← Гариб и словари

Гариб и словари · id 10414

الفروق اللغوية - ت محمد سليم

أبو هلال العسكري

Полный текст (293 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَهُوَ اسْم للنعمة الْعَظِيمَة الْفرق بَين الإفصال وَالتَّفْصِيل أَن الإفصال من الله تَعَالَى نفع تَدْعُو إِلَيْهِ الْحِكْمَة وَهُوَ تَعَالَى يفضل لَا محَالة لِأَن الْحَكِيم لَا يُخَالف مَا تَدْعُو اليه الْحِكْمَة وَهُوَ كالإنعام فِي وجوب الشُّكْر عَلَيْهِ وَأَصله الزِّيَادَة فِي الْإِحْسَان والتفصل التخصص بانفع الَّذِي يوليه الْقَادِر عَلَيْهِ وَله أَلا يوليه وَالله تَعَالَى متفضل بِكُل نفع يتعطيه إِيَّاه من ثَوَاب وغيؤه فَإِن قلت الثَّوَاب وَاجِب من جِهَة أَنه جَزَاء على الطَّاعَة فَكيف يجوز أَلا يَفْعَله قُلْنَا لَا يَفْعَله بألا يفعل سَببه الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ الْفرق بَين المتفضل والفاضل أَن الْفَاضِل هُوَ الزَّائِد على غَيره فِي خصْلَة من خِصَال الْخَيْر وَالْفضل الزِّيَادَة يُقَال قضل الشَّيْء فِي نَفسه غذا زَاد وفضله غَيره غذا زَاد عَلَيْهِ وفضله بِالتَّشْدِيدِ إِذا أخبر بِزِيَادَتِهِ على غَيره وَلَا يُوصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ فَاضل لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان الْفرق بَين النِّعْمَة وَالرَّحْمَة أَن الرَّحْمَة الإنعمام على الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك النِّعْمَة لِأَنَّك إِذا أَنْعَمت بِمَال تعطيه إِيَّاه فقد أَنْعَمت وَلَا تَقول إِنَّك رَحمته الْفرق بَين الرَّحْمَن والرحيم أَن الرَّحْمَن على مَا قَالَ ابْن عَبَّاس أرق من الرَّحِيم يُرِيد أَنه أبلغ فِي الْمَعْنى لِأَن الرقة والغلظة لَا يُوصف الله تَعَالَى بهما وَالرَّحْمَة من الله تَعَالَى على عباده وَنعمته عَلَيْهِم وَنعمته عَلَيْهِم فِي بَاب الدّين وَالدُّنْيَا واجمع الْمُسلمُونَ أَن الْغَيْث رَحمَه من الله تَعَالَى وَقيل معنى قَوْله رَحِيم أَن من شَأْنه الرحمه وَهُوَ على تَقْدِيم نديم والرحمن فِي تَقْدِير ندمان وَهُوَ اسْم خص بِهِ الْبَارِي جلّ وَعز وَمثله فِي التَّخْصِيص قَوْلنَا لهَذَا النَّجْم سماك وَهُوَ مَأْخُوذ من السّمك الَّذِي هُوَ الاتفاع وَلَيْسَ كل مُرْتَفع سماكا وَقَوْلنَا للنجم الآخر دبران لِأَنَّهُ يدبر الثريا وَلَيْسَ كل

стр. 177

مَا دبر شَيْئا يمسى دبرانا فَأَما قَوْلهم لمُسَيْلمَة رحمان الْيَمَامَة فشيء وَضعه لَهُ أَصْحَابه على وَجه الْخَطَأ كَمَا وضع غَيرهم اسْم الإلهية لغير الله وَعِنْدنَا أَن الرَّحِيم مُبَالغَة لعدوله وَأَن الرَّحْمَن أَشد مبالغ فَكلما كَانَ أَشد عُدُولًا كَانَ أَشد مُبَالغَة الْفرق بَين الرَّحْمَة والرقة أَن الرقة والغلظة يكونَانِ فِي الْقلب وَغَيره خلقه وَالرَّحْمَة فعل الراحم وَالنَّاس يَقُولُونَ رق لَهُ فرحمه يجْعَلُونَ الرقة سَبَب الرَّحْمَة الْفرق بَين الشَّقِيق والرفيق أَنه قد يرق الأنسان لمن لَا يشفق عَلَيْهِ كَالَّذي يئد الموءودة فيرق لَهَا لَا محَالة لِأَن طبع الإنسانية يُوجب ذَلِك وَلَا يشفق عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَو أشْفق عَلَيْهَا مَا وأدها الْفرق بَين الرأفة وَالرَّحْمَة أَن الرافة أبلغ من الرَّحْمَة وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن قَوْله (رؤوف رَحِيم) تَقْدِيمًا وتأخيرا أَرَادَ أَن التوكيد يكون فِي الأبلغ فِي الْمَعْنى فَإِذا تقدم الأبلغ فِي اللَّفْظ كَانَ الْمَعْنى مُؤَخرا الْفرق بَين الْمَنْفَعَة وَالْخَيْر أَن من الْمعْصِيَة مَا يكون مَنْفَعَة وَقد شهد الله تَعَالَى بذلك فِي قَوْله (قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس) وَمَا كَانَت فِيهِ مَنْفَعَة فَهُوَ مَنْفَعَة وَلَا تكون الْمعْصِيَة خيرا وَقد أجريت الصّفة بِنَافِع على الْمُوجب للنفع فَقيل طَعَام ودواء نَافِع الْفرق بَين المنعفة وَالنعْمَة أَن الْمَنْفَعَة تكون حَسَنَة وقبيحة كَمَا أَن الْمضرَّة تكون حَسَنَة وقبيحة وَالْمَنْفَعَة القبيحة منفعتك الرجل تَنْفَعهُ ليسكن اليك فتغتاله وَالنعْمَة لَا تكون إِلَّا حَسَنَة وَيفرق بَينهمَا أَيْضا فَتَقول الْإِنْسَان يجوز أَن ينفع نَفسه وَلَا يجوز أَن ينعم عَلَيْهَا الْفرق بَين الْمَتَاع وَالْمَنْفَعَة أَن الْمَتَاع النَّفْع الَّذِي تتعجل بِهِ اللَّذَّة وَذَلِكَ إِمَّا لوُجُود اللَّذَّة وَإِمَّا بِمَا يكون مَعَه اللَّذَّة نَحْو المَال الْجَلِيل وَالْملك

стр. 178

النفيس وَقد يكون النَّفْع بِمَا تتأجل بِهِ اللَّذَّة نَحْو إصْلَاح الطَّعَام وتريد المالء لوقت الْحَاجة إِلَى ذَلِك الْفرق بَين الإنعام والتمتع أَن الإنعمام يُوجب الشُّكْر والتمتع كَالَّذي يمتع الْإِنْسَان بِالطَّعَامِ وَالشرَاب ليستنيم غليه فيتمكن من اغتصاب مَاله والإتيان على نَفسه الْفرق بَين الْخَيْر وَالنعْمَة أَن الْإِنْسَان يجوز أَن يفعل بِنَفسِهِ الْخَيْر كَمَا يجوز أَن ينفعها وَلَا يجوز أَن ينعم عَلَيْهَا فالخير والنفع من هَذَا الْوَجْه متساويان والنفع هُوَ إِيجَاب اللَّذَّة بِفِعْلِهَا أَو السَّبَب إِلَيْهَا ونقيضه الضّر هُوَ إِيجَاب الْأَلَم بِفِعْلِهِ أَو التَّسَبُّب إِلَيْهِ الْفرق بَين النِّعْمَة والنعماء أَن النعماء هِيَ النِّعْمَة الظَّاهِرَة وَذَلِكَ أَنَّهَا أخرجت مخرج الْأَحْوَال الظَّاهِرَة مثل الْحَمْرَاء والبيضاء وَالنعْمَة قد تكون خافية فَلَا تسمى نعماء الْفرق بَين اللَّذَّة وَالنعْمَة أَن اللَّذَّة لَا تكون إِلَّا مشتهاة وَيجوز أَن تكون نعْمَة لَا تشْتَهى كالتكليف وَإِنَّمَا صَار التلكيف نعْمَة لِأَنَّهُ يعود عَلَيْهَا بمنافع وملاذ وَإِنَّمَا سمي ذَلِك نعْمَة لِأَنَّهُ سَبَب للنعمة كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم سَببه الْفرق بَين النِّعْمَة والْمنَّة أَن الْمِنَّة هِيَ النِّعْمَة المقطوعة من جوانبها كَأَنَّهَا قِطْعَة وَلِهَذَا جَاءَت على مِثَال قِطْعَة وأصل الْكَلِمَة الْقطع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (لَهُم اجْرِ غير ممنون) أَي غير مَقْطُوع وَسمي الدَّهْر منونا لِأَنَّهُ يقطع بَين الإلف وَسمي الِاعْتِدَاد بِالنعْمَةِ منا لِأَنَّهُ يقطع الشُّكْر عَلَيْهَا الْفرق بَين الْإِحْسَان والإفصال أَن الْإِحْسَان النَّفْع الْحسن والإفضال النَّفْع الزَّائِد على أقل الْمِقْدَار وَقد خص الْإِحْسَان بِالْفَضْلِ وَلم يجب مثل ذَلِك فِي الزِّيَادَة لِأَنَّهُ جرى مجْرى الصّفة الْغَالِبَة كَمَا اخْتصَّ النَّجْم بالسماك

стр. 179

وَلَا يجب مثل ذَلِك فِي كل مُرْتَفع الْفرق بَين الْبر والقربان أَن القربان الْبر الَّذِي يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله وَأَصله الْمصدر مثل الكفران والشكران الْفرق بَين مَا يُخَالف النَّفْع وَالْإِحْسَان من الضّر وَالسوء وَغير ذَلِك مِمَّا يجْرِي الْفرق بَين الضّر والضر أَن الضّر خلاف النَّفْع وَيكون حسنا وقبيحا فالقبيح الظُّلم وَمَا بسبيله وَالْحسن شرب الدَّوَاء المر وَجَاء الْعَافِيَة والضر بِالضَّمِّ بِالضَّمِّ الهزال وَسُوء الْحَال وَرجل مضرور سيء الْحَال وَمن وَجه آخر أَن الضّر أبلغ من الضَّرَر لِأَن الضَّرَر يجْرِي على ضره يضرّهُ ضرا فَيَقَع على أقل قَلِيل الْفِعْل لِأَنَّهُ مصدر جَار على فعله كالصفة الْجَارِيَة على الفعلت والضر بِالضَّمِّ كالصفة المعدولة للْمُبَالَغَة الْفرق بَين الضّر وَالضَّرَّاء أَن الضراء هِيَ الْمضرَّة الظَّاهِرَة وَذَلِكَ أَنَّهَا أخرجت مخرج الْأَحْوَال الظَّاهِرَة مثل الْحَمْرَاء والبيضاء على مَا ذكرنَا الْفرق بَين الضراء والبأساء أَن البأساء ضراء مَعهَا خوف واصلها الْبَأْس وَهُوَ الْخَوْف يُقَال لَا بَأْس عَلَيْك أَي لَا خوف عَلَيْك وَسميت الْحَرْب بَأْسا فِيهَا من الْخَوْف والبائس الرجل إِذا لحقه بَأْس وَإِذا لحقه بؤس أَيْضا وَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تبيئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أَي لَا يلحقك بؤس ويجز أَن يكون من الْبَأْس أَي لَا يلحقك خوف يما فعلوا وَجَاء الْبَأْس بِمَعْنى الْإِثْم فِي قَوْلهم لَا بَأْس بِكَذَا أَي لَا إِثْم فِيهِ وَيُقَال أَيْضا لَا بَأْس فِيهِ أَي هُوَ جَائِز شَائِع الْفرق بَين الضّر وَالسوء أَن الضّر يكون من حَيْثُ لَا يعلم الْمَقْصُود بِهِ والسود لَا يكون إِلَّا من حَيْثُ يعلم وَمَعْلُوم أَنه يُقَال ضررت فلَانا من حَيْثُ لَا يعلم وَلَا يُقَال سؤته الا إِذا جاهرته بالمكروه

стр. 180

الْفرق بَين الْمضرَّة والإساءة أَن الْإِسَاءَة قبيحة وَقد تكون مضرَّة حَسَنَة إِذا قصد بهَا يحسن نَحْو الْمضرَّة بِالضَّرْبِ للتأديب وبالكد للتعلم والتعليم الْفرق بَين السوء وَالسوء ان السوء مصدر أضيف المنعوت اليه تَقول هُوَ رجل سوء وَرجل السوء بِالْفَتْح وَلَيْسَ هُوَ من قَوْلك سؤته وَفِي الْمثل لَا يعجز مسك السوء عَن عرف السوء أَي لَا يعجز الْجلد الرَّدِيء عَن الرّيح الرَّديئَة وَالسوء بِالضَّمِّ الْمَكْرُوه وَيُقَال سَاءَهُ يسوؤه إِذا لَقِي مِنْهُ مَكْرُوها وأصل الْكَلِمَتَيْنِ الْكَرَاهَة إِلَّا أَن اسْتِعْمَالهَا يكون على مَا وَصفنَا الْفرق بَين الْإِسَاءَة وَالسوء ان الْإِسَاءَة اسْم للظلم يُقَال أَسَاءَ إِلَيْهِ إِذا ظلمه وَالسوء اسْم الضَّرَر وَالْغَم يُقَال سَاءَهُ يسوؤه إِذا ضره وغمه وَإِن لم يكن ذَلِك ظلما الْفرق بَين الضّر وَالشَّر أَن السقم وَعَذَاب جَهَنَّم ضرّ فِي الْحَقِيقَة وَشر مجَازًا وَشرب الدَّوَاء المر رَجَاء الْعَافِيَة ضَرَر يدْخلهُ الْإِنْسَان على نَفسه وَلَيْسَ بشر وَالشَّاهِد على أَن السقم وَعَذَاب جَهَنَّم لَا يُسمى شرا على الْحَقِيقَة أَن فَاعله لَا يُسمى شريرا كَمَا يُسمى فَاعل الضّر ضارا وَقَالَ أَبُو بكر بن الاخشاد رَحمَه الله تَعَالَى السقم وَعَذَاب جَهَنَّم شَرّ على الْحَقِيقَة وَإِن لم يسم فاعلهما شريرا لِأَن الشرير هُوَ المنهمك فِي الشَّرّ الْقَبِيح وَلَيْسَ كل شَرّ قبيحا وَلَا كل من فعل الشَّرّ شريرا كَمَا أَنه لَيْسَ كل من شرب الشَّرَاب شريبا وَإِنَّمَا الشريب المنهمك فِي الشّرْب الْمَحْظُور وَالشَّر عِنْده ضَرْبَان حسن وقبيح فالحسن السقيم وَعَذَاب جَهَنَّم والقبيح الظُّلم وَمَا يجْرِي مجْرَاه قَالَ وَيجوز أَن يُقَال للشَّيْء

