١ - ٢
- ٣
المرحلة الخامسة:
نوع العلم:
علمالأخبار
المرحلة السادسة:
نوع العلم:
[القضايا الفكرية مثل]
المرحلة السابعة:
نوع العلم:
علم الشريعة.
ولا يبين ابن حزم إن كانت هذه المراحل متدرجة متعاقبة أو أنها يمكن (بعد المرحلة الأولى) أن تجيء متوازنة مترافقة أو متداخلة، ولكن الأقرب للمعقول أنه عنى الفرض الثاني، فإن تعاقب هذه المراحل يستغرق وقتاً طويلاً. على أنا قد نقبل الفرض الأول (التعاقب) إذا تذكرنا أن ابن حزم يفترض كتباً مقررة بأعيانها، ولا يدعو إلى التوسع (إلا في العلم الذي يوافق رغبة المرء وملكاته وهذا لا يتعدى ثلاثة علوم بحال) وأنه كان يقيس على استعداده الذاتي، فهو قد استطاع في فترة وجيزة لا تتعدى عشر سنوات، لا أن يتقن علوماً كثيرة (ثم يتخصص في علم الشريعة) وحسب، بل أن يكتب مؤلفات في بعض تلك العلوم (وذلك ما سأوضحه عند الحديث عن التقريب لحد المنطق في ما يلي) .
- ٢
كتاب التقريب لحد المنطق
١ - اسم الكتاب:
اسمه كما جاء على الورقة الأولى من المخطوطة " كتاب التقريب لحد المنطق، كلام الرئيس الأوحد أرسطاطاليس وغيره، مما عني بشرحه الفقيه الإمام الأوحد الأعلم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ... ". وقد أشار إليه ابن حزم مرات في
стр. 947
كتابه الفصل في الملل والنحل فقال في باب عن ماهية البراهين " هذا باب قد أحكمناه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام " (١) . وقال في موضع آخر: " هذه شغيبة قد طالما حذرنا من مثلها في كتبنا التي جمعناها في حدود المنطق " (٢) فأطلق اسم " الكتب " على هذا الكتاب أنه مؤلف من كتب ثمانية؛ وذكره مرة ثالثة في الفصل فقال: " وبينا في كتاب التقريب لحدود الكلام أن الآلة المسماة الزراقة ... الخ " (٣) وقال مرة رابعة " على حسب المقدمات التي بيناها في كتابنا الموسوم بالتقريب في مائية البرهان " (٤) فأشار في هذه التسمية إلى بعض جزء من الكتاب، وذكره ابن حزم أيضاً في الأحكام فقال: " في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق " (٥) .
وقد ورد ذكر هذا الكتاب بين مؤلفات ابن حزم الأندلسي عند كل من الحميدي في الجذوة وصاعد في طبقات الأمم. فقال الحميدي: " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه " (٦) . وهذه التسمية هي أدق ما هنالك وهي بعينها مثبتة بكاملها على الورق (٥٥) من نسخة المكتبة الأحميدي بتونس من كتاب التقريب. أما صاعد فقال: " فعني بعلم المنطق وألف فيه كتاباً سماه التقريب لحدود المنطق بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف واستعمل فيه أمثلة فقهية وجوامع شرعية " (٧) . وقد رددت المصادر المغربية والمشرقية، مع بعد، قول الحميدي وقول صاعد، ونوه الذهبي في سير أعلام النبلاء لدى عده مؤلفات ابن حزم بأن " التقريب " يقع في مجلد (٨) . وهذا يكاد يشبه الإجماع على أن عبارة التقريب " لحد " أو " بحد " أو " لحدود " المنطق هي التي اختارها المؤلف لكتابه وإن تجاوزنا أحياناً إلى تسميات أخرى متقاربة.
стр. 948
ورغم ذلك كله فإنا نجد على الورقة الأولى من نسخة إزمير، عنواناً يخالف كل ما تقدم في نصه إذ جاء هنالك: " كتاب المدخل إلى كتب المنطق الأولى تأليف الشيخ الإمام الحافظ الفقيه أبي محمد عليّ بن أحمد بن حزم الظاهري رحمه الله تعالى ... "، وهو عنوان غير دقيق، فالكتاب ليس مدخلاً، إذ المدخل له ما بعده، إلا إذا قدرنا أن كتاب ابن حزم صورة مبسطة (كما توحي بذلك لفظة تقريب) تمكن قارئها بعد ذلك من الدخول إلى التفصيلات الدقيقة في الكتب المنطقية، على أن من الخير أن نتجنب هذه التسمية لأن المدخل إلى المنطق ينصرف إلى إيساغوجي، فالمدخل هو القسم الأول من كتاب ابن حزم.
٢ - متى ألف كتاب التقريب:
في كتاب " التقريب " إشارات إلى كتاب " الفصل "، من ذلك قوله في أحد المواطن: " وقد أثبت غيرنا ليس جسماً ... والكلام في هذا واقع في ما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل في الملل والنحل " (١) وقوله في موطن آخر: " والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب فقط ... وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذركناه في كتاب الفصل ... " (٢) .
هل يعني هذا أن ابن حزم ألف كتاب التقريب بعد كتاب الفصل لو وقف الأمر عند حد الإشارات السابقة لصح التقدير، لكنا نجد في الفصل نفسه إشارات متعددة إلى التقريب نفسه، كما وضحنا آنفاً، وهذا قد يستدعي القول إن بعض أجزاء الفصل كتب قبل التقريب مثل الفصل عن الجواهر والأعراض والجسم والنفس (الفصل ٥: ٦٦) والكلام في النفس (٥: ٨٤) وأن هناك فصولاً من كتاب الفصل نفسه كتبت بعد التقريب مثل باب مختصر جامع في ماهية البراهين (١: ٤) فما أورده في هذا الموضوع في الفصل إنما هو اختصار لما أحكم إيراده في التقريب، وكالحديث عن الآلة المسماة بالزراقة لإثبات نفي الخلاء جملة فإنه يعيد ذكرها في الفصل بناءً على ما ذكره في التقريب (٥: ٧٠) . وكل هذا يثبت أن الفصل على فترات ربما كانت متباعدة نسبياً، وأن تأليف التقريب وقع في تاريخ متوسط بين بعض أجزاء الفصل وبعضها الآخر: وهذا في النهاية لا يحدد تاريخاً واضحاً لتأليف التقريب، لأنا لا نعرف
стр. 949
على وجه اليقين متى بدأ تأليفه لكتاب الفصل، ومتى انتهى منه. كذلك حاولنا أن نستأنس ببعض الأحداث التي وردت في كتاب التقريب من أجل تعيين تأريخه من مثل ذكر ابن حزم حكاية عن مؤدبه أحمد بن محمد بن عبد الوارث (١) ، الذي كان قد توفي عند تأليف الكتاب لأن ابن حزم بترحم عليه، ولكن المصادر لم تذكر تاريخ وفاته (٢) .
غير أن هناك إشارات أخرى قد تمكننا من الخروج بنتيجة إيجابية في هذه القضية، ومن ذلك:
(١) قول ابن حزم في كتاب التقريب: " وما ألفنا كتابنا هذا وكثيراً مما ألفنا إلا ونحن مغربون عن الموطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلماً وعدواناً " (٣) وهذه قولة هامة وإن كانت تعميمية، وقد تصح الإفادة منها إذا قرنت بما يلي.
(٢) يتحدث ابن حزمن في كتاب التقريب عن حادث اعتقاله على يد المستكفي لأن ابن حزم كان يوالي المستظهر (٤) ، وقد تم هذا في سنة ٤١٤ أو أواخر ٤١٣ في أكثر تقدير.
(٣) يذكر ابن حزم في الكتاب نفسه أن صديقه ابن شهيد ألف كتاباً في علم البلاغة أثناء كتابته هو لكتاب التقريب (٥) ، وقد توفي ابن شهيد سنة ٤٢٦ وتعطل عن التأليف قبل ذلك بعام أو أكثر، وهذا يعين أن كتاب التقريب قد كتب قبل ذلك التاريخ.
(٤) يضاف إلى ما تقدم قول صاعد الأندلسي عند حديثه عن والد ابن حزم: " وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيراً لعبد الرحمن المستظهر ... ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فعني بعلم المنطق ... وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة " (٦) ؛ فهذا القول يؤكد أن حياة ابن حزم العلمية لم تبدأ إلا بعد مقتل
стр. 950
المستظهر، وبعد اعتزاله العمل السياسي، وأن المنطق كان من أوائل ما درس، وأنه بعده أوغل في علوم الشريعة مستكثراً منها، فهل تصدى للتأليف فيه بعد أن أحكم درسه له يبدو أن الفترة بين دراسته للمنطق وتأليفه فيه لم تكن فترة طويلة.
(٥) ومما يحفز إلى هذا القول أن لدينا شهادة قاطعة تحدد تاريخ دراسته للمنطق وهو قول ابن حزم نفسه: " قرأت حدود المنطق على أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الطبيب ﵀ المعروف بابن الكتاني " (١) وابن الكتاني فيما استظهرته في موطن آخر (٢) لم تتعد وفاته سنة ٤٢٢، فإذا صح ذلك كانت دراسة ابن حزم للمنطق بين ٤١٤ ٤٢٢ فإذا كان قد ألف التقريب قبل وفاة صديقه ابن شهيد فمعنى ذلك أنه كتبه قبل سنة ٤٢٥، فتاريخ التأليف على ذلك قريب من تاريخ الدراسة.
(٦) ونؤيد كل ما تقدم بشهادة تلقي أضواء توضيحية على القضية التي أعالجها هنا وهي قول ابن حزم نفسه في المنطق: " ثم قرأته على ثابت بن ممد الجرجاني العدوي المكنى بأبي الفتوح.... فلما انتهيت إلى أول أقودمطيقاً (أقودقطيقا) على الجرجاني ( ... ) حضر معنا عنده محمد بن الحسن اعترافاً للجرجاني وتقديماً له، وشهد قراءتي على الجرجاني " (٣) وأبو الفتوح الجرجاني دخل الأندلس سنة ٤٠٦ وافداً من المشرق (٤) وتورط في شؤون السياسة بعد اتصاله بباديس بن حبوس صاحب غرناطة فقتل سنة ٤٣١ (٥) وقد ذكره ابن حزم في الفصل، فلا بد من أن تكون الصلة بينهما قد حدثت في حدود الفترة التي قدرناها لدراسة المنطق.
(٧) وهناك نسخة معتمدة للتقريب هي نسخة أبي عبد الله الرصافي (٦) ، وقد قرئت على ابن حزم وخط ابن حزم عليها يشهد بأنها قرئت عليه، وقد فرغ من نسخها في صفر سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (٤٣٧)(٧) وهذا يقطع بأن المؤلف قد وضع الصورة
стр. 951
الأولى لكتابه قبل التاريخ المذكور.
