← Акыда

Акыда · id 1041

الإمامة العظمى - الريس

عبد العزيز الريس

Полный текст (412 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلًا من غير الستة فإنه لا يصحُّ اختيارهم؛ لأنه خلافُ ما عهِدَ به الخليفة السابق» (١). الوجه الثالث: لم يكن الخلفاء الراشدون ولا غيرهم يستشيرون الأمة كلَّها، ومن ادعى هذا فعليه بالدليل، فلما عهد أبو بكر لعمر لم يستشر الأمة كلها، ولما جعل عمر ﵁ الأمر في ستةٍ لم يستشر الأمة كلَّها، ولما أراد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يجعل واحدًا من الستة لم يستشر الأمة كلها، ولما تولَّى علي بن أبي طالب ﵁ لم يستشر الأمة كلها، بل القراء - أي العلماء - أصحابُ مشورة عمر دون الأمة كلِّها. عن ابن عباس: «وكان القرَّاء أصحابَ مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شُبَّانا» (٢). الوجه الرابع: أن عدم اعتبار أهل الحلِّ والعقد سيُرجع الأمر إلى اعتبار الكثرة، وتقدَّم (٣) أن الكثرة ليست معتبرة شرعًا ولا عقلًا؛ أما شرعًا فليس هناك دليل بل ذمَّت الشريعة الكثرة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]. وأمَّا عقلًا فلا يصح أن يساوى الفاجر بالمتقي ولا الذي تلقَّى الدرجات العُلى في العلم بمن ليس متعلمًا.

стр. 142

تنبيه: كابَر بعضُهم فقال: «إن لفظ: «أهل الحلِّ والعقد» لم يرد في الكتاب والسنة». فيقال: إنه ولو لم يرد في الكتاب والسنة بهذا اللفظ، لكن وردَ ما يدلُّ عليه كما تقدَّم ذِكرُه (١)، وقد أجمع العلماء عليه، وأيضًا فلا مشاحة في الاصطلاح لا سيما وقد تواردَ العلماء عليه، ثم مما يدلُّ على أن هذا المعترض مماحكٌ أنه يستعمل عبارات كثيرة لم ترد في الكتاب والسنة، بل لم يرد معناها؛ فقد كذبَ وزعمَ أنَّ الصحابة سبقوا إلى البرلمانات وأنَّ للثورات سلفًا!. وهذان الأمران لفظًا ومعنًى محرَّمان في الشريعة، فعجبًا له ماحكَ في الألفاظ وأتى بمعانٍ وألفاظ مخالفة للشرع.

стр. 143

شبهات في الخروج وما يتعلق به الشبهة الثلاثون: أن في مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافًا سائغًا، فلا يصح لأحدٍ أن يشنِّع على مَنْ خالف فيها؛ لأنها مسألة اجتهادية كبقية المسائل الاجتهادية، وهذا القول هو قول الحسين ﵁ فقد خرج على يزيد، وخرج عبد الله بن الزبير على يزيد وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وخرج جمعٌ من القراء - الفقهاء - على الحجاج. والجوابُ على هذه الشبهة بطريقين؛ مجمَل ومفصَّل: أما الجواب المجمل: إنه قد كان للسلف قولان في الخروج على الحاكم الفاسق، ثم بعد فتنة ابن الأشعث انعقد إجماعُ السلف على عدم الخروج على السلطان؛ لذلك تواردَ أئمة السُّنة على ذكر هذه المسألة في كتب الاعتقاد، وجعلوا مَنْ خالف فيها مبتدعًا - وقد تقدَّم نقلُ كلامهم - (١)، وقد نصَّ جمعٌ من العلماء على أنَّ الإجماع انعقد بعد خلاف (٢)؛ ودونكَ كلامهم: الأول: شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ﵀: «كان أفاضل المسلمين ينهَون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهَون عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون

стр. 144

عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقرَّ أمرُ أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَورالأئمة وتركِ قتالهم» (١). الثاني: أبو بكر بن مجاهد، ونقله النووي. الثالث: النووي: قال النووي: «وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقة ظالِمين، وقد تظاهرت الأحاديث بِمعنَى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجهُ المذكور فِي كتب الفقه لبعض أصحابنا - أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائله مُخالف للإجماع. قال العلماء: وسببُ عدم انعزاله وتَحريْم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثرَ منها في بقائه. ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقد ادَّعى أبو بكر بن مُجاهد فِي هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بنِي أمية، وبقيام جماعةٍ عظيمة من التابعين والصَّدر الأول على الحجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «ألَّا ننازعَ الأمرَ أهلَه» فِي أئمة العدل».

стр. 145

ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقيل: إنَّ هذا الخلاف كان أولًا ثُمَّ حصل الإجماعُ على منع الخروجَ عليهم، والله أعلم» (١). الرابع: ابن حجر: قال: «وقولهم: «كان يرى السيف» - يعني: الحسن بن صالح - يعنِي: كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهبٌ للسلف قديْم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لمَّا رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبر» (٢). وبعد هذه النقولات الأربعة فإنه يضاف إليها كلُّ مَنْ حَكى عدَم الخروج على الحاكم الفاسق معتقدًا لأهل السنة، أو أن المخالف مبتدع، فهو يرى أنَّ المسألة إجماعية - وتقدَّم النقل عنهم - (٣). وهذا الجواب المجمل كافٍ في كشف هذه الشبهة وردِّها؛ وما يذكر بعد ذلك تفصيلًا فهو تتمة، وإلا فإن الجواب المجمل كاف، وإنَّ من فوائد الجواب المفصَّل أن يعلم أنه لا خلاف بين الصحابة في حُرمة الخروجِ وإنما حصل الخلافُ عند التابعين ثم انعقد الإجماع. الجواب المفصل: أولًا: الجواب المفصل على خروج الحسين بن علي ﵄ يكون من أوجه:

стр. 146

الوجه الأول: أنَّ جمعًا من الصحابة خالفوا الحسين بن علي ﵄، وفي مقدمهم عمر بن الخطاب، ومنهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وحذيفة وأنس ﵃، ودونكَ هذه الآثار: قال سويد بن غفلة، قال: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَع وأطِعْ وإن أُمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبرْ، وإنْ حرمكَ فاصبر، وإنْ أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعةٌ؛ ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (١)، وهذا حاكمٌ ظالمٌ وأُمر بالصبر عليه. عن سماك بن الوليد الحنفي أنه لقي ابنَ عباس بالمدينة فقال: «ما يقولُ في سلطان علينا يظلمونا ويشتمونا ويعتدون علينا في صدقاتنا؛ ألا نمنعهُم؟ قال: لا، أعطِهم يا حنفي … وقال: يا حنفي: الجماعةَ، الجماعة، إنَّما هلكَتِ الأممُ الخالية بتفرُّقها، أما سمعتَ قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]» (٢). قال زر بن حبيش: «لمَّا أنكرَ الناس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فزع الناسُ إلى عبد الله بن مسعود، فقال لهم عبد الله بن مسعود: «اصبروا؛ فإنَّ جَورَ إمامٍ خمسين عامًا خيرٌ من هَرجِ شهر» (٣).

