- ٦ -
رسالة البيان عن حقيقة الإيمان
كتب بها ﵁ إلى أبي أحمد عبد الرحمن بن خلف المعافري
الطليطلي المعروف بابن الحوات (١) ، ﵁
[١٩٠ ب] بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله
قال الفقيه الحافظ أبو محمد علي بن حزم ﵁:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته الفاضلين، وسلم تسليماً كثيراً وبعد، فإنه وردني يا سيدي وأخي كتابك، أكرم كتب الأحبة في الله ، وحمدت الله تعالى على ما أدى إليه من صلاح حالك. وأورد علي صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الحسن (٢) - أكرمه الله - من خبرك ما أبهجني، وملأ نفسي سروراً، فلن تزال الدنيا بخير، ما دام مثلك مرفوع اللواء، معمور الفناء، وحمدت الله على ما ذكرته فيه من حسن معتقدك لي، فهذا الذي يلزم بعضنا لبعض، فنحن غرباء بين المتعصبين على من سلم لهم دنياهم، ليسلم له دينه، ووقفت على قولك فيه: إنه لولا خوف المشغبين، وما دهينا (٣) به من ترؤس الجاهلين، لكتبت أقوالك ومذاهبك وبثثتها (٤)
стр. 878
في العالم، وناديت عليها كما ينادى على السلع.
١ - فاعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك - أن خوفك المشغبين لا يكف عنك غرب أذاهم، لو قدروا لك على مضرة، وان كشفك الحق وصدعك به لا يقدم إليك مؤخراً عنك أتخشون الناس ﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ (التوبة: ١٣) . يقول الواحد الأول خالقنا لا إله إلا هو ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ (آل عمران: ١٧٥) .
٢ - يا أخي: اجتهد لربك، وادع إليه وخفه في الناس، يكفك الله تعالى أمرهم، ولا تخفهم فيه، فيدعك وإياهم، وأعوذ بالله، قد سبق، قد سبق القضاء بما هو كائن فلن يرده حيلة محتال، وكائن بالموت قد نزل، فتركت (١) من تداريهم مسرورين بذهابك، لا ينفعونك بنافعة. واذكر قول نبيك محمد ﵇ لعلي ﵁ (٢) " لأن [٩١/أ] يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ".
٣ - ولقد أضحكني قولك: إنك علمت من مذهبي أني أفصح بكل من قال مقالة، فخشيت ان أفصح باسمك فيما لم تقله، فمعاذ الله أن أفصح عنك أو عن غيرك، إلا باليقين المحض، وأما إذا علمت أن الأخ من إخواني يكره أن أفصح عنه بمقالة يقولها، فهي مدفونة خلال الشغاف، لا سبيل إلى تحريك لساني بها بيني وبين نفسي، بحيث يمكن أن يسمعني سامع، فكيف أن أبثها وأما أنا فلست أكره أن تبث عني ما أقوله على حسبه.
٤ - وأما قولك: أما تقصد إلى، إلى أن لا يؤثر عنك قول إلا حتى تستخير الله تعالى فيه كثيراً، وتصحح نيتك في ذلك، فحسن جداً وحال لا ينبغي لأحد تعديها (٣) .
٥ - وأما قولك: حتى إذا بلغت إلى حد الحسبة والصبر، إن كانت محنة، تناولت الأوكد فالأوكد، فحالة أريد ألا تتصورها ولا تتمثلها فإنها مبخلة مجبنة؛ وتذكر قول العامة: فلان يحب الشهادة والرجوع إلى البيت؛ مع أني أرجو الكفاية من الله والحماية؛ واذكر قوله ووعده الصادق المضمون عندي إذ يقول
стр. 879
تعالى ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: ٤٠) . والله يا أخي، ولله الحمد، لقد حماني تعالى، وما اعدمني قط من مخالفي مقالتي من يذود عني ويذب عن حوزتي أشد الذب، وإني لأدعو الله لهم مدى عمري. أولهم القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر (١) وأبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرؤوف (٢) [صاحب] الأحكام (٣) - نور الله وجهيهما، وجازاهما بأفضل سعيهما، فلقد قام لي منهما ما يقوم من الأخوين المحبين. ثم أبو العاصي حكم بن سعيد (٤) ، غفر الله ذنبه، وتغمد خطاياه، وقارضه بالحسنى فإنه أبلى في جانبي أتم بلاء؛ وما قصر يونس بن عبد الله بن مغيث شيخنا (٥) نضر الله وجهه، واكرم منقلبه ولقد [٩١ ب] بلغ أبو جعفر أحمد بن عباس (٦) من ذلك الغاية القصوى، واستئثار الأجر الجزيل والذكر الجميل. برد الله مضجعه، ولقاه الروح والريحان؛ ثم الكاتب الفاضل ذو المآثر العالية والفضائل السامية والأعمال الزاكية والسعي المحمود، أبو العباس (٧)
стр. 880
المشغوف بالعلم وتقديم الحسنات كشغف غيره بالأموال واللذات، صديقك ومحبك ومؤثرك، لا زالت عليه من الله واقية في دنياه، فلقد هيأه ويسره لمنافع عباده، وأجرى الصالحات على يده كثيراً، وألحقه إذا دعاه بنبيه في أعلى عليين، آمين. وبالله المستعان، وعليه الاتكال.
٦ - أما قولك: إنك تتناول في خلال ما تتناول بضروب من السياسة فحسن جداً، جعلنا الله وإياك من الداعين إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.
٧ - ومن اعجب ما مر بي منذ دهر قولك في كتابك: إنه بلغك عني أني أقول عنك إنك تقول: لا إدام إلا الخل؛ من أجل حديث النبي ﷺ : " نعم الإدام الخل " (١) . فاعلم - يا أخي - انه قد ساءني هذا جداً أن أكون عندك بهذا المحل، وأقل ما أقول لك: والله الذي لا أقسم بسواه - ولو علمت أعظم من هذا القسم لأقسمت به لك، وأعوذ بالله أن أعتقد في العالم قسماً غيره، فكيف مثله، فكيف أشد منه - إن كنت قط سمعت هذه المقالة من أحد من خلق الله تعالى يحيكها لي عنك، ولا رأيتها عنك في كتاب، ولا طنت على أذني حتى رأيتها في كتابك، فكيف أن أحكيها عنك، فأستجيز الكذب البحت عليك! حاشا الله من هذا. وليس هذا النص من دليل الخطاب، إنما كان يمكن أن يتأول على من يقول بدليل الخطاب: لا نعم الإدام إلا الخل. وأما القطع بان لا إدام غيره، فليست هذه القضية مقتضية هذه الاخرى؛ فبالله ما أعرضت عن كل شرير يريد أن يسمع الناس سبهم على ألسنة [٩٢/أ] غيرهم.
٨ - ورأيت المدرجة ووقفت عليها. أسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يستمع القرآن والقول فيتبع احسنه، والجملة التي أوردت من قولي فيها فهو قولي أيضاً. وكذلك وقفت على الفصول التي ذكرتني بها، أحسن الله جزاءك على ذلك، فهكذا تكون الناس.
٩ - أولها قولك: انظر هل فرض الله تعالى النظر أم لا (٢) فجوابي إنه لم يفترض قط في التوحيد وصحة النبوة وجميع الشرائع، النظر؛ بل إنما افترض في كل ذلك اتباع رسول الله، ﷺ ، فقط. ولو فرضه الله تعالى فيها، ما جاز قبولها
стр. 881
من أحد حتى يقرر على الوجه الذي صح به عنده التوحيد والشريعة كلها. فتثبت يا أخي ها هنا، فإن نظري ونظرك لا يحكمان على ميراث الأمة عن نبيها ﷺ ؛ وإنما افترض على الناس في الشرائع كلها شيئاً واحداً وهو الائتمار لما جاء به الوحي من عند الله تعالى فقط. فهذا الوجه خاصة، هو الذي افترض على الناس عقده، والقول به، والعمل. وأما طرق الاستدلال التي عني بها المتكلمون فما افترضها الله تعالى قط على أحد.
وأقول قولة أقدم لك فيها مقدمة تصلح بعض ما يمكن أن ينكره منكر من قولي وهي: إني أريد [أن] أقول قولاً يعيذني الله من أن أقوله مفتخراً أو ممتدحاً، لكن سياق الكلام والحجة أوجب أن أقوله وهو: إني ولله الحمد لست بمبخوس الحظ من هذا العلم، اعني علم أهل الكلام وطريقهم في الاستدلال (١) فيظن ظان أني إنما قلت ما قلت عداوة لعلم جهلته، لا، ولكن الحق لا يجوز أن يتعدى. وأما قول الله تعالى ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق من شيء﴾ (الأعراف: ١٨٥) وقوله ﴿أو لم يتفكروا﴾ وقوله ﴿أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون﴾ (الأنبياء: ٣٠) الآية، [٩٢ ب] وسائر الآيات التي في معنى هذا، فإنك يا أخي إن تدبرتها، كفينا التعب؛ وهي أنها كلها بلفظ الحض لا بلفظ الأمر، وهذا قولي نفسه، وأما الأمر بالاعتبار فليس من هذا الباب، إنما هو الأمر بالاتعاظ بمن هلك ممن عصى الله تعالى فيخاف العاصي له مثل ذلك فقط، وليس شيء من هذا يوجب انه لا يصح لأحد اسم التوحيد وحكمه عند الله تعالى إلا بأن يكون اعتقاده إياه من طريق الاستدلال.