стр. 181

الْوَاحِد إِنَّه خير وَشر غذا أردْت بِأحد الْقَوْلَيْنِ إِخْبَار عَن عاقبته وَإِنَّمَا يكونَانِ نقيضين إِذا كَانَا من وَجه وَاحِد الْفرق بَين الصَّبْر والحلم أَن الْحلم هُوَ الْإِمْهَال بِتَأْخِير الْعقَاب الْمُسْتَحق والحلم من الله تَعَالَى من العصاه فِي الدُّنْيَا فعل يُنَافِي تَعْجِيل الْعقُوبَة من النِّعْمَة والعافية وَلَا يجوز الْحلم إِذا كَانَ فِيهِ فَسَاد على أحد من الْمُكَلّفين وَلَيْسَ هُوَ التّرْك لتعجيل الْعقَاب لِأَن التّرْك لَا يجوز على الله تَعَالَى لِأَنَّهُ فعل يَقع فِي مَحل الْقُدْرَة يضاد الْمَتْرُوك وَلَا يَصح الْحلم إِلَّا مِمَّن يقدر على الْعقُوبَة وَمَا يجْرِي مجْراهَا من التَّأْدِيب بِالضَّرْبِ وَهُوَ مِمَّن لَا يقدر على ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر من الْبَسِيط (لَا صفح ذل وَلَكِن صفح أَحْلَام ... ) وَلَا يُقَال لتارك الظُّلم حَلِيم إِنَّمَا يَا قَالَ حلم عَنهُ إِذا أخر عِقَابه أَو عَفا عَنهُ وَلَو عاقبه كَانَ عادلا وَقَالَ بَعضهم ضد الْحلم السفة وَهُوَ جيد لِأَن السَّفه خفَّة وعجلة وَفِي الْحلم أَنَاة وإمهال وَقَالَ الْمفضل السَّفه فِي الأَصْل قله المعرفو بِوَضْع الْأُمُور موَاضعهَا وَهُوَ ضعف الرَّأْي قَالَ أَبُو هِلَال وَهَذَا يُوجب أَنه ضد الْحلم لِأَن الْحلم من الْحِكْمَة وجود الْفِعْل على جِهَة الصوال قَالَ الْمفضل ثمَّ اجري السفة على كل جهل وخفة يُقَال سفه رايه سفها وَقَالَ الْفراء سفه غير مُتَعَدٍّ وَإِنَّمَا ينصب رَأْيه على التَّفْسِير وَفِيه لُغَة أُخْرَى سفه يسفه سفاهة وَقيل السَّفِيه فِي قَوْله تَعَالَى (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها) هُوَ الصَّغِير وَهَذَا يريجع إِلَى أَنه الْقَلِيل الْمعرفَة وَالدَّلِيل على أَن الْحلم أجْرى مجْرى الْحمة نقيضا للسفه قَول المتلمس من الطَّوِيل (لذِي الْحلم قبل الْيَوْم مَا تقرع الْعَصَا ... وَمَا علم الْإِنْسَان إِلَّا ليعما) أَي لذِي الْمعرفَة والتمييز وأصل السفة الخفة ثوب سَفِيه أَي خَفِيف

стр. 182

وأصل الحم فِي الْعَرَبيَّة الين وَرجل حَلِيم أَي لين فِي مُعَامَلَته فِي الْجَزَاء على السَّيئَة بالإناة وحلم فِي النّوم لِأَن حَال النّوم حَال سُكُون وهدوء واحتلم الْغُلَام وَهُوَ محتلم وحالم يرجع إِلَى قَوْلهم حلم فِي النّوم وحلمة الثدي الناتىء فِي طرف لما يخرج مِنْهَا من اللَّبن الَّذِي يحلم الصَّبِي وحلم الْأَدِيم ثقل بالحلم وَهُوَ قردان عَظِيمَة الملمس وتحلم الرجل تكلّف الحيم وَالصَّبْر حبس النَّفس المصادفة الكروه وصبيرر الرجل حبس نَفسه عَن إِظْهَار الْجزع والجزع إِظْهَار مَا يلْحق الْمُصَاب من المضض وَالْغَم وَفِي الحَدِيث يصبر الصابر وَيقتل الْقَاتِل والصابر هَهُنَا هُوَ الَّذِي هُوَ الَّذِي يصبر النَّفس عَن الْقَتْل وَلَا تجوز الصّفة على الله تَعَالَى بِالصبرِ لِأَن المضار لَا تلحقة وَتجوز الصّفة عَلَيْهِ بالحلم لِأَنَّهُ مدح وتعظيم وَإِذا قَالَ قَائِل اللَّهُمَّ حلمك عَن العصاة أَي إمهالك فَذَلِك جَائِز على شَرَائِط الْحِكْمَة من غير أَن يكون فِيهِ مفْسدَة وامهال الله تَعَالَى إيَّاهُم مُظَاهرَة عَلَيْهِم الْفرق بَين الصَّبْر وَالِاحْتِمَال أَن الِاحْتِمَال للشَّيْء يُفِيد كظم الغيظ فِيهِ وَالصَّبْر على الشدَّة يُفِيد حبس النَّفس علن الْمُقَابلَة عَلَيْهِ بالْقَوْل وَالْفِعْل وَالصَّبْر عَن الشَّيْء يُفِيد حبس النَّفس عَن فعله وَصَبَرت على خطوب الدَّهْر أَي حبست النَّفس عَن الْجزع عِنْدهَا وَلَا يسْتَعْمل الِاحْتِمَال فِي ذَلِك لِأَنَّك لَا تغتاظ مِنْهُ الْفرق بَين الْحلم والإمهال أَن كل حلم إمهال وَلَيْسَ كل إمهال حلما لِأَن تَعَالَى لَو أمْهل من أَخذه لم يكن هَذَا الإ مهال حلما لِأَن الْحلم صفة مدح والإمهال على هَذَا الْوَجْه مَذْمُوم وَإِذا كَانَ الْأَخْذ والإمهال سَوَاء فِي الاستصلاح فالإمهال تفضل والانتقام عدل وعَلى هَذَا يجب أَن يكون ضد الْحلم السَّفه إِذا كَانَ وَاجِبا لِأَن ضِدّه استفساد فَلَو فعله لم يكن ظلما إِلَّا أَنه لم يكن ظلما إِلَّا أَنه لم يكن حكمه أَلا ترى أَنه قد يكون الشَّيْء سفها وَإِن لم يكن

стр. 183

ضِدّه حلما وَهَذَا نَحْو صرف الثَّوَاب عَن المتسحق إِلَى غَيره لِأَن ذَلِك يكون ظلما من حَيْثُ حرمه من اسْتَحَقَّه وَيكون سفها من حَيْثُ وضع فِي غير مَوْضِعه وَلَو أعطي مثل ثَوَاب المطيعين من لم يطع لم يكن ذَلِك ظلما لأحد وَلَكِن كَانَ سفها لِأَنَّهُ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَلَيْسَ يجب أَن تكون إثابه الْمُسْتَحقّين حلما وَإِن كَانَ خلاف ذَلِك سفها فَثَبت بذلك أَن الْحلم يَقْتَضِي بعض الْحِكْمَة وَأَن السفة يضاد مَا كَانَ من الْحلم وَاجِبا لَا مَا كَانَ من تفضلا وَأَن السفة نقيض الْحمة فِي كل وَجه وَقَوْلنَا الله حَلِيم من صِفَات الْفِعْل وَيكون من صِفَات الذَّات بِمَعْنى أهل لِأَن يحلم إِذا عصي وَيفرق بَين الْحلم والإمهال من وَجه آخر وَهُوَ أَن الْحلم لَا يكون إِلَّا عَن الْمُسْتَحق للانتقام وَلَيْسَ كَذَلِك الْإِمْهَال أَلا ترى أَنَّك تمهل غريمك إِلَى مُدَّة وَلَا يكون ذَلِك مِنْك حلما وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز أَن يُمْهل أحد غَيره فِي وَقت إِلَّا ليأخذه فِي وَقت آخر الْفرق بَين الإمهات والإنظار أَن الإنظار مقرون بِمِقْدَار مَا يَقع فِيهِ النّظر والامهال مُبْهَم وَقيل الإنظار تَأْخِير العَبْد لينْظر فِي امْرَهْ والامهال تَأْخِيره ليسهل مَا يتكلفه من علمه الْفرق بَين الْحلم وَالْوَقار أَن الْوَقار هُوَ الهدوء وَسُكُون الْأَطْرَاف وَقلة الْحَرَكَة فِي الْمجْلس وَيَقَع أَيْضا على مُفَارقَة الطيش عِنْد الْغَضَب مَأْخُوذ من الوقر وَهُوَ الْحمل وَلَا تجوز الصّفة بِهِ على الله الْفرق بَين الْوَقار والسكينة أَن السكينَة مُفَارقَة الِاضْطِرَاب عِنْد الْغَضَب وَالْخَوْف وَأكْثر مَا جَاءَ فِي الْخَوْف أَلا ترى قَوْله تَعَالَى (فَأنْزل سكينته عَلَيْهِ) وَقَالَ (فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ) ويضاف إِلَى الْقلب كَمَا قَالَ تَعَالَى (هُوَ الَّذِي انْزِلْ الكسينة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ) فَيكون هَيْبَة وَغير هَيْبَة وَالْوَقار لَا يكون إِلَّا هَيْبَة الْفرق بَين ذَلِك وَبَين الرزانة أَن الرزانة تسعمل فِي الْإِنْسَان وَغَيره

стр. 184

فَهِيَ أَعم يُقَال رجل رزين أَي ثقيل وَلَا يُقَال حجر وقور الْفرق بَين الرجاحة والرزانة أَن الرجاحة أَصْلهَا الْميل وَمِنْهَا رجحت كفة الْمِيزَان إِذا مَالَتْ لثقل مَا فِيهَا وَمِنْهَا زن وأرجح يُوصف الرجل بالرجاحة على وَجه التَّشْبِيه كَأَنَّهُ وزن مَعَ غَيره فَصَارَ أثل مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ صفة تخْتَص الْإِنْسَان على الْحَقِيقَة أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال للأنسان ترجح على الْحَقِيقَة أَلا ترى أنهلا يجوز أَن يُقَال للانسان ترجح أَي كن راجحا وَلَكِن يُقَال لَهُ ترجح اي تمايل وَيجوز أَن يُقَال لَهُ ترزن أَي كن رزينا وَهِي أَيْضا تسعمل فِي التثبيت والسكون والرجاحة فِي زِيَادَة الْفضل فَالْفرق بَينهمَا بَين الْفرق بَين الْوَقار والتوقير أَن التوقير يسْتَعْمل فِي معنى التَّعْظِيم يُقَال وقرته إِذا عَظمته وَقد أقيم الْوَقار مَوضِع التوقير فِي قَوْله تَعَالَى (مَا لكم لَا ترجون لله وقارا) أَي تَعَظُّمًا وَقَالَ تَعَالَى (وتعزروه وتوقروه) وَقَالَ أَبُو احْمَد بن ابي سَلمَة ﵀ الله جلّ اسْمه لَا يُوصف بالوقار ويوصف الْعباد بِأَنَّهُم يوقرونه أَي يعظمونه وَلَا يُقَال إِنَّه وقر بِمَعْنى عَظِيم كَمَا يُقَال إِنَّه يوقر بِمَعْنى يعظم لِأَن الصّفة بالوقور بِمَعْنى عَظِيم كَمَا يُقَال إِنَّه يوقر بِمَعْنى يعظم لِأَن الصّفة بالوقور ترجع اليه إِذا وصف بهَا قَالَ ابو الْهلَال وَهِي غير لائقة بِهِ لِأَن الْوَقار مِمَّا تَتَغَيَّر بِهِ الهيبة قَالَ أَبُو أَحْمد وَالصّفة بالتوقير ترجع إِلَى من توقره قَالَ أَبُو هِلَال أيده الله تَعَالَى عندنَا أَنه يُوصف بالتوقير إِن وصف بِهِ على معنى التَّعْظِيم لَا لغير ذَلِك الْفرق بَين الْوَقار والسمت أَن السمت هُوَ حسن السُّكُوت وَقَالُوا هُوَ كالصمت فأبدل الصَّاد سينا كَمَا يُقَال خطيب مسقع ومصقع وَيجوز أَن يكون السمت حسن الطَّرِيقَة واستواءها من قَوْلك هُوَ على سميت الْبَلَد وَلَيْسَ السمت من الْوَقار فِي شَيْء الْفرق بَين الْحلم والأناة أَن الأناة هِيَ البطء فِي الْحَرَكَة وَفِي مقاربة الخطو فِي المشيء وَلِهَذَا يُقَال للْمَرْأَة البدينة أَنَاة قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل (رمته أَنَاة من ربيعَة عَامر ... نؤوم الضُّحَى فِي مأتم أَي مأتم)

стр. 185

وَيكون المُرَاد بهَا فِي صِفَات الرِّجَال المتهل فِي تَدْبِير الْأُمُور ومفارقة التَّعْجِيل فِيهَا كانه يقاربها مقاربة لَطِيفَة من قَوْلك أَنى الشَّيْء إِذا قرب وتأنى أَي تمهل ليَأْخُذ الْأَمر من قرب وَقَالَ بَعضهم الأناة السّكُون عِنْد الْحَالة المزعجة الْفرق بَينهَا بوين التؤدة أَن التؤدة الخفة فِي الْأُمُور وَأَصلهَا من قَوْلك وأده يئده غذا أثقله بِالتُّرَابِ وَمِنْه الموءودة وأصل التَّاء فِيهَا وَاو وَمثلهَا التخة وَأَصلهَا من الوخامة والتهمة وَأَصلهَا من وهمت والترة واصله من وترت فالتؤدة تفِيد من هَذَا خلاف مَا تفِيد الأناة وَذَلِكَ أَن الأناة تفِيد مقاربة الْأَمر والتسبب إِلَيْهِ بسهولة والتؤدة تفِيد مفارة الْخُف وَلَوْلَا أَنا رَجعْنَا إِلَى الِاشْتِقَاق لم نجد بَينهمَا فرقا وَيجوز أَن يُقَال إِن الأناة هِيَ المبالفة فِي الرِّفْق بالأمور والتسبب إِلَيْهَا من قَوْلك آن الشَّيْء إِذا انْتهى وَمِنْه حميم آن) وَقَوله (غير ناظرين إناه) أَي نهايته من النضج وَمِمَّا يُخَالف ذَلِك الْفرق بَين الطيش والسفة نقيض الْحِكْمَة على مَا وَصفنَا ويستعار فِي الْكَلَام الْقَبِيح فَيُقَال سفه إِذا أسمعهُ الْقَبِيح وَيُقَال للجاهل سَفِيه والطيش خفه مَعهَا خطأ فِي الْفِعْل وَهُوَ من قَوْلك طاش السهْم إِذا خف فَمضى فَوق الهدف فَشبه بِهِ الْخَفِيف المفارق الصَّوَاب الْفِعْل الْفرق بَين السرعة والعجلة أَن السرعة التَّقَدُّم فِي مَا يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم فِيهِ وَهِي محمودة ونقيضها مَذْمُوم وَهُوَ الإبطاء والعجلة التَّقَدُّم فِي مَا لَا يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم فِيهِ وَهِي مذمومة ونقيضها مَحْمُود وَهُوَ الأناة فَأَما قَوْله تَعَالَى (وعجلت إِلَيْك رب لترضى) فَإِن ذَلِك بِمَعْنى أسرعت