٣ - دواعي تأليفه:
قضى ابن حزم جانباً من شبابه وهو يطلب العلم في قرطبة حتى سنة ٤٠١. وقد أثر في نفسه في ذلك الدور المبكر من حياته ما سمع بعض الأغرار يقولونه في المنطق والعلوم الفلسفية عامة دون تحقيق، وأولئك هم الذين عناهم بقوله: " ولقد رأيت طوائف من الخاسرين شاهدتهم أيام عنفوان طلبنا، وقبل تمكن قوانا في المعارف، وأول مداخلتنا صنوفاً من ذوي الآراء المختلفة، كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين أنتجه بحث موثوق به على أن الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة " (١) . ولعل بيئة قرطبة والأندلس عامة يومئذ بمعاداتها لعلوم الأوائل هي التي حفزت حب الاستطلاع لديه فجعلته يدرس الفلسفة والمنطق، ومن ثم قوى لديه الشعور بأن العلوم الفلسفية لا تنافي الشريعة، بل إن المنطق منها يمكن خاصة يمكن أن يتخذ معياراً لتقويم الآراء الشريعة وتصحيحها، وكان اتجاهه إلى مجادلة أهل المذاهب والنحل الأخرى يفرض عليه أن يتدرع بقوة منطقية في المناظرة والجدل. وهاتان الغياتان كانتا من أول العوامل التي حدت به إلى التأليف في المنطق ليثبت عدم التنافي بينه وبين الشريعة وليعزز به موقفه العقلي إزاء الخصوم ويضع فيه القواعد الصحيحة للجدل والمناظرة ويبين فيه حيل السفسطة والتشغيب.
وظل ابن حزم على رأيه هذا يؤمن بفائدة المنطق والفلسفة وسائر علوم الأولين ما عدا التنجيم -. فهو في رسالة " مراتب العلوم " ينصح الدارس أن يبدأ بعد تعلم القراءة والكتابة وأصول النحو واللغة والشعر والفلك، بالنظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف ما البرهان وما الشغب، وكيف التحفظ مما يظن أنه برهان وليس ببرهان، فهذا العلم يقف على الحقائق كلها ويميزها من الأباطيل تمييزاً لا يبقى معه ريب (٢) . ويسأله أحدهم رأيه في أهل عصره وكيف انقسموا طائفتين: طائفة اتبعت علوم الأوائل وطائفة اتبعت علم ما جاءت به النبوة ويطلب إليه أن يبين له أيهما المصيب، فيقول في الجواب: أعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه أن علوم الأوائل هي الفلسفة وحدود المنطق التي تكلم المنطق فيها أفلاطون
стр. 952
وتلميذه أرسطاطاليس والإسكندر ومن قفا قفوهم، وهذا علم حسن رفيع لأنه فيه معرفة العالم كله بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه، إلى أشخاص جواهره وأغراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به وتمييزه مما يظن من جهل أنه برهان وليس برهاناً، ومنفعة هذا العلم عظيمة في تمييز الحقائق مما سواها.... (١) .
فهذا الإيمان بفائدة علوم الفلسفة والمنطق هو الذي جعل ابن حزم بعد درسه لها، يحاول أن يوصل ما فهمه منها مبسطاً إلى الآخرين. وقد كسب له هذا الاتجاه عداوة الفريق الذي يكره الفلسفة والمنطق، وهو يومئذ الفريق الغالب في الأندلس. واتخذ اعداؤه هذه الناحية فيه محطاً لهجماتهم، ومن أمثلة ذلك أن أحد الناقمين كتب إليه كتاباً من الإمضاء، اتهمه فيه بأن الفساد دخل عليه من تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب أقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين. فكتب ابن حزم يقول في الجواب: " أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وأقليدس والمجسطي: أطالعتها أيها الهاذر أم لم تطالعها فإن كنت طالعتها فلم تنكر على من طالعها كما طالعتها أنت وهلا أنكرت ذلك على نفسك وأخبرنا عن الإلحاد الذي وجدت فيها إن كنت وقفت على مواضعه منها، وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر ما لا تعرف (٢) " وأصبح ابن حزم يعتقد أن فائدة المنطق أمر لا يرتاب فيه منصف لأنها فائدة غير واقفة عند حدود الاطلاع والرياضة الذهنية بل تتدخل في سائر العلوم كعلم الديانة والمقالات والأهواء وعلم النحو واللغة والخبر والطب والهندسة وما كان بهذا الشكل فإنه حقيق أن يطلب وأن تكتب فيه الكتب، وتقرب فيه الحقائق الصعبة.
وغدا هذا الإيمان بقيمة المنطق وفائدته ابتداء حافزاً قوياً للتأليف فيه. إلا أن ابن حزم واجه في دراسته لهذا العلم صعوبتين، فلم لا يحاول تذليلهما للقارئ الذي يود الانتفاع بدراسة المنطق: الأولى تعقيد الترجمة وإيراد هذا العلم بألفاظ غير عامية، ويعني ابن حزم بالعامية الألفاظ الفاشية المألوفة التي يفهمها الناس لكثرة تداولها، فليكتب، إذن، كتاباً قريباً إلى الإفهام " فإن الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله أن يسهله جهده ويقربه بقدر طاقته ويخففه ما أمكن " (٣) . وهو يحسن الظن بالمترجمين ويرى
стр. 953
أن توعيرهم للألفاظ هو شح بالعلم وضن به يوم كان الناس جادين في طلبه يبذلون فيه الغالي والنفيس. الصعوبة الثانية: أن المناطقة قد درجوا على استعمال الرموز والحروف في ضرب الأمثلة. ومثل هذا شيء يعسر تناوله على عامة الناس، فليحول ابن حزم الأمثلة من الرموز إلى أخرى منتزعة من المألوف في الأحوال اليومية والشريعة. وهو يحس بخطر ما هو مقدم عليه، ويعتقد أنه أول من يتجشم هذه المحاولة.
ولم يكتب ابن حزم هذا الكتاب إلا بعد أن حفزه كثير من الدواعي في الحياة اليومية، وإلا بعد أن وجد الحاجة ماسة إلى المنطق في النواحي العملية من علاقات الناس وتفكيرهم، فهو قد لقي من يعنته بالسؤال عن الفرق بين المحمول والمتمكن، ولقي كثيراً من المشغبين الآخذين بالسفسطة في الجدل، وواجه من يسومه أن يريه العرض منخزلاً عن الجواهر، وقرأ مؤلفات معقدة لا طائل تحت تعقيدها، ورأى من يدعي الحكمة وهو منها براء فأراد لكتابه أن يكون تسديداً لعوج هذه الأمور وإصلاحاً لفسادها، ورداً على المخالفين والمشغبين وإقامة للقواعد الصحيحة في المناظرة، وهي يومئذ شغل شاغل لعلماء الأندلس.
٤ - مصادر الكتاب:
منذ أن بدأ دور الترجمة في تاريخ الفكر العربي بدأ النقلة ومن بعدهم من الشراح يهتمون بكتب أرسطاطاليس النطقية. وينسب إلى ابن المقفع أنه نقل ثلاثة من كتب المنطق الأرسطاطاليس وهي: قاطيغورياس وباري أرمينياس وأنولوطيقا، وأنه ترجم المدخل المعروف بإيساغوجي ... وعبر عما ترجم من ذلك بعبارة سهلة قريبة المأخذ (١) . ويذكر طيماثاوس الجاثليق الذي اتصل بالرشيد والمأمون أن الخليفة " أمرنا بترجمة كتاب طوبيقا لأرسطو الفيلسوف من السريانية إلى العربية. وقد قام بذلك بعون الله الشيخ أبو نوح " (٢) .
وقد ترك لنا صاحب الفهرست صورة من جهود النقلة والشراح المختصرين للكتب المنطقية الثمانية (٣) . وهو بيان يدل على ما بذله كل من الكندي وأحمد بن الطيب وثابت بن قرة ومتى بن يونس القنائي والفارابي ويحيى بن عدي وغيرهم في هذا الميدان:
стр. 954
١ - فأما الكندي فإن له رسالة في المدخل مختصرة موجزة ورسالة في المقولات العشر، ورسالته في الاحتراس من خدع السوفسطائيين، ورسالة في إيجاز واختصار البرهان المنطقي.
٢ - وأما تلميذه أحمد بن الطيب فقد اختصر كلاً من فاطيغورياس وباري أرمنياس وأنالوطيقا الأول والثاني، وإيساغوجي. وله كتاب في الصناعة الديالقطية أي الجدلية على مذهب أرسطاطاليس من كتاب سوفسطيقا لأرسطاطاليس.
٣ - ولثابت كتاب باريمنياس، وجوامع كتاب أنالوطيقا الأولى، واختصار المنطق ونوادر محفوظة من طوبيقا وكتاب في أغاليط السوفسطائيين.
٤ - وانتهت رياسة المنطقيين إلى متى في عصره وكان أكثر جهوده موجهاً إلى النقل، كما أنه فسر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها، وعليها يعول الناس في القراءة، وله شرح إيساغوجي.
٥ - وأبعدهم أثراً في الدراسات المنطقية وهو الفارابي، وهو لم يكن مترجماً ولكنه وضع الكتب المنطقية في شكل معتمد، وفسرها بعبارات واضحة نالت إعجاب من جاءوا بعده وأصبحت كتبه المرجع المفضل في هذا الباب.
٦ - وتتلمذ عليه وعلى متى منطقي آخر أصبحت له الرياسة بعدهما في المنطق وهو يحيى بن عدي. ومن يحيى استمد أبو سليمان المنطقي أستاذ التوحيدي وشيخ تلك العصبة من التلامذة الذين يكثر أبو حيان من التحدث عنهم في كتبه، مثل ابن زرعة الذي كتب مقالة في أغراض كتب أرسطاطاليس ومقالة في معاني إيساغوجي وكتاب سوفسطيقا؛ ومثل أبي الخير بن الخمار الذي فسر إيساغوجي واختصره وكتب كتاب اللبس في الكتب الأربعة في المنطق.
تلك هي الحال في المشرق.
أما في الأندلس فإن الإقبال على الفلسفة والمنطق قبل عهد الحكم المستنصر كان ضعيفاً، فكان أشهر من عني بالدراسات الفلسفية عامة قبل الفتنة البربرية (٣٣٩) هو أبو القاسم مسلمة بن أحمد المرجيطي وعليه تتلمذ بعض المشهورين من حكماء الأندلس، ولكنه هو وأكثر تلامذته اتجهوا اتجاهاً رياضياً مع بعض اهتمام بالأمور المنطقية، وقد شاركه هذا الاهتمام الطبقة الأولى من دراسي المنطق في الأندلس وهم: ابن عبدون الجبلي وعمر بن يونس بن أحمد الحراني وأحمد بن حفصون وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم القاضي وأبو عبد الله محمد بن مسعود البجاني ومحمد بن ميمون المعروف
стр. 955
بمركوس وسعيد بن فتحون السرقسطي، وعلى هؤلاء درس ابن الكتاني، شيخ ابن حزم (١) . ونضيف إلى هؤلاء من الأندلسيين المهتمين بالمنطق ملحان بن عبيد الله بن سالم وكان له نظر في حد المنطق ومطالعة لكتب الفلسفة، والرباحي وقد نظر في المنطقيات فأحمها (٢) واثنين من اليهود وهما منحم بن الفوال من سكان سرقسطة، وقد ألف كتاباً في المنطق على طريقة السؤال والجواب، ومروان بن جناح، ولم يذكر له في المنطق تأليف معين (٣) .