١٠ - وأما قولك: انظر الأدلة المحرمة للتقليد (٢) فأنا أريد أن تتفقد وان تتدبر كلامي، فإنك تجده صفراً من مدح التقليد، ومملوءاً من ذمه؛ وليس في قولي إن من اتفق له معرفة الحق بمعنى اعتقاده من جهة التقليد فإنه من أهل الحق عند الله تعالى
стр. 882
وإن كان مذموماً في تقليده لا في اعتقاده الحق، ما يوجب علي أني أبيح التقليد، وأنا لم أبحه قط، لا في التوحيد ولا في غيره. إنما هو عندي كإنسان خرج ليسرق فأتفق له أن وجد متاعاً له قد كان سرق منه فأخذه: هو مصيب في اعتقاده الحق، مسيء في تقليده، وتأمل القرآن كله لا تجد فيه إلا الحض على البحث لا على إيجابه ألبتة، وإنما تجد فيه ذم التقليد إذا وافق الباطل فقط، فهنالك ذم الله تعالى اتباع الآباء والسادة والكبراء والأحبار، وهنا ذمه الله على كل حال. وأما إذا وافق الحق فقد قال الله ﴿والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمان، ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ (الطور: ٢١) ، وأمر الله تعالى باتباع ما اجمع عليه أولو الأمر منا بخلاف أولي إذا اختلفوا، فبهذا جاءت النصوص ولا مدخل للنظر على ما جاء به كلام الله تعالى. (١)
١١ - وأما قولك لي أن النظر ما في الفطرة من خطأ الاقتصار على الدعوى، فلم أحمد ذلك أصلاً، ولا أمرت به، وإنما قلت وأقول إن [٩٣/أ] المقلد مذموم في تقليده، فإن أصاب الحق بتوفيق الله له إليه، فهو من أهل الحق، وإن حصل عليه بطريق غرر، وهما عملان متغايران، وفق في أحدهما ولم يحمد (٢) في الآخر. وهذا جواب قولك لي: إذ كل قائل مدع، فيجب أن لا يؤخذ بقول أحد من المختلفين والقائلين أو يؤخذ بقول جميعهم وكلا الأمرين خطأ. فتأمل يا أخي، إنك ألزمتني ما لا يلزمني وأنا لم آمر قط بالتقليد: فاضبط عني: إنما قلت التقليد مذموم فإن أدى إلى باطل فصاحبه إما كافر إذا وافق كفراً، وإما فاسق إذا وافق خطأ في الشريعة، وإما مخطئ فيه إذا وافق الصواب بالبخت (٣) ، ولم أقل قط إنه واجب، أو يؤخذ بقول مدع، ولا أنه جائز فضلا عن أن يكون واجباً، ولا أنه ممكن أيضاً؛ ولا قلت قط إنه جائز أن يؤخذ فيقول قائلاً ما بلا دليل، فكيف أن أوجبه! لكن قلت إن القول بالحق واجب لأنه حق.
١٢ - وأما قولك لي: فكان عندك جائزاً أن يقول النبي ﷺ : قلدوني في قولي، فجوابي إنه ﵇ لم يقله، ولو قاله لواجب ولكنه لم يقله، لكن قال: قولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله، فهذا واجب بيقين عند الله تعالى وعند
стр. 883
كل مسلم. ولم يقل ﵇ قط، ولا أحد من الخلفاء بعده، إنه لا يلزمكم هذا القول أن تقولوه إلا حتى تستدلوا وتناظروا وتعرفوا الجوهر من العرض، ومعاذ الله أن يكون هذا واجباً ويغفله رسول الله ﷺ ، وتتفق الأمة الفاضلة كلها على إبطاله وإغفاله، حتى جاءت المعتزلة والأشعرية (١) ، وهما الطائفتان المعروف (٢) قدرهما عند المسلمين. فها هنا قف يا أخي وقفة، وتأمله بقلب سليم، فإنه أظهر من كل ظاهر.
١٣ - وأما قولك لي: لو جاز أن يقلد لجاز أن يقلد غيره، فهذا لا يلزمني لأنه الحق، وغيره [٩٣ ب] هو المبطل الباطل. فمن سكنت نفسه إلى قوله ﵇، ولم تنازعه إلى دليل وقبله وقاله، فقد وفق للخير والهدى؛ ومن نازعته نفسه ولم تقنع إلا ببرهان، فهذا هو الذي يلزمه النظر والاستدلال، ويلزمنا البيان له والمحاجة والمجادلة بالتي هي أحسن، وإقامة البرهان عليه. وهكذا فعل ﵇، فإنه قبل الإسلام ممن أسلم بلا اعتراض، ومن حاجة أتاه بالآيات، ودعاه إلى المباهلة وتمني الموت وأقام عليه حجة البرهان الواضح. فتأمل هذا تجده كما أقول لك، ودع عنك بالله حماقات أهل السفسطة المسخرين لحماقات كتب ابن فورك (٣) والباقلاني (٤) ، وما هنالك، فما سرني انتساخك لكتابه المعروف " بالدقائق " وستقف عليه إن شاء الله تعالى وتتدبره، فلتعلم أن الكاغد مخسور في نسخه، بل المداد على تفاهة قدره.
١٤ - وأما قولك: أما الرسول فلا تجب طاعته إلا بعد معرفة الله ضرورة، إذ من جهل (٥) المرسل وقدره، وما يلزم من طاعتهن لم يلزمه اتباع مرسله ولا طاعته، هذا
стр. 884
ما لم يدفعه عقل، فمعرفة الله مقدمة على معرفة رسله، هنا انتهى قولك. وهذا قول يجب أن تتأمله، فليس على ما ذكرت، ولا كانت معرفة الله واجبة قبل الرسل. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء: ١٥) . فإذا سقط العذاب (١) عن كل من لم يأته رسول بنص كلام الله تعالى، بيقين ندري أن كل ما لا يعذب الله تعالى عليه ولا ينكره فليس واجباً بل إنما وجبت على الناس معرفة الله بدعاء الرسل ﵈، إليه تعالى فقط، لا قبل ذلك.
يا أخي قولك في وجوب معرفة الله تعالى قبل الرسل، والوجوب فعل يقتضي موجباً بضرورة العقل، فقل لي: من أوجب المعرفة فإن قلت عن الله تعالى أوجبها. قلنا لك: فمن أين [٩٤/أ] زعمت أن الله تعالى أوجبها فإن قلت: بضرورة العقل، ادعيت على العقول ما ليس فيها (٢) ، وجمهور الناس من أصحاب الحديث والفقهاء والخوارج والشيعة متفقون مصرحون بان معرفة الله تعالى لا تلزم إلا بمجيء الرسل ودعائهم إلى الله تعالى فقط. وإن قلت: إن العقل أوجب ذلك فرضاً، فهذا محال ظاهر، والعقل لا يحرم شيئاً ولا يوجبه، والعقل عرض [من] الأعراض محمول في النفس ومن المحال أن تحكم الأعراض وتوجب وتشرع؛ وإنما في العقل معرفة الأشياء على ما هي عليه فقط من كيفياتها ولا مزيد. وهذا باب قد أحكمته غاية الإحكام في صدر كتاب " أصول الأحكام (٣) . فتأمل هذا الفصل تجده كما قلت.
ولا تحسنن (٤) ظنك بكل ما تجده لأولئك المهذرين السوفسطائيين على الحقيقة، المتسمين بالمتكلمين الذين يأتونك بألف كلمة من هذرهم (٥) ينسي آخرها أولها، وليست إلا الهذيان والتخليط وقضايا فاسدة بلا برهان، بعضها ينقض بعضاً.
١٥ - وأما قولك: مع أن ظواهر الشريعة دلت على لزوم المعرفة والعلم بالله عز
стр. 885
وجل، من ذلك قوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا هو﴾ (محمد: ١٩) والمقلد غير عالم ولا عارف، فإنما المأمور بهذا العلم هو رسول الله ﷺ ، المأمور بعقب هذا الأمر بالاستغفار للمؤمنين، وهو ﵇ قد علم الله تعالى بأعظم البراهين، من مشاهدة الملائكة، ومشاهدة السموات سماء سماء، ومكالمة الله تعالى، ورؤية المعجزات على يده، فهو المأمور بالعلم حقاً، وأما سائر الناس فلم يؤمروا قط بهذا، وإنما أمروا بان يقولوا شهادة الإسلام بألسنتهم ويعتقدوها بقلوبهم، فهذا هو الذي أمروا به حتى لا تجد انهم أمروا بغير ذلك أصلاً. فمن شرهت نفسه إلى العلم المحقق فليطلب الاستدلال، كما فعل إبراهيم ﵇ [٩٤ ب] في إحياء الطير، ومن لم تنازعه نفسه، فلو فعل ذلك لكان حسناً؛ ومن لم يفعل، لم يخرج بذلك من كونه من أهل الحق إذا وقفه الله تعالى.
