قال الليث: «إني لأرجو أن يرفع الله مالكًا بكل ما سوَّد درجةً في الجنة».
وخالف هذا كلَّه ابنُ بكير، فقال: ما ضُرب إلَّا في تقديمه عثمان على علي؛ فسعى به الطالبيون حتى ضُرب.
قيل لابن بكير: «خالفتَ أصحابك؛ هم يقولون ضُرِب في البيعة».
قال: «أنا أعلم من أصحابي».
وقال أحمد بن صالح: «إنما ضُربَ مالك في الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه ثم رآه».
قال أبو داود: «ولم يصنع أحمد شيئًا».
وقال ابن كنانة: «ضُرب في أيمان السلطان أنها لا تلزم، وفي دفع الصدقات إليهم» (١).
إذا تبين هذا فلا يصحُّ الجزمُ بأن مالكًا أفتى بهذا الخروج لأنه لا يرى بيعة المكره، فلا دليلَ على ثبوت قولِ عدم بيعةِ المكره لمالكٍ وأنه سببُ ضربهِ؛ لأنه لا مستندَ صحيح لذلك، وقد تنازعَ الناسُ في سببِ ضربهِ؛ وأيًّا كان فمن المعلوم أنَّ مالكًا يقرُّ بالخلافة لأبي جعفر المنصور والهادي - كما تقدم - فلذا لا يصحُّ أن يرجعَ سببُ الضرب لما يتنافى مع إقراره بالخلافة.
стр. 212
الشبهة الثالثة والخمسون:
أن القول بالخروج على الحاكم قال به العلَّامة المعلمي إذ قال: «كان أبو حنيفة يستحبُّ أو يوجبُ الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمَن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين وتفريقٌ لكلمتهم وتشتيتٌ لجماعتهم وتمزيقٌ لوحدتهم وشَغلٌ لهم بقتلِ بعضهِم بعضًا، فتهن قوتهم وتَقوى شوكةُ عدوِّهم وتتعطَّل ثغورهم، فيستولي عليها عدوُّهم …
هذا والنصوصُ التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحقِّقون يَجمَعون بين ذلك بأنه إذا غلبَ على الظَّن أنَّ ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به جازَ الخروجُ وإلَّا فلا. وهذا النظرُ قد يختلف فيه المجتهدان» (١).
وهذا هفوة وزلة من العلَّامة المعلمي لا يجوزُ أن يُتابع عليها، وبيانُ ذلك من أوجه:
الوجه الأول: ذكر أن في مسالة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم قولين، وهذا خطأ مخالفٌ لإجماع أهل السنة - كما تقدم بيانه - (٢).
стр. 213
الوجه الثاني: نسبة جواز الخروج إلى المحقِّقين بالنظر إلى المصلحة لا تصحُّ، فلا أحسنَ تحقيقًا من السلف وأهل السنة؛ وهم مخالفون لهذا بإجماعهم - كما تقدم - (١).
الوجه الثالث: تقدم ردُّ القول بأن حكم الخروج يدور مع المصلحة.
الوجه الرابع: أنه أجمل ولم يُسمِّ هؤلاء المحققين، فلو سماهم لعرفَ حالهم، وقد يريد بذلك ابنَ حزم ومَن تأثر به، وتقدَّم ردُّ كلام ابن حزم (٢)، وليُعلَم أنه لا يُعتمد على ابن حزم في مسائل الاعتقاد إلَّا تَبعًا فيما وافقَ فيه أهلَ السنة؛ لأن عنده مخالفات عقدية (٣).
الوجه الخامس: لا يصحُّ بحالٍ الاستدلالُ بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها عامة؛ والصبرُ على جَور الحاكم أدلة خاصة، وعليها إجماعُ أهل العلم - وقد تقدم بيان هذا - (٤).
وإن نسبة المعلِّمي القولَ بالخروج لأبي حنيفة فيه نظر؛ لأنه رجعَ عنه - كما تقدم - (٥)، ومَن رجعَ عن قولٍ لم يصحَّ نسبتُه إليه.
стр. 214
وللعلامة المعلِّمي كلام آخر في كتابه (العبادة) يخالفُ هذا؛ ففيه بيانُ حرمة الخروج مطلقًا لأنه مصاحبٌ لمفسدة أكبر؛ وأنَّ هذا قولُ أهل السنة فقال: «وهذا هو الذي يدلُّ عليه سياقُ تلك الأحاديث، وقد بيَّن في بعضِها أنَّ المراد الطاعة في غير معصية الله تعالى، وقد دلَّت على ذلك الآية السابقة، وبيَّن في بعضِ الأحاديث أنَّ الخروجَ على الأمير لا يجوز؛ إلَّا أن يكونَ كفرًا بواحًا، أو يترك الصلاة، ثم قال: وبالجملة فالنظر في هذه المسألة مبنيٌّ على الأصل الإسلامي المشهور، وهو أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يكن بدٌّ من ارتكاب إحداهما؛ وجبَ ارتكابُ الصغرى لدرء الكبرى.
ومن هنا يُعلم عذرُ أهلِ السنة بعد القرن الأول في حَظرِ الخروجِ على السلطان ما دام مسلمًا، فإن التجارب علَّمتهم أن نتيجة الخروج تكون أعظمَ فسادًا وشرًّا وضرًّا مما كان قبله» اهـ (١).
стр. 215
شبهات في أصل السمع والطاعة للحكام
الشبهة الرابعة والخمسون:
أن الداعين والمنادين لعقيدة السمع والطاعة للحكام في هذا الزمن هم غلاةُ الطاعة.
