← Акыда

Акыда · id 1041

الإمامة العظمى - الريس

عبد العزيز الريس

Полный текст (412 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأمر الثالث: أن النصوص الواردة أشبه بالأخبار منها بالأحكام، كما فهم هذا الأنصار، وقد روى ابن أبي شيبة (١) عن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفه رسول الله ﷺ »، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد (٢) من طريق أبي رافع أن عمر قال: «لو أدركني أحدُ رجلين ثم جعلتُ هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح»، قال أحمد شاكر: «إسناده صحيح ورواه أحمد (٣) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: فإن أدركَني أجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل»، قال الحافظ: «رجاله ثقات» (٤) اهـ. وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه. وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: لو قدّر أنه لا إجماعَ على هذا الشرط، لكن قد دلَّت الأدلة على ذلك، ولا يشترطُ في العمل بالدليل واعتقاده أن يكون مُجمعًا عليه، فإنَّ الحجَّة في الدليل إذا ثبتَ روايةً ودرايةً؛ قال معاوية قال رسول الله ﷺ : «إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ لا يُعاديهم أحدٌ، إلَّا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (٥).

стр. 107

وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ منهم اثنان» (١). وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «الناسُ تبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبعٌ لمسلمهم، وكافرُهم تبعٌ لكافرهم» (٢). الوجه الثاني: أنَّ اعتقاد الإمامة في قريش دون غيرهم مقرَّرٌ في كتب العقائد عند أهل السنة، فهو أمرٌ عقَديٌّ مجمَعٌ عليه عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة. كما تقدم بيانه (٣). الوجه الثالث: حكى الإجماع على هذا المعتقد جمعٌ من أهل العلم في غير كتب الاعتقاد. ١ - القاضي عياض قال ﵀: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّة أنَّ الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا قرنًا بعد قرن إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومن وافَقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش. وذكرَ أشياء ثم قال: وهذا كله هزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (٤).

стр. 108

٢ - النووي قال ﵀: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أن الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عقدُها لأحد من غيرهم؛ وعلى هذا انعقدَ الإجماعُ في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (١). ٣ - أقرَّ ابن حجر الإجماع فقال بعد أن نقل الإجماع عن القاضي عياض، وذكر ما يوهِمُ نقضَهُ: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم. وأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابةُ غير القرشي في حياته والله أعلم» (٢). ٤ - المناوي قال ﵀: «فلا يصحُّ عقدُ الخلافة لغيرهم؛ وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم، وهو حكم مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (٣). وما ذُكر اعتراضًا على هذا الإجماع فهو كالتالي: الاعتراض الأول: قصة عمر في أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة؛ وهم ليسوا من قريش. وقد استدلَّ عليه بروايتين عن عمر ﵁:

стр. 109

الرواية الأولى: أخرج أحمد (١) أن عمر قال: «لو أدرَكني أحدُ رجلَين، ثم جعلتُ هذا الأمر إليه لوثقتُ به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح». وهذه الرواية لا تصح؛ لأن في الإسناد علي بن زيد بن جدعان؛ ضعَّفه ابن سعد والإمام أحمد وابن معين والرازيان والجوزجاني والنسائي وابن خزيمة وابن عدي والدار قطني وغيرهم (٢)؛ لذا قال الحافظ في التقريب: «ضعيف». وقال الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (٣) عند ذكرهِ لهذه الرواية: «هذا الإسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه، وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات». إذا عرف ما تقدَّم ذكرهُ عُرفَ أن قول أحمد شاكر في تخريج المسند: «إسناده صحيح» (٤)، فيه نظر لما تقدَّم من بيان حال علي بن زيد بن جدعان (٥). ثم لو قدّر أن رواية علي بن جدعان صحيحة فإنها مخالفة للأحاديث الأخرى وللإجماع؛ مما يجعلُها من الضعيف الذي أخطأ فيه ابن جدعان؛ لأنه لو قيل بثقة

стр. 110

علي بن زيد فلا بدَّ أنَّ عنده أوهامًا جعلَتْ جمعًا من الأئمة يتكلمون فيه؛ فيكون هذا من أوهامه. وأخيرًا قد حملَ ابن قتيبة تولية سالم على تولية إمامة الناس في الصلاة وقتَ الشورى إلى أن يختاروا خليفة. وقد ذكرَ ما يدلُّ على هذا التوجيه (١). الرواية الثانية: قول عمر: «فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذ بن جبل» (٢). هذا الأثر مما لا يصح أن يُعترضَ به، لأنه لا يصحُّ، وقول الحافظ: «بسند رجاله ثقات» لا يعني أنه صحيح، فإنه لو كان صحيحًا عنده لبين ذلك، ولما اكتفى بقوله: (رجاله ثقات) (٣)، أما قوله: «وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه»، فيقال: إنَّ أكثر هذه المراسيل من

стр. 111

مراسيل الشاميين إلَّا اثنين، وأحدهما فيه ضعف، أما الآخر من أوساط التابعين لا من كبارهم. وهذه المراسيل لا يقوِّي بعضُها بعضًا؛ لأن أكثرها من مرسل الشاميين؛ فمخرجُها واحد، فيحتمل أخذ كلِّهم عن رجل واحدٍ ضعيف، ثم هذا المرسل مخالفٌ لما هو أقوى منه، وهي الأحاديث المتقدِّمة مع الإجماع، والإجماعُ قطعيُّ الدلالة؛ لذلك من ضوابط المرسل حتى يقوِّي بعضُه بعضًا أن لا يخالفَ ما هو أقوى. وهذا يقال في الأحاديث المتصلة فكيف في المرسل فهو من باب أولى، ولما شرح ابنُ رجب كلامَ الشافعي في تقوية المرسل ذكرَ هذا، ومن ذلك أنه قال: «وظاهرُ كلام أحمد أنَّ المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجاء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافُه». قال الأثرم: «كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي ﷺ ، وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجاء خلافُه أثبتَ منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجاء خلافه» (١). الاعتراض الثاني: ذكر أن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفهُ رسول الله ﷺ ». والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في موضعين (٢)، وكلاهما من طريق البهي عن عائشة، وقد تنازعَ العلماء في ثقة البهي وسماعه من عائشة، وأنكرَ سماعه من عائشة عبدُ الرحمن بن مهدي وأحمدُ بن حنبل، وأثبته البخاري (٣).