١٦ - وأما قولك: وأريد أن تتأمل قولك: لا يلزم من معرفة الباري تعالى والنبوة إلا (١) ما دعاهم إليه نبيهم المختوم به الرسل من صحة الاعتقاد: هل (٢) الذي دعاهم إليه من الاعتقاد هو المعرفة أو غيرها فإن كانت المعرفة، فلا تكون إلا بتقديم البراهين وإلا كانت غير معرفة. وإن كانت غيرها فالمعرفة لم تفرض، وغنما فرض غيرها؛ ويجب أن تعرف ما ذلك المفترض، وفي إيثار هذا الكلام ما فيه - فنعم يا أخي قد تأملته جداً وأنا ثابت عليهن والحمد لله رب العالمين. وأنا أكرره فأقول: لم يفترض الله تعالى على الناس قط [إلا] (٣) الإقرار بألسنتهم بدعوة الإسلام واعتقاد تحقيقها بقلوبهم فقط؛ وأما المعرفة التي لا تكون إلا ببرهان فما كلفوها قط. وأما من عبر (٤) عن صحة الاعتقاد بالمعرفة فإن الجواب عن هذا دخول في استعمال الألفاظ المشتركة التي استعمالها أس البلاء. لكن نقول لك: عن كنت تعبر بالمعرفة عن صحة الاعتقاد للحق، فالناس مكفلون هذا. وإن كنت تعني بقولك المعرفة: العلم المتولد عن البرهان فما كلف الناس قط هذا. وهذا علم الأنبياء ﵈ ونبينا محمد ﷺ وجميع أمته بعده حتى حدث من تعرف، فأتوا بقول إذا حققته لزم التقصير البين للنبي ﷺ ولأئمة المسلمين بعده.
стр. 886
١٧ - وأما قولك لي: وأرغب أن تتأمل قولك " حاشا من كان عقده انه لو كان أبوه يهودياً أو نصرانياً لكان يهودياً أو نصرانياً، فهذا ليس عقده بصحيح (١) . ثم قلت أنت: وهل من لم يكن عارفاً بالأدلة ولا واثقاً بها وكان مقلداً إلا على ذلك وهل يرتفع أحد من هذا العقد الذي ليس بصحيح عندك [٩٥/أ] حتى يعتقد الدين، لا لان آباءه اعتقدوه ولا أن قومه اعتقدوه إلا عن معرفة بالبراهين الصحيحة ومعرفة الحق مجرداً، وإنما لحظت هذا وما تصل به، لان (٢) الدليل الذي اقتصرت عليه ليس بصحيح عندك؛ فغن الرسول لم يقتصر (٣) على دعواه فيما دعا إليه ولا رضي عمن (٤) قلده - هذا نص قولك - فاعلم يا أخي أن كل من اعتقد الحق عن غير استدلال فليس على ما ذكرت، بل أكثر الأمة والحمد لله ممن لا يدري يتهجي لفظة " استدلال " فكيف أن يعرف معناها، تجده لو خير بين أن يعذب بأنواع العذاب، إلى انقضاء عمر الدنيا، وبين أن يفارق الإسلام لتخير بلا شك أنواع العذاب، ونجده لو كفر أبوه وأهل بلاده بعد أن يفارق الإسلام لتخير بلا شك أنواع العذاب، ونجده لو كفر أبوه وأهل بلاده بعد ان تحقق عقد الإسلام في قلبه، لاستحل دم أبيه وولده وأهل بلده، وهذا أمر تشاهده بنفسك من أكثر العوام الذين أنت تدري انهم لم يعرفوا الدين قط من طريق الاستدلال. وأما من تعتقد انه لو كفر أهل بلده لكفر هو معهم، فهذا عند الناس كلهم كافر غير صحيح لاعتقاده، فتأمل هذا تجده كما أقول لك أيضاً، والله أعلم.
١٨ - وأما قولك لي: إن الرسول ﵇ لم يقتصر على دعواه فيما دعا إليه ولا رضي عمن قلده، فكلام غير محقق، بل ما اقتصر قط ﵇ إلا على دعائه فقط، إلا من طالبه بآية، فحينئذ أتاه بها، وأما من لم يطلبه بها فما قال له ﵇ قط: لا تؤمن حتى ترى آية، وما زال ﵇ راضياً عمن اتبعه ورضي به، وغن لم يطلبه بدليل على ما أورد بعد هذا إن شاء الله تعالى، فصح أن الدليل الذي استدللت به في غاية الصحة، وانه عيان مشهور منقول نقل الكواف، لا معترض فيه، والحمد لله رب العالمين.
١٩ - وأما قولك في الخبر الصحيح (٥) : " وأما المنافق أو المرتاب [٩٥ ب] فهو
стр. 887
الذي يقول سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وان المؤمن هو الذي يقول جاءنا بالبينات والهدى " فخبر صحيح وهو حجتي عليك لأنه ﷺ إنما حكى القول " سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " عن منافق أو مرتاب، وإنما أتيت أنا على محقق بقلبه ليقينه نافر عن الشك والجحد كل النفار إلا أنه فتح (١) الله له في ذلك الحق بالبخت لا عن استدلال؛ وهذا بعينه هو الذي يقول بقلبه ولسانه في الدنيا كما نقول، إذا مات، جاءنا بالبينات والهدى، فتأمل هذا تجده كما قلت لك، والحمد لله رب العالمين.
٢٠ - وأما قولك لي: ويجب أن تنظر في القول إنه ﵇ لم يدع أحداً إلى غير هذا عموماً، وإذا لم يدع إليه فهو تكلف، وإذا كان تكلفاً فكيف يرجع إليه من اختلج في صدره شيء أو كيف يجده فنعم يا أخي ما دعا ﵇ إلى غير هذا، ومن العجب أن يكون دعا إلى غير هذا واتفقت الأمم على كتمان هذا وطيه. أترى هذا يا أخي ممكناً حاشا لله من هذا، ونعم، هو تكلف حسن ممن لم تنازعه نفسه إليه. وأما تعجبك بقولك: فكيف يرجع إليه من اختلج في صدره شيء أو كيف يجده أما علمت أن شرب الدواء والكي تكلف وأن من احتاج إليهما لدفع ضرر حل به وجب عليه أن يرجع إليهما فأي عجب في هذا وأنا لم أحتج عليك بهذا التظير، وإنما أريتك إن هذا الذي أنكرت وجوه موجود في العالم، وإنما طلب الاستدلال لتعلم القرآن كله، وتعلم الكتاب ليس فرضاً لكنه تكلف حسن ممن تكلفه، وهما فرض على من قصد ضبط الديانة للناس، والاستكثار من الخير والعلم فقط.
٢١ - وأما قولك: فإن قيل هو مندوب إليه، ولذلك كان له عليه أجر، قيل فجائز لجميع الأمة تركه ولا إثم عليها في إغفاله، وإذا كان هذا أدى إلى أن يكون جميع الشرع [٩٦/أ] بأيدينا دعوى، وفي هذا ما لا يخفى، فاعلم انه مندوب إليه كما قلنا ببرهان انه لم يأت به قط أمر من عند الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه
стр. 888
وسلم، وأما قولك فجائز لجميع الأمة تركه ولا إثم عليها في إغفاله، فنعم هو كذلك، وهذه صفة ما لم يأت به أمر من عند الله تعالى، ولو (١) أن الأمة كلها التقت بالقبول وصحة العقد، ولم يكن فيها منازع ولا كافر، ما احتيج إلى الاستدلال ألبتة، إذ لم يأت بإيجابه أمر من الله ولا من رسوله ﷺ .
٢٢ - وأما قولك: إذا كان هذا، أدى إلى أن جميع الشرائع بأيدينا دعوى، وفي هذا ما لا يخفى، فغن الله تعالى حض على الاستدلال كما قلنا ولم يفترضه، وعلمنا إياه ولم يوجب تعلمه على أحد، وأوجب علينا مناظرة المعاندين بالبراهين؛ وأنا يا أخي لم أنكر هذا قط، وغنما قلت إن من لم تنازعه نفسه إليه، وأنس إلى اعتقاد صحة الإسلام والإقرار به فهو مسلم صحيح الإسلام عند الله تعالى، وإن المعتقد لذلك (٢) عن استدلال أفضل فألزمتني ما لم يلزمنيه قولي (٣) .
٢٣ - وأما قولك: فينظر فيما فرض الله تعالى من تدبر القرآن وما فيه من الدلائل. فتدبر القرآن فرض، ومعنى تدبره فهم معاني ألفاظه. وكيف لا يكون فرضاً وهو بيان ما افترض، وقد تدبرناه ولله الحمد فلم نجد فيه فرض قبل الرسل، وهذا قولنا والحمد لله، وهنا انتهى قولك وما اقتضاه من جواب.
٢٤ - ثم أنا أبتدئك بما يلزم بعضنا لبعض من بيان الحق وتعاطي البراهين، فأقول لك وبالله تعالى التوفيق:
قبل كل شيء أريد أن تنظر في كلامي بعينٍ (٤) سليمةٍ من الأعراض ومن الاستحسان معاً، وبنفس بريئةٍ من النفار والسكون معاً، لا (٥) كما ينظر المرء بما
стр. 889
لم يسمعه قط، فيسبق إليه منه قبول [٩٦ب] يسهل عليه الباطل أو نفار يوعر عليه الحق. فمن هذين السعيين تاه أكثر الناس وفارقوا المحجة.
