Полный текст (293 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حَتَّى يَأْكُلهُ كُله وَجعلُوا تَحْرِيمه على نَفسه بِمَنْزِلَة قَوْله وَالله لَا آكل مِنْهُ شَيْئا
الْفرق بَين الطغيان والعتو
أَن الطغيان مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمَكْرُوه مَعَ غَلَبَة وقهر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (إِنَّا لما طغا المَاء) الْآيَة يُقَال طغا المَاء إِذا جَاوز الْحَد فِي الظُّلم والعتو الْمُبَالغَة فِي لامكروه فَهُوَ دون الطغيان
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَقد بلغت من الْكبر عتيا) قَالُوا كل مبالغ فِي كبرا أَو كفر أَو فَسَاد فقد عتا فِيهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (برِيح صَرْصَر عاتيه) أَي مُبَالغَة فِي الشدَّة وَيُقَال جَبَّار عَادَتْ أَي مبالغ فِي الجبرية وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وكأين من قَرْيَة عَتَتْ عَن امْر رَبهَا) يَعْنِي أَهلهَا تكبروا على رَبهم فَلم يطيعوه
الْفرق بَين الْكفْر والشرك
أَن الْكفْر خِصَال كَثِيرَة على مَا ذكرنَا وكل خصْلَة مِنْهَا تضَاد خصْلَة من الْإِيمَان لِأَن العَبْد إِذا فعل خصْلَة من الْكفْر فقد ضيع خصْلَة من الْإِيمَان والشرك خصْلَة وَاحِدَة وَهُوَ ايجاد آلِهَة مَعَ الله أَو دون الله واشتقاقه ينبىء عَن هَذَا الْمَعْنى ثمَّ كثر حَتَّى قيل لكل كفر شرك على وَجه التَّعْظِيم لَهُ وَالْمُبَالغَة فِي صفته وَأَصله كفر النِّعْمَة لتضييعة حُقُوق الله وَمَا يجب عَلَيْهِ من شكر نعْمَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَافِر لَهَا ونقيض الشّرك فِي الْحَقِيقَة الْإِخْلَاص ثمَّ لم اسْتعْمل فِي كل كفر صَار نقيضة الْإِيمَان وَلَا يجوز أَن يُطلق اسْم الْكفْر إِلَّا لمن كَانَ بِمَنْزِلَة الجاحد لنعم الله وَذَلِكَ لعظم مَا مَعَه من الْمعْصِيَة وَهُوَ اسْم شَرْعِي كَمَا أَن الايمان اسْم شَرْعِي
الْفرق بَين القسق وَالْخُرُوج
أَن الْفسق فِي الْعَرَبيَّة خُرُوج مَكْرُوه وَمِنْه يُقَال للفأرة الفويسقة لِأَنَّهَا تخرج من جحرها للافساد وَقيل فسقت الرّطبَة إِذا خرجبت من قشرها لِأَن ذَلِك فَسَاد لَهَا وَمِنْه سمي الْخُرُوج من طَاعَة الله بكبيرة فسقا وَمن الْخُرُوج مَذْمُوم ومحمود وَالْفرق بَينهمَا وَبَين
стр. 212
الْفرق بَين الْفسق والفجور
أَن القسق هُوَ الْخُرُوج من
طَاعَة الله بكبيرة والفجور الانبعاث فِي الْمعاصِي والتوسع فِيهَا واصله من قولكت أفجرت السكر إِذا خرقت فِيهَا خرقا وَاسِعًا فانبعث المَاء كل منبعث فَلَا يُقَال لصَاحب الصَّغِير فَاجر كَمَا لَا يُقَال لمن خرق فِي السكر خرقا صَغِيرا أَنه قد فجر السكر ثمَّ كثر اسْتِعْمَال الْفُجُور حَتَّى خص بِالزِّنَا واللواط وَمَا أشبه ذَلِك
الْفرق بَين قَوْلك كفر النِّعْمَة وقولك بطر النِّعْمَة
أَن قَوْلك بطرها يُفِيد أَنه عظمها وبغى فِيهَا وكفرها يُفِيد أَنه عظمها فَقَط وأصل البطر الشق وَمِنْه قيل للبيطار بيطار وَقد بطرت الشَّيْء أَي شققته وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ البطر سَوَاء اسْتِعْمَال النِّعْمَة وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( ﴿بطرت معيشتها﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء الناء)
الْفرق بَين الظُّلم والجوز
أَن الْجور خلاف الاسْتقَامَة فِي الحكم وَفِي السِّيرَة السُّلْطَانِيَّة تَقول جَار الْحَاكِم فِي حكمه وَالسُّلْطَان فِي سيرته إِذا فَارق الاسْتقَامَة فِي ذَلِك وَالظُّلم ضَرَر لَا يسْتَحق وَلَا يعقب عوضا سَوَاء كَانَ من سُلْطَان أَو حَاكم أَو غَيرهمَا أَلا ترى أَن خِيَانَة الدانق وَالدِّرْهَم تسمى ظلما وَلَا تسمى جورا فان اخذ ذَلِك على وَجه الْقَهْر أَو الْميل سمي جورا وَهَذَا وَاضح وأصل الظُّلم نُقْصَان الْحق والجور الْعُدُول عَن الْحق من قَوْلنَا جَار عَن الطَّرِيق إِذا عدل عَنهُ وخولف بَين النقيضين فَقيل فِي نقيض الظُّلم الانصاف وَهُوَ إِعْطَاء الْحق على التَّمام وَفِي نقيض الْجور الْعدْل وَهُوَ الْعُدُول بِالْفِعْلِ إِلَى الْحق
الْفرق بَين السوء والقبيح أَن السوء مَأْخُوذ من أَنه يسود النَّفس بِمَا قربه لَهَا وَقد يلتذ بالقبيح صَاحِبَة كَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَالْغَصْب
الْفرق بَين الظُّلم والهضم
أَن الهضم نُقْصَان بعض الْحق وَلَا يُقَال
стр. 213
لمن أَخذ جَمِيع حَقه قد هضم وَالظُّلم يكون فِي الْبَعْض وَلكُل وَفِي الْقُرْآن (فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما) أَي لَا يمْنَع حَقه وَلَا بعض حَقه وأصل الهضم فِي الْعَرَبيَّة النُّقْصَان وَمِنْه قيل للمنخفض من الأَرْض هضم وَالْجمع أهضام
الْفرق بَين الظُّلم والغشم
أَن الغشم كره الظُّلم وعمومه تُوصَف بِهِ الْوُلَاة لِأَن ظلمهم يعم وَلَا يكَاد يُقَال غشمني فِي الْمُعَامَلَة كَمَا يُقَال ظَلَمَنِي فِيهَا وَفِي الْمثل وَال غشوم خير من فتْنَة تدوم وَقَالَ أَبُو بكر الغشم اعتسافك الشَّيْء ثمَّ قَالَ يُقَال غشم السُّلْطَان الرّعية يغشمهم قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال رَحمَه الاعتساف خبط الطَّرِيق على غير هِدَايَة فَكَأَنَّهُ جعل الغشم ظلما يجْرِي على غير طرائق الظُّلم الْمَعْهُودَة
الْفرق بَين الظُّلم وَالْبَغي
أَن الظُّلم مَا ذَكرْنَاهُ وَالْبَغي شدَّة الطّلب لما لَيْسَ بِحَق بالتغليب واصله فِي الْعَرَبيَّة شدَّة الطّلب وَمِنْه يُقَال دفعنَا بغي السَّمَاء خلفنا أَي شدَّة مطرها وبغى الْجرْح يَبْغِي إِذا ترامى إِلَى فَسَاد يرجع إِلَى ذَلِك الْبغاء وَهُوَ الزِّنَا وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى (والإيم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق) إِنَّه يُرِيد الترؤس على النَّاس بالغلبة والاستطالة
الْفرق بَين الْقبْح وَالْفُحْش
أَن الْفَاحِش الشَّديد الْقبْح وَيسْتَعْمل الْقبْح فِي الصُّور فَيُقَال القرد قَبِيح الصُّورَة وَلَا يُقَال فَاحش الصُّورَة وَيُقَال فَاحش الْقبْح وَهُوَ فَاحش الطول وكل شَيْء جَاوز حد الِاعْتِدَال مُجَاوزَة شَدِيدَة فَهُوَ فَاحش وَلَيْسَ كَذَلِك الْقَبِيح
الْفرق بَين الْحَرَام والسحت
أَن السُّحت مُبَالغَة فِي صفة
الْحَرَام وَلِهَذَا يُقَال حرَام سحت وَلَا يُقَال سحت حرَام وَقيل السُّحت يُفِيد أَنه حرَام ظَاهر فقولنا حرَام لَا يُفِيد أَنه سحت وَقَوْلنَا سحت يُفِيد أَنه حرَام وَيجوز أَن يُقَال إِن السُّحت الْحَرَام الَّذِي يستأصل الطَّاعَات من قَوْلنَا سحته إِذا استأصلته وَيجوز أَن يكون السُّحت الْحَرَام الَّذِي لَا بكرَة
стр. 214
لَهُ فَكَأَنَّهُ مستأصل وَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ ا , هـ يستأصل صَاحبه
الْفرق بَين الْإِثْم والخطيئة
أَن الْخَطِيئَة قد تكون من غير تعمد وَلَا يكون الْإِثْم إِلَّا تعمدا ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت الذُّنُوب ككلها خَطَايَا كَمَا سميت إسرافا وأصل الإصراف مُجَاوزَة الْحَد فِي الشَّيْء
الْفرق بَين الْإِثْم والذنب
أَن الْإِثْم فِي أصل اللُّغَة التَّقْصِير أَثم يَأْثَم إِذا قصر وَمِنْه قَول الْأَعْشَى من المتقارب
(جمالية تغتلي بالرداف ... إِذا كذب الآثمات الهجير)
الاغتلاء بعد الخطو والرداف جمع رَدِيف وَكذب قصر وعنى بالاثمات المقصرات وَمن ثمَّ سميت الْخمر إِثْمًا لِأَنَّهَا تقصر بشاربها لذهابها بعقله
الْفرق بَين الأثم والآثم
أَن الأثيم المتمادي فِي الاثم والآثم فَاعل الْإِثْم
الْفرق بَين الذَّنب والجرم
أَن الذَّنب مَا يتبعهُ الذَّم أَو مَا ييتبع عَلَيْهِ العَبْد من قَبِيح فعله وَذَلِكَ أَن أصل الْكَلِمَة الِاتِّبَاع على مَا ذكرنَا فَأَما قَوْلهم للصَّبِيّ قد أذْنب فانه مجَاز وَيجوز أَن يُقَال الْإِثْم هُوَ الْقَبِيح الَّذِي عَلَيْهِ تبعه والذنب هُوَ الْقَبِيح من الْفِعْل وَلَا يُفِيد معنى التبعة وَلِهَذَا قيل للصَّبِيّ قد أذْنب وَلم نقل قد أَثم وَالْأَصْل فِي الذَّنب الرذل من الْفِعْل كالذنب الَّذِي هُوَ أرذل مَا فِي صَاحبه والجرم مَا يَنْقَطِع بِهِ عَن الْوَاجِب وَذَلِكَ أَن
أَصله فِي اللُّغَة الْقطع وَمِنْه قيل للصرام الجرام وَهُوَ قطع التَّمْر
الْفرق بَين الْحُوب والذنب
أَن الْحُوب يُفِيد أَنه مزجور عَنهُ وَذَلِكَ أَن أَصله فِي الْعَرَبيَّة الزّجر وَمِنْه يُقَال فِي زجر الْإِبِل حوب حوب وَقد سمي الْجمل بِهِ لِأَنَّهُ يزْجر وحاب الرجل يحوب وَقيل للنَّفس حوباء
стр. 215
لِأَنَّهَا تزجو وتدعى
الْفرق بَين الْوزر والذنب
أَن الْوزر يُفِيد أَنه يثقل صَاحبه وَأَصله الثّقل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك) وَقَالَ تَعَالَى (حَتَّى تضع الْحَرْب اوزارها) أَي أثقالها يَعْنِي السِّلَاح وَقَالَ بَعضهم الْوزر من الْوزر وَهُوَ الملجأ يُفِيد أَن صَاحبه ملتجىء إِلَى غير ملْجأ وَالْأول أَجود
وَمِمَّا يُخَالف الظُّلم الْمَذْكُور فِي الْبَاب الْعدْل
الْفرق بَينه وَبَين الْإِنْصَاف
أَن الانصاف إِعْطَاء النّصْف وَالْعدْل يكون فِي ذَلِك وَفِي غَيره أَلا ترى أَن السَّارِق إِذا قطع قيل أَنه عدل عَلَيْهِ وَلَا يُقَال إِنَّه أنصف وأصل الْإِنْصَاف أَن تعطيه نصف الشَّيْء وَتَأْخُذ نصفه من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَرُبمَا قيل أطلب مِنْك النّصْف كَمَا يُقَال أطلب مِنْك الْإِنْصَاف ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَيُقَال أنصف الشَّيْء إِذا بلغ نصف نَفسه وَنصف غَيره إِذا بلغ نصفه
الْفرق بَين الْعدْل والقسط
أَن الْقسْط هُوَ الْعدْل ابين الظَّاهِر وَمِنْه سمي الْمِكْيَال قسط وَالْمِيزَان قسطا لِأَنَّهُ يصور لَك الْعدْل فِي الْوَزْن حَتَّى ترَاهُ ظَاهرا وَقد يكون من الْعدْل مَا يخفى وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْقسْط هُوَ النَّصِيب الَّذِي بيّنت وجوهه وتقسط الْقَوْم الشَّيْء تقاسموا بِالْقِسْطِ
الْفرق بَين الْعدْل وَالْحسن
