وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن كلام الإمام ابن تيمية حق وهو تحديدًا في عدم قتال من لم يبايع حاكمًا معينًا فحسب لكن لابد من معرفة ما يلي:
أولًا أن كلامه على قتالها لا على عدم تأثيمها وأنها عاصية لعدم بيعة حاكمها؛ فلا تلازمَ بين عدم القتال و عدم التأثيم؛ بل هي آثمة لأحاديث وجوب بيعة الحاكم.
قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «من خلعَ يدًا من طاعة، لقيَ الله يومَ القيامة لا حجَّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنقه بيعة، ماتَ ميتةً جاهلية» (١)، فلهذا إذا لم تبايع جماعة أو فردٌ سلطانَهُم وحاكمَهُم فهم آثمون.
وعجبًا كيف يبلغ الهوى بصاحبه يُسهِّل ارتكابَ الإثم والمعصية بعدم بيعةِ الحاكم بحجَّة أنه لا يقاتل! إذن فليُسهّل في كلَّ ذنبٍ لا قتلَ فيه؛ كالربا وزنى غير المحصن وهكذا … !!
ثانيًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعني يسمح له في دعوة الناس للافتيات على الولاية وهكذا …
ثالثًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعنى يسمح لهم بالمظاهرات بل يمنعون من ذلك بالقوة.
تنبيه:
ليس لكلام شيخ الإسلام هذا علاقةٌ في تجويز الخروج - كما يظنُّ بعضهم - لما تقدم أنَّ كلامه في عدم قتال من لم يبايع فقط لا أنَّه في عدم قتال مَنْ خرج؛ فقد قرَّر أنه يقاتل (٢)، ثم إنَّ كلامه كثيرٌ في عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق، وأنه خلافُ منهج أهل السنة (٣).
стр. 177
الشبهة السابعة والثلاثون:
أنه لا يصحُّ قتلُ الذين يباشرون الخروجَ على الحاكم من أهل عصرِنا، لأنهم ليسوا خوارج فهم لا يعتقدون عقيدة الخوارج في التكفير بكلِّ كبيرة.
وهذه شبهة يردِّدها بعضُ المعاصرين؛ وهي مبنيَّة على حصول خلْطٍ عند بعضِهم في مفهوم الخارجي.
وكشفُ هذه الشبهة: يكون بمعرفة ضابطِ الخارجيِّ، وأنه لا يُشترط فيه أن يكفِّر بكلِّ تكبيرة، بل لو كفَّر بغير مكفِّرٍ واحدٍ فهو خارجي.
وهذا يتوافقُ مع حال الخوارج الذي خرجوا على علي ﵁، فلم يكفِّروا بكلِّ كبيرة، وإنما كفَّروا في أمرٍ واحد غيرِ مكفِّر؛ وهو زعمُهم أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ تركَ تحكيمَ كتاب الله، وزعمُهم هذا كذبٌ؛ ثمَّ حكمُهم باطل لأنه مبني على كذبٍ؛ فصاروا خوارج لتكفيرهم بغير حق.
وإن كان بعد ذلك تفرَّق الخوارج فِرَقًا وتبنَّوا عقائد أخرى بحسب فرقهم؛ فمنهم مَنْ أنكرَ السُّنة، ومنهم من أنكر الحوض والصراط وهكذا … لكن بدعتُهم في الأصل التكفير بما ليس مكفرًا.
قال ابن قدامة: «الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب» (١).
وقال أيضًا: «وإذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة» (٢).
وقال الزركشي: «الخوارج الذين يكفرون بالذنب» (٣).
стр. 178
وقال النووي: «الخوارج صنفٌ من المبتدعة يعتقدون أنَّ من فعل كبيرةً كفرَ وخلد في النار» (١).
وقول ابن قدامة والزركشي بالذنب يدخلُ فيه ولو ذنبًا واحدًا، ومثله كلام النووي لما قال كبيرة.
ومثله ما سيأتي نقله عن ابن تيمية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا عُرِفَ أصلُ البدع فأصلُ قول الخوارج أنهم يكفرونَ بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتِّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفِّرون من خالفهم ويستحلُّون منه لارتدادهِ عندهم ما لا يستحلُّونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: «يَقتلونَ أهلَ الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» (٢)، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما؛ وكفَّروا أهلَ صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» (٣).
وقال أيضًا: «ولهم خاصَّتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمَّتهم: أحدُهما: خروجُهم عن السنة وجعلُهم ما ليس بسيئةٍ سيئةً أو ما ليسَ بحسنةٍ حسنةً، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي ﷺ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعِدِلْ فإنك لم تعدل؛ حتى قال له النبي ﷺ : «ويلكَ؛ ومَن يعدل إذا لم أَعدل؟ لقد خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل» (٤).
فقوله: فإنك لم تعدل جعلَ منه لفعل النبي ﷺ سفهًا وتركَ عدلٍ، وقوله:
«اعدل» أمرٌ له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح.
стр. 179
ثم قال: الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفِّرون بالذنوب والسيئات؛ ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام دارُ حرب، ودارهم هي دار الإيمان» (١).
وقال: «فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأوِّلين جعلَ فيهم هذين القولين. والصوابُ أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين، ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممَّن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام» (٢).
وقال: «ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أنَّ قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين = فهو غالطٌ جاهلٌ بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإنَّ هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكًا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله ﷺ وسنَّتهِ شرًّا من خروجِ الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإنَّ التأويل السائغ هو الجائزُ الذي يُقَرُّ صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويلٌ من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى» (٣).
стр. 180
تنبيه:
لا تلازم بين مباشرة الخروج عمليًّا، وأن يكون الرجلُ خارجيًّا، فقد يكون الرجلُ خارجيًّا، وإنْ لم يخرج عمليًّا، وهؤلاء الذين سمَّاهم السلف بالقعدية؛ وهم الذين يرونَ رأيَ الخوارج ولا يباشرون الخروج.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الضعيف: قُعَّدُ الخوارج هم أخبثُ الخوارج (١).
وقال الأزهري: «والقَعَديُّ من الخوارج: الذي يرى رأيَ القُعَّد الذين يرون التحكيم حقًّا؛ غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس» (٢).
وقال ابن حجر: «والقعدية قومٌ من الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون الخروج، بل يُزيِّنونهُ، وكان عمران داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ﵁ بتلك الأبيات السائرة» (٣).
الشبهة الثامنة والثلاثون:
أنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكون خارجيًّا؛ لأن منهم من لا يُكفِّر هذا الحاكمَ، ومن ليس خارجيًّا فلا يصح قتاله؟!.
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكفِّره لكن ليس القتالُ محصورًا على الخوارج؛ بل إنَّ القتال أيضًا لكلِّ خارجٍ على الحاكم ولو لم يكفِّره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض.