стр. 147

وثبتَ عن أبي مسعود البدري أنه قال: «اتقوا الله واصبروا حتى يستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجر؛ وعليكم بالجماعة، فإنَّ الله لا يجمع أمة محمدٍ على ضلالة» (١). عن نعيم بن أبي هند، أنَّ أبا مسعود خرج من الكوفة ورأسُه يقطر، وهو يريدُ أن يُحرم، فقالوا له: «أوصِنا. فقال: أيها الناس اتَّهموا الرأيَ، فقد رأيتُني أهمُّ أن أضربَ بسيفي في معصيةِ الله ومعصيةِ رسوله، قالوا: أوصِنا. قال: عليكُم بالجماعة؛ فإنَّ الله لم يكن ليجمعَ أمة محمدٍ على ضلالة، قال: قالوا: أوصِنا. فقال: بتقوى الله، والصَّبر حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (٢). عن زيد بن يثيع أنه قال: «قال حذيفة بن اليمان: أيْ قوم؛ كيف أنتم إذا سُئلتم الحقَّ فأعطيتموهُ ثمَّ مُنعتُم حقَّكم؟، قلنا: مَنْ أدركَ ذلك منا صَبرَ، قال حذيفة: دخلتُموها إذًا وربِّ الكعبة - يعني الجنة -» (٣). وعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنسَ بن مالك، فشكَونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بعده شرٌّ منه، حتى

стр. 148

تلقوا ربَّكم، سمعتهُ من نبيِّكم ﷺ » (١). عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نهانا كُبراؤنا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ قالوا: «لا تسبُّوا أمراءَكُم، ولا تغشُّوهم، ولا تعصُوهم، واتَّقوا الله واصبروا؛ فإنَّ الأمر قريب» (٢). بل قد ثبتَ أنَّ جمعًا من الصحابة أنكروا على الحسين بن علي ﵄ لما أراد الخروجَ إلى الكوفة، ودونكَ بعضهم: ثبت عن ابن عباس أنه قال: «استأذَنَني حسينٌ في الخروج، فقلت: لولا أن يُزرِيَ ذلك بي أو بكَ لشبكتُ بيديَّ في رأسك» (٣). ثبت عن عبد الله بن عمرو: «عجَّل حسينٌ قدره، عجَّل حسينٌ قدَره، والله لو أدركتهُ ما كان ليخرجَ إلَّا أن يغلبني» (٤). وقد ذكر ابن سعد عن جمعٍ من الصحابة أنهم أنكروا على الحسين الخروجَ؛ مثل عبدالله بن عمر بن الخطاب وأبي سعيد وأبي واقد الليثي وجابر بن عبدالله وعبدالله بن الزبير والمسور بن مخرمة ﵃ (٥).

стр. 149

فإذا ثبتَ الخلافُ بين الصحابة - تنزُّلًا -، فالمرجع إلى الأدلة الشرعية، وقد تقدَّمت الأدلة الواضحة في وجوب السمع الطاعة للحاكم المسلم وإن كان فاسقًا وظالمًا في غير معصية الله (١)، ولا يصحُّ لأحدٍ أن يردَّ الدليل بحجَّة الخلاف، بل الواجبُ أن يردَّ الخلاف إلى الدليل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ أهل العلم على أنَّ الدليل لا يُردُّ إلى الخلاف بل يَردُّ الخلافُ إلى الدليل (٢). الوجه الثاني: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين: أن الحسين بن علي ﵄ لم يبايع يزيدَ بن معاوية بيعةً شرعية؛ متأوِّلًا أنَّ

стр. 150

البيعة لا تلزمه، وإنَّما انتهت البيعة التي في عُنقهِ بموت معاوية بن أبي سفيان ﵄، وأما بيعة ما بعدَه، فلم يرَها مُلزِمةً له، ولما رأى أنَّ عنده قدرةً وقوةً خرج على يزيد لما علِمَ من فسقهِ، وليس في عنقه بيعةٌ له تمنعهُ من الخروج؛ فهو لم يخرج على حاكمٍ بايعَهُ، فلا يُستفاد منه أنَّ مذهبه جوازُ نقضِ البيعة والخروج على حاكمهِ لفسقهِ؛ فخطؤه ﵁ في عدمِ المبايعة ليزيد، وليزيدَ شوكةٌ وقوة، ثم في ظنِّه أن عنده قدرة وليس الأمر كذلك. قال ابن خلدون في تاريخه: «وأمّا الحسين فإنّه لمّا ظهرَ فسقُ يزيد عند الكافَّة من أهل عصره بعثتْ شيعةُ أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيَهُم فيقوموا بأمره، فرأى الحسينُ أنّ الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقهِ لا سيّما مَنْ له القدرة على ذلك؛ وظنَّها من نفسه بأهليّته وشوكته، فأمّا الأهليّة فكانت كما ظنَّ وزيادة، وأمَّا الشّوكة فغلط ﵀ فيها؛ لأنّ عصبيّة مضر كانت في قريش، وعصبيّة عبد مناف إنّما كانت في بني أميّة؛ تعرف ذلك لهم قريش وسائرُ النّاس ولا ينكرونه، وإنَّما نسي ذلك أوَّلَ الإسلام لما شغلَ النّاسَ من الذّهولِ بالخوارق وأمرِ الوحي وتردّد الملائكة لنصرة المسلمين، فأغفَلوا أمورَ عوائدِهم، وذهبت عصبيّة الجاهليّة ومنازعها، ونسيت ولم يبق إلَّا العصبيّة الطّبيعيّة في الحماية والدّفاع يُنتفع بها في إقامة الدّين وجهاد المشركين، والدّين فيها محكَّم والعادة معزولة حتّى إذا انقطع أمرُ النّبوة والخوارق المهولة، تراجعَ الحكمُ بعضَ الشّيء للعوائد، فعادت العصبيّة كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضرُ أطوعَ لبني أميّة من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل، فقد تبيَّن لكَ غلطُ الحسين إلَّا أنّه في أمرٍ دنيويٍّ لا يضرُّه الغلط فيه، وأمّا الحكمُ الشّرعيُّ فلم يغلط فيه؛ لأنّه منوطٌ بظنِّه، وكان