стр. 186

الْبَاب الْخَامِس عشر فِي الْفرق بَين الْحِفْظ وَالرِّعَايَة والحراسة وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك وَفِي الْفرق بَين الضَّمَان وَالْوكَالَة والزعامة وَمَا يقرب من ذَلِك الْفرق بَين الْحِفْظ وَالرِّعَايَة أَن نقيض الْحِفْظ الإضاعة ونقيض الرِّعَايَة الإهما وَلِهَذَا يُقَال للماشية إِذا لم يكن لَهَا رَاع همل وافهمال هُوَ مَا يُؤَدِّي إِلَى الضّيَاع فعلى هَذَا يكون الْحِفْظ رف المكاره عَن الشَّيْء لِئَلَّا يهْلك وَالرِّعَايَة فعل السَّبَب الَّذِي يصرف الماره عَنهُ وَمن ثمَّ يُقَال فلَان يرْعَى العهود بَينه وَبَين فلَان أَي يحفظ الْأَسْبَاب الَّتِي تبقى ت مَعهَا تِلْكَ العهودو وَمِنْه راعي الْمَوَاشِي لتفقده أمورها وَنفي الْأَسْبَاب الَّتِي يخْشَى عَلَيْهَا الضّيَاع فَأَما قَوْلهم للساهر إِنَّه يرْعَى النجومت فَهُوَ تَشْبِيه براعي الْمَوَاشِي لنه يراقبها كَمَا يراقب الرَّاعِي مواشيه الْفرق بَين الْحِفْظ والكلاءة أالكلاءة هِيَ إمالة الشَّيْء إِلَى جَانب يسلم فِيهِ من الافة وَمن ثمَّ يُقَال كلأت السَّفِينَة إِذا قربتها من الأَرْض والكلاء مرفأ السَّفِينَة فالحفظ أَعم لِأَنَّهُ جنس الْفِعْل فَإِن اسْتعْملت إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ فِي مَكَان الْأُخْرَى فلتقارب معنييهما الفر بَين الْحِفْظ والحراسة أَن الحراسة حفظ مُسْتَمر وَلِهَذَا سمي الحارس حارسا لِأَنَّهُ يحرس فِي اللَّيْل كُله أَو لِأَنَّهُ ذَلِك صناعته فَهُوَ يديم فعله واشتقاقه من الحرس وَهُوَ الدَّهْر والحراسة هُوَ أَن يصرف الْآفَات عَن الشَّيْء قبل أَن تصيبه صرفا متسمرا فَإِذا أَصَابَته فصرفها عَنهُ سمي ذَلِك تخليصا وَهُوَ مصدر والأسم الْخَلَاص وَيُقَال حرص الله عَلَيْك النِّعْمَة أَي صرف الآفة صرفا مستمرا وَالْحِفْظ لَا يتَضَمَّن معنى الِاسْتِمْرَار وَقد حفظ الشَّيْء وَهُوَ حَافظ والحفيظ مُبَالغَة وَقَالُوا الحفيظ فِي أَسمَاء الله بِمَعْنى الْعَلِيم والشهيد فتأويله الَّذِي لَا

стр. 187

يعزب عَنهُ الشَّيْء وَأَصله أَن الْحَافِظ للشَّيْء علام بِهِ فِي أَكثر الْأَحْوَال إِذْ كَانَ من خفيت عَلَيْهِ أحوله لَا يَتَأَتَّى لَهُ حفظ قَالَ أَبُو هِلَال أيده الله تَعَالَى والحفيظ بِمَعْنى عليم توسع أَلا ترى أَنه لَا يُقَال إِن الله حَافظ على معنى قَوْلنَا فلَان يحفظ الْقُرْآن وَلَو كَانَ حَقِيقَة لحرى فِي بَاب الْعلم كُله الْفرق بَين الحفيظ والرقيب أَن الرَّقِيب هُوَ الَّذِي يرقبل لِئَلَّا يخفى عَلَيْهِ فعلك وَأَنت تَقول لصاحبك إِذا فتش عَن أموك أرقيب عَليّ أَنْت وَتقول راقب الله أَي اعْلَم أَنه يراك فَلَا يخفى عَلَيْهِ فعلك والحفيظ لَا يتَضَمَّن معنى التفتيسش عَن الْأُمُور والبحث عَنْهَا الْفرق بَين المهميمن والرقيب أَن الرَّقِيب هُوَ الَّذِي يرقبك فتشا عَن أمورك على مَا ذكرنَا هُوَ من صِفَات الله تَعَالَى بِمَعْنى الحفيظ وَبِمَعْنى الْعَالم لِأَن الصّفة بالتفتيش لَا تجوز عَلَيْهِ تَعَالَى والمهيمن هُوَ الْقَائِم على الشَّيْء بِالتَّدْبِيرِ وَمِنْه قَول الشَّاعِر من الطَّوِيل (أَلا إِن خير النَّاس بعد نَبِيّهم ... مهيمنة التالية فِي الْعرف والنكر) يُرِيد الْقَائِم على النَّاس بعده وَقَالَ الْأَصْمَعِي (ومهيمنا عَلَيْهِ) أَي قفانا والقفاف فَارسي مُعرب وَقَالَ عمر ﵁ إِنِّي لأستعين بِالرجلِ فِيهِ عيب ثمَّ أكون على قفانة أَي على تحفظ أخباره والققاف بمنى المشرف الْفرق بَين الْوَكِيل فِي صِفَات الله وَبَينه فِي صِفَات الْعباد أَن الْوَكِيل فِي صِفَات الله بِمَعْنى الْمُتَوَلِي الْقَائِم بتدبير خلقه لِأَنَّهُ مَالك لَهُم رَحِيم بهم وَفِي صِفَات غَيره إِنَّمَا يعْقد بِالتَّوْكِيلِ

стр. 188

الْفرق بَين الْحِفْظ والحماية أَن الحماية تكون لما لايمكن إحرازه وحصره مثل الأَرْض والبلد تَقول هُوَ يحمي الْبَلَد وَالْأَرْض واليه حماية الْبَلَد وَالْحِفْظ يكون لما يحرز ويحصر وَتقول هُوَ يحفظ دَرَاهِمه ومتاعه وَلَا تَقول يحميت دَرَاهِمه ومتاعه وَلَا يحفظ الأَرْض والبلد إِلَّا أَن يَقُول ذَلِك عَامي لَا يعرف الْكَلَام الْفرق بَين الْحِفْظ والضبظ ً أَن ضبظ الشَّيْء شدَّة الْحِفْظ لَهُ لِئَلَّا يفلت مِنْهُ وَلِهَذَا لَا يتسعمل فِي الله تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يُخَالف الإفلات ويستعار فِي الْحساب فَيُقَال فلَان يضْبط الْحساب إِذا يتحتفظ فِيهِ من الْغَلَط الْفرق بَين الْكفَالَة وَالضَّمان أَن الْكفَالَة تكون بِالنَّفسِ وَالضَّمان يكون بِالْمَالِ أَلا ترى أَنَّك تَقول كفلت زيدا وتريد إِذا التزمت تَسْلِيمه وضمنت الأَرْض إِذا التزمت أَدَاء الْأجر عَنْهَا وَلَا يُقَال كفلت الأَرْض لِأَن عينهَا لَا تغيب فَيحْتَاج إحضارها فَالضَّمَان الْتِزَام شَيْء عَن الْمَضْمُون وَالْكَفَالَة الْتِزَام نفس الْمَكْفُول بِهِ وَمِنْه كفلت الْغُلَام إِذا ضممته اليك لتهوله وَلَا تَقول ضمنته لِأَنَّك إِذا طولبت بِهِ لزمك تَسْلِيمه وَلَا يلزمك تَسْلِيم شَيْء عَنهُ وَفِي الْقُرْآن (وكفلها زكاريا) وَلم يقل ضمنهَا وَمن الدَّلِيل على أَن الضَّمَان يكون لِلْمَالِ وَالْكَفَالَة للنَّفس أَن ان الْإِنْسَان يجوز أَن يضمن من لَا يعرفهُ وَلَا يجوز أَن يكفل من لَا يعرفهُ لِأَنَّهُ إِذا لم يعرفهُ لم يتَمَكَّن من تَسْلِيمه وَيصِح أَن يُؤَدِّي عَنهُ وَإِن لم يعرفهُ الْفرق بَين الضمين والحميل أَن الْحمالَة ضَمَان الدِّيَة خَاصَّة تَقول حملت حمالَة وَأَنا حميل وَقَالَ بعض الْعَرَب حملت دِمَاء عولت فِيهَا على مَالِي وآمالي فَقدمت مَالِي وَكنت من أكبر آمالي فَإِن حملتها فكم من غم شفيت وهم كفيت وَإِن حَال دون ذَلِك حَائِل لم أَذمّ يَوْمك وَلم أيأس من غدك وَالضَّمان يكون فِي ذَلِك وَفِي غَيره الْفرق بَين الرئيس والزعيم أَن الزعامة تفِيد الْقُوَّة على الشَّيْء وَمِنْه

стр. 189

قَوْله تَعَالَى (وَأَنا بِهِ زعيم) أَي أَنا قَادر على أَدَاء ذَلِك يَعْنِي أَن يُوسُف زعيم بِهِ لِأَن الْمُنَادِي بِهَذَا الْكَلَام كَانَ يُؤَدِّي علن يُوسُف ﵇ وَإِنَّمَا قَالَ أَنا قَادر على أَدَاء ذَلِك لأَنهم كانو فِي زمن قحط لَا يقدر فِيهِ على الطَّعَام وَمن ثمَّ قيل للرياسة الزعامة وزعيم الْقَوْم رئيسهم لنه أقواهم وأقدرهم على مَا يُريدهُ فَإِن سمي الْكَفِيل زعيما فعلى جِهَة الْمجَاز وَالْأَصْل مَا قُلْنَاهُ والزعامة أسم للسلاح كُله وَسمي بذلك لِأَنَّهُ يتقوى بِهِ على الْعَدو وَالله أعلم

стр. 190

الْبَاب السَّادِس عشر فِي الْفرق بَين الْهِدَايَة الصّلاح والسداد وَمَا يُخَالف ذَلِك من الغي وَالْفساد وَمَا يقرب مِنْهُ الفرق بَين الْهَدِيَّة والإرشاد أَن الْإِرْشَاد غلى الشَّيْء هُوَ التطريق اليه والتبين لَهُ وَالْهِدَايَة هِيَ التَّمَكُّن من الْوُصُول اليه وَقد جَاءَت الْهِدَايَة للمهتدي فِي قَوْله تَعَالَى (اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم) فَذكر أَنهم دعوا بالهداية وهم مهتدون لَا محَالة وَلم يجىء مثل ذَلِك فِي الْإِرْشَاد وَيُقَال أَيْضا هداه إِلَى الْمَكْرُوه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم) وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّك لعلى هدى مُسْتَقِيم) وَالْهدى الدّلَالَة فَإِذا كَانَ مُسْتَقِيمًا فَهُوَ دلَالَة الى الصَّوَاب والايمان هدى لنه دلَالَة الى الْجنَّة وَقد يُقَال الطَّرِيق هدى وَلَا يُقَال أرشده الا إِلَى المحبوب والراشد الَّذِي صلح بِمَا فِيهِ نَفسه مِمَّا يبْعَث على الْخَيْر والراشد الْقَابِل لما دلّ عَلَيْهِ من طَرِيق الرش والمرشد الْهَادِي للخير وَالدَّال على طَرِيق الرشد وَمثل ذَلِك مثل من يقف بَين طَرِيقين لَا يدْرِي أَيهمَا يُؤَدِّي الى الْفَرْض الْمَطْلُوب فَإِذا دله عيه دَال فَقده أرشده وغذا قبل هُوَ قَول الدَّال فسلك قصد السَّبِيل فَهُوَ رَاشد وَإِذا بعثته نَفسه على سلوك الطَّرِيق القفاصد فَهُوَ رشيد والرشاد والسداد وَالصَّوَاب حق من يعْمل عَلَيْهِ أَن ينجو وَحقّ من يعْمل على خِلَافه أَن يهْلك الْفرق بَين الْهدى وَالْبَيَان أَن الْبَيَان فِي الْحَقِيقَة إِظْهَار الْمَعْنى للنَّفس كَائِنا مَا كَانَ فَهُوَ من قبيل القَوْل وَالْهدى بَيَان طَرِيق الرشد ليسلك دون طَرِيق الغي إِذا أطلق فَإِذا قيد اسْتعْمل فِي غَيره فَقيل هدى إِلَى النَّار وَغَيرهَا الْفرق بَين الْخَيْر وَالصَّلَاح أَن الصّلاح الاسْتقَامَة على مَا تَدْعُو اليه الْحِكْمَة وَيكون فِي الضّر والنفع كالمرض يكون صلاحا للْإنْسَان فِي وقت