стр. 181
والمباشرون لفعل الخروج على السلطان أقسام؛ منهم من يكفِّره بكبيرة فيكون خارجيًّا، ومنهم من يخرجُ عليه تديُّنًا لفسقه بلا تكفير، فيبدَّع ويضلَّل ويحذَّر منه وليس خارجيًّا، كما فعل ذلك أئمة السنة كسفيان الثوري والإمام أحمد مع الحسن ابن صالح، بل ونقل الإمام أحمد إجماعَ السلف على هذا.
قال الإمام أحمد: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة والطريق» (١).
ومنهم من يخرج لحظٍّ دنيوي، فهؤلاء يقاتَلون؛ لأنهم مفسدون في الأرض، وليس لأنهم خوارج.
قال عرفجة بن شريح الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّق جماعتكُم، فاقتلوه» (٢).
ودونكَ ما بُيِّن من كلام أهل العلم أنَّ القتال ليس خاصًّا بالخوارج:
قال ابن قدامة: «والخارجون عن قبضة الإمام، أصنافٌ أربعة، ثم قال: الصنفُ الرابع: قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاج في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين
стр. 182
نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس مَعونةُ إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرَهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» (١).
وقال أيضًا: «وإن سَبُّوا الإمامَ أو غيره من أهل العدل، عُزِّروا؛ لأنهم ارتكبوا محرَّمًا لا حدَّ فيه. وإن عرضوا بالسَّب، فهل يُعزَّرون؟ على وجهين.
وقال مالك في الإباضية، وسائر أهل البدع: يُستتابون، فإن تابوا، وإلَّا ضُربت أعناقهم.
قال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتلَ الخوارج وأهلِ القدر، من أجل الفساد الداخل في الدين، كقُطَّاع الطريق، فإنْ تابوا، وإلَّا قُتلوا على إفسادهم، لا على كُفرهم … » (٢).
وقال النووي: ««فإذا لقيتُموهُم فاقتلُوهم فإنَّ في قتلهِم أجرًا» (٣)، هذا تصريحٌ بوجوب قتال الخوارج والبغاة وهو إجماعُ العلماء، قال القاضي أجمعَ العلماء على أنَّ الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأيَ الجماعة وشقُّوا العصا وجبَ قتالُهم بعدَ إنذارِهم والاعتذارِ إليهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، لكن لا يُجهَز على جريحهم ولا يُتبع منهزمُهم ولا يُقتل أسيرُهم ولا تُباح أموالُهم؛ وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يُقاتَلون بل يُوعَظون ويُستتابون من بدعتهم وباطلهم؛
стр. 183
وهذا كلُّه ما لم يكفروا ببدعتهم» (١)، ونقل أبوزرعة العراقي كلام النووي وأقرَّه.
وأفاد شيخُ الإسلام ابن تيمية أنَّ الذين يجب أن يُقاتَلوا وإن كانوا مسلمين - سابقًا أو لا زالوا - ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المرتدون فقد كانوا مسلمين فكفروا.
الصنف الثاني: أهل البدع كالخوارج.
الصنف الثالث: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في الولاية.
قال ﵀: «قد يُستدلُّ على أنَّ المفسدَ متى لم ينقطع شرُّه إلَّا بقتلهِ فإنه يُقتل: بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد يريدُ أن يشقَّ عصاكُم أو يفرِّقَ جماعتكُم فاقتلوه» (٢)، وفي رواية: «سَتكون هناتٌ وهنات، فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان» (٣)» (٤).
وقال: «ولهذا كان أعدل الطوائف» أهل السنة: أصحاب الحديث، وتجدُ هؤلاء إذا أمروا بقتال مَنْ مرقَ من الإسلام أو ارتدَّ عن بعض شرائعه يأمرونَ أن يُسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يُسبى لهم ذرية ولا يُغنم لهم مال ولا يُجهز لهم على جريحٍ ولا يُقتل لهم أسير، ويتركون ما أمرَ به النبي ﷺ وسار به
стр. 184
علي في قتال الخوارج، وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق في قتال مانعي الزكاة، فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين؛ ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. والله أعلم» (١).
وقال أيضًا: «وهذه النصوص المتواترة عن النبي ﷺ في الخوارج قد أدخلَ فيها العلماء لفظًا أو معنًى مَنْ كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله ﷺ وجماعة المسلمين» (٢).
وقال أيضًا: «ثمَّ إن أهل المدينة يرون قتال مَنْ خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرَّقون بين هذا وبين القتال في الفتنة؛ وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافقُ لسنَّة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فإنه قد ثبت عنه الحديثُ في الخوارج من عشرة أوجهٍ خرَّجها مسلم في صحيحه وخرَّج البخاري بعضَها.
وقال فيه: «يحقرُ أحدُكم صلاته مع صَلاتهم، وصيامهُ مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوز حَناجرهم، يمرقونَ من الإسلام كما يمرقُ السَّهم من الرمية؛ أينما لقيتُموهم فاقتلُوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهُم يومَ القيامة».
وقد ثبت اتفاقُ الصحابة على قتالهم، وقاتَلَهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وذكر فيهم سنة رسول الله ﷺ المتضمِّنة لقتالهم، وفرحَ بقتلهم وسجدَ لله شكرًا لما رأى أباهم مقتولًا، وهو ذو الثدية؛ بخلافِ ما جرى يوم الجمل وصفين؛
стр. 185
فإنَّ عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يُذكر عن النبي ﷺ في ذلك سنة؛ بل ذُكر أنه قاتل باجتهاده، فأهلُ المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث؛ بخلاف مَنْ سوَّى بين قتال هؤلاء وهؤلاء؛ بل سوَّى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرَّق الله بينهما، وأهلُ المدينة والسنة فرَّقوا بين ما فرَّقَ الله بينه واتَّبعوا النصَّ الصحيح والقياس المستقيم العادل» (١).
وقال: «وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام؛ بمنزلةِ مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلَهُم علي بن أبي طالب ﵁، ولهذا افترقت سيرة علي ﵁ في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهروان؛ فكانت سيرتُه مع أهل البصرة والشاميين سيرةَ الأخِ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك.
وثبتت النصوصُ عن النبي ﷺ بما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابة من قتال الصديقِ وقتال الخوارج؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإنَّ النصوص دلَّت فيها بما دلت والصحابة والتابعون اختلفوا فيها. على أن من الفقهاء الأئمة مَنْ يرى أنَّ أهل البغي الذين يجبُ قتالهم هم الخارجونَ على الإمام بتأويلٍ سائغ؛ لا الخارجون عن طاعته.
وآخرون يجعلونَ القسمَين بغاة؛ وبين البغاة والتتار فرق بين» (٢).