стр. 112

أما ثقته فقد ذكر أبو حاتم أنه لا يُحتجُّ به وأنه مضطرب، ووثَّقه ابن سعد. وما كان كذلك من الآثار فإنه لا يقوى على مخالفة الأحاديث الأصحِّ وحدَها؛ كيف وقد انضمَّ لها الإجماعات؟!. فبهذا يتبين ضعفُه وشذوذُه. الاعتراض الثالث: استشكال ابن كثير: استشكل ابن كثير فعلهم وعدَّه زلَّة؛ مما يدل على أنه مقرٌّ بشرط القرشية فقال: «والعجبُ كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة، وليس من قريش وإنَّما هو كندي من اليمن، وقد اجتمعَ الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلَّا في قريش، واحتجَّ عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كلِّه ضربَ سعد بن عبادة - الذي دعا إلى ذلك أولًا، ثم رجع عنه - كما قررنا ذلك فيما تقدم، فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين، فيعزلونه وهو من صليبة قريش، ويبايعون لرجلٍ كندي بيعةً لم يتفق عليها أهلُ الحلِّ والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلَّة وفلتةً نشأ بسببها شرٌّ كثير هلكَ فيه خلقٌ كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (١). وقد يقال: إنَّ مبايعتهم له على إمارة القتال لا على الإمارة مطلقًا، ليتفق فعلهم مع الإجماع، ولا يخطَّأُ هؤلاء الفقهاء في هذه المسألة. الاعتراض الرابع: القول بأنه لم يكن معروفًا اشتراطُ الإمامة في قريش؛ بدلالة أنهم في سقيفة

стр. 113

بني ساعدة، وعند اختلافهم في تولي الأنصار أو المهاجرين، لم يذكروا هذه الأحاديث، فدلَّ على أنها غير معروفة عندهم. والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: إن أبا بكر استدلَّ بأنهم الأمراء، وهذا استدلالٌ بالأحاديث الدالة على ذلك، وليس شرطًا أن يذكر أبو بكر نصَّ نسبته لرسول الله ﷺ ، فبمجرَّد ذكرِ ذلك على وجه الاستدلال وفي محلِّ النزاع دليلٌ على أنه يستدلُّ بحديث عن رسول الله ﷺ . وهذا ما فهمهُ القاضي عياض لما قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها فى هذا الباب - حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم. وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحد عنه» (١). وقال ابن الجوزي: «ربما ظنَّ ظانٌّ بالأنصار أنهم شكُّوا في تفضيل أبي بكر؛ وليس كذلك، إنما جرَوا في هذا على عادة العرب: وهي أن لا يسود القبيلة إلَّا رجلٌ منها، ولم يعلموا أنَّ حكم الإسلام على خلاف ذلك، فلما ثبت عندهم أن النبي ﷺ قال: «الخلافة في قريش» (٢) أذعَنوا له وبايعوه» (٣). الوجه الثاني: أنه لو كان ما ذكرهُ من اعتراض محتملًا، فإنَّ الأحاديث الصريحة والإجماعات لا تردُّ بهذه الأفهام المحتملة، فإنَّ المنطوق الصريح يقدَّم على المنطوق المحتمل، فكيف إذا كان مفهومًا محتملًا فهو أولى أن يقدَّم عليه المنطوق الصريح.

стр. 114

الاعتراض الخامس: أن النصوص المذكورة في أنَّ الولاية لقريش أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وأنَّ هذا ما فهمه الأنصار. هذا الاعتراض من العجائب لأوجه: الوجه الأول: أن ألفاظ الحديث لا تحتمل إلَّا الأحكام والطلب كقوله ﷺ : «إنَّ هذا الأمر في قريش، لا يُعاديهم أحدٌ إلَّا كبَّه الله على وجههِ ما أقاموا الدين» (١). الوجه الثاني: أنَّ الجزم بأن هذا فهمُ الأنصار ليس أولَى من الجزم بأنه قد خفيَ عليهم أو لهم تأويلٌ لا نعلمه - هذا تنزُّلًا - وإلَّا فالتأويل الذي ذُكِرَ باطلٌ بالمرة لما تقدَّم في الوجه الأول. الوجه الثالث: أنهم جهلوه أو تأوَّلوه بتأويلٍ خطأ، ثم رجعوا بدلالة إجماع أهل السنة بعد. تنبيه: بعد هذا قد يظن أن أحاديثَ السَّمع والطاعة للحاكم، ولو كان عبدًا حبشيًّا تعارضُ ما تقدَّم ذكرهُ من أنه لا تصحَّ الإمامة إلا لقريش، وقد أجابَ على هذا ابن رجب فقال: «وولاية العبيد عليهم، وفي صحيح البخاري (٢) عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأنّ رأسه زبيبةٌ».

стр. 115

وفي صحيح مسلم (١) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: «إنَّ خليلي ﷺ أوصاني أنْ أسمعَ وأُطيع، ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدَّعَ الأطراف». والأحاديث في المعنى كثيرة جدًّا. ولا يُنافي هذا قوله ﷺ : «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش ما بقيَ في النَّاس اثنان» (٢)، وقوله: «النّاسُ تبعٌ لقريش» (٣). وقوله: «الأئمة من قريش» (٤)؛ لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمامٍ قرشي، ويشهدُ لذلك ما خَرَّجَه الحاكم (٥) من حديث عليٍّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الأئمة من قريش أبرارُها أمراءُ أبرارِها، وفجَّارُها أمراء فجَّارِها، ولكلٍّ حقّ، فآتوا كلَّ ذي حقّ حقّه، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًّا مجدعًا، فاسمعَوا له وأطيعوا» وإسناده جيد، ولكنَّه روي عن عليٍّ موقوفًا، وقال الدارقطني: هو أشبه. وقد قيل: «إنّ العبد الحبشيَّ إنَّما ذكر على وجهِ ضربِ المثل وإنْ لم يصحَّ وقوعُه، كما قال: «مَنْ بنى مسجدًا ولو كمفحَصِ قَطاة» (٦)» (٧).

стр. 116

وقد يقال إن هذا في حال التغلُّب؛ فإذا تغلَّب الحاكم المسلم ثبتَ الحكم له بما أنه مسلم، ولا يُنظَر لبقية الشروط - كما تقدم - (١). وقال الكرماني: «فإن قلت: كيف يكون العبدُ واليًا وشرطُ الولاية الحرية؟ قلت: بأن يولِّيه بعضُ الأئمة أو يغلب على البلاد بشوكته» (٢). الشبهة الرابعة عشرة: روي عن علي بن أبي طالب ﵁ ما يدلُّ على أنه يشترط للسمع والطاعة للحاكم أن يحكمَ بكتاب الله، فإذا لم يحكم بكتاب الله فلا سمعَ ولا طاعة، قال علي بن أبي طالب ﵁: «على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقٌّ على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوه إذا دعا» (٣). وكشف هذه الشبهة: إنَّ هذا الأثر لا يصح؛ فإن مصعب بن سعد لم يسمع من علي بن أبي طالب، كما قاله أبو زرعة (٤). ثم لو صحَّ الأثر، لكان مفهومه معارضًا لمنطوقاتٍ كثيرة في السمع والطاعة للحاكم المسلم الفاسق العاصي، فالمنطوقُ مقدَّم على المفهوم؛ وهو محمولٌ على السمع والطاعة في غير معصية الله، كما أفاده ابن بطال (٥).