٢٥ - فأقول إليك يا أخي: كان إسلام خيار أهل الأرض بعد النبيين ﵈ كخديجة وعائشة أمي المؤمنين، وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وزيد بن حارثة، وخالد بن سعيد بن العاصي، وعمرو بن عبسة، وعثمان بن عفان، والزبير وطلحة، وزينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية، بنات النبي ﷺ . فهل ذكر قط أحدهم أو جميعهم أو غيرهم عنهم أنهم لم يسلموا حتى سألوا آيةً وطلبوا معجزة، وعرض عليهم رسول الله ﷺ برهاناً هل كان أكثر من أن دعا الإسلام خديجة إلى الإسلام وأبا بكر عليهما الرضوان، فلم تكن لهما كبوة ولا تردد؛ وأما عائشة وعلي وزينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية فهل كان إسلامهم إلا على تدريب الكافل والأبوين ولا مزيد وسكت عن عمر وابن مسعود ﵄، لأنه قد قيل إنهما لم يسلما إلا بعد معجزة رأياها. فلعمري يا أخي إن قال قائل: إن هؤلاء المذكورين لم يسلم منهم أحد إلا عن معجزة طلبها فعرضت عليه ليقولن ما يشهد قلبه بأنه كاذب فيه ثم لا يبقى أحد في العالم لم يدر شيئاً من السير والأخبار إلا كذبه ودرى أنه كاذب.
٢٦ - تفكر يا أخي كيف أسلم النجاشي وبأذان والمنذر بن ساوى وعباد (١) وجيفر ابنا الجلندى وذو الكلاع وذو ظليم وذو مران وذو زود وهؤلاء ملوك بلادهم (٢) ؛ وكيف أسلم الستة من الأنصار، والاثنا عشر، والثلاثة وسبعون الذين هم خيار أهل الأرض. هل طلب واحد منهم معجزة أو رغب آية تفكر في هذا، ودعنا من استبشاع مخالفة هذيان المتكلمين (٣) الذين لم ينتج الله تعالى على أيديهم إلا افتراق الكلمة، وتفكير المسلمين بعضهم بعضاً. [٩٧/أ] ألم يصح عن النبي ﷺ أنه قال (٤) " دعوا لي صاحبي فإن الناس قالوا كذبت، وقال أبو بكر صدقت " ولذلك سمي الصديق.
стр. 890
٢٧ - فتفكر يا أخي في نفسك: كيف كان إسلامك مذ بلغت مبلغ التكليف وتوجه إليك الخطاب من الله ، عن استدلال كان منك من تلك الليلة فهذا بعيد جداً، وإن كان استدلالاً بعد ذلك فكيف تعرف نفسك بين بلوغك إلى وقت استدلالك، أترى تلزم نفسك حكم الكفر معاذ الله من هذا.
٢٨ - ثم أقول لك: الناس أربعة: فإنسان استدل فأداه استدالاله إلى حق مأجور مرتين. وآخر استدل وبحث ونظر، فأداه ذلك إلى دهرية أو تبرهم أو منانية أو بعض أنواع الكفر، فهذا كافر مخلد في النار إن مات على ذلك، أو أداه إلى قول الأزارقة وأصحاب الأصلح أو بعض البدع المهلكة، فهو فاسق، وآخر قلد فاتفق له الحق فهو من أهل الحق، وهكذا عوام أهل الإسلام كلهم، وآخر قلد فأداه ذلك إلى الباطل، فهو إما كافر وإما فاسق.
٢٩ - وتثبت فيما قلت لك من دعاء النبي ﷺ الناس كلهم، فهو برهان ضروري منقول نقل الكواف، لا يشك فيه مسلم موحد ولا ملحد في أنه ﵇ لم (١) يقل لأحد دعاه إلى الإسلام: لا تسلم حتى تستدل. وهذه كتبه إلى كسرى وقيصر والملوك، وذكر رسله إلى البلاد. ما في شيء منها ولا في بعوثه وغزواته إيجاب استدلال، فإن جاز عندك أن يتفق الناس كلهم على كتمان هذا. فأعيذك بالله من أن يجوز هذا عندك.
٣٠ - ثم اعلم يا أخي ن الفرقة المحدثة لهذه المقالة. فرقة أنت تدري أنها غير مرضية عند جميع أئمة الهدى قديماً وحديثاً. وأنهم مطعون عليهم في أديانهم مظنون (٢) بهم السوء في اعتقادهم. وبرهان ذلك أنهم أجسر الناس على عظيمة تقشعر منها عند جميع الأمة مرذولين إلى أن يبلغ (٣) إلى الذين لقينا منهم. ولقد قال لي بعض إخواني كلاماً أقوله لك - قال: أسألك بالله هل بلغك أن أحداً أسلم على يدي متكلم من هؤلاء المتكلمين، واهتدى على أيديهم من ظلالة. وهل أسلم من أسلم واهتدى من اهتدى إلا بالدعاء المجرد الذي مضى عليه السلف فوالله يا أخي ما وجدت لقوله جواباً، بل ما وجدتهم أحدث الله تعالى على أيديهم إلا الفرقة والشتات والتخاذل وافتراق
стр. 891
الكلمة والجسر على كل طامة وعظيمة وتكفير المسلمين بعضهم بعضاً، وهذا أمر مشاهد. ثم هم في خلال ذلك أبعد الناس عن المجيء ببرهان حق، وأكثرهم سفسطة وتخليطاً واضطراباً وتناقضاً.
٣١ - فإن قال قائل: قد ذممت التقليد، وأبو بكر وخديجة وعائشة وعلي وخالد ابن سعيد وعمرو بن عبسة والأنصار رضي الله عن جميعهم مقلدون أفهم مذمومون (١) في تقليدهم قلنا وبالله تعالى التوفيق: لسنا نقول هذا، ولكنا قد بينا في غير هذا الموضع أن التقليد هو لمن اتبع من لا (٢) يؤمر باتباعه فهذا هو المذموم في تقليده وإن أصاب الحق. وأما من اتبع من افترض الله تعالى عليه اتباعه، وهو رسول الله ﷺ ، فليس يسمى مقلداً، بل هو موفق مطيع لله تعالى، محسن، سواء (٣) اتبعه في عقدة الإسلام أو فيما دون ذلك من الاعتقادات أو العبادات والأحكام. وقد بينا أيضاً في غير هذا الموضع أنه قد تقع الضرورة بخبر الواحد ويصح به العلم المتيقن، وكل هؤلاء وقع لهم العلم الحق واليقين (٤) الضروري بإخبار النبي ﷺ لهم بالإسلام وبصحة نبوته. هذا ما لا شك فيه عندنا ألبتة، ولا يجوز غير هذا ألبتة.
ولقد كانوا أعلم وأفضل وأجل وأسلم وأتم من أن يستجيبوا لقول قائل، بلا برهان (٥) لولا أن الله تعالى أنزل السكينة عليهم كما قال الله : ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم [٩٨/أ] فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ (الفتح: ١٨) وكما قال تعالى ﴿حبب إليكم الإيمان وزينة في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة. والله عليم حكيم﴾ (الحجرات: ٧) .
٣٢ - وأيضاً فقد صح برهان واضح أن الله تعالى خلق كل شيء في العالم من حامل ومحمول، ولا ثالث لهما في العالم، فإذا ذلك كذلك، فهو تعالى خالق الإيمان في قلوب المؤمنين، فمن خلق الله تعالى الإيمان في قلبه ولسانه فهو مؤمن صحيح الإيمان، سواء خلقه في قلبه ولسانه دون استدلال أو خلقه باستدلال؛ وكذلك الكفر أيضاً:
стр. 892
من خلق الله تعالى الكفر [في قلبه] أو خلقه على لسانه فهو كافر محض.
٣٣ - وأيضاً فقد يستدل الدهر كله من لا يوفق للحق كما استدل الفيومي (١) والمقمس وأبو ريطة اليعقوبي واذرباذ الموبذ (٢) وأبو علي يزدان بخت المناني (٣) ، ثم من فرق المسلمين: هشام بن الحكم (٤) وعلي بن منصور (٥) والنظام وغيره، فبعضهم يسر للكفر وبعضهم يسر للإيمان ولضلال البدعة معاً.
٣٣ - وقد يدعي المجتهدون في نصر أقوال مالك وأبي حنيفة أنهم مستدلون جهدهم وقد ملأوا الدنيا صحائف سمجة، ولم ييسروا إلا للخطاء في أكثر أقوالهم، وقد ييسر الله تعالى للإيمان والسنة من لا يستدل، فالكل فعل الله تعالى، فمن يسر للحق، فهو محق كيفما اعتقده، ومن يسر للباطل فهو مبطل كيفما اعتقده.