стр. 186
وقال: «وأصحاب الرسول ﷺ علي بن أبي طالب وغيره لم يكفِّروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب ﵁: «إنَّ لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقَّكم من الفيء» (١)، ثم أرسل إليهم ابنَ عباس فناظَرَهُم فرجعَ نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسْبِ لهم ذرية، ولا غنمَ لهم مالًا، ولا سارَ فيهم سيرةَ الصحابة في المرتدين؛ كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكرْ أحدٌ على على ذلك، فعُلم اتفاقُ الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام … » (٢).
فائدة:
تنازعَ العلماء على قولين في قتلِ الواحد من الخوارج؛ فذهب ابنُ تيمية أنه بمجرَّد اعتقادِه يُقتل ولو لم يباشر الخروج؛ وهو أحد قولي العلماء وبه قال أحمد في رواية، وهو الصواب؛ لأن عمر أراد قتل صبيغ بن عسل لو كان محلوقًا أي خارجيًّا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوزُ قتلُ الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإن النبي ﷺ قال: «أينَما لَقيتمُوهم فاقتلُوهم» (٣)، وقال: «لئنْ أدركتهُم
стр. 187
لأقتلنَّهم قتلَ عاد» (١)، وقال عمر لصبيغ بن عسل: «لو وجدتكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك» (٢).
ولأن علي بن أبي طالب طلبَ أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادُهم إلَّا بالقتلِ قُتلوا، ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدةٌ راجحة.
ولهذا تركَ النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه (٣)، ولم يكن إذْ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك علي قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلينَ في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم» (٤).
الشبهة التاسعة والثلاثون:
أن المظاهرات تجوز على ولي الأمر لأنها ليست خروجًا، وإنما إعلامٌ بعدم الرضا على قرار معين.
وكشفُ هذه الشبهة بأن يقال: إنَّ المظاهرات محرَّمة شرعًا لأمور:
стр. 188
الأمر الأول: أنها مخالفة للأدلة وإجماع السلف الآمرة بالصبر على جَور الحاكم.
الأمر الثاني: أنها مخالفة للطريقة الشرعية في مناصحة الحاكم، وهي مناصحته أمامه - كما تقدم (١) -، وما كان كذلك فهو محرَّم.
الأمر الثالث: أنها وسيلة لم يتَّخذها السلفُ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ فتكون بدعة - وقد تقدَّم بيان هذه القاعدة - (٢).
الأمر الرابع: أنها وسيلة للفوضى وزعزعة الأمن.
وتفصيل هذا في الرابط أدناه (٣).
الشبهة الأربعون:
أنَّ الصحابة قالوا لعمر: «واللهِ لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك بحدِّ سيوفنا، فهذا يدلُّ على أنَّ الخروج بالسيف جائز».
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال:
إني لم أقف على هذه القصة بسندٍ لا صحيحٍ ولا ضعيف، وإنما الذي رأيتُه ثابتًا هو أنَّ حذيفة قال: «دخلتُ على عمر وهو قاعدٌ على جذع في داره وهو
стр. 189
يحدِّثُ نفسه، فدنوتُ منه، فقلت: ما الذي أهمَّكَ يا أمير المؤمنين، فقال: هكذا بيده - وأشار بها - قال: قلتُ: الذي يهمُّكَ واللهِ لو رأينا منك أمرًا ننكرهُ لقوَّمناك، قال: آللهِ الذي لا إله إلا هو لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقوَّمتموه؟، فقلتُ: آللهِ الذي لا إله إلا هو لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك، قال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا، وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحابَ محمد من الذي إذا رأى مني أمرًا ينكره قوَّمني» (١).
وليس فيها محلُّ الشاهد وهو التقويم بالسيف، فهو إذن محمولٌ على التقويم بالنصيحة على الطرق الشرعية. وهذا الفهمُ هو الذي تجتمع معه بقية الأدلة.
الشبهة الحادية والأربعون:
أنه يجوز الخروجُ بالسيف؛ لقول ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : «لم يكنْ نبيٌّ قطُّ إلَّا كان له من أمته حَواريون، وأصحابٌ يتبعون أمره، ويهتدون بسنَّته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون يغيِّرون السُّنن، ويُظهرون البدع، فمَن جاهدَهُم بيده، فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانه، فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقالُ حبَّة خردل» (٢).
فقوله: «فمن جاهدهم بيده» يدلُّ على الخروج بالسيف على الأمراء.
стр. 190
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن أحاديث النبي ﷺ يفسِّر بعضُها بعضًا، فقد تقدَّمت الأدلة والإجماعُ على حرمة الخروج على السلطان (١)، فيُحمَل هذا الحديثُ على إنكار ما أتى به السلطان من المحرَّمات؛ مثل آلات الطرب؛ مع مراعاة المصالح والمفاسد.
قال ابن رجب: «وقد يُجاب عن ذلك بأنَّ التغيير باليد لا يستلزم القتال. وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراء باليد أن يُزيلَ بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورهم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وردَ النهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثر ما يُخشى منه أن يُقتلَ الآمرُ وحده» (٢).
الوجه الثاني: أن المراد بهذا الحديث الأمم السابقة، فليس المرادُ به شريعتنا، كما قاله ابن الصلاح والنووي.
قال النووي: «على أنَّ هذا الحديث مَسوقٌ فيمن سبقَ من الأمم، وليس في لفظهِ ذكرٌ لهذه الأمة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وهو ظاهر كما قال» (٣).
الوجه الثالث: أنه لما رأى الإمام أحمد ظاهرَ هذا الحديث مخالفًا للأحاديث الكثيرة في الصبر على جَور السلطان وظُلمه = ضعَّفَ هذا الحديث، وفعل مثلَه الأثرم.
стр. 191
قال أحمد: «جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ : «اصبروا حتى تلقوني» (١).
وقال الأثرم: «وهذا عن ابن مسعود، وذاك عن ابن مسعود، وهذا أثبتَ الإسنادين، وهو موافقٌ للأحاديث، وذاك مخالف، ثم تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ فكثرت عنه، وعن الصحابة والأئمة بعدَهم ﵃ يأمرون بالكف، ويكرهون الخروج، وينسبون مَنْ خالفهم في ذلك إلى فراق الجماعة، ومذهبِ الحرورية وتركِ السُّنة» (٢).
فائدة:
أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : «ما من نبيٍّ بعثهُ الله في أمةٍ قبلي إلَّا كان له من أمته حواريون، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلفُ من بعدِهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدَهُم بيدهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بقلبهِ فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل» (٣).
لم يضعِّف الإمام أحمد لفظَ مسلم لأنه ليس فيه ذِكرُ لفظ (أمراء) وإنما ضعَّفَ اللفظ الذي ذُكِرَ فيه الأمراء.