стр. 191

دون الصِّحَّة وَذَلِكَ أَنه يُؤَدِّي إِلَى النَّفْع فِي بَاب الدّين فَأَما الْأَلَم الَّذِي لَا يُؤَدِّي إِلَى النَّفْع فَلَا يُسمى صلاحا مثل عَذَاب جَهَنَّم فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى نفع وَلَا هُوَ نفع فِي نَفسه وَيُقَال أَفعَال الله تَعَالَى كلهَا خير وَلَا يُقَال عَذَاب الاخرة خير للمعذبين بِهِ وَقيل الصّلاح التَّغَيُّر الى استقامة الْحَال والصالح الْمُتَغَيّر الى استقامة الْحَال وَلِهَذَا لَا يُقَال لله تَعَالَى صَالح والصالح فِي الدّين يجْرِي على الْفَرَائِض والنوافل والنوافل دون المباحثات لِأَنَّهُ مرغب فِيهِ ومأمور بِهِ فَلَا يجوز أَن يرغب فِي الْمُبَاح وَلَا أَن يُؤمر بِهِ لِأَن ذَلِك عَبث وَالْخَيْر هُوَ السرُور الْحسن وَإِذا لم يكن حسنا لم يكن خيرا لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من الضَّرَر الزَّائِد على الْمَنْفَعَة بِهِ وَلذَلِك لم تكن الْمعاصِي خيرا وَأَن كَانَت إِلَيْهِ من الضَّرَر الزَّائِد على الْمَنْفَعَة بِهِ وَلذَلِك لم تكن الْمعاصِي خيرا وَأَن كَانَت لَذَّة وسرورا وَلَا يُقَال للمرض خير كمخا يُقَال لَهُ صَلَاح فَإِذا جَائِزا وَيُقَال الله تَعَالَى خير لنا من غره وَلَا يُقَال هُوَ أصلح لنا من غَيره لِأَن أفعل إِنَّمَا يزِيد على لفظ مُبَالغَة فَإِذا لم يَصح أَن يُوصف بِأَنَّهُ أصلح من غَيره وَالْخَيْر اسْم من اسماء الله تَعَالَى وَفِي الصَّحَابَة رجل يُقَال لَهُ عبد خير وَقَالَ أَبُو هِشَام تَسْمِيَة الله تَعَالَى با , هـ خير مجَاز قَالَ وَيُقَال خار الله لَك وَلم يجى ئ أَنه خائر الْفرق بَين الْهِدَايَة والنجاة أَن النجَاة تفِيد الْخَلَاص من الْمَكْرُوه وَالْهِدَايَة تفِيد التَّمَكُّن من الْوُصُول إِلَى الشَّيْء وَلَفْظهمَا ينبىء عَن معنييهما وَهُوَ أَنَّك تَقول نجاه من كَذَا وهداه إِلَى كَذَا فَالنَّجَاةُ تكون من الشَّيْء وَالْهِدَايَة تكون الى الشَّيْء وَإِنَّمَا ذكرناهما وَالْفرق بَينهمَا لِأَن بَعضهم ذكر أَنَّهُمَا سَوَاء الْفرق بَين الْفَوْز والنجاة أَن النجَاة هِيَ الْخَلَاص من الْمَكْرُوه والفوز هُوَ الْخَلَاص من الْمَكْرُوه مَعَ الْوُصُول الى المحبوب وَلِهَذَا سمي الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ فائزين لنجاتهم من النَّار ونيلهم الْجنَّة وَلما كَانَ الْفَوْز يَقْتَضِي نيل المحبوب قيل فَازَ بطلبته وَقَالَ تَعَالَى (يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فإفوز فوزرا عَظِيما) أَي أنال الْخَيْر نيلا كثيرا الْفرق بَين الْفَوْز وَالظفر أَن الظفر هُوَ الْعُلُوّ على المناوىء المنازع قَالَ

стр. 192

الله تَعَالَى (من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم) وَقد يسْتَعْمل مَوضِع الْفَوْز يُقَال ظفر ببغيته وَلَا يتسعمل الْفَوْز فِي مضوع الظفر أَلا ترى أَنه لَا يُقَال فَازَ بعدوه كَمَا يُقَال ظفر بعدوه بِعَيْنِه فالظفر مفارق للفوز وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى الْفَوْز الظفر بَدَلا من الْوُقُوع فِي الشَّرّ وَأَصله نيل الْحَظ وَفَوْز إِذا ركب الْمَفَازَة وَفَوْز أَيْضا إِذا مَاتَ لِأَنَّهُ قد صَار فِي مثل الْمَفَازَة الْفرق بَين النجَاة والتخلص أَن التَّخَلُّص يكون من تعقيد وَإِن لم يكن أَذَى والنجاة لَا تكون إِلَّا من أَذَى وَلَا يُقَال لمن لَا خوف عَلَيْهِ نجا لِأَنَّهُ لَا يكون ناجيا إِلَّا مِمَّا يخَاف الْفرق بَين الصّلاح والفلاح أَن الصّلاح مَا يتَمَكَّن بِهِ الْخَيْر اَوْ يتَخَلَّص بِهِ من الشَّرّ والفلاح نيل الْخَيْر والنفع الْبَاقِي أَثَره وَسمي الشَّيْء البتقي الْأَثر فلحا وَيُقَال للأكار فلاح لِأَنَّهُ يشق الأَرْض شقا بَاقِيا فِي الأَرْض والأفلح المشقوق السُّفْلى يُقَال هَذِه عِلّة صلاحة وَلَا يُقَال فلاحه بل يُقَال هِيَ سَبَب فلاحه وَيُقَال مَوته صَلَاحه لِأَنَّهُ يتَخَلَّص بِهِ من الضَّرَر العاجل وَلَا يُقَال هُوَ فلاحة لِأَنَّهُ لَيْسَ بنفع يَنَالهُ وَيُقَال أَيْضا لَك من عقل وحزم وتكاملت فِيهِ خلال الْخَيْر قد أَفْلح وَلَا يُقَال صلح إِلَّا إِذا تغير إِلَى استقامة الْحَال والفلاح لَا يُفِيد التَّغْيِير وَيجوز أَن يُقَال الصّلاح وضع الشَّيْء على صفة ينْتَفع بهَا سَوَاء انْتفع أَو لَا وَلِهَذَا ياقل أَصْلحنَا أَمر فلَان فَلم ينْتَفع بذلك فَهُوَ كالنفع فِي أَنه يجوز أَلا ينْتَفع بِهِ وَيُقَال فلَان يصلح للْقَضَاء وَيصْلح أمره وَلَا يسْتَعْمل الْفَلاح فِي ذَلِك وَمِمَّا يجْرِي مَعَ هَذَا الْفرق بَين التسديد والتقويم أَن التسديد هُوَ التَّوْجِيه للصَّوَاب فَيُقَال سدد لَهُم إِذا وَجه الصَّوَاب والتقويم إِزَالَة الاعوجاح كتقويم الرمْح والقدح ثمَّ يستعار فَيُقَال قوم الْعَمَل فالمسدد الْمُقَوّم لسَبَب الصّلاح والتسديد يكون فِي السَّبَب المولد كتسديد السهْم للإصابة

стр. 193

وَيكون فِي السَّبَب الْمُؤَدِّي كاللطف الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الطَّاعَة وَالسَّبَب على وَجْهَيْن مولد ومؤد فالمولد هُوَ الَّذِي لَا يَقع الْمُسَبّب غلا بِهِ لنَقص الْقَادِر عَن فعله دونه والمؤدي هُوَ الدَّاعِي الى الْفِعْل دُعَاء التَّرْغِيب والترهيب والتسديد من أكبر الْأَسْبَاب لِأَنَّهُ يكون فِي المولد والمؤدي والتسديد للحق لَا يكون إِلَّا مَعَ طلب الْحق فاما الْإِعْرَاض عَنهُ والتشاغل بِغَيْرِهِ فَلَا يَصح والإصلاح تَقْوِيم الْأَمر على مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحِكْمَة الْفرق بَين الرشد والرشد قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء الرشد الصّلاح قَالَ الله تَعَالَى (فَإِن أنستم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم) والرشد الاسْتقَامَة فِي الدّين وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (أَن تعلمن مِمَّا علمت رشدا) وَقيل هما لُغَتَانِ مثل الْعَدَم والعدم وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك الْفرق بَين الإحكام والإتقان أَن إتقان الشَّيْء إِصْلَاحه وَأَصله من التقن وَهُوَ الترنوق الَّذِي يكون فِي المسيل أَو الْبِئْر وَهُوَ الطين المختلظ بالحمأة يُؤْخَذ فيصلح بِهِ التأسيس وَغَيره فيسد خلله ويصلحه فَيُقَال أتقنه إِذا طلاه بالتقن ثمَّ اسْتعْمل فِي مَا يَصح مَعْرفَته فَيُقَال أتقنت كَذَا أَي عَرفته صَحِيحا كَأَنَّهُ لم يدع فِيهِ خلالا والإحكام إِيجَاد الْفِعْل محكما وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى (كتاب أحكمت آيَاته) أَي خلقت محكمَة وَلم يقل أتقنت لِأَنَّهَا لم تخلق وَبهَا خلل ثمَّ سد خللها وَحكى بَعضهم أتقنت الْبَاب إِذا أصلحته قَالَ أَبُو هِلَال رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا يُقَال أحكمته إِلَّا إِذا ابتدأته محكما الْفرق بَين الإحكام والرصف أَن الرصف هُوَ جمع شَيْء إِلَى شَيْء يشاكله وإحكام الشَّيْء خلقه محكما وَلَا يسْتَعْمل الرصف إِلَّا فِي الْأَجْسَام والإحكام والإتقان يستعملان فِيهَا وَفِي الْأَعْرَاض فَيُقَال فعل متقن ومحكم وَلَا يُقَال فعل مرصوف غلا أَنهم قَالُوا رصف هَذَا الْكَلَام

стр. 194

حسن وَهُوَ مجَاز لَا يتَعَدَّى هَذَا الْموضع الْفرق بَين إحكام الشَّيْء وإبراهه أَن إبرامه تَقْوِيَة وَأَصله فِي تَقْوِيَة الْحَبل هُوَ فِي غَيره مستعار الْفرق بَين الإراام والتأريب أَن التأريب شدَّة العقد يُقَال أرب العقد غذا جعل فَوق عقد وَهُوَ خلاف النشط يُقَال نشطه إِذا عقده بأنشوطهوهو عقد ضَعِيف وأربه إِذا أحكم عقده وأنشطه إِذا حل الأنشوطه الْفرق بَين مَا يُخَالف الْهِدَايَة وَغَيرهَا مِمَّا يجْرِي فِي الْبَاب الْفرق بَين الزيغ والميل أَن الزيغ مُطلقًا لَا يكون إِلَّا الْميل عَن الْحق يُقَال فلَان من أهل الزيغ وَيُقَال أَيْضا زاغ عَن الْحق وَلَا أعرف زاغ عَن الْبَاطِل لِأَن الزيغ اسْم لميل وَلِهَذَا قَالَ أهل اللُّغَة الفرغ وزيع فِي الرسغ والميل عَام فِي المحبوب وَالْمَكْرُوه الْفرق بَين الْميل والميل أَن الْميل مصدر وَيسْتَعْمل فِي مَا يرى وَفِي مَا لَا يرى مثل ميلك إِلَى فلَان وَمَال الْحَائِط ميلًا والميل بِالتَّحْرِيكِ اسْم يسْتَعْمل فِي مَا يرى خَاصَّة تَقول فِي الْعود ميل وَفِي فلَان ميل إِذا كَانَ يمِيل فِي أحد الْجَانِبَيْنِ من خلقه الْفرق بَين العثو وَالْفساد أَن العثو كَثْرَة الْفساد وَأَصله من قَوْلك ضبع عثواء إِذا كثر الشّعْر على وَجههَا وَكَذَلِكَ الرجل وعاث يعيث لُغَة وعثا يعثو افصح اللغتين وَمِنْه قَوْله (وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين)

стр. 195

الْفرق بَين الْفساد والقبيح أَن الْفساد هُوَ التَّغْيِير عَن الْمِقْدَار الَّذِي تَدْعُو اليه الْحِكْمَة وَالشَّاهِد أَنه نقيض الصّلاح وَهُوَ الاسْتقَامَة على مَا تَدْعُو اليه الْحِكْمَة وَإِذا قصر عَن الْمِقْدَار أَو أفرط لم يصلح وَإِذا كَانَ على الْمِقْدَار صلح والقبيح مَا تزجر عَنهُ الْحِكْمَة وَلَيْسَ فِيهِ معنى الْمِقْدَار الْفرق بَين الْفساد والغي أَن كل غي قَبِيح وَيجوز أَن يكون فَسَاد لَيْسَ بقبيح كفساد التفاحة بتعينها وَيذْهب بذلك إِلَى أَنَّهَا تَغَيَّرت عَن الْحَال الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَإِذا قُلْنَا فلَان فَاسد اقْتضى ذَلِك أَنه فَاجر وَإِذا قلت أَنه غاو اقْتضى فَسَاد الْمَذْهَب والاعتقاد الْفرق بَين الغي والضلال أَن أصل الغي الْفساد وَمِنْه يُقَال غوي الفصيل إِذا بشم من كَثْرَة شرب اللَّبن وَإِذا لم يرو من لبن أمه فَمَاتَ هزلا فالكلمة من الأضداد وأصل الضلال الْهَلَاك وَمِنْه قَوْلهم ضلت النَّاقة إِذا هَلَكت بضياعها وَفِي الْقُرْآن (إِذا ضللنا فِي الأَرْض) أَي هلكنا بتقطع أوصالنا فَالَّذِي يُوجِبهُ أصل الْكَلِمَتَيْنِ أَن يكون الضلال عَن الدّين أبلغ من الغي فِيهِ وَيسْتَعْمل الضلال أَيْضا فِي الطيرث كَمَا يسْتَعْمل فِي الدّين فَيُقَال ضل عَن الطَّرِيق غذا فَارقه وَلَا يسعمل الفي إِلَّا فِي الدّين خَاصَّة فَهَذَا فرق آخر وَرُبمَا اسْتعْمل الغي فِي الخيبة يُقَال غوى الرجل إِذا خَابَ فِي مطلبة وَأنْشد قَول الشَّاعِر من الطَّوِيل (فَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم الغي لائما) وَقيل أَيْضا معنى الْبَيْت أَن من يفعل الْخَيْر يحمد وَمن يفعل الشَّرّ يذم فَجعل من الْمَعْنى الأول وَيُقَال أَيْضا ضل عَن الثَّوَاب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (كَذَلِك يضل الله الْكَافرين) والضلال بِمَعْنى الضّيَاع يُقَال هُوَ ضال فِي قومه أَي ضائع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (ووجدك ضَالًّا فهدى) أَي ضائعا فِي قَوْمك لَا يعْرفُونَ منزلتك وَيجوز أَن

стр. 196

يكون ضَالًّا أَي في قوم ضَالِّينَ لِأَن من أَقَامَ فِي قوم نسب غليهم كَمَا قيل خَالِد الْحذاء لنزوله بَين الحذائين وَأَبُو عُثْمَان الْمَازِني لاقامته فِي بني مَازِن وَلم يكن مِنْهُم وَقَالَ أَبُو عَليّ ﵀ (ووجدك ضَالًّا فهدى) أَي وَجدك ذَاهِبًا الى النُّبُوَّة فَهِيَ ضَالَّة عَنْك كَمَا قَالَ تَعَالَى (أَن تضل إِحْدَاهمَا) وَإِنَّمَا الشَّهَادَة هِيَ الضَّلَالَة عَنْهَا وَهَذَا من المقلوب المستفيض فِي كَلَامهم وَيكون الضلال الْإِبْطَال وَمِنْه (أضلّ أَعْمَالهم) أَي أبطلها وَمِنْه (ألم يَجْعَل كيدهم فِي تضليل) وَيُقَال ضللني فلَان أَي سماني ضَالًّا والضلال يتَصَرَّف فِي وُجُوه لَا يتَصَرَّف الغي فِيهَا الْفرق بَين الحنف والحيف أَن الحنيف هُوَ الْعُدُول عَن الْحق والحيف الْحمل على الشَّيْء حَتَّى ينقصهُ وَأَصله من قَوْلك تحيفت الشَّيْء إِذا تنقصته من حَافَّاته الْفرق بَين لميل والميد أَن الْميل يكون فِي جَانب وَاحِد والميد هُوَ أَن يمِيل مرّة يمنة وَمرَّة يسره وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي أَن تيمد بهم) أَي تضطرب يمنه ويسره ومعروف أَنه لم يرد أَنَّهَا تميد فِي جَانب وَاحِد وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاضْطِرَاب وَالِاضْطِرَاب يكون من الْجَانِبَيْنِ قَالَ الشَّاعِر من الرجز (حبتهم ميالة تميد ... ملاءة الْحسن لَهَا حَدِيد) يُرِيد أَنَّهَا تميل من الْجَانِبَيْنِ للين قوامها

