تعالى ﴿ونفخ في الصور﴾ ﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾ (الزمر: ٦٨) فالصور حق من أنكره كفر، والنفخ حق من أنكره كفر. وأما من قال إن فيه ثقباً على عدد الأرواح، والأرواح فيه، فخرافة من توليد أهل الكذب والإزراء على الإسلام، ونعوذ بالله [٢٢٨/أ] من مثل هذا فإن اعتقاده والقول به يزري إلى إضافته بالله تعالى وبرسوله، وهو كذب عليهما. وقد قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (الأعراف: ٣٣) فقرن الله تعالى مع الشرك به القول عليه بما لا علم للقائل به، وأخبرنا أن الشيطان يأمرنا بذلك فليتق الله امرؤ ولا يقل عن الله ما لا علم له به؛ وهكذا القول بأنها على أفنية القبور وأنها ترد كل اثنين وخمسين، فكل هذه خرافات لا يحل القول بها لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - وأما قول القائل إن النفس والروح شيئان، فخطأ وقول بلا برهان، وقد قال الله تعالى ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ١١١) فصح أن كل من لا برهان له فليس بصادق؛ وقد قال قوم عن الله تعالى قال ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ (الفجر: ٢٧) وقال ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ (القيامة: ٢) وقال ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف: ٥٣) هي كل نفس في الأرض حاشا الأنبياء بقوله ﵇ (١) : " والقلب يتمنى ويشتهي، فأهل الخير يردعون بتوفيق الله تعالى لهم ما تأمره به أنفسهم، وأهل الشر يرتكبون ما أمرتهم به أنفسهم ويتبعون أهواءهم " والنفس اللوامة هي كل نفس دون الأنبياء ﵈ لان كل أحد دونهم يلوم نفسه على تقصير يكون منها وعلى استقلالها مما تعلو به الدرجات في الجنة.
والروح والنفس شيء واحد بدلائل تكثر ذكرناها في كتاب الفصل (٢) ، من جملتها قول النبي ﵇ إذ نام عن الصلاة (٣) : " إن أرواحنا كانت بيد الله " ثم قال بلال: يا رسول الله اخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فأقره، ﵇، ولم ينكره. وصح بالنصوص كلها أن النفس مخاطبة ملزمة من الله تعالى محاسبة، ولم يختلف مسلمان في أن للإنسان نفساً (٤) وهي الروح مع الجسد، فلو كانا اثنين لكان
стр. 912
المعذب عند الموت اثنان، وهذا لا يقوله أحد. وسائر ما قلت من خروج واحد وإبقاء آخر تخليط لا دلائل عليه. وقد فسر أمر الرؤيا في كتاب الفصل فأغنى عن التطويل (١) .
٤ - وأما الذي كان يمضي على أتانه (٢) فإنما هو خبر [٢٢٨ ب] مروي رويناه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، ومطرف ﵀ ثقة، وهذا لا يصح عنه، وحاشا لمطرف أن يقول هذا الكذب الذي يكذبه القرآن حيث يقول تعالى ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وإذ يقول ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل: ٨٠) فلا يجوز أن يخص من هذا شيء إلا ما خصه النص الصحيح، كخطاب النبي لأهل القليب (٣) ، فهو مستثنى، وما صح من نحو هذا فقط. ولو صح هذا عن مطرف، وهو لا يصح، لامكن انه نعس على دابته فرأى ذلك في النوم، فكيف ومثل هذا لا يقطع به على الله تعالى في الغيب إلا جاهل، وبالله التوفيق.
٥ - وأما قولك إن الميت إذا دلي في قبره أتاه ملك اسمه رومان إلى آخر الكلام، فخرافة موضوعة لم يأت قط من طريق لينة فكيف قوية. وإنما صح أنه يأتيه ملكان أسودان فيسألانه ويقطعانه، على ما جاءت به الآثار الصحاح المشهورة. وقول الله تعالى ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ (الإسراء: ١٣) كقوله ﴿قال طائركم عند الله﴾ (النمل: ٤٧) فكأن هذا والله اعلم ما عمله المرء وصار (٤) له في ما أحصي عليه.
٦ - وأما سؤالك عن الذنوب التي (٥) تاب عنها العبد بعدما كتبت في الصحيفة، هل تبقى فلا أصل [له] وحاشا لله من ذلك، ولو كان ذلك لكان الكفر إذا تاب عنه المرء بإسلامه باقياً عليه. وهذا ما لا يقوله أحد. وإنما يثبت في الصحيفة ويوازن به العبد ما لا يثبت عنه قط، وبهذا صحت الآثار فيما جاء فيه ترغيب: أن من فعل كذا محيت عنه كذا وكذا سيئة، فصح أنها تمحى. وقد علم قدر ما جنى وقدر ما فضل عليه وان لا يدخل أحد بعمله الجنة إلا إن أسعده الله برحمته.
٧ - وأما سؤالك عن قوله الله تعالى ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾
стр. 913
(الفرقان: ٧٠) فنعم، إن من تاب عن الذنب فقد سقط عنه بإجماع الأمة. ومعنى التوبة ترك العودة والندم والاستغفار، فقد عوض التائب مكان كل توبة أزلفها ندماً واستغفاراً، والندم والاستغفار حسنة فهي له مكتوبة. وقد سقطت سيئاته وأبدل الله تعالى بها الحسنات له.
٨ - وأما قولك عن عمر إنه تمنى أن يكون له مثل جبل كذا ذنوباً مغفورة، فأعوذ بالله أن يتمنى [٢٢٩/أ] عمر بهذا أو مسلم في الأرض، فكيف يجوز لذي عقل أن يتمنى بأن يعصي الله ! أو ما سمعت قول الله تعالى ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ (الجاثية: ٢١) بل يقول: ليت ما أذنبنا من صغير وكبير نتوب عنه أو مغفور أو غير ذلك أو لم يفعله.
٩ - وأما ما سألت عنه ممن يجني الجنايات فتقام عليه الحدود، وهل تبقى عليه تبعة لله تعالى فقد صح عن النبي، ﷺ ، أن الحدود كفارات (١) حاشا الفساد في الأرض فإنه باق؛ قال الله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (المائدة: ٣٣) فقد نص الله تعالى أن هؤلاء يكون ما أقيم عليهم في الدنيا من الحد خزياً لهم وأن لهم في الآخرة عذاباً عظيماً (٢) .
١٠ - وأما ما سالت عنه من نزول الماء كمني الرجل، فيبعث الله من في القبور، فأذكر هذا الحديث (٣) ولا يحضرني ذكر سنده، فغن صح قلنا به وإلا فلا. وليس هذا مما امرنا به ولا نهينا عنه، والله على ما يشاء قدير. ولا يجوز أن يقال شيء من هذا بغير يقين علم.
١١ - وأما الحديث الذي ذكرت من أنه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى أحد يأمر
стр. 914
بالمعروف وينهى عن المنكر (١) ، وأن الله تعالى يبعث ريحاً تقبض أرواح المؤمنين، فقد جاءت في هذا آثار صحيحة معروفة إن [أردتها] فهي حاضرة. وأما عمر مولى غفرة (٢) فضعيف وإنما صحت من طريق غيره.
١٢ - وأما ما ذكرت من قول سحنون وابنه في الرجل الذي كان يغتسل في يوم شديد البرد فقال أحدهما: وجبت، فقال الآخر: إن كان من حلال، فقال: وإن كان من حرام، فهذا لا يصح وليس الإيجاب لأحد دون الله تعالى على لسان رسوله، ولو شهد شاهد بالإيجاب لمن اغتسل من الجنابة لوجبت الشهادة بذلك لمن صلى صلاة أو صام يوماً حاراً أو ما أشبه ذلك، وهذا ما لا يختلف فيه اثنان في أنه لا يقطع لإنسان بعينه في الجنة قطعاً إلا قوم من خشارة الخوارج قد بادوا؛ وأيضاً فما يدري من يقول وجبت على ما [٢٢٩ ب] ذا يموت المقول عنه ذلك، وأما إن كان من حرام فأعوذ بالله من ذلك، فإن وجوب النار أقرب إليه من وجوب الجنة، إلا أن يرمه الله تعالى. ولو كان الاغتسال توبة من الزنا وهو مصر على تماديه لكانت كل حسنة يعملها توبة من كل سيئة تقدمت له، وهذا ما لا يقوله أحد.
١٣ - وأما ما ذكرت من طلوع الشمس من مغربها فصحيح لا داخلة فيه، وإنما هي في ذلك يومها فقط، ثم ترجع كما كانت بلا خلاف.
١٤ - وأما قولك: هل يصبح الناس يومئذ قد انتزع القرآن من صدورهم فليس في هذا خبر صحيح نعتمد عليه، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.
١٥ - وأما سؤالك عن من حلف خوف السلطان بإكراه: هل عليه كفارة فلا كفارة على المكره ولا يلزمه شيء لقول النبي، ﵇ (٣) : " عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". وإنما الكفارة على المختار للحنث القاصد إليه فقط للنص الوارد بذلك، وللإجماع على وجوب الكفارة على من هذه صفته، ولا نص ولا
стр. 915
إجماع فيما عدا ذلك. والشرائع لا يشرعها إلا رسول الله، ﷺ ، عن ربه تعالى، وأما من حلف وشك في الحنث فلا كفارة عليه حتى يوقن، لأننا كنا على يقين انه لم يلزمه كفارة، فلا يجوز أن يلزم عتقاً أو إطعاماً او كسوة أو صياماً بالظنون، ولا يلزم الشرائع إلا باليقين، قال تعالى ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (يونس: ٣٦) .
١٦ - وأما سؤالك عن عهدة (١) السنة من الجنون والجذام والبرص، فلا يصح في ذلك شيء عن رسول الله، ﷺ ، أصلاً بوجه من الوجوه. وإنما روي في العهدة ثلاثة أيام وأربعة من طريقتين واهيين وهما: الحسن عن سمرة، والحسن عن عقبة بن عامر [ولم نرو فيما عدا ذلك] شيئاً أصلاً.
١٧ - وأما سؤالك عن الفرق بين توأمي الزانية، والمغتصبة، والمستأمنة، والمسبية [فأقول في الجواب: أما المستأمنة والمسبية] (٢) فتوأماهما أخوان لأب وأم بلا شك، لان الأصل في ذلك انهما ابن زوج، إذ لا يحمل أحد على حكم الزنا إلا ببينة، فهما لاحقان بأبيهما لان أمهما فرش له. ونكاح أهل الشرك صحيح لإجماع الأمة على إقرارهم عليه إذا أسلموا معاً، لأن منه خلق النبي [٢٣٠/أ] ﷺ وهو مخلوق من أصح نكاح بلا خلاف. وأما توأما المغتصبة والزانية الملعنة فإنما هما لأم فقط، لان الزانية والمغتصبة ليستا فراشاً للرجل وقد قال ﵇ (٣) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فلا يجوز أن يكونا لغير صاحب فراش، وقد أبطل رسول الله، ﷺ ، نسب ابن الملاعنة من أبيه وألحق ولدها بأمه فقط، فهما لأم فقط، ولا فرق بينهما وبين سائر ولدها منه قبل اللعان، إن جاز أن يلحقا به وقد نفاهما، فهما مع سائر ولدها منه إخوة لأب وأم أيضا؛ وهذا ما لا يقوله أحد.
١٨ - وأما سؤالك عن المأسور في دار الحرب الملتزم مالاً لهم بالعهود والمواثيق والأيمان، هل يلزمه الوفاء بذلك فنعوذ بالله من هذا، وهي في إجماع الأمة كلها عهود ومواثيق على باطل وظلم وعلى إعطاء مال بغير حق، ولا يجوز الوفاء بعهود
стр. 916
الباطل، ولا يحل له أن يبقى عندهم عن قدر على الخلاص، ولا يعطيهم شيئاً إن انطلق قبل أن يأخذوه منه. وإنما قال تعالى ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ (النحل: ٩١) وهذا ليس عهد الله إنما هو عهد الشيطان؛ فمن قال إنها عهود حق فسله ماذا يقول في أسرهم إياه وحسبهم له، أحق هو أم باطل فإن قال: هو حق، كفر بإجماع المسلمين، وجعل قتل أهل الكفر وأسرهم للإسلام حقاً وعدلا، وإن قال: هو باطل، نقض قوله وصدق انه باطل.