وكشف هذه الشبهة العاطفية من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ هذا كلامٌ مجمل لا يصحُّ التعويل عليه، إذ ما المرادُ بالغلوِّ في الطاعة؟ فهل السمعُ والطاعة في غير معصية الله يعدُّ غلوًّا في الطاعة؟
الوجه الثاني: أن الضابط في الغلوِّ والجفاء هو الشرعُ لا العواطفُ والحماسات، وما يدعو إليه أهل العلم من العلماء وطلاب العلم من أصل السَّمع والطاعة على منهج السلف ليس فيه غلوٌّ ولا جفاء، بل هو المنهج الرباني الذي جاء به النبي ﷺ ، كما تقدم ذِكرُ الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف على ذلك (١).
الشبهة الخامسة والخمسون:
أنه كما تحرُم إمامة قومٍ في الصلاة وهم كارهون، كذلك يحرُم تولِّي الإمامة والحكم على قومٍ وهم كارهون.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: على القول بصحة القياس؛ فإن المشهور في كتب المذاهب الأربعة أنَّ إمامة الصلاة لقومٍ كارهين مكروهٌ لا محرَّم، فإذا كان هذا حكم
стр. 216
الأصل فالفرعُ - وهي الإمامة العامة - من باب أولى؛ أن تكون مكروهةً لا محرمة.
الوجه الثاني: أن هذا القياس قياسٌ فاسد، وذلك أنَّ المعتبر في الإمامة العظمى اختيار أهل الحلِّ والعقد لا عامَّةِ الناس، وهذا بخلافِ الصلاة، فالمعتبر المصلُّون خلفَهُ أيًّا كانوا، فعلى هذا لا يصحُّ القياس.
الوجه الثالث: أنه لو صحَّ هذا القياس تنزُّلًا، فإنه لا يصحُّ أن يظنَّ أنَّ تجاوبَ بعضِ العامة في كُرهِ حاكمٍ لأجل تحريض الثوريين أن هؤلاء العامة يكونون الأغلبية؛ بل هؤلاء قلَّة، وأكثرُ العامة على خلافهم.
الوجه الرابع: أنَّ المصلين الكارهين للصلاة خلف إمامٍ يجبُ عليهم عند ائتمامه بهم أن يتابعوه؛ وهكذا يقال في الحاكم المتغلب فإنه يجب السمع والطاعة له وإن كانوا كارهين.
الوجه الخامس: أنه لو تغلب رجلٌ على الحكم والناسُ كارهون له، فإنَّ حكمه صحيح بإجماع أهل السنة - كما تقدم - (١)، والواجبُ دعوة الناس للاجتماع عليه لا تحريضُهم، فإنَّ التحريضَ محرَّمٌ كما تقدم (٢).
وبعد معرفة بطلانِ هذا القياس، صدق التابعي الجليل محمد بن سيرين لما قال - فيما ثبت عنه -: أول مَنْ قاسَ إبليس، قال: خلقتَني من نارٍ وخلقتَهُ من طين، وإنما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس (٣).
стр. 217
الشبهة السادسة والخمسون:
أن الله قبل أن يأمر بطاعة أولي الأمر قدَّم ذلك ببيان الحقوق على ولاة الأمور فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
فدلَّ هذا على أنَّ وليَّ الأمر لا يُطاع حتى يقومَ بالحقوق التي عليه.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إنه لا شك أنَّ على ولي الأمر حقوقًا يجب عليه أن يأتي بها، وإن لم يأتِ بها فهو آثم، وكذلك على الرعية حقوق وإن لم يأتوا بها فهم آثمون، لكن ليس معنى عدم قيام الراعي والحاكم بحقوقه أنه لا يُسمع ولا يطاع له؛ لأنَّ غاية ما يقال: إنه آثم.
وقد دلَّت الأدلة وإجماع أهل السنة أنَّ الحاكم الظالم الفاسق يجبُ السمعُ والطاعة له في غير معصية الله، ويجب أن يُعتقد في الأعناق بيعة له. فإنَّ الأدلة الشرعية يفسِّر بعضُها بعضًا ويُردُّ ما اشتبه منها لما أحكم.
الشبهة السابعة والخمسون:
أنه من الخطأ أن يستمر الملكُ والرئيسُ ملكًا ورئيسًا، بل المفترضُ أن يكون هناك تداولٌ في السلطة، وألَّا يستمر الملكُ ملكًا والرئيسُ رئيسًا حتى الممات.
стр. 218
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس لهذا الاستحسان مستندٌ شرعي، بل هو مخالفٌ للشرع، وهذا يتبين بالوجه الثاني.
الوجه الثاني: درجَ الخلفاء الراشدون ثم ملوك الإسلام، وفي مقدمهم أفضلُ ملوك الإسلام - بالإجماع - وخالُ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعن أمه وأبيه - على أنَّ الخلافة والملك مستمرةٌ حتى الممات، وليست تداوليةً كما هي الطريقة الغربية في هذه العصور المتأخرة.
والخيرُ كلُّ الخير في اتباع سبيل المؤمنين لا مشاقتهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
الشبهة الثامنة والخمسون:
أنه يفترض أن تكون الدول الإسلامية دولًا دستورية، وهي أن يكون الحاكم صوريًّا أو شبه صوري، ويديرُ الأمورَ في الدولة مجلسُ الشعب المنتخب.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن هذه الطريقة مخالفةٌ للطريقة الشرعية في الولاية والإمامة، بل هي طريقة غربية.
الوجه الثاني: أن هذه الطريقة قائمة على مبدأ الانتخابات، وتقدَّم بطلانُ الانتخابات من أوجه (١).
стр. 219
الوجه الثالث: أن الولاية والإمامة المبنية على الانتخابات سواءٌ للحاكم العام، أو لما يسمَّى بالمجلس التشريعي، أو مجلس الأمة، أو البرلمانات؛ نتيجتُها إضعافُ الدين الذي من أجله شُرعت الإمامة، وذلك أنه يلزم المجلس التشريعي أن يحقق رغباتٍ عامة الناس.