стр. 197

الْبَاب السَّابِع عشر فِي الْفرق بَين التَّكْلِيف والاختبار والفتنة والتجريب وَبَين اللطف والتوفيق وَبَين اللطف واللطف وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك الْفرق بَين التَّكْلِيف والابتلاء أَن التلكيف إِلْزَام الْإِنْسَان مَا يشق عَلَيْهِ وَأَصله فِي الْعَرَبيَّة اللُّزُوم وَمن ثمَّ قيل كلف بفلانة يُكَلف بهَا كلفا إِذا لزم حبها وَمِنْه قيل الكلف فِي الْوَجْه للزومه إِيَّاه والمتكلف للشَّيْء الملزم بِهِ على مشقة وَهُوَ الَّذِي يلْتَزم مَا لَا يلْزمه أَيْضا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَمَا أَنا من المتكلفين) وَمثله الْمُكَلف والابتلاء هُوَ اسْتِخْرَاج مَا عِنْد الْمُبْتَلى وتعرف حَاله فِي الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة بتحميله الْمَشَقَّة وَلَيْسَ هُوَ من التَّكْلِيف فِي شَيْء فان سمي التَّكْلِيف ابتلاء فِي بعض الْمَوَاضِع فقد يجْرِي على الشَّيْء أسم مَا يُقَارِبه فِي الْمَعْنى وَاسْتِعْمَال الاتبدء فِي صِفَات اله تَعَالَى مجَاز مَعْنَاهُ أَنه يُعَامل العَبْد معاملهة الْمُبْتَلى لما عِنْده وَيُقَال للنعمة بلَاء لِأَنَّهُ يسْتَخْرج بهَا الشُّكْر والبلى يسْتَخْرج قُوَّة الشَّيْء بإذهابه إِلَى حَال البال فَهَذَا كُله أصل وَاحِد الْفرق بَين التَّكْلِيف والتحميل أَن التحميل لَا يكون إِلَّا لما يستثقل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (لَا تحمل علينا إصرا) والإصر الثّقل والتكليف قد يكون لما لَا ثقل لَهُ نَحْو الاسْتِغْفَار تَقول كلفه الله الاسْتِغْفَار وَلَا تَقول حمله ذَلِك الْفرق بَين الِابْتِلَاء والاختبار أَن الِابْتِلَاء لَا يكون إِلَّا بتحميل الماره والمشاق والاختبار يكون بذلك وبفعل المحبوب أَلا ترى أَنه يُقَال اختبره بالانعام عَلَيْهِ وَلَا يُقَال ابتلاه بذلك وَلَا هُوَ مبتلى بِالنعْمَةِ كَمَا قد يُقَال أَنه مختبر بهَا وَيجوز أَن يُقَال إِن الِابْتِلَاء يَقْتَضِي اسْتِخْرَاج مَا عِنْد الْمُبْتَلى من الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة والاختبار وُقُوع الْخَبَر بِحَالَة فِي ذَلِك وَالْخَبَر الْعلم الَّذِي يَقع بكنه الشَّيْء وَحَقِيقَته فَالْفرق بَينهمَا بَين

стр. 198

الْفرق بَين الْفِتْنَة والاختبار أَن الْفِتْنَة اشد الاختبار وأبلغه وَأَصله عرض الذَّهَب على النَّار لتبين صَلَاحه من فَسَاده وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (يَوْم هم على النَّار يفتنون) وَيكون فِي الْخَيْر وَالشَّر أَلا تسمع قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتنه) وَقَالَ تَعَالَى (لأسقيناهم مَاء غدقا لنقتنهم فِيهِ) فَجعل النِّعْمَة فتْنَة لِأَنَّهُ قصد بهَا الْمُبَالغَة فِي اختبار الْمُنعم عَلَيْهِ بهَا كالذهب إِذا أُرِيد الْمُبَالغَة فِي تعرف حَاله أَدخل النَّار وَالله تَعَالَى لَا يختبر العَبْد لتغيير حَاله فِي الْخَيْر وَالشَّر وَإِنَّمَا المُرَاد بذلك شدَّة التَّكْلِيف الْفرق بَين الاختبار والتجريب أَن التجريب هُوَ تَكْرِير الاختبار والاكثار من وَيدل على هَذَا أَن التفعيل هُوَ للْمُبَالَغَة والتكرير وَأَصله من قَوْلك جربه إِذا داواه من الجرب فَنظر أصلح حَاله أم لَا وَمثله قرد الْبَعِير إِذا نزع عَنهُ القردان وقرع الفصيل إِذا داواه من القرع وَهُوَ دَاء مَعْرُوف وَلَا يُقَال إِن الله تَعَالَى يجرب قِيَاسا على قَوْلهم يختبر ويبتلى لِأَن ذَلِك مجَاز وَالْمجَاز لَا يُقَاس عَلَيْهِ الْفرق بَين اللطف والتوفيق والعصمة واللطف والرقة وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك الْفرق بَين اللطف والتوفيق أَن اللظف هُوَ فعل تسهل بِهِ الطَّاعَة على العَبْد وَلَا يكون لطفا إِلَّا مَعَ قصد فَاعله وُقُوع مَا هُوَ لطف فِيهِ من الْخَيْر خَاصَّة فَأَما إِذا كَانَ مَا يَقع عِنْده قبيحا وَكَانَ الْفَاعِل لَهُ قد أَرَادَ ذَلِك فَهُوَ انْقَادَ وَلَيْسَ بلطف والتوفيق فعل مَا تتفق مَعَه الطَّاعَة وَإِذا لم تتفق مَعَه الطَّاعَة لم يسم تَوْفِيقًا وَلِهَذَا قَالُوا انه لَا يحسن الْفِعْل وَفرق آخر وهوأن التَّوْفِيق لطف يحدث قبل الطَّاعَة بِوَقْت فَهُوَ كالمصاحب لَهَا فِي وقته لِأَنَّهُ وقته يَلِي وَقت فعل الطَّاعَة وَلَا يجوز أَن يكون وقتهما وَاحِدًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَجِيء زيد مَعَ عَمْرو وان كَانَ بعده بِلَا فصل فَأَما إِذا جَاءَ بعده بأوقات فانه لم يَجِيء مَعَه واللطف قد ينقدم الْفِعْل بأوقات يسيرَة

стр. 199

يكون لَهُ مَعهَا تَأْثِير فِي نفس تَأْثِير فَكل توفيق لطف وَلَيْسَ كل لطف تَوْفِيقًا وَلَا يكون التَّوْفِيق ثَوابًا لِأَنَّهُ يَقع قبل الْفِعْل وَلَا يكون الثَّوَاب ثَوابًا لما لم يَقع وَلَكِن التَّسْمِيَة بموفق على جِهَة الْمَدْح يكون ثَوابًا على مَا سلف من الطَّاعَة وَلَا يكون التَّوْفِيق إِلَّا لما حسن من الْأَفْعَال يُقَال وفْق فلَان للإنصاف وَلَا تَقول وفْق للظلم ويمسى نوفيقا وَإِن كَانَ منقضيا فِي حَال مَا وصف بِهِ أَنه توفيق فِيهِ كَمَا يُقَال زيد وَافق عمرا فِي هَذَا القَوْل وَأَن كَانَ قَول عَمْرو قد انتقضى واللطف يكون التَّدْبِير الَّذِي ينفذ فِي صَغِير الْأُمُور وكبيرها فَالله تَعَالَى لطيف وَمَعْنَاهُ أَن تَدْبيره لَا يخفى عَنهُ شَيْء وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بإجراته على حَقه وَالْأَصْل فِي اللَّطِيف التَّدْبِير ثمَّ حذف وأجريت الصّفة للمدبر على جِهَة الْمُبَالغَة وَفُلَان لطيف الْحِيلَة إِذا كَانَ يتَوَصَّل وأجريت الصّفة للمدبر على جِهَة الْمُبَالغَة وَفُلَان لطيف الْحِيلَة إِذا كَانَ يتَوَصَّل إِلَى بغيته بالرفق والسهولة ويكو اللطف حسن الْعشْرَة والمداخلة أَيْضا صغر الْجِسْم وَهُوَ خلاف الخفاء فِي المنظر وَفِي اللَّطِيف معنى الْمُبَالغَة لِأَنَّهُ فعيل وَفِي موفق معنى تَكْثِير الْفِعْل وتكريره لِأَنَّهُ مفعل والعصمة هِيَ اللطيغة الَّتِي يمْتَنع بهَا عَن العصية اخْتِيَار وَالصّفة بمعصوم إِذا اطلقت فَهِيَ صفة مدح وَكَذَلِكَ الْمُوفق فاذا أجري على التَّقْيِيد فَلَا مدح فِيهِ وَلَا يجوز أَن يُوصف غير الله بِأَنَّهُ يعْصم وَيُقَال عصمَة من كَذَا ووفقه لكذا ولظف لَهُ فِي كَذَا فَكل وَاحِد من هَذِه الْأَفْعَال يعدى بِحرف وَهَهُنَا يُوجب أَيْضا أَن يكون بَينهمَا فروق من غير هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَشرح هَذَا يطول فتركته كَرَاهَة الْإِكْثَار وأصولهما فِي اللُّغَة واشتقاقاتهما أَيْضا توجب فروقا من وجوهن اخر فَاعْلَم ذَلِك الْفرق بَين اللطف واللطف أَن اللطف هُوَ الْبر وجيمل الْفِعْل من قَوْلك فلَان يبرني ويلطفني وَيُسمى الله تَعَالَى لطيفا من هَذَا الْوَجْه أَيْضا لِأَنَّهُ يواصل نعْمَة إِلَى عبَادَة

стр. 200

الْفرق بَين اللطف والرفق أَن الرِّفْق هُوَ الْيُسْر فِي الْأُمُور والسهولة فِي التواصل إِلَيْهَا وخلافه العنف وَهُوَ التَّشْدِيد فِي التَّوَصُّل إِلَى الْمَطْلُوب وأصل الرِّفْق فِي اللُّغَة النَّفْع وَمِنْه يُقَال أرْفق فلَان فلَانا إِذا مكنه مِمَّا يرتفق بِهِ ومرافق الْبَيْت الْمَوَاضِع الَّتِي ينْتَفع بهَا زِيَادَة على مَا لَا بُد مِنْهُ ورفيق الرجل واللطف وَيجوز أَن يُقَال سمي رَفِيقًا لِأَنَّهُ يرافقه فِي السّير أَيْن يسير إِلَى جَانِبه فيلي مرفقة الْفرق بَين اللطف والمداراة أَن المداراة ضرب من الاحتيال والختل من قَوْلك دَريت الصَّيْد إِذا ختلته وَإِنَّمَا يُقَال داريت الرجل إِذا توصلت إِلَى الْمَطْلُوب من جِهَته بالحيلة والختل

стр. 201

الْبَاب الثَّامِن عشر فِي الْفرق بَين الدّين وَالْملَّة وَالطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَالْفَرْض وَالْوُجُوب والحلال والمباح وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك الْفرق بَين الدّين وَالْملَّة أَن الْملَّة اسْم لجملة الشَّرِيعَة وَالدّين اسْم لما عَلَيْهِ كل وَاحِد من أَهلهَا أَلا ترى أَنه يُقَال فلَان حسن الدّين وَلَا يُقَال حسن الْملَّة وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ من أهل الْملَّة وَيُقَال لخلاف الذِّمِّيّ الملي نسب إِلَى جملَة الشَّرِيعَة فَلَا يُقَال لَهُ ديني وَتقول ديني دين الْمَلَائِكَة وَلَا تَقول ملتي مِلَّة الْمَلَائِكَة لِأَن الْملَّة اسْم للشرائع مَعَ الْإِقْرَار بِاللَّه وَالدّين مَا يذهب اليه الانسان ويعتقد أَنه يقربهُ إِلَى الله وَإِن لم يكن فِيهِ شرائع مثل دين أهل الشّرك وكل مِلَّة دين وَلَيْسَ كل دين مِلَّة واليهودية مِلَّة لِأَن فِيهَا شرائع وَلَيْسَ الشّرك مِلَّة وَإِذا اطلق الدّين فَهُوَ الطَّاعَة الْعَامَّة الَّتِي يجازي عَلَيْهِ بالثواب مثل قَوْله تَعَالَى (إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام) وَإِذا قيد امتلف دلَالَته وَقد يُسمى كل وَاحِد من الدّين وَالْملَّة باسم الآخر فِي بعض الْمَوَاضِع لتاقر معنييهما وَالْأَصْل مَا قلنانا وَالْفرس تزْعم أَن الدّين لفظ فَارسي وتحتج بانهم يجدونه فِي كتبهمْ الْمُؤَلّفَة قبل دُخُول الْعَرَبيَّة أَرضهم بِأَلف سنة ويذكرون أَن لَهُم خطا يَكْتُبُونَ بِهِ كِتَابهمْ الْمنزل برعمهم يُسمى دين دوري أَي كِتَابَة الَّذِي سَمَّاهُ بذلك صَاحبهمْ زرادشت وَنحن نجد للدّين أصلا واشتقاقا صَحِيحا فِي الْعَرَبيَّة وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا نحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أعجمي وَإِن صَحَّ مَا قَالُوهُ فَإِن الدّين قد حصل فِي الْعَرَبيَّة والفارسية اسْما لشَيْء وَاحِد على جِهَة الِاتِّفَاق وَقد يكون على جِهَة الِاتِّفَاق مَا هُوَ اعْجَبْ من هَذَا وَاصل الْملَّة فِي الْعَرَبيَّة المل وَهُوَ أَن يعدو الذِّئْب على شَيْء ضربا من الْعَدو فسميتالملة مِلَّة لاستمرار أَهلهَا عَلَيْهَا وَقيل أَصْلهَا التّكْرَار من قَوْلك طَرِيق مليل إِذا تكَرر سلوكه حَتَّى تُوطأ وَمِنْه الْملَل وَهُوَ تكْرَار الشَّيْء على النفقس حَتَّى تضجر وَقيل الْملَّة مَذْهَب جمَاعَة يحمي يعضهم لبَعض عِنْد الْأُمُور الْحَادِثَة واصلها من المليلة وَهِي ضرب من الْحمى وَمِنْه الْملَّة مَوضِع النَّار وَذَلِكَ أَنه إِذا دفن فِيهِ اللَّحْم وَغَيره تكَرر عَلَيْهِ الْحمى وَمِنْه الْملَّة مَوضِع النَّار وَذَلِكَ أَنه إِذا دفن