أَن الْحسن مَا كَانَ الْقَادِر عَلَيْهِ فعله وَلَا يتَعَلَّق بنفع وَاحِد أَو ضره وَالْعدْل حسن يتَعَلَّق بنفع زيد أَو ضرّ عَمْرو أَلا ترى انه يُقَال إِن كل الْحَلَال حسن وَشر الْمُبَاح حسن وَلَيْسَ ذَلِك بِعدْل
الْفرق بَين مَا يُخَالف ذَلِك من التَّوْبَة والاعتذار وَالْعَفو والغفران وَمَا يجْرِي مَعَه
الْفرق بَين التَّوْبَة والاعتذار
أَن التائب مقرّ بالذنب الَّذِي يَتُوب مِنْهُ معترف بِعَدَمِ عذره فِيهِ والمعتذر يذكر أَن لَهُ فِي مَا أَتَاهُ من الْمَكْرُوه عذرا
стр. 216
وَلَو كَانَ الِاعْتِذَار التَّوْبَة لجَاز أَن يُقَال اعتذر الى الله كَمَا يُقَال تَابَ اليه وأصل الْعذر إِزَالَة الشَّيْء عَن جِهَته اعتذر إِلَى فلَان فعذره أَي أَزَال مَا كَانَ فِي نَفسه عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة أَو فِي الظَّاهِر وَيُقَال عذرته عذيرا وَلِهَذَا يُقَال من عذيري من فلَان وتأويله من يأتيني عذر مِنْهُ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (عذرا أَو نذرا) وَالنّذر جمع نَذِير
الْفرق بَين النَّدَم وَالتَّوْبَة أَن التَّوْبَة من النَّدَم وَذَلِكَ أَنَّك قد تندم على الشَّيْء وَلَا تعتقد قبحه وَلَا تكون التَّوْبَة من غير قبح فَكل تَوْبَة نَدم وَلَيْسَ كل نَدم تَوْبَة
الْفرق بَين الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة
أَن الاسْتِغْفَار طلب الْمَغْفِرَة بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَة أَو يغرهما من الطَّاعَة وَالتَّوْبَة النَّدَم على الْخَطِيئَة مَعَ الْعَزْم على ترك المعاودة فَلَا يجوز الاسغفار مَعَ الْإِصْرَار لِأَنَّهُ مسْلبَةٌ لله مَا لَيْسَ من حكمه ومشيئة مَا لَا تَفْعَلهُ مِمَّا قد نصب الدَّلِيل فِيهِ وَهُوَ تحكم عَلَيْهِ كَمَا يتحكم المتأمر المتعظم على غَيره بَان يَأْمُرهُ بِفعل مَا أَخّرهُ أَنه لَا يَفْعَله
الْفرق بَين التأسف والندم
أَن التأسف يكون على الْفَائِت
من فعلك وَفعل غَيْرك والندم جنس من أَفعَال الْقُلُوب لَا يتَعَلَّق إِلَّا بواقع من فعل النادم دون غَيره فَهُوَ مباين لأفعال الْقُلُوب وَذَلِكَ أَن الارادة وَالْعلم وَالتَّمَنِّي والغبط قد يقععلى فعل الْغَيْر كَمَا يَقع على فعل الْمَوْصُوف بِهِ وَالْغَضَب يتَعَلَّق بِفعل الْغَيْر فَقَط
الْفرق بَين الْعَفو والغفران
أَن الغفران يَقْتَضِي إِسْقَاط الْعقَاب وَإِسْقَاط الْعقَاب هُوَ إِيجَاب الثَّوَاب فَلَا يسْتَحق الغفران إِلَّا الْمُؤمن الْمُسْتَحق للثَّواب وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الله فَيُقَال غفر الله لَك وَلَا يُقَال غفر زيد لَك إِلَّا شاذا قَلِيلا وَالشَّاهِد على شذوذه أَنه لَا يتَصَرَّف فِي صِفَات العَبْد كَمَا يتَصَرَّف فِي صِفَات الله تَعَالَى أَلا ترى أَنه يُقَال استغفرت الله تَعَالَى وَلَا يُقَال استغفرت زيدا وَالْعَفو يَقْتَضِي إِسْقَاط اللوم والذم وَلَا يَقْتَضِي إِيجَاب الثَّوَاب وَلِهَذَا يسْتَعْمل فِي العَبْد فَيُقَال عَفا زيد عَن عَمْرو وَإِذا عَفا عَنهُ لم يجب عَلَيْهِ إثابته إِلَّا أَن الْعَفو والغفران
стр. 217
لما تقَارب معنياهما تداخلا واستعملا فِي صِفَات الله جلّ اسْمه على وَجه وَاحِد فَيُقَال عَفا الله عَنهُ وَغفر لَهُ بِمَعْنى وَاحِد وَمَا تعدى بِهِ اللفظان يدل على مَا قُلْنَا وَذَلِكَ أَنَّك تَقول عَفا عَنهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك إِزَالَة شَيْء عَنهُ وَتقول غفر لَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك اثبات شَيْء لَهُ
الْفرق بَين الغفران السّتْر
أَن الغفران أخص وَهُوَ يَقْتَضِي إِيجَاب الثَّوَاب والستر سترك الشَّيْء بستر ثمَّ اسْتعْمل فِي الاضراب عَن ذكر الشَّيْء فَيُقَال ستر فلَان إِذا لم يذكر مَا اطلع عَلَيْهِ من عثراته وَستر الله عيه خلاف فضحه وَلَا يُقَال لمن يستر عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا إِنَّه غفر لَهُ لِأَن الغفران ينبىء عَن اسْتِحْقَاق الثَّوَاب على مَا ذكرنَا وَيجوز أَن يستر فِي الدُّنْيَا على الكفافر وَالْفَاسِق
الْفرق بَين الصفح والغفران
أَن الغفران مَا ذَكرْنَاهُ والصفح التجاوز عَن الذَّنب من قَوْلك صفحت الورقة إِذا تجازتها وَقيل
هُوَ ترك مُؤَاخذَة المذنب وَأَن تبدي لَهُ صفحة جميلَة وَلِهَذَا يسْتَعْمل فِي الله تَعَالَى
الْفرق بَين الإحباط والتكفير
أَن الإحباط هُوَ إبِْطَال عمل الْبر من الْحَسَنَات بالسيئات وَقد حَبط هُوَ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا) وَهُوَ من قَوْلك حَبط بطبنه إِذا فسد بالمأكل الردي والتكفير إبِْطَال السَّيِّئَات بِالْحَسَنَاتِ وَقَالَ تَعَالَى (كفر عَنْهُم سيئاتهم)
الْفرق بَين قَوْلك أبطل وَبَين قَوْلك أدحض
أَن أصل الْإِبْطَال الإهلاك وَمِنْه سمي الشجاع بطلا لإهلاكه قرنه وأصل الإدحاض الإذلال فقولك أبْطلهُ يُفِيد أَنه أهلكه وقولك أدخصه يُفِيد أَنه أزالة وَمِنْه مَكَان دحض إِذا تثبت عَلَيْهِ الْأَقْدَام وَقد دحض إِذا زل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (حجتهم داحضة عِنْد رَبهم)
стр. 218
الْبَاب التَّاسِع عشر
فِي الْفرق بَين الثَّوَاب والعوض وَبَين الْعِوَض وَالْبدل وَبَين الْقيمَة وَالثمن وَالْفرق بَين مَا يُخَالف الثَّوَاب من الْعقَاب وَالْعَذَاب والألم والوجع وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك
الْفرق بَين الثَّوَاب والعوض
أَن الْعِوَض يكون على فعل الْعِوَض وَالثَّوَاب لَا يكون على فعل المثيب وَأَصله المرجوع وَهُوَ مَا يرجع إِلَيْهِ الْعَامِل وَالثَّوَاب من الله تَعَالَى نعيم يَقع على وَجه الإجلال وَلَيْسَ كَذَلِك الْعِوَض لِأَنَّهُ يسْتَحق بالالم فَقَط وَهُوَ مثامنة من غير تعظيمت فالثواب يَقع على جِهَة الْمُكَافَأَة على الْحُقُوق والعوض يَقع على جِهَة المثامنة فِي الْبيُوع
الْفرق بَين الثَّوَاب وَالْأَجْر
أَن الْأجر يكون قيل الْفِعْل الْمَأْجُور عَلَيْهِ وَالشَّاهِد أَنَّك تَقول مَا أعمل حَتَّى أَخذ أجري وَلَا تَقول لَا أعمل حَتَّى أَخذ ثوابي لِأَن الثَّوَاب لَا يكون إِلَّا بعد الْعَمَل على مَا ذكرنَا هَذَا على أَن الْأجر لَا يسْتَحق لَهُ إِلَّا بعد الْعَمَل كالثواب إِلَّا أَن الِاسْتِعْمَال يجْرِي بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأَيْضًا فان الثَّوَاب قد شهر فِي الْجَزَاء على الْحَسَنَات وَالْأَجْر يُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى وَيُقَال على معنى الْأجر الَّتِي هِيَ من طَرِيق المثامنة بِأَدْنَى الْأَثْمَان وفيهَا معنى الْمُعَاوضَة بِالِانْتِفَاعِ
الْفرق بَين الْعِوَض وَالْبدل
أَن الْعِوَض مَا تعقب بِهِ الشَّيْء على جِهَة المثامنة وَتقول هَذَا الدِّرْهَم عوض من خاتمك وَهَذَا الدِّينَار عوض من ثَوْبك وَلِهَذَا يُسمى مَا يُعْطي الله الْأَطْفَال على إيلامه إيَّاهُم إعواضا وَالْبدل مَا يُقَام مقَامه ويوقع موقعه على جِهَة التَّعَاقُب دون المثامنة أَلا ترى أَنَّك تَقول لمن أَسَاءَ من أحسن إِلَيْهِ أَنه بدل نعْمَته كفرا لِأَنَّهُ أَقَامَ الْكفْر
مقَام الشُّكْر فَلَا تَقول عوضه كفرا لِأَن معنى المثامنة لَا يَصح فِي ذَلِك وَيجوز أَن يُقَال الْعِوَض هُوَ الْبَدَل الَّذِي ينْتَفع بِهِ وَإِذا لم يَجْعَل على الْوَجْه الَّذِي ينْتَفع بِهِ لم يسم عوضا وَالْبدل هُوَ الشَّيْء الْمَوْضُوع مَكَان غَيره
стр. 219
لينْتَفع بِهِ أَولا قَالَ بَان دُرَيْد الأبدال جمع بديل مثل أَشْرَاف وشريف وفنيق وأفناق وَقد يكون الْبَدَل الْخلف من الشَّيْء الْبَدَل عِنْد النَّحْوِيين مصدر سمي بِهِ الشَّيْء الْمَوْضُوع مَكَان آخر قبله جَارِيا عَلَيْهِ حكم الأول وَقد يكون من جنسه وَغير جنسه أَلا ترى أَنَّك تَقول مَرَرْت بِرَجُل زيد فتجعل زيدا بَدَلا من رجل وَزيد معرفَة وَرجل نكرَة والمعرفة من غير جنس النكرَة
الْفرق بَين تَبْدِيل الشَّيْء والإتيان بِغَيْرِهِ
أَن الْإِتْيَان بِغَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي رَفعه بل يجوز بَقَاؤُهُ مَعَه وتبديله لَا يكون إِلَّا بِرَفْعِهِ وَوضع أخر مَكَانَهُ وَلَو كَانَ تبديله والاتيان بِغَيْرِهِ سَوَاء لم يكن لقَوْله تَعَالَى (أئت بقرآن غير هَذَا أَو بدله) فَائِدَة وَفِيه كَلَام كثير أوردناه فِي تَفْسِير هَذِه السُّورَة وَقَالَ الْفراء يُقَال بدلة إِذا غَيره وأبدله جَاءَ بِبَدَلِهِ
الْفرق بَين الْعِوَض وَالثمن
أَن الثّمن يسْتَعْمل فِي مَا كَانَ عينا أَو وَرقا والعوض يكون من ذَلِك وَمن غَيره تَقول أَعْطَيْت ثمن السّلْعَة عينا أَو وَرقا وَأعْطيت عوضهَا من ذَلِك أَو من الْعِوَض وَإِذا قيل الثّمن من غير الْعين وَالْوَرق فَهُوَ التَّشْبِيه
الْفرق بَين الْقيمَة وَالثمن
أَن الْقيمَة هِيَ المساوية لمقدار الْمُثمن من غير نُقْصَان وَلَا زِيَادَة وَالثمن قد يكون بخسا وَقد يكون وفقا وزائدا وَالْملك لَا يدل على الثّمن فَكل مَا لَهُ ثمن مَمْلُوك وَلَيْسَ كل مَمْلُوك لَهُ
ثمن وَقَالَ الله تَعَالَى (وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا) فَأدْخل الْبَاء فِي الآيا وَقَالَ فِي سُورَة يُوسُف (وشروه بِثمن بخس) فَأدْخل الْبَاء فِي الثّمن قَالَ الْفراء هَذَا لِأَن الْعرُوض كلهَا أَنْت مُخَيّر فِي إِدْخَال الْبَاء فِيهَا إِن شِئْت قلت اشْتريت بِالثَّوْبِ كسَاء وَإِن شِئْت قلت اشْتريت بالكساء ثوبا أَيهمَا جعلته ثمنا لصَاحبه جَازَ فَإِذا جئت إلى
стр. 220
الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وضعت الْبَاء فِي الثّمن لِأَن الدَّرَاهِم أَبَد ثمن
الْفرق بَين الشِّرَاء والاستبدال
أَن كل شِرَاء استبدال وَلَيْسَ كل استبدال شِرَاء لِأَنَّهُ قد يسْتَبْدل الْإِنْسَان غُلَاما بِغُلَام وأجيرا بأجير وَلم يشتره
الْفرق بَين الْعَذَاب والألم