стр. 151

ظنُّه القدرة على ذلك، ولقد عذَلَهُ ابن العبّاس وابن الزّبير وابن عمر وابن الحنفيّة أخوه وغيره في مسيرهِ إلى الكوفة، وعلموا غلطَهُ في ذلك ولم يرجع عمَّا هو بسبيله لما أراده الله» (١). الوجه الثالث: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين: أن الحسين بن علي ﵄ تراجعَ، فكيف يُحتجُّ بفعله، وقد رجع عنه، فإنه خيَّرهم بين أمور ثلاثة؛ إمَّا أن يذهبَ ويبايعَ يزيدَ أو أن يتركوه ليقاتلَ الكفار في الثغور أو أن يرجعَ إلى المدينة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فيقال: إنَّ يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعَهُ عن ولاية العراق، والحسينُ ﵁ كان يظنُّ أنَّ أهل العراق ينصرونه ويوفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنُ عمِّه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابنَ زياد، أراد الرجوعَ فأدركتهُ السَّرية الظالمة، فطلبَ أن يذهبَ إلى يزيد، أو يذهبَ إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكِّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسرَ لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قُتل شهيدًا مظلومًا ﵁، ولما بلغَ ذلك يزيد أظهرَ التوجُّع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يسْب له حريمًا أصلًا، بل أكرمَ أهل بيته، وأجازَهُم حتى ردَّهم إلى بلدهم» (٢). وقال: «والحسين ﵁ ما خرجَ يريدُ القتال، ولكن ظنَّ أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافَهم عنه، طلب الرجوعَ إلى وطنه، أو الذهابَ إلى الثغر، أو إتيانَ

стр. 152

يزيد، فلم يمكِّنه أولئك الظَّلَمة لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا، وطلبوا أن يأخذوه أسيرًا إلى يزيد، فامتنعَ من ذلك وقاتلَ حتى قُتل مظلومًا شهيدًا، لم يكن قصدُه ابتداءً أن يقاتل» (١). وقال: «وكذلك الحسين ﵁ لم يُقتل إلَّا مظلومًا شهيدًا، تاركًا لطلب الإمارة، طالبًا للرجوع: إمَّا إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى المتولِّي على الناس يزيد. وإذا قال القائل: إنَّ عليًّا والحسين إنَّما تركَا القتالَ في آخر الأمر للعجز، لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة. قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع ﷺ في النهي عن الخروج على الأمراء، وندبَ إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرَونَ أن مقصودَهم الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرَّة وبدَير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما. لكن إذا لم يُزلِ المنكر إلَّا بما هو أنكرُ منه، صار إزالته على هذا الوجه منكَرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلَّا بمنكر مفسدتهُ أعظمُ من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيلُ ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا» (٢). وقال ابن كثير: «فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبةٍ هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث، إمَّا أن يدَعوه يرجعُ من حيث جاء، وإمَّا أن يذهبَ إلى ثغرٍ من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يدَهُ في يده، فيحكم فيه بما شاء،

стр. 153

فأبوا عليه واحدةً منهن، وقالوا: لا بدَّ من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيكَ رأيه، فأبى أن يقدمَ عليه أبدًا، وقاتلَهُم دون ذلك، فقتلوه، ﵀» (١). فدلَّ هذا على أنَّ الحسين ﵁ يرى بيعةَ الفاسق كبقية أهلِ السُّنة، فإنه أرادَ بيعة يزيد بن معاوية لكنه قتل. تنبيه: ضلَّ في قتل الحسين طائفتان ؛ طائفةٌ قالت: قُتلَ بحقٍّ؛ كما يستفاد من كلام ابن العربي المالكي (٢)، وطائفة قالت: إنَّه الإمام الذي يجبُ أن يُبايع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وصار الناس في قتل الحسين ﵁ ثلاثة أصناف: طرفَين ووسطًا، أحدُ الطرفين يقول: إنه قُتلَ بحقٍّ؛ فإنه أرادَ أن يشقَّ عصا المسلمين، ويفرِّق الجماعة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ جاءكم وأمركُم على رجلٍ واحدٍ يريدُ أن يفرِّق جماعتكُم فاقتُلوه» (٣)، قالوا: والحسينُ جاء وأمرُ المسلمين على رجلٍ واحد، فأراد أن يفرِّقَ جماعتهم، وقال بعضُ هؤلاء: «هو أولُ خارجٍ خرجَ في الإسلام على ولاة الأمر، والطرف

стр. 154

الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الواجب طاعته، الذي لا يَنفُذ أمرٌ من أمور الإيمان إلَّا به، ولا تُصلَّى جماعة ولا جمعة إلَّا خلف من يولِّيه، ولا يجاهد عدوٌّ إلَّا بإذنه، ونحو ذلك، وأمَّا الوسط فهُم أهلُ السُّنة، الذين لا يقولون لا هذا ولا هذا، بل يقولون: قُتلَ مظلومًا شهيدًا، ولم يكن متولِّيًا لأمر الأمة، والحديثُ المذكور لا يتناوله، فإنه لما بلغهُ ما فُعل بابن عمِّه مسلم بن عقيل تركَ طلبَ الأمر، وطلبَ أن يذهبَ إلى يزيدَ ابنِ عمِّه، أو إلى الثغر، أو إلى بلده، فلم يمكِّنوه، وطلبوا منه أن يستأسِرَ لهم، وهذا لم يكُن واجبًا عليه» (١). وقال أيضًا: «وأهل السُّنة والجماعة يردُّون غلوَّ هؤلاء وهؤلاء، ويقولون: إنَّ الحسين قُتلَ مظلوما شهيدًا، وإن الذين قتلوه كانوا ظالمين معتدين، وأحاديثُ النبي ﷺ التي يأمُر فيها بقتالِ المفارقِ للجماعة لم تتناوله؛ فإنه ﵁ لم يفرِّق الجماعة، ولم يُقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى يزيد، داخلًا في الجماعة، مُعرِضًا عن تفريق الأمة. ولو كان طالب ذلك أقلُّ الناس لوجبَ إجابته إلى ذلك، فكيف لا تجبُ إجابةُ الحسين إلى ذلك؟! ولو كان الطالب لهذه الأمور مَنْ هو دون الحسين لم يَجُزْ حبسهُ ولا إمساكُه، فضلًا عن أسرهِ وقتلهِ» (٢). ثانيًا: الجواب على فعل عبد الله بن الزبير ﵄: إنَّ عبد الله بن الزبير ﵄ دعا لنفسه الحكم لمَّا انفلت الأمرُ من بني أمية بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، وقبل ذلك لم يدْعُ لنفسه بالخلافة ولم