стр. 202

فِيهِ اللَّحْم وَغَيره تكَرر عَلَيْهِ الْحمى حَتَّى ينضج وأصل الدّين الطَّاعَة ودان النَّاس لملكهم أَي أطاعوه وَيجوز أَن يكون أَصله الْعَادة ثمَّ قيل للطاعة دين لِأَنَّهَا تعتاد وتوطن النَّفس عَلَيْهَا الْفرق بَين الْعِبَادَة وَالطَّاعَة أَن الْعِبَادَة غَايَة الخضوع وَلَا تسْتَحقّ إِلَّا بفاية الإنعام وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يعبد غير الله تَعَالَى وَلَا تكون الْعِبَادَة إِلَّا مَعَ الْمعرفَة بالمعبود وَالطَّاعَة الْفِعْل ذَلِك الْوَاقِع على حسب مَا أَرَادَهُ المريد مَتى كَانَ المريد أَعلَى رُتْبَة مِمَّن يفعل ذَلِك وَتَكون للخالق والمخلوق وَالْعِبَادَة لَا تكون إِلَّا للخالق وَالطَّاعَة فِي مجَاز اللُّغَة تكون اتِّبَاع الْمَدْعُو الدَّاعِي إِلَى مَا دَعَاهُ اليه وان لم يقْصد التبع كالانسان يكون مُطيعًا للشَّيْطَان وَإِن لم يقْصد أَن يطيعه وَلكنه ابتع دَعَاهُ وارادته الْفرق بَين الطَّاعَة وموافقة الْإِرَادَة أَن مُوَافقَة الْإِرَادَة قد تكون طَاعَة وَقد لَا تكون طَاعَة وَذَلِكَ غذا لم تقع موقع الدَّاعِي إِلَى الْفِعْل كنحو إرادتك أَن يتَصَدَّق زيد بدرهم من غير أَن يشْعر بذلك فَلَا يكون بِفِعْلِهِ مُطيعًا لَك وَلَو علمه نفعله من أجل إرادتك كَانَ مُطيعًا لَك وَلذَلِك لَو أحسن بدعائك إِلَى ذَلِك فَمَال مَعَه كَانَ مُطيعًا لَك الْفرق بَين الطَّاعَة والخدمة أَن الْخَادِم هُوَ الَّذِي يطوف على الانسان متحققا فِي حوائجة وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال إِن العَبْد يخْدم الله تَعَالَى وأصل الْكَلِمَة الإطاقة بالشَّيْء وَمِنْه سمي الخلخال خدمَة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سمي الِاشْتِغَال بِمَا يصلح بِهِ شَأْن المخدوم خدمَة وَلَيْسَ ذَلِك من الطَّاعَة وَالْعِبَادَة فِي شَيْء أَلا ترى أَنه يُقَال فلَان يخْدم الْمَسْجِد إِذا كَانَ يتعهده يتنظيف وَغَيره وَأما الحفد فَهُوَ السرعة فِي الطَّاعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (بَنِينَ وحفدة) وَقَوْلنَا فِي الْقُنُوت واليك نسعى ونحفد الْفرق بَين العبيد والخول أَن الخول هم الَّذين يختصون بالإنسان من

стр. 203

جِهَة الْخدمَة والمهنة وَلَا تَقْتَضِي الْملك كَمَا تقتضية العبيد وَلِهَذَا لَا يُقَال الْخلق خول الله كَمَا يُقَال عُبَيْدَة الْفرق بَين العَبْد والمملوك أَن كل عبد مملو وَلَيْسَ كل مَمْلُوك عبدا لِأَنَّهُ قد يملك المَال وَالْمَتَاع فو مَمْلُوك وَلَيْسَ بِعَبْد وَالْعَبْد هُوَ الْمَمْلُوك من نوع مَا يعقل وَيدخل فِي ذَلِك الصَّبِي وَالْمَعْتُوه وَعباد الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ الْفرق بَين الدّين والشريعة أَن الشَّرِيعَة هِيَ الطَّرِيقَة الْمَأْخُوذ فِيهَا إِلَى الشَّيْء وَمن ثمَّ سمي الطَّرِيق إِلَى المَاء شَرِيعَة ومشرعة وَقيل الشَّارِع لِكَثْرَة الْأَخْذ فِيهِ وَالدّين مَا يطاع بِهِ المعبود وَلكُل وَاحِد منا دين وَلَيْسَ لَك وَاحِد منا شَرِيعَة والشريعة فِي هَذَا الْمَعْنى نَظِير الْملَّة إِلَّا أَنَّهَا تفِيد مَا يفِيدهُ الطَّرِيق الْمَأْخُوذ مَا لَا تفيده الْملَّة وَيُقَال شرع فِي الدّين شَرِيعَة كَمَا يُقَال طرق فِيهِ طَرِيقا وَالْملَّة تفِيد اسْتِمْرَار أَهلهَا عَلَيْهَا الْفرق بَين التقي والمتقي وَالْمُؤمن أَن الصّفة بالتقي أمدح من الصّفة بالمتقي لِأَنَّهُ عَن الصّفة الْجَارِيَة على الْفِعْل للْمُبَالَغَة والمتقي أمدح من الْمُؤمن لِأَن الْمُؤمن يُطلق بِظَاهِر الْحَال والمتقي لَا يُطلق إِلَّا بعد الْخِبْرَة وَهَذَا من جِهَة الشَّرِيعَة وَالْأول من جِهَة دلَالَة اللُّغَة والايمان نقيض الْكفْر وَالْفِسْق جَمِيعًا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الْفِعْل إِيمَانًا فسقا كَمَا لَا يجوز أَن يكون إِيمَانًا كفرا إِلَّا أَن يُقَابل النقيض فِي اللَّفْظ بَين الْإِيمَان وَالْكفْر أظهر الْفرق بَين الْحسن والحسنة هِيَ الْأَعْلَى فِي الْحسن لِأَن الْهَاء دَاخِلَة للْمُبَالَغَة فَلذَلِك قُلْنَا إِن الْحَسَنَة تدخل فِيهَا الْفُرُوض والنوافل وَلَا يدْخل فِيهَا الْمُبَاح وغن كَانَ حسنا لِأَن الْمُبَاح لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب وَلَا الْحَمد وَلذَلِك رغب فِي الْحَسَنَة وَكَانَت طَاعَة بِخِلَاف الْمُبَاح لِأَن كل مُبَاح حسن وَلكنه لَا ثَوَاب فِيهِ وَلَا حمد فَلَيْسَ هُوَ بحسنة

стр. 204

الْفرق بَين الطَّاعَة وَالْقَبُول أَن الطَّاعَة إِنَّمَا تقع رَغْبَة أَو وَهبة وَالْقَبُول مثل الْإِجَابَة يَقع حِكْمَة ومصلحة وَلذَلِك حسنت الصّفة لله تَعَالَى بِأَنَّهُ مُجيب وقابل وَلَا تحسن الصّفة لَهُ بِأَنَّهُ مُطِيع الْفرق بَين الْإِجَابَة وَالْقَبُول وَبَين قَوْلك أجَاب واستجاب أَن الْقبُول يكون للأعمال يُقَال قبل الله عمله والاجابة للإدعية يُقَال أجَاب الله دعاءه وقولك أجَاب مَعْنَاهُ فعل الْإِجَابَة واستجاب طلب أَن يفعل الْإِجَابَة لِأَن اصل الاستفعال لطلب الْفِعْل وَصلح اسْتَجَابَ بِمَعْنى أجَاب لِأَن الْمَعْنى فِيهِ يؤول الى شَيْء وَاحِد وَذَلِكَ أَن اسْتَجَابَ طلب الْإِجَابَة بِقَصْدِهِ إِلَيْهَا وَأجَاب أوقع الْإِجَابَة بِفِعْلِهَا الْفرق بَين الْإِجَابَة وَالطَّاعَة أَن الطَّاعَة تكون الْأَدْنَى للأعلى لِأَنَّهَا فِي مُوَافقَة الْإِرَادَة الْوَاقِعَة موقع الْمَسْأَلَة وَلَا تكون إِجَابَة إِلَّا بإن تفعل لموافقة الدُّعَاء بِالْأَمر وَمن أَجله كَذَا قَالَ عَليّ بن عِيسَى ﵀ الْفرق بَين الْمَذْهَب والمقالة أَن الْمقَالة قَول يعتمدت عَلَيْهِ قائلة ويناظر فِيهِ يُقَال هَذِه مقَالَة فلَان إِذا كَانَ سَبيله فِيهَا هَذَا السَّبِيل ولامذهب مَا يمِيل إِلَيْهِ من الطّرق سَوَاء كَانَ يُطلق القَوْل فِيهِ أَو لَا يُطلق وَالشَّاهِد أَنَّك تَقول هَذَا مذهبي فِي السماع وَالْأكل وَالشرب لشَيْء تختاره من ذَلِك وتميل اليه تناظر فِيهِ أَولا وَفرق آخر وَهُوَ أَن الْمَذْهَب يُفِيد أَن يكون الذَّاهِب مُعْتَقدًا لَهُ أَو بِحكم المعتقد والمقالة لَا تفِيد ذَلِك لنه يجوز أَن يَقُوله ويناظر فِيهِ ويعتقد خِلَافه فعلى هَذَا يجوز أَن يكون مَذْهَب لَيْسَ بمقالة ومقالة لَيْسَ بِمذهب الْفرق بَين الْفَرْض وَالْوُجُوب أَن الْفَرْض لَا يكون إِلَّا من الله والإيجاب يكون مِنْهُ وَمن غَيره تَقول فرض الله تَعَالَى على العَبْد كَذَا وأوجبه عَلَيْهِ وَتقول أوجب زيد على عَبده والمللك على رَعيته كَذَا وَلَا

стр. 205

يُقَال فرض عَلَيْهِم ذَلِك وانما يُقَال فرض لَهُم الْعَطاء وَيُقَال فرض لَهُ القَاضِي وَالْوَاجِب يجب فِي نَفسه من غير إِيجَاب يجب لَهُ من حَيْثُ إِنَّه غير مُتَعَدٍّ وَلَيْسَ كَذَلِك الْفَرْض لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلِهَذَا صَحَّ وجوب الثَّوَاب على الله تَعَالَى فِي حكمته وَلَا يَصح فَرْضه وَمن وَجه آخر إِن السّنة الْمُؤَكّدَة تسمى واجبنا وَلَا تسمى فرضا مثل سَجْدَة التِّلَاوَة هِيَ وَاجِبَة على من يسْمعهَا وَقيل على من قعد لَهَا وَلم يقل إِنَّهَا فرض وَمثل ذَلِك الْوتر فِي اشباه لَهُ كثير وَفرق آخر ان العقليات لَا يسْتَعْمل فِيهَا الْفَرْض وَيسْتَعْمل فِيهَا الْوُجُوب تَقول هَذَا وَاجِب فِي الْعقل وَلَا يُقَال فرض فِي الْعقل وَقد يكون الْفرق والجب سَوَاء فِي قَوْلهم صَلَاة الظّهْر وَاجِبَة وَفرض لَا فرق بَينهمَا هَهُنَا فِي الْمَعْنى وكل وَاحِد مِنْهُمَا من أصل فَأصل الْفَرْض الحز فِي الشَّيْء تَقول فرض فِي الْعود فرضا إِذا حز فِيهِ وأصل الْوُجُوب السُّقُوط يُقَال وَجَبت الشَّمْس للمغيب إِذا سَقَطت وَوَجَب الْحَائِط وجبه أَي سقط وحد الْوَاجِب وَالْفَرْض عِنْد من يَقُول إِن الْقَادِر لَا يَخْلُو من الْفِعْل مَا إِذا لم يَفْعَله اسْتحق الْعقَاب وَلَيْسَ بجب الْوَاجِب لايجاب مُوجب لَهُ وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْقَبِيح وَاجِبا إِذا أوجبه مُوجب وَالْأَفْعَال ضَرْبَان أَحدهمَا أَلا يقارنه دَاع وَلَا قصد وَلَا علم فَلَيْسَ لَهُ حكم زَائِد على وجوده كَفعل الساهي والنائم وَالثَّانِي يَقع مَعَ قصد وَعلم أَو دَاع وَهَذَا على أَرْبَعَة أضْرب أَحدهَا مَا كَانَ لفَاعِله أَن يَفْعَله من غير أَن يكون لَهُ فِيهِ مثل الْمُبَاح وَالثَّانِي مَا يَفْعَله لعاقبه محمودة وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي تَركه مضرَّة ويمسى ذَلِك ندبا ونفلا وتطوعا وَإِن لم يكن شَرْعِيًّا سمي تفضلا وإحسانا وَهَذَا هُوَ زَائِد على كَونه مُبَاحَة وَالثَّالِث مَاله فعله وان لم يَفْعَله لحقه مضرَّة وَهُوَ الْوَاجِب وَالْفَرْض وَقد يُسمى المحتم وَاللَّازِم وَالرَّابِع الَّذِي لَيْسَ لَهُ فعله وان فعله اسْتحق الذَّم وَهُوَ الْقَبِيح والمحظور وَالْحرَام

стр. 206

الْفرق بَين الْفَرْض والحتم أَن الحتم إِمْضَاء الحكم على التوكيد والإحكام يُقَال حتم الله كَذَا وَكَذَا وقضاه قَضَاء حتما أَي حكم بِهِ حكما موكدا وَلَيْسَ هُوَ من الْفَرْض والإيجاب فِي شَيْء لِأَن الْفَرْض والإيجاب يكونَانِ فِي الْأَوَامِر والحتم يكون فِي الْأَحْكَام والأقضية وانما قيل للْفَرض قرض حتم على جِهَة الِاسْتِعَارَة وَالْمرَاد أَنه لَا يرد كَمَا أَن الحكم الحتم لَا يرد وَالشَّاهِد أَن الْعَرَب تسمي الْغُرَاب حاتما لِأَنَّهُ يحتم عِنْدهم بالفراق أَي يقْضِي وَلَيْسَ يُرِيدُونَ أَنه يفْرض ذَلِك أَو يُوجِبهُ الْفرق بَين الْإِيجَاب والإلزام أَن الْإِلْزَام يكون فِي الْحق وَالْبَاطِل يُقَال الزمته الْحق وألزمته الْبَاطِل والإيجاب لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي مَا هُوَ حق فان اسْتعْمل فِي غَيره فَهُوَ مجَاز وَالْمرَاد بِهِ الْإِلْزَام الْفرق بَين الْإِلْزَام واللزوم أَن اللُّزُوم لَا يكون إِلَّا فِي الْحق يُقَال لزم الْحق وَلَا يُقَال لزم الْبَاطِل والإلزام يكون فِي الْحق وَالْبَاطِل يُقَال ألزمهُ الْبَاطِل مَا ذكرنَا الْفرق بَين الْحَلَال والمباح أَن الْحَلَال هُوَ الْمُبَاح الَّذِي علم إِبَاحَته بِالشَّرْعِ والمباح لَا يعْتَبر فِيهِ ذَلِك تَقول الْمَشْي فِي السُّوق مُبَاح وَلَا تَقول حَلَال والحلال الْحَرَام والمباح الْمَحْظُور وَهُوَ الْجِنْس الَّذِي لم يرغب فِيهِ وَيجوز أَن يُقَال هُوَ مَا كَانَ لفَاعِله أَن يَفْعَله وَلَا ينبىء عَن مدح وَلَا ذمّ وَقيل هُوَ مَا أعلم الْمُكَلف أَو دلّ على حَسَنَة وَأَنه لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي فعله وَلَا تَركه وَلذَلِك لَا تُوصَف أَفعَال الله تَعَالَى بِأَنَّهَا مُبَاحَة وَلَا تُوصَف أَفعَال الْبَهَائِم بذلك فَمَعْنَى قَوْلنَا إِنَّه على الْإِبَاحَة أَن للمكلف أَن ينْتَفع بِهِ وَلَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وارادة الْمُبَاح وَالْأَمر بِهِ قَبِيح لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ إِذْ فعله وَتَركه سَوَاء فِي أَنه لَا يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَاب وَلَيْسَ كَذَلِك الْحَلَال الْفرق بَين النَّافِلَة وَالنَّدْب أَن االندب فِي لالغة مَا أَمر بِهِ وَفِي الشَّرْع هُوَ النَّافِلَة والنافلة فِي الشَّرْع واللغة سَوَاء والنافلة فِي اللُّغَة أَيْضا أسم للعطية والنوفلة الْجواد نوفلون وَيُقَال أَيْضا للعطية نَوْفَل