١٩ - وأما سؤالك عن المصر، فإن الله تعالى يقول ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ (آل عمران: ١٣٥) وأخبر رسول الله، ﷺ ، ان من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه (١) ، وهذا كله حق. فالمصر هو الذي عمل الذنب ثم نوى التمادي عليه، فهذا ما لم يعمله، فعليه إثم الإصرار لا إثم مواقعة الذنب حتى يواقعه؛ وأما من هم بسيئة فلم يعملها، فليس مصرا بنص القرآن الذي ذكرنا، ولا إثم عليه فيما هم به حتى يعمله، للنص المذكور.
٢٠ - وأما سؤالك عن من افتض بكراً، فقام عليه أهلها يطلبونه، فأنكرت هي وأقر هو، وقولك: فذهب قوم أن يفرض لها ما يتحلل به عذرتها، وقلت: إلى من يرفع ذلك، أو بأي وجه يستحقه فهذه قضية سخيفة جداً، وما علمنا الفروج في الزنا تستحل بعطية، ولا أن يصالح عليها [٢٣٠ ب] في ذلك بمال، وقد قال تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (البقرة: ١٨٨) وهذا الباطل. ونهى رسول الله، ﷺ ، عن مهر البغي. وأما إذا أقر هو، فعليه الحد للزنا ولا مزيد، وما عدا ذلك فهذر وجنون، ولو أعطاها شيئاً (٢) على هذا الوجه لردته إليه.
٢١ - وأما سؤالك عن من أقر لآخر بحق، والمقر له منكر، أيوقف له أم لا وهل يدفعه إلى ورثته بعده أم لا فهذا مما اختلف فيه العلماء، فقالت طائفة: يوقف له، وقالت طائفة: لا يوقف له، وقد بطل هذا الإقرار إذا لم يصدقه المقر له، وهذا هو الصحيح، لان ذلك المال المقر له به لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون ملكه للذي هو بيده في جملة ماله، أو المقر له به. فإن كان للمقر له به
стр. 917
فإنكاره مطرح وواجب أن يقضى له به أوجب أم كره، وهذا ما لا يقوله أحد. وإن كان لا يجب هذا، فهو بيقين للمقر له كما كان لا ينتقل عنه إلا بنص أو إجماع، إذ قد بطل إقراره به وسقط به، ولا حق لورثة المقر له به، إلا أن يجدد الذي هو بيده إقرار لهم به. لأن الإقرار الأول قد بطل، ولا يجوز أن يقضى بأمر قد بطل.
٢٢ - وأما سؤالك عمن عليه دين لآخر فمات صاحب الدين ولا وارث له، فإن هذا مال يجب تفريقه في مصالح المسلمين بإجماع الأمة. على أن كل مال (١) لا رب له فهو في مصالح أهل الإسلام، حيث ما وضع منها جاز، وبالله تعالى التوفيق.
٢٣ - وأما سؤالك عمن غصب مالا لإنسان فمات المغصوب منه، فماذا يكون للميت وورثته فإن ذلك حق للمغصوب منه قد وجب قبل الغاصب، فلا يسقط بموته، والميت يطالبه به بين يدي الله تعالى، وهو ولي إنصافه منه، بقوله تعالى ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) وقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) ثم إذا انتقل ملك ذلك المغصوب إلى ورثة الميت، فهو حق آخر وحكم آخر. وقد تجدد للغاصب غصب آخر من الورثة فحقهم أيضاً فيه بتمامه وهكذا أبدا، وبالله التوفيق.
٢٤ - وأما سؤالك عن قول الشيطان ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ (الأنفال: ٤٨) وقول القبيلتين من الجن، هاروت وماروت ﴿إنما نحن فتنة﴾ (البقرة: ١٠٢) هل وقف على من سمع ذلك مشافهة منهما ومن إبليس أم الله تعالى أخبر بذلك فما ظننت قط [٢٣١/أ] أن مسلما يسأل هذا السؤال، وهل خبر أصدق من خبر الله تعالى! وهل يمتري مسلم في أن ما أخبره الله تعالى فانه حق كما أخبر به وهذا مكان لا يستحق الزيادة في الجواب على هذا أصلاً، لعظيم الأمر في ذلك، ونعوذ بالله من الخذلان.
٢٥ - ثم من عجائب الدنيا سؤالك في قول الكفار لعنهم [الله] عن رسول [الله] ، ﷺ ، به جنة، ماذا أرادوا بذلك أرادوا بذلك سواد وجوههم وحمقهم. أو عن مثل هذا يسأل أو يشتغل منه بأكثر من لعنتهم على ذلك واستعظام ما أتوا به فقط، وهذا أيضاً من نوع ما قبله. وأما احتجاج من احتج بقول الكافر: به جنة في أن الجان تتكلم على لسان المصروع فاحتجاج سخيف من دماغ ضعيف،
стр. 918
ومن أسخف ممن يحتج بقول الكفار في النبي، ﷺ ، به جنة، فقولهم كله باطل وزور وإفك.
٢٦ - وأما ما كرت من قول بعض المفسرين: إن الشيطان ألقى ذلك على لسان نبيه، فحاشا لله من هذا. وهذا هو الكذب، والرواية في هذا باطل، ومعاذ الله أن يسلط الله شيطاناً يتكلم على لسان نبيه، ﵇، وهو تعالى [يقول] ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٣، ٤) ومع هذا، فما أدري ما هذا العقل الذي يسمع فيه هذا الحمق، وهذا لا يجوز إلا على سكران أو موسوس أو مبرسم يهذي ويتكلم بما لا يدري ولا يعرفه، فكيف ان يظن هذا بالنبي أنه تكلم بالكفر وهو لا يدري ألا إن هذا هو الضلال.
٢٧ - وأما كلام الشيطان على لسان المصروع فهذا من مخاريق العزامين (١) ولا يجوز إلا في عقول ضعفاء العجائز، ونحن نسمع المصروع يحرك لسانه بالكلام، فكيف صار لسانه لسان الشيطان عن هذا لتخليط ما شئت. وإنما يلقي الشيطان في النفس يوسوس فيها، كما قال الله تعالى ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ (الناس: ٥) وكما قال تعالى ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ (الحج: ٥٢) فهذا هو فعل الشيطان فقط، وأما أن يتكلم على لسان أحد فحمق عتيق وجنون ظاهر، فنعوذ بالله من الخذلان والتصديق بالخرافات.
٢٨ - وأما قولك فيما جاء أن [الصداقة] (٢) تنسأ في الأجل، فلا يصح أصلاً، وغنما صح أن صلة الرحم تزيد في العمر وتنسأ الأجل، ومعنى هذا أن الله تعالى قد سبق في علمه أن جعل صلة الرحم سبباً لبلوغ المدة [٢٣١ ب] التي قدرها له، كما جعل الغذاء والماء سبباً، والتنفس سبباً، لبلوغ المدة التي قدرها لنا، ولا فرق.
٢٩ - وأما سؤالك عن قوله تعالى ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ الآية (المائدة: ١٠٦) فغن الناس اختلفوا فيها، فقالت طائفة: هي منسوخة. قال أبو محمد: وهذا خطأ لا يحل القول به، ولا يحل أن يقال في شيء من القرآن إنه منسوخ بالظن، إلا بنص جلي يبين أنها منسوخة، أو بإجماع على ذلك، ولا إجماع في ذلك
стр. 919
ولا نص. وقال آخرون: معنى ﴿من غيركم﴾ (١) : من غير قبيلتكم، وهذا خطأ لوجهين، أحدهما: انه تخصيص للآية بلا برهان، والثاني: انه لا يجوز ذلك في اللغة، لأنه تعالى لم يخاطب قبيلة بعينها وإنما خاطب الذين آمنوا في أول الآية؛ وغير الذين آمنوا هم الذين كفروا بلا شك. فالحكم بها واجب باق محكم إلى يوم القيامة، لا شك في ذلك، لأنه نص من الله تعالى لم يأت ما يبطله؛ وشهادة الكفار جائزة في السفر خاصة، في الوصية خاصة مع إيمانهم، وهو قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وتميم الداري (٢) ، ثلاثة من أصحاب رسول الله، ﷺ ، لا مخالف لهم من الصحابة كلهم يأمر بالحكم بها، وبالله التوفيق.
٣٠ - وأما سؤالك: البلاء أفضل أم العافية، والفقر أفضل أم الغنى فسؤال فاسد، إنما الفضل للعباد بأعمالهم، وباختصاص الله تعالى إياهم، وباختصاص الله تعالى ما شاء مما خلق بالتفضيل. ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ونعوذ بالله من البلاء والفقر، وإنما الفضل بالصبر والشكر. وقد جاء عن النبي، ﷺ ، تفضيل الصبر، والقرآن أيضاً، والله تعالى يعلم مقادير ذلك (٣) وسنرد ونعلم، وإنما كلفنا العلم والعمل بما نعلم، ولم نكلف علم ما عنده تعالى من المقادير، وإنما علينا التسليم لقوله فقط، ونهينا عن التكلف.
٣١ - وأما قولك إنه يحط سليمان، ﵇، من درجته في الجنة، لما أوتي من الملك، فما سمعنا بهذا أصلا. والإخبار عن الله بما (٤) يفعل لا يحل إلا بنص صحيح عن النبي، والاشتغال بالسؤال عن مثل هذا فضول، ومن اشتغل بطلب الفضول وما لا يعنيه أو شك أن يضيع الحق وما يعنيه.
٣٢ - وأما سؤالك عن تفاضل ساحة الجنة، وأنها سبع جنات، فقد نص تعالى على أن بعضها فوق [٢٣٢/أ] بعض بقوله تعالى ﴿وللآخرة أكبر درجات واكبر تفضيلا﴾ (الإسراء: ٢١) وبقوله تعالى ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار﴾ (الزمر: ٢٠) ولو لم يكن كذلك لما كان
стр. 920
جزاء من لا عمل له غير الإيمان كالجزاء الانبياء، وهذا ما لا يقوله أحد. وقد أخبر ﵇ أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرفات كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي، أو كما قال ﵇ (١) .
٣٣ - وأما قولك هل يبلغ أحد درجات النبيين: فأما أن يساويهم في جميعها فلا سبيل إلى ذلك أصلاً، ولكن أزواجهم معهم فيها بلا خلاف. وأما قولك: قيل إن بعض النبيين أعلى درجة في الجنة [من] العلماء ثم الشهداء، وقيل الصديقين، فأقوال فاسدة لم يأت نص بشيء منها، ولكن الحق من ذلك أن (٢) الصحابة ﵃ بعد النبيين على قدرهم، ثم الناس على قدر أعمالهم. قال الله ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ (النمل: ٩٠) فأبطل الله تعالى أن يجزي أحداً بغير ما يعمل، وبالله التوفيق.
٣٤ - وأما سؤالك عن قول (٣) النبي عند موته " [في] الرفيق الأعلى (٤) فهم الذين سمى الله تعالى النبيين والشهداء والصالحين، وهؤلاء هم المترافقون في الجنة، جعلنا [الله] من أهلها بمنه، آمين، والسلام عليك يا أخي ورحمة الله.
تم الجواب والحمد لله كثيراً
وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم
آمين
стр. 921
جزاء من لا عمل له غير الإيمان كالجزاء الانبياء، وهذا ما لا يقوله أحد. وقد أخبر ﵇ أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرفات كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي، أو كما قال ﵇ (١) .