стр. 117

الشبهة الخامسة عشرة: أنه يشترط للحاكم الذي يُسمع ويُطاع له أن يكون عالمًا قال القرطبي: «أن الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله ﷺ ، وحينئذٍ تجبُ طاعتهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: ١ - إنه لا دليل على هذا الشرط، ومَن أراد أن يشترطَ شرطًا فيلزمهُ الدليل. ٢ - أن ما تقدم من الأدلة في السمع والطاعة للحاكم المسلم عند التغلب يدلُّ على السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو لم يكن عالمًا. ٣ - أن كلام القرطبي فيما يأمر به الحاكم فيشترط أن يكون بمقتضى العلم - سواء كان عالمًا أو مقلِّدًا - حتى لا يأمر الحاكم بما يخالف شرع الله مما حرَّمه الله؛ لذا كلامُ القرطبي في المأمور نفسه لا في الأمير والحاكم، فقال: «إنَّ الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم»؛ لذا لو قدِّر أنَّ الحاكمَ عالم، وأمرَ بما يخالفُ العلم بأن أمر بمحرَّمٍ فلا سمعَ ولا طاعة. الشبهة السادسة عشرة: أنه لا طاعة لمن عصى الله؛ واستدلوا بما أخرج أحمد أن معاوية كتب إلى عثمان: إنَّ عبادة ابن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فلما جاء عبادة إلى عثمان قال له: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنَّه سَيَلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يعرِّفونكم

стр. 118

ما تنكرون، وينكرونَ عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى الله ﵎، فلا تعتَلُّوا بربِّكُم» (١). وكشف شبهة الاستدلال بهذا الحديث من أوجه: الوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيف؛ لأنَّ في الإسناد إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في روايته عن غير أهل الشام الذين هم أهل بلده، كما بين ذلك يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وهذا الحديث منها. فإنه يرويه عن عبد الله بن عثمان بن خيثم وهو من أهل مكة، وأيضًا في الإسناد إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه. وإسماعيل وأبوه مجهولان جهالة حال، فإسماعيل وثَّقه ابن حبان وأبوه وثَّقه العجلي؛ وهما متساهلان في توثيق التابعين. فبهذا يكون الحديث ضعيفًا، وقد ضعَّفه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (٢). الوجه الثاني: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (٣).

стр. 119

الوجه الثالث: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله (١) -. تنبيه: قد روى ابن أبي شيبة (٢) حديث عبادة بلفظ آخر قريب: «ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعلمون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة» على أنه لا طاعة لمن عصى الله. وهو حديث ضعيف فيه أكثر من علَّة؛ ففيه جهالة الأعشى بن عبد الرحمن ابن مكمل؛ لم يوثِّقه مُعتبرَ، قال الهيتمي: «لم أعرفه» (٣). وفيه أزهر بن عبد الله الراوي عن عبادة بن الصامت. قال ابن حجر: «يروي عن عثمان وعبادة بن الصامت. روى عنه الأعشى ابن عبد الرحمن بن مكمل. قال أبو حاتم: لا أدري من هو. وذكره ابن حِبَّان في (الثقات)» (٤)، فهو بهذا مجهول جهالة حال، فيكون الحديث ضعيفًا.

стр. 120

شبهات في طريقة تولي الحكم الشبهة السابعة عشرة: «أنَّ التولي بالغلبة والقهر لا تثبت به الولاية»، لما يلي: الأمر الأول: أنه ظلم وجَور، والشريعة لا تقرُّ الظلم والجور. فعلى ذلك لا تقرُّ تولِّي الحكم بطريق القهر والغلبة. الأمر الثاني: أن الإمامة عقدٌ بين الحاكم والمحكوم، وفي العقد يطالَبُ الطرفان بالقيام بحقوق كلِّ طرف، فإذا أخلَّ أحدهم بما اتفق عليه بطلَ العقد. وجواب هذه الشبهة بجواب الأمرين: أما جواب الأمر الأول فمن وجهين: الوجه الأول: أن طريقة التولي بالغلبة دلَّت عليها الأدلة، وأقوال الصحابة، وإجماع أهل العلم - كما تقدم (١) - فهي دينٌ وشرعٌ؛ والشريعة لا تأتي بالظلم

стр. 121

والجورالغالب، ويوضِّح ذلك الوجه الثاني. الوجه الثاني: أنه وإن كان في إقرار الحكم بالغلبة والسيف ظلم وجور ومفسدة، لكن به تُدفَعُ مفسدة أكبر؛ ودين الله قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وذلك أنَّ مفسدة الفوضى وذهاب الأمن وسفك الدماء أعظمُ من مفسدة ظلمٍ يأتي من جهة الحاكم، ومن حوله فحسب؛ في مقابل ظلمٍ يأتي من الشعوب كلِّهم، فيأكل القويُّ الضعيف، والكثير القليل وهكذا … وتقدم ذكر هذا (١). أما جواب الأمر الثاني فسيأتي - إن شاء الله - عند بيان أنَّ عقد الولاية لا يبطل إذا أخلَّ الحاكم بحقوق المحكومين (٢). الشبهة الثامنة عشرة: أن الإمام مالكًا لا يرى البيعة لمتغلِّب؛ لأن للإمام مالك كلامًا في عدم صحة بيعة المكرَه - ولا يثبت عنه، كما سيأتي إن شاء الله (٣). وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أنَّ الإمام مالكًا يرى صحة بيعة المتغلِّب ولو لم يرَ صحة بيعة المكره - تنزُّلًا - وإلَّا لم يصح. قال الشاطبي: «وما قرره هو أصلُ مذهب مالك: قيل ليحيى بن يحيى: «البيعة مكروهة؟ قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جَور؟ فقال: قد بايعَ ابنُ عمر

стр. 122

لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك»، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه، قال يحيى: «والبيعة خيرٌ من الفرقة» (١). ويؤيد ذلك أنه أقرَّ لأبي جعفر المنصور والمهدي بالخلافة، وكان يسمِّي كلًّا منهما أمير المؤمنين. قال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعت مالكًا يقول: قدم علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شَيبك! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، من أتتْ عليه السِّنون، كثُر شَيبه، قال: ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة؟ قلت: كان آخرَ من بقي عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (٢)، ونعت الإمام مالك المهدي بأمير المؤمنين أيضًا. قال الذهبي: «قدم المهديُّ المدينة، فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه. فبعث إليه، فلم يُجبهما، فأعلَما المهدي، فكلَّمه، فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يُؤتى أهله. فقال: صدقَ مالك، صيرا إليه» (٣). الوجه الثاني: أن الإمام مالكًا لو كان يرى عدم صحَّة ولاية المتغلب لبيَّن هذا أئمة السنة، فإنهم قد حكوا إجماعات على صحَّة بيعة المتغلب وثبوت الحكم له كما تقدَّم نقل ذلك.