وعلى هذا يكون ابن حزم من رجال الطبقة الثالثة الذي توفروا على الدراسات المنطقية في الأندلس، بل لعله أن يكون أبرزهم في عصره.
لكن إلى أي حد كانت الترجمات والشروح والمختصرات المشرقية معروفة في الأندلس لا القاضي صاعد يحدثنا بشيء من ذلك، ولا ابن حزم في كتاب التقريب يشير إلى شيء واضح دقيق، وكل ما نستطيع أن نقوله في هذا الصدد لا يعدو الفرض والتقدير. ولنا أن نفترض أن المشارقة الراحلين إلى الأندلس مثل الحراني، والأندلسيين الراحلين إلى المشرق مثل ابن عبدون الجبلي قد نقلوا معهم فيما نقلوه من كتب شيئاً من الترجمات في المنطق. ولا يبعد أن يكون ابن حزم قد عرف شيئاً منها وعول عليها كما عول على بعض مؤلفات الأندلسيين أنفسهم.
وهناك مصدر مشرقي لا شك في أن ابن حزم اطلع عليه وهو كتاب أو كتب من تأليف الناشئ الأكبر أبي العباس المعروف بابن شرشير (- ٢٩٣) . وأبو العباس هذا شاعر معتزلي ألف في الرد على المنطقيين، وهو من أوائل المفكرين الذين حاولوا الطعن في منطق أرسطو. وقد استشهد به أبو سعيد السيرافي في مناظرته مع متى المنطقي وهي المناظرة التي حفظها أبو حيان في كتاب الإمتاع والمؤانسة ويبدو مما أورده ويبدو مما أورده ابن حزم أن بعض آراء الناشئ كانت نوعاً من السفسطة، ولذلك حمل عليه ووصفه بكثرة الهذر. ولعل الناشئ ممن نبهوا ابن حزم إلى بحث مسألة أسماء الله تعالى لأن الناشئ كان يقول: إن الأسماء " حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق " (٤) .
стр. 956
غير أن أهم عبارة تومئ إلى مصدر ابن حزم في المنطق هي قول ابن تيمة " ولتعظيمه يعني ابن حزم المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية " (١) وقد ظلت هذه العبارة مبهمة الدلالة حتى عثرت على مخطوطة إزمير التي احتفظت لنا في ختام كتاب التقريب بنص غاية في الأهمية جلا كل لبس وأماط كل حيرة حول مصدر ابن حزم في المنطق، وقد أوردت في ما تقدم بعض نقولٍ من هذا النص، ولكني أورده هنا كاملاً:
" قال لي الشيخ أبو بكر، قال لي الشيخ أبو عبد الله [يعني الرصافي] ، قال لنا أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الفقيه الحافظ: قرأت حدود المنطق على أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الطبيب، ﵀، المعروف بابن الكتاني، وما رأيت ذهناً أحد منه في هذا الشأن، ولا أكثر تصريفاً له منه، وكان قد قرأه على أبي عبد الله الجبلي الطبيب، وقرأه الجبلي ببغداد على أبي سليمان داود بن بهرام السجستاني، وقرأه داود على متى. ثم قرأته أيضاً على ثابت بن محمد الجرجاني العدوي المكني بأبي الفتوح، وما رأيت في خلق الله أعلم بهذا العلم منه، لا أحفظ له منه، ولا أوسع فيه منه، فلما انتهيت إلى أول أقود قطيقا على الجرجاني، حضر معنا عنده محمد بن الحسن اعترافاً للجرجاني تقديماً له، وشهد قراءتي له على الجرجاني؛ وكان الجرجاني قد أخذ هذا العلم عن الحسن [بن] سهل بن السمح (٢) ببغداد وأخذه الحسن بن سهل عن متى، وأخبرني ثابت أنه ساكن الحسن في منزل واحد أعواماً ".
هما إذن طريقان ينتهيان إلى متى كما قال ابن تيمة: إحداهما عن طريق ابن الكتاني والأخرى عن طريق ثابت الجرجاني الأستاذين المباشرين لابن حزم، فهما المصدران لما ثقفه في المنطق، ولكن النص لم يذكر اعتمادهما على مؤلفات بأعيانها، وإنما يؤكد قضية الرواية سماعاً، ولهذا لا يبعد أن نفترض أنه رغم الرواية الشفوية كان هذان الأستاذان يعتمدان على جهود متى الذي لقب " المنطقي " لشهرته
стр. 957
في هذا العلم، وقد ذكرت من قبل أن له شرحاً على إيساغوجي وأن له تفسيراً للكتب الأربعة في المنطق، فهو فسر باري أرمينياس وأنالوطيقا الأول ونقل أنالوطيقا الثاني عن ترجمة سريانية لحنين بن إسحاق، ثم شرحه، وفسر المقالة الأولى من طوبيقا، ونقل أبو طيقا من السريانية إلى العربي كما نقل سوفسطيقا من اليونانية إلى السريانية وله نقول وتفسيرات على كتب أخرى من كتب أرسطاطاليس غير المنطقية (١) .
أبو بشر متى المنطقي
أبو سليمان المنطقي - - الحسن بن سهل بن السمح
أبو عبد الله الجبلي
أبو عبد الله الكتاني ثابت الجرجاني
стр. 958
٥ - منهج ابن حزم في التقريب:
ورث المناطقة المسلمون عن المدرسيين والشراح الإسكندرانيين وغيرهم ترتيب الكتب المنطقية الأرسطاطاليسية في ثمانية (١) ، وهذا هو ما وضحه الفارابي توضيحاً كافياً في ص تفصيلي نقله ابن أبي أصيبعة (٢) ، سمى الكتاب الأول " المقولات " قاطاغورياس والثاني: العبارة باريمنياس، والثالث: القياس أو أنالوطيقا الأولى، والرابع: البرهان أو أنالوطيقا الثانية، والخامس: المواضع الجدلية أو طوبيقا، والسادس: الحكمة المموهة أو سوفسطيقا، والسابع: الخطابة أو الريطورية، والثامن: الشعر أو فويطيقا. وقال الفارابي: والجزء الرابع هو أشدها تقدماً للشرف والرئاسة، والمنطق إنما التمس به على القصد الجزء الرابع وباقي أجزائه إنما تحمل لأجل الرابع.
وقد سار ابن حزم على هذه القسمة، على نحو مقارب، فقدم قبل الكتب الثمانية القول في المدخل أو إيساغوجي، ثم تناول القول في كتب أرسطاطاليس، فسمى الأول الأسماء المفردة، وسمى الثاني كتاب الأخبار وهو الذي دعاه الفارابي باسم " العبارة " وأدرج الكتب الأربعة التالية (٣، ٤، ٥، ٦) في باب واحد وجمعها تحت اسم " البرهان "، ورفض اسم القياس. ومع إيمانه بأن " البرهان " هو الغاية الكبرى فإنه لم يميز " أنالوطيقا الثاني " تمييزاً بائناً، وفرق القول في السفسطة على عدة مواضع، وقبيل آخر هذا الفصل تحدث عن رتبة الجدال وآداب المناظرة (الفقرة: ١٨) ثم شفع هذه الفقرة بفقرة أخرى (رقم: ١٩) تحدث فيها عن أخذ المقدمات من العلوم وقسمها إلى اثني عشر علماً ونص على أنه لا يلتزم في هذه القسمة ما جرى عليه المتقدمون. ولم يقف فيهما عند شيء من آراء أرسطاطاليس.
والكتاب ينقسم حسب النسخة التونسية، في سفرين، يقف السفر الأول منهما عند نهاية القضايا القاطعة. ويبتدئ السفر الثاني بذكر القضايا الشرطية دون أن يكون لهذه القسمة أية علاقة بطبيعة الموضوع، وليس لهذه القسمة وجود في نسخة إزمير، فهي تجزئه اعتبارية من عمل أحد النساخ.
стр. 959
وقد ذكر ابن حزم في موضع من كتابه أنه بناه على الاختصار، وهذا كلام صحيح إذا نحن قسنا هذا الكتاب بالكتب المنطقية كلها، وكان الأصح أن يقول إنه بناه على الاختيار، من جهة، وعلى التبسيط من جهة أخرى، فأما الاختيار فإنه حاول أن يبرز لقراء المنطق النقاط التي يراها هامة لترسيخ القواعد الأصلية فيه، وفي أثناء هذه المحاولة كان تبسيط في الشرح من أجل تبسيط المعلومات.
ويتضح ذلك بإجراء بعض المقارنات، ففي الحديث عن " الجنس " يقول فرفوريوس الصوري: " يقال الجنس لجماعة قوم لهم نسبة بوجه الوجوه إلى واحد أو لبعضهم البعض على المعنى الذي يقال به جنس الهرقليين من قبل نسبتهم من واحد، أعني من هرقل، إذ كان جماعة القوم الذين لبعضهم قرابة إلى بعض من قبله قد يدعي جنساً بانفصالهم من سائر الأجناس الأخر. وقد يقال أيضاً على جهة أخرى جنس لمبدأ كون كل واحد واحد، إما الوالد أو من الموضع الذي يكون فيه الإنسان، فإنه على هذه الجهة تقول إن أورسطس من طنطالس وأولس من إيرقلس، وتقول أيضاً أن جنس أفلاطن أثيني وجنس فنطارس ثيباي، وذلك أن البلد مبدأ لكون كل واحد كالأب.... الخ " (١) .
فإذا أراد ابن حزم أن يعرض لهذه الفكرة قال: " ذكر الأوائل قسماً في الجنس لا معنى له وهو كتميم لبني تميم، والبصرة لأهلها، والوزارة لكل وزيرن والصناعة لأهلها، وهذا غير محصور ولا منضبط، فلا وجه للاشتغال به (٢) ". فهذا الذي قاله فرفوريوس في عبارات مطولة أوجزه ابن حزم في كلمات قليلة.