٣٣ - وأما قولك هل يبلغ أحد درجات النبيين: فأما أن يساويهم في جميعها فلا سبيل إلى ذلك أصلاً، ولكن أزواجهم معهم فيها بلا خلاف. وأما قولك: قيل إن بعض النبيين أعلى درجة في الجنة [من] العلماء ثم الشهداء، وقيل الصديقين، فأقوال فاسدة لم يأت نص بشيء منها، ولكن الحق من ذلك أن (٢) الصحابة ﵃ بعد النبيين على قدرهم، ثم الناس على قدر أعمالهم. قال الله ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ (النمل: ٩٠) فأبطل الله تعالى أن يجزي أحداً بغير ما يعمل، وبالله التوفيق.
٣٤ - وأما سؤالك عن قول (٣) النبي عند موته " [في] الرفيق الأعلى (٤) فهم الذين سمى الله تعالى النبيين والشهداء والصالحين، وهؤلاء هم المترافقون في الجنة، جعلنا [الله] من أهلها بمنه، آمين، والسلام عليك يا أخي ورحمة الله.
تم الجواب والحمد لله كثيراً
وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم
آمين
стр. 922
تصدير
يحتوي هذا الجزء الرابع من رسائل ابن حزم على خمسة عنوانات مرتبة كالآتي:
(١) رسالة في مراتب العلوم.
(٢) التقريب لحد المنطق والمدخل إليه.
(٣) فصل هل للموت ألم أم لا.
(٤) الرد على الكندي الفيلسوف.
(٥) تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول.
وهي جميعاً تومئ إلى ما غلي فيه المنحى المنطقي الفلسفي على ما كتبه ابن حزم، وكلها قد نشرت من قبل ما عدا الرسالة الخامسة، ولكن هذه الطبعة تتميز بمقدمة إضافية درست فيها رسالة مراتب العلوم في السياق العام الذي جرى فيه تصنيف العلوم عند العرب من جابر بن حيان حتى ابن حزم؛ وكذلك أعدت كتابة مقدمة " التقريب " في ضوء المعلومات التي وفرها لي اكتشاف مخطوطة جديدة، وأفدت مما كتب حول تصنيف العلوم التقريب من دراسات لباحثين معاصرين. فأما مقدمة " الردّ على الكندي الفيلسوف " فلم أجر فيها إلا قليلاً من التعديلات لاعتقادي أولاً أن هذا الكتاب ليس لابن حزم على وجه اليقين، وثانياً لأنني أعتقد أن ما هذا العنوان يمثل عدة كتب لا كتاباً واحداً وحسب.
ولا بد لي في هذا من التقديم الشكر لعدد من الأصدقاء الذين كان لمساعدتهم أثر كبير في إنجاز هذا الكتاب: فقد أولت الدكتورة وداد القاضي هذا الجزء شيئاً غير قليل من عنايتها ودقتها، كما أمدني الدكتور رضوان السيد بكل ما أعانني على دراسة ما صدر من بحوث حديثة ذات صلة بهذا الجزء، وقام الدكتور جورج صليبا بتوضيح مصطلح " البيابانية " عند أهل الهيئة، وتولى الابن العزيز ماهر زهير جرار عناء تدقيق النص معي، على الأصول الخطية؛ فلهم جميعاً أجزل الشكر.
أما الأستاذ درويش الدم مدير مطبعة " مركز الطباعة الحديثة " فلا أستطيع أن أفيه حقه من الثناء لصبره على كثرة ترددي في القراءات بين الترجيح والقطع، وتغيير الحواشي المرفقة غير مرة، فله للعاملين في المطبعة المذكورة أعلاه أوفى شكر وتقدير.
стр. 923
وأخيراً لا آخراً فإن للصديقين الأثيرين: رشاد بيبي وماهر الكيالي فضلاً كبيراً، لا على هذا الجزء من رسائل ابن حزم وحسب، بل على جميع الأجزاء، أما الأول فلدقته المتناهية في ضبط الكتاب وحرصه على الجودة والإتقان، وأما الثاني فلحماسته في رؤية رسائل ابن حزم " مجموعة كاملة ". فللصديقين العزيزين كل الحب والعرفان بالفضل.
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، ويمنحني القدرة على إنجاز ما تبقى من هذه الرسائل، إنه ولي الحمد وأهله.
بيروت في ٢٨ أبريل (نيسان) ١٩٨٣ إحسان عباس
стр. 924
مقدمة
رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها
من تصنيف للعلوم عند العرب
ربما كان من المتعذر تحديد بداية دقيقة للنزوع إلى معالجة العلوم على أساس تصنيفي في الحضارة العربية، ولكن هذه الظاهر تطالعنا منذ أواخر القرن الثاني الهجري على يد جابر بن حيان، غير أنها لا تستقوي إلا في أواخر الثالث، تصبح على أشدها في القرن الرابع، اذ تتعدى فيها المحاولات والانتحاءات، تلبيةً لما تم حينئذ من تطورات هامة على جميع المستويات وفي طليعتها تنوع الروافد الثقافية وضروب المعارف التي تستدعي على نحو طبيعي نظرة تأملية فاحصة تقوم على المقايسة والمقارنة بل وعلى المفاضلة في بعض الأحيان (١) .
ولم يكن من المستغرب أن يكون معظم القائمين بهذا النوع من النشاط مفكرين ذوي صلات قوية بالثقافات الأجنبية وبخاصة الثقافة اليونانية، وإذا ذكرنا أبا بكر الرازي والفارابي وإخوان الصفا وابن سينا والتوحيدي على المستوى الفكري النظري للتصنيف، ومحمد بن إسحاق النديم ومحمد بن أحمد الخوارزمي صاحب مفاتيح العلوم على المستوى التطبيقي العملي للتصنيف، فقد حصرنا أهم الذين عنوا بتلك الظاهرة ووضعوا لها أسسها الفكرية (٢) .
ولهذه الحقيقة نفسها أسبابها الكثيرة، وفي مقدمتها تعدد ما أصبح ينضوي تحت لفظة " علم " من فنون وصناعات لم تكن تحظى من قبل بهذا الاسم، ومن حقول معرفة جديدة لم يكن اسم العلم إذا أطلق ليشملها؛ ذلك أن لفظة " علم " بصيغة المفرد كانت غامضة أو محدودة؛ أما غموضها فيتصل بتلك الحكم التي تحث على طلب العلم
стр. 925
وتتحدث عن فضائله (بل وأحياناً عن كثرته وتنوعه) دون توضيح للمراد، وأما محدوديتها فتتبين لنا حين نجد لفظ العلم مقصوراً على طلب الحديث، فإذا اتسع شمل الفقه أو التفقه على وجهٍ من الوجوه في شؤون الدين (١) ؛ فلما وجد هؤلاء المفكرون أن لفظة " علم " لم تعد تغني كثيراً في الدلالة على ضروب المعارف الأصيل منها والمستحدث جعلوا يتحدثون عن " العلوم " بصيغة الجمع، حيناً، أو يوسعون من مدلول لفظة " علم " حيناً آخر بما يدرجون تحتها ن تفريعات، وكان الإحساس بقوة المفارقة بين تيارين كبيرين تيار الثقافة الأصلية وتيار الثقافة المستحدثة يجعل التصنيف عملاً ملحاً لأنه يخضع ذينك التيارين لوحدة فكرية، ويطمس ما قد يظن بينهما من تعارض، ويتيح للتيار المستحدث وجوداً معترفاً به، ويرسخ أصوله، ويستدعي على مر الزمن قبوله. وكان أمام أولئك المفكرين نموذج في التصنيف يمكنهم احتذاؤه إذا شاءوا، وهو ما يمكن أن نسميه على وجه التعميم النموذج اليوناني، فقد كان لدى أفلاطون تصور واضح لتصنيف العلوم، وكذلك كان الحال بالنسبة لأرسطاطاليس، وكان هذا النموذج يستثير هؤلاء المفكرين إلى الإفادة منه وإلى اختيار مدى صلاحيته لأوضاعهم الثقافية التي لم تكن بالضرورة مشبهة لأوضاع المجتمع اليوناني، كما أن وجود هذا النموذج لدى الفيلسوفين الكبيرين كان يعني أن التصنيف للعلوم جزء من مهمة المفكر، وأنه لا يجوز لمن أخذ بسهم من الدراسة الفلسفية أن يهمل هذه الناحية، لأن مزاولتها تعني دربةً فكرية على رؤية الأصول والفروع، وإبرازاً للقدرة على التصور الواضح لأنواع المقولات.
وكان الجو مهيأ لاستخدام تلك القدرة الفكرية في مجالين؛ أولهما الرد على تلك التفريعات الساذجة للعلم من مثل " العلم أربعة: الفقه للأديان والطب للأبدان والنجوم للأزمان والنحو للسان " (٢) ، أو مثل " العلم علمان: علم يرفع وعلم ينفع، فالرافع هو الفقه في الدين والنافع هو الطب " (٣) ، ومن هذا القبيل ما يرويه ابن عبد البر عن أبي إسحاق الحوفي (وقد تفوق في الرؤية على ما سبق) : " العلوم ثلاثة: علم دنياوي وعلم دنياوي وأخروي وعلم لا للدنيا ولا للآخرة، فالعلم الذي للدنيا علم الطب والنجوم وما أشبه، والعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسنن والفقه فيهما، والعلم ليس للدنيا
стр. 926
ولا للآخرة علم الشعر والشغل به " (١) ، ولهذه الأقوال نظائر تسبقها زمنياً وتتلوها، والمراد منها في هذا المقام أن تكون مثالاً على تجاهل أصحابها للنزعة الشمولية في التقسيم والتفريع، أو عجزهم عن التمرس بالنظرة الشمولية في هذا المجال، فالشيء المستقر في نفوسهم هو أن هناك معارف تتصل بالشريعة، وهذه المعارف ضرورية، وأما ما كان خارج ذلك من معارف فهم يختارون منها ما يناسب (كالطب مثلاً) ويهملون كل ما عداه لأنه لا تحكمهم رغبة في الاستقصاء والتصنيف.
وثاني هذين المجالين هو الرد على تعصب الفرد للصنعة التي يحسنها أو ما يمكن أن يسمى " غرور المعرفة القليلة "، وكانت صورة هذا كله تمثل صراعاً بين فضل الأدب بمعناه الواسع وفضل العلم بمعناه الشمولي أيضاً وخير ما يصور هذا الموقف حكاية ذكرها الرازي الطبيب في كتاب الطب الروحاني (٢) ؛ قال: " ولقد شهدت ذات يوم رجلاً من متحذلقيهم (يعني الأدباء) عند بعض مشايخنا بمدنية السلام، وكان لهذا الشيخ مع فلسفة حظ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر، وهو يجاريه وينشده ويبذخ ويشمخ في خلال ذلك بأنفه ويطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل من سواهم، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفةً منه وعجبه ويبتسم إليّ، إلى أن قال فيما قال: هذا والله العلم وما سواه ريح، فقال له الشيخ: يا بني هذا علم من لا علم له، ويفرح به من لا عقل له، ثم أقبل عليّ وقال: سل فتانا عن شيء من مبادئ العلوم الاضطرارية، فإنه ممن يرى أن من مهر في اللغة يمكنه الجواب عن جميع ما يسأل عنه، فقلت: خبرني عن العلوم: اضطرارية هي أم اصطلاحية، ولم أتمم التقسيم على تعمدٍ، فبادر فقال: العلوم كلها اصطلاحية فقلت له: فمن علم أن القمر ينكسف ليلة كذا وكذا وأن السقمونيا يطلق البطن متى أخذ إنما صح له علم ذلك من اصطلاح الناس عليه قال: لا، قلت: فمن أين علم ذلك فلم يكن فيه من الفضل ما يبين عما به نحوت؛ قم قال: فإني أقول إنها كلها اضطرارية، ظناً منه وحسباناً أنه يتهيأ له: خبرني عمن علم أن المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأن المنادى بالنداء المضاف منصوب، أعلم أمراً اضطرارياً طبيعياً أم شيئاً مصطلحاً عليه باجتماع عليه من بعض الناس دون بعض فلجلج بأشياء يروم أن يثبت
стр. 927
بها أن هذا الأمر اضطراري وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له: ذق يا بني طعم العلم الذي هو على الحقيقة علم ".