стр. 155

يخرج، بل قد بايعَ يزيد بن معاوية، فلمَّا دعا الناسَ لمبايعته استجابوا له حتى إنَّه حكم جميع بلاد المسلمين إلَّا الشام، وقيل إلَّا الأردن، فهو إذًا لم يخرج على حاكمٍ فاسق فلا يصحَّ نسبةُ هذا المذهب له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم إنَّ ابنَ الزبير لما جرى بينه وبين يزيد ما جرى من الفتنة، واتَّبعه مَنْ اتَّبعه من أهل مكة والحجاز وغيرهما، وكان إظهارهُ طلبَ الأمر لنفسه بعد موت يزيد، فإنه حينئذ تَسمَّى بأمير المؤمنين، وبايَعهُ عامة أهل الأمصار إلَّا أهل الشام. ولهذا إنما تعدُّ ولايته من بعد موت يزيد، وأما في حياة يزيد فإنه امتنع عن مبايعته أولًا، ثم بذلَ المبايعة له، فلم يرضَ يزيدُ إلَّا بأن يأتيه أسيرًا، فجرَتْ بينهما فتنة، وأرسل إليه يزيد من حاصرَهُ بمكة، فمات يزيدُ وهو محصور، فلما مات يزيدُ بايعَ ابنَ الزبير طائفةٌ من أهل الشام والعراق وغيرهم. وتولَّى بعد يزيد ابنُه معاوية بن يزيد، ولم تطُلْ أيامه، بل أقامَ أربعين يومًا أو نحوها، وكان فيه صلاحٌ وزهد، ولم يستخلف أحدًا، فتأمر بعده مروان بن الحكم على الشام، ولم تطُلْ أيامه، ثم تأمَّر بعده ابنه عبد الملك» (١). وقال ابن كثير: «ثم انبعثَ مسرفُ بن عقبة إلى مكة قاصدًا عبد الله بن الزبير ليقتله بها؛ لأنه فرَّ من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك، واستفحل أمرُ عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز، ثم أخذ العراق ومصر، وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد، وكان رجلًا صالحًا، فلم تطُلْ مدَّته؛ مكث أربعين يومًا، وقيل: عشرين يومًا. ثم مات ﵀، فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذَها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك بن مروان» (٢).

стр. 156

ثالثًا: خروج القراء على الحجاج في فتنة بن الأشعث: يكتفى بالجواب عليها بالجواب المجمل المتقدِّم، وهو كافٍ؛ ثم يقال: إنَّ مَنْ بقيَ ندِمَ. ذكرَ أيوبُ السختياني القراءَ الذين خرجوا مع ابن الأشعث فقال: لا أعلَمُ أحدًا منهم قُتل إلَّا قد رُغِبَ له عن مصرعه، ولا نجا فلم يُقتل إلَّا قد ندم على ما كان منه (١). قال ابن كثير: «ولهذا لما كانت هذه زلَّة وفلتة نشأ بسببها شرٌّ كبير هلكَ فيه خلقٌ كثير؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون» (٢). الشبهة الحادية والثلاثون: حاول بعضُهم أن ينسبَ القول بجواز الخروج على الحاكم الفاسق إلى أئمة المذاهب الأربعة، فقد نسبَهُ إلى أبي حنيفة معتمدًا على كلام الجصَّاص، وكذلك نَسبَ إلى مالك معتمدًا على نقولاتٍ ذكرَها ابنُ العربي ونسبَ القول بالخروج إلى الشافعي معتمدًا على كلام الزبيدي في شرحه على الإحياء، ونسب إلى الإمام أحمد معتمدًا على رواية أبي الفضل التميمي. وكشفُ هذه الشبهة بأن يبيَّن بُطلانُ هذه النسبة لكلِّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة:

стр. 157

١ - أما أبو حنيفة: فقد أنكر عليه السلف قولَهُ بالخروج على السلطان؛ قال الجصَّاص: «وكان مذهبهُ مشهورًا في قتال الظَّلمة وأئمة الجور؛ ولذلك قال الأوزاعي: «احتملْنا أبا حنيفة على كلِّ شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله»، وكان من قوله وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف» (١). قال رجل لابن المبارك ونحن عنده: «إنَّ أبا حنيفة كان مرجئًا يرى السيف، فلم يُنكر عليه ذلكَ ابنُ المبارك» (٢). وقال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبا يوسف، يقول: كان أبو حنيفة يرى السيف، قلت: فأنت؟ قال: معاذ الله» (٣). وقال الأوزاعي: «احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة العيوبَ، حتى جاء بالسيف على أمة محمد ﷺ ، فلما جاء بالسيف على أمة محمد ﷺ لم نقدر أن نحتمله» (٤). وعن أبي إسحاق الفزاري، قال: «كان أبو حنيفة مرجئًا يرى السيف» (٥).

стр. 158

وبهذا يتبين أنَّ أبا حنيفة كان يرى هذا الرأي لكن لا ممسكَ في كلامه من وجهين: الوجه الأول: أنَّ أبا حنيفة رجع عن هذا القول كما في كتاب الفقه الأكبر. فقد جاء فيه: «قلت لأبي حنيفة: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعهُ على ذلك ناس، فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمرَ الله تعالى ورسولهُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فريضة واجبة؟، فقال: هو كذلك، لكن ما يفسدونَ من ذلك أكثر مما يصلحون من سفك الدماء، واستحلالِ المحارم، وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، قلت: فنقاتلُ الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم؛ تأمر وتنهى، فإن قَبل وإلَّا قاتلتَهُ، فتكون مع الفئة العادلة، وإنْ كان الإمام جائرًا لقول النبي ﵊: «لا يضرُّكم جَورُ من جار، ولا عَدلُ منَ عدلَ، لكُم أجرُكُم وعليه وِزرُه» (١). ومما يدلُّ على تراجُعهِ أنَّ الطَّحاوي في عقيدته المشهورة نَسبَ لأبي حنيفة وصاحبَيه عدمَ جوازِ الخروج على الحاكم الفاسق. الوجه الثاني: أنه لو استقر عليه لكان خطأً أنكَرهُ عليه سلفُ هذه الأمة، فلا يصحُّ الاستدلال بخطأ العالم وزلَّته. وهذا مثلُ خطئه في مسألة الإيمان لمَّا أخرجَ العمل منه.

стр. 159

٢ - أما الإمام مالك: فلم أرَ أحدًا نسب للإمام مالك القولَ بالخروج إلَّا ابن حزم، وأحد المعاصرين معتمدين على كلامٍ للإمام مالك في مسألتين: عدم صحَّة بيعة المكرَه، وعدم القتال مع الإمام الظالم على فئة بغَتْ عليه. أما المسألة الأولى: فتقدَّم الكلام عليها (١)، وسيأتي عدمُ ثبوتها عنه (٢). وأما المسألة الثانية: فيتَّضحُ المرادُ منه بنقل نصوصهِ ونصوصِ أصحابه. قال ابن العربي: «قال علماؤنا في رواية سحنون: إنَّما يقاتَلُ مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارجَ عليه؛ فإن لم يكونا عدلَين فأمسِكْ عنهُما إلَّا أن تُرادَ بنفسكَ أو مالكَ أو ظُلمِ المسلمين فادفَعْ ذلك». ثم قال: «لا تقاتل إلَّا مع إمامٍ عادل يقدمه أهلُ الحقِّ لأنفسهم، ولا يكون إلَّا قرشيًّا، وغيره لا حكم له، إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي؛ قاله مالك؛ لأنَّ الإمامة لا تكون إلَّا لقرشي». وقد روى ابن القاسم، عن مالك: «إذا خرج على الإمام العدل خارجٌ وجبَ الدفعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأمَّا غيره فدَعْهُ ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثلهِ ثم ينتقمُ من كلَيهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]».