стр. 192
وصنيعُ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) يوهِمُ أنه يضعِّفُ لفظ مسلم وليس الأمر كذلك - والله أعلم - لأنَّ الحديث بدون لفظ الأمراء لا يخالف بقية الأحاديث.
الشبهة الثانية والأربعون:
أنه يجوز الخروج على الحاكم بالسيف لما أخرج موسى بن عقبة (١) قال عمر: «لن يعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم، فإن استقامَ اتَّبعوه، وإن جنف قتلوه، فقال طلحة: وما عليكَ لو قلت: إن تعوَّجَ عزلوه؟ فقال عمر: لا، القتل أنكَلُ لمن بعدَه».
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: ضعفُ سند القصة فهي مرسلة لأن موسى بن عقبة لم يسمع عمر ولم يدرك زمنه.
الوجه الثاني: أن هذا الأثر من جهة الدراية مخالفٌ للثابت عن عمر في نصيحته لسويد بن غفلة؛ قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي؛ هذا فاسمَعْ وأطِعْ وإنْ أمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعةٌ ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (٢).
стр. 193
الوجه الثالث: مخالفٌ للأدلة المتواترة في الصبر على جور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (١).
الوجه الرابع: مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله - (٢).
الشبهة الثالثة والأربعون:
استدلَّ بعضُهم بما أخرج ابن شبة (٣): «أنه قد جاء الأشعث ومعه جماعة من أهل الكوفة إلى عمر يطلبون منه عزلَ سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة، وبطل القادسية، وخال رسول الله ﷺ ، فعزلَه عمرُ نزولًا عند رغبتهم، مع ثقته بسعد، ثم سألهم فقال: إذا كان الإمام عليكم فجارَ ومنعكُم حقَّكم وأساءَ صحبتكم؛ ما تصنعون به؟ قالوا: إنْ رأينا جَورًا صَبرنا، فقال عمر: لا واللهِ الذي لا إله إلا هو، لا تكونونَ شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذِهم إيَّاكم، وتضربوهم في الحقِّ كضربهم إيَّاكم وإلَّا فلا»، فقالوا في هذا جواز الخروج بالسيف على الحاكم الجائر الظالم.
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: ضعف سند القصة؛ وذلك أنَّ في إسنادها هارون بن عبد الله الحضرمي؛ لم يوثِّقه إلَّا ابن حبان بذكره في الثقات، وهذا لا يُعتبر توثيقًا لأنَّ ابن حبان متساهل جدًّا في المجاهيل. ولم أرَ أحدًا وثَّقه غيرهُ؛ فهو مجهولٌ جهالة حال.
стр. 194
وفي الإسناد عفيف بن معدي كرب؛ فقد ذهبَ أبو حاتم وابن عبد البر والعجلي وغيرهم إلى أنه ليس صحابيًّا، ومن جعله صحابيًّا لم يأتِ ببيِّنة، وإذا لم يثبت أنه صحابي فهو مجهولٌ جهالة حال، وتوثيقُ العجلي لا يُعتمد عليه؛ لأنه في توثيق المجاهيل من التابعين أكثر تساهلًا من ابن حبان.
كما أفاده المعلمي في كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)؛ إذ قال:
«فابن حبان قد يذكر في (الثقات) من يجد البخاريَّ سمَّاه في (تاريخه) من القدماء وإنْ لم يعرف ما روى وعمَّن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدِّد وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكر وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا؛ والعجليُّ قريبٌ منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد» (١).
وقال في الأنوار الكاشفة: «وتوثيقُ العجلي وجدتُه بالاستقراء، كتوثيق ابن حبان أو أوسَعُ» (٢).
الوجه الثاني: أن هذا الأثر من جهة الدراية مخالف للثابت عن عمر - كما تقدم (٣) - في نصيحته لسويد بن غفلة قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا فاسمَعْ وأطِعْ وإن أمرِّ عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة».
стр. 195
الوجه الثالث: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها (١) -.
الوجه الرابع: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله - (٢).
الشبهة الرابعة والأربعون:
أنَّ الطعن في الحاكم وولي الأمر، والكلام عليه، والتشهير بأخطائه داخلٌ تحت الاحتساب المطلوب شرعًا، والممدوح أهله.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إنَّ الاحتساب على الحاكم والسلطان مطلبٌ شرعي، لكن بالطرق الشرعية التي تقدَّم ذكرها (٣)؛ وهي الإنكار عليه أمامه لا وراءه، فلا يصحُّ أن نسعى في فعلِ طاعةٍ بسلوك طريق معصية.
الشبهة الخامسة والأربعون:
أن أحمد بن نصر الخزاعي من أئمة السنة خرج على الواثق؛ لأنه مبتدع؛ وعلى إثرِ خروجهِ قتلَهُ الواثقُ فأثنى عليه أحمد بن حنبل وجمعٌ من الأئمة، فهذا يدلُّ على أنَّ الخروج ليس بدعةً ولا الخارج مبتدعًا.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه لم يثبت أنَّ قتل الإمام الكبير أحمد بن نصر الخزاعي كان
стр. 196
لأجل الخروج؛ فقد روى القصة الخطيب في تاريخه (١) من طريق محمد بن يحيى الصولي قال: كان أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي من أهل الحديث، وكان جدُّه من رؤساء نقباء بني العباس، وكان أحمد وسهل بن سلامة - حين كان المأمون بخراسان - بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن دخل المأمون بغداد فرفق بسهل حتى لبس السواد، وأخذ الأرزاق، ولزم أحمدُ بيته، ثم إنَّ أمره تحرَّك ببغداد في آخر أيام الواثق، واجتمع إليه خلقٌ من الناس يأمرون بالمعروف إلى أن ملكوا بغداد … ثم حكاها.
وفي إسنادها محمد بن يحيى الصولي وهو لم يلْقَ زمن أحمد بن نصر الخزاعي؛ لأنَّ أحمد بن نصر توفي عام (٢٣١ هـ) (٢)، والصولي عام (٣٣٦ هـ) (٣)، فبين وفاتهما أكثر (٤) من مائة سنة، وليس في ترجمة الصولي أنه عمر طويلًا؛ ثم في ترجمته أنه روى عن أبي داود السجستاني؛ وهو في طبقة تلاميذ أحمد بن نصر، فهذا يدلُّ على أنه لم يدركه.
الوجه الثاني: تقدَّم إجماعُ أئمة السنة على تبديع من يخرج على السلطان، وممن حكى هذا الإجماع الإمام أحمد، فيبعد أن يثني عليه؛ لأنه قُتل لفعل بدعةٍ توجبُ تبديعه.