قد يبدو هذا المثل نموذجاً فردياً، وأنه لا يصلح لأن يستنتج منه حكم عام، لولا أن الرازي يذكر في تضاعيفه أن أصحابه (أي الحكماء) كانوا يردون على هذه العصابة (أي الأدباء) بأن علمهم اصطلاحي، فالأمر أوسع من أن يكون مقصوراً على حادثة فردية، بحيث يمكن أن يكون صراعاً بين فئتين متفاوتتين في الانتماء الثقافي؛ ويستدرك الرازي على ما تقدم بقوله: " ولسنا نقصد الاستجهال والاستنقاص لجميع من عني بالنحو والعربية واشتغل بهما وأخذ منهما، فإن فيهم من قد جمع الله له إلى ذلك حظاً وافراً من العلوم، بل للجهال من هؤلاء الذين لا يرون أن علماً موجود سواهما، ولا أن أحداً يستحق أن يسمى عالماً إلا بهما " (١) .
كان في وسع هذا النحوي اللغوي أن ينكر كل ما سوى علمه لقصور في تصوره، وكان في وسع المحدث أن يتجاهل كل ما لا يمت بصلةٍ إلى علمه لأنه خاضع لمنهجيه دقيقة أيضاً توازي (وليس من الضروري أن توافق) منهجية المفكر المتفلسف، ولكن لم يكن بمقدور هذا الأخير أن يقف موقفاً مشابهاً لهذين، خضوعاً أيضاً لانتمائه ولمنهجه، ولذلك كانت نظرته الشمولية إلى العلوم وتفريعاتها، ثم الخروج بتصنيف لها، أمراً يشبه الحتم، وكان هو حريصاً أشد الحرص على ذلك لكي يمنح الفلسفة (وخاصة الجانب المتافيزيقي منها) مكاناً في تصانيفاته، ذلك أنه لم يكن يجد من ينكر عليه ناحية " المنفعة " في سائر علوم الأوائل (ما عدا الجانب التنجيمي من علم الهيئة وما عدا الموسيقى لدى من يضيق ذرعاً بها) إلا أنه كان يواجه حملة شعواء على مستويات مختلفة إذا هو تحدث عن المتافيزيقا ا (لعلم الإلاهي) . فالرغبة لدى هؤلاء في التصنيف قوة حافزة ليس هدفها إيجاد مكان للمعارف المتصلة بالشريعة ضمن رؤية معينة، فهذه المعارف لها من المؤيدين ما يكفل لها الوجود الكامل في أي تصنيف، ولكن الهدف هو إظهار " التكامل " بين معارف الأوائل والمعارف الدينية أو على الأقل: وضع تصور جديد لا ينبذ الفلسفة ولا يهمل الشريعة، ويتمتع بشمول يحترم الفكر ويجد من الفكر نفسه كل تقدير (٢) .
стр. 928
وكان من أقوى التصانيف جاذبية ذلك التقسيم الثلاثي الذي يستنتج من موقف أرسطاطاليس، أعني قسمة العلوم إلى علوم نظرية وعلوم عملية وعلوم منتجة أو آلية (ميكانيكية) ، ثم على وجه الخصوص قسمة العلوم النظرية في ثلاثة أيضاً هي العلم الرياضي والعلم الطبيعي والعلم الإلاهي (المتافيزيقا) (١) ، وقد وجدت هذه القسمة الأخيرة صيغتها الحاسمة لدى ابن سينا (٤٢٨ / ١٠٣٦) حين لم يكتف بأخذها كما هي بل أعطاها من الوصف ما ينبئ عن تدرج في القيمة، إذ وضع العلم الطبيعي في القاعدة وسماه العلم الأسفل، وجعل العلم الإلاهي في الأعلى، وسمى العلم الرياضي العلم الأوسط (٢) ؛ وقد كان لهذه التسمية الجديدة أثرها في مختلف الفئات، وعندما وصلت في تأثيرها إلى فقيه مثل ابن عبد البر النمري في القرن الخامس (٤٦٣ / ١٠٧١) تحول بها إلى ما يخدم الغاية الدينية فقال: " والعلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة: علم أعلى وعلم أسفل وعلم أوسط، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين الذي لا يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أنزل الله في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم نصاً، والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي يكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره، ويستدل عليه بجنسه ونوعه كعلم الطب والهندسة، والعلم الأسفل هو إحكام الصناعات وضروب الأعمال مثل السباحة والفروسية والزي والتزويق والخط وما أشبه ذلك من الأعمال التي هي أكثر من أن يجمعها كتاب أو يأتي عليها وصف وإنما تحصل بتدريب الجوارح فيها " (٣) . ولم يكن ابن عبد البر غافلاً عما أحدثه من تغيير في التصنيف الفلسفي لأنه أضاف قائلاً: " وهذا التقسيم في العلوم كذلك هو عند أهل الفلسفة، إلا أن العلم الأعلى عندهم هو علم القياس في العلوم العلوية التي ترتفع عن الطبيعة والفلك، مثل الكلام في حدوث العالم وزمانه والتشبيه ونفيه وأمور لا يدرك شيء منها بالمشاهدة ولا بالحواس " (٤) ، وهو يعتقد أن هذا علم عنه لأن الكتب السماوية الناطقة بالحق والصدق قد قامت مقامه.
стр. 929
إن هذا النموذج الأرسطاطاليسي السينوي ظل هو المحور المعتمد في كل تصورٍ لأصناف العلوم، ولكن بدلاً من طرح العلم الأعلى عند الفلاسفة ووضع علم آخر موضعه كما فعل ابن عبد البر أصبح جهد المصنفين موجهاً نحو الإبقاء عليه كما هو، واستحداث مركب آخر ثنائي يقسم العلوم في قسمين: علوم الدين وعلوم الدنيا، أو علوم المسلمين وعلوم الأوائل، أو العلوم النقلية والعلوم العقلية، إلى غير ذلك من تسميات خلدت هذا التوزاي على مرّ الزمن. ولا ندري متى بدأت هذه الرؤية الثنائية تجد طريقها إلى التصنيف، ولكنا نعتقد أنها أقدم بكثير من التقسيمات الثلاثية، وأنها ربما كانت وليدة اشتداد حركة الترجمة في القرن الثاني الهجري، ذلك أنا نجدها عند جابر بن حيان (٢٠٠ / ٨١٥) الذي يرى أن العلوم تقع في ضربين: علم الدين وعلم الدنيا (١) ؛ إلا أننا إذا استرسلنا مع جابر في تفريعاته وجدناه يبني منهجاً غايةً في الغرابة، فيقسم العلوم الدينية إلى شرعية وعقلية، والشرعية ظاهرة وباطنة، والعقلية نوعان: علوم معانٍ وعلوم حروف، فعلوم المعاني نوعان: فلسفة وإلهية وعلوم الحروف تنقسم أيضاً إلى قسمين: طبيعي وروحاني، فالطبيعي إلى أربعة: هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسية، والروحانية ينقسم بدوره إلى نوراني وظلماني. ذلك هو الهيكل الذي تمثل أركانه العلوم الدينية؛ أما العلوم الدنيوية فيقسمها جابر بحسب قيمتها إلى علم شريبف وعلم وضيع: فالعلم الشريف هو الكيمياء المجال الذي اختاره جابر لفكره وتجاربه والوضيع هو علم الصنائع التي تعين الإنسان على الكسب الدنيوي (٢) .
وليس من الواضح إن كان الكندي (٢٦٠ / ٨٧٣) قد اعتمد القسمة الثنائية على نحو ما، فإن رسالتيه اللتين قد توضحان موقفه لم يصلا إلينا وهما: كتاب مائية العلم وأقسامه وكتاب أقسام العلم الإنسي (٣) ، غير أن استخدامه لفظة " الإنسي " في عنوان الكتاب يوحي بأنه كان يرى للعلوم مصدرين أحدهما إنساني، وذلك ما يدل عليه قوله في رسالته في كمية كتب أرسطاطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة: " فإن عدم عادم علم الكمية وعلم الكيفية، عدم علم الجواهر الأولى والثواني فلم يطمع له
стр. 930
في علم شيء بتةً من العلوم الإنسانية التي تتم بطلب وتكلف البشر وحيلهم ... " (١) ثم يمضي في المقارنة بين علم الفيلسوف وعلم الرسل صلوات الله عليهم، فهذا الثاني يكون " بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلةٍ بالرياضيات والمنطق ولا بزمان " (٢) ؛ ترى هل يعد الكندي العلوم المنبثقة عما جاء به الرسل من فقه وحديث وغير ذلك وهي جهد إنساني يتم بطلب البشر وتكلفهم من ضمن العلوم الإنسية، أو يلحقها بمصدرها الأول إتباعاً ذلك ما لا تبينه رسالته في كمية كتب أرسطاطاليس التي تنبئ عن معرفةٍ واضحة لتصنيف العلوم حسب النموذج الفلسفي المذكور، وإن كان الإحساس بالثنائية متوافراً لديه (٣) .
وذلك الإحساس نفسه هو الذي كان يشعر به الفارابي (٣٣٩ / ٩٥٠) وهو يحاول إحصاء العلوم؛ غير أنه بدلاً من أن يجعل العلوم في قسمين: دينية ودنيوية، اختط لنفسه منهجاً جديداً يمكن أن يوصف بالتفرد، فقد أبرز في البداية قيمة علمين قد يعدهما غيره آلتين للعلوم وهما علم اللسان وعلم المنطق، والثاني منهما عند أرسطاطاليس آلة (وكذلك عند ابن سينا) ، وغايته من ذلك حصر الأساسين الكبيرين اللذين تنبني عليهم العلوم جملةً، وما كان ليتجاهل أن هذين الأساسين بتفريعاتهما المختلفة قد أصبحا وخاصة علم اللسان علوماً جمة؛ فعلم اللسان يشمل علم بالألفاظ المفردة وعلم الألفاظ عندما تكون مفردة وعلم قوانينها عندما تكون مركبة وقوانين تصحيح الكتابة وقوانين تصحيح القراءة وقوانين تصحيح الأشعار (٤) .
سبعة علوم في مجموعها عند كل أمة تمثل " الأوليات " التعبيرية وصورها المختلفة؛ فهي على أنه علم أو علوم تمثل في سياق العلوم الأخرى ما تمثله الأبجدية في الكتابة، وأما صناعة المنطق فإنها تعطي بالجملة " القوانين التي شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات، والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل والغلط في المعقولات، والقوانين التي يمتحن بها
стр. 931
في المعقولات ما ليس يؤمن أن يكون قد غلط فيها غالط " (١) . ويقارن الفارابي بين المنطق وبين علم النحو وعلم العروض (٢) ، ويورد أقسام المنطق الثمانية بحسب كتب أرسطاطاليس: قاطيغورياس، باري أرمنياس، أنالوطيقا الأولى، أنالوطيقا الثانية، طوبيقا، سوفسطيقا، ريطوريقا، بويطيقا (٣) . أما العلم الثالث فهو ما يسميه أرسطاطاليس العلم الرياضي، ويسميه الفارابي علم التعاليم، ويسقمه إلى علم العدد والهندسة والمناظر والنجوم والموسيقى والأثقال والحيل، فيضيف إلى الأربعة الكبرى، وهي العدد والهندسة والنجوم والموسيقى ثلاثة أخرى يعدها غيره أقساماً فرعية للعلوم الرياضية (٤) ، ويبدو هنا حرص الفارابي على التوازن العددي، فعلوم اللسان سبعة وكذلك التعاليم، وعلم المنطق ثمانية، وكذلك العلم الطبيعي (وهو الرابع من حيث الترتيب) ، فهو ثمانية فروع مبنية على جهود أرسطاطاليس في كتبه الآتية: السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد والآثار العلوية وكتاب المعادن وكتاب النبات وكتاب الحيوان وكتاب النفس. فإذا عرض الفارابي للعلمين الخامس والسادس وهما العلم الإلاهي زالعلم المدني (أو ما يسميه غيره العلوم العملية: من أخلاق وسياسة وتدبير) تبين لنا أنه التزم إلى حد كبير بالمفهوم المشائي لصنوف العلوم؛ غير أنه يفاجئنا برؤية جديدة حين يضع العلم المدني وعلم الفقه وعلم الكلام في فصل واحد، ذلك أنه يلمح قاسماً مشتركاً بين هذه العلوم، فإذا كانت الأخلاق تبحث في الفضائل والرذائل، وكانت السياسة هي أن تكون الأفعال والسنن الفاضلة موزعة في المدن والأمم (والتدبير يعني بالمنزل وبشؤون الاقتصاد عامة) فإن الفقه يتناول الأفعال التي تنظم المعاملات، كما أن الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة، أي هو نصر للفقه والأصول الفقهية.