٣٤ - فإن قلت: بأي شيء يعرف الموفق للعلم الصحيح أن هذا حق وأن هذا باطل قلنا: بالبراهين، وهذا ما لا نخالفك فيه، إلا أن عدم الاستدلال بالبرهان لا يخرج الحق عن أن يكون حقاً في ذاته ولا الباطل عن أن يكون باطلاً في ذاته. والله تعالى يخلق الإيمان والكفر في قلوب عباده، وهم طبقات (٦) : فمنهم من يخلق الإيمان في قلبه ضرورة بداءة كما خلق الله في قلوبنا معرفة [٩٨ ب] أن الكل أكثر من الجزء، وأن الحلو حلو والمر مر، وهذا أرفع درجات الإيمان، وهذا إيمان الملائكة والأنبياء ﵈؛ ومنهم من خلق الإيمان في قلبه ضرورة عن تصديق مخبر كإسلام من
стр. 893
ذكرنا من الصحابة، ﵃، الذين صدقوا رسول الله ﷺ في خبره، ومنهم من خلق الإيمان في قلبه ضرورة عن استدلال وبرهان برؤية المعجزات أو نقلها إليه، وهذه صفة إيمان المستدلين منا، ومنهم من خلق الإيمان في قلبه بغير سبب، وهذه صفة إيمان المحققين من العوام، ولا إيمان لمن خرج من هذه الطباق.
وكذلك خلق الله تعالى الكفر في قلوب عباده، فمنهم من خلقه تقليداً، ومنهم من خلقه في قلبه حسداً للعرب وللنبي ﷺ ، ومنهم من خلقه في قلبه اتباعاً لهوى وقع له أو سكوناً إلى الشك، ومنهم من خلقه في قلبه استدلالا ببعض الأدلة الفاسدة، ومنهم من حكم الله تعالى عليهم بالكفر وإن اعتقد الإيمان وعمل به وأعلنه، لكن خرق الإجماع في بعض أقواله كمن أقر بنبي بعد النبي ﷺ ، أو كذب بآية من القرآن أو بشريعة مجتمع عليها، أو عمل عملاً يكون به كافراً، إن شاء الله تعالى.
فهذا بيان جميع هذه المسألة، والحمد لله رب العالمين، ثم السلام عليك أيها الأخ المحمود، ورحمة الله وبركاته.
تمت بحمد الله
وصلى الله على سيدنا محمد
وسلم تسليماً كثيراً
والحمد لله وحده
стр. 894
فراغ
стр. 895
٧ - رسالة في الإمامة
стр. 896
فراغ
стр. 897
- ٧ -
[٢٢١ ب] رسالة في الإمامة
للفقيه أبي محمد ﵀
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
قال أبو محمد علي بن احمد بن حزم: -
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه وسلم تسليماً؛ ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً﴾ (الكهف: ١٧) وأصدق الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵇، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومن الجهل والحيرة، ونسأله تعالى الهدى والتوفيق لما يرضيه، آمين.
قرأت - علمنا الله وإياك ما يزلفنا لديه - سؤالك، ووقفت عليه، وذكرت فيه انك غنما تسأل سؤال المتعلم، وذكرت قول الله، في الذين أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه (١) فوقفت عند عهد الله في ذلك على كراهتي المسائل، فقد كره رسول الله، ﷺ ، كثرة المسائل (٢) ، وكرهها السلف الصالح، لا على سبيل الاسترشاد وطلب البيان، لكن على سبيل التفاخر، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١ - ذكرت - وفقنا الله وإياك لعلم يقرب منه وعمل يرضيه - أنك رأيت الرجل يصلي خلف الرجل الإمام أياماً كثيرة لا يدري مذهبه، فاعلم - عافانا الله وإياك - أن البحث عن مثل هذا أحدثه الخوارج، فهي التي كشفت الناس مذاهبهم، وامتحنتهم في ذلك، وسلك سبيلهم المأمون والمعتصم والواثق مع ابن أبي داود وبشر المريسي ومن هنالك؛ وما امتنع قط أحد من الصحابة ﵃ ولا من خيار التابعين من
стр. 898
الصلاة خلف كل إمام صلى بهم؛ حتى خلف الحجاج وحبيش بن دلجة (١) ونجدة الحروري والمختار، وكل متهم بالكفر، وقيل لابن عمر في ذلك، فقال: إذا قالوا حي على الصلاة أجبناهم، وإذا قالوا حي على سفك الدماء تركناهم. وقال عثمان ﵁[٢٢٢/أ] عن الصلاة من احسن ما عمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
٢ - ثم قلت، فيقال لك: إن الذي نصلي خلفه يجيز المسح على الجورب دون أن يكون عليه أديم (٢) ، وهذا يا أخي عجب؛ اعلم انه قد صح عن النبي ﷺ [المسح] على الجوربين [دون] أن يذكر أحد في ذلك جلداً، أوضح ذلك [أبو] مسعود البدري والبراء بن عازب وأنس بن مالك وابن عمر وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، ولا يعرف لهم، ﵃، في ذلك مخالف من الصحابة. وصح ذلك أيضاً عن سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والأعمش. واختلف في ذلك [عن] عطاء؛ والإباحة أصح عنه. وسئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال: هو مروي عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله، صلى الله [عليه] وسلم، فإن كنت لا تستجيز الصلاة خلف من سميت لك، فقد خسرت صفقتك.
٣ - ثم ذكرت أن ذلك الإمام قيل عنه إنه يجيز الوضوء بالنبيذ (٣) ، فاعلم يا أخي أن الوضوء بالنبيذ، وإن كنا لا نقول به لأنه لم يصح الحديث في ذلك عن النبي، ﷺ ، فقد رويناه عن علي بن أبي طالب وعكرمة والاوزاعي، وروي عن الحسن بن حي وحميد بن عبد الرحمن (٤) وغيرهما من الفقهاء. فغن كنت لا تجيز الصلاة خلف هؤلاء، فأنت أعلم.
стр. 899
٤ - ثم قلت: عن ذلك الإمام يجيز الوضوء والغسل من حوض الحمام، وهو راكد، وهذا يا أخي أعجوبة. أما علمت أن حذاق أصحاب مالك: إسماعيل القاضي (١) وكل من بعده هذا قولهم وهو الذي يحققون على مالك وينصرونه، وهو أن كل ما عندهم وإن حلته نجاسة فلم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر يتوضأ فيه ويغتسل به.
٥ - ثم قلت إن ذلك الغمام لا يوجب الماء إلا من الماء (٢) ؛ فاعلم يا هذا أن هذا القول، وإن كنا لا نقول به لأنه قد صح عن النبي، ﷺ ، إيجاب الغسل وإن لم ينزل، فأخذنا بهذا لأنه زائد على الحديث الآخر، فقد قال بهذا القول من يوم من أيامه يعدل كل من أتى بعده ويأتي إلى نزول المسيح، ﵇، وهو عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص [٢٢٢ ب] وأبو أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت ورافع بن حديج وابن عباس والنعمان بن بشير، ومن التابعين الأعمش وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهشام بن عروة وعطاء بن أبي رباح وجماعة من بعد هؤلاء، فإن كنت ترفع نفسك عن الصلاة خلف هؤلاء فسترد وتعلم.
٦ - قم قلت: إن ذلك الإمام قيل عنه إنه يرى الجرعة من الخمر ليست حراماً، وأن النقطة أو النقطتين من الخمر لا تنجس الثياب ولا الجسد، فهذا غير ما كنا فيه، ولا خلاف بين أحد من المسلمين أن من استحل الخمر قليلها وكثيرها فهو كافر مشرك مرتد، وهو عندنا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل فكان ماله فيئاً. وإن كنت عنيت بالخمر ما كان من الأنبذة من غير عصير العنب، فنحن وإن كنا لا نقول بهذا أيضاً وهي عندنا كلها خمر محرمة، فقد أباحها من الأئمة من [هم] أعلى مراتب ممن جاء بعدهم ممن يؤخذ دينه عنهم: كعلقمة (٣) وإبراهيم النخعي والأعمش وسفيان الثوري ووكيع وكان شديداً في ذلك جداً. وقد روي عمن هو أجل من هؤلاء، فإن كنت ترغب بنفسك عن الصلاة خلف هؤلاء فحسبك بذلك جهلا وغباروة، وخلافا للأمة
стр. 900
في تعظيم هؤلاء وأخذهم السنن والدين عنهم، ولم يعصم أحد من الخطأ بعد رسول الله، ﷺ . فكل مجتهد مأجور (١) ، إن اخطأ أجراً واحداً، وإن أصاب أجرين، والمجتهد المخطئ أفضل من المقلد المصيب، لأنه لا يجتهد إلا عالم ولا يقلد إلا جاهل. وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافاً، إلا شيئاً ذكره بعض العلماء عن ربيعة وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
٧ - ثم ذكرت أن هذا الإمام كان يمسح بطرف رأسه (٢) ، فاعلم أن هذا عمل قد صح عن النبي، ﷺ ، وصح عن ابن عمر ثم عن إبراهيم النخعي وصفية بنت أبي عبيد (٣) وفاطمة بنت المنذر (٤) والشعبي وعبد الرحمن بن أبي لليلى [٢٢٣/أ] وعكرمة والحسن البصري، وعطاء (٥) ، وأبي العالية والأوزاعي والليث، وجمهور الفقهاء وغيرهم، فغن كنت لا ترضى الصلاة خلف هؤلاء فالنقص والعار راجع إليك في ذلك لا عليهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
٨ - ثم ذكرت أن هذا الغمام يقوم من جلوس، فاعلم أن هذا قد صح عن النبي، ﷺ ، وعن مالك بن الحويرث (٦) صاحب رسول الله ﷺ ، وعن عمرو بن سلمة الجرمي (٧) ، وقد صلى بالصحابة في حياة رسول الله، ﷺ ، وقال بذلك طوائف من العلماء بعدهم، فإن كنت ترغب بنفسك عن الصلاة خلف من ذكرنا فنفسك سفهت وإياها ظلمت، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قولك: نهى عنه بعض العلماء فقد علمنا بذلك، وقال به من العلماء من ذكرت لك ممن أجل ممن نهى عنه، فاعلمه، وليس بعضهم حجة على بعض، ولكن رسول الله، ﷺ ، الحجة على الجميع، قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (النساء:
стр. 901
٥٩ -.