وإليك مثالاً آخر: " يلخص ابن رشد ما يقوله أرسطاطاليس في تحديد معنى الانعكاس: " وأعني بالانعكاس أن يتبدل ترتيب أجزاء القضية فيصير محمولها موضوعاً وموضوعها محمولاً، ويبقى صدقها وكيفيتها من الإيجاب والسلب أيضاً محفوظاً، فإذا ما تبدل الترتيب ولم يبق الصدق محفوظاً فهو الذي يسمى في هذه الصناعة قلب القضية " (٣) . وحين تناول بن حزم موضوع الانعكاس تجده يقول: " والانعكاس هو أن تجعل الخبر مخبراً عنه موصوفاً، وتجعل المخبر عنه خبراً موصوفاً به من غير أن يتغير
стр. 960
المعنى في ذلك أصلاً، بل إن كانت القضية موجبة قبل العكس فهي بعد العكس موجبة، وإن كانت نافية قبل العكس فهي بعد العكس نافية، وإن كانت صادقة قبل العكس فهي بعد العكس صادقة، وإن كانت كاذبة قبل العكس فهي بعد العكس كاذبة، إلا أنه في بعض المواضع تكون القضية كلية قبل العكس وجزئية بعد العكس، لا يحيلها العكس بغير هذه البتة، وإنما نعني بهذا العكس ما لا يستحيل أبداً.... " (١) فتأمل كيف يتوسع ابن حزم في البسط والتبسيط معاً لما جعله ابن رشد في كلمات قليلة. ومن أجل التيسير على متلقي المنطق وضع ابن حزم أمثلة منطقية مستمدة من الشريعة، كما " عرب " كثيراً من الأمثلة التي وردت مترجمة عن اليونانية، وحذف كثيراً من الأمور المعقدة التي لا يحتاجها المبتدئ، من ذلك قوله: " ولم أترك إلا أشخاص تقاسيم من موجبات وسوالب من البسائط والمتغيرات والمحصورة والمهملة ومن المخصوصة ومن الاثنينية والثلاثية والرباعية لا يحتاج إليها، وإنما هي تمرن وتمهر لمن تحقق بهذا العلم تحققاً يريد ضبط جميع وجوهه " (٢) . أو قوله في موضع آخر: " وذكر الفلاسفة ها هنا شيئاً سموه " كون الشيء في الشيء " وليس يكاد ينحصر عندنا، وإن كنا محصوراً في الطبيعة، فلم نر وجهاً للاشتغال به، إذ ليس إلا من تشقيق الكلام فقط كقولهم: النوع في الجنس في النوع وما أسبه ذلك مما لا قوة فيه في إدراك الحقائق وإقامة البراهين وكيفية الاستدلال الذي هو غرضنا في هذا الكتاب " (٣) .
وابن حزم لا ينقاد للآراء إذا لم تكن مما يرتضيه حكمه العقلي، ولذلك نجده كثيراً ما يحمل الخطأ على الترجمة والمترجمين أو يذهب إلى التصريح بمخالفة الأوائل في كثير من المواقف؛ قال أبو محمد (٤) في بعض تعليقاته: " هذه عبارة المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على أن الرسم ليس مأخوذاً من الأجناس والفصول وأنه إنما هو مأخوذ من الأعراض والخواص، ثم لم يلبثوا أن تناقضوا فقالوا: إن كل حد رسم فأوجبوا أن الحد مأخوذ من الأعراض أو أن بعض الرسوم مأخوذ من الفصول، وهذا ضد ما قالوه
стр. 961
قبل " (١) ؛ وخطأ الفلاسفة في بعض ما ذهبوا إليه كقولهم في القدمة: إن الجنس أقدم من النوع من أجل أنه مذكور في الرتبة قبله، وقولهم إن المدخل إلى العلوم أقدم من العلوم (٢) ، غير أنه أشد في حملته على المشغبين وخاصة حين يمتد شغيهم إلى الأمور الفكرية والدينية. وواضح أن كثيراً من منهج ابن حزم في الكتاب متأثر بمسلمات عقائدية أو مذهبية التحمت بنفسه قبل أن يتصدى للخوض في المنطق، مثل قضية الخلاء والملاء والاسم والمسمى وأسماء الله الحسنى وإنكار القياس والعلل في الشريعة، وغير ذلك، فهو كثيراً ما ينحو نحو الاستطراد لبيان هذه المسائل، حتى حين تكون صلتها بموضوعات كتابه واهية.
ومما التزمه ابن حزم في منهجه الاعتماد على طبيعة اللغة العربية سواء أكان ذلك في نواحي تميزها أم قصورها، فهو يعلم أن السؤال ب " ما " أو ب " أي " في اللغة العربية قد يستويان وينوب كل واحد منهما عن صاحبه، " ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام، فإن فيها للاستفهام عن العام لفظاً غير لفظ الاستفهام عن أبعاض ذلك العام " (٣) واللغة العربية ليس فيها لفظة تخص بالكمية دون سواها " وهذا يستبين في اللغة اللطينية عندنا استبانة ظاهرة لا تختل، وهي لفظة فيها تختص بها الكمية دون سائر المقولات العشر؛ وللكيفية أيضاً في اللطينية لفظ يختص بها اختصاصاً بيناً لا إشكال فيه دون سائر المقولات، لا توجد لها ترجمة مطابقة في العربية " (٤) ؛ وإذا وجد مصطلحاً غريب الدلالة في اللغة العربية استبعده، فالأوائل سمت النوع " صورة " في بعض المواضع، وهو يقدر أن يكون ذلك منهم اتباعاً للغة يونان، فربما كان هذا الاسم عندهم، ولكنه لا يصح في اللغة العربية (٥) .
لهذا كله يصدق قول الدكتور سالم يفوت بأن كتاب التقريب يمثل " قراءة لأرسطو حاولت رفع إبهامات والتباسات النص الأرسطي اعتماداً على مبادئ تقول بنسبة المعاني الفلسفية وارتباطها باللغة فيها.... وبالفعل نلاحظ أن العرض لدى ابن حزم لا يمثل الهدف الأساسي، بل هو مجرد لحظة أولى تتلوها ثانية، هل لحظة اتخاذ الموقف انطلاقاً
стр. 962
من المبادئ المومأ إليها " (١) فهذه الحقيقة يدركها من درش كتاب التقريب بعناية، نعم إن ابن حزم لا ينكر أن منطلقاته تمتد إلى فرفوريوس الصوري وإلى أرسطاطاليس أو إلى الأوائل جملة، كما يحلو له أن يعبر، وقد يكون متأثراً بالرواقين في تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف كما يقول روجيه أرنالديز، أو في حديثه عن الحد والرسم، كما يقول روبير برونشفيك (٢) ؛ ولكن ليس هذا هو الشيء الأساسي، إنما الشيء الأساسي هو الانتقال من مرحلة التبسيط أو شرح المستغلق ورفع الالتباس في بعض مواقف الأوائل إلى موقف فكري واضح مستمد من طبيعة اللغة والدين، موجه إلى غايات محددة؛ وقد حدد الدكتور سالم يفوت ثلاثة دواع تظهر الحاجة إلى صناعة المنطق وهي:
(١) فهم بناء كلام الله ورسوله، وفهم أحكامه وطرق استنباطها (منطق البيان) .
(٢) الرد على المشغبة، وهو مر يقتضي التسل بالأفانين التي يلجأون إليها (منطق الجدل) .
(٣) التمييز بين الحق والباطل، وهو أمر يتم بطبيعة الحال لا بصورة مجردة، بل اعتماداً على النص الديني (٣) .
وعلى أساس من هذه الدواعي يعلل الدكتور يفوت أن " إسراع " ابن حزم في تناول أربعة كتب لأرسطو في مجال لا يتجاوز مائة صفحة إلا قليلاً بأنه إنما كان يهدف إلى " رفع قلق الموقف الأرسطي " وهذا ما جعله " يعيد كتابة " أجزاء كثيرة من المنطق " ويهمل " أبواباً كاملة (٤) .
٦ - صرح ابن حزم بأن كتاب التقريب يقع تحت النوع الرابع من المؤلفات، وهو النوع الذي يتناول شرح المستغلق: " ولن نعدم إن شاء الله أن يكون فيها بيان تصحيح رأي فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس، وتنبيه على أمر غامض، واختصار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع أشياء متفرقة مع الاستيعاب لكل ما
стр. 963
بطالب البرهان إليه بأقل حاجة، وترك حذف شيء من ذلك البتة " (١) ، وقد رأينا أن هذه الغاية التي وجه لها ابن حزم جهده قد أكسبت كتابة سمات من الأصالة، ففي قيامه بشرح المستغلق وحذف ما هو غير ضروري، وإثارة أمر غامض، وجمع أشياء متفرقة في نطاق واحد، مع الاستيعاب للأوليات الضرورية، برزت شخصية رجل مستقل في فكره، واضح في أهدافه؛ ومهما يشتم من تواضع في كلمته التي حدد بها طبيعة كتابه فإنه كان يدرك إدراكاً تاماً بأنه يحاول أمراً لم يحاوله أحد قبله: " ولم نجد أحداً قبلنا انتدب لهذا " (٢) فهو يدرك خطورة ما هو مقدم عليه، ولكنه يجد في نفسه الاستعداد لذلك، أعني " لكشف غمة العداء للمنطق واكتساب الأجر في هداية الناس إلى فوائده ".
ومع ذلك فربما كان ابن حزم مسبوقاً إلى هذه الخطوة أو إلى ما هو شبيه بها، فقد بين الدكتور عمار الطالبي أن الفارابي كان أول ن يسر المنطق وقر به للإفهام واستخدام فيه عبارات الفقهاء والنحاة واصطلاحات المتكلمين، وقارن فيه بين منهج الأصوليين ومنهج المشائين، وضرب الأمثلة من القرآن ومن عبارات الفقهاء في القياس وغيره من الاستقراء والتمثيل، وألف في ذلك كتاباً سماه " كتاب المختصر الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين " (٣) .
يبدو لي أم ثمة فرقاً أصيلاً بين الفارابي وابن حزم في هذا الموقف، فالفارابي يأخذ منطق أرسطاطاليس كما هو ويقارنه بمنطق آخر، اتخذت من علم الكلام، بينما يجرد ابن حزم من منطق أرسطاطاليس " معياراً " يحسنه الناس البسطاء، ويخدم " تربية فكرية " تمتد إلى شؤون الدين والحياة بعامة؛ وأياً كان الأمر فهل اطلع ابن حزم على محاولة الفارابي يثير الدكتور الطالبي مسألة اللقاء بين ابن حزم والفارابي في مسألة قياس الغائب على الشاهد فيقول: والغريب أن آراء ابن حزم في مسألة قياس الغائب على الشاهد أو الاستقراء تماثل آراء الفارابي، إذ أورد نظرية الأصوليين واصطلاحهم في إجراء العلة والمعلول وانتهى إلى نفس الرأي الذي انتهى إليه الفارابي في القول بأن الاستدلال بالشاهد على الغائب إنما يصح في الإبطال لا في الإثبات (٤) . ولعل هذا
стр. 964
الاستنتاج الذي وصل إليه ابن حزم إنما توصل إليه مستقلاً من كثرة تقليبه للتجارب الاستقرائية التي كان يواجه بها أصحاب المذاهب الأخرى.
وقد اتهم ابن حزم بعض معاصريه بأنه لم يفهم منطق أرسطاطاليس، فقال فيه صاعد: " وخالف أرسطاطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالف من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بين السقط " (١) ؛ ورد ابن حيان المؤرخ الأندلسي هذه التهمة حين قال: " كان أبو محمد حامل فنون من حديث وقفه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة لم يخل فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسطاطاليس واضعه، مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتبه " (٢) .