ولا بد من أن نلحظ أن إحصاء الفارابي للعلوم، رغم احتفاظه بلب التصنيف الفلسفي، استطاع أن يضيف إليه أجزاء جديدة مستوحاة من الواقع العملي للعلوم لدى الأمة
стр. 932
الإسلامية (١) ، وإن لم يحاول أن يلجأ إلى ثنائية الدين والدنيا، بل مزج بينهما مزجاً بارعاً على نحو لم يوفق إليه من جاءوا بعده؛ ومن الواضح أن منهج الفارابي يتميز بوضع " مقولات كبرى " يمكن أن تندرج تحتها تفريعات قد تجد في المستقل، فهو لم يحاول أن يعطي للفروع تسميات محددة، وإنما ترك الجو صالحاً لمزيد من التوالد الطبيعي في العلوم. ويبدو أن كتاب إحصاء العلوم يمثل تطوراً في نظرة الفارابي نفسه إلى التصنيف؛ ففي رسالة " كتاب التنبيه على سبيل السعادة " نجده يلتزم التقسيم التقليدي، فيجعل الفلسفة النظرية ثلاثة أصناف: علم التعاليم والعلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعيات، والفلسفة المدنية تشمل الأخلاق والسياسة. ولم ينس الفارابي أن يعرج على تبيان ما يميز علماً عن علم في المرتبة، ولهذا جعل فضيلة العلم أو الصناعة مبنيةً على واحد من الأمور الثلاثة؛ فالعلم يفضل علماً آخر بشرف الموضوع مثل علم النجوم، أو باستقصاء البراهين مثل علم الهندسة، أو بعظم الجدوى مثل العلوم الشرعية والصناعات الضرورية، وقد يجتمع ثلاث من هذه الخصائص أو اثنتان في علم فيكتسب فضيلة إضافية وتلك هي الحال العلم الإلاهي (٢) .
وليس يضيرنا أن نسأل هنا على ضوء ما جد بعد الفارابي من نظرات تصنيفية أين يقع في منهجه المتطور كل من الطب والفراسة وتعبير المنامات والطلسمات والنيرنجات والكيمياء وسائر تلك الأمور التي ستجد لها مكاناً بعده لدى إخوان الصفا وابن سينا، سواء أجعلت أصولاً أم فروعاً في البنية التصنيفية؛ إن هذا التساؤل يوضح إلى أي مدى كان الفارابي منحازاً إلى " الأساس الفكري " (٣) في نظرته إلى العلوم، على ما منهجه العام من مرونة وسعة.
وحين حاول إخوان الصفا أن يلبوا حاجة الواقع الراهن حينئذ في تصنيفهم للعلوم عادوا إلى انتحال قسمة ثلاثية من نوع جديد، فجعلوا العلوم رياضية (يعني قائمة على الدربة والتمرين، وهي شيء مختلف عن الرياضيات) وشرعية وفلسفية، محاولين
стр. 933
الاحتواء الشامل لكل ضروب النشاط الإنساني، موسعين من مدلول لفظة " علم " إلى أقصى حد تتطلبه طبيعة العصر، ولا بأس أن أورد هنا تقسيماتهم لطرافتها (١) :
أ - العلوم الرياضية تسعة:
(١) علم الكتابة والقراءة.
(٢) علم اللغة والنحو.
(٣) علم الحساب والمعاملات (الحساب هنا بمعنى المحاسبة وليس علم العدد النظري) .
(٤) علم الشعر والعروض.
(٥) علم الزجر والفأل وما يشاكله.
(٦) علم السحر والعزائم والكيمياء والحيل وما شاكلها.
(٧) علم الحرف والصنائع.
(٨) علم البيع والشراء والتجارات والحرث والنسل.
(٩) علم السير والأخبار.
ب - العلوم الشرعية ستة.
(١) علم التنزيل.
(٢) علم التأويل.
(٣) علم الروايات والأخبار.
(٤) علم الفقه والسنن والأحكام.
(٥) علم التذكار والمواعظ والزهد والتصوف.
(٦) علم تأويل المنامات.
ج - العلوم الفلسفية أربعة.
(١) الرياضيات، وهي أربعة: العدد. الجومطريا. الأسطرنوميا. الموسيقى.
(٢) المنطقيات، وهي خمسة (ترتقي إلى ثمانية كتب أرسطاطاليس يضاف إليها ايساغوجي) .
(٣) الطبيعيات، وهي سبعة (بحسب ما في كتب أرسطاطاليس في هذا المجال) .
(٤) الإلهيات، وهي خمسة: معرفة الباري. علم الروحانيات. علم النفسانيات.
стр. 934
علم السياسة. علم المعاد.
ويتضح من هذا كله مدى التغييرات التي أحدثوها في مناهج ن سبقهم إضافةً وتعديلاتن فقد حشدوا الأمور النفعية التي تتطلبها الحياة اليومية أو ترغب فيها تحت عنوان جديد هو العلوم الرياضية (دون أن يكون للطب أي وجود في نظامهم) ، وتنبهوا لأول مرة إلى علم السير والأخبار، وآثروا كلمة " تأويل " على كلمة " تفسير " خدمةً لمعتقداتهم الإسماعيلية، وعدوا المواعظ والزهد والتصوف لأول مرة علماً، وجعلوا تأويل المنامات تحت العلوم الشرعية، ولم يغيروا شيئاً في تصنيف المنطقيات والطبيعات عما جاء عند الفارابي، ولكنهم جعلوا السياسة في الإلاهيات، وهو شيء لا وجود له في النموذج اليوناني، كما أن مفهوم للروحانيات (التي هي ملائكة الله وخالص عباده) والنفسانيات (التي هي معرفة النفوس والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية) وإضافتهم علم المعاد (وهو كيفية انبعاث الأرواح من ظلمة الأجساد وحشرها لحساب يوم الدين) كل ذلك إلى استغراقهم في توصيل معتقداتهم الخاصة إلى الآخرين، وتلك هي غايتهم الكبرى من مجموع الرسائل.
وموقف ابن سينا في تصنيف العلوم مقارب لموقف إخوان الصفا، وأغلب الظن أنه متأثر بهم، فقد كان أبوه إسماعيلياً على ما حكى في سيرته، ولكنه أشد حذراً منهم، وأكثر التزاماً بالمفهوم الأرسطاطاليسي (١) . فالسياسة والأخلاق عنده ما يزالان كما هما عند الفارابي من العلم المدني (أو الحكمة العملية) إلا أنه يضيف إليهما ما يتعلق بالنبوة والشريعة، ويجعل الطب والتنجيم والفراسة والتعبير والطلسمات والنيرنجات والكيمياء فروعاً من الحكمة الطبيعية، ويعد عمليات الحساب وعلم المساحة والحيل وجر الأثقال والموزاين ونقل المياه والزيجات والتقاويم متفرعة من العلوم الرياضية. ويكاد اللقاء بين ابن سينا وإخوان الصفا يكون تاماً في ما يشمله العلم الإلاهي (بعد إسقاط علم السياسة) ، فهذا العلم يتكون في نظره من خمسة أصول: النظر في معرفة المعاني العامة لجميع الموجودات ن الهوية والوحدة والكثرة والوفاق والخلاف ...
الخ النظر في الأصول والمبادي، النظر في إثبات الحق الأول وتوحيده، النظر في
стр. 935
إثبات الجواهر الأول الروحانية، تسخير الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية؛ تلك هي أصول العلم الإلاهي، أما الفروع فهي كيفية نزول الوحي، والجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي، وعلم المعاد (١) .
ويكرر أبو الحسن العامري تصور الكندي للعلوم من أنها علوم هي آلة كالمنطق واللغة وعلوم مقصودة لذاتها، إلا أنه أوضح وأصرح من الكندي حين يجعل العلوم الملية موازية للعلوم الحكمية من حيث إن كلاً من الفئتين تقصد لذاتها؛ ويعني بالعلوم الملية صناعات ثلاثاً: صناعة الحديث وهي تشمل الأخبار والتفسير والتاريخ والحديث، وصناعة الكلام، وصناعة الفقه، وصحيح أن العلوم الحكمية (التي آلتها المنطق) تختلف عن العلوم الملية (التي تتخذ من اللغة آلة لها) في المنهج فإحداهما قائمة على العقل والبرهان والأخرى على الخبر، ولكن الاثنتين تتعاونان على بلوغ السعادة الأبدية وليس بينهما " عناد أو مضادة ". ولا بد من أن نلحظ هنا أن العامري يصرح بالتكافؤ في قسمته الثنائية على غير ما جرى عليه الفارابي وابن سينا، وأنه يلتقي مع إخوان الصفا حين يجعل " علم الأخبار والتاريخ " واحداً من العلوم الملية (الشرعية) (٢) .
تلك صورة للجهود النظرية التي بذلت في التصنيف حتى أوائل القرن الخامس الهجري، وهي إذا وضعت موضع التطبيق العملي قد تتطلب تعديلاً في مجالات مختلفة، فهناك علوم قد تجد ولا يؤخذ لها حساب في المنهج النظري (إلا أن يكون مرناً مثل منهج الفارابي) ، وهناك علوم فرعية في نظر أولئك المصنفين ولكن العلم الفرعي قد يتسع مع الزمن ويكبر الاهتمام به حتى ليزاحم العلم الأصلي في أهميته وكثرة تفرعاته الجديدة، وليس يغني كثيراً أن يقال إنه من الناحية الفكرية المحض فرع من العلم الطبيعي أو من العلم النظري مثلاً. وقد تنبه الفارابي إلى شيء من هذا عندما عدّ علم الأثقال وعلم المناظر في صميم علم التعاليم، بينما عدهما ابن سينا علوماً فرعية؛ ولهذا كانت حاجة المصنف العملي إلى تسمية العلوم وعدها أكثر من حاجته إلى تصنيفها، مع عدم الخلط بين تيارين يبدوان متفاوتين في طبيعتهما. ولهذا عادت القسمة الثنائية تفرض نفسها أكثر من أية قسمة أخرى في هذا المجال وخاصة لدى الخوارزمي (٣٨٧ / ٩٩٧) وابن النديم (٤٣٨ / ١٠٤٧) .