حتى ينتخب العضو في المرحلة القادمة، وما كان مبنيًّا على تحقيق رضا عامة الناس مؤدٍّ إلى إضعاف الدين؛ لأن أكثر الناس يتبعون أهواءهم وما تشتهيه نفوسُهم الأمَّارة بالسوء، وما كان كذلك فهو مؤدٍّ إلى مخالفة الشريعة؛ لأن الشريعة تصادم أهواء الناس.
قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].
الشبهة التاسعة والخمسون:
أنهم يريدون دولةً مدنية لا دولة دينية؛ لأن الدولة الدينية تعني تعطيل الحياة
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن هناك فرقًا بين الدولة الدينية على المبدأ النصراني، والدولة
стр. 220
الدينية على مبدأ المسلمين؛ فإن الدولة الدينية على مبدأ النصرانية تعني تعطيلَ الحياة، وإقصاءَ التطور والتقدم والحضارة، وقد قامت بهذا أوروبا في القرون الوسطى؛ مما جعلَ الشعب الأوروبي يحاربُ الدين ويفزع إلى العَلْمَنة التي حقيقتُها فصلُ الدين عن الحياة.
وهذا خلافُ الدولة الدينية عند المسلمين، فإنها لا تحارب التقدم والتطور ما لم تخالف شيئًا من شرع الله؛ لذا لا تحتاج أن تحارب الدولة بالمعنى الديني كما يحاربه النصارى.
الوجه الثاني: أنَّ المسلم إذا نادى بالدولة المدنية دون الدينية فسيفهم كثيرون أنه يحاربها لأنها قائمة بتعاليم الإسلام وقد حكمته في شؤون الحياة، فهو في حقيقة حاله قد وضع يده مع العلمانيين والليبراليين الذين ينادون بعزل الدين الإسلامي عن الحياة والدولة؛ لذا من الخطأ أن ينادي مسلمٌ بالدولة المدنية ويزداد الخطأ حقًّا إذا كان المنادى بهذا محسوبًا على الخير والتدين.
وبعد هذين الجوابين على هذه الشبهة، فإن للدولة الدينية الإسلامية سماتٍ أذكرُ أهمها:
السمة الأولى: أنها لا تقدم شيئًا على شرع الله، فالدولة محكومة بكتاب الله وشرعه؛ لذا تحكم بما أنزل الله فيما يتعلق بالراعي والرعية، والتعامل مع الآخرين من الدول الكافرة، ولا ينتقل عن هذا إلا لمصلحة راجحة في حدود ما جوَّزتُه الشريعة بقواعدَ وضوابطَ يعرفُها أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل واجبٌ على كل أحد إذا تبين له حكمُ الله ورسوله في أمرٍ أن لا يعدل ولا يتَّبع أحدًا في مخالفة حكم الله ورسوله، فإنَّ الله
стр. 221
فرضَ طاعة رسوله ﷺ على كلِّ أحدٍ في كلِّ حال، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقد صنَّف الإمام أحمد كتابًا في طاعة الرسول ﷺ وهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين. فطاعةُ الله ورسوله، وتحليلُ ما أحلَّه الله ورسوله، وتحريمُ ما حرَّمه الله ورسوله، وإيجابُ ما أوجبه الله ورسوله واجبٌ على جميع الثقلَين الإنس والجن؛ واجبٌ على كلِّ أحدٍ في كلِّ حال سرًّا وعلانية» (١).
وقال الإمام ابن القيم:
«وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فأقسمَ سبحانه بنفسه أنَّا لا نؤمنُ حتى نحكِّم رسوله في جميع ما شجَر بيننا، وتتسع صدورُنا بحكمه، فلا يبقى منها حرَجٌ، ونسلِّم لحكمه تسليمًا، فلا نعارضُه بعقلٍ ولا رأي ولا هوى ولا غيره، فقد أقسمَ الربُّ سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدِّمون العقل على ما جاء به الرسول؛ وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه، وإن آمنوا بلفظه، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
стр. 222
وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ حكم جميع ما تنازعنا فيه مردودٌ إلى الله وحدَه، وهو الحاكمُ فيه على لسان رسوله، فلو قُدِّم حكمُ العقل على حُكمهِ لم يكن هو الحاكمَ بكتابهِ، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]» (١).
السمة الثانية: الدولة الإسلامية والدينية تقدِّم العلم الشرعي وعلماءه؛ لأنهم مبلِّغون دين الله، لكن لا تراهم حجة، بل أقوالهم وأفعالهم يُحتجُّ لها لا بها، وغاية وظيفة العلماء البلاغ، أما التغيير والسلطة التنفيذية فهي بيد وليِّ الأمر المسلم.
والدولة مطالَبة بالرجوع إلى العلماء وسؤالهم عما جهلوا من شرع الله.
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقوة في الحكم بين الناس ترجعُ إلى العلم بالعدل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام» (٢).
السمة الثالثة: الحاكم والسلطان يُسمع ويُطاع له في غير معصية الله، وإذا أمرَ بمعصيةِ الله فلا تجوزُ طاعته في هذه المعصية، ويحفظ مقداره ومنزلته، ولا يجوز الخروجُ عليه ولا نزعهُ بما أنه مسلم ولو فسقَ وظلم، بل يُصبر على أذاه وظُلمهِ حتى يستريح برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر.
стр. 223
السمة الرابعة: لا تُعارض الدولة الدينية الإسلامية الحضارةَ والاختراعاتِ الحديثة، ما لم تخالف شرعَ الله، أو تُستعمل في معصية الله، فإنَّ الأصل فيها الحلُّ والإباحة.