أَن الْعَذَاب أخص من الْأَلَم وَذَلِكَ أَن الْعَذَاب هُوَ الْأَلَم المستمر يكون سمتمرا وَغير مُسْتَمر أَلا ترى أَن قرصة البعوض ألم وَلَيْسَ بِعَذَاب فَإِن اسْتمرّ ذَلِك قلت عذبني البعوض اللَّيْلَة فَكل عَذَاب ألم وَلَيْسَ كل ألم عذَابا وأصل الْكَلِمَة الِاسْتِمْرَار وَمِنْه يُقَال مَاء عذب لاستمرائه فِي الْحلق
الفرقت بَين الْأَلَم والوجع
أَن الوجع أَعم من الْأَلَم تَقول آلمني زيد بضربه إيادي وأوجعني بذلك وَتقول أوجعني ضَرَبَنِي وَلَا تَقول آلمني ضَرَبَنِي وكل ألم هُوَ يلْحقهُ بك غَيْرك والوجع مَا يلحقك من قبل نَفسك وَمن قبل غَيْرك ثمَّ اسْتعْمل أَحدهمَا فِي مَوضِع الآخر
الْفرق بَين الْأَلَم والوصب
أَن الوصب هُوَ الْأَلَم الَّذِي يلْزم الْبدن لُزُوما دَائِما وَمِنْه يُقَال فلاة واصبه إِذا كَانَت بعيدَة كَأَنَّهَا من شدَّة
بعْدهَا لَا غَايَة لَهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَله الدّين واصبا) وَقَوله تَعَالَى (وَلَهُم عَذَاب واصب)
الْفرق بَين الْعَذَاب والعقا
أَن الْعقَاب ينبىء عَن اسْتِحْقَاق وَسمي بذلك لِأَن الْفَاعِل يسْتَحقّهُ عقيب فعله وَيجوز أَن يكون الْعَذَاب مُسْتَحقّا وَغير متسحق وأصل الْعقَاب التلو وَهُوَ تأدية الأول إِلَى الثَّانِي يُقَال عقب الثَّانِي الأول إِذا تلاه وعقب اللَّيْل نَهَار وَاللَّيْل النَّهَار هما عقيبان وأعقبه بالغبطة حسرة إِذا أبدله بهَا وعقب باعتذار بعد اساءة وَفِي التَّنْزِيل (ولى مدرا وَلم يعقب) اي لم يرجع بعد ذَهَابه تاليا لَهُ مجيئة وَفِيه (لَا معقب لحكمة) وتعقبت فلَانا تتبعت أمره واستعقبت مِنْهُ خيرا وشرا اي استبدلت بِالْأولِ مَا يتلوه من الثَّانِي وتعاقبا
стр. 221
الْأَمر تناوباه بِمَا يَتْلُو كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر وعاقبت اللص بِالْقطعِ الَّذِي يَتْلُو سَرقته واعتقب الرجلن الْعقبَة إِذا ركبهَا كل وَاحِد مِنْهُمَا على مناوبة يَتْلُو سَرقته واعتقب الرّجلَانِ الْعقبَة إِذا ركبهَا كل وَاحِد مِنْهُمَا على مناوبة الآخر (وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين) وعَلى الْمُجْرمين لِأَنَّهَا تعقب الْمُتَّقِينَ خيرا والمجرمين شرا كَمَا تَقول الدائرة لفُلَان على فلَان
الْفرق بَين الْبلَاء والنقمة
أَن الْبلَاء يكون ضَرَرا يكون نفعا وَإِذا أردْت النَّفْع قلت أبليته وَفِي الْقُرْآن (وليبلى الْمُؤمنِينَ مِنْهُ بلَاء حسنا) وَمن الضّر بلوته واصله أَن تختبره بالمكروه وتستخرج مَا عِنْده من الصَّبْر وَيكون ذَلِك ابْتِدَاء والنقمة لَا تكون غلا جَزَاء وعقوبة وَأَصلهَا شدَّة الْإِنْكَار تَقول نقمت عَلَيْهِ الْأَمر إِذا أنكرته عَلَيْهِ وَقد تسمى النقمَة بلَاء وَالْبَلَاء لَا يُسمى نقمة إِذا كَانَ ابْتِدَاء وَالْبَلَاء أيتضا اسْم للنعمة وَفِي
كَلَام الْأَحْنَف الْبلَاء ثمَّ الثَّنَاء أَي النِّعْمَة ثمَّ الشُّكْر
الْفرق بَين قَوْلك أنكر وَبَين وقولك نقم أَن قَوْلك نقم أبلغ من قَوْلك أنكر وَمعنى نقم أنكر إِنْكَار المعاقب وَمن ثمَّ سمي الْعقَاب نقمه
الْفرق بَين الْعقَاب والانتقام
أَن الانتقام سلب النِّعْمَة بِالْعَذَابِ وَالْعِقَاب جَزَاء على الجرم بِالْعَذَابِ لِأَن الْعقَاب نقيض الثَّوَاب والانتقام نقيض الإنعام
الْفرق بَين الْخَوْف والحذر والخشية والفزع
أَن الْخَوْف توقع الضَّرَر الْمَشْكُوك فِي وُقُوعه وَمن يتَيَقَّن الضَّرَر لم يكن خَائفًا لَهُ وَكَذَلِكَ الرَّجَاء لَا يكون إِلَّا مَعَ الشَّك وَمن تَيَقّن النَّفْع لم يكن راجيا لَهُ والحذر توقي الضَّرَر وَسَوَاء كَانَ مظنونا أَو متيقنا والحذر يدْفع الضَّرَر وَالْخَوْف لَا يَدْفَعهُ وَلِهَذَا يُقَال خُذ حذرك وَلَا يُقَال خُذ خوفك
الْفرق بَين الحذر والاحتراز
أَن الِاحْتِرَاز هُوَ التحفظ من الشَّيْء الْمَوْجُود والحذر هُوَ التحفظ مِمَّا لم يكن إِذا علم أَنه يكون أَو ظن ذَلِك
стр. 222
الْفرق بَين الْخَوْف والخشية
أَن الْخَوْف يتَعَلَّق بالمكروه وَيتْرك الْمَكْرُوه تَقول خفت زيدا كَمَا قَالَ تَعَالَى (يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم) وَتقول خفت الْمَرَض كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ (وَيَخَافُونَ سوء الْحساب) والخشية تتَعَلَّق بمنزل الْمَكْرُوه وَلَا يُسمى الْخَوْف من نفس الْمَكْرُوه خشيَة وَلِهَذَا قَالَ (ويخشون رَبهم وَيَخَافُونَ سوء الْحساب) فَإِن
قيل أَلَيْسَ قد قَالَ (إِنِّي خشيت أَن تَقول فرقت بَين بَين إِسْرَائِيل) قُلْنَا إِنَّه خشِي القَوْل الْمُؤَدِّي إِلَى الْفرْقَة والمؤدي إِلَى الشَّيْء بِمَنْزِلَة من يَفْعَله وَقَالَ بعض الْعلمَاء يُقَال خشيت زيدا وَلَا يُقَال خشيت ذهَاب زيد فَإِن قيل ذَلِك فَلَيْسَ على الأَصْل وَلَكِن على ضع الخشية مَكَان الْخَوْف وَقد يوضع الشَّيْء مَكَان الشَّيْء إِذا قرب مِنْهُ
الفقرق بَين الخشية والشفقة
أَن الشَّفَقَة ضرب من الرقة وَضعف الْقلب ينَال الْإِنْسَان وَمن ثمَّ يُقَال للْأُم إِنَّهَا تشفق على وَلَدهَا أَي ترق لَهُ وَلَيْسَت هِيَ من الخشية وَالْخَوْف فِي شَيْء والشاهده قَوْله تَعَالَى (الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون) وَلَو كَانَت الخشية هِيَ الشَّفَقَة لما حسن أَن يَقُول ذَلِك كَمَا لَا يسحن أَن يَقُول يَخْشونَ من خشيَة رَبهم وَمن هَذَا الأَصْل قَوْلهم ثوب شفق إِذا كَانَ رَقِيقا وشبهت بِهِ البدا لِأَنَّهَا حمرَة لَيست بالمحكمة فقولك اشفقت من كَذَا مَعْنَاهُ ضعف قلبِي عَن احْتِمَاله
الْفرق بَين الْخَوْف والرهبة
أَن الرهبة طول الْخَوْف واستمراره وَمن ثمَّ قيل للراهب رَاهِب لِأَنَّهُ يدم أخوف واصله من قَوْلهم جمل رهب إِذا كَانَ طَوِيل الْعِظَام مشبوح الْخلق والرهابة الْعظم الَّذِي على رَأس الْمعدة يرجع الى هَذَا وَقَالَ عَليّ بن عيس الرهبة خوف يقع
стр. 223
على شريطة لَا مَخَافَة وَالشَّاهِد أَن نقيضها الرَّغْبَة وَهِي السَّلامَة من المخاوف مَعَ حُصُول فَائِدَة وَالْخَوْف مَعَ الشَّك بِوُقُوع الشرر والرهبة مَعَ الْعلم بِهِ يَقع على شريطة كَذَا وَإِن لم تكن الشريطة لم تقع
الْفرق بَين التخويف والإنذار
أَن الْإِنْذَار تخويف مَعَ إِعْلَام مَوضِع المخافة من قَوْلك نذرت بالشَّيْء إِذا عَلمته فاستعددت لَهُ فَإِذا خوف الْإِنْسَان غير وأعلمه حَال مَا يخوفه بِهِ فقد أنذره وَإِن لم يُعلمهُ ذَلِك لم يقل
أنذره وَالنّذر مَا يَجعله الانسان على نَفسه إِذا سلم مَا يخافه والانذار إِحْسَان من الْمُنْذر وَكلما كَانَت المخافة أَشد كَانَت النِّعْمَة بالإنذار أعظم وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي أعظم النَّاس مِنْهُ بإنذاره لَهُم عِقَاب الله تَعَالَى
الْفرق بَين الْإِنْذَار وَالْوَصِيَّة
أَن الْإِنْذَار لَا يكون إِلَّا مِنْك لغيرك وَتَكون الْوَصِيَّة مِنْك لنَفسك ولغيرك تَقول أوصيت نَفسِي كَمَا توقل أوصيت غَيْرِي وَلَا تَقول أنذرت نفسن والإنذار لَا يكون بالزجر عَن الْقَبِيح وَمَا يعْتَقد الْمُنْذر قبح وَالْوَصِيَّة تكون بالْحسنِ وَلَا يجوز أَن ينذره إِلَّا فِي مَا هُوَ قَبِيح وَقيل النذراة نقيضة الْبشَارَة وَلَيْسَت الْوَصِيَّة نقيضة الْبشَارَة
الْفرق بَين الْخَوْف والهلع والفزع
أَن الْفَزع مفاجاة الْخَوْف عِنْد هجوم غَارة أَو صَوت هدة وَمَا أشبه ذَلِك وَهُوَ انزعاج الْقلب بتوقع مَكْرُوه عَاجل وَتقول فزعت مِنْهُ فتعدية بِمن وَخِفته فتعدية بِنَفسِهِ فَمَعْنَى خفتة أَي هُوَ نَفسه خوفي وَمعنى فزعت مِنْهُ أَي هُوَ ابْتِدَاء فزعي بِنَفسِهِ فَمَعْنَى خفته أَي هُوَ نَفسه خوفي وَمعنى فزعت مِنْهُ أَي هُوَ ابْتِدَاء فزعي لِأَن من لابتداء العاية وَهُوَ يُؤَكد مَا ذَكرْنَاهُ وَأما الْهَلَع فو أَسْوَأ الْجزع وَقيل الهلوع على مَا فسره الله تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى (إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا) وَلَا يُسمى هلوعا حَتَّى تجمع فِيهِ هَذِه الْخِصَال
стр. 224
الْفرق بَين الْخَوْف والهول
أَن الهول مَخَافَة الشَّيْء لَا يدْرِي على مَا يقحم عَلَيْهِ مِنْهُ كهول اللَّيْل وهول الْبَحْر وَقد هالني الشَّيْء وَهُوَ هائل وَلَا يُقَال أَمر مهول أَن الشَّاعِر فِي بَيت من الْخَفِيف
(ومهول من المناهل وَحش ... ذِي عراقيب آجن مدفان)
وَتَفْسِير المهول أَن فِيهِ هولا وَالْعرب إِذا كَانَ الشَّيْء أنشىء لَهُ يخرجونه على فَاعل كَقَوْلِهِم دارع وَإِذا كَانَ الشَّيْء أنشىء فِيهِ أَخْرجُوهُ على مفعول مثل محبون فِيهِ ذَلِك ومديون عَلَيْهِ ذَلِك وَهَذَا قَول الْخَلِيل
الْفرق بَين الْخَوْف والوجل
أَن الْخَوْف خلاف الطُّمَأْنِينَة وَجل الرجل يوجل وجلا وَإِذا قلت وَلم يطمئن وَيُقَال أَنا من هَذَا على وَجل وَمن ذَلِك على طمأنينة وَلَا يُقَال على خوف فِي هَذَا الْموضع وَفِي الْقُرْآن (الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم) أَي إِذا ذكرت عَظمَة الله وَقدرته لم تطمئِن قُلُوبهم إِلَى مَا قدموه من الطَّاعَة وظنوا أَنهم مقصرون فاضطربوا من ذَلِك وقلقوا فَلَيْسَ الوجل من الْخَوْف فِي شَيْء وَخَافَ مُتَعَدٍّ ووجل غير مُتَعَدٍّ وصيغتاهما مُخْتَلِفَتَانِ أَيْضا وَذَلِكَ يدل على فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى
الْفرق بَين الاتقاء والخشية
أَن فِي الاتقاء معنى الاحتراس مِمَّا يخَاف وَلَيْسَ ذَلِك فِي الخشية
الْفرق بَين الْخَوْف والبأس والبؤس
أَن الْبَأْس يجْرِي على الْعدة من السِّلَاح وَغَيرهَا وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى (وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد) وَيسْتَعْمل فِي مَوضِع الْخَوْف مجَازًا فَيُقَال لَا بَأْس عَلَيْك وَلَا بَأْس فِي هَذَا الْفِعْل أَي لَا كَرَاهَة فِيهِ
الْفرق بَين الْحيرَة والدهش
أَن الدهش حيرة مَعَ تردد واضطراب وَلَا يكون إِلَّا ظَاهر وَيجوز أَن تكون الْحيرَة خافية كحيرة الْإِنْسَان بَين أَمريْن تروى فيهمَا وَلَا يدْرِي على أَيهمَا يقدم وَلَا يظْهر حيرته وَلَا يجوز أَن
стр. 225
يدهش وَلَا يظْهر دهشته
الْفرق بَين الخجل وَالْحيَاء
أَن الخجل معنى يظْهر فِي الْوَجْه