стр. 160

قال مالك: «إذا بُويعَ للإمام، فقام عليه إخوانه قُوتلوا إذا كان الأولُ عدلًا، فأمَّا هؤلاء فلا بيعةَ لهم إذا كان بُويعَ لهم على الخوف. قال مالك: ولا بدَّ من إمامٍ برٍّ أو فاجر» (١). قال الدردير: «(فللعدل قتالهم، وإن تأوَّلوا) الخروجَ عليه لشبهةٍ قامت عندهم، ويجبُ على الناس معاونته عليهم، وأمَّا غيرُ العدل فلا تجبُ معاونته، قال مالك ﵁: دَعْهُ وما يُرادُ منه؛ ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كلَيهما. كما أنَّه لا يجوز قتالُهم لاحتمال أن يكون خروجُهم عليه لفسقهِ وجَوره، وإن كان لا يجوز لهم الخروج عليه» (٢). هذه النصوص من مالك والمالكية واضحة أنَّ كلام الإمام مالك في عدم المقاتلة مع مَنْ ليس عدلًا تجاه من خرج عليه. وصرَّحَ أصحابُه بحُرمةِ الخروج؛ وسيأتي المزيد - إن شاء الله -، وليس في كلامه إشكال إلَّا في نقلِ سحنون: إنَّما يقاتل مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارج. ونقلُ سحنون هذا مخالفٌ لباقي الروايات، ولكلام مالك الآخر لما قال: لابدَّ للناس من إمامٍ برٍّ أو فاجر. على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله - فلأجلِ هذا لا يصحُّ لمنصفٍ أن يعوِّلَ على هذا النقل ويدَعَ باقيَ كلامه.

стр. 161

ومما يدل على أنَّ الإمام مالكًا لا يرى الخروج أمور: الأمر الأول: قول الإمام مالك: ولابدَّ من إمام برٍّ أو فاجر، فإقرارهُ بإمامة الفاجر يدلُّ أنه لايرى الخروجَ عليه. الأمر الثاني: طريقة وهَدْيُ الإمام مالك مع حكَّام زمانه الذين عُرفوا بسفكِ الدماء (١) كأبي جعفر المنصور؛ فقد كان يعتقد لهم الإمامة بل ويدعوهُ بأمير المؤمنين، ولم يثبتْ أنه دعا للخروج عليهم. قال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعتُ مالكًا يقول: قدِمَ علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شيبُكَ! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، مَنْ أتتْ عليه السِّنونُ، كثُرَ شَيبهُ. قال: ما لي أراك تعتمدُ على قول ابن عمر من بين الصحابة؟ قلت: كان آخرَ مَنْ بقيَ عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (٢). الأمر الثالث: أنَّ مالكًا لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمةُ السنة وأنكروه، كما أنكروا على غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقلْ بهذا القول. الأمر الرابع: أنَّ أئمة السنة حكَوا الإجماعَ على عدم جواز الخروج؛ وأنه اعتقاد أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام مالك؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه؛ فإن للإمام مالك وأقواله المنزلةَ العالية والمكانة الرفيعة بينهم.

стр. 162

الأمر الخامس: أنَّ الإمام مالكًا يرى الخارجَ ظالمًا بفعله، لأنه قال: «ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثله»؛ فجعل الخارج ظالمًا. الأمر السادس: أنَّ جمعًا من أئمة المالكية، وبعضُهم أئمةٌ في السُّنة حكوا الإجماعَ على عدم الخروج، ووجوب السمع والطاعة؛ ونسبوا ذلك لمالك، ولو كان مالكٌ مخالفًا لبيَّنوا ذلك. قال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضى أو عن غلَبة، واشتدت وطأتهُ من برٍّ أو فاجرٍ فلا يُخرَجُ عليه، جارَ أو عدلَ. ثم قال: وكلُّ ما قدَّمنا ذكرَهُ فهو قولُ أهل السُّنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قول مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله ومنه معلومٌ من مذهبه» (١). وتقدم نقلُ كلام ابن بطال المالكي، وأيضًا نقلُ ابن حجر عنه (٢)، وقال ابن عبدالبر المالكي: «وأمَّا أهل الحق وهُم أهل السُّنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمامُ فاضلًا عدلًا محسنًا، فإن لم يكن فالصبرُ على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأنَّ في منازعته والخروج عليه استبدالَ الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحملُ على هِراق الدماء، وشنِّ الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهد والعقلُ والدينُ أنَّ أعظمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (٣).

стр. 163

٣ - أما الإمام الشافعي: فقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ إليه القول بالخروج معتمدًا على نقل الزبيدي والتفتازاني، وسيأتي الجواب عليهما (١)، مع أن كلام الزبيدي في الخلع لا في الخروج، ومما يدل على أنَّ الإمام الشافعي لا يرى الخروج أمور أربعة: الأمر الأول: أن هذا لم يثبت عن الإمام الشافعي، ولم ينقله أحد عنه - سوى من تقدَّم - إلَّا ما سيأتي من كلام ابن حزم (٢). الأمر الثاني: أنَّ من أئمة الشافعية مَنْ حكى الإجماع كالنووي، بل من أئمة السُّنة الشافعية كالمزني حكى إجماعَ السلف على العقيدة التي كتبها؛ فقال فيها: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عندَ الله مرضيًّا، واجتناب ما كان عند الله مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله كيما يعطف بهم على رعيتهم» (٣). ولو كان الشافعي مخالفًا لبيَّن ذلك ولعرَّفه. الأمر الثالث: أن الشافعي لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمة السُّنة وأنكروه، كما أنكرواعلى غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقل بهذا القول. الأمر الرابع: أنَّ أئمة السُّنة حكوا الإجماع على عدم جواز الخروج وأنَّه اعتقادُ أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام الشافعي؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه، فإنَّ للإمام الشافعي وأقواله المنزلة العالية والمكانة الرفيعة بينهم.