قال الشيخ سليمان بن سحمان: «والساعة صنعة من الصناعات، التي تدرك بالحذق والفكرة، ليست من البدع، ولا من السحر؛ إذ البدع المذمومة ما كانت في القُرَب الشرعية، وأما العاداتُ والصناعات، فليست من قسيم البدع» (١).
قال الشيخ ابن باز: «أما الأمور الأخرى التي لا تعلُّق لها بالعبادات ولا بأمر الجاهلية، فالأصلُ فيها الحلُّ إلا ما حرَّمه الشرع، كأنواع المآكل والمشارب والصناعات ونحو ذلك؛ لأن الناس أعلَمُ بأمور دنياهم. ويُستثنى من ذلك ما حرَّمه الله ورسوله كلُبسِ الذهب والحرير للذكور، وكتشبُّه الرجالِ بالنساء ونحو ذلك مما نصَّ الشرعُ على النهي عنه فهو مستثنًى من هذه القاعدة» (٢).
السمة الخامسة: الدولة الدينية الإسلامية تحفظُ للكفار حقوقهم سواءٌ كانوا ذمِّيين أو معاهدين أو مستأمنين، فلا تسمحُ بظُلمهم ولا قتلهم بلا حقٍّ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قتلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة» (٣)، والمراد بالمعاهد في لفظ الشرع من ليس حَربيًّا.
وفي مقابل هذا لا تسمح لهم في نشر كفرهم، والدعوة إلى عقائدهم الكفرية؛ لأن هذا من المنكر الذي يجبُ إنكاره ومنعه.
стр. 224
السمة السادسة: الدولة الإسلامية لا تمانع من التعامل مع الكفار وعقد العهود والمواثيق وتبادل التجارة، وتعاملُهم مع الكفار يختلفُ من حيث الجملة بين حال القوة والضعف.
قالت عائشة ﵂: «توفي رسول الله ﷺ ودرعهُ مرهونةٌ عند يهودي بثلاثينَ صاعًا من شعير» (١).
وصالحَ النبي ﷺ كفار قريش في صلح الحديبية كما في الصحيحين (٢).
وقال الله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وقرَّر هذا الفقهاء منهم ابن قدامة في (المغني) (٣).
السمة السابعة: لا تقرُّ الدولة المسلمة الديمقراطية؛ لأنها مخالفة للشريعة (٤)، ولا تقرُّ الدولة المسلمة الخروجَ على حكام المسلمين والثورة عليهم، ولا نشرَ الباطل من الأفكار الإلحادية والبدعية والانحلالية باسم الحرية المنفلتة؛ لأن هذه منكرات، والحاكمُ قائد الدولة الإسلامية مأمورٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 225
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه ومقصوده الأكبر هو الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة، والأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن العشرة مع الأهل والجيران، ونحو ذلك.
فالواجبُ على وليِّ الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميعَ مَنْ يقدرُ على أمره، ويعاقبَ التاركَ بإجماع المسلمين، فإن كان التاركون طائفةً ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يُقاتَلون على ترك الزكاة والصيام وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرَّمات الظاهرة المجمَع عليها؛ كنكاحِ ذواتِ المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك، فكلُّ طائفةٍ ممتنعة عن التزام شريعةٍ من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادُها حتى يكونَ الدينُ كلُّه لله باتفاق العلماء … » (١).
هذه سماتُ الدولة الإسلامية - في الجملة - التي يريدُها الله ونحنُ مأمورون بها.
الشبهة الستون:
أن هناك فرقًا بين الحاكم المسلم السياسي، والحاكم المسلم الشرعي، فمَن تولَّى الحكمَ بالانتخابات، فإنَّ حكمَهُ قابلٌ للإزالة، فهو حاكمٌ سياسي وليست في أعناق الناس بيعةٌ له، بخلافِ الحاكم الشرعي فهو مَنْ تولَّى الحكمَ بالطرق الشرعية.
стр. 226
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن من أخذَ الحكم بالانتخابات فقد أخذَها بالغلَبة والقهر، لكن ليس بالسَّيف وإنَّما بالكثرة، فهو حاكمٌ متغلِّب يُسمع ويُطاع له؛ كالذي أخذَها بطريقةٍ شرعية - كما تقدَّم بيان هذا - (١).
الوجه الثاني: إنَّ الأدلة والإجماعات بيَّنت اعتقادَ البيعة في أعناقنا لمن تغلَّب، ولم تفرِّق بين طريقةٍ وطريقة، وكذلك لم تشترط أن يكون الحاكم مستمرًّا لا يجدَّد له، ومن ادَّعى هذا لَزِمهُ الدليلُ الشرعي، وإلَّا أصبحت دعوى بلا برهان فلا يُلتفت إليها.
الشبهة الحادية والستون:
أنَّ الصبر على أذى السلطان إذا كان شخصيًّا فلا يلزم بخلاف إذا كان جماعيًّا، واستدل بما أخرج عبد الرزاق (٢) أن معاوية أرسلَ إلى عاملٍ له أن يأخذَ الوَهْطَ فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبسَ سلاحهُ هو ومواليه وغِلْمَتهُ وقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتل دون مالهِ مظلومًا فهو شهيد».
فكتبَ الأميرُ إلى معاوية أن قد تيسَّر للقتال، وقال إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيد» فكتبَ معاوية: «أنْ خَلِّ بينهُ وبينَ ماله».
стр. 227
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن هذا القول مخالفٌ للأدلة الصريحة في أمر الفرد بالصبر على جَور الحاكم؛ قال عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «على المرءِ المسلم السمعُ والطاعة فيما أحبَّ وكرهَ إلَّا أن يؤمرَ بمعصيةِ الله، فإنه أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (١).
وقال أنس بن مالك، قال النبي ﷺ لأبي ذر: «اسمَعْ وأطِعْ ولو لحبشيٍّ كأن رأسَهُ زَبيبة» (٢).