٩ - وقلت في هذا الإمام: إنه يبسمل في أم القرآن ويجعلها آية، فاعلم يا هذا أن القراء الكوفيين (١) وهم عاصم (٢) وحمزة (٣) والكسائي (٤) يفعلون ذلك ويعدونها آية من أم القرآن، وهو قول علي وابن عمر وأبي بن كعب وأبي هريرة وابن الزبير وابن عباس والزهري وعبد الله بن مغفل (٥) وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس والحكم بن عتيبة (٦) ، وأبي إسحاق السبيعي (٧) ، وقال به طوائف من العلماء بعدهم كابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم، حتى إن بعضهم أبطل صلاة من لم يقرأ بها في ابتداء أم القرآن. ونحن وإن كنا لا نبطل صلاة من لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقد قال بذلك من ذكرنا، نعم، وروي ذلك عن جمهور الصحابة وعن أبي بكر وعمر، فغن كنت لا تجيز الصلاة خلفهم فنفسك [٢٢٣ ب] ظلمت وعن جهلها بينت، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١٠ - وقلت في هذا الإمام: إن هذا الإمام يسلم عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فاعلم يا هذا أن هذا هو الصحيح عن رسول الله، ﷺ ، ثم عن أبي بكر الصديق، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، ونافع بن الحارث بن عبد الحارث، ثم علقمة وأبي عبد الرحمن السلمي والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي وخيثمة (٨) ؛ وعمن بعدهم: سفيان الثوري والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وأبي ثور (٩) وغيرهم وجمهور أصحاب الحديث، حتى إن بعض من زكريا يراها فرضاً. فإن كنت ترفع
стр. 902
نفسك عن الصلاة خلف هؤلاء؛ فما تضر بذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١١ - ثم ذكرت -[دعاءه]- بعد (١) الصلاة، فحسن قال الله تعالى ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [وأنه يصلي] صلاة الظهر في أول زوال الشمس فهو أفضل (٢) إلا في الصيف في شدة الحر. صح عن النبي، ﷺ ، انه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: الصلاة في أول وقتها، وصح ذلك أيضاً عن من بعده من الصحابة ومن بعدهم، رضي الله [عنهم] . وتأخيرها ما لم يخرج وقتها واسع. وما نعلم أحداً من المسلمين منع من الصلاة في أول وقتها حتى تسأل عن الصلاة خلف من يصليها (٣) حينئذ - وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١٢ - وأما عادة (٤) رفع اليدين عند كل تكبيرة؛ فقد صح عن النبي، ﷺ ، ومن العجب انه في الموطأ الذي ربما عرفتموه. وأما سائر كتب (٥) العلماء ودواوين الحديث فالعمل بها في هذه البلاد الأندلسية قليل؛ وكنت أريد [أن] أذكر لك من نقل ذلك وتشدد في توكيده، ولكن يكفيني من ذلك أن أشهب (٦) وابن وهب (٧) وأبا المصعب (٨) رووا رفع اليدين في الركوع، والرفع في الركوع عن مالك من قوله وفعله، فإن كنت لا ترضى الصلاة خلفه فحسبك ورأيك في ذلك. واعلم يا أخي أن ابن عمر كان يحصب من [٢٢٤/أ] رآه يصلي ولا يرفع يديه في الركوع ولا في السجود، والفاعلون لذلك أكثر من ان يجهلهم الجاهلون.
١٣ - وأما قولك في السلم: الدرهم بدرهمين، فهذا وإن كان عندي حراماً، فقد قال به كل من لا يعدل كل من بعده يوماً من أيامه، وهو ابن عباس، ثم فقهاء
стр. 903
أتهل مكة وجماعة من بعدهم. وقد قلت لك إنه لم يعصم أحد من الخطأ بعد رسول الله، ﷺ ، وهو الحجة على كل أحد، ولكن إن كنت ترفع نفسك عن الصلاة خلف ابن عباس فتباً لك وسحقاً.
١٤ - وأما الحديث الذي ذكرت عن النبي، ﷺ ، تفرقت الألسن على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا الناجية، قالوا: يا رسول الله، ما الناجية قال: ما أنا عليه أنا وأصحابي؛ فليس هكذا الحديث، وأعلى ما في الحديث حدي حدثنيه أبو عمر، قال: حدثنا احمد بن قاسم قال: حدثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم قال: أخبرنا جدي قاسم بن أصبغ البياني قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي، أخبرنا نعيم - هو ابن حماد - أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا عيسى عن جرير - هو ابن عثمان - عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال، قال رسول الله ﷺ (١) : تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال؛ فهذا أصح ما في هذا الباب وأنقاها سنداً؛ وأما سائر الأحاديث الواردة فيه فمعلومة جداً لم يدخلها أحد من اهل الانتقاء في المصنفات والمسندات، فاعلمه.
١٥ - وأما قولك: فهل قبض رسول الله، ﷺ ، إلا على ما لجأ إليه أمير المسلمين في العلم ومن تبعه وهو مالك بن أنس ﵀. فاعلم يا هذا: أن قول كل أحد مردود (٢) إلى قول رسول الله، ﷺ ، فإن صدقه قول رسول الله فذلك من سعد ذلك القائل، وإن رده قول رسول الله ترك قول ذلك القائل، كائناً من كان. ولا يحل لمسلم ان يحكم قول قائل على قول النبي، ﷺ .
وأما قولك: [٢٢٤ ب] أمير المسلمين في العلم ومن تبعه، وهو مالك، فما للمسلمين أمير مفترضة طاعته في دينهم بعد رسول الله، ﷺ ؛ وأما مالك، ﵀، فهو أحد (٣) العلماء والأئمة، اجتهد كاجتهاد الأئمة غيره منهم،
стр. 904
وله نظراء من الأئمة ليس له عليهم تقدم في علم ولا فقه ولا سعة رواية ولا حفظ ولا ورع، كسفيان الثوري بالكوفة والاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز (١) بالشام والليث بمصر، إلى آخرين ليس له عليهم فضل في الورع والحفظ والعلم إلا أنهم لم يكثروا الفتوى تورعاً، كشعبة (٢) وابن جريح (٣) وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب (٤) ومعمر (٥) وغيرهم، إلى آخرين ليس له عليهم فضل في كثرة الفتوى وإن كان (٦) أحفظ منهم للحديث كابن أبي ليلى وابن شبرمة (٧) والحسن بن حي وعثمان البتي (٨) ، وأبي (٩) حنيفة وسوار بن عبد الله القاضي وغيرهم، إلى آخرين أتوا بعد هؤلاء وإن تأخرت أزمانهم فلم يتأخروا في العلم والفقه وسعة الرواية وكثرة الفتيا عنهم: كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وأبي ثور وداود بن علي ومحمد بن نصر المرزوي (١٠) ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم، ثم قبل كل من ذكرنا ممن هو عند جميع المسلمين أجل من كل من ذكرنا كعطاء وطاوس ومجاهد وعبيد بن عمير بمكة، وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار وعروة وخارجة وأبي بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد الزهري وربيعة بالمدينة، عمر بن عبد العزيز وقبيصة بن ذؤيب بالشام، والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأيوب السختياني وعبد الله بن عون وسليمان التميمي ويونس بن عبيد بالبصرة، وعلقمة والأسود والحكم ابن عتيبة بالطوفة، ثم قبل هؤلاء الصحابة، ﵃؛ كل هؤلاء يا هذا نقلهم
стр. 905
مضبوط محفوظ مروي، والحمد لله رب العالمين، ليس جهل من جهله حجة على من علمه. وكانوا كلهم ﵃ يختلفون [٢٢٥/أ] فلا ينكر بعضهم على بعض إلا أن يكون عند أحد منهم خبر عن رسول الله، ﷺ ، فيذعن له الآخر حينئذ. على هذا جرى الصحابة، ﵃، والتابعون وتابعو التابعين أولهم عن آخرهم لا أحاشي منهم أحداً بوجه من الوجوه، إلى أن حدث ما حدث في القرن الرابع؛ فإن كنت لا تعرف ذلك فاطلب الروايات للعلم عند ضباط الحديث تجدها، وكذلك الروايات عن كل من ذكرنا لك (١) في كتابي هذا حاضرة، والحمد لله رب العالمين.