أما أنه خالف أرسطاطاليس فشيء واضح في كتابه، وأما أنه لم يفهم غرضه، فذلك هو الشيء الذي حاولنا رفضه آنفاً، فقد يختلف غرضه ابن حزم عن غرضه أرسطاطاليس في هذا، دون أن يهتم بأنه لم يفهم غرض المعلم الأول. أما إن كان ما يقوله صاعد بأن ابن حزم وقع في الخطأ بمعنى أنه أجرى اجتهادات " لا منطقية " في محاولته للتبسيط، فشيء لا يمكن الحكم عليه إلا بعد فحص دقيق للمصطلح المنطقي والتمثيلات التي جاء بها في كتابه ومقارنتها بما لدى أرسطاطاليس، فقد اعتمد ابن حزم على منطقيات لم تكن موجودة لدى أرسطاطاليس، وأباح لنفسه القيام بأمور لم يجدها للمعلم الأول، فمن ذلك:
(١) أنه صرح بأنه لا يتقيد في هذا أو ذاك من الآراء بقول الأوائل (وفيهم أرسطاطاليس نفسه) ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، وهذا أمر يدل على استقلال في النظر، لا على أنه لم يفهم غرض أرسطاطاليس.
(٢) صدر في مفهوماته عن مقدمات دينية لم تكن لدى أرسطاطاليس، وهو شديد الشغف بالتقريب بين المنطق والشريعة، وجعل الأول في خدمة الثانية (وهذا قد
стр. 965
يوقع صاحبه في الإحالة إذا لم يكن صاحبه دقيقاً متحرزاً) .
(٣) تجاوز التمثيل بالحروف والرموز إلى انتزاع الأمثال من مألوف الحياة ومن الشريعة (١) ، فأصبح منطقه خاضعاً لمواصفات اللغة (لا تجريدياً كالمعادلات الجبرية) .
(٤) حكم نظرته الظاهرية في كثير من الأمور فأنكر القياس والعلية في الأمور الشرعية، وأطنب في بيان المعرفة العقلية، وأضعف من قيمة الاستقراء (وبهذا خالف أرسطاطاليس الذي يقول: إننا يلزم أن نعلم الأوائل بالاستقراء، وذلك أن الحس إنما يحصل فيها الكلي بالاستقراء) .
(٥) استأنس بأحكام مستمدة من طبيعة اللغة العربية نفسها، مما هو غير موجود أو متحقق في لغة أخرى كاليونانية.
ومهما يكن من شيء فكتاب التقريب " ظاهرة " هامة في تاريخ الفكر الإسلامي بالأندلس، وفيه، إذا تجاوزنا النواحي المنطقية الخالصة، حقائق هامة تتناول طبيعة الحياة الفكرية في المجتمع الأندلسي، وفيه كثير مما يتصل بابن حزم ونظرته إلى الحياة والناس، وهو مقدمة للغزالي في المشرق الذي احتذى حذو ابن حزم فاستمد أمثله المنطق من الفقه.
٧ - تحقيق كتاب التقريب:
حين ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب (١٩٥٩) لم يكن بين يدي إلا نسخة المكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس، ورقمها: ٦٨١٤ وهي من المخطوطات التي صورها معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية (القاهرة) ورقم الفيلم: ٨، وقد أذن لي المشرفون على المعهد يومئذ مشكورين بتصوير نسخة عن ذلك الفيلم.
وتقع المخطوطة في اثنتين وتسعين ورقة، في كل صفحة ٢٦ سطراً، ومتوسطاً كلمات السطر الواحد: ١١ كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي دقيق القلم أو متوسط الدقة وكثير من الكلمات فيها نقصه الإعجام. ومن أبرز ما فيها أن الناسخ يضع الحرف " ط " فوق الكلمة التي يشير بحذفها أو إسقاطها. وهو يثبت الياء في حال الرفع في كلمات مقل: متناهي. تالي. واهي. وهكذا، وقد حذفت هذه الياء حيثما وقعت وأشرت إلى بعض ذلك لا كله في الحواشي على سبيل التمثيل. كذلك فإن الناسخ لا يتقيد
стр. 966
بعكس العدد المفرد مع المعدود، فهو يكتب مثلا: ستة أرجل، سمحت لنفسي بتغيير هذا أيضاً. وليس على هوامش النسخة سوى بعض التصويبات وتعليقتين أو ثلاث.
والنسخة ليست مؤرخة ولكن خطها قد يدل على أنها ربما كتبت في القرن السابع أو قبله بقليل.
وقد قلت يوم ظهور الطبعة الأولى: إنني بذلت في تصحيحها جهدي، ولكني لم أستطع أن أحل كل ما اعترضني فيها من مشكلات، على إدامة النظر وتكرار المحاولة. واليوم، أحمد الله على أن هذه المشكلات التي أشرت إليها لم يبق منها إلا القليل القليل، وذلك بعد العثور على نسخة التقريب في إزمير (ورقمها: ٧٦٤) وهي نسخة قيمة جداً تقع في ٧٤ ورقة وفي كل صفحة من صفحاتها ٢٥ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٦ كلمة، وخطها نسخي واضح دقيق جميل، وبعض الحروف فيها ينقصها الإعجام جزئياً، ونظراً لظهور هذه النسخة إلى جانب السابقة رمزت للتونسية بالحرف (س) وللإزميرية بالحرف (م) وتعد النسخة (م) وتعد النسخة (م) أكثر ضبطاً من أختها، وهي منسوخة مباشرة فيما يبدو عن نسخة الشيخ أبي بكر البغدادي، وهذا أخذ نسخته عن نسخة الشيخ أبي عبد الله الرصافي التي قرئت على ابن حزم؛ وتشمل الورقات ٧٤ ٧٧ منها: تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول، وفي آخرها: كتب هذا الباب من كتاب النبذ الكافية في أصول أحكام الدين تأليف الشيخ الفقيه الحافظ أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد ﵀، وقرأت هذا على شيخنا أبي بكر البغدادي قال قرأ علينا الشيخ أبو عبد الله الرصافي قال لنا الشيخ أبو محمد (بن) عليّ منصفه رحمهم الله تعالى. واسم الناسخ " محمد بن عبد الملك بن عبد العظيم الحنفي " ولكنه لم يثبت تاريخاً للنسخ.
وعلى الورقة من النسخة (م) تملكات مختلفة أكثرها غير مؤرخ، وأحدها تملك يحمل تاريخ سادس جمادى الأولى سنة ٩٤٦ كما أثبت الناسخ بخطه على هذه الورقة فهرستاً بأسماء الكتب المنطقية التي ذكرها ابن حزم في التقريب وهي كتاب إيساغوجي وكتب أرسطاطاليس الثمانية، وفهرست آخر بأسماء الكتب التي ألفها " أرسطاطاليس " في أصول الحكمة النظرية وهي إعادة للكتب الثمانية مع إضافة أسماء بعض الكتب الأخرى. وعلى حواشي الورقة السادسة منها وبين السطور تعليقات هي
стр. 967
شروح وتفسيرات. وهي تشبه النسخة (س) في سقوط بعض العبارات منها عند تشابه النهايات، وفي إثبات الياء في حال الرفع في مثل: متناهي. تالي. واهي؛ ومن الغريب أن النسختين تتفاوتان في التقديم والتأخير على نحو يكاد يكون مطرداً في مواطن لا يختل فيها المعنى إطلاقاً، فقد يجيء في إحدى النسختين عبارة " ساقط مرذول " وفي الثانية " مرذول ساقط "، كما يطرد فيهما إلى حد بعيد عبارات الدعاء فحيث يجيء في إحدى النسخ " " يجيء في الثانية " تعالى " ولكن (م) أدق بكثير من (س) في الجملة، ولهذا رجحت قراءاتها في معظم الأحوال، لأنها أقرب الصورتين إلى نسخة المؤلف.
وقد يبدو أنني أثقلت الحواشي بإثبات فروق غير ضرورية، ومع ذلك فلا أدفع أن يكون فاتني إثبات فروق أخرى، كان لا بد من أن تزيد الحواشي ازدحاماً. قد تحقق بالمقارنة نص يرضي دارسي المنطق والقراء، فيما اعتقد، وهذا يجعلني أعتذر عما لحق الطبعة الأولى من أخطاء وتجاوزات لم يكن لي قبل بتصحيحها؛ على أني يجب أن أقول أيضاً إنه لو جرى الاعتماد على (م) وحدها لبقيت نسبة الخطأ والسقط كثيرة أيضاً، فالحمد لله على أن وفقني لتدارك ذلك، راجياً مت يهتم بآراء ابن حزم أن يلغي الطبعة الأولى في قراءته أو دراسته.
- ٣
فصل: هل للموت ألم أم لا
هذه رسالة صغيرة (أو فصل) في مشكلة تعرض لها الفلاسفة: هل للموت ألم أو لا، فقد ناقشها الكندي وأسهب في جلائها مسكويه في تهذيب الأخلاق عندما تحدث عن " الخوف من الموت "، وكذلك فعل غيرهما من الفلاسفة، ولم يضف ابن حزم إلى هذه القضية شيئاً جديداً، ولكن إثباتها هنا بين رسائل ذات طابع فلسفي أمر ضروري لأنه يوضح طبيعة المشكلات التي كان يحاول علاجها. ويتجلى حرص ابن حزم على ربط المشكلة بحديث الرسول: " إن للموت سكرات " مبيناً فهمه الخاص لذلك الحديث، وهي وقفة طبيعية من ابن حزم.
стр. 968
- ٤ -
كتاب في الرد على الكندي
جاء هذا الكتاب تالياً لكتاب التقريب من نسخة المكتبة الأحمدية بتونس حيث كتب على الورقة الأولى " وفيه الرد على محمد بن زكريا الرازي المتطبب في كتابه المسمى بكتاب العلم الإلهي.... بكتاب التوحيد من تأليفه قدس الله روحه ونور ضريحه " ويبدو أن كلمة " بكتاب التوحيد " تصحيح أضافه الناسخ على هامش الورقة الأولى بعد أن وضع علامة " م " فوق " بكتاب العلم الإلهي ".
ويستطيع المرء من النظرة الأولى أن يحكم بأن هذا الكتاب لا صلة له بكتاب العلم الإلهي للرازي ولا رد على محمد بن زكريا، فليس للرازي فيه أي ذكر وليست محتوياته رداً على كتاب العلم الإلهي وإنما هو في أكثره رد عبلى الكندي مؤلف كتاب التوحيد، ثم يلي ذلك فصول تتريب على النحو الآتي:
(أ) تعريف ببعض المصطلحات (ف ٦٢ ٧٦) .
(ب) مناظرة بين المؤلف وأحد الدهرية (ف ٧٧) .
(ج) فصل في أمور شتى (ف ٧٨ ٨١) .
(د) جملة المختلفين من أهل الملة الإسلامية (ف ٨٢) .
(هـ) رسالة اتفاق العدل بالقدر (ف ٨٣) .
(و) فقرتان في الروح (ف ٨٤ ٨٥) .
ولما تبينت أن القسم الأول منه رد على الكندي رجعت إلى رسائل الكندي فوجدت أن كتاب التوحيد المذكور هنا ليس إلا رسالة الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، ولا خلاف في التسمية لأن اسم هذه الرسالة حسبما يذكر ابن أبي أصيبعة هو " كتاب الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد " وهي رسالة نشرت مرتين، مرة بتحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (١٩٤٨) ومرة بتحقيق الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة مع عدد من رسائل الكندي (١٩٥٠) . ومن المقارنة بين ما نقله مؤلف هذا الكتاب وبين رسائل الكندي وجدت النص متفقاً، إلا أن مؤلف الرد كان يلخص العبارة أحياناً أو يعتمد الحذف وينتقي عبارات خاصة من رسالة الكندي، وقد اخترت أن أقارن هذا الرد بالرسالة التي نشرها الدكتور أبو ريدة لأنه حافظ في هوامشها على الأصل، وهذا جدول بما أظهرته المقارنة:
стр. 969
ف ١: رسالة الكندي إلى المعتصم في الفلسفة الأولى: ٩٧.