стр. 123

إذا تقرَّر هذا فلابد أن يوجَّه كلامُ مالك في عدم صحَّة بيعة المكره على غير ولاية المتغلب، وهذا يتَّضح بما يأتي - إن شاء الله -. الوجه الثالث: أنَّ من المالكية مَنْ حكى إجماعًا على صحَّة بيعة المتغلب كابن أبي زيد القيرواني وابن بطال، فلو كان مالك مخالفًا لبيَّنوا ذلك. الوجه الرابع: أن كلَّ صورة يمكن معها إثباتُ بيعة المتغلب مع عدم صحة بيعة المُكرَه يصحُّ أن يُحمل عليها كلام الإمام مالك في عدم صحَّة بيعة المكره - لو ثبت عنه -، فلو أنَّ مدينةً بين دولتين، وقد استقر الحكم لكلِّ حاكم في هاتين الدولتين، فإنَّ إلزام أحد هذين الحاكمين أحدَ أفراد هذه المدينة بالبيعة وهي ليست تحت حُكمهِ وقهرهِ تكون بيعة مكره، فبهذا يجتمعُ إثبات أنَّ الإمام مالكًا يقول ببيعة المتغلِّب مع عدم صحة بيعة المكره. وهذا مثالٌ من الأمثلة، وقد توجد أمثلة أخرى مثل أن ينتقل رجلٌ إلى دولة حاكمٍ آخر لطلب رزقٍ أو غير ذلك، فيُلزِمهُ هذا الحاكم ويُكرِهُه على أن يبايعه، وفي عُنقه بيعةٌ للحاكم الأول فمثل هذا لا تصحُّ بيعته له لأنها بيعة مُكره. الشبهة التاسعة عشرة: أن الصحابة مُجمعون على عدم صحة الولاية للمتغلب، واستدلُّوا على ذلك بأن أبا بكر قال للصحابة: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألَوتُ من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. قالوا: سمعنا وأطعنا. وفي رواية: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به. فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا.

стр. 124

والجواب على هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن الأثر ضعيف، فقد أخرجه الخلال (١)، وابن جرير (٢)، من طريق أبي السفر عن أبي بكر، ولم تثبت روايته عنه، بل ذكر ابن معين (٣) أنه لم يسمع عليًّا، فأبو بكر من باب أولى. أما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن سعد من طريقين ضعيفين - لا يقوي بعضُهما بعضًا لشدة الضعف: أما الطريق الأولى ففيها الواقدي - وهو متروك كما قاله البخاري - وفيها أبو بكر بن أبي سبرة - وهو يضع الحديث كما قاله ابن عدي -. أما الطريق الثانية ففيها أكثر من علَّة - وهو عدم سماع عبد الله البهي من أبي بكر - لأنه لم يسمع من عائشة كما قاله أحمد - ثم إنَّ في البهي ضعفًا حتى قال أبو حاتم مضطرب الحديث (٤) وفي الأثر علل أخرى (٥) - فكيف يُنفى الخلافُ بين الصحابة اعتمادًا على أثرٍ ضعيف ثم تُترك الآثار الصحيحة عن الصحابة في تصحيح ولاية المتغلب؟! الوجه الثاني: لا دلالة في هذا الأثر - لو صحَّ - لأن كلام أبي بكر عن حال الولاية بالاختيار، وقد تقدم أن للولاية طرقًا منها الغلبة، فما دلَّ على الاختيار لا

стр. 125

ينفي ما دلَّ على الغلبة، والواجبُ العمل بالأدلة كلِّها وألَّا يُضرَبَ بعضُها ببعض، فقد صحَّحت الشريعة الولاية بالاختيار - وهو الأصل، وصحَّحت الولاية بالتغلُّب، كما دلت على ذلك الأدلة وأقوال الصحابة وإجماع أهل السنة - كما تقدم (١) -. الوجه الثالث: ليس في كلام أبي بكر هذا عدم صحة الولاية مطلقًا إلَّا بالرضا حتى يستفاد منه عدم صحَّة ولاية المتولِّي بالقهر والغلبة، وغاية ما في هذا الأثر - لو صحَّ - أنه طلبَ رضاهُم ففِعلُه لهذه الطريقة لا يمنع غيرها. الوجه الرابع: إنه لو صحَّ عن أبي بكر، فإنَّ حكاية نفي الخلاف بين الصحابة تهوُّر واستهانة بالعقول، وذلك أن ابن عمر صحَّح ولاية المتغلب - كما تقدم (٢) -، فأقل ما يقال - لو صحَّ الأثر روايةً وصحَّ الاستدلالُ به درايةً -: إنَّ في صحَّة ولاية المتغلِّب قولين للصحابة، مع أنه تقدَّم أنَّ العلماء مُجمعونَ على صحَّة ولاية المتغلب. الشبهة العشرون: أن ولاية المتغلب لا تصحُّ قياسًا على عدم صحة البيع ولو كان قليلًا مع عدم التراضي؛ فإنه إذا لم يصحّ البيع ولو قليلًا مع عدم التراضي فالبيعةُ بالولاية أولى ألَّا تصحَّ. وكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة: الوجه الأول: إن الشريعة صحَّحت ولاية المتغلب بالنصِّ والإجماع، بل أجمعَ أهل السنة أن مَنْ خالفَ فهو مبتدع ضالٌّ - كما تقدم (١) - فهذا مقدَّم على ذلك القياس الفاسد.