стр. 197
الوجه الثالث: أن قتله كان لأجل الصبر على القول بأن القرآن كلامُ الله غير مخلوق، وهذا الذي يتناسب مع ثناء الأئمة عليه، قال الذهبي: «قال ابن الجنيد سمعت يحيى بن معين يترحَّم عليه، وقال: ختمَ الله له بالشهادة، وقال: قال المروذي: سمعتُ أحمد بن حنبل ذكرَ أحمد بن نصر فقال: ﵀ لقد جادَ بنفسه» (١).
الشبهة السادسة والأربعون:
أنَّ الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب أئمة هدى وقد خرجا على الدولة العثمانية، ولو كان الخروج محرمًّا لما فعلاه.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب حكى الإجماعَ على حرمة الخروج، فالقول بالخروج يخالف الاعتقاد الذي كان يتبنَّاه ويدعو إليه.
قال في رسالة لأهل القصيم: «وأرى وجوبَ السمع والطاعة لأئمة المسلمين برِّهم وفاجرِهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمعَ عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفةً وجبتْ طاعته، وحَرُمَ الخروج عليه» (٢).
وقال: «الأصل الثالث: أنَّ من تمام الاجتماع، السمعَ والطاعة لمن تأمَّر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًّا.
стр. 198
فبيَّن الله هذا بيانًا شافيًا كافيًا، بوجوهٍ من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدَّعي العلم، فكيف العمل به؟!» (١).
الوجه الثاني: أنه لا يقال خرج إلَّا لمن كان تحت حكمِ حاكم، ثم نزعَ يده من طاعته. وهذا خلافُ حال هذين الإمامين؛ فليسا تحت حكم الدولة العثمانية، فإنه ليس هناك ما يُثبت أنَّ دولة آل سعود في الدرعية يومذاك تحت حكم الدولة العثمانية أصلًا حتى يُقال إنهما خرجا عليها.
قال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: «لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية فيما أعلم وأعتقد، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك، بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية
- مهما صغرت - أمير مستقل .. وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرجَ على أوضاعٍ فاسدة في بلده، فجاهدَ في الله حقَّ جهاده وصابرَ وثابرَ حتى امتدَّ نورُ هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى» (٢).
الوجه الثالث: ومما يؤكد أنَّ نجد اليمامة - بصفة عامة - ودولة آل سعود بالدرعية - بصفة خاصةٍ - ليست تحت إمارة الدولة العثمانية ما قاله الدكتور صالح العبود: «لم تشهد نجد على العموم نفوذًا للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في
стр. 199
الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها (قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان) - يعني قوانين آل عثمان في ما يتضمَّنه دفتر الديوان، ألَّفها يمين علي أفندي الذي كان أمينًا للدفتر الخاقاني سنة (١٠١٨ هـ) الموافقة لسنة (١٦٠٩ م).
من خلال هذه الرسالة يتبيَّن أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثين إيالة، منها أربع عشرة إيالة عربية، وبلاد نجد ليست منها ماعدا الإحساء، إن اعتبرناه من نجد» (١).
قال أمين سعيد: «ولقد حاولنا كثيرًا في خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكمٍ أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد أو إحدى مقاطعتها الوسطى، أو الشمالية، أو الغربية أو الجنوبية، فلم نقع على شيء، مما يدلُّ على مزيدِ من الإهمال تحمل تبعته هذه الدول … على أنَّ الذي استنتَجْناه في النهاية هو أنهم تركوا أمرَ مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الأشراف الهاشميين حكَّام الحجاز الذين جَرَوا على أن يشرفوا على قبائلها إشرافا جزئيًّا» (٢).
стр. 200
الشبهة السابعة والأربعون:
أن القول بحُرمة الخروج كان فيه خلاف بين الصحابة ومن بعدهم ثم انعقد الإجماع، وأصحُّ القولين (١) أصوليًّا أنَّ الإجماع بعد الخلاف لا ينعقد، فعلى هذا لا ينعقد هذا الإجماع.
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: حُكي خلافٌ بين أهل العلم في صحة الإجماع بعد الخلاف، وإن كان المعروف من كلام العلماء المتقدمين أنهم يجعلونه إجماعًا (٢)، لكن لا يصحُّ أن يُتذرَّع بهذا على أن من لم يقرَّ بالإجماع على صحة الخروج فهو معذور؛ لأنه فرع عن هذه المسألة الأصولية، وذلك أنَّ إجماعَ أهل السنة الذي لم ينازع فيه أحد منهم، بل وتوارُدُهم على تبديع المخالف بإجماعهم مستثنى من ذكر الخلاف في هذه المسألة، بل قد يقال: إن إجماع أهل السنة في هذه المسألة يدل على صحة القول بأن الإجماع ينعقد بعد خلاف.
الوجه الثاني: أنه لا يسلَّم بوجود خلافٍ بين الصحابة في حكم الخروج على الحاكم الفاسق - كما تقدم (٣) بالتفصيل - فيكون الإجماعُ منعقدًا قبل حصول الخلاف، وهو إجماع الصحابة.
стр. 201
الشبهة الثامنة والأربعون:
أنَّ الخروج لا يسمَّى خروجًا حتى يكون بالسيف، أما الخروجُ بالمظاهرات والأقوال فلا يسمى خروجًا.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن المظاهرات محرَّمة، وهي على أقسام كما تقدم، وأقلُّ أحوالها سوءًا ما كان محرَّمًا، فمن ظاهرَ مكفِّرًا للحاكم بغير مكفر، فهو خارجيٌّ، ومن ظاهرَ لإسقاط الحاكم المسلم تديُّنًا فهو مبتدع، ومن ظاهرَ لإسقاط الحاكم لأجل الدنيا فهو مُفسِدٌ في الأرض يستحقُّ القتل - وكلُّ هذه الأقسام قد سبقَ ذِكرُها في موضع آخر - (١).
ومَن ظاهرَ احتجاجًا على أخطاءٍ في الدولة إنْ كان بدافعٍ دنيوي ففعلُه محرَّم؛ لأنه خالف نصوصَ السمع والطاعة والصبر على جَور الحاكم، وإن كان بدافعٍ دينيٍّ فهو محرَّمٌ وبدعة.
وبمعرفة هذه الأقسام يتبين أن أقلَّ المظاهرات سوءًا ما كان محرَّمًا، فيكفي أن يكون أقلُّها محرَّمًا، ولو لم يُسمَّ خروجًا، فإنَّ المحرَّم يجبُ تركهُ وإنكاره.
стр. 202
الوجه الثاني: إن الرجل يكون خارجيًّا بدون إشهار سيف، وإنما بمجرَّد اعتقاده، ولو لم يخرج ويكون من الخوارج القعدية - كما تقدم بيانه (١) -، وهؤلاء يستحقون القتل لاعتقادهم عقيدة الخوارج.