لغلم يلْحق الْقلب عِنْد ذهَاب حجَّة أَو ظُهُور على رِيبَة وَمَا أشبه ذَلِك فَهُوَ شَيْء تَتَغَيَّر بِهِ الهيبة وَالْحيَاء هُوَ الاتداع بِقُوَّة الْحيَاء وَلِهَذَا يُقَال فلَان يستحي فِي هَذَا الْحَال أَن يفعل كَذَا وَلَا يُقَال يخجل أَن يَفْعَله فِي هَذِه الْحَال لِأَن هَيْئَة لَا تَتَغَيَّر مِنْهُ قبل أَن يفعل فالخجل مِمَّا كَانَ وَالْحيَاء مِمَّا يكون وَقد يسْتَعْمل الْحيَاء مَوضِع الخجل توسعا وَقَالَ الْأَنْبَارِي أصل الخجل فِي اللُّغَة الكسل والتواني وَقلة الْحَرَكَة فِي طلب الرزق ثمَّ كثر اسْتِعْمَال الْعَرَب لَهُ حَتَّى أَخْرجُوهُ على معنى الأنقطاع فِي الْكَلَام وَفِي الحَدِيث إِذا جعتن دقعتن وَإِذا شبعتن خجلتن دقعتن أَي ذللتن وخجلتن كسلتن وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الخجل هَهُنَا الأشر وَقيل هُوَ سوء احْتِمَال العناء وَقد جَاءَ عَن الْعَرَب الخجل بِمَعْنى الدهش قَالَ الْكُمَيْت من المتقارب
(فَلم يدقعوا عِنْدَمَا نابهم ... لوقع الحروب وَلم يخجلوا)
أَي لم يبقوا دهشين مبهوتين
الْفرق بَين الرَّجَاء والطمع
أَن الرَّجَاء هُوَ الظَّن بِوُقُوع الْخَيْر الَّذِي يعترى صَاحبه الشَّك فِيهِ إِلَّا أَن ظَنّه أغلب وَلَيْسَ هُوَ من قبيل الْعلم وَالشَّاهِد أَنه لَا يُقَال أَرْجُو أَن يدْخل النَّبِي الْجنَّة لكَون ذَلِك متيقنا وَيُقَال أَرْجُو أَن يدْخل فلَان الْجنَّة إِذا لم يعلم ذَلِك والرجاء الأمل فِي الْخَيْر والخشية الْخَوْف فِي الشَّرّ لِأَنَّهُمَا يكونَانِ مَعَ الشَّك فِي المرجو والمخوف وَلَا يكون الرَّجَاء إِلَّا عَن سَبَب يَدْعُو إِلَيْهِ من كرم المرجو أَو مَا بِهِ إِلَيْهِ وَيَتَعَدَّى بِنَفسِهِ تَقول رَجَوْت زيدأ وَالْمرَاد رَجَوْت الْخَيْر من زيد لِأَن
стр. 226
الرَّجَاء لَا يتَعَدَّى إِلَى أَعْيَان الرِّجَال والطمع مَا يكون من غير سَبَب يَدْعُو
إِلَيْهِ فَإِذا طمعت فِي الشَّيْء فكأنك حدثت نَفسك بِهِ من غير أَن يكون هُنَاكَ سَبَب يَدْعُو اليه وَلِهَذَا ذمّ الطمع وَلم يذم الرَّجَاء والطمع يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول بِحرف فَتَقول طمعت فِيهِ كَمَا تَقول فرقت مِنْهُ وحذرت مِنْهُ وَاسم الْفَاعِل طمع مثل حذر وَفرق ودئب إِذا جعلته كالنسبة وَإِذا بنيته على الْفِعْل قلت طامع
الْفرق بَين الوجل والأمل
أَن الأمل رَجَاء يسْتَمر فلأجل هَذَا قيل للنَّظَر فِي لاشيء إِذا اسْتمرّ وَطَالَ تَأمل وَأَصله من الأميل وَهُوَ الرمل المستطيل
الْفرق بَين الْيَأْس والقنوط والخيبة
أَن الْقنُوط أَشد مُبَالغَة من الْيَأْس وَأما الخيبة فَلَا تكون إِلَّا بعد الأمل لنها امْتنَاع نيل مَا أمل فَأَما الْيَأْس فقد يكون قبل الأمل وَقد يكون بعده والرجاء واليأس نقيضان يتعاقبان كتعاقب الخيبة وَالظفر والخائب المتقطع عَمَّا أمل
стр. 227
الْبَاب الْعشْرُونَ
الْفرق بَين الْكبر والتيه والجبرية والزهور وَبَين مَا يُخَالف ذَلِك من التذلل والخضوع والخشوع والهون وَمَا بسبيل ذَلِك
الْفرق بَين الْكبر والتيه
أَن الْكبر هُوَ إِظْهَار عَظِيم الشَّأْن وَهُوَ فِي صِفَات الله تَعَالَى مدح لِأَن شَأْنه عَظِيم وَفِي صفاتنا ذمّ لن شَأْننَا صَغِير وَهل أهل للعظمة ولسنا لَهَا بَاهل والشأن هَهُنَا معنى صِفَاته الَّتِي هِيَ فِي أَعلَى مَرَاتِب التَّعْظِيم ويستحيل مُسَاوَاة الْأَصْفَر لَهُ فِيهَا على وَجه من الْوُجُوه وَالْكَبِير الشَّخْص وَالْكَبِير فِي السن وَالْكَبِير فِي الشّرف وَالْعلم يُمكن مُسَاوَاة الصَّغِير لَهُ أما فِي السن فبتضاعف مُدَّة الْبَقَاء فِي الشَّخْص تتاعف أجزاوه وَأما بِالْعلمِ فباكتساب مثل ذَلِك الْعلم والتيه أَصله الْحيرَة والضلال وَإِنَّمَا سمي المتكبر تائها على وَجه التَّشْبِيه بالضلال والتحير وَلَا يُوصف الله بِهِ والتيه من الأَرْض مَا يتحير فِيهِ وَفِي الْقُرْآن (يتيهون فِي الأَرْض) أَي يتحيرون
الْفرق بَين الْكبر والكبرياء
أَن الْكبر مَا ذَكرْنَاهُ والكبرياء هِيَ الْعِزّ وَالْملك وَلَيْسَت من الْكبر فِي شَيْء وَالشَّاهِد قَوْله تَعَالَى (وَتَكون لَكمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْض) يَعْنِي الْملك وَالسُّلْطَان والعزة وَأما التكبر فَهُوَ إِظْهَار الْكبر مثل التشجع إِظْهَار الشجَاعَة إِلَّا أَنه فِي صِفَات الله تَعَالَى بِمَعْنى أَنه يحِق لَهُ أَن يعْتَقد أَنه الْكَبِير وَهُوَ على معنى قَوْلهم تقدس
وَتَعَالَى لَا على ترفع علينا وتظيم وَقيل المتكبر فِي صِفَاته بِمَعْنى أَنه المتكبر عَن ظلم عبَادَة
الْفرق بَين الْكبر والجبرية والجبروت
أَن الجبرية أبلغ من الْكبر وَكَذَلِكَ الجبروت وَيدل على هَذَا فخامة لَفظهَا وفخامة اللفط تدل على فخامة الْمَعْنى فِي مَا يجْرِي هَذَا المجرى وَلِهَذَا قَالَ أهل الْعَرَبيَّة الملكوت أبلغ من الْملك لفخامة
стр. 228
لَفظه وَكَذَلِكَ الطاغوت أبلغ من الطاغي لفخامة لَفظه وَلَكِن كثر اسْتِعْمَال الطاغوت حَتَّى سمي كل مَا عبد من دون الله طاغوتا وَسمي الشَّيْطَان بِهِ لشدَّة طغيانة وكل من جَاوز الْحَد فِي ضرب أَو مَعْصِيّة من الشَّرّ وَالْمَكْرُوه فقد طفى وتجبر أبلغ من تكبر وَقَالَ بعض الْعلمَاء تجبر الرجل إِذا تعظم بالقهر وَهَذَا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ من انه أبلغ من تكبر لِأَن التكبر لَا يتَضَمَّن معنى الْقَهْر والجبار القهار والجبار الْعَظِيم فِي قَوْله تَعَالَى (إِن فِيهَا قوما جبارين) والجبار المتسلط فِي قَوْله تَعَالَى (وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين) قَالُوا قتالين والإجبار الْإِكْرَاه وجبر النَّقْص إتمامة وجبر الْمُصِيبَة رفعا بِالنعْمَةِ والجبارة خشب الْجَبْر واجتبر واتجبر تعظم بالقهر والجبار الَّذِي لَا أرش فِيهِ وَقيل الْجَبَّار فِي صِفَات الله تَعَالَى بِمَعْنى أَنه لَا يُبَالِي بالأذى وَأَصله فِي النَّخْلَة الَّتِي فَاتَت الْيَد وَيُقَال تجبر الرجل مَالا إِذا أصَاب مَالا وتجبر النبت إِذا نبت فِي يايسة الرطب وَقَالَ ابْن عَطاء الْجَبَّار فِي أَسمَاء الله تَعَالَى جلّ اسْمه بِمَعْنى أَنه يجْبر الْكسر والجبرية مصدر مَنْسُوب إِلَى الجبروت بِحَذْف الْوَاو وَالتَّاء والجبروات أَيْضا يجْرِي مجْرى المصادر وَمَعْنَاهُ المبالقة فِي التجبر
الْفرق بَين الْكبر والزهو
أَن الْكبر إِظْهَار عظم الشَّأْن وَهُوَ فِينَا خَاصَّة رفع النَّفس فَوق الِاسْتِحْقَاق والزهو على مَا يَقْضِيه الِاسْتِعْمَال رفع شَيْء إِيَّاهَا من مَال أَو جاه وَمَا أشبه ذَلِك أَلا ترى أَنه يُقَال زها الرجل وَهُوَ مزهو كَأَن شَيْئا زهاه أَي رفع قدره عِنْده وَهُوَ من قَوْلك زهت الرّيح الشَّيْء إِذا رفعته والزهو التزيد فِي الْكَلَام
الْفرق بَين الزهو والنخوة
أَن النخوة هِيَ أَن ينصب رَأسه من الْكبر
стр. 229
وَلِهَذَا يُقَال فِي رَأسه نخو ويتصرف فِي الْعَرَبيَّة كتصرف الزهو فَيُقَال نخا الرجل فَهُوَ منخو إِلَّا أَنه لم يسمع نخاه كَذَا كَمَا يُقَال زهاه كَذَا
الْفرق بَين النخوة والخنزوانة
أَن الخنزوالنه هِيَ أَن يشمخ أَنفه من الْكبر وَيفتح منخره وَلِهَذَا يُقَال فِي أَنفه خنزواله وَلَا يُقَال فِي أَنفه نخوة وَيُقَال أَيْضا فِي رَأسه خنزوانه إِذا مَال رَأسه من الْكبر وَشبههَا بأمالة أَنفه
الْفرق بَين الْعجب وَالْكبر
أَن الْعجب بالشَّيْء شدَّة السرُور بِهِ حَتَّى لَا يعادله شَيْء عِنْد صَاحبه تَقول هُوَ معجب بفلانة إِذا كَانَ شَدِيد السرُور بهَا وَهُوَ معجب بِنَفسِهِ إِذا كَانَ مَسْرُورا بخصالها وَلِهَذَا يُقَال أعجبه كَمَا يُقَال سر بِهِ فليسي الْعجب من الْكبر فِي شَيْء وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى الْعجب عقد النَّفس على فَضِيلَة لَهَا يَنْبَغِي أَن يتعجب مِنْهَا وَلَيْسَت هِيَ لَهَا
الْفرق بَين الاستكبار والاستنكاف
أَن فِي الاستنكاف معنى الأنفة وَقد يكون الاستكبار طلبَهَا الْكَبِير من غير أَنفه وَقَالَ تَعَالَى (وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر) أَي يساتنكف عَن الاقرار بالعبودية ويستكبر عَن الاذعان بِالطَّاعَةِ
الْفرق بَين الْخُشُوع والخضوع
أَن الْخُشُوع على مَا قيل فعل يرى فَاعله أَن من يخضع لَهُ فَوْقه وَأَنه أعظم مِنْهُ والخشوع فِي الْكَلَام خَاصَّة
وَالشَّاهِد قَوْله تَعَالَى (وخشعت الْأَصْوَات للرحمن) وَقيل هما من أَفعَال الْقُلُوب وَقَالَ ابْن دُرَيْد ياقل خضع الرجل للْمَرْأَة وأخضع إِذا ألان كَلَامه لَهَا قَالَ والخضاضع المطأطىء رَأسه وعنقه وَفِي التَّنْزِيل (فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين) وَعند بَعضهم أَن الْخُشُوع لَا يكون غلا مَعَ خوف الخاشع المخشوع لَهُ وَلَا يكون تكلفا وَلِهَذَا يُضَاف إِلَى الْقلب فَيُقَال خشع قلبه وَأَصله البس وَمِنْه يُقَال قف خاشع للَّذي تغلب عَلَيْهِ السهولة والخضوع هُوَ التطامن والتطأطؤ وَلَا يَقْتَضِي
стр. 230
أَن يكون مَعَه خوف وَلِهَذَا لَا يجوز إِضَافَته إِلَى الْقلب فَيُقَال خضع قلبه وَقد يجوز أَن يخضع الْإِنْسَان تكلفا من غير أَن يعْتَقد أَن المخضوع لَهُ فَوْقه وَلَا يكون الْخُشُوع كَذَلِك وَقَالَ بَعضهم الخضوع قريب الْمَعْنى من الْخُشُوع إِلَّا أَن الخضوع فِي الْبدن وَالْإِقْرَار بالاستجداء والخشوع فِي الصَّوْت
الْفرق بَين التَّوَاضُع والتذلل
أَن التذلل إِظْهَار الْعَجز عَن مقاومة من يتذلل لَهُ والتواضع إِظْهَار قدرَة من يتواضع لَهُ سَوَاء كَانَ ذَا قدرَة على التَّوَاضُع أَو لَا أَلا ترى أَنه يُقَال الْملك متواضع لخدمة أَي يعاملهم مُعَاملَة من لَهُ عَلَيْهِم قدرَة وَلَا يُقَال يتذلل لَهُم لن التذلل إِظْهَار الْعَجز عَن مقاومة المتذلل لَهُ وَأَنه قاهر وَلَيْسَت هَذِه صفة الْملك مَعَ خدمَة
الْفرق بَين التذلل والذل
أَن التذلل فعل الْمَوْصُوف بِهِ وَهُوَ إِدْخَال النَّفس فِي الذل كالتحلم إِدْخَال النَّفس فِي الْحلم والذليل الفعول بِهِ الذل من قبل غَيره فِي الْحَقِيقَة وَإِن كَانَ من جِهَة اللَّفْظ فَاعِلا وَلِهَذَا يمدح الرجل بِأَنَّهُ متذلل وَلَا يمدح بِأَنَّهُ ذليل لِأَن تذلله لغيره اعترافه لَهُ وَالِاعْتِرَاف حسن وَيُقَال الْعلمَاء متذللون لله تَعَالَى وَلَا يُقَال أذلاء لَهُ سُبْحَانَهُ