стр. 126

الوجه الثاني: أن هذا الكلام في العقود بصفةٍ عامة، والأصلُ بقاء العموم على عمومهِ ما لم يرِدْ مخصِّص، وقد وردَ المخصِّص في صحَّة ولاية المتغلب - كما سبق إيرادُ الأدلة والإجماع (١) -. الوجه الثالث: أن درءَ المفسدة الكبرى بالصغرى هو عينُ القياس الصحيح، وهذا الذي من أجله صحَّحت الشريعةُ بيعة المتغلِّب مع عدم وجود الرضا؛ بخلاف البيع والشراء ولو في شيء يسير. الشبهة الحادية والعشرون: إذا كان الله الذي أوجبَ طاعته على العباد لم يرضَ إجبارَهُم ولا إكراهَهُم على طاعته؛ حتى قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فكيف يُتصوَّرُ جواز عقد الإمامة - التي تقتضي الطاعة للإمام - دون رضا الأمة، وإكراهها على عقدهِ ثم التزامها بمقتضاه تحت الإكراه؟! وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن غاية هذا الاستدلال أنه استدلال بالقياس، والقياسُ إذا خالفَ النصَّ صار قياسًا فاسدًا. الوجه الثاني: أن العلماء مختلفون في توجيه هذه الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فقيل: إنها خاصَّة بأهل الكتاب لأنه يجوز أخذُ الجزية منهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾

стр. 127

[التوبة: ٢٩]، دون بقية الكفار، فإنهم يقاتلون على الإسلام، وقيل: إنها منسوخة، فإذا فسد الأصلُ المقيسُ عليه فسدَ الفرع. قال ابن كثير في تفسيره: «وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولةٌ على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يُدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دينِ الإسلام، فإنْ أبى أحدٌ منهم الدخول فيه، ولم ينقَدْ له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وفي الصحيح: «عَجِبَ ربُّكَ من قومٍ يُقادون إلى الجنةِ في السلاسل» (١) يعني الأسارى الذين يُقدَمُ بهم بلادُ الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يُسلمون، وتصلُح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة». الوجه الثالث: مقتضى القياس الصحيح أن ولاية المتغلِّب تصحُّ لأنَّ الدين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.

стр. 128

الشبهة الثانية والعشرون: «أنَّ الانتخابات البرلمانية والوطنية والشعبية طريقةٌ شرعية؛ فهي مبنية على الاختيار» وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أنَّ الانتخابات ليست من الاختيار الشرعي؛ لأنَّ الاختيار الشرعيَّ يرجع إلى اختيار أهل الحلِّ والعقد لا عامة الناس، وفرقٌ بينهما كما تقدم. الوجه الثاني: أنَّ الانتخابات قائمة ابتداءً وانتهاءً على الأكثرية، والأكثرُ مخالفون للحقِّ كما بيَّن ذلك القرآن: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. الوجه الثالث: أن الحاكم سيحاول إرضاءَ الشعب؛ ليستمروا في انتخابه واختياره، فبذلك يتنازل عن شرع الله، لأجل الشعب. الوجه الرابع: أن الحاكم سيجعل شرعَ الله تحتَ اختيار الشعب، فيكون شرعُ الله غيرَ إلزامي، فقد يوافقون عليه وقد يعارضون .. إلى غير ذلك من المفاسد. تنبيه: حاول بعضهم التدليس بالاستدلال بفعل عبد الرحمن بن عوف لمَّا سألَ أهل المدينة في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄. قال المسور بن مخرمة وهو يحكي قصة بيعة عثمان بن عفان ﵁: فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن، ثم قال: «أما بعد، يا عليُّ إني قد نظرتُ في أمر الناس، فلم أرَهُم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك

стр. 129

على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون» (١). وسبق الجوابُ عليها في الفصل الأول عند الكلام على تولِّي الحكم بالاختيار. الشبهة الثالثة والعشرون: أن طرق تولِّي الخلافة والولاية في الإسلام ليست محصورةً في الطريقتين السابقتين؛ العهد والاختيار من أهل الحلِّ والعقد، بل تدخلُ في ذلك الانتخابات. وكشف هذه الشبهة أن يقال: إنَّ طريقة تولي الخلافة وسيلةٌ شرعية، والذي جاء عن السلف الصالح هاتان الطريقتان، فإحداثُ طريقةٍ ثالثة غير هاتين الطريقتين بدعةٌ لما تقدَّم تقريرهُ من قاعدة وجود المقتضي وانتفاء المانع في الوسائل. ثم لو جاز إحداثُ طريقةٍ ثالثة لما جازت طريقةُ الانتخابات؛ لأنها لا تحقِّق عدلًا؛ لما تقدَّم بيانه (٢). الشبهة الرابعة والعشرون: أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومَن بعدَهُ أخطؤوا لمَّا جعلوا تولية الحكم بالتوريث، وقد يبالغ بعضُهم فلا يُثبت الولايةَ بمثل هذا.

стр. 130

وكشف هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: أن إثباتَ الولاية بالتوارث لأجل درءِ مفسدةٍ أعظمُ مطلوب شرعًا، فإنَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان لو جعلها في غير بني أمية ما تحمَّلوا هذا، وجاءت منهم مفاسدُ عظيمة على المسلمين. ومما يؤكِّد ذلك أنهم استرجعوا حكمَ بلاد المسلمين كلِّها بعد انفلاتها منهم، فقد استردَّ ولايةَ بني أمية مروانُ بن الحكم وعلى إثر هذا سقطت ولاية عبد الله بن الزبير ﵁. قال ابن خلدون في تاريخه: «والكلّ كانوا في مقاصدهم على حقٍّ، ثمّ اقتضت طبيعةُ الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، ولم يكن لمعاوية أن يدفعَ عن نفسه وقومه؛ فهو أمر طبيعيّ ساقتهُ العصبيّة بطبيعتها، واستشعرته بنو أميّة. ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحقّ من أتباعهم فاعْصَوصَبوا عليه واستماتوا دونه، ولو حملهم معاويّة على غير تلك الطّريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقَع في افتراق الكلمة الّتي كان جَمعُها وتأليفُها أهمَّ عليه من أمرٍ ليس وراءه كبيرُ مخالفة. وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول إذا رأى القاسم بن محمّد بن أبي بكر: لو كان لي من الأمر شيء لولّيته الخلافة، ولو أراد أن يعهد إليه لفعل، ولكنّه كان يخشى من بني أميّة أهل الحلّ والعقد لما ذكرناه، فلا يقدر أن يحوِّل الأمر عنهم لئلَّا تقع الفرقة. وهذا كلّه إنّما حمل عليه منازع الملك الّتي هي مقتضى العصبيّة، فالملكُ إذا حصل وفرضنا أنَّ الواحد انفرد به وصرَفهُ في مذاهب الحقِّ ووجوهه = لم يكن في ذلك نكيرٌ عليه، ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني

стр. 131

إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به، وكانوا ما علمتَ من النّبوة والحقّ، وكذلك عَهِدَ معاوية إلى يزيد خوفًا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أميّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم. فلو قد عَهِدَ إلى غيره اختلفوا عليه مع أنّ ظنَّهم كان به صالحًا ولا يرتاب أحدٌ في ذلك ولا يُظَنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهدَ إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسقِ حاشا الله لمعاوية من ذلك» (١). وقال ابن خلدون أيضًا: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر، وإن عَهِدَ إلى أبيه أو ابنه؛ لأنّه مأمونٌ على النّظر لهم في حياته؛ فأَولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته؛ خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصَّص التّهمة بالولد دون الوالد، فإنّه بعيد عن الظنّة في ذلك كلِّه لا سيّما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقُّع مفسدة، فتنتفي الظنّة في ذلك رأسًا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعلُ معاوية مع وِفاقِ النّاس له حجّةً في الباب، والّذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنّما هو مراعاةُ المصلحة في اجتماع النّاس واتّفاق أهوائهم باتّفاق أهل الحلِّ والعقد عليه حينئذٍ من بني أميّة؛ إذ بنو أميّة يومئذٍ لا يرضَونَ سواهم، وهم عصابة قريش وأهلُ الملّة أجمع، وأهلُ الغلب منهم؛ فآثَرهُ بذلك دون غيره ممّن يَظُنّ أنّه أولى بها، وعَدلَ عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتّفاق واجتماع الأهواء الّذي شأنه أهمُّ عند الشّارع. وإن كان لا يُظَنُّ بمعاوية غير هذا فعدالتهُ وصُحبته مانعةٌ من سوى ذلك، وحضورُ أكابر الصّحابة لذلك وسكوتهم عنه دليلٌ على انتفاء الرَّيب فيه، فليسوا ممّن يأخذهُم في الحقّ هوادةٌ، وليس معاوية ممّن تأخذهُ العزّة في قبول الحقّ؛ فإنّهم

стр. 132

كلّهم أجلُّ من ذلك وعدالتُهم مانعةٌ منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنّما هو محمول على تورّعه من الدّخول في شيء من الأمور مباحًا كان أو محظورًا كما هو معروف عنه، ولم يبقَ في المخالفة لهذا العهد الّذي اتّفق عليه الجمهور إلّا ابن الزّبير؛ وندور المخالف معروف. ثمّ إنّه وقعَ مثلُ ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الّذين كانوا يتحرّون الحقَّ ويعملون به؛ مثل عبد الملك وسليمان من بني أميّة، والسّفّاح والمنصور والمهديّ والرّشيد من بني العبّاس، وأمثالهم ممّن عرفت عدالتهم وحسنُ رأيهم للمسلمين والنّظر لهم، ولا يُعاب عليهم إيثارُ أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء؛ فإنّهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيّا، فعند كلّ أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدّين فقط، وآثروه على غيره، ووكلوا كلَّ من يسمو إلى ذلك إلى وازعه. وأمّا مَنْ بعدَهُم من لَدُنْ معاوية، فكانت العصبيّة قد أشرفَتْ على غايتها من الملك الوازع الدّينيّ قد ضعف، واحتيجَ إلى الوازع السّلطانيّ والعصبانيّ، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبيّة لردَّتْ ذلك العهد وانتفض أمره سريعًا، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف» (١). وهكذا يقال فيمن بعده، فلو ولَّاه بغير طريقة الإرث لصارت المفسدة أكبر، والشريعة تنهى عما كانت مفسدته أكبر.

стр. 133

الوجه الثاني: أمَّا مَنْ بالغَ ولم يعتبر الولاية صحيحة، فهو مخطئ قطعًا - لما تقدَّم ذكره، فإن لم يقبل ما سبق ذكرهُ فيقال - تنزُّلًا: إنَّ تولِّي الحكم بالتوريث ولاية تغلُّب، وإذا كان كذلك فهي ولايةٌ صحيحة شرعًا، فيجبُ السمع والطاعة للأدلة المتقدمة، ولإجماع أهل السُّنة على صحة ولاية المتغلِّب. الشبهة الخامسة والعشرون: «أن البيعة إنما تلزم مَنْ باشرها دون من لم يباشرها» وكشف هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: إنَّ اعتقاد البيعة لازِمٌ في عنق كل من بايعه أهلُ الحلِّ والعقد، أو أخذ الحكم بالغلبة والقهر كما تقدم بالأدلة والإجماع (١). الوجه الثاني: لا يُشترط لصحَّة البيعة أن يبايع كلُّ واحد بنفسه، قال الشوكاني: «وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل مَنْ يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإن هذا الاشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين أولهم وآخرهم وسابقهم» (٢)، وقد نصَّ على ذلك شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز ﵀ (٣). وقال الإمام محمد ابن عثيمين ﵀: «قد يقول قائل مثلًا: نحن لم نبايع الإمام، فليس كل واحد بايعه.

стр. 134

فيقال: هذه شبهة شيطانية باطلة، هل الصحابة ﵃ حين بايعوا أبا بكر، هل كلُّ واحدٍ منهم بايعَ حتى العجوز في بيتها، والبائع في سوقه؟ أبدًا؛ المبايعة لأهل الحلِّ والعقد، ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل أهل هذه البلاد شاء أم أبى، ولا أظن أحدًا من المسلمين، بل العقلاء يقول إنه لابد أن يبايع كل إنسان ولو في جحر بيته، ولو عجوزًا أو شيخًا كبيرًا أو صبيًا صغيرًا ما .. قال أحد بهذا» (١).

стр. 135

شبهات في عقد الإمامة الشبهة السادسة والعشرون: أنَّ الإمامة عقدٌ بين الحاكم والمحكوم، وفي العقد يُطالَبُ الطرفان بالقيام بحقوق كلِّ طرف، فإذا أخلَّ أحدُهم بما اتفق عليه بطل العقد. وهؤلاء فريقان؛ فمنهم مَنْ جعل العقدَ عقدَ ولاية، ومنهم من جَعله عقدَ وكالة، وهما قولان عند الحنابلة، ذكرهما أبو يعلى في كتابه المعتمد في أصول الدين. قال ابن رجب: «المتصرف تصرُّفًا عامًّا على الناس كلهم من غير ولاية أحدٍ معين وهو الإمام، هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم أو بطريق الولاية؟. في ذلك وجهان؛ وخرَّجَ الآمديُّ روايتين بناء على أن خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؛ لأنَّا إنْ جعلناه على عاقلته فهو متصرِّف بنفسه، وإنْ جعلناهُ في بيت المال، فهو متصرِّفٌ بوكالتهم لهم وعليهم، فلا يضمن لهم ولا يُهدِر خطأه، فيجب في بيت المال. واختيار القاضي في خلافه أنه متصرف بالوكالة لعمومهم. وذكر في الأحكام السلطانية روايتين في انعقاد الإمامة بمجرد القهر من غير عقد، وهذا يحسُن أن يكون أصلًا للخلاف في الولاية والوكالة أيضًا، وينبني على هذا الخلاف أيضًا انعزالُه بالعزل؛ ذكَرهُ الآمدي. فإن قلنا: هو وكيلٌ = فله أن يعزِلَ نفسه، وإن قلنا: هو والٍ = لم ينعزل بالعزل كما أن الرسول ليس له عزلُ نفسه؛ ولا ينعزلُ بموت من بايعَهُ؛ لأنه وكيلٌ عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدهم، وهل لهم عزلُه إذا كان بسؤاله فحكمهُ حكمُ عزلِ نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يجز بغير خلاف، هذا ظاهر ما