الوجه الثالث: أن المظاهرات - وإن سُمِّيت سلمية - محرَّمة أيضًا؛ لما يترتَّبُ عليها من المفاسد، ولما تؤدي إليه من المفاسد؛ فهي تبدأ سلمية ثمَّ يصحبُها التخريبُ، ثم القتال مع المانعين من رجال الأمن وهكذا …
الوجه الرابع: أن الكلام في ولي الأمر محرَّم، ولو كان باسم النصيحة، فإنَّ للنصيحة طُرقَها الشرعية - كما تقدم بيان هذه الطرق (٢) -، وأنَّ مطلق الكلام محرَّم، فإنه يؤدي إلى الخروج العملي، فما من خروجٍ عملي إلَّا وسُبق بكلام مؤدٍّ إليه، وتقدَّم قولُ عبد الله بن عكيم أنه عدَّ ذكرَ مساوي عثمان إعانةً على دمه.
الشبهة التاسعة والأربعون:
أن حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» (٣)، عامٌ في مقاتلة السلطان وغيره، فيقاتَلُ السلطان إذا أرادَ أخذَ المال كما يُقاتَلُ غيره؛ وممن قرَّر هذا ابنُ حزم فقال بعد ذكر حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ … »: «وهذا أبو بكر الصديق، وعبد الله بن عمرو ﵄ يرَيان السلطان في ذلك وغيرَ السلطان سواء» (٤).
стр. 203
وقبل كشف هذه الشبهة فالمرادُ بأثرِ أبي بكر هو كتابه الذي كتبه في الزكاة
- كما ذكره ابن حزم - ووجه الشاهد منه قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فلْيُعطِها، ومن سُئلَ فوقها فلا يُعطَ» (١).
والمراد بأثر عبد الله بن عمرو؛ ما أخرجه عبد الرزاق (٢) أن معاوية أرسل إلى عاملٍ له أن يأخذ الوهط، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو؛ فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد». فكتب الأمير إلى معاوية أن قد تيسر للقتال، وقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فكتب معاوية:
«أن خل بينه وبين ماله».
ووجهُ الدلالة منه أنَّ عبد الله بن عمرو عملَ بعمومه في عامل السلطان.
وبعد أن تبيَّن مُراد ابن حزم بأثر أبي بكر وأثر عبد الله بن عمرو فأبدأ
- بحول الله - بكشف شبهة الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو؛ لأنه أكثر إشكالًا، ثم بأثر أبي بكر.
وكشف الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو من أوجه:
الوجه الأول: أن هذا الأثرمخالفٌ للأدلة العامة والخاصة الآمرة بالصبر على جَور الحاكم وظُلمه، والتي أجمعَ عليها أهل السنة، فهذه مقدمة على فهم عبد الله ابن عمرو.
стр. 204
الوجه الثاني: أن هذا الأثر مخالفٌ لأثر عمر.
قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَعْ وأطِع وإنْ أمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني، فلا تفارق الجماعة» (١)، والفاروقُ خليفة راشد، فقولُه مقدَّم على غيره من غير الخلفاء الراشدين كعبد الله بن عمرو.
الوجه الثالث: أن قول عمر بن الخطاب مقدَّم - أيضًا - على قول عبد الله بن عمرو بن العاص للأدلة الكثيرة العامة والخاصة في الصبر على جَور الحاكم فهي مخصِّصة لحديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» فأَخرجت الحاكم من عمومه.
الوجه الرابع: أن العلماء مجمعون على عدم دخول الحاكم في حديث «مَنْ قُتل دونَ ماله … ».
فقد ثبتَ عن ابنِ سيرين أنه قال في الخوارج: «ما علمتُ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا ولا من قتلِ من أراد مالك إلَّا السلطان؛ فإنَّ للسلطان لحقًّا» (٢).
وقال ابن المنذر: «والذي عليه أهلُ العلم أنَّ للرجل أن يدفع عمَّا ذكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنَّ كلَّ من يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصَّبر على جَوره، وترك القيام عليه» (٣).
стр. 205
فهذا الإجماع يُبين خطأ عبد الله بن عمرو لمَّا عمَّم حديث: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فإن الإجماع إذا انعقدَ بعد خلافٍ كشف القولَ الراجح من المرجوح.
فكيف يفزعُ منصفٌ لأثر عن صحابي واحد يخالف نصوصًا كثيرة خاصة وعامة، ويخالف فتاوى صحابة أخرين وإجماعات!!
أما الجوابُ على قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعطِها، ومن سُئل فوقَها فلا يُعط»، فمن وجهين:
الوجه الأول: أنه لا إشكال في قول أبي بكر هذا لأنه في عدم إعطاء ما زادَ على الزكاة اختيارًا بغير حقٍّ للحاكم، وذلك عند سؤاله لما زاد من الزكاة، وليس في قوله ﵁ ردُّ الحاكم بالقوة أو مقاتلتُه إذا أرادَ الزائد من الزكاة بالقوة، فإذًا لا وجه لإيراد ابن حزم له في هذا الصَّدد.
قال ابن حجر: «أي من سُئل زائدًا على ذلك في سنٍّ أو عددٍ فله المنع؛ ونقل الرافعي الاتفاقَ على ترجيحه؛ وقيل معناه فليمنع الساعي وليتولَّ هو إخراجَهُ بنفسه أو بساعٍ آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا، وشرطُه أن يكون أمينًا، لكنْ محلُّ هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل» (١).
الوجه الثاني: ليكن قوله - جدلًا - دالًّا على مقاتلة مَنْ أراد ما زادَ على الزكاة، فإنَّ قوله هذا عامٌّ والحاكمُ مخصوصٌ من هذا العام لسببين:
السبب الأول: الأدلة الخاصة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.
السبب الثاني: إجماعاتُ أهل السُّنة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.
стр. 206
الشبهة الخمسون:
أنَّ بعضَ الأدلة جوَّزت الخروجَ عند وجود المعصية من الحاكم؛ لما أخرجَ ابنُ حبان (١) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمَعْ وأطِعْ في عُسرِكَ ويُسركَ ومنشطكَ ومكرهِكَ وأثَرةٍ عليك، وإنْ أكلوا مالك وضربوا ظهركَ إلَّا أن يكونَ معصية» بلفظ «إلَّا أن يكون معصية»، وفي موضع آخر (٢) بلفظ: «إلَّا أن تكون معصية لله بواحًا»، وأخرجه أحمد بلفظ «ما لم يأمروك بإثمٍ بواحًا» (٣)، فدلَّ هذا الحديث على أنه يخرج على الحاكم إذا كانت عنده معصية ظاهرة.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إنه لا تعارضَ بين ألفاظ حديث عبادة؛ فإنَّ المراد بالكفر المعصية، فلفظُ حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا» (٤)، يفسِّر المعصية المذكورة في رواية ابن حبان وأنها الكفر الأكبر، فبهذا تتفق الألفاظ.