الْفرق بَين الذل والضعة
أَن الضعة لَا تكون إِلَّا بِفعل الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَلَا يكون بِفعل غَيره وضعيا كَمَا يكون بعفل غَيره ذليلا وَإِذا
غَلبه غَيره قيل هُوَ ذليل وَلم يقل هُوَ وضيع وَيجوز أَن يكون ذليلا لِأَنَّهُ يسْتَحق الذل كالمؤمن يصير فِي ذل الْكفْر فيعيش بِهِ ذليلا وَهُوَ عَزِيز فِي الْمَعْنى فَلَا يجوز أَن يكون الوضيع رفيعا
الْفرق بَين الذل وَالصغَار
أَن الصغار هُوَ الِاعْتِرَاف بالذل وَالْإِقْرَار بِهِ وَإِظْهَار صغر وخلافه الْكبر وَهُوَ إِظْهَار عظم الشَّأْن وَفِي الْقُرْآن (سيصيب الَّذين أجرموا صغَار عِنْد الله) وَذَلِكَ أَن العصاة بِالآخِرَة مقرون بالذل معترفون بِهِ وَيجوز أَن يكون ذليل لَا يعْتَرف بالذل
стр. 231
الْفرق بَين الذل والخزي
أَن الخزي ذل مَعَ افتضاح وَقيل هُوَ الانقماع لقح الْفِعْل والخزاية الاستحياء لِأَنَّهُ انقماع عَن الشَّيْء لما فِيهِ من الْعَيْب قَالَ بَان درسْتوَيْه الخزي الْإِقَامَة على السوء خزي يخزى خزيا وَإِذا استحيا من سوء فعله أَو فعل بِهِ قيل خزي يخزى خزاية لِأَنَّهُمَا فِي معنى وَاحِد وَلَيْسَ ذَلِك بِشَيْء لِأَن الأقامة على السوء والاستحياء من السوء ليسَا بِمَعْنى وَاحِد
الْفرق بَين الضراعة والذل
أَن الضراعة مُشْتَقَّة من الضَّرع والضرع معرض لحالبه والشارب مِنْهُ فالضارع هُوَ المنقاد الَّذِي لَا امْتنَاع بِهِ وَمِنْه التضرع فِي الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَغَيرهمَا وَمِنْه الشريع الَّذِي ذكره فِي كِتَابه إِنَّمَا هُوَ من طَعَام وذل لَا مَنْفَعَة فِيهِ لآكله كَمَا وَصفه الله تَعَالَى بقوله (لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع) ويجوم ان يُقَال التضرع هُوَ أَن يمِيل إصبعه يَمِينا وَشمَالًا خوفًا وذلا وَمِنْه سمي الضَّرع ضرعا لميل اللَّبن اليه والمضارعة المشابهة لِأَنَّهَا ميل إِلَى الشّبَه مثل المقاربة
الْفرق بَين الخضوع والذل
أَن الخضوع مَا ذَكرْنَاهُ والذل
الانقياد كرها ونقيضه الْعِزّ وَهُوَ الإباء والامتناع والانقياد على كره وفاعله ذليل والذل والانقياد طَوْعًا وفاعله ذَلُول
الْفرق بَين الخضوع والإخبات
أَن المخبت هُوَ المطمئن بِالْإِيمَان وَقيل هُوَ الْمُجْتَهد بِالْعبَادَة وَقيل الملازم للطاعة والسكون وَهُوَ من أَسمَاء الممدوح مثل الْمُؤمن والمتقي وَلَيْسَ كَذَلِك الخضوع لِأَنَّهُ يكون مدحا وذما وأصل الإخبارت أَن يصير إِلَى خبت تَقول أخبت إِذا صَار إِلَى خبت وَهُوَ الأَرْض المستوية الواسعة كَمَا تَقول أنجد إِذا صَار إِلَى نجد فالإخبات على مَا يُوجِبهُ الِاشْتِقَاق هُوَ الخضوع المسمر على اسْتِوَاء
الْفرق بَين الإذلال والإهانة
أَن إذلال الرجلت للرجل هُنَا أَن يَجعله منقادا على الكره أَو فِي حكم المنقاد والاهانة أَن يَجعله صَغِير الْأَمر لَا
стр. 232
يبالى بِهِ وَالشَّاهِد قَوْلك استهان بِهِ أَي لم يبال بِهِ وَلم يلْتَفت اليه والإذال لَا يكون إِلَّا من الْأَعْلَى للأدنى والاستهانة تكون من النظير للنظير ونقيض الإذلال الإعزاز ونقيض الإهانة الْإِكْرَام فَلَيْسَ أَحدهمَا من الآخر فِي شَيْء إِلَّا أَنه لما كَانَ الذل يتبع الهوان سمي الهوان ذلا وإذلال أَحَدنَا لغيره غلبته لَهُ على وَجه يظْهر ويشتهر أَلا ترى أَنه إِذا غَلبه فِي خلْوَة لم يقل أَنه أذله وَيجوز أَن يُقَال إِن إهانة أَحَدنَا صَاحبه وَهُوَ تَعْرِيف الْغَيْر أَنه غير مستعصب عَلَيْهِ وإذلاله غلبته عَلَيْهِ لَا غير وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز أَن يذل الله تَعَالَى العَبْد ابْتِدَاء لِأَن ذَلِك ظلم وَلَكِن يذله عُقُوبَة أَلا ترى أَنه من قاد غَيره على كره منت غَيره اسْتِحْقَاق فقد ظلمه وَيجوز أَن يهينه ابْتِدَاء بِأَنَّهُ يَجعله فَقِيرا فَلَا يلفت اليه وَلَا يُبَالِي بِهِ وَعِنْدنَا أَن نقيض الإهانة الْإِكْرَام على مَا ذكرنَا فَكَمَا لَا يكون الْإِكْرَام من الله إِلَّا ثَوابًا فَكَذَلِك لَا تكون الإهانة إِلَّا عقَابا والهوان نقيض الْكَرَامَة والإهانة تدل على الْعَدَاوَة وَكَذَلِكَ الْعِزّ يدل على الْعَدَاوَة والبراءة والهوان مَأْخُوذ من تهوين الْقدر وَالِاسْتِخْفَاف مَأْخُوذ من خفَّة الْوَزْن والألم يَقع للعقوبة وَيَقَع للمعارضة والإهانة لَا تقع إِلَّا عُقُوبَة وَيُقَال يسْتَدلّ على نجابه الصَّبِي بمحبته الْكَرَامَة
وَقد قيل الذلة الضعْف عَن المقاومة ونقيضها الْعِزَّة وَهِي الْقُوَّة على الْغَلَبَة وَمِنْه الذلول وَهُوَ المقود من غير صعوبة لِأَنَّهُ ينقاد انقياد الضَّعِيف عَن المقاومة وَأما الذَّلِيل فانه ينقاد على مشقة
الْفرق بَين الذَّلِيل والمهين والمذعن
أَن المهين هُوَ المستضعف وَفِي الْقُرْآن (أم أَنا خير من هَذَا الَّذِي هُوَ مهين)
وَفِيه (من سلاسلة من مَاء مهين) قَالَ أهل التَّفْسِير أَرَادَ الضَّعِيف قَالَ الْمفضل هُوَ فعيل منالمهانة يُقَال مهن يمهن مهانة ومهنتة مهنا وَأَنا ماهن وَهُوَ مهون ومهين وَيُقَال هُوَ من المهنة وَهِي الْعَمَل وامتهنته امتهانا إِذا ابتذلته وَمن ثمَّ قيل للخادم ماهن وَالْجمع مهنة ومهان وَأما الإذعان فِي الْعَرَبيَّة فَهُوَ الْإِسْرَاع فِي الطَّاعَة وَلَيْسَ هُوَ من الذل
стр. 233
والهون فِي شَيْء
الْفرق بَين الحقير وَالصَّغِير
أَن الحقير من كل شَيْء مَا نقص عَن الْمِقْدَار الْمَعْهُود لجنسه يُقَال هَذِه دجَاجَة حقيرة إِذا كَانَت نَاقِصَة الْخلق عَن مقادير الدَّجَاج وَيكون الصغر فِي السن وَفِي الحجم تَقول طِفْل صَغِير وَحجر صَغِير وَلَا يُقَال حجر حقير لِأَن الْحِجَارَة لَيْسَ لَهَا قدر مَعْلُوم فَإِذا نقص شَيْء مِنْهَا عَنهُ سمي حقير كَمَا أَن الدَّجَاج والحجل وَمَا أشبههَا لَهَا أقدار مَعْلُومَة فَإِذا نقص شَيْء من جُمْلَتهَا عَنهُ مسي حَقِيرًا وَالصَّغِير يكون صَغِيرا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أكبر مِنْهُ وَسَوَاء كَانَ من جنسه أَو لَا فالكوز صَغِير بِالْإِضَافَة إِلَى الجرة والجمل صَغِير بِالْإِضَافَة إِلَى الْفِيل وَلَا يقل للجمل صَغِير على الإطق وأنما يَقُول هُوَ صَغِير بِجنب الْفِيل
الْفرق بَين الْيَسِير والقليل
أَن الْقلَّة تَقْتَضِي نُقْصَان الْعدَد يُقَال قوم قَلِيل وقليلون وَمن الْقُرْآن (شرذمة قَلِيلُونَ) يُرِيد أَن عَددهمْ
ينقص عَن عدَّة غَيرهم وَهِي نقيض الْكَثْرَة وَلَيْسَت الْكَثْرَة إِلَّا زِيَادَة الْعدَد وَهِي فِي غَيره اسْتِعَارَة وتشبيه واليسير من الْأَشْيَاء مَا يَتَيَسَّر تَحْصِيله أَو طلبه وَلَا يَقْتَضِي مَا يَقْتَضِيهِ الْقَلِيل من نُقْصَان الْعدَد أَلا ترى أَنه يُقَال عدد قَلِيل وَلَا يُقَال عدد يسير وَلَكِن يُقَال مَال يسير لِأَن جمع مثله يَتَيَسَّر فَإِن اسْتعْمل الْيَسِير فِي مَوضِع الْقَلِيل فقد يجْرِي اسْم الشَّيْء على غَيره إِذا قرب مِنْهُ
الْفرق بَين الْكثير والوافر
أَن الْكَثْرَة زِيَادَة الْعدَد والوفر اجْتِمَاع آخر الشَّيْء حَتَّى يكثر حجمه أَلا ترى أَنه يُقَال كرْدُوس وافر والكردوس عظم عَلَيْهِ لحمت وَلَا يُقَال كرْدُوس كثير وَتقول حَظّ وافر وَلَا تَقول
стр. 234
كثير وأنما تَقول حظوظ كَثِيرَة وَرِجَال كَثِيرَة وَلَا يُقَال رجل كَثِيرَة فَهَذَا يدل على أَن الْكَثْرَة لَا تصح إِلَى فِي مَا لَهُ عدد وَمَا لَا يَصح أَن يعد لَا تصح لَا تصح فِيهِ الْكثير إِلَّا على اسْتِعَارَة وَتوسع
الْفرق بَين الجم وَالْكثير أَن الجم الْكثير الْمُجْتَمع وَمِنْه قيل جمه الْبِئْر لاجتماعها وَقَالَ أهل اللُّغَة جملَة الْبِئْر المَاء الْمُجْتَمع فِيهَا وَالْجُمْلَة من الشّعْر سميت جمة لاجتماعها واجممت الْفرس إِذا أرحته يتجمع قوته وأجم الشَّيْء إِذا قرب كانه قصد الِاجْتِمَاع مَعَك وَيجوز أَن يكون كثيرا غير مُجْتَمع
стр. 235
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
فِي الْفرق بَين الْعَبَث واللغب والهزل والزاح والاستهزاء والسخرية وَمَا يُخَالف ذَلِك
الْفرق بَين الْعَبَث واللعب وَاللَّهْو
أَن الْعَبَث مَا خلا من الإرادات إِلَّا إِرَادَة حُدُوثه فَقَط وَاللَّهْو واللعب يَتَنَاوَلهَا غير إِرَادَة حدوثهما إِرَادَة وَقعا بهَا لوا وَلَعِبًا أَلا ترى أَنه كَانَ يجوز أَن يقعا مَعَ ارادة أُخْرَى فيخرجا عَن كَونهمَا لهوا وَلَعِبًا وَقيل اللّعب عمل للذة لَا يُرَاعى فِيهِ دَاعِي الْحِكْمَة كعمل الصَّبِي لِأَنَّهُ لَا يعرف الْحَكِيم وَلَا الْحِكْمَة وَإِنَّمَا يعلم للذة
الْفرق بَين اللَّهْو واللعب
أَنه لَا لَهو إِلَّا لعب وَقد يكون لعب لَيْسَ بلهو لِأَن اللّعب يكون للتأديب كاللعب بالشطرنج وَغَيره وَلَا يُقَال لذَلِك لَهو وَإِنَّمَا لعب لَا يعقب نفعا وَسمي لهوا لِأَنَّهُ يشفل عَمَّا يَعْنِي من قَوْلهم ألهاني الشَّيْء أَي شغلني وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (أَلْهَاكُم التكاثر)
الْفرق بَين المزاح والاستهزاء
أَن المزاح لَا يَقْتَضِي تحقير من يمازحه وَلَا اعْتِقَاد ذَلِك أَلا ترى أَن التَّابِع يمازح الْمَتْبُوع من الرؤساء والملوك وَلَا يتضي ذَلِك تحقيرهم وَلَا اعْتِقَادهم تحقيرهم ولاكن يَقْتَضِي الِاسْتِئْنَاس بهم على مَا ذَكرْنَاهُ فِي أول الْكتاب والاستهزاء يَقْتَضِي تحقير المستهزإ بِهِ واعتقاد تحقيره
الْفرق بَين الِاسْتِهْزَاء والسخرية
أَن الْإِنْسَان يستهزا بِهِ من غير أَن يسْبق مِنْهُ فعل يستهزا بِهِ من اجله والسخر يدل على فعل يسْبق من المسخور مِنْهُ والعبارة من اللَّفْظَيْنِ تدل عَن صِحَة مَا قُلْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّك تَقول استهزات بِهِ فتعدى الْفِعْل مِنْك بِالْبَاء وَالْبَاء للإلصاق كَأَنَّك ألصقت بِهِ استهزاء من غير أَن يدل على شَيْء وَقع الِاسْتِهْزَاء من أَجله وَتقول سخرت مِنْهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك من وَقع السخر من أَجله كَمَا تَقول تعجبت مِنْهُ فَيدل ذَلِك على فعل وَقع التَّعَجُّب من اجله وَيجوز كَمَا تَقول تعجبت مِنْهُ فَيدل ذَلِك على فعل وَقع التَّعَجُّب من اجله وَيجوز أَن يُقَال