стр. 207

وَالْجمع نوافل. الْفرق بَين السّنة والنافلة أَن السّنة على وُجُوه أَحدهَا أَنا إِذا قُلْنَا فرض وَسنة فَالْمُرَاد بِهِ الْمَنْدُوب اليه وَإِذا قُلْنَا الدَّلِيل على هَذَا الْكتاب وَالسّنة فَالْمُرَاد بهَا قَول رَسُول اللهَ وَإِذا قُلْنَا سنة رَسُول الله فَالْمُرَاد بهَا طَرِيقَته وعادته الَّتِي دَامَ عَلَيْهَا وَأمر بهَا فَهِيَ فِي الْوَاجِب وَالنَّفْل وجيمع ذَلِك ينبىء عَن رسم تقدم وَسبب فَرد وَالنَّفْل والنافلة مَا تبديه من غير سَبَب الْفرق بَين السّنة وَالْعَادَة أَن الْعَادة مَا يديم الْإِنْسَان فعله من قبل نَفسه وَالسّنة تكون على مِثَال سبق وأصل السّنة الصُّورَة وَمِنْه يُقَال سنة الْوَجْه أَي صورته وَسنة الْقَمَر أَي صورته وَالسّنة فِي الْعرف تَوَاتر وأحاد فالتواتر مَا جَازَ حُصُول الْعلم بِهِ لِكَثْرَة رُوَاته وَذَلِكَ أَن الْعلم لَا يحصل فِي الْعَادة غلا غذا كثرت الروَاة والآحاد مَا كَانَ رُوَاته الْقدر الَّذِي لَا يعلم صدق خبرهم لقلتهم وَسَوَاء رَوَاهُ وَاحِد أَو أَكثر والمرسل مَا أسْندهُ الرواي إِلَى من لم يرَاهُ وَلم يسمع مِنْهُ وَلم يذكر من بَينه وَبَينه الْفرق بَين الْعَادة والدأب أَن الْعَادة على ضَرْبَيْنِ اخْتِيَار أَو اضطرار فالاختيار كتعود النَّبِيذ وَمَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا يكثر الْإِنْسَان فعله فيعتاده ويصعب عَلَيْهِ مُفَارقَته والاضطرار مثل أكل الطَّعَام وَشرب المَاء لاقامة الْجَسَد وَبَقَاء الرّوح وَمَا شاكل ذَلِك والدأب لَا يكون إِلَّا اخْتِيَار أَلا ترى أَن الْعَادة فِي الْأكل وَالشرب المقيمين للبدن لَا تسمى دأبا الْفرق بَين قَوْلك يجب كَذَا وقولك يَنْبَغِي كَذَا أَن قَوْلك يَنْبَغِي كَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المبتغى حسنا سَوَاء كَانَ لَازِما أَو لَا وَالْوَاجِب لَا يكون إِلَّا لَازِما الْفرق بَين قَوْلنَا يجوز كَذَا وقولك يجزى كَذَا أَن قَوْلك يجوز كَذَا بِمَعْنى يسوغ وَيحل كَمَا تَقول يجوز للْمُسَافِر أَن يفْطر وَنَحْوه وَيجوز قِرَاءَة ( ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ ملك يَوْم الدّين) وَيكون بِمَعْنى الشَّك نَحْو

стр. 208

قَوْلك يجوز أَن يكون زيد أفضل من عَمْرو وَيجوز بِمَعْنى جَوَاز النَّقْد قَوَّال بَعضهم يجوز بِمَعْنى يُمكن وَلَا يمْتَنع نَحْو قَوْلك يجوز من زيد الْقيام وَإِن كَانَ مَعْلُوما أَن الْقيام لَا يَقع مِنْهُ وَقَالَ أَبُو بكر الأخشاد أكره هَذَا القَوْل لِأَن الْمُسلمين لَا يستجيزون أَن يَقُولُوا يجوز الْكفْر من الْمَلَائِكَة حَتَّى يصيروا كإبليس لقدرتهم على ذَلِك وَلَا أَن يَقُولُوا يجوز من الله تَعَالَى وُقُوع الظُّلم لقدرته عَلَيْهِ إِلَّا أَن يُقيد وأصل هَذَا كُله من قَوْلك جَازَ أَي وجد مسلكا مضى فِيهِ وَمِنْه الْجَوَاز فِي الطَّرِيق وَالْمجَاز فِي اللُّغَة فقولك قِرَاءَة جَائِزَة مَعْنَاهُ أَن قَارِئهَا وجد لَهَا مذهبا يامن مَعَه أَن يرد عَلَيْهِ وَإِذا قلت يجوز أَن يكون فلَان خيرا من فلَان فَمَعْنَاه أَن وهمك قد توجه إِلَى هَذَا الْمَعْنى مِنْهُ فَإِذا عَلمته لم يحسن فِيهِ ذكر الْجَوَاز والجائز لَا بُد أَن يكون منيبا عَمَّا سواهُ الا ترى أَن قَائِلا لَو قَالَ يجوز أَن يعبد ربه لم يكن ذَلِك كلَاما مُسْتَقِيمًا إِذا لم يكن منبئا عَمَّا سواهُ وَقُلْنَا هَذَا الشَّيْء يجزىء يُفِيد أَنه مُسْتَقِيمًا إِذا لم يكن مبئا عَمَّا سواهُ وَقَوْلنَا هَذَا الشَّيْء يجزيء يُفِيد أَنه وَقع موقع الصَّحِيح فَلَا يجب فِيهِ الْقَضَاء وَيَقَع بِهِ التَّمْلِيك إِن كَانَ عقدا وَقد يكون الْمنْهِي عَنهُ مجزئا نَحْو التَّوَضُّؤ بِالْمَاءِ المفصوب وَالذّبْح بالسكين المفصوب وَطَلَاق الْبِدْعَة وَالْوَطْء فِي الْحيض وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مُحرمَة عِنْد الْفُقَهَاء لِأَنَّهُ نهي عَنْهَا لَا بشرائط الْفِعْل الشَّرْعِيَّة وَلَكِن لحق صَاحب الدَّار لِأَنَّهُ لَو أذن فِي ذَلِك لجَاز وَلَا يكون الْمنْهِي عَنهُ جَائِزا فَالْفرق بَينهمَا بَين وَذهب أَبُو عَليّ هَاشم رَحمهَا الله تَعَالَى إِلَى أَن الصَّلَاة فِي الدَّار المفصوبة غير مجزئة لِأَنَّهُ قد أَخذ على الْمُصَلِّي أَنه يَنْوِي اداء الْوَاجِب وَلَا يجوز أَن يَنْوِي ذَلِك وَالْفِعْل مَعْصِيّة وَمَا يُخَالف ذَلِك الْفرق بَين الْمَرْدُود وَالْفَاسِد وَبَين الْمنْهِي عَنهُ وَبَين الْفَاسِد أَن الْمَرْدُود مَا وَقع على وَجه لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب وَذَلِكَ أَنه خلاف المقبول وَالْقَبُول من الله تَعَالَى إِيجَاب الثَّوَاب وَلَا يمنعهُ ذَلِك من ان يكون مجزئا مثل التَّوَضُّؤ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب وَغَيره مِمَّا ذَكرْنَاهُ آنِفا والمنهي عَنهُ ينبىء عَن

стр. 209

كَرَاهَة الناهي لَهُ وَلَا يمنعهُ ذَلِك من أَن يكون مجزئا أَيْضا فَكل وَاحِد من الْمنْهِي عَنهُ والمردود يُفِيد مَا لَا يفِيدهُ الآخر وَالْفَاسِد لَا يكون مجزئا فَهُوَ مفارق لَهَا الْفرق بَين الْحسن والمباح أَن كل مُبَاح حسن وَلَيْسَ كل حسن مُبَاحا وَذَلِكَ أَن أَفعَال الطِّفْل والملجا قد تكون حَسَنَة وَلَيْسَت بمباحة الْفرق بَين الْإِذْن وَالْإِبَاحَة أَن الْإِبَاحَة قد تكون بِالْعقلِ والسمع وَالْإِذْن لَا يكون إِلَّا بِالسَّمْعِ وَحده وَأما الْإِطْلَاق فَهُوَ إِزَالَة الْمَنْع عَمَّن يجوز عَلَيْهِ ذَلِك وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى مُطلق وَإِن الْأَشْيَاء مُطلقَة لَهُ الْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالصَّلَاح أَن الصّلاح استقامة الْحَال وَهُوَ مِمَّا يَفْعَله العَبْد لنَفسِهِ وَيكون بِفعل الله لَهُ لطفا وتوفيقا وَالْإِيمَان طَاعَة الَّتِي يُؤمن بهَا الْعقَاب على ضدها وَسميت النَّافِلَة إِيمَانًا على سَبِيل التبع لهَذِهِ الطَّاعَة والاسلام طَاعَة الله الَّتِي يسلم بهَا من عِقَاب الله وَصَارَ كَالْعلمِ على شَرِيعَة مُحَمَّد وَلذَلِك يَنْتَفِي مِنْهُ الْيَهُود وَغَيرهم وَلَا ينتفون من الْإِيمَان الْفرق بَين الْأمين والمأمون أَن الْأمين الثِّقَة فِي نَفسه والمأمون الَّذِي يأمنه غَيره الْفرق بَين الْكفْر والإلحاد أَن الْكفْر اسْم يَقع على ضروب من الذُّنُوب فَمِنْهَا الشّرك بِاللَّه وَمِنْهَا الْجحْد للنبوة وَمِنْهَا استحلال مَا حرم الله وَهُوَ رَاجع إِلَى جحد النُّبُوَّة وَغير ذَلِك مِمَّا يطول الْكَلَام فِيهِ واصله التغطية والإلحاد اسْم خص بِهِ اعْتِقَاد نفي التَّقْدِيم مَعَ إِظْهَار الْإِسْلَام وَلَيْسَ ذَلِك كفر الْإِلْحَاد أَلا ترى أَن الْيَهُودِيّ لَا يُسمى ملحدا وَأَن كَانَ كَافِرًا وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِي وأصل الْإِلْحَاد الْميل وَمِنْه سمي اللَّحْد لِأَنَّهُ يحْفر فِي جَانب الْقَبْر الْفرق بَين الرِّيَاء والنفاق أَن النِّفَاق إِظْهَار الْإِيمَان مَعَ إسرار الْكفْر وسميى بذلك تَشْبِيها بِمَا يَفْعَله اليربوع وَهُوَ أَن يَجْعَل بجحره بَابا ظَاهرا وبابا بَاطِنا يخرج مِنْهُ إِذا طلبه الطَّالِب وَلَا يَقع هَذَا الِاسْم على من يظْهر

стр. 210

شَيْئا ويخفي غَيره إِلَّا الْكفْر والايمان وَهُوَ اسْم اسلامي والاسلام وَالْكفْر اسمان اسلاميان فَلَمَّا حَدثا وَحدث فِي بعض النَّاس إِظْهَار أَحدهمَا مَعَ إبطان الآخر سمي ذَلِك نفَاقًا والرياء إِظْهَار جميل الْفِعْل رَغْبَة فِي حمد النَّاس لَا فِي ثَوَاب الله تَعَالَى فَلَيْسَ الرِّيَاء من النِّفَاق فِي شَيْء فَأن اسْتعْمل أَحدهمَا فِي مَوضِع الآخر فعلى التَّشَبُّه وَالْأَصْل مَا قُلْنَاهُ الْفرق بَين الذَّنب والقبيح أَن الذَّنب عِنْد الْمُتَكَلِّمين ينبىء عَن كَون الْمَقْدُور مُسْتَحقّا عَلَيْهِ الْعقَاب وَقد يكون قبيحا لَا عِقَاب عَلَيْهِ كالقبح يَقع من الطِّفْل قَالُوا وَلَا يُسمى ذَلِك ذَنبا وَإِنَّمَا يُسمى الذَّنب ذَنبا لما يتبعهُ من الذَّم وأصل الْكَلِمَة على قَوْلهم الِاتِّبَاع وَمِنْه قيل ذَنْب الدَّابَّة لنه كالتابع والذنُوب الَّتِي لَهَا ذَنْب وَيجوز أَن يُقَال إِن الذَّنب يُفِيد أَنه الرذل من الْفِعْل الدنيء وَسمي ذَنبا لِأَنَّهُ أرذل مَا فِي صَاحبه وعَلى هَذَا اسْتِعْمَاله فِي الطِّفْل حَقِيقَة الْفرق بَين الذَّنب وَالْمَعْصِيَة أَن قَوْلك مَعْصِيّة ينبىء عَن كَونهَا مَنْهِيّا عَنْهَا والذنب ينبىء عَن اسْتِحْقَاق الْعقَاب عِنْد الْمُتَكَلِّمين وَهُوَ على القَوْل الآخر فعل رَدِيء وَالشَّاهِد على الْمعْصِيَة تنبىء عَن كَونهَا مَنْهِيّا عَنْهَا قَوْلهم أَمرته فعصاني وَالنَّهْي ينبىء عَن الْكَرَاهَة وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا المعسية مَا يَقع من فَاعله على وَجه قد نهي عَنهُ أَو كره مِنْهُ الْفرق بَين الْمَحْظُور وَالْحرَام أَن الشَّيْء يكون مَحْظُورًا غذا نهى عَنهُ ناه وَأَن كَانَ حسنا كفرض السُّلْطَان التَّعَامُل بِبَعْض النُّقُود أَو الرَّعْي بِبَعْض الْأَرْضين وغن لم يكن قبيحا وَالْحرَام لَا يكون غلا قبيحا إِذا دلّت الدّلَالَة على أَن من حظره لَا يحظر الا الْقَبِيح كالمحظور فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ مَا أعلم الْمُكَلف أَو دلّ على قبحه وَلِهَذَا لَا يُقَال إِن أَفعَال الْبَهَائِم محظورة وان وصفت بالقبح وَقَالَ أَبُو عبد الله الزبيرِي الْحَرَام يكون مُؤَبَّدًا والمحظور قد يكون إِلَى غَايَة وَفرق أَصْحَابنَا بَين قَوْلنَا وَالله لَا آكله وَقَوْلنَا قَالَ وَالله لَا آكله لم يَحْنَث