فإن قيل: لماذا لا يُحمل حديث «كفرًا بواحًا» على المعصية فيكون الكفر بالمعنى العامِّ فيشمل جميع المعاصي، ومنها ما هو دون الكفر الأكبر؟
فيقال: هذا لا يصحُّ لسببين:
السبب الأول: دلت الأحاديث على السمع والطاعة للحاكم ولو كان ظالمًا، أي عنده معاصٍ ظاهرة، قال ابن مسعود: قال ﷺ : «إنكم سترونَ بعدي
стр. 207
أثَرةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكم» (١).
وقال عوف بن مالك: قال رسول الله ﷺ : «ألَا مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليكْرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (٢).
السبب الثاني: آثار الصحابة وإجماعات أهل السُّنة التي تقدَّم ذكرها في حُرمة الخروج على الحاكم المسلم ولو كان فاسقًا ظالمًا.
فبهذا يتعيَّن عدمُ حمله على المعصية الظاهرة لا سيما وفي الحديث ذكر «وأثرة علينا» وهو الظلم، ومع ذلك أمرَ بالصبر ولم يجعله مسوِّغًا ومجوِّزًا للخروج مع أنَّ الظلم معصية.
الشبهة الحادية والخمسون:
أن الحكام ينابَذون ويقاوَمون لأجل المعصية؛ قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «سيكون أمراءُ تعرفون وتنكرون، فمن نابذَهُم نجا، ومن اعتزَلَهم سَلِمَ، ومن خالَطهُم هلك» (٣).
وكشف هذه الشبهة وجوابها من أوجه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف (٤)، وضعَّفه الألباني روايةً ودرايةً فقال ﵀ في السلسة الصحيحة:
стр. 208
«(تنبيه): ثم وقفتُ على حديث يخالف ظاهرُه حديثَ عوف بن مالك الناهي عن منابذة الأئمة والحكام بالسيف، فرأيتُ أن أبيِّن حاله خشيَة أن يتشبَّث به بعضُ الجهلة من خوارج هذا الزمان، أو ممَّن لا علمَ عنده بهذا العلم الشريف وفقه الحديث، ألا وهو ما أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٣٩ - ٤٠) من طريق الهياج بن بسطام عن ليث عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:
«سيكونُ أمراءُ تعرفونَ وتنكرون، فمَن نابذَهُم نجا، ومن اعتزَلهم سَلِمَ، ومن خالَطَهُم هلك».
وهذا إسناد ضعيف بمرة؛ ليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيف مختلط، والهياج ابن بسطام - وهو الخراساني - متفق على ضعفه؛ بل اتَّهمه ابنُ حبان؛ فقال:
«يروي الموضوعات عن الثقات»، وبه أعلَّه الهيثمي (٥/ ٢٢٨).
أقول: وهذا الحديث قد عزاه السيوطي لابن أبي شيبة أيضًا؛ يعني في (المصنف)، ولم أره فيه بعد البحث الشديد، فإن صحَّ إسناده عنده أو غيره كان لا بد من تأويل قوله: «نابذهم» أي: بالقول والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا بالسيف؛ توفيقًا بينه وبين حديث عوف كما تقتضيه الأصول العلمية والقواعد الشرعية، وإن لم يصحَّ نبذناه لشدة ضعف إسناده. والله أعلم» (١).
ومقتضى العدل والإنصاف: ألَّا يكتفي منصفٌ بكلام الألباني المختصر في صحيح الجامع، ويدع المفصل الموافق لبقية الأدلة وإجماع أهل السنة.
الوجه الثاني: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصَّبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (٢).
стр. 209
الوجه الثالث: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدَّم نقله - (١).
الوجه الرابع: أنه لو صحَّ لكان محمولًا على المنابذة بالقول على وجهٍ شرعي بأن ينكر عليهم أمامهم ليتفق مع باقي الأدلة - كما تقدم نقلُ كلام العلامة الألباني في الوجه الأول -.
قال المناوي: «(سيكون أمراء تعرفون) يعني ترضون بعضَ أقوالهم وأفعالهم لكونه في الجملة مشروعًا (وتنكرون) بعضَها لقُبحهِ شرعًا، (فمن نابذهم) يعني أنكرَ بلسانهِ ما لا يوافقُ الشرع (نجا) من النفاق والمداهنة (ومن اعتزلهم) مُنكِرًا بقلبه (سلم) من العقوبة على ترك المنكر … » (٢).
الشبهة الثانية والخمسون:
أنه قد استفتى أهلُ المدينة مالك بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهُم مالك بالجواز؛ لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه، ولا بيعةَ لمكرَه، فلما أفتاهم مالَ الناس مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّبَ مالك لهذا السبب. فإذا كان كذلك فهناك سلفٌ معتبر لمن أراد الخروجَ على الحاكم المتغلب.
стр. 210
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أخرج فتوى مالك ابن جرير في تاريخه (١) بإسناد فيه سعد بن عبد الحميد، وهو وإنْ كان مقبولًا لكن فيه ضغفٌ مما يتردَّد في قبول تفرُّداته، لذا قال ابن حبان: «كان ممن يروي المناكير عن المشاهير وممن فحُشَ وهمهُ حتى حسنَ التنكيب عن الاحتجاج به» (٢)، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق له أغاليط».
الوجه الثاني: أنه لو كان مالك مخالفًا في صحَّة بيعة المتغلِّب لبيَّن ذلك أئمَّة السُّنة وجعلوها من شواذِّه لأنه خالفَ في مسألةٍ إجماعية، بل بيَّن ذلك أصحابُه وهم ممن نقلوا إجماعَ العلماء على صحَّة بيعة المتغلِّبين؛ كابن بطال وابن أبي زيد القيرواني وغيرهما وقد تقدَّمت الإشارة لذلك (٣).
الوجه الثالث: أنه قد حصل خلافٌ كثير في سبب ضرب مالك، وقد ساق الخلاف القاضي عياض، ولما جاء إلى ذكرِ أنَّ السبب في ضربه أنه أفتى الناس بالقيام مع النفس الزكية لأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه = قال القاضي عياض: (وذُكِرَ عنه) بصيغة التمريض. وإليك كلام القاضي عياض.
قال القاضي ﵁: «قال الطبري اختُلف فيمن ضرب مالكًا وفي السَّبب في ضربهِ وفي خلافةِ مَنْ ضُرب»، ثم قال: «وذُكِرَ عنه أنه أفتى الناس عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي المسمَّى بالمهدي بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه».