стр. 164

٤ - أما الإمام أحمد: فقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ له القول بالخروج، وهذا من العجائب والغرائب، فكلام هذا الإمام في تقرير السمع والطاعة وعدم الخروج على أئمة الجور كثيرٌ للغاية، بل ونقلَ على ذلك إجماع السلف كما تقدم (١). والذي نسَبَ للإمام أحمد هذا القول اعتمدَ على نقل أبي الفضل التميمي في العقيدة الملحقة بذيل الطبقات (٢)، وذلك في قوله عن عقيدة الإمام أحمد: من دعا منهم إلى بدعةٍ فلا تُجيبوه ولا كرامة، وإنْ قدرتُم على خلعهِ فافعلوا. وهذا النقلُ لا يصحُّ أن يُنسَبَ للإمام أحمد لأربعة أمور: الأمر الأول: أنه يخالف المشهور المعروفَ عن الإمام أحمد وعن العقيدة التي نقلَها عن السلف، وقد تقدَّم نقلُ بعض ذلك (٣). الأمر الثاني: أنَّ نَقْل أبي الفضل التميمي لا يُعتمَدُ عليه فيما ينقلُه عن الإمام أحمد؛ لأن روايته عن أحمد منقطعة؛ ولأنه ينقلُها عن أحمد بالمعنى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان من أعظَم المائلين إليهم - أي الأشاعرة - التميميون: أبو الحسن التميمي وابنُه وابنُ ابنهِ ونحوهم؛ وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصحبة ما هو معروف مشهور. ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمدَ على ما نقلَه من كلام أبي الفضل

стр. 165

عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. ولهُ في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقادَ أحمد ما فهِمَهُ؛ ولم يذكر فيه ألفاظَه وإنما ذكرَ جملَ الاعتقاد بلفظِ نفسهِ وجعل يقول: وكان أبو عبد الله، وهو بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهِمَهُ ورآه، وإن كان غيرُه بمذهب ذلك الإمام أعلمَ منه بألفاظه وأفهم لمقاصده» (١). أما الأمران الباقيان فهما الأمران المشتركان مع الإمام مالك والإمام الشافعي. الشبهة الثانية والثلاثون: أنه قد ذهب إلى الخروج جمعٌ كبير من أهل العلم بما يدلُّ على أنَّ إجماع السلف لم يستقرَّ كما عزاه لهم ابن حزم فقال: «وذهبت طوائفُ من أهل السُّنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أنَّ سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفعُ المنكر إلَّا بذلك. قالوا: فإذا كان أهل الحقِّ في عصابةٍ يمكنهم الدفع، ولا ييئسون من الظفر، ففرضٌ عليهم ذلك، وإن كانوا في عددٍ لا يرجون لقلَّتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعةٍ من تركِ التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب ﵁ وكلُّ من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة ﵂ وطلحة والزبير وكلُّ من كان معهم من الصحابة، وقولُ معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة ﵃ أجمعين، وهو قولُ عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن ابن علي، وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار، والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين، وقولُ كلِّ من أقامَ على الفاسق الحجاج، ومَن والاه من

стр. 166

الصحابة ﵃ جميعهم كأنس بن مالك، وكل مَنْ كان ممَّن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي سح الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله بن الشخير والنضر بن أنس وعطاء ابن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الحوسا وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين، ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان، ومَن خَرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر، ومَن أخرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدلُّ عليه أقوالُ الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيّ وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإنَّ كل من ذكرنا من قديمٍ وحديث إمَّا ناطقٌ بذلك في فتواه، وإمَّا الفاعلُ لذلك بَسلِّ سيفهِ في إنكار ما رآه منكرًا» (١). وكشفُ هذه الشبهة هو ببيان أنَّ الذين نسب لهم الخروج عامَّته لايصحُّ الاستدلالُ به، فإنه ما بين أن يكون قبل الإجماع فلا إشكال فيه، وتقدَّم الجواب عليه، أو أنهم فعلوا فعلًا ظنَّه ابنُ حزم خروجًا وليس كذلك، أو أخطأ في نسبته، فلا يعوَّل عليه، أو لم يخطئ في نسبته، لكنه مما أخذه السلف على مَنْ نُسِبَ إليه، مع كونه مخالفًا للنصوص.

стр. 167

ودونك بعض الأمثلة: ١ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروجَ إلى علي وكلِّ من معه، وكذلك إلى معاوية وكلِّ من معه، فإن هؤلاء لم يخرجوا على حاكم، وإنَّما حصل الخلافُ بينهم في أمرٍ استغلَّه المندسون بين صفوفهم، ممن كان مريدًا للشرِّ فحصلت الفتنة، فليست صورة المسألة خروجًا ألبته. ٢ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى طلحة والزبير وعائشة، ففعلُهم ليس خروجًا على حاكم، وإنما خلافُهم بماذا يُبدأ به بعد قتل عثمان، ولم يكن لهم قصد في القتال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أنَّ في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ تركَ الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلَّ خمارها. وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يومَ الجمل لهؤلاء قصدٌ في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكَّنوا طلبوا قتلة عثمان أهلَ الفتنة، وكان علي غيرَ راضٍ بقتل عثمان ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله، وهو الصادق البارُّ في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحة والزبير أنَّ عليًّا حملَ عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ علي أنهم حملوا عليه، فحمل

стр. 168

دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة ﵂ راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال. هكذا ذكره غيرُ واحد من أهل المعرفة بالأخبار» (١). ٣ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير - كما تقدم بيانه - (٢). ٤ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى مالك والشافعي - كما تقدم - (٣). ٥ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى أبي حنيفة، فتقدم أنه رجع عنه (٤). ٦ - ونسبةُ ابن حزم الخروج إلى الحسن البصري وطلق بن حبيب غريبٌ جدًّا. فقد ثبت عن أبي التياح أنه قال: شهدتُ الحسن البصري حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكفِّ (٥). وقال بكر المزني: «لما كانت فتنة ابن الأشعث قال طلق: اتَّقوها بالتقوى» (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان الحسن البصري يقول: إنَّ الحجَّاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].

стр. 169

وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له: أجمِلْ لنا التقوى. فقال: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخافُ عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا» (١). ٧ - نسبته إلى الحسن بن صالح صحيحة (٢)، لكن هذا مما أنكره السلف عليه كالثوري وزائدة بن قدامة والإمام أحمد. وهكذا يقال فيمن نسب إليهم ممن هم بعد التابعين من أهل السنة. فنخلص من هذا أنه لا يصح الاعتماد على ما نسبه ابن حزم لأهل العلم فيما تقدَّم نقلُه عنه.

стр. 170

الشبهة الثالثة والثلاثون: يردِّد بعضهم أنَّ الخروج مُنع لما يترتب عليه من المفاسد، فعلى هذا إذا تيقَّنا أو غلبَ على ظنِّنا أنَّ مصلحته راجحة، فإنه يجوز. وكشف هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: أنَّ النصوص متواترة ومتكاثرة في السمع والطاعة للحاكم المسلم الفاسق، والصبر على جَوره، فلا يجوز أن تُترك هذه النصوص وتُخالفَ لأمثال هذه المصالح المظنونة. الوجه الثاني: أنَّ العبرة في الشريعة بالنظر إلى الغالب وأما النادر فلا حكم له، والغالبُ أنه يترتب على الخروج فساد أكبر من صلاحه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته» (١). وقال: «وكلُّ من خرج على إمامٍ ذي سلطان إلَّا كان ما تولَّد على فعلهِ من الشرِّ أعظمَ مما تولَّد من الخير؛ كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء. وغاية هؤلاء إمَّا أن يَغلبوا وإمَّا أن يُغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة.

