ينفعونك بنافعة. واذكر قول نبيك محمد ﵇ لعلي ﵁ (٢) " لأن [٩١/أ] يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ". ٣ - ولقد أضحكني قولك: إنك علمت من مذهبي أني أفصح بكل من قال مقالة، فخشيت ان أفصح باسمك فيما لم تقله، فمعاذ الله أن أفصح عنك أو عن غيرك، إلا باليقين المحض، وأما إذا علمت أن الأخ من إخواني يكره أن أفصح عنه بمقالة يقولها، فهي مدفونة خلال الشغاف، لا سبيل إلى تحريك لساني بها بيني وبين نفسي، بحيث يمكن أن يسمعني سامع، فكيف أن أبثها وأما أنا فلست أكره أن تبث عني ما أقوله على حسبه. ٤ - وأما قولك: أما تقصد إلى، إلى أن لا يؤثر عنك قول إلا حتى تستخير الله تعالى فيه كثيراً، وتصحح نيتك في ذلك، فحسن جداً وحال لا ينبغي لأحد تعديها (٣) . ٥ - وأما قولك: حتى إذا بلغت إلى حد الحسبة والصبر، إن كانت محنة، تناولت الأوكد فالأوكد، فحالة أريد ألا تتصورها ولا تتمثلها فإنها مبخلة مجبنة؛ وتذكر قول العامة: فلان يحب الشهادة والرجوع إلى البيت؛ مع أني أرجو الكفاية من الله والحماية؛ واذكر قوله ووعده الصادق المضمون عندي إذ يقول

стр. 879

تعالى ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: ٤٠) . والله يا أخي، ولله الحمد، لقد حماني تعالى، وما اعدمني قط من مخالفي مقالتي من يذود عني ويذب عن حوزتي أشد الذب، وإني لأدعو الله لهم مدى عمري. أولهم القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر (١) وأبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرؤوف (٢) [صاحب] الأحكام (٣) - نور الله وجهيهما، وجازاهما بأفضل سعيهما، فلقد قام لي منهما ما يقوم من الأخوين المحبين. ثم أبو العاصي حكم بن سعيد (٤) ، غفر الله ذنبه، وتغمد خطاياه، وقارضه بالحسنى فإنه أبلى في جانبي أتم بلاء؛ وما قصر يونس بن عبد الله بن مغيث شيخنا (٥) نضر الله وجهه، واكرم منقلبه ولقد [٩١ ب] بلغ أبو جعفر أحمد بن عباس (٦) من ذلك الغاية القصوى، واستئثار الأجر الجزيل والذكر الجميل. برد الله مضجعه، ولقاه الروح والريحان؛ ثم الكاتب الفاضل ذو المآثر العالية والفضائل السامية والأعمال الزاكية والسعي المحمود، أبو العباس (٧)

стр. 880

المشغوف بالعلم وتقديم الحسنات كشغف غيره بالأموال واللذات، صديقك ومحبك ومؤثرك، لا زالت عليه من الله واقية في دنياه، فلقد هيأه ويسره لمنافع عباده، وأجرى الصالحات على يده كثيراً، وألحقه إذا دعاه بنبيه في أعلى عليين، آمين. وبالله المستعان، وعليه الاتكال. ٦ - أما قولك: إنك تتناول في خلال ما تتناول بضروب من السياسة فحسن جداً، جعلنا الله وإياك من الداعين إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. ٧ - ومن اعجب ما مر بي منذ دهر قولك في كتابك: إنه بلغك عني أني أقول عنك إنك تقول: لا إدام إلا الخل؛ من أجل حديث النبي ﷺ : " نعم الإدام الخل " (١) . فاعلم - يا أخي - انه قد ساءني هذا جداً أن أكون عندك بهذا المحل، وأقل ما أقول لك: والله الذي لا أقسم بسواه - ولو علمت أعظم من هذا القسم لأقسمت به لك، وأعوذ بالله أن أعتقد في العالم قسماً غيره، فكيف مثله، فكيف أشد منه - إن كنت قط سمعت هذه المقالة من أحد من خلق الله تعالى يحيكها لي عنك، ولا رأيتها عنك في كتاب، ولا طنت على أذني حتى رأيتها في كتابك، فكيف أن أحكيها عنك، فأستجيز الكذب البحت عليك! حاشا الله من هذا. وليس هذا النص من دليل الخطاب، إنما كان يمكن أن يتأول على من يقول بدليل الخطاب: لا نعم الإدام إلا الخل. وأما القطع بان لا إدام غيره، فليست هذه القضية مقتضية هذه الاخرى؛ فبالله ما أعرضت عن كل شرير يريد أن يسمع الناس سبهم على ألسنة [٩٢/أ] غيرهم. ٨ - ورأيت المدرجة ووقفت عليها. أسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يستمع القرآن والقول فيتبع احسنه، والجملة التي أوردت من قولي فيها فهو قولي أيضاً. وكذلك وقفت على الفصول التي ذكرتني بها، أحسن الله جزاءك على ذلك، فهكذا تكون الناس. ٩ - أولها قولك: انظر هل فرض الله تعالى النظر أم لا (٢) فجوابي إنه لم يفترض قط في التوحيد وصحة النبوة وجميع الشرائع، النظر؛ بل إنما افترض في كل ذلك اتباع رسول الله، ﷺ ، فقط. ولو فرضه الله تعالى فيها، ما جاز قبولها
следующие страницы →