٢: - المصدر نفسه: ١٠١.
٤: - المصدر نفسه: ١٠٤.
٥: - المصدر نفسه: ١٠٦ ١٠٧.
٧: - المصدر نفسه: ١٠٧ ١٠٩ ١١٠.
٨: - المصدر نفسه: ١١١.
١٠: - المصدر نفسه: ١١١.
١٣: - المصدر نفسه: ١١٢.
١٤: - المصدر نفسه: ١١٢.
١٧: - المصدر نفسه: ١١٢ ١١٣ ١١٤.
٣٠: - المصدر نفسه: ١٤٣ ١٤٤.
٥٧: - يشير إلى قول الكندي ١٥٩ ١٦٠ والواحد الحق إذن لا ذو هيولي ولا ذو صورة ولا ذو كمية ولا ذو كيفية ولا ذو إضافة ولا موصوف بشيء من باقي المقولات ولا ذو جنس ولا ذو فصل ولا ذو شخص ولا ذو خاصة.... الخ.
٦٩، - ٧٨: رسائل الكندي: ٢١٧ ٢١٨.
غير أن الفقرة ٤٧ من هذا الكتاب وهي نقل لبعض كلام الكندي ليس لها ما يوازيها في المجموعة المنشورة من رسائله. فإذا كان المؤلف ينقل من رسالة الفلسفة الأولى فهذا دليل على أن الرسالة ناقصة وذلك شيء قد نبه عليه الدكتور أبو ريدة بقوله: " ومن أسف أن هذا هو كل ما عندنا من كتاب الكندي في الفلسفة الأولى، ويظهر أن له بقية لأن المؤلف يقول في آخر الفن الرابع إنه سيكمل الكلام بما يتلوه تلواً طبيعياً " (١) هذا وان مؤلف الكتاب يشير إلى رد الكندي على الدهرية والمنانية، فلعل رسالته في التوحيد قد شملت هذا الموضوع نفسه، وقد ذكر ابن أبي أصيبعة للكندي الرسائل التالية مما يحسن أن يكون متصلاً بكتاب التوحيد:
(١) رسالة في الرد على المنانية.
(٢) رسالة في الرد على الثنوية.
(٣) رسالة في نقض مسائل الملحدين.
стр. 970
وقد يكون الكندي عالج الرد على المنانية والثنوية والملحدين في غير موضع واحد من رسائله، فمرة وصل الكلام فيه بكتاب التوحيد ومرة أفرد له رسائل مستقلة.
ولعل أول شيء استوقفني حين قرأت هذا الكتاب هو:
هل الكتاب من تأليف ابن حزم ذلك لأن الذي نسبه لابن حزم ظن أنه كتاب في الرد على العلم الإلاهي للرازي، ولابن حزم كتاب يرد به على الرازي في العلم الإلاهي ذكره كثيراً في كتاب الفصل وأشار إلى بعض ما يحتويه. ولكن هذا كتاب آخر في الرد على الكندي تليه رسائل وفصول لا تجمعها رابطة واحدة، وليس فيه إشارة واحدة إلى ابن حزم نفسه إذ ابن حزم يصدر أقواله دائماً بمثل: قال عليّ، أو قال أبو محمد. ولم يرد مثل هذا مرة واحدة في الكتاب بل جاء فيه حيناً: قال محمد، وحيناً قال الموحد. وإذا حسبنا أن " قال محمد " خطأ صوابه: قال (أبو) محمد، وأن لفظة " أبو " قد سقطت سهواً من الناسخ لم نجد عبارة " قال الموحد " مما يستعمله ابن حزم في كتبه، ولم يشر أحد فيما أعلم إلى أن لابن حزم كتاباً في الرد على الكندي أو رسالة في اتفاق العدل والقدر، ولم يشر ابن حزم نفسه إلى شيء من ذلك، ومن عادته أن يسمي بعض كتبه في مادة واحدة، وقد كان من الممكن أن يشير إلى هذا الكتاب في كتاب الفصل مثلاً حيث عالج مسألة أسماء الله تعالى وصفاته وتحدث عن الدهرية وعن القدر، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث. ومن هنا نشأة الحيرة وثار التساؤل: من هو مؤلف هذا الكتاب
وفي محاولتي الإجابة عن هذا السؤال طرحت على نفسي سؤالاً آخر وهو: هل اطلع ابن حزم على فلسفة الكندي وبعد البحث وجدت ما يؤيد وجود صلة بين بعض الأفكار عند كل منهما إلا أن ابن حزم لم يذكر الكندي فيما أعلم إلا في نقل واحد في كتاب الجمهرة (١) ؛ وهذه هي أهم مجالات الاتفاق بينهما:
١ - المصطلح المنطقي الذي استعمله ابن حزم في كتاب التقريب شديد الشبه بالمصطلح المنطقي لدى الكندي.
٢ - يستعمل ابن حزم في إنكار الخلاء والملاء في كتاب الفصل وكتاب التقريب نفس البرهان الذي يورده الكندي.
стр. 971
٣ - يرى ابن حزم أن ليس في العالم جزء لا يتجزأ (١) أصلاً وللكندي رسالة في بطلان قول من زعم أن جزءاً لا يتجزأ. فهما متفقان في الفكرة ولكن لا ندري إلى أي حد يتفقان في طريقة البرهان لأن رسالة الكندي لم تصلنا.
٤ - ذهب ابن حزم إلى القول بأن الواحد ليس عدداً وبرهانه على ذلك أن خاصية العدد أن يوجد عدد آخر مساو له وآخر ليس مساوياً له، والمساواة هي أن تكون أبعاضه كلها مساوية له وبعضها غير مساو له (٢) وهذا مشبه لقول الكندي: " وإن كان الواحد كمية فخاصة الكمية تلحقه وتلزمه أعني أنه مساو ولا مساو ". ويستنتج الكندي أن الواحد إذن ليس عدداً ويقول: الواحد ليس بعدد بالطبع بل باشتباه الأسم (٣) ، وبنحو من هذا القول قال ابن حزم إذ يذهب إلى أن تسميته بالعدد أمر مجازي.
٥ - قال الكندي: " وقد ينبغي ألا يطلب في إدراك كل مطلوب الوجود البرهاني لأنه ليس كل مطلوب عقلي موجوداً بالبرهان لأنه ليس لكل شيء برهان ". وبمثل هذا يقول ابن حزم: " والمشاهدات التي لا يجوز أن يطلب عليها برهان، إذ لو طلب على كل برهان آخر لاقتضى ذلك وجود أشياء لا نهاية لها وهذا محال " (٤) . وكرر هذا الرأي في كتاب التقريب.
٦ - تحديد الباري عند كل منهما يكاد يتفق نصاً، فيقول الكندي: " ولا هو عنصر ولا جنس ولا نوع ولا شخص ولا فصل ولا خاصة ولا عرض عام ولا حركة ولا نفس ولا عقل ولا كل ولا جزء.... ولا هو زمان ولا مكان ولا جوهر ولا عرض " (٥) . ويقول ابن حزم: " والباري ليس في مكان ولا هو جرم ولا جوهر ولا عرض ولا عدد ولا جنس ولا نوع ولا شخص ولا متحرك ولا ساكن فليس في زمان وإنما هو حق في ذاته موجود بمعنى أنه معلوم " (٦) .
٧ - استعمل ابن حزم رأي الكندي في أن الشيء لا يمكن أن يكون علة ذاته. قال
стр. 972
الكندي: " فنقول إنه ليس ممكناً أن يكون الشيء علة كون ذاته.... لأنه لا يخلو من أن يكون أيسا وذاته ليس أو يكون ليساً وذاته أيس " (١) وقد وضع ابن حزم بدل لفظي " أيس وليس " كلمتي موجود ومعدوم فقال: " إما أن يكون أحدث ذاته وهو موجود وهي معدومة أو أحدث ذاته وهو معدوم وذاته موجودة أو أحدثها وكلاهما موجود أو أحدثهما وكلاهما معدوم " (٢) .
فإذا استأنسنا التشابه بصور التشابه بين آراء الكندي وابن حزم لم نستبعد أن يكون ابن حزم قد اطلع على رسائل الكندي فأخذ من أفكاره ما وافق مبادئه وأنكر عليه ما أنكره في هذا الكتاب.
ومن المرجحات التي تقوي نسبة الكتاب إليه أن الفكرة الأساسية في كتابه توافق الرأي الأساسي لابن حزم في مسألة أسماء الله تعالى، ومدار الرد على الكندي أنه لا يجوز لنا أن نسمي الله (علة) لسببين عقلي ونقلي. أما العقلي فهو أن العلة تفترض المعلول ولا تنفك عنه، كما أن المعلول يفترض العلة ولا ينفك عنها. فالعلاقة بين العلة والمعلول علاقة إضافة. وقد أخطأ الكندي حين نفى الإضافة أولا عن الله ثم عاد يسميه علة، " فالمعلول نوع لعلته والعلة أصل لمعلولها " ولا يمكن من هذا التأليف أن يوجد التضامن القائم بينهما، إذن فإن التضامن من محرك غيرهما ليس مثلهما لا محالة، والله هو مبدع العلل وليس له مثل، وليس هو لشيء علة، إذ العلة في العقول الصحيحة هي السبب المطبوع لكون المسبب لا محالة، فالأول جل وعز لا سبب لأنه هو محدث الأسباب.
وأما السبب النقلي فلم يقف عنده المؤلف في هذا الكتاب ولكنه ملموح من كلامه، وهو أن لفظ العلة لا يسمى به الله لأنه لا يجوز لنا أن نطلق عليه اسماً غير وارد نصاً في الأسماء التسعة والتسعين، وهذا ما وقف عنده ابن حزم في كتاب الفصل في مواطن متفرقة وكرره دون ملل فقال مثلاً: " فمن وصف الله تعالى بصفة يوصف بها شيء من خلقه أو سماه باسم يسمى به شيء من خلقه استدلالاً على ذلك بما وجد في خلقه فقد شبهه تعالى بخلقه وألحد في أسمائه وافترى الكذب، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلا بما سمى به نفسه أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله
стр. 973
عليه وسلم أو صح به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقن ولا مزيد " (١) .
فالفكرة الأساسية في هذا الرد متفقة تمام الاتفاق ورأي ابن حزم في أسماء الله تعالى صفاته كما أن هذه العبارة التي وردت في الرد وهي " من المقلوب قياس أمور خالقنا على قياس أنفسنا " إنما هي لب المفهوم العام الذي بنى عليه ابن حزم فكرته في التنزيه وما تفرع عنه من مسائل ويكاد يقولها نصاً في بعض المواطن من كتبه.