стр. 171

فإنَّ عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وهُزم أصحابهم فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا؛ والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصلُ به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا» (١). وهذا كمثل أن يقول قائل: قد حرَّمت الشريعة سفرَ المرأة بلا محرم؛ لسبب وهو أن لا يقع الزنى ومقدماته، وأنا متيقن أو يغلب على ظني أن لا يقع هذا في سفري مع هذه الأجنبية، فيقال: إنَّ هذا السفر محرَّم بالأدلة الواضحة، ثم إنَّ العبرة بالغالب والنادر لا حكم له. قال الإمام ابن القيم: «الشرائع العامة لم تُبنَ على الصور النادرة» (٢). وبقراءة كتاب مختصر؛ ككتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي تظهر أمثلة تدلُّ على مفاسد الخروج (الثورة)؛ وهذان مثالان: المثال الأول: وقعة الحرة: قال السيوطي: «وفي سنة ثلاث وستين بلغه أنَّ أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشًا كثيفًا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟، ذكرَها الحسن مرة فقال: واللهِ ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلقٌ من الصحابة ﵃ ومن غيرهم، ونُهبت المدينة، وافتُضَّ فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه

стр. 172

راجعون» (١). المثال الثاني: قتل المنصور جماعة كثيرة من آل البيت: قال السيوطي: «وفي سنة خمس وأربعين كان خروجُ الأخوَين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان المنصور أول من أوقعَ الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبلُ شيئًا واحدًا، وآذى المنصور خلقًا من العلماء ممن خرج معهما أو أمرَ بالخروج قتلًا وضربًا وغير ذلك» (٢). تنبيه: تُطرح هذه الشبهة بأسلوب آخر؛ وهو أنَّ هناك ثورات نجحت؛ فإذن لا تحرم جميع الثورات!، وجلُّ هؤلاء يقيسون النجاح بأمورٍ دنيوية وبعضُها محرمة كالتوسُّع في الحريات والتحاكم للديمقراطية، غير ملتفتين إلى ما تخلفه الثورات من مصائب عظيمة، ثم يقال: إذا كان هناك من نجح فهناك الأكثر والأكثر فشل؛ فلا يصح أن نجعل أمن الناس وأعراضهم ودماءهم مجالًا للتجارب. الشبهة الرابعة والثلاثون: قرر بعض المعاصرين جوازَ عزل الحاكم لفسقهِ متمسِّكًا ببعض النقولات عن بعض أهل العلم المتأخرين الذين جاءوا بعد السلف.

стр. 173

وكشف هذه الشبهة وبيان أنها مردودة من أوجه: الوجه الأول: ما تقدم (١) من الأدلة الدالة على السمع والطاعة للولاة ولو فسقوا في غير معصية الله، فدلَّ على حرمة عزله؛ لأنَّ العزل ينافي السمع والطاعة. الوجه الثاني: ما تقدم (٢) من إجماعات أهل السنة على السمع والطاعة للولاة في غير معصية الله ولو فسقوا، وتقريرهم له في كتب الاعتقاد يدلُّ على عدم جواز عزلِ الحاكم لفسقهِ بإجماعهم. الوجه الثالث: الإجماع. أجمع العلماء على حُرمة عزلِ الحاكم لفسقه. قال النووي: «وأجمع أهل السُّنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل - وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع» (٣). وأيضًا يدل على الإجماع ما نقلَهُ النوويُّ عن أبي بكر بن مجاهد (٤). وقال ابن الهمام: «واتفقوا في الإمرة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنيَّة على القهر والغلبة» (٥). ويدلُّ على هذا الإجماع الدليلان السابقان.

стр. 174

الشبهة الخامسة والثلاثون: ذكر بعضهم أنَّ الشافعي يرى عزلَ الحاكم لفسقهِ، وتمسكَ بما نسبه إليه الزبيديُّ من جواز خلعِ الحاكم لفسقه، فقال: «أما الفسقُ فقد اختُلف فيه على قولين، فالذي عليه الجمهور أنه لا ينعزل به؛ لأن ذلك قد تنشأ عنه فتنة أعظَمُ من فسقه، وذهبَ الشافعي في القديم إلى أنه ينعزل» (١). وبما ذكر التفتازاني عند قول أبي حفص: «ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور: أي بالخروج عن طاعة الله تعالى (والجور) أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين؛ والسلفُ قد كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَعَ والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروجَ عليهم لأن العصمة ليست بشرطٍ للإمامة ابتداءً؛ فببقاء أولى. وعن الشافعي أنَّ الإمام ينعزل بالفسق والجور، ثم قال: والمسطور في كتب الشافعية أن القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام. والفرقُ أن في انعزالهِ ووجوب نصب غيره إثارةً للفتنة؛ لما له من شوكة؛ بخلاف القاضي» (٢). وجواب هذه الشبهة: هو بيان أنه لا يصحُّ الاعتماد على هذا الكلام في نسبته للشافعي من أوجه: الوجه الأول: أنه مذهب الشافعي في القديم لا في الجديد، فدلَّ هذا على أنه رجع عنه، فكيف يُنسب قولٌ لعالم وقد رجع عنه.

стр. 175

الوجه الثاني: أن النووي مع سَعةِ اطِّلاعه ومعرفته بمذهب الشافعي والشافعية لم ينسِبْ هذا القول للشافعي، بل نسبَهُ لبعض المتأخرين من الشافعية، وبيَّن أنهم محجوجون بالإجماع السابق. وتقدَّم نقلُ كلامه (١). الوجه الثالث: لم أر أحدًا نسبَ هذا القول للإمام الشافعي - غير ما سبق - من ابن حزم (٢) والتفتازاني (٣)، ومن المعلوم أنَّ الشافعي إمامٌ اعتنى الناسُ بأقوالهِ، فلو كان قولًا له لتناقلوه وبيَّنوه. الوجه الرابع: أن أئمة السُّنة حكوا إجماعَ السلف على السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو فسقَ وجار، وممن حكى ذلك بعضُ الشافعية كما تقدَّم (٤)، ولم يستثنوا الشافعي ولو في القديم. فهذه الأوجه الأربعة تُبين عدمَ صحَّة نسبة هذا القول للإمام الشافعي. الشبهة السادسة والثلاثون: أنه لا يصحُّ أن يُقتل من لم يبايع حاكمًا معينًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأمَّا القتال لمن لم يخرج إلَّا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمرٌ بذلك» (٥) فيتركون ليقوموا بالمظاهرات والتشكيك في الولاية وهكذا …