الوجه الثاني: أن هذا القول مخالفٌ للأدلة العامة الآمرة - بالصبر على جَور الحاكم وظُلمه، ولم تفرِّق بين الفرد والجماعة - والتي أجمع عليها أهل السنة.
الوجه الثالث: أن هذا الأثر مخالفٌ لأثر عمر. قال سويد بن غفلة، قال:
«قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَع وأطِع وإنْ أُمِّرَ عليكَ عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع، إنْ ضربكَ فاصبر، وإنْ حرمكَ فاصبر، وإن أرادَ أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (٣).
والفاروقُ خليفة راشد، فقولُه مقدَّم على غيره؛ وهو صريحٌ في صبر الفرد على جَور الحاكم إذا أراد مَاله؛ فهو مبيِّن أن أحاديث الصبر على جَور الحاكم مخصوصةٌ بالسلطان.
стр. 228
تنبيه:
لما ضاق أهلُ البدع ذرعًا لأجل صراحة وكثرة نصوصِ السَّمع والطاعة، والصَّبر على جَور الحاكم أصبحوا في أمرٍ مريجٍ تجاهها؛ فمنهم مَنْ حملَها على الفرد دون الجماعة؛ وسيأتي كشفُ هذه الشبهة (١)، ومنهم من حملَها على الجماعة دون الفرد؛ وتقدَّم كشفُ هذه الشبهة (٢).
الشبهة الثانية والستون:
أنَّ الإمارة تسقط بمظلمة: فقد كتب عمر الفاروق إلى أهل الكوفة: «مَنْ ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي المغيرة بن شعبة فيقول: إمَّا أن تنصفَني من نفسكَ وإلَّا فلا إمرةَ لك علي».
وكشف هذه الشبهة بأن يقال:
هذا الأثر أخرجه الخلال بإسناد صحيح (٣)، ومعناه صحيح وهو أنه إذا ظَلمَ أميرُ على بلدة من بلدان المسلمين رجلًا؛ وهذا الأميرُ تحت إمرة الأمير العام، فإنه يقتصُّ منه مظلمته، فإنْ لم يقتصَّ له فيرجعُ إلى الأمير العامِّ ليقتصَّ له، وليس معناه أنه بالمظلمة المحقَّقة أو المتوهَّمة، أو المدَّعاة - ألَّا يكون أميرهُ الذي على بلدته أميرًا عليه، فيبقى المظلومُ أو المدَّعي للمظلمة بلا أمير في تلك البلدة!!.
стр. 229
لو كان كذلك لضاعَتْ مصالحُ الناس، ولادَّعى كلُّ أحدٍ من المفسدين أنه مظلوم، وإنما المرادُ أنه يأخذَ مظلمتهُ من الأمير العام.
ثم لو قُدِّر أن معناه أنه بمجرَّد المظلمة تسقط إمارة الأمير الخاص على بلدته، فإن هذه سياسة رآها الفاروق عمر وهي من حقِّه، فإنَّ الإمارة الخاصة تبعٌ للإمارة العامة، وللأمير العام حقٌّ في عزلِ الأمير الخاصِّ أو تضييق حدود إمارته، وليست هذه السياسة - على فرض التسليم بهذا المعنى - مُلزمةً لكلِّ أميرٍ عام، بل هي ترجع لما يراه الأمير العامُّ مصلحة، والله حسيبُه.
الشبهة الثالثة والستون:
حاول بعضُهم تضعيفَ حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإنْ جلَدَ ظهركَ وأخذَ مالكَ؛ فاسمَعْ وأطِع» (١)، رواية ودراية؛ أما الرواية فقد اعتمدوا على كلام الدارقطني في تضعيفه، وقد نقل النووي في شرحه على مسلم كلامَ الدارقطني وخالفه.
فقال النووي: «قال الدارقطني هذا عندي مرسل؛ لأنَّ أبا سلام لم يسمع من حذيفة؛ وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيحٌ متصلٌ بالطريق الأول، وإنما أتى مسلمٌ بهذا متابعةً كما ترى، وقد قدَّمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا روي من طريقٍ آخر متَّصلًا تبيَّنَّا به صحةَ المرسل وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان» (٢).
стр. 230
ولو كان البحث مع هؤلاء روايةً لكان الأمرُ سهلًا، لكن أن يضعِّفوهُ درايةً ومعنًى فهذا المستنكر.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: إذا كان الأمر راجعًا إلى التقليد فليس قولُ الدارقطني أَولى من قول مسلم في صحيحه، وتأييدِ النووي له؛ أمَّا إذا رجع إلى الحجَّة والبينة، فللباحث بحجَّته وبيِّنتهِ أن يأخذَ قولَ أحدهم بناءً على ما ظهرَ له، ولاسيَّما وله شاهد.
الوجه الثاني: أنَّ هذا الحديث لم يأتِ بشيء جديد، وإنما هو تفسيرٌ وتفصيل لما جاء في الأدلة من الصَّبر على جَور الحاكم، وقد تقدَّم ذِكرُها وأنَّ هذا مما أجمع عليه أهل السنة، والصَّبر على جَلْدهِ وأخذهِ للمال بغير حقٍّ تدلُّ عليه عمومُ الأدلة المتقدمة مع إجماع أهل السنة؛ فمعناهُ ثابتٌ بدون هذا الحديث، وعلى القول بضعفهِ فإنَّ الأدلة في الصبر على جَور الحاكم، وحُرمةِ الخروج عليه كثيرة.
الوجه الثالث: أنه بهذا التفصيل والتفسير قال عمر بن الخطاب فيما ثبت عنه: قال سويد بن غفلة، قال: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لَعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَعْ وأطِعْ وإنْ أُمِّر عليكَ عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبرْ، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أرادَ أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعةٌ، ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (١).