стр. 236
أصل سخرت مِنْهُ التسخير وَهُوَ تذليل الشَّيْء وجعلك أَيَّاهُ منقادا فكانك إِذا سخرت مِنْهُ جعلته كالمنقاد لَك وَدخلت من للتَّبْعِيض لِأَنَّك لم تسخره كَمَا تسخر الدَّابَّة وَغَيرهَا وَإِنَّمَا خدعته عَن بعض عقله وَبني الْفِعْل مِنْهُ على فعلت لِأَنَّهُ بِمَعْنى عبثت وَهُوَ أَيْضا كالمطاوعة والمصدر السخرية كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى لامسخرة مثل الْعُبُودِيَّة واللصوصية وَأما قَوْله تَعَالَى (ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا) فَإِنَّمَا هُوَ بعث الشَّيْء المسخر وَلَو وضع مَوضِع الْمصدر جَازَ والهزء يجْرِي مجْرى الْعَبَث وَلِهَذَا جَازَ هزئت مثل عبثت فَلَا يَقْتَضِي معنى التسخير فَالْفرق بَينهمَا بَين
الْفرق بَين المزاح والهزل
أَن الْهزْل يَقْتَضِي تواضع الهازل لمن يهزل بَين يَدَيْهِ والمزاح لَا يَقْتَضِي ذَلِك أَلا ترى أَن الْملك يمازح خدمه وَإِن لم يتواضع لَهُم تواضع الهازل لمن يهزل بَين يَدَيْهِ وَالنَّبِيّ يمازح وَلَا يجوز أَن يُقَال يهزل وَيُقَال لمن لمن يسخر يهزل وَلَا يُقَال يمزح
الْفرق بَين المزاح والمجون
أَن المجون هُوَ صلابة الْوَجْه وَقلة الْحيَاء من قَوْلك مجن الشَّيْء يمجن مجونا إِذا صلب وَغلظ وَمِنْه سميت الْخَشَبَة الَّتِي يدق عَلَيْهَا الْقصار الثَّوْب ميجنة وأصل الميجنة الْبقْعَة الغليظة تكون فِي الْوَادي وَأَصلهَا موجنة فقلبت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا وَمِنْه الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الغليظ من الأَرْض وَمِنْه نَاقَة وجناء صلبة
شَدِيدَة وَقيل هيالغليظة والوجنات والوجنة مَا صلب من الْوَجْه والمجون كلمة مولدة لم تعرفها الْعَرَب وَإِنَّمَا تعرف أَصْلهَا وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقيل المزاح الْإِيهَام للشَّيْء فِي الظَّاهِر وَهُوَ على خِلَافه فِي الْبَاطِن من غير اغترار للإيقاع فِي مَكْرُوه والاستهزاء الْإِيهَام لما يجب فِي الظَّاهِر وَالْأَمر على خِلَافه فِي الْبَاطِن على جِهَة الاغترار
الْفرق بَين الْجد والانكماش
أَن الانكماس سرعَة السّير يُقَال
стр. 237
انكمش فِي سيره إِذا أسْرع فِيهِ ثمَّ اسْتعْمل فِي كل شَيْء تصح فِيهِ السرعة فَتَقول انكمش على النّسخ وَالْكِتَابَة وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك وَالْجد صَدَقَة الْقيام فِي كل شَيْء تَقول جد فِي السّير وجد فِي إغاثة زيد وَفِي نصرته وَلَا يُقَال انكمس فِي إغاثة زيد ونصرته إِذْ لَيْسَ مِمَّا تصح فِيهِ السرعة
стр. 238
الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ
فِي الْفرق بَين الْحِيلَة وَالتَّدْبِير وَالسحر والشعبذة وَالْمَكْر والكيد وَمَا يقرب من ذَلِك وَبَين الْعجب والإمر وَمَا بسبيله
الْفرق بَين الْحِيلَة وَالتَّدْبِير
أَن الْحِيلَة مَا أُحِيل بِهِ عَن وَجه فيجلب بِهِ نفع أَو يدْفع بِهِ ضرّ فَالْحِيلَةُ بِقدر النَّفْع والضر من غير وَجه وَهِي فِي قَول الْفُقَهَاء على ضَرْبَيْنِ مَحْظُور ومباح فالمباح أَن تَقول لمن يحلف على وَطْء جَارِيَته فِي حَال شِرَائِهِ لَهَا قبل ان يَشْتَرِيهَا اتعقها وَتَزَوجهَا ثمَّ طَأْهَا وَأَن تَقول لمن يحلف على وَطْء امْرَأَته فِي شهر رَمَضَان اخْرُج فِي سفر وَطأهَا والمحظور أَن تَقول لمن ترك صلوت اريد ثمَّ أسلم يسْقط عَنْك قَضَاؤُهَا وَإِنَّمَا سمي ذَلِك حيله لِأَنَّهُ شَيْء أُحِيل من جِهَة إِلَى جِهَة أُخْرَى وَيُسمى تدبيرا أَيْضا وَمن التَّدْبِير مَا لَا يكون حِيلَة وَهُوَ تَدْبِير الرجل لاصلاح مَاله وَإِصْلَاح أَمر وَلَده وَأَصْحَابه وَقد ذكرنَا اشتقاق التَّدْبِير قبل
الْفرق بَين السحر والشعبذة
أَن السحر هُوَ التموية ويتخيل الشَّيْء بِخِلَاف حَقِيقَته مَعَ إِرَادَة تجوزه على من يَقْصِدهُ بِهِ وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي سرعَة أَو بطء وَفِي القرأن (يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى) والشعبذة مَا يكون من ذَلِك فِي سرعَة فَكل شعبذة سحر وَلَيْسَ كل سحر شعبذة
الْفرق بَين السحر والتموية
أَن التموية هُوَ تَغْطِيَة الصَّوَاب
وتصوير الْخَطَإِ صورته وَأَصله طلاء الْحَدِيد والصفر بِالذَّهَب وَالْفِضَّة ليوهم أَنه ذهب وَفِضة وَيكون التموية فِي الْكَلَام وَغَيره تَقول كَلَام مموه إِذا لم تبين حقائقه وحلي إِذا لم يعين جنسه وَالسحر أسم لما دق من الْحِيلَة حَتَّى لَا تفطن الطَّرِيقَة وَقَالَ بَعضهم التموية اسْم لكل حِيلَة لَا تَأْثِير لَهَا قَالَ لاو يُقَال تموية إلاى وَقد عرف مَعْنَاهُ والمقصد مِنْهُ وَيُقَال
стр. 239
سحر وَإِن لم يعرف الْمَقْصد مِنْهُ وَلِهَذَا قيل التموية مَا لَا يثبث قيل التموية أَن ترى شَيْئا مجوزا لَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا يفعل مموه الْحَدِيد فيجوزه بِالذَّهَب وسمى النَّبِي الْبَيَان سحرًا وَذَلِكَ أَن البليغ يبلغ ببلاغته مَا لَا يبلغ السَّاحر بلطافة حيلته
الْفرق بَين الْعجب والإمر
أَن الإمر الْعجب الظَّاهِر الكشوف وَالشَّاهِد أَن أصل الْكَلِمَة الظُّهُور وَمِنْه قيل للعلامة الأمارة لظهورها والإمر والأمارة ظَاهر الْحَال وَفِي الْقُرْآن (لقد حئت شَيْئا إمرا)
الْفرق بَين الْعجب والإد
أَن الإد الْعجب الْمُنكر وَأَصله من قَوْلك أد الْبَعِير كُنَّا تَقول ند أَي شرد فالإد الْعجب الَّذِي خرج عَمَّا فِي الْعَادة من أَمْثَاله وَالْعجب استعظام الشَّيْء لخفاء سَببه والمعجب مَا يتسعظم لخفاء سَببه
الْفرق بَين العجيب والطريف
أَن الطريف خلاف التليد وَهُوَ مَا يستطرفه الإناسن من الْأَمْوَال والتليد المَال الْقَدِيم (الْمَوْرُوث من المَال أعجب إِلَى الأنسان) سمى كل عَجِيب طريفا وان لم يكن مَالا
الْفرق بَين الخدع والكيك
أَن الخدع هُوَ إِظْهَار مَا يبطن خِلَافه أَرَادَ اجتلاب نفع أَو دفع ضرّ وَلَا يَقْتَضِي أَن يكون بعد تدبر
وَنظر وفكر أَلا ترى أَنه يُقَال خدعه فِي البيع إِذا غشه من جشع وأوهمه افنصاف وان كَانَ ذَلِك بديهة من غير فكر وَنظر وَالْيَد لَا يكون إِلَّا بعد تدبر وفكر وَنظر وَلِهَذَا قَالَ أهل الْعَرَبيَّة الكيد التَّدْبِير على الْعَدو واراده إهلاكه وَسميت الْحِيَل الَّتِي يَفْعَلهَا أَصْحَاب الحروب بِقصد إهلاك أعدائهم مكايد لِأَنَّهَا تكون بعد تدبر وَنظر ويجي الكيد بِمَعْنى الْإِرَادَة وَقَوله تَعَالَى
стр. 240
(كَذَلِك كدنا ليوسف) أَي أردنَا وَدلّ على ذَلِك بقوله (إِلَّا أَن يَشَاء الله) وَإِن شَاءَ الله بِمَعْنى الْمَشِيئَة وَيجوز أَن يُقَال الكيد الْحِيلَة الَّتِي تقرب وُقُوع الْمَقْصُود بِهِ من الْمَكْرُوه وَهُوَ من قَوْلهم كَاد يفعل كَذَا أَي قرب إِلَّا أَنه قيل هَذَا يكَاد وَفِي الأولى يكيد للتَّصَرُّف فِي الْكَلَام والتفرقة بَين الْمَعْنيين وَيجوز أَن يُقَال إِن الْفرق بَين الخدع والكيد أَن الكيد والتفرقة بَين الْمَعْنيين وَيجوز أَن يُقَال إِن الْفرق بَين الخدع والكيد أَن الكيد اسْم لفعل الْمَكْرُوه بِالْغَيْر قهرا تَقول كايدني فلَان أَي ضرني قهرا والخديعة أسم لفعل الْمَكْرُوه بِالْغَيْر من غير قهر بل بِأَن يُرِيد بانه يَنْفَعهُ وَمِنْه الخديعة فِي الْمُعَامَلَة وسمى الله تعال قصد أَصْحَاب الْفِيل مَكَّة كيدا فِي قَوْله تَعَالَى (ألم يَجْعَل كيدهم فِي تضليل) وَذَلِكَ أَنه كَانَ على وَجه الْقَهْر
الْفرق بَين الخدع والغرور
أَن الْغرُور إِيهَام يحمل الْإِنْسَان على فعل مَا يضرّهُ مثل أَن يرى السراب فيحسبه مَاء فيضيع مَاء فَيهْلك عطشا وتضييع المَاء فعل أَدَاء اليه غرور السراب إِيَّاه وَكَذَلِكَ غر إِبْلِيس آدم فَفعل آدم الْأكل الضار اله والخدع أَن يستر عَنهُ وَجه الصَّوَاب فيوقعه فِي مَكْرُوه وَأَصله من قَوْلهم خدع الضَّب إِذا توارى فِي جُحْره وخدعه فِي الشِّرَاء أَو البيع غذا أظهر لَهُ خلاف مَا أبطن فضره فِي مَاله وَقَالَ عَليّ بن عيس الْغرُور إِيهَام حَال السرُور فِي مَا الْأَمر فِي الْمَعْلُوم وَلَيْسَ كل
إِيهَام غرُورًا لِأَنَّهُ يُوهِمهُ مخوفا ليحذر مِنْهُ فَلَا يكون قد غره والاغترار ترك الحزم فِي مَا يُمكن أَن يتوثق فِيهِ فَلَا عذر فِي ركُوبه وَيُقَال فِي الْغرُور فرة فضيع مَاله وَأهْلك نَفسه والغرو قد يُسمى خدعا والخدع يُسمى غرُورًا على التَّوَسُّع وَالْأَصْل مَا قُلْنَاهُ وأصل الْغرُور الْغَفْلَة والغر وَالَّذِي لم يجرب الْأُمُور يرجع إِلَى هَذَا فَكَأَن الْغرُور يُوقع الْمَغْرُور فِي مَا هُوَ غافل عَنهُ من الضَّرَر والخدع مرجع يستر عَنهُ وَجه الْأَمر
الْغَرق بَين الكيد وَالْمَكْر
أَن الْمَكْر مثل الكيد فِي أَنه لَا يكون إِلَّا مَعَ تدبر وفكر إِلَّا أَن الكيد أقوى من الْمَكْر وَالشَّاهِد أَنه يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَالْمَكْر يتَعَدَّى بِحرف فَيُقَال كاده يكيهده ومكر بِهِ وَلَا يُقَال مكره وَالَّذِي يتَعَدَّى
стр. 241
بِنَفسِهِ أقوى وَالْمَكْر أَيْضا تَقْدِير ضَرَر الْغَيْر من أَن يفعل بِهِ أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لَهُ أقدر أَن أفعل بك كَذَا لم يكن ذَلِك مكرا وَإِنَّمَا يكون مكرا غذا يُعلمهُ بِهِ والكيد اسْم لإيقاع الْمَكْرُوه بِالْغَيْر قهرا سَوَاء علم أَو لَا وَالشَّاهِد قَوْلك فلَان يكايدني فَسمى فعله كيدا وَإِن علم بِهِ وأصل الكيد الْمَشَقَّة وَمِنْه يُقَال فلَان يكيد لنَفسِهِ أَي يقاسي الْمَشَقَّة وَمِنْه الكيد لإيقاع مَا فِيهِ من الْمَشَقَّة وَيجوز أَن يُقَال لاكيد مَا يقر بِوُقُوع الْمَقْصُود بِهِ من الْمَكْرُوه على مَا ذَكرْنَاهُ وَالْمَكْر مَا يجْتَمع بِهِ الْمَكْرُوه من قَوْلك جَارِيَة ممكورة الْخلق اي ملتفة مجتمعة اللَّحْم غير رهلة