стр. 176

وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن كلام الإمام ابن تيمية حق وهو تحديدًا في عدم قتال من لم يبايع حاكمًا معينًا فحسب لكن لابد من معرفة ما يلي: أولًا أن كلامه على قتالها لا على عدم تأثيمها وأنها عاصية لعدم بيعة حاكمها؛ فلا تلازمَ بين عدم القتال و عدم التأثيم؛ بل هي آثمة لأحاديث وجوب بيعة الحاكم. قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «من خلعَ يدًا من طاعة، لقيَ الله يومَ القيامة لا حجَّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنقه بيعة، ماتَ ميتةً جاهلية» (١)، فلهذا إذا لم تبايع جماعة أو فردٌ سلطانَهُم وحاكمَهُم فهم آثمون. وعجبًا كيف يبلغ الهوى بصاحبه يُسهِّل ارتكابَ الإثم والمعصية بعدم بيعةِ الحاكم بحجَّة أنه لا يقاتل! إذن فليُسهّل في كلَّ ذنبٍ لا قتلَ فيه؛ كالربا وزنى غير المحصن وهكذا … !! ثانيًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعني يسمح له في دعوة الناس للافتيات على الولاية وهكذا … ثالثًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعنى يسمح لهم بالمظاهرات بل يمنعون من ذلك بالقوة. تنبيه: ليس لكلام شيخ الإسلام هذا علاقةٌ في تجويز الخروج - كما يظنُّ بعضهم - لما تقدم أنَّ كلامه في عدم قتال من لم يبايع فقط لا أنَّه في عدم قتال مَنْ خرج؛ فقد قرَّر أنه يقاتل (٢)، ثم إنَّ كلامه كثيرٌ في عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق، وأنه خلافُ منهج أهل السنة (٣).

стр. 177

الشبهة السابعة والثلاثون: أنه لا يصحُّ قتلُ الذين يباشرون الخروجَ على الحاكم من أهل عصرِنا، لأنهم ليسوا خوارج فهم لا يعتقدون عقيدة الخوارج في التكفير بكلِّ كبيرة. وهذه شبهة يردِّدها بعضُ المعاصرين؛ وهي مبنيَّة على حصول خلْطٍ عند بعضِهم في مفهوم الخارجي. وكشفُ هذه الشبهة: يكون بمعرفة ضابطِ الخارجيِّ، وأنه لا يُشترط فيه أن يكفِّر بكلِّ تكبيرة، بل لو كفَّر بغير مكفِّرٍ واحدٍ فهو خارجي. وهذا يتوافقُ مع حال الخوارج الذي خرجوا على علي ﵁، فلم يكفِّروا بكلِّ كبيرة، وإنما كفَّروا في أمرٍ واحد غيرِ مكفِّر؛ وهو زعمُهم أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ تركَ تحكيمَ كتاب الله، وزعمُهم هذا كذبٌ؛ ثمَّ حكمُهم باطل لأنه مبني على كذبٍ؛ فصاروا خوارج لتكفيرهم بغير حق. وإن كان بعد ذلك تفرَّق الخوارج فِرَقًا وتبنَّوا عقائد أخرى بحسب فرقهم؛ فمنهم مَنْ أنكرَ السُّنة، ومنهم من أنكر الحوض والصراط وهكذا … لكن بدعتُهم في الأصل التكفير بما ليس مكفرًا. قال ابن قدامة: «الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب» (١). وقال أيضًا: «وإذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة» (٢). وقال الزركشي: «الخوارج الذين يكفرون بالذنب» (٣).

стр. 178

وقال النووي: «الخوارج صنفٌ من المبتدعة يعتقدون أنَّ من فعل كبيرةً كفرَ وخلد في النار» (١). وقول ابن قدامة والزركشي بالذنب يدخلُ فيه ولو ذنبًا واحدًا، ومثله كلام النووي لما قال كبيرة. ومثله ما سيأتي نقله عن ابن تيمية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا عُرِفَ أصلُ البدع فأصلُ قول الخوارج أنهم يكفرونَ بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتِّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفِّرون من خالفهم ويستحلُّون منه لارتدادهِ عندهم ما لا يستحلُّونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: «يَقتلونَ أهلَ الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» (٢)، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما؛ وكفَّروا أهلَ صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» (٣). وقال أيضًا: «ولهم خاصَّتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمَّتهم: أحدُهما: خروجُهم عن السنة وجعلُهم ما ليس بسيئةٍ سيئةً أو ما ليسَ بحسنةٍ حسنةً، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي ﷺ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعِدِلْ فإنك لم تعدل؛ حتى قال له النبي ﷺ : «ويلكَ؛ ومَن يعدل إذا لم أَعدل؟ لقد خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل» (٤). فقوله: فإنك لم تعدل جعلَ منه لفعل النبي ﷺ سفهًا وتركَ عدلٍ، وقوله: «اعدل» أمرٌ له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح.

стр. 179

ثم قال: الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفِّرون بالذنوب والسيئات؛ ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام دارُ حرب، ودارهم هي دار الإيمان» (١). وقال: «فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأوِّلين جعلَ فيهم هذين القولين. والصوابُ أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين، ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممَّن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام» (٢). وقال: «ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أنَّ قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين = فهو غالطٌ جاهلٌ بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإنَّ هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكًا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله ﷺ وسنَّتهِ شرًّا من خروجِ الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإنَّ التأويل السائغ هو الجائزُ الذي يُقَرُّ صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويلٌ من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى» (٣).

стр. 180

تنبيه: لا تلازم بين مباشرة الخروج عمليًّا، وأن يكون الرجلُ خارجيًّا، فقد يكون الرجلُ خارجيًّا، وإنْ لم يخرج عمليًّا، وهؤلاء الذين سمَّاهم السلف بالقعدية؛ وهم الذين يرونَ رأيَ الخوارج ولا يباشرون الخروج. قال أبو محمد عبد الله بن محمد الضعيف: قُعَّدُ الخوارج هم أخبثُ الخوارج (١). وقال الأزهري: «والقَعَديُّ من الخوارج: الذي يرى رأيَ القُعَّد الذين يرون التحكيم حقًّا؛ غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس» (٢). وقال ابن حجر: «والقعدية قومٌ من الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون الخروج، بل يُزيِّنونهُ، وكان عمران داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ﵁ بتلك الأبيات السائرة» (٣). الشبهة الثامنة والثلاثون: أنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكون خارجيًّا؛ لأن منهم من لا يُكفِّر هذا الحاكمَ، ومن ليس خارجيًّا فلا يصح قتاله؟!. وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكفِّره لكن ليس القتالُ محصورًا على الخوارج؛ بل إنَّ القتال أيضًا لكلِّ خارجٍ على الحاكم ولو لم يكفِّره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض.
следующие страницы →