стр. 231
قال ابن المنذر: «والذي عليه أهلُ العلم أنَّ للرجل أن يدفَع عمَّا ذكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل إلَّا أنَّ كلَّ مَنْ يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناءِ السُّلطان؛ للآثارِ الواردةِ بالأمر بالصَّبر على جَوره وتركِ القيام عليه» (١)، نقله ابن حجر وأقرَّه (٢).
الشبهة الرابعة والستون:
حاول بعضُ الحركيين المعاصرين أن يحمل حديث: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإنْ جلَد ظهركَ وأخذَ مالكَ، فاسمَعْ وأَطِعْ» (٣) على الفرد بخلاف الجماعة، فإنَّ لهم أن لا يصبروا على ظُلمه.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: عموم الأدلة الأخرى في الصبر على جَور الحاكم، ولم تفرِّق بين فردٍ ولا جماعة، فمَن فرَّق فيلزمهُ الدليل، ولا دليل.
стр. 232
الوجه الثاني: أن أدلة كثيرة صرَّحت بصبر الجماعة على جَور الحاكم:
قال أنس: «إنكُم سترونَ بعدي أثَرةً شديدةً، فاصبروا حتَّى تلقوا الله ورسولَهُ ﷺ على الحوض» (١).
عن أُسيد بن حضير ﵁، أنَّ رجلًا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملُني كما استعملتَ فلانًا؟.
قال ﷺ : «ستلقونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقَوني على الحوض» (٢).
قال عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «إنكم سترونَ بعدي أثَرةً وأمورًا تُنكِرونها» قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكُم» (٣).
قال عبد الله بن زيد قال الرسول الله: «إنكم ستلقونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقَوني على الحوض» (٤).
الوجه الثالث: أنَّ هذا قولٌ منكرٌ لم يُسبقوا إليه؛ بل كلامُ السلف كثيرٌ في كتب الاعتقاد في الصبر على جَور الحاكم؛ ولم يفرِّقوا بين الفرد والجماعة، وقرَّروه إجماعًا من السلف. كما تقدم (٥).
стр. 233
الوجه الرابع: مما يؤكد خطأ هذا القول البدعي أنه ليس منضبطًا؛ فليس للجماعة ضابطٌ عندهم، فهل ضَربُ اثنين سببٌ لعدم الصبر أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة؟.
الشبهة الخامسة والستون:
أن الحاكم إذا ترك الشورى يُعزل.
قال ابن عطية في تفسيره: «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، مَنْ لا يستشيرُ أهلَ العلم والدين فعزلُه واجبٌ؛ هذا ما لا خلاف فيه» (١).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه مخالفٌ للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدَّم ذكرها - (٢).
ومنها: قال عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «إنكم سترونَ بعدي أثَرةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكُم» (٣).
قال عبد الله بن زيد قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستلقَونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» (٤).
стр. 234
الوجه الثاني: أنه مخالفٌ لإجماع أهلِ السنُّة ومعتقدهم - كما تقدَّم نقله - (١).
الوجه الثالث: هذا خطأ من ابن عطية، كما أخطأ في مسائل عقدية أخرى؛ لأنَّ الأدلة وإجماعَ السلف على أنَّ الحاكم لا يُعزَلُ لمعصية، فكيف بالشورى التي اختلف العلماء فيها ما بين الوجوب أو الاستحباب؟!.
فكما لم تُقبل تأويلاتُ ابن عطية للصِّفات لأنها مخالفة لعقيدة السلف، فكذلكَ لا يُقبل هذا منه (٢).
ثم إن هذا الخطأ قد استدركه ابن عرفة على ابن عطية فقال: قال ابن عطية: ومن لَا يستشير أهلَ العلم والدين فعزلُه واجبٌ بلا خلاف.
قال ابن عرفة: «هذا غيرُ صحيح، ولم أرَهُ لغيره، والمسألة مذكورةٌ في أصول الدين في باب الإمامة، وفي كتب الحديث، وفي الفقه، وذكروا فيها فعل الإمام، ما هو أشدُّ من ذلك لَا يجب عمَّن له بوجه» (٣).
стр. 235
الشبهة السادسة والستون:
أنه قد روي عن بعض السلف جوازُ غيبة الحاكم الظالم، فدلَّ هذا على جَواز الكلام في الحكَّام من ورائهم.
قال ابن عيينة: «ثلاثةٌ ليست لهم غيبة: الإمام الجائر، والفاسق المعلِنُ بفسقهِ، والمبتدعُ الذي يدعو الناس إلى بدعته» (١).
قال الحسن البصري: «ثلاثةٌ ليست لهم حُرمةٌ في الغيبة: فاسقٌ يعلنُ الفسقَ، والأميرُ الجائر، وصاحب البدعة المعلِنُ البدعة» (٢).
قال إبراهيم: قال: «ثلاثٌ كانوا لا يعدُّونهنَّ من الغيبة: الإمامُ الجائر، والمبتدع، والفاسقُ المجاهر بفسقه» (٣).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه لايسلَّم بصحة هذه الآثار لأنها ضعيفة.
الوجه الثاني: أنه إذا كان في الخروج على السلطان خلافٌ بين التابعين فالكلامُ فيه من باب أَولى، لكنْ لما انعقد الإجماعُ بعد التابعين على حُرمة الخروج على
стр. 236
السلطان الفاسق والظالم تبعَ ذلك حرمةُ الكلام فيه. إلَّا أنَّ هذا لا يصلحُ جوابًا على أثر ابن عيينة لأنه ليس من التابعين؛ ويكفي أنه ضعيف.