стр. 136

ذكره القاضي وغيره» (١). وجواب هذه الشبهة أن يقال: إن ما حصل من نزاع عند بعض العلماء المتأخرين في نوع العقد بين الحاكم والمحكوم هل هو عقد وكالة أم ولاية؟ لا يعتد به لسببين: السبب الأول: أنَّ هذا لم يُعرف عند العلماء الأولين، ولم يُلزموا أنفسَهُم بمثلِ هذا؛ ومذهبهم أسلم وأعلم وأحكم. وكل قول في الدين محدثٌ فلا يلتفت إليه. السبب الثاني: أنه يرِدُ على القول بالوكالة إيراداتٌ مخالفة لإجماع أهل السُّنة؛ وكذلك على القول بالولاية: أما القول بالوكالة فيلزم عليه أنه يصحَّ للرعية أن يعزلوا الوالي، لأنه يصحُّ للوكيل أن يعزل الموكل، وهذا اللازم باطلٌ؛ لإجماعِ أهل السُّنة على بطلانه - كما سبق - (٢)، فإذا بطلَ اللازم بطل الملزوم؛ فيبطلُ القول بعقد الوكالة. أما القول بالولاية فيلزم عليه: أنه لا يصحُّ للحاكم عزلُ نفسه، والأدلة دلت على صحَّة عزل الحاكم لنفسه، كما فعل هذا الحسن بن علي ﵄ بل ويرِدُ عليه أنه لو أفسدَ في الولاية وساء تصرُّفه جازَ نزعُه وخلعُه من الرعية الذين ولَّوه، وهذا اللازم باطلٌ؛ لإجماع أهل السُّنة على بطلانه - كما سبق - (٣)، فإذا بطلَ اللازم بطل الملزوم، فيبطلُ القولُ بعقد الولاية.

стр. 137

الشبهة السابعة والعشرون: أنَّ عقدَ الإمامة أشبهُ بعقد الوكالة، وأن الإمام وكيل أو أَجير، ويدلُّ لذلك قصة دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: «السلام عليكم أيها الأجير، فقالوا: قل السَّلامُ عليكَ أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السَّلام عليك أيها الأمير، فقال السَّلام عليك أيها الأجير، فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلَمُ بما يقول، فقال إنما أنت أجيرٌ استأجركَ ربُّ هذه الغنم لرعايتها؛ فإنْ أنتَ هنأت جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبستَ أُولاها على أُخراها: وفَّاكَ سيِّدها أجرَكَ، وإن أنتَ لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أُولاها على أُخراها عاقبكَ سيِّدُها»، ثم قال هذا المستدل: وهذا يؤكد أنَّ عقد الإمامة في نظر الصحابة ﵃ هو عقدٌ أشبه بالوكالة، والإمام كالوكيل أو الأجير. والجواب على هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن هذا الأثر ضعيف؛ فقد أخرجه ابن عساكر (١)، ولمَّا ذكرهُ الذهبي في السير (٢)، وتاريخ الإسلام (٣)، بين أن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم. وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف؛ قد ضعَّفه أحمد بن حنبل وابن معين والرازيان كما في تهذيب التهذيب. الوجه الثاني: القول بأن العقد عقد كالوكالة لا يصح؛ لأنه يلزم على هذا أن

стр. 138

للوكيل حقًّا في عزلهِ وهذا القولُ أجنبيٌّ عن معتقد أهل السنة كما تقدم، ومثلُه يقال في القول: إنه عقد إجارة فإنه لا يصحُّ أيضًا؛ لأنه يلزم منه ما يلزم من الوكالة. الوجه الثالث: أن قول أبي مسلم الخولاني - إن صحَّ - أيها الأجير. المراد من باب التقريب والتشبيه أنه أجيرٌ من الله على الرعية؛ لذا قال أبو مسلم: استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها؛ فإن أنت هنأت جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبستَ أُولاها على أُخراها: وفَّاك سيِّدُها أجرَك، وإنْ أنت لم تهنأ جرباها ولم تداوِ مرضاها؛ ولم تحبس أُولاها على أُخراها عاقبكَ سيِّدها. وهذا الذي فهمه ابن تيمية أنه أجيرٌ من الله، لا كما ظنَّ المستدلُّ أن نوع العقد الذي بين الحاكم والمحكوم عقدُ إجارة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا ظاهر في الاعتبار: فإنَّ الخلق عباد الله، والولاة نوابُ الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم؛ بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر؛ ففيهم معنى الولاية والوكالة» (١). الشبهة الثامنة والعشرون: أن السمع والطاعة مقايضةٌ بين الحاكم والمحكوم، فإذا قام الحاكم بالحقوق التي عليه قام المحكومون بالحقوق التي عليهم. وكشفُ هذه الشبهة ببيان عدم صحة هذا لأمرين: الأمر الأول: أمرت الشريعة بالصبر على جور الحاكم، ومن ذلك إذا قصَّر الحاكم في القيام بحقوق المحكومين، ولم تأمر الشريعة بالصبر على جَور المحكوم،

стр. 139

بل إذا أخطأ أحدٌ من الرعية له أن يؤدِّبهم، بخلاف إذا أخطأ الحاكم وظَلَم، فالرعية مأمورةٌ بالصبر عليه، لما تقدم من الأدلة وإجماع أهل السُّنة (١)، وللحِكَم العظيمة، وهي درءُ المفسدة الكبرى بالصغرى. الأمر الثاني: توعَّدت الشريعة مَنْ تعامل مع الحاكم معاملة مقايضة بوعيدٍ شديد؛ قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلِّمهم الله ولا ينظرُ إليهم ولهم عذابٌ أليم»، ثم قال: «رجلٌ بايعَ رجلًا لا يبايعهُ إلَّا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلَّا لم يفِ له» (٢). قال القرطبي: «يعني: أنَّ الله تعالى كلَّف الولاة العدلَ وحسنَ الرعاية، وكلّف المولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة. فأراد: أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم: فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجازٍ كلَّ واحدٍ من الفريقين بما عمل» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاعَ الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجرهُ على الله، ومَن كان لا يطيعُهم إلَّا لما يأخذه من الولاية والمال؛ فإن أعطَوه أطاعَهُم؛ وإن منعوهُ عَصاهم: فما له في الآخرة من خَلاق» (٤).