стр. 211
قال الليث: «إني لأرجو أن يرفع الله مالكًا بكل ما سوَّد درجةً في الجنة».
وخالف هذا كلَّه ابنُ بكير، فقال: ما ضُرب إلَّا في تقديمه عثمان على علي؛ فسعى به الطالبيون حتى ضُرب.
قيل لابن بكير: «خالفتَ أصحابك؛ هم يقولون ضُرِب في البيعة».
قال: «أنا أعلم من أصحابي».
وقال أحمد بن صالح: «إنما ضُربَ مالك في الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه ثم رآه».
قال أبو داود: «ولم يصنع أحمد شيئًا».
وقال ابن كنانة: «ضُرب في أيمان السلطان أنها لا تلزم، وفي دفع الصدقات إليهم» (١).
إذا تبين هذا فلا يصحُّ الجزمُ بأن مالكًا أفتى بهذا الخروج لأنه لا يرى بيعة المكره، فلا دليلَ على ثبوت قولِ عدم بيعةِ المكره لمالكٍ وأنه سببُ ضربهِ؛ لأنه لا مستندَ صحيح لذلك، وقد تنازعَ الناسُ في سببِ ضربهِ؛ وأيًّا كان فمن المعلوم أنَّ مالكًا يقرُّ بالخلافة لأبي جعفر المنصور والهادي - كما تقدم - فلذا لا يصحُّ أن يرجعَ سببُ الضرب لما يتنافى مع إقراره بالخلافة.
стр. 212
الشبهة الثالثة والخمسون:
أن القول بالخروج على الحاكم قال به العلَّامة المعلمي إذ قال: «كان أبو حنيفة يستحبُّ أو يوجبُ الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمَن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين وتفريقٌ لكلمتهم وتشتيتٌ لجماعتهم وتمزيقٌ لوحدتهم وشَغلٌ لهم بقتلِ بعضهِم بعضًا، فتهن قوتهم وتَقوى شوكةُ عدوِّهم وتتعطَّل ثغورهم، فيستولي عليها عدوُّهم …
هذا والنصوصُ التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحقِّقون يَجمَعون بين ذلك بأنه إذا غلبَ على الظَّن أنَّ ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به جازَ الخروجُ وإلَّا فلا. وهذا النظرُ قد يختلف فيه المجتهدان» (١).
وهذا هفوة وزلة من العلَّامة المعلمي لا يجوزُ أن يُتابع عليها، وبيانُ ذلك من أوجه:
الوجه الأول: ذكر أن في مسالة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم قولين، وهذا خطأ مخالفٌ لإجماع أهل السنة - كما تقدم بيانه - (٢).
стр. 213
الوجه الثاني: نسبة جواز الخروج إلى المحقِّقين بالنظر إلى المصلحة لا تصحُّ، فلا أحسنَ تحقيقًا من السلف وأهل السنة؛ وهم مخالفون لهذا بإجماعهم - كما تقدم - (١).
الوجه الثالث: تقدم ردُّ القول بأن حكم الخروج يدور مع المصلحة.
الوجه الرابع: أنه أجمل ولم يُسمِّ هؤلاء المحققين، فلو سماهم لعرفَ حالهم، وقد يريد بذلك ابنَ حزم ومَن تأثر به، وتقدَّم ردُّ كلام ابن حزم (٢)، وليُعلَم أنه لا يُعتمد على ابن حزم في مسائل الاعتقاد إلَّا تَبعًا فيما وافقَ فيه أهلَ السنة؛ لأن عنده مخالفات عقدية (٣).
الوجه الخامس: لا يصحُّ بحالٍ الاستدلالُ بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها عامة؛ والصبرُ على جَور الحاكم أدلة خاصة، وعليها إجماعُ أهل العلم - وقد تقدم بيان هذا - (٤).
وإن نسبة المعلِّمي القولَ بالخروج لأبي حنيفة فيه نظر؛ لأنه رجعَ عنه - كما تقدم - (٥)، ومَن رجعَ عن قولٍ لم يصحَّ نسبتُه إليه.
стр. 214
وللعلامة المعلِّمي كلام آخر في كتابه (العبادة) يخالفُ هذا؛ ففيه بيانُ حرمة الخروج مطلقًا لأنه مصاحبٌ لمفسدة أكبر؛ وأنَّ هذا قولُ أهل السنة فقال: «وهذا هو الذي يدلُّ عليه سياقُ تلك الأحاديث، وقد بيَّن في بعضِها أنَّ المراد الطاعة في غير معصية الله تعالى، وقد دلَّت على ذلك الآية السابقة، وبيَّن في بعضِ الأحاديث أنَّ الخروجَ على الأمير لا يجوز؛ إلَّا أن يكونَ كفرًا بواحًا، أو يترك الصلاة، ثم قال: وبالجملة فالنظر في هذه المسألة مبنيٌّ على الأصل الإسلامي المشهور، وهو أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يكن بدٌّ من ارتكاب إحداهما؛ وجبَ ارتكابُ الصغرى لدرء الكبرى.
ومن هنا يُعلم عذرُ أهلِ السنة بعد القرن الأول في حَظرِ الخروجِ على السلطان ما دام مسلمًا، فإن التجارب علَّمتهم أن نتيجة الخروج تكون أعظمَ فسادًا وشرًّا وضرًّا مما كان قبله» اهـ (١).
стр. 215
شبهات في أصل السمع والطاعة للحكام
الشبهة الرابعة والخمسون:
أن الداعين والمنادين لعقيدة السمع والطاعة للحكام في هذا الزمن هم غلاةُ الطاعة.
وكشف هذه الشبهة العاطفية من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ هذا كلامٌ مجمل لا يصحُّ التعويل عليه، إذ ما المرادُ بالغلوِّ في الطاعة؟ فهل السمعُ والطاعة في غير معصية الله يعدُّ غلوًّا في الطاعة؟
الوجه الثاني: أن الضابط في الغلوِّ والجفاء هو الشرعُ لا العواطفُ والحماسات، وما يدعو إليه أهل العلم من العلماء وطلاب العلم من أصل السَّمع والطاعة على منهج السلف ليس فيه غلوٌّ ولا جفاء، بل هو المنهج الرباني الذي جاء به النبي ﷺ ، كما تقدم ذِكرُ الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف على ذلك (١).
الشبهة الخامسة والخمسون:
أنه كما تحرُم إمامة قومٍ في الصلاة وهم كارهون، كذلك يحرُم تولِّي الإمامة والحكم على قومٍ وهم كارهون.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: على القول بصحة القياس؛ فإن المشهور في كتب المذاهب الأربعة أنَّ إمامة الصلاة لقومٍ كارهين مكروهٌ لا محرَّم، فإذا كان هذا حكم