стр. 936
وقبل أن نعرض لهذين المصنفين لا بد من الوقوف عند رسالة تبدو خارجةً تماماً عن المنطق التصنيفي الذي عرفناه منذ الكندي حتى ابن سينا، فلا هي تلحظ القسمة الثلاثية ولا تحفظ بدقة الثنائية ولا يبدو أن لها صلة بالتصنيف النظري أو العملي، وتلك هي " رسالة في العلوم " وهي تحمل اسم أبي حيان التوحيدي (٤١٤ / ١٠٢٣) وتجئ رداً على من زعم أن " ليس للمنطق مدخل في الفقه، ولا للفلسفة اتصال بالدين، ولا للحكمة تأثير في الأحكام " (١) ، فهي دفاع عن المنطق والفلسفة (الحكمة) وعن طريقة الأوائل جملةً، ومؤلفها يحيل على كتب ألفت من قبل، منها كتاب أقسام العلوم وكتاب اقتصاص الفضائل وكتاب تسهيل سبل المعارف (٢) . والكتاب الأول أقسام العلوم هو في الأرجح من تأليف أبي زيد البلخي أحمد بن سهيل (٣) (٣٢٢ / ٩٣٤) ، وأما الثاني والثالث فلم أعثر على صاحبيهما، على أن للكندي رسالة بعنوان " رسالة في تسهيل سبل الفضائل " (٤) ، والعنوان الذي ذكره مؤلف رسالة العلوم يجمع بين اسمي الرسالتين المذكورتين على نحو يوحي بأن ثمة خلطاً سببه اضطراب النسخ؛ ويبدو على كل حال أن مؤلف الرسالة كان من أبناء القرن الرابع لأنه لا يتجاوز الإشارة إلى البلخي والكندي، وهو قد غادر العراق إلى بلد لم يذكره، ولكنه لقي في ذلك البلد من يتعقبه " أما إنه لو أنصف لعلم أني إلى تسمحه أحوج مني إلى تصفحه، وهو بمجاملته أسعد مني بمجادلته، وأنا لإحسانه أشكر ني لامتحانه " (٥) . فمؤلف الرسالة في البلد الذي حله داعية إلى المنطق والفلسفة، وهو يجد من ينكر عليه ذلك، وهو يتحدث إلى القوم الذي نزل بينهم بلغة الاستعلاء حين يقول " فما هذا بلغني عن بعضكم على حسن توفري على صغيركم وكبيركم "؛ وهذا المؤلف يمنح الكلام مقاماً كبيراً بين العلوم، فهو علم " يدور النظر فيه على محض العقل في التحسين والتقبيح والإحالة والتصحيح " (٦) ، بل هو متأثر بالفارابي في ما يجريه من مقارنة بين الكلام والفقه حين يقول: " وبابه مجاور لباب الفقه والكلام فيهما مشترك، وإن كان بينهما انفصال وتباين فإن الشركة بينهما واقعة، والأدلة فيهما متضارعة؛ ألا ترى أن الباحث
стр. 937
عن العالم في قدمه وحدثه وامتداده وانقراضه يشاور العقل ويخدمه ويستضيء به ويستفهمه، كذلك الناظر في العبد الجاني: هل هو مشابه للمال فيرد إليه أو مشابه للحر فيحمل عليه " (١) ؛ وكل هذا لا ينطبق على التوحيدي، لم يكن يسافر من بلد إلى بلد " مفيداً أو مستفيداً " للدعوة إلى المنطق والفلسفة، وهو أبعد ما يكون عن الشعور بأسباب السيادة والاستعلاء، وهو ضيق الصدر بالكلام والمتكلمين على حد سواء.
ومهما يكن من أمر فإن مؤلف هذه الرسالة يرتب العلوم على النحو التالي: الفقه (ومداره على الكتاب والسنة والقياس) والكلام والنحو واللغة والمنطق والطب والنجوم والحساب المفرد بالعدد والهندسة والبلاغة ثم التصوف (وهو مضاف إلى الرسالة إلحاقاً) . وباستطاعتنا أن نلحظ أنه يعد أربعة من العلوم الإسلامية وخمسةً من علوم الأوائل؛ فأما وضعه البلاغة عاشراً لتلك العلوم التسعة فحجته فيه أن البلاغة تتصل بكل واحدٍ منها، وقد منح للبلاغة ما منحه الفارابي لعلم اللسان جملةً؛ وموضع المغالطة عند مؤلف الرسالة أنه بدلاً من أن يحدد مفهوم البلاغة وأبعادها تحدث عن البليغ الذي يستطيع بصناعته " سلّ السخائم وحل الشكائم " الذي يجب أن يبرأ من التكلف وأن يحتكم إلى سلاسة الطبع، وبدلاً من أن تجئ البلاغة عنده نتيجةً لا حكام اللغة والنحو وغيرهما من الأدوات جاءت علماً مستقلاً بنفسه، ولم تكن في الواقع كذلك. وبهذا خرج على القسمة الثنائية، كما أغفل علوماً أخرى كانت جديرة باهتمامه.
ويبدو تأثر المؤلف بمن سبقه من المصنفين النظريين حين ألمح بسرعة إلى انقسام كل علمٍ من علوم الأوائل إلى اتجاه عملي وآخر نظري، كذلك هو وضع الطب والنجوم والحساب والهندسة. فمن اقتصر على الجانب العملي منها كان في درجة الصناع ولم يعد في العلماء، ويمكن أن نعد ذكره للتصوف تثراً بإخوان وإن كان حديثه عن التصوف يذكر بأبي حيان، وذلك حين يقول: " اعلم أن التصوف علم يدور بين إشارات إلاهية وعبارات وهمية وأغراض علوية وأفعال دينية وأخلاق ملوكية " (٢) ، ومجيء التصوف في نهاية الجريدة كلها يدل على اضطراب في التقسيم، كما قدمت فإذا عددناه إلحاقاً على أصل الرسالة فإنا لا نستبعد أن يكون المؤلف قد اقتبسه من أبي حيان وبسببه نسبت الرسالة كلها له.
стр. 938
ويختلف التصنيف لدى الخوارزمي وابن النديم بسبب اختلاف الغاية عند كل منهما. فالأول يهدف إلى حصر المصطلحات التي جدت في كل علم، ولذلك كانت قسمته للعلوم بسيطة، فهي تقع في مقالتين، وكل مقالة تنقسم في فصول، فالأول منهما تضم الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر والعروض، والأخبار؛ والثانية تضم الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء؛ وهو يصرح بأنه اختار القسمة الثنائية لأنه يريد أن يخصص المقالة الأول للحديث عن علم الشريعة وما يقترن بها من العلوم العربية، والثانية لعلوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم (١) . وإذا كانت هذه القسمة صريحة لدى الخوارزمي فإنها ضمنية لدى ابن النديم، ويمكن بسهولة أن نرى في تتابع العلوم الإسلامية في المقالات الست الأولى ثم ذكر الفلسفة والعلوم القديمة بعد ذلك اتكاءً على التقسيم الثنائي، ولكن مهما يكن من شأن هذا التصنيف الضمني فقد كانت طبيعة عمل ابن النديم تستلزم النظر إلى الكتب المؤلفة لا إلى افتراض مجالات علمية، وتلك الكتب المؤلفة أحياناً تعز على التصنيف التقليدي المتوارث حتى عهده؛ فهناك مثلاً علم الكلام، وهو داخل في بعض التصنيفات السابقة، ولكن هناك المتكلمون من شتى الفرق الإسلامية، وقد ألفت في أخبارهم كتب كثيرة، وهناك كتب بالعربية في مذاهب الصابئة الحرانية وغيرهم، وكلها تستحق أن تفيد ضمن التاريخ الشمولي للحركة الفكرية؛ ولكن أين تقع تلك الكتب إذا اعتبرنا التصنيف المتعارف
لهذا يتعدى ابن النديم حدود التصنيف للعوم إلى أمور تقع في خارجه وفاءً بالغاية التي من أجلها صنع كتاب الفهرست، ولا يمكن أن يحاسب مثلما يحاسب مثلاً ابن سينا وإخوان الصفا، فهؤلاء جعلوا للطلسمات والنيرنجات وما أشبهها مكاناً في المبنى العلمي، وقد كان في مقدورهم أن يسقطوا (من زاوية الفكر النظري لمفهوم لفظة علم) ؛ ولكن ابن النديم الذي كان يحصى ما ألف من كتب في كل مجال لا يلام إذا عقد فصلاً (المقالة الثامنة) في فنون الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعبذة، ولو أسقط هذا الفصل من كتابه لكان ذلك إخلالاً بالأمانة في رصد الواقع العملي؛ ولما كان الفهرست مبنياً على أخبار المؤلفين في كل فن (ثم ذكر ما ألفه كل منهم في ميدانه) فليس من العدل أن نطبق عليه الأحكام التي تطبق على غيره من الكتب الخاصة
стр. 939
بالتصنيف؛ وقد كان في مقدور الفهرست أن يوحي بإعادة النظر في تصنيف العلوم ولكنه لم يفعل إلا في حدود يسيرة.
في هذا السياق المشرقي المتدرج يجيء ابن حزم (٤٥٦ / ١٠٤٦) في أقصى المغرب (في الأندلس) ليمثل وقفة هامة لأنها تجاوزت ما تم في المشرق، وإن كان صاحبها قد تأثر بما حققه المشارقة في هذا الميدان. فقد انطلق ابن حزم نحو الحديث عن العلوم وتصنيفها من موقعين: الأول صلته بالمنطق والفلسفة، وهي صلة تكاد تلزم صاحبها بالوقوف عند العلوم ومقدمات كل علم وكيفية أخذ تلك المقدمات، وهذا ما تصدى له في كتاب التقريب لحد المنطق، والثاني نزعة التدين العملي التي كانت توجه تلامذته إلى سؤاله عن العلوم وماذا يأخذون منها وماذا يتركون، وهذا ما عرض له في رسالته " مراتب العلوم " و " رسالة التلخيص لوجوه التخليص ".
ومن الغريب أن ابن حزم في التقريب قد تناهى في التبسيط فلم يعبأ بتلك النظرة الشمولية التي وضعها الفارابي ولا بتلك التصنيفات الأرسطاطاليسية التي تمسك بها ابن سينا، ولم يعر التقسيم الثلاثي أدنى اهتمام، بل اكتفى بتسمية العلوم الدائرة بين الناس في زمنه فوجدها على طريق الحصر اثني عشر علماً (ينتج عنها علمان) فعدها دون أن يراعي قليلاً ثنائياً الانقسام بين العلوم الإسلامية وعلوم الأوائل وهي: علم القرآن. علم الحديث. علم المذاهب. علم الفتيا. علم النحو. علم اللغة. علم الشعر. علم البر. علم الطب. علم العدد والهندسة. علم النجوم (وينتج عنها لم البلاغة وعلم العبارة) (١) ؛ وفي هذه التسمية رغم بساطتها نجد أن ابن حزم قد ذكر علمين لم يكن لهما ذكر من قبل وهما علم المذاهب وعلم الفتيا؛ وأكد حرصه على علم العبارة (تعبير المنامات) وعلم الخير، وضع البلاغة في نهاية العلوم الأصلية كما فعل مؤلف الرسالة المنسوبة لأبي حيان؛ ولا نظن أن ابن حزم قد زاد علماً جديداً على ما كان معروفاً، فعلم المذاهب يمكن أن يستنتجه كل من قرأ " الفهرست "، وهو تسمية جديدة لعلم الكلام توسع من حدوده أو تضيق بحسب مفهومات المذهب الظاهري (٢) ، مثلما أن علم الفتيا تسمية جديدة لعلم الفقه (توسع من حدوده أو
стр. 940
تضيق) لأن الفتيا تعتمد في نظره على مقدمات مأخوذة من القرآن والحديث والإجماع (ولم يقل القياس لأنه ينكره في مذهبه) ؛ ومن الواضح أنه كسر التقسيم الثنائي حين تعمد أن يضع المنطق بين العلوم الإسلامية ليوحي بأنه علم مشترك بين جميع الأمم مثلما أنه في خدمة جميع العلوم، كما أنه لم يجر أي ذكر للفلسفة لأن القسم الذي يهمه منها مثل حدوث العالم والخلاء والملاء وما أشبه يقع حسب تصوره في ما سماه " علم المذاهب "؛ كما أنه لم يفسح في تصنيفه هذا مجالاً للعلوم الطبيعية (عدا الطب) مثل الحيل والمناظر؛ والجواب عن هذا أنه يحتكحم إلى الأمر الدائر بين الناس في تعداد العلوم هنا، وأنه يعلم تماماً كما قال في رسالته في مراتب العلوم " أن كل ما علم فهو علم فيدخل في ذلك علم التجارة والخياطة والحياكة وتدبير السفن وفلاحة الأرض ... " (١) . وبسبب هذا الاحتكام إلى ما دار بين الناس فارق التصنيف الفلسفي عن وعي وتعمد: " وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين، ولكن إنما نتكلم على ما ينتفع به الناس في كل زمان مما يتوصلون به إلى مطلوبهم من إدراك العلوم " (٢) ، وهي غاية عملية تنسجم تماماً مع روح كتاب التقريب الذي ما وضع أصلاً إلا لتلك الغاية نفسها.