كذلك وصف قول داود القياسي " إن الله لم يزل متكلماً " بأنه مذهب مدخول يتفق وقول ابن حزم في الفصل: " ومن قال إن شيئاً غير الله تعالى لم يزل مع الله فقد جعل لله شريكاً " (٢) غير أنه حين قال: " ولكنا نقول إنه لم يزل متكلماً منذ خلق القلم ولا يزال إلى يوم القيامة " فذلك رأي لم يجيء فقي كتاب الفصل.
وليس في المناظرة التي دارت بين المؤلف وأحد الدهرية مما يستبعد نسبته إلى ابن حزم لأنها تشبه طريقته في الجدل وهو يحدثنا أنه كان يناظر الدهريين.
وكل ما تقدم محاولة لتوضيح الأسباب التي تقوي نسبة هذا الكتاب إلى ابن حزم.
ومع ذلك فهناك أمور أخرى ما تزال تبعد نسبة هذا الكتاب عنه، ومنها أنه لم يذكر الكندي في كتبه الأخرى ولم يشر إلى رد له عليه، ولم يرد أي ذكر لهذا الكتاب عند أحد ممن ترجم لابن حزم، وهذه وإن كانت أسباباً لا تقطع بشيء إلا أنها تقوي الجانب الذي ينفي نسبة الكتاب إليه. وهناك مسألة تحتاج شيئاً من التأمل وهي أن هذا الكتاب فيما يبدو جهد رجلين لا واحد، فقد جاء فيه " أخشى أن يكون هذا الكندي الشقي كان زنديقاً، فإن كانت هذه بصيرته وإياها قصد فما أرى في جهنم أسفل درجة منه، فإن لم يكن قصدها " والشيخ " دبرها على لسانه فهو معه في أسفل السافلين، فإذا لم تكن كلمة " والشيخ " محرفة، فها هنا شخص يلخص آراء الكندي ويرد عليها وشخص يعلق على ذلك تعليقاً آخر. فإذا كانت محرفة ووضعنا مكنها مثلاً كلمة " الشيطان " صح أن الكتاب من جهد رجل واحد.
ومما قد يضعف نسبة الكتاب إلى ابن حزم عبارات وردت فيه استبعد صدورها عنه مثل:
стр. 974
١ - " فالعلم معرفة العلل والرسوخ فيه بقدر الرسوخ " فهذا لا يقوله ابن حزم أبداً لأن العلم عنده يبطل العلل جملة أحياناً، فقد أنكر هو العلل في أحكام الشرائع.
٢ - " ونحن لا نتمكن من صفة العلة التي من جهتها أخطأت الجهمية لأنه من الكلام في الصفات العلى التي لم يبح لنا نبينا ﷺ الكلام فيها ولا يتجاوزها علم القلوب "، وهذا لا يقوله ابن حزم لأنه يناقش أصحاب النحل في أدق شبهاتهم دون تحرج كما يشهد بذلك كتاب الفصل.
٣ - " فالإمكان هي الإرادة هي الملك هي العرض وهو الغاية القصوى والنهاية العظمى والفصل الأكبر " وهذا قول يشبه التفسير الباطني ولا أرى له بابن حزم نسباً.
هذا وقد أكثر ابن حزم الحديث عن الجواهر والعرض في كتبه فلم يقل إن الجواهر ينقسم قسمين روحاني وجسماني والعرض ينقسم قسمين كذلك. وتكلم عن المرجئة والخوارج والجهمية، وليس في ما كتبه مشابه لما جاء هنا؛ وأشد من هذا وأبين كلامه عن " الروح "، فالكلام عنها في هذا الكتاب منقطع الصلة بكلامه عنها في كتاب الفصل، واحسب الفصل الذي عقده المؤلف للكلام عن الروح في هذا الكتاب شاذاً إذا قارناه بما جاء في الفصل كذلك، فإن في هذا الكتاب حديثاً فذاً مدهشاً عن " الثنائية الكونية " يستحق أن يكرر، وابن حزم شغوف بترديد أفكاره وتكريرها، فلو كان هذا من آرائه لبسطه وفصله في مواضع أخرى.
وهذه كلها حجج تناهض ما قدمته من براهين على نسبة الكتاب لابن حزم: فأيها يرجح الدارس
على الرغم من قوة الأدلة في الرأي الأول أراني أرجح أن هذا الكتاب ليس من مؤلفات ابن حزم. أما الاتفاق في الآراء بين ابن حزم والكندي فلا يثبت أن ابن حزم أخذ فلسفة الكندي بطريق مباشر وإنما هو أخذ بعض الآراء الأرسطاطاليسية، فالتقى فيها مع الكندي نفسه.
لقد قرأ ابن حزم الفلسفة على أستاذه محمد بن الحسن المذحجي ووصفه بأنه أهل التمكين في علوم الأوائل (١) وأن كلامه في هذه الأمور كلام من يقتدي به، وعنه أخذ المنطق كما قدمناه فصلته بالمذحجي في الدراسات المنطقية والفلسفية صلة قوية،
стр. 975
ولكن لا ندري على وجه التحقيق ما هو الاتجاه الفلسفي الذي كان المذحجي آخذاً فيه.
ترى هل هذا الكتاب من تأليف المذحجي نفسه واطلع عليه ابن حزم وزاد فيه بعض تعليقات من لدنه هل هو مذكرات متفرقة كتبها ابن حزم في دور مبكر أثناء طلبه الفلسفة هل هو من تأليف أحد الظاهرية الذين تابعوا ابن حزم في مسألة الصفات والأسماء كل هذه فروض يصعب ترجيح أحدها، ولكن إن صح أن هذا الكتاب من تأليف " محمد " المذحجي فإنه يكشف لنا عن أثر هذا الأستاذ في ابن حزم تلميذه في الفكر الفلسفي والمصطلح وفي الناحية الكلامية.
- ٥ -
تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول
هذا مسرد لطيف مفيد، وهو لا يمثل رسالة مستقلة لأنه مسخرج من كتاب النبذ الكافية في أصول أحكام الدين، ولكن الحاقه بنسخه كتاب التقريب التي قرئت على ابن حزم نفسه، وكان يمتلكها أبو عبد الله الرصافي، ربما دل على أن ابن حزم نفسه أذن بإفراد هذا " المعجم "؛ الذي كرره ابن حزم أيضاً في كتابه الإحكام في أصول الأحكام؛ وهو متسق في بابه مع نظرة ابن حزم لقضايا الجدل والبرهان حسب ما عرض لها في كتاب التقريب لحد المنطق، إذ الجدل والبرهان لا تتم شروطها قبل تحديد المصطلح.
الرموز المستعملة في هذا الجزء
ص: الأصل حين يكون الاعتماد على نسخة مفردة.
س: النسخة التونسية من التقريب.
م: نسخة إزمير من التقريب.
ر: رسائل الكندي (في رسالة الرد على الكندي) .
стр. 976
١ - رسالة مراتب العلوم
стр. 977
فراغ
стр. 978
- ١ -
رسالة مراتب العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
رسالة مراتب العلوم
قال الفقيه الإمام الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم، ﵀: الحمد لله رب العالمين الذي أفاض علينا النعم الجزيلة، ومنحنا القوى الرفيعة، حمداً يرضيه عنا، ويقتضي لنا المزيد من آلائه (١) ومواهبه السنية، وصلى الله على سيدنا محمد، خيرته من الإنس، وصفوته من ولد آدم، المبعوث بالهدى لاستنفاذ من اتبعه من ظلمات الكفر وعمى الجهل إلى نور العلم.
أما بعد: فإن الله تعالى كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق، وخصهم على سائر خليقته بالتمييز الذي مكنهم به من التصرف في العلوم والصناعات. فواجب على المرء ألا يضيع وديعة خالقه عنده، وأن لا يهمل عطية باريه لديه، بل فرض عليه أن يصونها باستعمالها فيما له خلق، وأن يحوطها في تصريفها فيما دعي إليه.
وبعد: فإن لكل مقام مقالاً، ولكل زمان حالاً، وإن السالفين قبلنا كانت لهم علوم يواظبون على تعليمها، ويورثها الماضي منهم الآتي. ثم إن من تلك العلوم ما بقي وبقيت الحاجة إليه، ومنها ما درس رسمه، ودثرت أعلامه، وانبت (٢) جملةً فلم يبق إلا أسمه. فمن ذلك علم السحر، وعلم الطلسمات (٣) ، فإن بقاياها ظاهرة
стр. 979
لائحة، وقد طمس معرفة علمها، ومن ذلك علم الموسيقى وأصنافها الثلاثة، فإن الأوائل يصفون أنه كان منها [ما] يشجع الجبناء وهو اللوي، ونوع ثان يسخي البخلاء وأظنه الطنيني، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر (١) . وهذه صفات معدومة من العالم اليوم جملة. فاعلموا أسعدكم الله بتوفيقه أن من رأيتموه يدعي علم الموسيقى واللحون، وعلم الطلسمات، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح، وكذلك من وجدتموه يتعاطى علم الكيمياء فإنه قد أضاف إلى هذه الصفات الذميمة التي ذكرنا استئكال (٢) أموال الناس، واستحلال التدليس في النقود وظلم من يعامل في ذلك، والتغرير بروحه وبشرته في جنب ما يعاني من هذه الرذيلة. فإن العلمين المذكورين أولاً، وإن كانا قد عدما وانقطعا ألبتة، فقد كانا موجودين دهوراً. وأما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز (٣) ، فلم يزل عدماً غير موجود. وباطلاً لم يتحققساعةً من الدهر؛ إذ من المحال الممتنع قلب نوع إلى نوع، ولا فرق بين أن يقلب نحاس إلى أن يصير ذهباً أو قلب ذهب إلى أن يصير نحاساً، وبين قلب إنسان إلى أن يصير حماراً، أو قلب حمار إلى أن يصير إنساناً. وهكذا سائر الأنواع كلها، وهذا ممتنع ألبته، وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمد (٤) لا إله إلا هو، فلا وجه للاشتغال بلعم قد دثر وعدم، وإنما الواجب أن يتهمم المرء بالعلوم الممكن تعلمها التي قد يتنفع بها في الوقت، وأن يؤثر منها بالتقديم ما لا يتوصل إلى سائره إلا به ثم الأهم فالأهم والأنفع فالأنفع، فإن من رام الاتقاء إلى أرفع العلوم دون معاناة ما (٥) لا يوصل إليه إلا به، كمن رام الصعود إلى عليةٍ مفتحة مظلمة أنيقة البناء دون أن يتكلف التنقل إليه في الدرج (٦) والمراقي التي لا سبيل إلى تلك العلية إلا بها.