فإن كان هؤلاء لم يستحق أحد منهم أن يكون أميراً للمسلمين في العلم إلا مالكاً ومن اتبعه فهذه بدعة وضلالة لا يعلم في الإسلام بدعة اعظم منها، ما لم تبلغ الكفر؛ لأن من ضل في هذه الطريقة وهلك باتباعها فإنما ضل بإفراطه في علي ﵁، وهو صاحب بدري سابق خاص بالنبي، ﷺ ، مضمون له الجنة، فقد صح عن النبي، ﷺ ، انه قال (٢) : " لا يبغضه إلا منافق "؛ وأما الضلال بمثل هذا الإفراط في رجل من عرض المسلمين لا يقطع له بالجنة ولا تضمن له النجاة من النار بل يرجى له ويخاف عليه ولا يقطع له بأكثر من حسن الظن به فما ظننت قط بأحد هذا الإفراط، والحمد لله على ما من به من الهدى وعصم به من الهوى، وإنا لله وإنا إليه راجعون على ما فشا من البدعة وطمس من السنة. وكذلك والله ما توهمت أن مسلماً يعتقد أو يظن أن مالكاً وحده ومن اتبعه لجأوا إلى غير ما نص عليه رسول الله، ﷺ في العلم، وأن سائر من خالف أقوال مالك من الصحابة والفقهاء والتابعين بدلوا ما قضى (٣) رسول الله، ﷺ . فإن لم يكن عندك هذا فلم خصصت مالكاً ومن اتبعه بذلك في كلامه دون سائر العلماء، وما شاء الله كان. فقد أجبتك عما لزمني الجواب عنه بما (٤) أخذ علي من عهد الله تعالى، ولولا ذلك لما (٥) اجبتك، والله يعلم أني غير حريص [٢٢٥ ب] على الفتيا، ومن علم أن كلامه من عمله محصى له مسؤول عنه قل كلامه بغير يقين، ولو أنك يا هذا
стр. 906
تشغل نفسك بالكرب لما حدث في الناس من كون خطة يتنافس فيها للرياسة، حتى إذا غاب الذي ولاه السلطان ووفقه الله، تعادى الناس من الغمامة خلف كل همزة لمزة واتقاء شر من هو شر الناس الذين يتقون بشرهم حتى تعطل صلاة الجماعة ولا يعمر بها المساجد وتقر عين إبليس بحرمان صلاة الجماعة وفضل السبع وعشرين درجة، لكان أولى بك [من] أن تتورع عن الصلاة خلف من لا تدري مذهبه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تمت رسالة الإمام ولله الحمد
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وسلم تسليماً كثيراً
آمين.
стр. 907
٨ - رسالة في حكم من قال إن أرواح أهل
الشقاء معذبة إلى يوم الدين .
стр. 908
فراغ
стр. 909
- ٨ -
[٢٢٧/أ] رسالة في (١) حكم من قال: إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً
قال أبو محمد علي بن احمد رضوان الله عليه: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
١ - ذكرت - وفقنا الله وإياك لما يرضيه - ما حكم من قال: إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين وقد قال في المجرمين ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً﴾ إلى قوله ﴿إن لبثتم إلا يوماً﴾ (طه: ١٠٣ - ١٠٤) فهذا أصلحك الله لا يخالف قول من قال: إنها معذبة إلى يوم الدين لأنه أيضاً نص القرآن، لكنها معذبة في غير نار جهنم. قال الله تعالى ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ (السجدة: ٢١) وقال تعالى في آل فرعون ﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (غافر: ٤٦) وقال تعالى ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ (الأنعام: ٩٣) فصح أن النفس معذبة كما ترى من حين موتها إلى يوم القيامة دون الأجساد، فإذا كان يوم القيامة أحيا الله تعالى العظام، وأخرجها من القبور وركب عليها الأجساد ورد إليها الأنفس، ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وإنما تخافت المجرمون بينهم: ﴿إن لبثتم إلا عشراً﴾ ﴿إن لبثتم إلا يوماً﴾ ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ (يس: ٥٢) لأنه صار العذاب الذي كانوا فيه هيناً يسيراً بالإضافة إلى عذاب جهنم، أعاذنا الله من عذابه. وهذا الذي تتفق به الآيات كلها، وإنما هلك من هلك بأخذه آية وتركه أخرى، وأخذه حديثاً وتركه آخر، وأخذه آية وتركه حديثاً يبينها، وأخذه حديثاً وتركه آية، وهذا خطأ لا يحل، وإنما الفرض على المسلمين أخذ كل ما جاء به النبي ﷺ من قرآن وسنة وضم كل ذلك بعضه إلى بعض.
стр. 910
٢ - وأما ما ذكرت عن عبد الملك بن مسلمة، انه قال: " إذا خرج من هذا الجسم الظاهر بالوفاة ركب (١) في جسم باطن " فلا أدري من عبد الملك بن مسلمة، إلا أني ادري أن هذا القول سخيف وكذب على الله تعالى مجرد، وضلالة [٢٣٧ ب] فاحشة، وهذا مذهب أهل التناسخ وهو كفر مجرد. فإن كان قائله من [أهل] الدين المشاهير فهي زلة عالم وغفلة وهلة، يعذر فيها بالجهالة لها، وإن كان من غير هذه الصفة فهي تهمة في دينه، لان القرآن والسنن كلها ليس في شيء منها شيء من هذا، وإنما فيها أن النفس، وهي النسيم، في حكم كذا وفي أمر كذا إلى يوم القيامة. فإن ذكر ذاكر ما روي من أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر فهذا لفظ لا يصح، وإنما صح أن نسمة المؤمن طائر يعلف من ثمار الجنة فقط، فالنسمة الطائر الذي يطير ويعلف من ثمار الجنة فقط، وكذلك ما روي أيضاً في قناديل معلقة لا يصح، وغنما صح أن الأرواح تسرح في الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش (٢) ، وتلك القناديل هي صور طير خضر. هكذا نص الحديث فلا يجوز ان يحرف. والصحيح المعفي على هذا كله هو ما ذكر النبي، ﵇، انه رآه ليلة الإسراء من الأسودة عن يمين آدم، ﵇، ويساره (٣) ، إذ رأى آدم، ﵇، في السماء الدنيا، وأن تلك الأسودة نسم بنيه فالذين [عن] يمينه أرواح أهل السعادة، والذين عن يساره أرواح أهل الشقاء، وأن أرواح الأنبياء والشهداء في الجنة، وبهذا جاء القرآن في قوله ﴿فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم﴾ (الواقعة: ٩ - ١٢) وقوله تعالى ﴿فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم، وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين﴾ (الواقعة: ٨٨ - ٩٥) وأما قول من قال إن مستقرها في الصور فخطأ، إذ لم يأت به قرآن ولا نص صحيح عن رسول الله ﷺ ، وإنما هي من أخبار السدي (٤) ؛ وإنما صح قول الله
стр. 911
تعالى ﴿ونفخ في الصور﴾ ﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾ (الزمر: ٦٨) فالصور حق من أنكره كفر، والنفخ حق من أنكره كفر. وأما من قال إن فيه ثقباً على عدد الأرواح، والأرواح فيه، فخرافة من توليد أهل الكذب والإزراء على الإسلام، ونعوذ بالله [٢٢٨/أ] من مثل هذا فإن اعتقاده والقول به يزري إلى إضافته بالله تعالى وبرسوله، وهو كذب عليهما. وقد قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (الأعراف: ٣٣) فقرن الله تعالى مع الشرك به القول عليه بما لا علم للقائل به، وأخبرنا أن الشيطان يأمرنا بذلك فليتق الله امرؤ ولا يقل عن الله ما لا علم له به؛ وهكذا القول بأنها على أفنية القبور وأنها ترد كل اثنين وخمسين، فكل هذه خرافات لا يحل القول بها لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - وأما قول القائل إن النفس والروح شيئان، فخطأ وقول بلا برهان، وقد قال الله تعالى ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ١١١) فصح أن كل من لا برهان له فليس بصادق؛ وقد قال قوم عن الله تعالى قال ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ (الفجر: ٢٧) وقال ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ (القيامة: ٢) وقال ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف: ٥٣) هي كل نفس في الأرض حاشا الأنبياء بقوله ﵇ (١) : " والقلب يتمنى ويشتهي، فأهل الخير يردعون بتوفيق الله تعالى لهم ما تأمره به أنفسهم، وأهل الشر يرتكبون ما أمرتهم به أنفسهم ويتبعون أهواءهم " والنفس اللوامة هي كل نفس دون الأنبياء ﵈ لان كل أحد دونهم يلوم نفسه على تقصير يكون منها وعلى استقلالها مما تعلو به الدرجات في الجنة.
والروح والنفس شيء واحد بدلائل تكثر ذكرناها في كتاب الفصل (٢) ، من جملتها قول النبي ﵇ إذ نام عن الصلاة (٣) : " إن أرواحنا كانت بيد الله " ثم قال بلال: يا رسول الله اخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فأقره، ﵇، ولم ينكره. وصح بالنصوص كلها أن النفس مخاطبة ملزمة من الله تعالى محاسبة، ولم يختلف مسلمان في أن للإنسان نفساً (٤) وهي الروح مع الجسد، فلو كانا اثنين لكان
стр. 912
المعذب عند الموت اثنان، وهذا لا يقوله أحد. وسائر ما قلت من خروج واحد وإبقاء آخر تخليط لا دلائل عليه. وقد فسر أمر الرؤيا في كتاب الفصل فأغنى عن التطويل (١) .