الْفرق بَين الْحِيلَة وَالْمَكْر
أَن من الْحِيَل مَا لَيْسَ بمكر وَهُوَ أَن يقدر نفع الْغَيْر لَا من وجهة فيسمى ذَلِك حِيلَة مَعَ كَونه نفعا وَالْمَكْر لَا يكون نفعا وَفرق آخر وَهُوَ أَن الْمَكْر بِقدر ضَرَر الْغَيْر من غير أَن يعلم بِهِ وَسَوَاء كَانَ من وَجهه أَولا وَالْحِيلَة لَا تكون من غير وَجهه وسمى الله تَعَالَى مَا توعد بِهِ الْكفَّار مكرا فِي قَوْله تَعَالَى (فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون) وَذَلِكَ أَن الماكر ينزل الْمَكْرُوه بالممكور بِهِ حَيْثُ لَا يعلم فَلَمَّا كَانَ هَذَا سَبِيل مَا توعدهم بِهِ من الْعَذَاب سَمَّاهُ مكرا وَيجوز أَن يُقَال
سَمَّاهُ مكرا لِأَنَّهُ دبره وأرسله فِي وقته الْمَكْر فِي اللُّغَة التَّدْبِير على الْعَدو فَلَمَّا كَانَ أَصلهمَا وَأحد قَامَ أحدهكت مقَام الآخر وأصل الْمَكْر فِي اللُّغَة الفتل وَمِنْه قيل جَارِيَة ممكوره أَي ملتفة الْبدن وَإِنَّمَا سميت الْحِيلَة مكرا لِأَنَّهَا قيلت على خلاف الرشد
الْفرق بَين الْغرَر والخطر
أَن الْغرَر يُفِيد ترك الحزم والتوثق فيتمكن ذَلِك فِيهِ والخطر ركُوب المخاوف رَجَاء بُلُوغ الخطير من الْأُمُور وَلَا يُفِيد مفارقه الحزم والتوثق
стр. 242
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ
فِي الْفرق بَين الْحسن والوضاءة والبهجة وَالطَّهَارَة والنظافة وَمَا يُخَالف ذَلِك من الْقبْح والسماحة وَغير ذَلِك
الْفرق بَين الْحسن والوضاءة
أَن الْوَضَاءَة تكون فِي الصُّورَة فَقَط لِأَنَّهُمَا تضمن معنى الناظافة يُقَال غُلَام وضي إِذا كَانَ حسنا نظيفا ومه قيل الْوضُوء لِأَنَّهُ نظافة يُقَال غُلَام وضي إِذا كَانَ حسنا نظيفا وَمِنْه قيل الْوضُوء لِأَنَّهُ نظافة ووضؤ الْإِنْسَان وَهُوَ الشحن أَيْضا يسْتَعْمل فِي الْأَفْعَال واأخلاق وَلَا تسْتَعْمل الْوَضَاءَة إِلَّا فِي الْوضُوء وَالْحسن على وَجْهَيْن حسن فِي التَّدْبِير وَهُوَ من صفة الْأَفْعَال وَحسن المنظر على السماع يُقَال صُورَة حَسَنَة وَصَوت حسن
الْفرق بَين الْحسن والقسامة
أَن الْقسَامَة حسن يشْتَمل على تقاسيم الْوَجْه وَالْقسم المستوى أَبْعَاضه فِي الْحسن وَالْحسن يكون فِي الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل وَالْحسن أَيْضا يكون فِي الْأَفْعَال والأخلاق والقسامة لَا تكون إِلَّا فِي الصُّور
القرق بَين الْحسن والوسامة
أَن الوسامة هِيَ الْحسن الَّذِي يظْهر للنَّاظِر ويتزايد عِنْد التوسم وَهُوَ التَّأَمُّل توسمته إِذا تأملته وَهُوَ على حسب مَا مَا قَالَ الشَّاعِر من مجزوء الوافر
(يزيدك وحها حسنا ... إِذا مَا زِدْته نظرا)
والوسامة أبلغ من الْحسن وَذَلِكَ أَنَّك إِذا كررت النّظر فِي الشَّيْء الْحسن واكثرت التوسم لَهُ نقص حسنه عنْدك والوسيم هُوَ الَّذِي تزايد حَسَنَة على تَكْرِير النّظر
الْفرق بَين الْحسن والبهجة
أَن الْبَهْجَة حسن يفرح بِهِ الْقلب وأصل الْبَهْجَة السرُور وَرجل بهج وبهيج مسرور وابتهج إذ سر ثمَّ سمي
стр. 243
لحسن الَّذِي يبهج الْقلب بهجة وَقد يُسمى الشَّيْء باسم سَببه والبهجة عِنْد الْخَلِيل حسن لون الشَّيْء ونضارته قَالَ وَيُقَال رجل بهج أَو مبتهج يسره فَأَشَارَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ
الْفرق بَين المرحة والصباحة
أَن الصباحة إشراق الْوَجْه وصفاء بَشرته مَأْخُوذ من الصُّبْح وَهُوَ بريق الحديق وَغَيره وَقيل للصبح صبح لبريقه وَأما الملاحة فَهِيَ أَن يكون الْمَوْصُوف بهَا حلوا مَقْبُول الْجُمْلَة وَإِن لم يكن حسنا فِي التَّفْصِيل قَالَت الْعَرَب الملاحة فِي الْفَم والحلاوة فِي الْعَينَيْنِ وَالْجمال فِي الأوف والظرف فِي اللِّسَان وَلِهَذَا قَالَ الْحسن إِذا كَانَ اللص ظرفا لم يقطع يُرِيد أَن يدافع عَن نَفسه بحلاوة لِسَانه وَبِحسن منْطقَة وَالْمَشْهُور فِي الملاحة هُوَ الَّذِي ذكرته
الْفرق بَين الْحسن وَالْجمال
ان الْجمال هُوَ مَا يشْتَهر ويرتفع بِهِ الْإِنْسَان من الإفعال والأخلاق وَمن كَثْرَة المَال والجسم وَلَيْسَ هُوَ من الْحسن فِي شَيْء أَلا ترى يُقَال لَك فِي هَذَا الْأَمر جمال وَلَا يُقَال لَك فِيهِ حسن وَفِي الْقُرْآن (وَلكم فِيهَا جمال حِين تريجون وَحين تسرحون)
يَعْنِي الْخَيل وَالْإِبِل وَالْحسن فِي الأَصْل الصُّورَة ثمَّ اسْتعْمل فِي الْأَفْعَال
والأخلا وَالْجمال فِي الأَصْل للأفعال والأخلاق وَالْأَحْوَال الظَّاهِرَة ثمَّ اسْتعْمل فِي لاصور وأصل الْجمال فِي الْعَرَبيَّة الْعظم وَمِنْه قيل الْجُمْلَة لِأَنَّهَا أعظم من التفاريق والجمل الْحَبل الغليظ والجمل سمي جملا لعظم خلقته وَمِنْه قيل للشحم الْمُذَاب جميل لعظم نَفعه
الْفرق بَين الْجمال والنبل
أَن النبل هُوَ مَا يرْتَفع بِهِ الْإِنْسَان من الرواء وَمن المنظر وَمن الْأَخْلَاق وَالْأَفْعَال وَمِمَّا يخْتَص بِهِ من ذَلِك فِي نَفسه دون مايضاف يُقَال رجل نبيل فِي فعله ومنظره وَفرس نبيل فِي حسنه وَتَمَامه وَالْجمال يكون فِي ذَلِك وَفِي المَال وَفِي الْعَشِيرَة وَالْأَحْوَال الظَّاهِرَة
стр. 244
فَهُوَ أَعم من النبل أَلا ترى أَنه يُقَال لَك فِي المَال وَالْعشيرَة جمال وَلَا يُقَال لَك فِي المَال نبل وَلَا هُوَ نبيل فِي مَاله وَالْجمال أَيْضا يسْتَعْمل فِي مَوضِع الْحسن فَيُقَال وَجه جميل كَمَا يُقَال وَجه حسن وَلَا يُقَال نبيل بِهَذَا الْمَعْنى وَيجوز أَن يكون معنى قَوْلهم وَجه جميل أَنه يجْرِي فِيهِ السّمن وَيكون استقاقه من الْجَمِيل وَهُوَ الشَّحْم الْمُذَاب
الْفرق بَين الْجمال والبهاء
أَن الْبَهَاء جهارة المنظر يُقَال رجل بهي إِذا كَانَ مجهر المنظر وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْء من الْحسن وَالْجمال قَالَ ابْن دُرَيْد بهي يبهى بهاء من النبل وَقَالَ الزّجاج من الْحسن وَالَّذِي قَالَ ابْن دُرَيْد صَحِيح أَلا ترى أَنه يُقَال شيخ بهي وَلَا يُقَال غُلَام بهي وَيُقَال بهأت بِالْمَرْءِ إِذا أنست بِهِ وناقه بهاء إِذا أنست بالحالب
الْفرق بَين الْجمال والسرو
ان السرو هُوَ الْجَوْدَة وَالسري من كل شَيْء الْجيد مِنْهُ يُقَال طَعَام سري وَفرس سري وكل مَا فضل جنسه فَهُوَ سري وسراة الْقَوْم وُجُوههم لفضلهم عَلَيْهِم وَلَا يُوصف الله تَعَالَى بالسرو كَمَا لَا يُوصف بالجودة وَالْفضل
الْفرق بَين الْكَمَال والتمام
أَن قَوْلنَا كَمَال اسْم لِاجْتِمَاع
أبعاض الْمَوْصُوف بِهِ وَلِهَذَا قَالَ المتكلمون الْعقل كَمَال عُلُوم ضروريات يميمز بهَا الْقَبِيح من الْحسن يُرِيدُونَ اجْتِمَاع عُلُوم ولايقال تَمام عُلُوم لِأَن التَّمام اسْم للجزء وَالْبَعْض الَّذِي يتم بِهِ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ تَامّ وَلِهَذَا قَالَ أصَاحب النّظم القافية تَمام الْبَيْت وَلَا يُقَال كَمَال الْبَيْت وَيَقُولُونَ الْبَيْت بِكَمَالِهِ اي بَإجتماعه وَالْبَيْت بِتَمَامِهِ أَي بقافيته وَيُقَال هَذَا تَمام حَقك للْبَعْض الَّذِي يتم بِهِ الْحق وَلَا يُقَال كَمَال حَقك فان قيل لم قلت إِن معنى قَول الْمُتَكَلِّمين كَمَال عُلُوم اجْتِمَاع قُلْنَا لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك وَالَّذِي يُوضحهُ أَن الْعقل الْمَحْدُود با , هـ كَمَال عُلُوم هُوَ هَذِه الْجُمْلَة واجتماعها وَلِهَذَا لَا يُوصف الْمُرَاهق بِأَنَّهُ عَاقل وَإِن حصل بعض هَذِه الْعُلُوم أَو أَكْثَرهَا لَهُ وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ عَاقل إِذا أجتمت لَهُ
стр. 245
الْفرق بَين الْبشر والهشاشة والبشاشة
أَن الْبشر أول مَا يظْهر من السرُور بلقى من يلقاك وَمِنْه الْبشَارَة وَهِي أول مَا يصل اليك من الْخَبَر السار فَإِذا وصل إِلَيْك ثَانِيًا لم يسم بِشَارَة وَلِهَذَا قَالَت الْفُقَهَاء إِن من قَالَ من بشرني بمولود من عَبِيدِي فَهُوَ حر فَإِنَّهُ يعْتق أول من يُخبرهُ بذلك والنغية هِيَ الْخَبَر السار وصل أَولا أَو أخيرا وَفِي الْمثل الْبشر علم من أَعْلَام النجح والهشاشة هِيَ الخفة للمعروف وَقد هششت يَا هَذَا بِكَسْر الشين وَهُوَ من قَوْلك شَيْء هش إِذا كَانَ سهل المتناول فاذا كَانَ الرجل سهل الْعَطاء قيل هُوَ هش بَين الهشاشة والبشاشة إِظْهَار السرُور بِمن تَلقاهُ وَسَوَاء كَانَ أَولا أَو أخيرا
الْفرق بَين ذَلِك وَبَين طلاقة الْوَجْه
أَن طلاقة الْوَجْه خلاف العبوس والعبوس تكره الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء وَالسُّؤَال وطلاقته انحلال ذَلِك عَنهُ وَقد طلق يُطلق طَلَاقه كَمَا قيل صبح صباحة وملح ملاحة وأصل الْكَلِمَة السهولة والانحلال وكل شَيْء تطلقه من حبس أَو تحله من وثاق فينصف كَيفَ شَاءَ أَو تحلله بعد تَحْرِيمه أَو بتيحه بعد الْمَنْع تَقول أطلقته وَهُوَ طلق وطليق وَمِنْه طلقت الْمَرْأَة لِأَن ذَلِك تَخْلِيص من الْحمل
الْفرق بَين الطَّهَارَة والنظافة
أَن الطهار تكون فِي الْخلقَة والمعاني لِأَنَّهَا تَقْتَضِي مُنَافَاة الْعَيْب يُقَال فلَان طَاهِر الْأَخْلَاق وَتقول الْمُؤمن طَاهِر مطهر يَعْنِي أَنه جَامع للخصال المحمودة ووالكافر خَبِيث لِأَنَّهُ خلاف الْمُؤمن وَتقول هُوَ طَاهِر الثَّوْب والجسد والنظافة لَا تكون إِلَّا فِي الْخلق واللباس وَهِي تفِيد مُنَافَاة الدنس وَلَا تسْتَعْمل فِي الْمعَانِي وَتقول هُوَ نظيف الصُّورَة أَي حسنها ونظيف الثَّوْب والجسد وَلَا تَقول نظيف الْخلق
الْفرق بَين الْقبْح والسماجة
أَن السماجة فعل الْعَيْب وَالشَّاهِد قَول الْهُذلِيّ
стр. 246
فَمنهمْ صَالح وسمج وَجعل السماجة نقيض الصّلاح وَالصَّلَاح فعل فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن تكون السماجة فَلَو كَانَت السماجة قبح الْوَجْه لم يحسن أَن يَقُول ذَلِك أَلا ترى أَنه لَا يحسن أَن تَقول فَمنهمْ صَالح وقبيح الْوَجْه وَقَالَ ابْن دُرَيْد رُبمَا قيل لما جَاءَ بِعَيْب سمجا ثمَّ اتَّسع فِي السماجة فَاسْتعْمل مَكَان قبح الصُّورَة فَقيل وَجه سميح وسمج قيل قَبِيح كانه جَاءَ بِعَيْب لِأَنَّهُ الْقبْح عيب
الْفرق بَين الْقَبِيح الْوَحْش