стр. 980
وليس للمرء إلا داران: دار الدنيا، ودار معاده إذا فارق الدنيا؛ وبيقين ندري (١) أن مدة المقام في هذه الدار إنما هي أيام قلائل. وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينتفع به إلا في هذه الدار من العلوم رأي فائل، وسعي (٢) خاسر، لأن المنتفع به في هذه الدار من العلوم، إنما هو ما اكتسب به المال، أو ما حفظت به صحة الجسم فقط، فهما وجهان لا ثالث لهما. فأما العلوم التي يكتسب بها المال فإن وجه المكسب بها ضيق غير متسع، واكتساب المال بغير العلم أجدى وأشد توصلاً إلى المراد من التوسع في [العلم] (٣) لكسب المال، كصحبة السلطان وعمارة الأرض والتقلب في التجارات. وهذه الوجوه كلها قد نجد الجاهل الأغتم أنفذ (٤) فيها من العالم النحرير؛ فإذ ذاك كذلك، فالشغل بطلب العلم ليكون سبباً إلى كسب المال والتعب فيه بهذه النية عناء (٥) وظلال، وفاعله قد جمع عيبين عظيمين: أحدهما ترك أخصر الطريقين إلى مطلوبه وأسهلها في التوصل إلى غرضه، ورك أوعرهما مسلكاً وأطولهما تعباً وأقلهما فائشدة وأبعدهما منفعة. والوجه الثاني أنه استعمل الفضيلة التامة التي بان بها عن الحشرات والبهائم في اقتناء حجارة لا يدري متى تدعه أو يدعها، وكان كمن أتعب نفسه وأسهر ليله وأطال كده في إقامة سيف هندي قاطع نفيس، وبنى داراً سرية أنيقة البناء محكمة النقوش (٦) ، موثقة الأساس، فلما تما له كما أراد جعل يستعمل في كسر العظام وقطع البقل، وأوقف الدار لطرح ما يكنس فيها من الحشيش (٧) ، فمن أخسر صفقة من هذا!!.
وأما العلم الذي ليس فيه إلا حفظ صحة الجسم فقط، فإن المتعب فيه بدنه،
стр. 981
المجهد لنفسه في تلقيه (١) وتقييده لا يحصل من تمامه لديه إلا على البصر (٢) في معاناة مرض لا يدري أيتم له غرض من برئه أم لا يتم. ثم إن تم فليس على ثقة من عود ذلك الداء بعينه أشد ما كان، أو حدوث داء آخر مثل الذي استنفد طوقه في معاناته (٣) وأعضل منه. وأما المضمون المحتوم فإنه لا يقدر على دفع الموت إذا حل، ولا على علاج الزمانة إذا استحكمت؛ ولعل ذلك يحدث بمن أتعب نفسه في مداواته في أسرع من كر (٤) الطرف.
فمن تأمل ما ذكرنا، علم أن المنفعة بما قصد به من العلوم إلى المنفعة الخاصة، قليلة جداً وضعيفة العائدة جملة. إلا أن هذين الوجهين (٥) وإن كانا وتحي النفع قليلي الإجزاء (٦) لا تصالهما (٧) بالتعب في اقتناء العلم الذي هو سببهما، فلهذا حظ من النفع. وإنما الداء العياء، والذم الكامل، والخسارة المحضة، حال من اقتنى أرفع العلوم ليحصل به على كسب ال من غير وجهه، وصرف ما علم في غير طريقه، فإن حال الجاهل الخاملة أجل (٨) من حال العالم، لما ذكرنا. ونسأل الله التوفيق ونعوذ به من الخذلان.
فإذ الأمر كما ذكرنا، فأفضل العلوم ما أدى إلى الخلاص في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء. فطالب هذه العلوم لهذه النية هو المستعيض تبعبٍ يسير راحة الأبد، وهو ذو الصفقة الرابحة والسعي المنجح الذي بذل قليلاً واستحق كثيراً،
стр. 982
وأعطى تافهاً وأخذ عظيماً (١) . وهو الذي عرف ما لا يبقى معه فزهد فيه، وميز ما لا يزايله فسعى له، ونسأل الله أن يجعلنا في عدادهم بمنه آمين.
وباليقين يدري كل ذي [لب] (٢) سليم أنه لا يتوصل إلى العلوم إلا بطلب، ولا يكون الطلب إلا بسماع وقراءة وكتاب، لا بد من هذه الثلاث خصال، وإلا فلا سبيل دونها إلى شيء من العلوم ألبتة. فإذ ذلك كذلك فلنتكلم بعون الله تعالى على وجه التوصل إلى العلوم، وبيان أفضلها صفةً وأعلاها قدراً، والذي بالناس إليه الضرورة الماسة، والفاقه الشديدة، والحد الذي لا يجزئ منه ما دونه، والنهاية التي لا وراء لها منه.
فالواجب على من ساس صغار ولدانه وغيرهم أن يبدأ منذ أول اشتدادهم وفهمهم ما يخاطبون به، وقوتهم على رجع الجواب وذلك يكون في خمس سنين أو نحوها من مولد الصبي فيسلمهم [إلى مؤدب] (٣) في تعليم الخط وتأليف الكلمات من الحروف، فإذا درب الغلام في ذلك، درس (٤) وقرأ. والحد الذي لا ينبغي أن يقتصر المعلم على أقل منه أن يكون الخط قائم الحروف، بيناً صحيح التأليف الذي هو الهجاء، فإن الخط إن لم يكن هكذا لم يقرأ إلا بتعب شديد. وأما التزيد في حسن الخط فليس هو فضيلة بل لعله داعية إلى التعلق بالسلطان، فيفني دهره إما في ظلم الناس، وإما في تسويد القراطيس بتواقيع بعيدة (٥) من الحق، مشحونة بالكذب والباطل، فيضيع زمانه باطلاً، وتخسر صفقته، ويندم حين لا ينفعه الندم، وكان كإنسان مسكاً كثيراً فترك أن يصرفه في التطييب به ومداواة النفوس بريحه وفغوته (٦) وأقبل يطيب به البهائم، ويصبه في الطريق حتى فني في غير فائدة. فهذا [حدّ] تعليم الكتاب.
стр. 983
وحد تعلم القراءة أن يمهر في القراءة لكل (١) كتاب يخرج من يده بلغته التي يخاطب بها صقعه، وينفذ فيه، ويحفظ مع ذلك القرآن، فإنه يجمع بذلك وجوهاً كثيرة عظيمة، أحدها التدرب في القراءة له وتمرين (٢) اللسان على تلاوته فيحصل من ذلك حداً، إلى ما يحصل من عهوده الفاضلة ووصاياه الكريمة، ليحدها عدةً عنده مدخرةً لديه قبل حاجته إليها يوم حاجته إليها (٣) .
فإذا نفذ في الكتاب والقراءة كما ذكرنا. فلينتقل إلى علم النحو واللغة معاً:
ومعنى النحو: هو معرفة تنقل هجاء اللفظ وتنقل حركاته الذي يدل كل ذلك على اختلاف المعاني كرفع الفاعل ونصب المفعول، وخفض المضاف، وجزم الأمر والنهى، وكالياء في التثنية والجمع، في النصب وخفضهما، وكالألف في رفع التثنية، والواو في رفع الجمع وما أشبه ذلك. فإن جهل هذا العلم عسر عليه علم ما يقرأ من العلم.
واللغة: هي ألفاظ يعبر عن المعاني فيقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس وكتبهم المؤلفة، ويقتضي من اللغة المستعمل الكثير التصرف. وأقل ما يجزئ من النحو " كتاب الواضح " للزبيدي (٤) أو ما نحا نحوه " كالموجز " لابن السراج (٥) ، وما اشبه هذه الأوضاع الحقيقة، وأما التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأكود، ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي تكاذيب فما وجه الشغل بما هذه صفته وأما من هذا العلم فهي المخاطبة،
стр. 984
وما بالمرء حاجة إليه في قراءة (١) الكتب المجموعة في العلوم فقط. فمن يزيد في هذا العلم إلى إحكام كتاب سيبويه فحسن، إلا أن الاشتغال بغير هذا أولى وأفضل، لأنه لا منفعة للتزيد على المقدار الذي ذكرنا إلا لمن أراد أن يجعله معاشاً، فهذا وجه فاضل لأنه باب من العلم على كل حال.
والذي يجزئ من علم اللغة كتابان: أحدهما " الغريب المنصف " لأبي عبيد، والثاني " مختصر العين " للزبيدي، ليقف على المستعمل بهما، ويكون ما عدا المستعمل منهما عدة لحاجة إن عنت يوماً ما في لفظ مستغلق فيما يقرأ من الكتب. فإن أوغل في علوم اللغة حتى يحكم " خلق الإنسان " لثابت، و " الفرق " له (٢) ، و " المذكر والمؤنث " لابن الأنباري و " المدود والمقصور والمهموز " لأبي عليّ القالي و " النبات " لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري، وما أشبه ذلك فحسن بخلاف ما قلنا في علل النحو، لأن اللغة كلها حقيقة وذات أوضاع صحاح وعبارات عن المعاني، ولو كانت اللغة أوسع حتى يكون لكل معنى في العالم أسم مختص به، لكان أبلغ للفهم وأجلى للشك وأقرب للبيان، إلا أن الاقتصار على المقداد الجاري مما ذكرنا، والانصراف إلى الأهم والأوكد من سائر العلوم، أولى.
وإن كان مع ما ذكرنا رواية شيء من الشعر فلا يكن إلا من الأشعار التي فيها الحكم والخير، كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ﵃، وكشعر صالح بن عبد القدوس ونحو ذلك، فإنها نعم العون على تنبيه النفس.
وينبغي أن يتجنب من الشعر أربعة أضرب:
أحدها: الأغزال والرقيق: فإنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة، وتحض على الفتوة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات (٣) وتسهل الانهماك في الشطارة والعشق وتنهى عن الحقائق، حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك والفساد في الدين وتبذير
стр. 985
المال في الوجوه الذميمة وإخلاق وإذهاب المروءة وتضييع الواجبات. وإن سماع شعر رقيق لينقض بنية المرء الرائض لنفسه حتى يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهة، لا سيما ما كان يعني (١) بالمذكر وصفة الخمر والخلاعة، فإن هذا النوع يسهل الفسوق ويهون المعاصي ويردي جملة.
والضرب الثاني: الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب كشعر عنترة وعروة بن الورد وسعد (٢) بن ناشب وما هنالك، فإن هذه أشعار تثير النفوس وتهيج الطبيعة وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق، وربما أدته إلى هلاك نفسه في غير حق، وإلى خسارة الآخرة، مع إثارة الفتن وتهوين الجنايات والأحوال الشنيعة والشره إلى الظلم وسفك الدماء.
والضرب الثالث: أشعار التغرب، وصفات المفاوز والبيد المهامه، فإنها تسهل التحول والتغرب وتنشب المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى.
والضرب الرابع: الهجاء، فإن هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه، فإنه يهون على المرء الكون في حالة أهل السفه من كناسي الحشوش (٣) والمعاناة لصنعة الزمير المتكسبين بالسفاهة والنذالة والخساسة وتمزيق الأغراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآباء والأمهات، وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة.
ثم صنفان من الشعر لا ينهى عنهما نهياً تاماً ولا يحض عليهما بل هما عندنا من المباح الكروه وهما: المدح والرثاء: فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الموت والممدوح، وهذا يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال، وأما كراهتنا لهما فإن أكثر ما في هذين النوعين الكذب، ولا خير في الكذب.
وأيضاً فإن الإكثار من رواية الشعر، هو كسب غير محمود، لأنه [من] طريق