واستجابةً لتساؤلات تلامذته حول العلوم استطاع ابن حزم أن يقرر الحد الأدنى الضروري لكل طالبٍ من علم القراءات والحديث والنحو واللغة والشعر والحساب والطب (٣) ، كما توجه بطبيعة التساؤلات نفسها إلى فكرة المفاضلة بين العلوم، وهذا ما يوحي به عنوان رسالته " مراتب العلوم "، وهو عنوان استعمله الفارابي من قبل (٤) ، ولعله هو ذلك الكتاب نفسه الذي سمي من بعد " إحصاء العلوم ". ودين ابن حزم للفارابي يتجاوز العنوان إلى فكرة المفاضلة نفسها التي عرضها الفارابي أيضاً في إحدى رسائله الأخرى، إلا أن ابن حزم انتقل بالمفاضلة إلى مستوى جديد لم يهتم به الفارابي، للفرق الأصيل بين توجه الرجلين؛ فأفضل العلوم لدى ابن حزم " ما أدى إلى الخلاص
стр. 941
في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء " (١) ، وذلك هو علم الشريعة، إذ حقيقة العلم ما ينفع في الدار العاجلة والآجلة؛ وليس معنى هذا أن العلوم الأخرى مطرحة، بل كل علم منها له فضل في ذاته وفضل في أنه درجة تصل بصاحبها إلى إتقان العلم الأسمى؛ ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يحيط بالعلوم كلها فإنه ينصح بأن يأخذ من كل علم بنصيب، " ومقدار ذلك معرفته بأعراض ذلك العلم فقط ... ثم يعتمد العلم الذي يسبق فيه بطبعه وبقلبه وبحيلته فيستكثر منه ما أمكنه، فربما كان ذلك منه في علمين أو ثلاثة أو أكثر على قدر زكاء فهمه وقوة طبعه وحضور خاطره وإكبابه على الطلب ... " (٢) وهنا يعود ابن حزم ليقرر الحد الأدنى الصالح من كل علم ولكن على نحو متدرج لكي يرسم برنامجاً تربوياً للدراس، يوصله في النهاية إلى إتقان علم الشريعة، وهذا هو المنهج الإسلامي الذي يضعه ابن حزم عامداً فيما أظن إزاء المنهج الأفلاطوني الذي تطلب فيه العلوم بالتدريج أيضاً للبلوغ إلى مرحلة الديالكتيك، كما يعرف كل من له إلمام بمنهجه التعليمي في كتاب الجمهورية.
ولكن ما هي هذه العلوم التي يفترض في الدارس أن يعرفها هنا يفارق ابن حزم ذلك التعداد الذي أوصلها من قبل إلى أربعة عشر علماً، ليضع قاعدة جديدة في التصنيف لم يتنبه لها أحد سوى الفارابي على نحو عام، وهي أن العلوم عند كل أمة وفي كل زمان ومكان سبعة: ثلاثة علوم تتميز بها أمة عن أخرى وهي علم شريعتها وعلم أخبارها وعلم لغتها، وأربعة تتفق فيها الأمم وهي علم النجوم وعلم العدد وعلم الطب وعلم الفلسفة (٣) ؛ إن العودة إلى سحر الرقم سبعة في هذه القسمة يجب أن لا يوقع في الوهم بأنها متناقضة مع القسمة الأولى إلى أربعة عشر، لأن التدقيق يجعلنا نرى أن علوم الأوائل (أو العلوم المشتركة بين الأمم) كانت بحسب الإحصاء الأول أربعة، وهي كذلك في الإحصاء الثاني بفرق واحد وهو وضع الفلسفة في موضع المنطق لأنها أعم في الدلالة؛ أما العلوم الخاصة بكل أمة على حدة فإن ما عد في الإحصاء الأول هو تفريعاتها؛ فعلم الشريعة يساوي في الإحصاء الأول: علم القرآن. الحديث. المذاهب. الفتيا (مع وضع لفظتي الكلام والفقه موضع المذاهب والفتيا) ؛ وعلم اللغة يساوي اللغة. النحو. الشعر؛ وعلم الخبر على حاله في كليهما؛ ثم هناك علمان في
стр. 942
الإحصاء يكونان نتيجة عن العلوم وهما علم البلاغة وعلم العبارة.
ولا يخضع ابن حزم لواقع التأليف كما خضع مفكرو المشرق فعدو في العلوم أموراً لا ينطبق عليها اسم العلم مثل الطلسمات والكيمياء (بمعنى تحويل المعادن إلى ذهب) والسحر والشعوذة، لا لأن هذه الأشياء قد تتعارض مع بعض معتقده الديني، وإنما لأنها كانت علوماً عند ناس ثم درس رسمها " فمن ذلك علم السحر وعلم الطلسمات، فإن بقاياها ظاهرة لائحة، وقد طمس معرفة علمها " (١) ، أي أن ابن حزم يرى أسسها ووسائلها قد خفيت ولا سبيل إلى استعادتها، ومن قبيل هذين العلمين الموسيقى وقد يبدو هذا مستغرباً لأول وهلة، ولكن الذي يعنيه ابن حزم هو الموسيقى التي يحكمون أنها كانت تشجع الجبناء وتسخي البخلاء وتؤلف بين النفوس ثلاثة أنواع من الموسيقى لم يعد لها وجود؛ فأما الموسيقى التي لا تصنع مثل هذه المعجزات فإنه لا ينكر وجودها (٢) ويضيف إلى هذين علم الكيمياء، فهو بخلاف الطلسمات والموسيقى اللذين وجدا ثم عد ما لم يكن له وجود ألبته: " وأما هذا الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز فلم يزل عدماً غير موجود وباطلاً لم يتحقق ساعةً من الدهر، إذ من المحال الممتنع قلب نوع إلى نوع، ولا فرق بين أن يقلب نحاس إلى أن يصير ذهباً أو قلب ذهب إلى أن يصير نحاساً وبين قلب إنسان إلى أن يصير حماراً أو قلب حمار إلى أن يصير إنساناً " (٣) .
يتضح من كل ما تقدم في تاريخ تصنيف العلوم ابتداءً من جابر بن حيان حتى ابن حزم (وما بعد ابن حزم ينتمي إلى بحث آخر) أنه كانت لدى المصنفين المتفلسفين أو المتأثرين بالفلسفة تصورات سمولية منطلقة أساساً من موقف فكري محدد، قد يكون حيناً يونانياً في أسسه، وقد يبارح تمثل اليونانيين في تصنيفهم للعلوم (كما وضح عند ابن حزم) ؛ وعلينا ألا ننخدع بعنوان كتاب الفارابي " إحصاء العلوم " فنظنه مجرد تعداد لأنواعها، بل هو كتاب تصنيفي دقيق المنحى واسع الأفق يعتمد أساساً فلسفياً (٤) ؛
стр. 943
وقد كان من الطبيعي اللجوء إلى تلك القسمة الثنائية في النظرة إلى العلوم، كما كان من الطبيعي التفاوت بين المنصفين في إيلاء الأهمية أو الأفضلية لهذا القسم من العلوم دون ذاك؛ وقد استطاع ابن حزم أن يتجاوز حتى مفهوم " التكافؤ " بين الشقين، حين وضع نصب عينيه أن كل شر يفعله المرء من علم وغيره فيجب أن يقوم بأدائه خالصاً لله، وعلى أساس هذه الحقيقة نظر إلى أن العلوم كلها تخدم غاية واحدة " وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينتفع به إلا في هذه الدار من العلوم رأي فائل وسعي خاسر، لأن المنتفع به في هذه الدار من العلوم إنما هو ما أكتسب به المال أو ما حفظت به صحة الجسم فقط فهما وجهان لا ثالث لهما " (١) ويرى ابن حزم أن العلم ليس أحسن السبل لكسب المال كما أن حفظ صحة الجسد لا بد أن تكون تابعة لحفظ صحة النفس، ولهذا استطاع أن يوحد الغاية من خلال تصنيفه فيراها في طلب علم الشريعة، مثلما كانت سائر العلوم عند المصنفين المتفلسفين في خدمة الفلسفة. فالشريعة تصلح الجسد والنفس معاً، ولهذا فهي مقدمة على الفلسفة التي هي مقصورة على إصلاح الأخلاق النفسية، ولا يمكن إصلاح أخلاق النفس بالفلسفة دون النبوة إذ طاعة غير الخالق لا تلزم. والشريعة تحقق غايتين أخريين لا تحققهم الفلسفة، وهما: ترتيب الوضع الإنساني بدفع التظالم وإيجاد الأمن في هذه الدنيا، والفوز بالنجاة في الآخرة (٢) . وعلى هذا الأساس لا ترفض الفلسفة بل تندمج مع سائر العلوم في خدمة الشريعة، ولا ينكر ابن حزم ما لها من فائدة شأنها شأن سائر العلوم النافعة؛ وبذلك تجاوز ابن حزم التقسيم الثنائي للعلوم، وهو على وعي به، ليربط جميع العلوم معاً في تساندها وشد بعضها أزر بعض " فالعلوم كلها متعلق بعضها ببعض " ومن ثم لا يستغني منها علم عن غيره. وفي هذا يتجلى لنا إلى أي حد فارق ابن حزم المصنفين المشارقة في الرؤية والتنظير، وإذا كان ابن عبد البر يلتقي به، فذلك مما لا غرابة فيه، فقد كان الرجلان صديقين وبينهم مجالات اللقاء كثيرة في الرواية وتبادل الآراء، ولعل ابن حزم هو صاحب التأثير الواضح في معاصره، فقد تمت كتاباته في العلوم ومراتبها في دور مبكر، ونحن نرى في تصوره رسوخاً ووضوحاً أقوى من تصور ابن عبد البر وأشد منه احتفالاً بالموضع نفسه. وتبدو جرأة ابن حزم لا في أنه عكس وضع التصنيفات المشرقية وحسب بل في أنه خلافاً للاتجاه العام بين
стр. 944
أبناء بلده وجد لعلوم الأوائل مكاناً " ضروياً " في منهجه التصنينفي. هل كان ابن حزم يهون من شأن التعارض المفترض الذي يقيمه الآخرون بين ما يسمى علوم الأوائل وما يسمى علوم الشريعة إن من عرف ابن حزم، الذي طلب الفلسفة ودرس المنطق وألف فيه ووجهت إليه من أجل ذلك تهم مختلفة، لا يستكثر منه هذا الموقف، بعد أن استبان له شخصياً سلامة منهجه الذي مارسه عملياً، فنظرته هذه هي خلاصة لتجربته الذاتيه محمولة على " مركب " فكري مفلسف.
ولنعد إلى رسالة مراتب العلوم: إنها رسالة لا تقف عند إحصاء العلوم وتصنيفها وتحديد مجال كل علم منها، بل تتعدى ذلك إلى عدة قضايا تتصل بالعلم مثل التكسب بالعلم، فابن حزم يعلي من قيمة المؤدب الذي يعلم الناشئة الهجاء أو الحساب أو الطب، وينهى عن صحبة السلطان بالعلم وخاصة أن يصحبه من يصحبه بالطب أو علم النجوم، وينصح للمتعلم أن لا يقتصر على السماع من أستاذ واحد، ويحذر من طلب العلم للفخر والتمدح ونيل الجاه، ويقف وقفةً طويلة عند ذم المرء لما يجهل من العلوم، ويطبق قانون " التعاون " في العلم كالتعاون في شؤون الحياة الأخرى، ثم لا ينسى أن يقف عند أدعياء العلم الذين يظنون أنهم من أهل العلم وهم ليسوا من أهله؛ وبالجملة فهو يقرر في رسالته هذه بعض " آداب العلم ".