стр. 211

حَتَّى يَأْكُلهُ كُله وَجعلُوا تَحْرِيمه على نَفسه بِمَنْزِلَة قَوْله وَالله لَا آكل مِنْهُ شَيْئا الْفرق بَين الطغيان والعتو أَن الطغيان مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمَكْرُوه مَعَ غَلَبَة وقهر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (إِنَّا لما طغا المَاء) الْآيَة يُقَال طغا المَاء إِذا جَاوز الْحَد فِي الظُّلم والعتو الْمُبَالغَة فِي لامكروه فَهُوَ دون الطغيان وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَقد بلغت من الْكبر عتيا) قَالُوا كل مبالغ فِي كبرا أَو كفر أَو فَسَاد فقد عتا فِيهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (برِيح صَرْصَر عاتيه) أَي مُبَالغَة فِي الشدَّة وَيُقَال جَبَّار عَادَتْ أَي مبالغ فِي الجبرية وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وكأين من قَرْيَة عَتَتْ عَن امْر رَبهَا) يَعْنِي أَهلهَا تكبروا على رَبهم فَلم يطيعوه الْفرق بَين الْكفْر والشرك أَن الْكفْر خِصَال كَثِيرَة على مَا ذكرنَا وكل خصْلَة مِنْهَا تضَاد خصْلَة من الْإِيمَان لِأَن العَبْد إِذا فعل خصْلَة من الْكفْر فقد ضيع خصْلَة من الْإِيمَان والشرك خصْلَة وَاحِدَة وَهُوَ ايجاد آلِهَة مَعَ الله أَو دون الله واشتقاقه ينبىء عَن هَذَا الْمَعْنى ثمَّ كثر حَتَّى قيل لكل كفر شرك على وَجه التَّعْظِيم لَهُ وَالْمُبَالغَة فِي صفته وَأَصله كفر النِّعْمَة لتضييعة حُقُوق الله وَمَا يجب عَلَيْهِ من شكر نعْمَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَافِر لَهَا ونقيض الشّرك فِي الْحَقِيقَة الْإِخْلَاص ثمَّ لم اسْتعْمل فِي كل كفر صَار نقيضة الْإِيمَان وَلَا يجوز أَن يُطلق اسْم الْكفْر إِلَّا لمن كَانَ بِمَنْزِلَة الجاحد لنعم الله وَذَلِكَ لعظم مَا مَعَه من الْمعْصِيَة وَهُوَ اسْم شَرْعِي كَمَا أَن الايمان اسْم شَرْعِي الْفرق بَين القسق وَالْخُرُوج أَن الْفسق فِي الْعَرَبيَّة خُرُوج مَكْرُوه وَمِنْه يُقَال للفأرة الفويسقة لِأَنَّهَا تخرج من جحرها للافساد وَقيل فسقت الرّطبَة إِذا خرجبت من قشرها لِأَن ذَلِك فَسَاد لَهَا وَمِنْه سمي الْخُرُوج من طَاعَة الله بكبيرة فسقا وَمن الْخُرُوج مَذْمُوم ومحمود وَالْفرق بَينهمَا وَبَين

стр. 212

الْفرق بَين الْفسق والفجور أَن القسق هُوَ الْخُرُوج من طَاعَة الله بكبيرة والفجور الانبعاث فِي الْمعاصِي والتوسع فِيهَا واصله من قولكت أفجرت السكر إِذا خرقت فِيهَا خرقا وَاسِعًا فانبعث المَاء كل منبعث فَلَا يُقَال لصَاحب الصَّغِير فَاجر كَمَا لَا يُقَال لمن خرق فِي السكر خرقا صَغِيرا أَنه قد فجر السكر ثمَّ كثر اسْتِعْمَال الْفُجُور حَتَّى خص بِالزِّنَا واللواط وَمَا أشبه ذَلِك الْفرق بَين قَوْلك كفر النِّعْمَة وقولك بطر النِّعْمَة أَن قَوْلك بطرها يُفِيد أَنه عظمها وبغى فِيهَا وكفرها يُفِيد أَنه عظمها فَقَط وأصل البطر الشق وَمِنْه قيل للبيطار بيطار وَقد بطرت الشَّيْء أَي شققته وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ البطر سَوَاء اسْتِعْمَال النِّعْمَة وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( ﴿بطرت معيشتها﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء الناء) الْفرق بَين الظُّلم والجوز أَن الْجور خلاف الاسْتقَامَة فِي الحكم وَفِي السِّيرَة السُّلْطَانِيَّة تَقول جَار الْحَاكِم فِي حكمه وَالسُّلْطَان فِي سيرته إِذا فَارق الاسْتقَامَة فِي ذَلِك وَالظُّلم ضَرَر لَا يسْتَحق وَلَا يعقب عوضا سَوَاء كَانَ من سُلْطَان أَو حَاكم أَو غَيرهمَا أَلا ترى أَن خِيَانَة الدانق وَالدِّرْهَم تسمى ظلما وَلَا تسمى جورا فان اخذ ذَلِك على وَجه الْقَهْر أَو الْميل سمي جورا وَهَذَا وَاضح وأصل الظُّلم نُقْصَان الْحق والجور الْعُدُول عَن الْحق من قَوْلنَا جَار عَن الطَّرِيق إِذا عدل عَنهُ وخولف بَين النقيضين فَقيل فِي نقيض الظُّلم الانصاف وَهُوَ إِعْطَاء الْحق على التَّمام وَفِي نقيض الْجور الْعدْل وَهُوَ الْعُدُول بِالْفِعْلِ إِلَى الْحق الْفرق بَين السوء والقبيح أَن السوء مَأْخُوذ من أَنه يسود النَّفس بِمَا قربه لَهَا وَقد يلتذ بالقبيح صَاحِبَة كَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَالْغَصْب الْفرق بَين الظُّلم والهضم أَن الهضم نُقْصَان بعض الْحق وَلَا يُقَال

стр. 213

لمن أَخذ جَمِيع حَقه قد هضم وَالظُّلم يكون فِي الْبَعْض وَلكُل وَفِي الْقُرْآن (فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما) أَي لَا يمْنَع حَقه وَلَا بعض حَقه وأصل الهضم فِي الْعَرَبيَّة النُّقْصَان وَمِنْه قيل للمنخفض من الأَرْض هضم وَالْجمع أهضام الْفرق بَين الظُّلم والغشم أَن الغشم كره الظُّلم وعمومه تُوصَف بِهِ الْوُلَاة لِأَن ظلمهم يعم وَلَا يكَاد يُقَال غشمني فِي الْمُعَامَلَة كَمَا يُقَال ظَلَمَنِي فِيهَا وَفِي الْمثل وَال غشوم خير من فتْنَة تدوم وَقَالَ أَبُو بكر الغشم اعتسافك الشَّيْء ثمَّ قَالَ يُقَال غشم السُّلْطَان الرّعية يغشمهم قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال رَحمَه الاعتساف خبط الطَّرِيق على غير هِدَايَة فَكَأَنَّهُ جعل الغشم ظلما يجْرِي على غير طرائق الظُّلم الْمَعْهُودَة الْفرق بَين الظُّلم وَالْبَغي أَن الظُّلم مَا ذَكرْنَاهُ وَالْبَغي شدَّة الطّلب لما لَيْسَ بِحَق بالتغليب واصله فِي الْعَرَبيَّة شدَّة الطّلب وَمِنْه يُقَال دفعنَا بغي السَّمَاء خلفنا أَي شدَّة مطرها وبغى الْجرْح يَبْغِي إِذا ترامى إِلَى فَسَاد يرجع إِلَى ذَلِك الْبغاء وَهُوَ الزِّنَا وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى (والإيم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق) إِنَّه يُرِيد الترؤس على النَّاس بالغلبة والاستطالة الْفرق بَين الْقبْح وَالْفُحْش أَن الْفَاحِش الشَّديد الْقبْح وَيسْتَعْمل الْقبْح فِي الصُّور فَيُقَال القرد قَبِيح الصُّورَة وَلَا يُقَال فَاحش الصُّورَة وَيُقَال فَاحش الْقبْح وَهُوَ فَاحش الطول وكل شَيْء جَاوز حد الِاعْتِدَال مُجَاوزَة شَدِيدَة فَهُوَ فَاحش وَلَيْسَ كَذَلِك الْقَبِيح الْفرق بَين الْحَرَام والسحت أَن السُّحت مُبَالغَة فِي صفة الْحَرَام وَلِهَذَا يُقَال حرَام سحت وَلَا يُقَال سحت حرَام وَقيل السُّحت يُفِيد أَنه حرَام ظَاهر فقولنا حرَام لَا يُفِيد أَنه سحت وَقَوْلنَا سحت يُفِيد أَنه حرَام وَيجوز أَن يُقَال إِن السُّحت الْحَرَام الَّذِي يستأصل الطَّاعَات من قَوْلنَا سحته إِذا استأصلته وَيجوز أَن يكون السُّحت الْحَرَام الَّذِي لَا بكرَة

стр. 214

لَهُ فَكَأَنَّهُ مستأصل وَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ ا , هـ يستأصل صَاحبه الْفرق بَين الْإِثْم والخطيئة أَن الْخَطِيئَة قد تكون من غير تعمد وَلَا يكون الْإِثْم إِلَّا تعمدا ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت الذُّنُوب ككلها خَطَايَا كَمَا سميت إسرافا وأصل الإصراف مُجَاوزَة الْحَد فِي الشَّيْء الْفرق بَين الْإِثْم والذنب أَن الْإِثْم فِي أصل اللُّغَة التَّقْصِير أَثم يَأْثَم إِذا قصر وَمِنْه قَول الْأَعْشَى من المتقارب (جمالية تغتلي بالرداف ... إِذا كذب الآثمات الهجير) الاغتلاء بعد الخطو والرداف جمع رَدِيف وَكذب قصر وعنى بالاثمات المقصرات وَمن ثمَّ سميت الْخمر إِثْمًا لِأَنَّهَا تقصر بشاربها لذهابها بعقله الْفرق بَين الأثم والآثم أَن الأثيم المتمادي فِي الاثم والآثم فَاعل الْإِثْم الْفرق بَين الذَّنب والجرم أَن الذَّنب مَا يتبعهُ الذَّم أَو مَا ييتبع عَلَيْهِ العَبْد من قَبِيح فعله وَذَلِكَ أَن أصل الْكَلِمَة الِاتِّبَاع على مَا ذكرنَا فَأَما قَوْلهم للصَّبِيّ قد أذْنب فانه مجَاز وَيجوز أَن يُقَال الْإِثْم هُوَ الْقَبِيح الَّذِي عَلَيْهِ تبعه والذنب هُوَ الْقَبِيح من الْفِعْل وَلَا يُفِيد معنى التبعة وَلِهَذَا قيل للصَّبِيّ قد أذْنب وَلم نقل قد أَثم وَالْأَصْل فِي الذَّنب الرذل من الْفِعْل كالذنب الَّذِي هُوَ أرذل مَا فِي صَاحبه والجرم مَا يَنْقَطِع بِهِ عَن الْوَاجِب وَذَلِكَ أَن أَصله فِي اللُّغَة الْقطع وَمِنْه قيل للصرام الجرام وَهُوَ قطع التَّمْر الْفرق بَين الْحُوب والذنب أَن الْحُوب يُفِيد أَنه مزجور عَنهُ وَذَلِكَ أَن أَصله فِي الْعَرَبيَّة الزّجر وَمِنْه يُقَال فِي زجر الْإِبِل حوب حوب وَقد سمي الْجمل بِهِ لِأَنَّهُ يزْجر وحاب الرجل يحوب وَقيل للنَّفس حوباء

стр. 215

لِأَنَّهَا تزجو وتدعى الْفرق بَين الْوزر والذنب أَن الْوزر يُفِيد أَنه يثقل صَاحبه وَأَصله الثّقل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك) وَقَالَ تَعَالَى (حَتَّى تضع الْحَرْب اوزارها) أَي أثقالها يَعْنِي السِّلَاح وَقَالَ بَعضهم الْوزر من الْوزر وَهُوَ الملجأ يُفِيد أَن صَاحبه ملتجىء إِلَى غير ملْجأ وَالْأول أَجود وَمِمَّا يُخَالف الظُّلم الْمَذْكُور فِي الْبَاب الْعدْل الْفرق بَينه وَبَين الْإِنْصَاف أَن الانصاف إِعْطَاء النّصْف وَالْعدْل يكون فِي ذَلِك وَفِي غَيره أَلا ترى أَن السَّارِق إِذا قطع قيل أَنه عدل عَلَيْهِ وَلَا يُقَال إِنَّه أنصف وأصل الْإِنْصَاف أَن تعطيه نصف الشَّيْء وَتَأْخُذ نصفه من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَرُبمَا قيل أطلب مِنْك النّصْف كَمَا يُقَال أطلب مِنْك الْإِنْصَاف ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَيُقَال أنصف الشَّيْء إِذا بلغ نصف نَفسه وَنصف غَيره إِذا بلغ نصفه الْفرق بَين الْعدْل والقسط أَن الْقسْط هُوَ الْعدْل ابين الظَّاهِر وَمِنْه سمي الْمِكْيَال قسط وَالْمِيزَان قسطا لِأَنَّهُ يصور لَك الْعدْل فِي الْوَزْن حَتَّى ترَاهُ ظَاهرا وَقد يكون من الْعدْل مَا يخفى وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْقسْط هُوَ النَّصِيب الَّذِي بيّنت وجوهه وتقسط الْقَوْم الشَّيْء تقاسموا بِالْقِسْطِ الْفرق بَين الْعدْل وَالْحسن أَن الْحسن مَا كَانَ الْقَادِر عَلَيْهِ فعله وَلَا يتَعَلَّق بنفع وَاحِد أَو ضره وَالْعدْل حسن يتَعَلَّق بنفع زيد أَو ضرّ عَمْرو أَلا ترى انه يُقَال إِن كل الْحَلَال حسن وَشر الْمُبَاح حسن وَلَيْسَ ذَلِك بِعدْل الْفرق بَين مَا يُخَالف ذَلِك من التَّوْبَة والاعتذار وَالْعَفو والغفران وَمَا يجْرِي مَعَه الْفرق بَين التَّوْبَة والاعتذار أَن التائب مقرّ بالذنب الَّذِي يَتُوب مِنْهُ معترف بِعَدَمِ عذره فِيهِ والمعتذر يذكر أَن لَهُ فِي مَا أَتَاهُ من الْمَكْرُوه عذرا
следующие страницы →