الوجه الثالث: أنَّ الصحابة نهوا عن الكلام في السلطان؛ وقولهم حجَّة على التابعين؛ كقول ابن عباس: «إنْ خشيتَ أن يقتُلكَ فلا، فإنْ كنتَ فاعلًا ففيما بينكَ وبينه، ولا تغتبْ إمامكَ» - وقد تقدم - (١).
وروى ابن أبي عاصم في كتاب السنة بسند جيد عن أنس بن مالك قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: «لا تسبُّوا أمراءَكُم، ولا تغشُّوهم، ولا تُبغضوهم، واتَّقوا الله واصبروا، فإنَّ الأمرَ قريب» (٢).
وقال عبد الله بن عكيم - وهو صحابي على قول - يقول: «لا أُعينُ على دَمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان». فقيل له: يا أبا معبد أو أَعنْتَ على دمهِ؟! فيقول: «أني أعدُّ ذكرَ مساويهِ عونًا على دمهِ» (٣)، وقد تقدَّمت هذه الآثار.
стр. 237
الفصل الثالث
استدراكات
على كتاب الإمامة العظمى
стр. 238
استدراكات
على كتاب الإمامة العظمى
إنَّ كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله الدميجي (١) - ردَّه الله لرشده -، من الكتب التي خالفت منهج أهل السنة في باب الإمامة، وقد اعتمد عليه كثيرٌ ممن عندهم خللٌ في هذا الباب فكتبوا كتبًا ومقالات، وممن اعتمد عليه في مقالاته الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف وسيأتي الردُّ عليه
- إن شاء الله -.
فبما أن الكتابَ مرجعٌ عند من ضلَّ في هذا الأصل كان من الواجب نقدُه، والردُّ عليه وسيكون هذا في عدة استدراكات:
الاستدراك الأول:
حاول أن يجعل خلافًا بين أهل العلم في تولِّي الحاكم بالغلبة فقال: «وهذا الطريقُ لم يُجمع المسلمونَ على اعتباره مما تنعقد الإمامة عن طريقه، بل هم فيه مذهبان:
الأول: قالوا لا تنعقدُ إمامته ولا تجبُ طاعته، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلَّا باستكمال الشروط؛ فكذا القهر. وذهب إلى هذا القول الخوارجُ والمعتزلة،
стр. 239
ووجهٌ لبعض الشافعية» (١).
وجوابُ كلامه أن يقال: إنَّ ثبوت الولاية بالتغلُّب دلَّت عليه الأدلة الشرعية، وفتاوى الصحابة والإجماع، وخلافُ أهل البدع لا يعتدُّ به، وكذلك بعضُ المتأخرين بعد إجماع الأولين، وإلَّا للزِمَ من هذا أن يُقال: إنَّ في إثبات أسماء الله وصفاته خلافًا؛ لأنه خالفَ بعضُ المتأخرين أو أهلُ البدع؛ وهذا باطل.
الاستدراك الثاني:
أوردَ أثرَ علي بن أبي طالب ﵁ قال: كلماتٌ أصابَ فيهنَّ الحق، قال: يحقُّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقُّ على الناس أن يسمعوا له ويُطيعوا ويُجيبوه إذا دعا (٢)، تقدَّم الجواب على هذا الأثر من بيان ضعفه وغير ذلك (٣).
الاستدراك الثالث:
قال: «وكذلك الحاكم إذا أمرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة له، وإنَّما على الأمة نصحُه وإرشاده، والسعي بكل وسيلةٍ إلى إرجاعه إلى الحقِّ، شريطة ألَّا يكون هناك مفسدةٌ أعظم من مصلحة تقويمهِ، وإلَّا فعلى الرعية الصبر حتى يقضي الله فيه بأمرهِ ويريحَهُم منه» (٤).
стр. 240
ومثله ما نقله الدميجي عن المودودي لما قال: «والتعاونُ معه في الخير والمعروف، ومنعهُ من إيقاع الخلل في نظامها، وبثِّ الفوضى في أرجائها، والتقاعسِ عن التضحية بالروح والمال والنفس في سبيل حمايتها، والحفاظ عليه» (١).
وجوابُ هذا أن يقال: إنَّ تقريره أن على الأمة السعي بكل وسيلةٍ إلى إرجاع الحاكم إلى الحق = خطأٌ قطعًا، ومخالفٌ للأدلة المتقدمة ولمنهج السلف في أنه تُسلك الطريقة الشرعية في نصحِ الحاكم؛ وهي النصحُ أمامه لا أن يكون الأمر بكلِّ وسيلة، فهذا مخالفٌ للأدلة وإجماع السلف - كما تقدم - (٢).
والنقل عن أبي الأعلى المودودي في هذا الأمر خطأ؛ لأنه ليس مرجعًا علميًّا، بل هو غالٍ في الخلافة والإمامة غلوًّا مخالفًا لمنهجِ أهل السنة.
الاستدراك الرابع:
نقل عن أبي الأعلى المودودي قوله: «وألزمَ الحكومة باتّباع القانون الأعلى والتزام الشورى» (٣).
وهذا خطأ أيضًا؛ لأن الشورى ليست إلزامية؛ لعدم وجود الدليل الدالِّ على هذا، ولم أرَ أحدًا من العلماء المعتبَرين ذهب إلى إلزام الحاكم بما يُشير به المسلمون.