стр. 140

الشبهة التاسعة والعشرون: أن المرجع في اختيار الحاكم إلى الأمة لا إلى أهل الحلِّ والعقد، فلا يصحُّ تقييد الأمر بأهل الحلِّ والعقد دون الأمة. وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن العلماء من المذاهب الأربعة متواردون على هذا، ولم أرَ أحدًا من العلماء ذكر عدمَ تعليق الاختيار بأهل الحلِّ والعقد؛ بل في عبارة بعضهم حكاية الإجماع، ومن المتقرِّر شرعًا أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقول قولًا في الشريعة وليس له سلف وإلَّا صار قولُه محدثًا. وقد سبق نقلُ كلام العلماء في تعليق الأمر بأهل الحلِّ والعقد (١). الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل الأمر في ستةٍ، والشورى فيهم دون عموم الناس وهؤلاء نوعٌ من أهل الحلِّ والعقد، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «باجتماع أهل الحلِّ والعقد عليه، يعني وجهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إمامًا، ومن ذلك الصورة المصغَّرة التي اختارها عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنَّ عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عامًّا بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين ستة أشخاص، تخيَّرهم ﵁، وعلَّل تخيُّره إيَّاهم بأن النبي ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ، فجعل الأمر بينهم، وهذا نوع من اختيار أهل الحلِّ والعقد، ونوعٌ من العهد بالخلافة إلى معيَّن؛ لأن الخليفة لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط،

стр. 141

يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلًا من غير الستة فإنه لا يصحُّ اختيارهم؛ لأنه خلافُ ما عهِدَ به الخليفة السابق» (١). الوجه الثالث: لم يكن الخلفاء الراشدون ولا غيرهم يستشيرون الأمة كلَّها، ومن ادعى هذا فعليه بالدليل، فلما عهد أبو بكر لعمر لم يستشر الأمة كلها، ولما جعل عمر ﵁ الأمر في ستةٍ لم يستشر الأمة كلَّها، ولما أراد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يجعل واحدًا من الستة لم يستشر الأمة كلها، ولما تولَّى علي بن أبي طالب ﵁ لم يستشر الأمة كلها، بل القراء - أي العلماء - أصحابُ مشورة عمر دون الأمة كلِّها. عن ابن عباس: «وكان القرَّاء أصحابَ مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شُبَّانا» (٢). الوجه الرابع: أن عدم اعتبار أهل الحلِّ والعقد سيُرجع الأمر إلى اعتبار الكثرة، وتقدَّم (٣) أن الكثرة ليست معتبرة شرعًا ولا عقلًا؛ أما شرعًا فليس هناك دليل بل ذمَّت الشريعة الكثرة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]. وأمَّا عقلًا فلا يصح أن يساوى الفاجر بالمتقي ولا الذي تلقَّى الدرجات العُلى في العلم بمن ليس متعلمًا.

стр. 142

تنبيه: كابَر بعضُهم فقال: «إن لفظ: «أهل الحلِّ والعقد» لم يرد في الكتاب والسنة». فيقال: إنه ولو لم يرد في الكتاب والسنة بهذا اللفظ، لكن وردَ ما يدلُّ عليه كما تقدَّم ذِكرُه (١)، وقد أجمع العلماء عليه، وأيضًا فلا مشاحة في الاصطلاح لا سيما وقد تواردَ العلماء عليه، ثم مما يدلُّ على أن هذا المعترض مماحكٌ أنه يستعمل عبارات كثيرة لم ترد في الكتاب والسنة، بل لم يرد معناها؛ فقد كذبَ وزعمَ أنَّ الصحابة سبقوا إلى البرلمانات وأنَّ للثورات سلفًا!. وهذان الأمران لفظًا ومعنًى محرَّمان في الشريعة، فعجبًا له ماحكَ في الألفاظ وأتى بمعانٍ وألفاظ مخالفة للشرع.

стр. 143

شبهات في الخروج وما يتعلق به الشبهة الثلاثون: أن في مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافًا سائغًا، فلا يصح لأحدٍ أن يشنِّع على مَنْ خالف فيها؛ لأنها مسألة اجتهادية كبقية المسائل الاجتهادية، وهذا القول هو قول الحسين ﵁ فقد خرج على يزيد، وخرج عبد الله بن الزبير على يزيد وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وخرج جمعٌ من القراء - الفقهاء - على الحجاج. والجوابُ على هذه الشبهة بطريقين؛ مجمَل ومفصَّل: أما الجواب المجمل: إنه قد كان للسلف قولان في الخروج على الحاكم الفاسق، ثم بعد فتنة ابن الأشعث انعقد إجماعُ السلف على عدم الخروج على السلطان؛ لذلك تواردَ أئمة السُّنة على ذكر هذه المسألة في كتب الاعتقاد، وجعلوا مَنْ خالف فيها مبتدعًا - وقد تقدَّم نقلُ كلامهم - (١)، وقد نصَّ جمعٌ من العلماء على أنَّ الإجماع انعقد بعد خلاف (٢)؛ ودونكَ كلامهم: الأول: شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ﵀: «كان أفاضل المسلمين ينهَون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهَون عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون

стр. 144

عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقرَّ أمرُ أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَورالأئمة وتركِ قتالهم» (١). الثاني: أبو بكر بن مجاهد، ونقله النووي. الثالث: النووي: قال النووي: «وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقة ظالِمين، وقد تظاهرت الأحاديث بِمعنَى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجهُ المذكور فِي كتب الفقه لبعض أصحابنا - أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائله مُخالف للإجماع. قال العلماء: وسببُ عدم انعزاله وتَحريْم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثرَ منها في بقائه. ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقد ادَّعى أبو بكر بن مُجاهد فِي هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بنِي أمية، وبقيام جماعةٍ عظيمة من التابعين والصَّدر الأول على الحجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «ألَّا ننازعَ الأمرَ أهلَه» فِي أئمة العدل».

стр. 145

ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقيل: إنَّ هذا الخلاف كان أولًا ثُمَّ حصل الإجماعُ على منع الخروجَ عليهم، والله أعلم» (١). الرابع: ابن حجر: قال: «وقولهم: «كان يرى السيف» - يعني: الحسن بن صالح - يعنِي: كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهبٌ للسلف قديْم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لمَّا رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبر» (٢). وبعد هذه النقولات الأربعة فإنه يضاف إليها كلُّ مَنْ حَكى عدَم الخروج على الحاكم الفاسق معتقدًا لأهل السنة، أو أن المخالف مبتدع، فهو يرى أنَّ المسألة إجماعية - وتقدَّم النقل عنهم - (٣). وهذا الجواب المجمل كافٍ في كشف هذه الشبهة وردِّها؛ وما يذكر بعد ذلك تفصيلًا فهو تتمة، وإلا فإن الجواب المجمل كاف، وإنَّ من فوائد الجواب المفصَّل أن يعلم أنه لا خلاف بين الصحابة في حُرمة الخروجِ وإنما حصل الخلافُ عند التابعين ثم انعقد الإجماع. الجواب المفصل: أولًا: الجواب المفصل على خروج الحسين بن علي ﵄ يكون من أوجه:
следующие страницы →