أَن الْوَحْش الهزيل وَقد نوحش الرجل إِذا هزل وتوهش أَيْضا إِذا تجوع فَسُمي المنظر باسم الهزيل لِأَن الهزيل قَبِيح وَيجوز أَن يُقَال إِن الْوَحْش هُوَ المتناهي فِي القباحة حَتَّى يتوحش النَّاظر من النَّاظر إِلَيْهِ وَيكون الْوَحْش على هَذَا التَّأْوِيل بِمَعْنى الموحش وتوحش الرجل أَيْضا إِذا تعرى وَيجوز أَن يكون الْوَحْش العاري من الْحسن وَهُوَ شَبيه بِمَا تقدم من ذكر الهزال
الْفرق بَين السرُور والاستبشار
أَن الاستبشار هُوَ السرُور بالبشارة والاستفعال للطلب والمستبشر بِمَنْزِلَة من طلب السرُور فِي الْبشَارَة فَوجدَ وأصل الْبشرَة من ذَلِك لظُهُور السُّور فِي بشره الْوَجْه
الْفرق بَين السرُور والفرح
أَن السرُور لَا يكون إِلَّا بِمَا هُوَ نفع أَو لَذَّة على الْحَقِيقَة وَقد يكون الْفَرح بِمَا لَيْسَ بنفع وَلَا لَذَّة كفرح
الصَّبِي بالرقص والعدو والسباحة وَغير ذَلِك مِمَّا يتعبه ويؤذيه وَلَا يُسمى ذَلِك سُرُورًا أَلا ترى أَنَّك تَقول الصّبيان يفرحون بالسباحة والرقص وَلَا تَقول يسرون بذلك ونقيض السرُور الْحزن وَمَعْلُوم أَن الْحزن يكون بالمرازىء فَيَنْبَغِي أَن يكون السرُور بالفوائد وَمَا يجْرِي مجْراهَا من الملاذ ونقيض الْفَرح الْغم وَقد يغتم الْإِنْسَان بِضَرَر يتوهمه من غير أَن يكون لَهُ حَقِيقَة وَكَذَلِكَ يفرح بِمَا لَا حَقِيقَة لَهُ كفرح الحالم بالمنى وَغَيره وَلَا يجوز
стр. 247
أَن يحزن وَيسر بِمَا لَا حَقِيقَة لَهُ صويفة الْفَرح وَالسُّرُور فِي الْعَرَبيَّة تنبىء عَمَّا قُلْنَاهُ فيهمَا وَهُوَ أَن الْفَرح فعل مصدر فعل فعلا وَفعل المطاوعة والانفعال فَكَانهُ شَيْء يحدث فِي الْفَرح فعل مصدر فعل فعلا وَفعل المطاوعة والانفعال فَكَأَنَّهُ شَيْء يحدث فِي النَّفس من غير سَبَب يُوجِبهُ وَالسُّرُور اسْم وضع مَوضِع الْمصدر فِي قَوْلك سر سُرُورًا وَهُوَ فعل يتَعَدَّى وَيَقْتَضِي فَاعِلا فَهُوَ مُخَالف للفرح من كل وَجه وَيُقَال فَرح إِذا جعلته كالنسبة وفارح إِذا بنيته على الْفِعْل قَالَ الْفراء الْفَرح الَّذِي يفرح فِي وقته والفارح الَّذِي يفرح فِي مَا يسْتَقْبل مثل طمع وطامع
الْفرق بَين السرُور والجذل
ان الجذل هُوَ السرُور الثَّابِت مَأْخُوذ من قَوْلك جاذل منتصب ثَابت لَا يبرح مَكَانَهُ وجذل كل شَيْء أَصله وَرجل جذلان وَلَا يُقَال جاذل إِلَّا ضَرُورَة
الْفرق بَين السرُور والحبور
أَن الحبور هُوَ النِّعْمَة الْحَسَنَة من قَوْلك حبرت الثَّوْب إِذا حسنته وَفسّر قَوْله تَعَالَى (فِي رَوْضَة يحبرون) أَي ينعمون وَإِنَّمَا يُسمى السرُور حبورا لِأَنَّهُ كيون مَعَ النِّعْمَة الْحَسَنَة وَقيل فِي الْمثل مَا من دَار ملئت حبرَة إِلَّا ستملا عِبْرَة قَالُوا الْحبرَة هَهُنَا السرُور وَالْعبْرَة الْحزن وَقَالَ العجاج من شطور الرجز
(الحم لله الَّذِي أعْطى الحبر ... موَالِي الْحق إِن الْمولى شكر)
وَقَالَ الْفراء الحبور الْكَرَامَة وَعِنْدنَا أَن هَذَا على جِهَة الِاسْتِعَارَة وَالْأَصْل فِيهِ النِّعْمَة الْحَسَنَة وَمِنْه قَوْلهم للْعَالم حبر لِأَنَّهُ بِأَحْسَن الْأَخْلَاق والمداد لِأَنَّهُ يحسن الْكتب
الْفرق بَين الْهم وَالْغَم
أَن الْهم هُوَ الْفِكر فِي إِزَالَة الْمَكْرُوه واجتلاب المحبوب وَلَيْسَ هُوَ من الْغم فِي شَيْء أَلا ترى أَنَّك تَقول لصاحبك أهتم بحاجتي وَلَا يَصح أَن تَقول أغتم بهَا وَالْغَم معنى ينقبض الْقلب مَعَه
стр. 248
وَيكون لوُقُوع ضَرَر قد كَانَ أَو توقع ضَرَر يكون أَو يتوهمه وَقد سمي الْحزن الَّذِي تطول مدَّته حَتَّى يذيب الْبدن هما وشتقاقه من قَوْلك انهم الشَّحْم إِذا ذاب وهمه أذبه
الْفرق بَين الْحزن وَالْكرب
أَن الْحزن تكاثف الْغم وغلظه مَأْخُوذَة من الأَرْض الْحزن وَهُوَ الغليظ الصلب وَالْكرب تكاثف الْغم مَعَ ضيق الصَّدْر وَلِهَذَا يُقَال لليوم الْحَار يَوْم كرب أَي كرب من فِيهِ وَقد كرب الرجل وَهُوَ مكروب وَقد كربه إِذا غمه وضيق صَدره
الْفرق بَين الْحزن والكآبة
أَن الكآبة أثر الْحزن البادي على الْوَجْه وَمن ثمَّ يُقَال علته كآبة وَلَا يُقَال علاهُ حزن أَو كرب لِأَن الْحزن لَا يرى وَلَكِن دلَالَته على الْوَجْه وَتلك الدلالات تسمى كآبة وَالشَّاهِد قَول النَّابِغَة من الطَّوِيل
(إِذا حل بِالْأَرْضِ الْبَريَّة أَصبَحت ... كئيبة وَجه غبها غير طائل)
فَجعل الكآبة فِي الْوَجْه
الْفرق بَين الْغم وَالْحَسْرَة والأسف
أَن الْحَسْرَة غم يَتَجَدَّد لفوت فَائِدَة فَلَيْسَ كل غم حسرة والأسف حسرة مَعهَا غضب أَو غيظ والآ الغضبان المتلهف على الشَّيْء ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى جَاءَ فِي معنى الْغَضَب وَحده فِي قَوْله تَعَالَى (فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم) أَي أغضبونا وَاسْتِعْمَال الْغَضَب فِي صِفَات الله تَعَالَى مجَاز وَحَقِيقَته إِيجَاب الْعقَاب للمغضوب عَلَيْهِ
الْفرق بَين الْحزن والبث
أَن قَوْلنَا الْحزن يُفِيد غلظ اللَّهُمَّ وَقَوْلنَا البث يُفِيد أَنه ينبث وَلَا ينكتم من قَوْلك أبثثته مَا عِنْد وبثثته إِذا أعلمته إِيَّاه وأصل الْكَلِمَة كَثْرَة التَّفْرِيق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (كالفراش المبثوث) وقالى تَعَالَى (إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله) فعطف البث على الْحزن لما بَينهمَا من الْفرق فِي الْمَعْنى وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ
стр. 249
الْبَاب الخامس وَالْعشْرُونَ
فِي الْفرق بَين الزَّمَان والدهر وَالْأَجَل والمدة وَالسّنة وَالْعَام وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك
الْفرق بَين الدَّهْر والمدة
أَن الدَّهْر جمع أَوْقَات مُتَوَالِيَة مُخْتَلفَة كَانَت أَو غير مُخْتَلفَة وَلِهَذَا يُقَال الشتَاء مُدَّة وَلَا يُقَال دهر لتساوي أوقاته فِي برد الْهَوَاء وَغير ذَلِك من صِفَاته وَيُقَال للسنين دهر لِأَن أَوْقَاتهَا مُخْتَلفَة فِي الْحر وَالْبرد وَغير ذَلِك وَأَيْضًا من الْمدَّة مَا يكون اطول من الدَّهْر أَلا تراهم يَقُولُونَ هَذِه الدُّنْيَا دهور وَلَا يُقَال الدُّنْيَا مدد والمدة وَالْأَجَل متقاربان فَكَمَا أَن من الْأَجَل مَا يكون دهورا فَكَذَلِك الْمدَّة
الْفرق بَين الْمدَّة وَالزَّمَان
أَن اسْم الزَّمَان يَقع على كل جمع من الْأَوْقَات وَكَذَلِكَ الْمدَّة إِلَّا أَن أقصر الْمدَّة أطول من اقصر الزَّمَان وَلِهَذَا كَانَ معنى قَول الْقَائِل لآخر إِذا سَأَلَهُ أَن يمهله أمهلني زَمَانا آخر غير معنى قَوْله مُدَّة أُخْرَى لِأَنَّهُ ل لاخف بَين أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله مُدَّة آخرى أجل أطول من زمن وَمِمَّا يوضحافرق بَينهمَا أَن الْمدَّة أَصْلهَا الْمَدّ وَهُوَ الطول وَيُقَال مده إِذا طوله إِلَّا أَن بَينهَا وَبَين الطول فق وَهُوَ أَن الْمدَّة لَا تقع على أقصر الطول وَلِهَذَا يُقَال مد الله فِي عمرك وَلَا يُقَال لوقتين مُدَّة كَمَا لَا يُقَال لجوهرين إِذا ألفا إنَّهُمَا خطّ مَمْدُود وَيُقَال لذَلِك طول فَإِذا صَحَّ هَذَا وَجب أَن يكون قَوْلنَا الزَّمَان مُدَّة يُرَاد بِهِ أَنه أطول الْأَزْمِنَة كَمَا قُلْنَا للطويل إِنَّه مَمْدُود كَانَ مرادنا أَنه أطول من غَيره فَأَما قَول الْقَائِل آخر الزَّمَان فَمَعْنَاه أَنه آخر الْأَزْمِنَة لِأَن الزَّمَان يَقع على الْوَاحِد
وَالْجمع فالستثقلوا أَن يَقُولُوا آخر الْأَزْمِنَة والأزنان فاكتفوا بِزَمَان
الْفرق بَين الزَّمَان وَالْوَقْت
أَن الزَّمَان أَوْقَات مُتَوَالِيَة مُخْتَلفَة أَو غير مُخْتَلفَة فالوقت وَاحِد وَهُوَ الْمُقدر بالحركة الْوَاحِدَة من حركات الْفلك وَهُوَ يجْرِي من الزَّمَان مجْرى الْجُزْء من الْجِسْم وَالشَّاهِد أَيْضا أَنه يُقَال
стр. 250
زمَان قصير وزمان طَوِيل وَلَا يُقَال وَقت قصير
الْفرق بَين الْوَقْت والميقات
أَن الْمِيقَات مَا قدر ليعْمَل فِيهِ عمل من الْأَعْمَال وَالْوَقْت وَقت الشيئ قدره أَو لم يقدره وَلِهَذَا قيل مَوَاقِيت الْحَج للمواضع الَّتِي قدرت للْإِحْرَام وَلَيْسَ الْوَقْت فِي الْحَقِيقَة غير حَرَكَة الْفلك وَفِي ذَلِك كَلَام كثير لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره
الفرق بَين الْعَام وَالسّنة
أَن الْعَام أَيَّام وَالسّنة جمع شهور أَلا ترى أَنه لما كَانَ يُقَال أَيَّام الزنج قيل عَام الزنج وَلما لم يقل شهور الزنج لم يقل سنة الزنج وَيجوز أَن يُقَال الْعَالم يُفِيد كَونه وقتا لشَيْء وَالسّنة لاتفيد ذَلِك وَلِهَذَا يُقَال عَام الْفِيل وَلَا يُقَال سنة الغيل وَيُقَال فِي التَّارِيخ سنة مائَة وَسنة خمسين وَلَا يُقَال عَام مائَة وعام خمسين إِذا لَيْسَ وقتا لشَيْء مِمَّا ذكر من هَذَا الْعدَد وَمَعَ هَذَا فَإِن الْعَام هُوَ السّنة وَالسّنة هِيَ الْعَام وَإِن اقْتضى كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا لَا يَقْتَضِيهِ الآخر مِمَّا ذَكرْنَاهُ كَمَا أَن الْكل هُوَ الْجمع هُوَ وَالْجمع هُوَ الْكل وَإِن كَانَ الْكل إحاطة بالأبعاض وَالْجمع إحاطة بالأجزاء
الْفرق بَين السّنة وَالْحجّة
أَن الْحجَّة تفِيد أَنَّهَا يحجّ فِيهَا وَالْحجّة الْمرة الْوَاحِدَة من حج يحجّ وَالْحجّة فعله مثل الجلسة والقعدة ثمَّ سميت بهَا السّنة كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم مَا يكون فِيهِ
الْفرق بَين الحين وَالسّنة
أَن قَوْلنَا حِين اسْم جمع أوقاتا متناهية سَوَاء كَانَ سنة أَو شهورا أَو أَيَّامًا أَو سَاعَات ولهذ جَاءَ فِي الْقُرْآن لمعان مُخْتَلفَة وَبَينه وَبَين فرق وهو أَن الدَّهْر يَقْتَضِي أَنه أَوْقَات مُتَوَالِيَة
مُخْتَلفَة على مَا ذكرنَا وَلِهَذَا قَالَ الله حاكيا عَن الدهريين (وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر) أَي يُهْلِكنَا الدَّهْر باخْتلَاف أَحْوَاله والدهر أَيْضا لَا يكون إِلَّا سَاعَات قليهة وَيكون الْحِين كَذَلِك
الفرق بَين الدَّهْر وَالْعصر
أَن الدَّهْر مَا ذَكرْنَاهُ وَالْعصر لكل
следующие страницы →