على أن أهم مظهر في الرسالة بعد تبيانها لمراتب العلوم هو رسمها لمنهج في التدريس؛ فبعد أن يسلم الوالد ابنه وهو في الخامسة من عمره لمعلم الخط، يتدرج في مراحل الطلب صعوداً، ولعل هذا المنهج يصور سيرة حياة ابن حزم نفسه في هذا الميدان على نحو مقارب، ومن الطبيعي أن يباين منهجه هذا ما كان سائداً في الأندلس لأنه جعل للمنطق والعلوم الطبيعية مكانةً هامةً فيه، وهير ما يوضح ذلك المنهج أن نضعه على شكل جدول كالآتي:
١
- ٢
٣
- المرحلة الأولى
نوع العلم
أ - الخط.
стр. 945
١ - ٢
- ٣
المرحلة الثانية:
نوع العلم
أ - النحو.
المرحلة الثالثة:
نوع العلم:
علم العدد
المرحلة الرابعة:
نوع العلم:
المنطق والعلوم الطبيعية.
стр. 946
١ - ٢
- ٣
المرحلة الخامسة:
نوع العلم:
علمالأخبار
المرحلة السادسة:
نوع العلم:
[القضايا الفكرية مثل]
المرحلة السابعة:
نوع العلم:
علم الشريعة.
ولا يبين ابن حزم إن كانت هذه المراحل متدرجة متعاقبة أو أنها يمكن (بعد المرحلة الأولى) أن تجيء متوازنة مترافقة أو متداخلة، ولكن الأقرب للمعقول أنه عنى الفرض الثاني، فإن تعاقب هذه المراحل يستغرق وقتاً طويلاً. على أنا قد نقبل الفرض الأول (التعاقب) إذا تذكرنا أن ابن حزم يفترض كتباً مقررة بأعيانها، ولا يدعو إلى التوسع (إلا في العلم الذي يوافق رغبة المرء وملكاته وهذا لا يتعدى ثلاثة علوم بحال) وأنه كان يقيس على استعداده الذاتي، فهو قد استطاع في فترة وجيزة لا تتعدى عشر سنوات، لا أن يتقن علوماً كثيرة (ثم يتخصص في علم الشريعة) وحسب، بل أن يكتب مؤلفات في بعض تلك العلوم (وذلك ما سأوضحه عند الحديث عن التقريب لحد المنطق في ما يلي) .
- ٢
كتاب التقريب لحد المنطق
١ - اسم الكتاب:
اسمه كما جاء على الورقة الأولى من المخطوطة " كتاب التقريب لحد المنطق، كلام الرئيس الأوحد أرسطاطاليس وغيره، مما عني بشرحه الفقيه الإمام الأوحد الأعلم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ... ". وقد أشار إليه ابن حزم مرات في
стр. 947
كتابه الفصل في الملل والنحل فقال في باب عن ماهية البراهين " هذا باب قد أحكمناه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام " (١) . وقال في موضع آخر: " هذه شغيبة قد طالما حذرنا من مثلها في كتبنا التي جمعناها في حدود المنطق " (٢) فأطلق اسم " الكتب " على هذا الكتاب أنه مؤلف من كتب ثمانية؛ وذكره مرة ثالثة في الفصل فقال: " وبينا في كتاب التقريب لحدود الكلام أن الآلة المسماة الزراقة ... الخ " (٣) وقال مرة رابعة " على حسب المقدمات التي بيناها في كتابنا الموسوم بالتقريب في مائية البرهان " (٤) فأشار في هذه التسمية إلى بعض جزء من الكتاب، وذكره ابن حزم أيضاً في الأحكام فقال: " في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق " (٥) .
وقد ورد ذكر هذا الكتاب بين مؤلفات ابن حزم الأندلسي عند كل من الحميدي في الجذوة وصاعد في طبقات الأمم. فقال الحميدي: " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه " (٦) . وهذه التسمية هي أدق ما هنالك وهي بعينها مثبتة بكاملها على الورق (٥٥) من نسخة المكتبة الأحميدي بتونس من كتاب التقريب. أما صاعد فقال: " فعني بعلم المنطق وألف فيه كتاباً سماه التقريب لحدود المنطق بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف واستعمل فيه أمثلة فقهية وجوامع شرعية " (٧) . وقد رددت المصادر المغربية والمشرقية، مع بعد، قول الحميدي وقول صاعد، ونوه الذهبي في سير أعلام النبلاء لدى عده مؤلفات ابن حزم بأن " التقريب " يقع في مجلد (٨) . وهذا يكاد يشبه الإجماع على أن عبارة التقريب " لحد " أو " بحد " أو " لحدود " المنطق هي التي اختارها المؤلف لكتابه وإن تجاوزنا أحياناً إلى تسميات أخرى متقاربة.
стр. 948
ورغم ذلك كله فإنا نجد على الورقة الأولى من نسخة إزمير، عنواناً يخالف كل ما تقدم في نصه إذ جاء هنالك: " كتاب المدخل إلى كتب المنطق الأولى تأليف الشيخ الإمام الحافظ الفقيه أبي محمد عليّ بن أحمد بن حزم الظاهري رحمه الله تعالى ... "، وهو عنوان غير دقيق، فالكتاب ليس مدخلاً، إذ المدخل له ما بعده، إلا إذا قدرنا أن كتاب ابن حزم صورة مبسطة (كما توحي بذلك لفظة تقريب) تمكن قارئها بعد ذلك من الدخول إلى التفصيلات الدقيقة في الكتب المنطقية، على أن من الخير أن نتجنب هذه التسمية لأن المدخل إلى المنطق ينصرف إلى إيساغوجي، فالمدخل هو القسم الأول من كتاب ابن حزم.
٢ - متى ألف كتاب التقريب:
في كتاب " التقريب " إشارات إلى كتاب " الفصل "، من ذلك قوله في أحد المواطن: " وقد أثبت غيرنا ليس جسماً ... والكلام في هذا واقع في ما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل في الملل والنحل " (١) وقوله في موطن آخر: " والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب فقط ... وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذركناه في كتاب الفصل ... " (٢) .
هل يعني هذا أن ابن حزم ألف كتاب التقريب بعد كتاب الفصل لو وقف الأمر عند حد الإشارات السابقة لصح التقدير، لكنا نجد في الفصل نفسه إشارات متعددة إلى التقريب نفسه، كما وضحنا آنفاً، وهذا قد يستدعي القول إن بعض أجزاء الفصل كتب قبل التقريب مثل الفصل عن الجواهر والأعراض والجسم والنفس (الفصل ٥: ٦٦) والكلام في النفس (٥: ٨٤) وأن هناك فصولاً من كتاب الفصل نفسه كتبت بعد التقريب مثل باب مختصر جامع في ماهية البراهين (١: ٤) فما أورده في هذا الموضوع في الفصل إنما هو اختصار لما أحكم إيراده في التقريب، وكالحديث عن الآلة المسماة بالزراقة لإثبات نفي الخلاء جملة فإنه يعيد ذكرها في الفصل بناءً على ما ذكره في التقريب (٥: ٧٠) . وكل هذا يثبت أن الفصل على فترات ربما كانت متباعدة نسبياً، وأن تأليف التقريب وقع في تاريخ متوسط بين بعض أجزاء الفصل وبعضها الآخر: وهذا في النهاية لا يحدد تاريخاً واضحاً لتأليف التقريب، لأنا لا نعرف
стр. 949
على وجه اليقين متى بدأ تأليفه لكتاب الفصل، ومتى انتهى منه. كذلك حاولنا أن نستأنس ببعض الأحداث التي وردت في كتاب التقريب من أجل تعيين تأريخه من مثل ذكر ابن حزم حكاية عن مؤدبه أحمد بن محمد بن عبد الوارث (١) ، الذي كان قد توفي عند تأليف الكتاب لأن ابن حزم بترحم عليه، ولكن المصادر لم تذكر تاريخ وفاته (٢) .
غير أن هناك إشارات أخرى قد تمكننا من الخروج بنتيجة إيجابية في هذه القضية، ومن ذلك:
(١) قول ابن حزم في كتاب التقريب: " وما ألفنا كتابنا هذا وكثيراً مما ألفنا إلا ونحن مغربون عن الموطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلماً وعدواناً " (٣) وهذه قولة هامة وإن كانت تعميمية، وقد تصح الإفادة منها إذا قرنت بما يلي.
(٢) يتحدث ابن حزمن في كتاب التقريب عن حادث اعتقاله على يد المستكفي لأن ابن حزم كان يوالي المستظهر (٤) ، وقد تم هذا في سنة ٤١٤ أو أواخر ٤١٣ في أكثر تقدير.
(٣) يذكر ابن حزم في الكتاب نفسه أن صديقه ابن شهيد ألف كتاباً في علم البلاغة أثناء كتابته هو لكتاب التقريب (٥) ، وقد توفي ابن شهيد سنة ٤٢٦ وتعطل عن التأليف قبل ذلك بعام أو أكثر، وهذا يعين أن كتاب التقريب قد كتب قبل ذلك التاريخ.
(٤) يضاف إلى ما تقدم قول صاعد الأندلسي عند حديثه عن والد ابن حزم: " وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيراً لعبد الرحمن المستظهر ... ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فعني بعلم المنطق ... وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة " (٦) ؛ فهذا القول يؤكد أن حياة ابن حزم العلمية لم تبدأ إلا بعد مقتل
стр. 950
المستظهر، وبعد اعتزاله العمل السياسي، وأن المنطق كان من أوائل ما درس، وأنه بعده أوغل في علوم الشريعة مستكثراً منها، فهل تصدى للتأليف فيه بعد أن أحكم درسه له يبدو أن الفترة بين دراسته للمنطق وتأليفه فيه لم تكن فترة طويلة.
(٥) ومما يحفز إلى هذا القول أن لدينا شهادة قاطعة تحدد تاريخ دراسته للمنطق وهو قول ابن حزم نفسه: " قرأت حدود المنطق على أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الطبيب ﵀ المعروف بابن الكتاني " (١) وابن الكتاني فيما استظهرته في موطن آخر (٢) لم تتعد وفاته سنة ٤٢٢، فإذا صح ذلك كانت دراسة ابن حزم للمنطق بين ٤١٤ ٤٢٢ فإذا كان قد ألف التقريب قبل وفاة صديقه ابن شهيد فمعنى ذلك أنه كتبه قبل سنة ٤٢٥، فتاريخ التأليف على ذلك قريب من تاريخ الدراسة.
(٦) ونؤيد كل ما تقدم بشهادة تلقي أضواء توضيحية على القضية التي أعالجها هنا وهي قول ابن حزم نفسه في المنطق: " ثم قرأته على ثابت بن ممد الجرجاني العدوي المكنى بأبي الفتوح.... فلما انتهيت إلى أول أقودمطيقاً (أقودقطيقا) على الجرجاني ( ... ) حضر معنا عنده محمد بن الحسن اعترافاً للجرجاني وتقديماً له، وشهد قراءتي على الجرجاني " (٣) وأبو الفتوح الجرجاني دخل الأندلس سنة ٤٠٦ وافداً من المشرق (٤) وتورط في شؤون السياسة بعد اتصاله بباديس بن حبوس صاحب غرناطة فقتل سنة ٤٣١ (٥) وقد ذكره ابن حزم في الفصل، فلا بد من أن تكون الصلة بينهما قد حدثت في حدود الفترة التي قدرناها لدراسة المنطق.
(٧) وهناك نسخة معتمدة للتقريب هي نسخة أبي عبد الله الرصافي (٦) ، وقد قرئت على ابن حزم وخط ابن حزم عليها يشهد بأنها قرئت عليه، وقد فرغ من نسخها في صفر سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (٤٣٧)(٧) وهذا يقطع بأن المؤلف قد وضع الصورة