٤ - وأما الذي كان يمضي على أتانه (٢) فإنما هو خبر [٢٢٨ ب] مروي رويناه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، ومطرف ﵀ ثقة، وهذا لا يصح عنه، وحاشا لمطرف أن يقول هذا الكذب الذي يكذبه القرآن حيث يقول تعالى ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وإذ يقول ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل: ٨٠) فلا يجوز أن يخص من هذا شيء إلا ما خصه النص الصحيح، كخطاب النبي لأهل القليب (٣) ، فهو مستثنى، وما صح من نحو هذا فقط. ولو صح هذا عن مطرف، وهو لا يصح، لامكن انه نعس على دابته فرأى ذلك في النوم، فكيف ومثل هذا لا يقطع به على الله تعالى في الغيب إلا جاهل، وبالله التوفيق.
٥ - وأما قولك إن الميت إذا دلي في قبره أتاه ملك اسمه رومان إلى آخر الكلام، فخرافة موضوعة لم يأت قط من طريق لينة فكيف قوية. وإنما صح أنه يأتيه ملكان أسودان فيسألانه ويقطعانه، على ما جاءت به الآثار الصحاح المشهورة. وقول الله تعالى ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ (الإسراء: ١٣) كقوله ﴿قال طائركم عند الله﴾ (النمل: ٤٧) فكأن هذا والله اعلم ما عمله المرء وصار (٤) له في ما أحصي عليه.
٦ - وأما سؤالك عن الذنوب التي (٥) تاب عنها العبد بعدما كتبت في الصحيفة، هل تبقى فلا أصل [له] وحاشا لله من ذلك، ولو كان ذلك لكان الكفر إذا تاب عنه المرء بإسلامه باقياً عليه. وهذا ما لا يقوله أحد. وإنما يثبت في الصحيفة ويوازن به العبد ما لا يثبت عنه قط، وبهذا صحت الآثار فيما جاء فيه ترغيب: أن من فعل كذا محيت عنه كذا وكذا سيئة، فصح أنها تمحى. وقد علم قدر ما جنى وقدر ما فضل عليه وان لا يدخل أحد بعمله الجنة إلا إن أسعده الله برحمته.
٧ - وأما سؤالك عن قوله الله تعالى ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾
стр. 913
(الفرقان: ٧٠) فنعم، إن من تاب عن الذنب فقد سقط عنه بإجماع الأمة. ومعنى التوبة ترك العودة والندم والاستغفار، فقد عوض التائب مكان كل توبة أزلفها ندماً واستغفاراً، والندم والاستغفار حسنة فهي له مكتوبة. وقد سقطت سيئاته وأبدل الله تعالى بها الحسنات له.
٨ - وأما قولك عن عمر إنه تمنى أن يكون له مثل جبل كذا ذنوباً مغفورة، فأعوذ بالله أن يتمنى [٢٢٩/أ] عمر بهذا أو مسلم في الأرض، فكيف يجوز لذي عقل أن يتمنى بأن يعصي الله ! أو ما سمعت قول الله تعالى ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ (الجاثية: ٢١) بل يقول: ليت ما أذنبنا من صغير وكبير نتوب عنه أو مغفور أو غير ذلك أو لم يفعله.
٩ - وأما ما سألت عنه ممن يجني الجنايات فتقام عليه الحدود، وهل تبقى عليه تبعة لله تعالى فقد صح عن النبي، ﷺ ، أن الحدود كفارات (١) حاشا الفساد في الأرض فإنه باق؛ قال الله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (المائدة: ٣٣) فقد نص الله تعالى أن هؤلاء يكون ما أقيم عليهم في الدنيا من الحد خزياً لهم وأن لهم في الآخرة عذاباً عظيماً (٢) .
١٠ - وأما ما سالت عنه من نزول الماء كمني الرجل، فيبعث الله من في القبور، فأذكر هذا الحديث (٣) ولا يحضرني ذكر سنده، فغن صح قلنا به وإلا فلا. وليس هذا مما امرنا به ولا نهينا عنه، والله على ما يشاء قدير. ولا يجوز أن يقال شيء من هذا بغير يقين علم.
١١ - وأما الحديث الذي ذكرت من أنه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى أحد يأمر
стр. 914
بالمعروف وينهى عن المنكر (١) ، وأن الله تعالى يبعث ريحاً تقبض أرواح المؤمنين، فقد جاءت في هذا آثار صحيحة معروفة إن [أردتها] فهي حاضرة. وأما عمر مولى غفرة (٢) فضعيف وإنما صحت من طريق غيره.
١٢ - وأما ما ذكرت من قول سحنون وابنه في الرجل الذي كان يغتسل في يوم شديد البرد فقال أحدهما: وجبت، فقال الآخر: إن كان من حلال، فقال: وإن كان من حرام، فهذا لا يصح وليس الإيجاب لأحد دون الله تعالى على لسان رسوله، ولو شهد شاهد بالإيجاب لمن اغتسل من الجنابة لوجبت الشهادة بذلك لمن صلى صلاة أو صام يوماً حاراً أو ما أشبه ذلك، وهذا ما لا يختلف فيه اثنان في أنه لا يقطع لإنسان بعينه في الجنة قطعاً إلا قوم من خشارة الخوارج قد بادوا؛ وأيضاً فما يدري من يقول وجبت على ما [٢٢٩ ب] ذا يموت المقول عنه ذلك، وأما إن كان من حرام فأعوذ بالله من ذلك، فإن وجوب النار أقرب إليه من وجوب الجنة، إلا أن يرمه الله تعالى. ولو كان الاغتسال توبة من الزنا وهو مصر على تماديه لكانت كل حسنة يعملها توبة من كل سيئة تقدمت له، وهذا ما لا يقوله أحد.
١٣ - وأما ما ذكرت من طلوع الشمس من مغربها فصحيح لا داخلة فيه، وإنما هي في ذلك يومها فقط، ثم ترجع كما كانت بلا خلاف.
١٤ - وأما قولك: هل يصبح الناس يومئذ قد انتزع القرآن من صدورهم فليس في هذا خبر صحيح نعتمد عليه، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.
١٥ - وأما سؤالك عن من حلف خوف السلطان بإكراه: هل عليه كفارة فلا كفارة على المكره ولا يلزمه شيء لقول النبي، ﵇ (٣) : " عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". وإنما الكفارة على المختار للحنث القاصد إليه فقط للنص الوارد بذلك، وللإجماع على وجوب الكفارة على من هذه صفته، ولا نص ولا
стр. 915
إجماع فيما عدا ذلك. والشرائع لا يشرعها إلا رسول الله، ﷺ ، عن ربه تعالى، وأما من حلف وشك في الحنث فلا كفارة عليه حتى يوقن، لأننا كنا على يقين انه لم يلزمه كفارة، فلا يجوز أن يلزم عتقاً أو إطعاماً او كسوة أو صياماً بالظنون، ولا يلزم الشرائع إلا باليقين، قال تعالى ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (يونس: ٣٦) .
١٦ - وأما سؤالك عن عهدة (١) السنة من الجنون والجذام والبرص، فلا يصح في ذلك شيء عن رسول الله، ﷺ ، أصلاً بوجه من الوجوه. وإنما روي في العهدة ثلاثة أيام وأربعة من طريقتين واهيين وهما: الحسن عن سمرة، والحسن عن عقبة بن عامر [ولم نرو فيما عدا ذلك] شيئاً أصلاً.
١٧ - وأما سؤالك عن الفرق بين توأمي الزانية، والمغتصبة، والمستأمنة، والمسبية [فأقول في الجواب: أما المستأمنة والمسبية] (٢) فتوأماهما أخوان لأب وأم بلا شك، لان الأصل في ذلك انهما ابن زوج، إذ لا يحمل أحد على حكم الزنا إلا ببينة، فهما لاحقان بأبيهما لان أمهما فرش له. ونكاح أهل الشرك صحيح لإجماع الأمة على إقرارهم عليه إذا أسلموا معاً، لأن منه خلق النبي [٢٣٠/أ] ﷺ وهو مخلوق من أصح نكاح بلا خلاف. وأما توأما المغتصبة والزانية الملعنة فإنما هما لأم فقط، لان الزانية والمغتصبة ليستا فراشاً للرجل وقد قال ﵇ (٣) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فلا يجوز أن يكونا لغير صاحب فراش، وقد أبطل رسول الله، ﷺ ، نسب ابن الملاعنة من أبيه وألحق ولدها بأمه فقط، فهما لأم فقط، ولا فرق بينهما وبين سائر ولدها منه قبل اللعان، إن جاز أن يلحقا به وقد نفاهما، فهما مع سائر ولدها منه إخوة لأب وأم أيضا؛ وهذا ما لا يقوله أحد.
١٨ - وأما سؤالك عن المأسور في دار الحرب الملتزم مالاً لهم بالعهود والمواثيق والأيمان، هل يلزمه الوفاء بذلك فنعوذ بالله من هذا، وهي في إجماع الأمة كلها عهود ومواثيق على باطل وظلم وعلى إعطاء مال بغير حق، ولا يجوز الوفاء بعهود