стр. 241
قال الشيخ ابن عثيمين: «قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، هل إذا صدر من المستشارين أمرٌ هل هو مُلزِمٌ أو كاشف للرأي؟ الجواب: أنه كاشف للرأي، وليس بمُلزِم؛ لأنه لو كان مُلزمًا لكانَ الحكم بأيدي جماعة، والحكم بيدِ واحد، لكن يجبُ على المستشير أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصرَ لرأيهِ لأنه رأيهُ، بل الواجب عليه - لحقِّ الله ولحقِّ من ولَّاهم الله عليه - أن يتبع ما هو أصلَحُ حتى لو خالفوه، والأصلح في رأيهم يجبُ عليه أن يتَّبع رأيهم، لكنه ليس بمُلزِم. بمعنى أننا لا نقول: إنَّ هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، بل الحاكم له السلطة، ولهذا قال هنا:
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، ولم يقل: إذا أشاروا عليكَ فخُذْ به إذا عزمت، وهو قد يعزمُ على ما أشاروا به، وقد يعزم على غيره» (١).
الاستدراك الخامس:
قال الدكتور الدميجي: «فيؤخَذُ من هذا أن طاعة المخلوقين جميعهم: حاكمهِم ومحكوميهم مقيَّدة بأن تكون بالمعروف، والمعروفُ هو ما عُرفَ من الشارع والعقل السليم حسَنُه أمرًا كان أو نهيًا، والحكَمُ في ذلك هم العلماء الذين يستنبطون الحكم من الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
إذا لم يكن الإمام عالمًا - مع أنه من شروطه - وكما شملت الآية السابقة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ العلماء أيضًا، ولأننا أُمرنا عند التنازع بالتَّحاكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، وهذا ما يحملُه علماءُ الشرع ويتعلَّمونه
стр. 242
ويعلمونه، لذلك كلِّه تكون طاعة الحكام تبعًا لطاعة العلماء؛ وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «والتحقيقُ أنَّ الأمراء إنَّما يُطاعون إذا أَمروا بمقتضى العلم، فطاعتهُم تبعٌ لطاعة العلماء، فإنَّ الطاعة إنما تكونُ في المعروف وما أوجبه العلم» (١).
في كلامه هذا أنه ليس المراد بالمعروف في حديث «إنَّما الطاعة في المعروف» ما لم يكن معصية، بل ما كان معروفًا بالشرع والحس والعقل، وتقدَّم (٢) بالأدلة وإجماعات أهل العلم أنَّ المراد بالمعروف ما لم يكن معصية. وكلامُ ابن القيم الذي نقله حقٌّ؛ لأنه بيانُ أن طاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء حتى لا يأمر الأمراء بمعصية؛ فقوله: إنَّ طاعة الأمراء تبعٌ للعلماء = أي لا يصحُّ للأمير ينفردَ عن العلماء، بل لابد أن يكون أمرهُ بمقتضى العلم لئلَّا يأمر بمعصية.
وليس معنى هذا أن الأمير لا يأمر بشيء مما يراه مصلحة حتى يأذن العلماء، وإنما المراد أنه إذا أمر لا يأمر بمعصية؛ ومعرفةُ ذلك بالعلم الشرعي؛ إمَّا بالأدلة الشرعية أو بالرجوع إلى أهل العلم.
الاستدراك السادس:
قال: «فهذا الحديث قيَّد الطاعة للإمام الذي يقود بكتاب الله، وبناءً على ذلك، فلا تجوزُ طاعةُ حاكمٍ يحكم بغير ما أنزل الله في حكمه هذا، سواءٌ كان هذا الحكمُ مخرجًا له من الملَّة أولا - كما سبق بيانه - لأنه في كلتا الحالتين عاصٍ لا يأمرُ بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣).
стр. 243
وقال: «وهذا السبب أيضًا كالذي قبله تستوي فيه الصور من الحكم بغير ما أنزل الله المخرجة لفاعلها من الإسلام، وكذلك الصور التي لا تخرجه من الملة، وقد سبقَ بحثُ هذه الصور وتفنيدها».
ثم قال: «فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يُشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيَّته بكتاب الله، أمَّا إذا لم يحكِّم فيهم شرعَ الله فهذا لا سمعَ له ولا طاعة، وهذا يقتضي عزلَهُ، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسِّقة، أما المكفِّرة فهي توجِبُ عزلَهُ ولو بالمقاتلة كما سبق بيانه في السبب الأول؛ والله أعلم» (١).
تقدم بيان معنى الحديث (٢) الذي ذكر طاعة الحاكم مقيَّدة بالحكم بما أنزل الله؛ كقول أم الحصين أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنْ أُمِّر عليكم عبدٌ مجدَّع يقودُكم بكتاب الله، فاسمَعوا له وأطيعوا» (٣)، وأنه لا دلالة فيه على ما أراد.
ثم مقتضى كلامه الأول: أنَّ كلَّ عاصٍ لا يُسمع ولا يُطاع له؛ لأنه لا يأمرُ بالمعروف، وهذا يحتمل أحد أمرين:
الاحتمال الأول: أنَّ كل عاصٍ لا يُسمع ولا يُطاع له؛ وهذا عَينُ قول الخوارج.
الاحتمال الثاني: أنَّ كلَّ عاصٍ لا يأمر إلَّا بمعصية، وهذا يُخالفه الشرع والعقل والواقع.
стр. 244
أما الشرع فقد قال عوف بن مالك قال رسول الله ﷺ : «ألَا مَنْ وليَ عليهِ والٍ فرآهُ يأتي شيئًا من معصيةِ الله فليكْرَه ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (١)، فجمع في هذا الحديث بين كون الحاكم عاصيًا ووجوبَ السمع والطاعة له، فهذا يدلُّ على أنه لا يلزم أن يأمر بالمعصية دائمًا، أما العقل فليس هناك دليلٌ عقلي يدلُّ على التلازم بين أن يكون الرجل عاصيًّا ولا يأمر إلا بمعصية، أما الواقع فنرى كثيرًا من العصاة يأمرون بطاعة الله.
تنبيه:
ذكر الدكتور عبد الله الدميجي حديث أنس فقال: «ومنها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اسمَعوا وأطيعوا وإن استُعمِلَ عليكُم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسَهُ زبيبة، ما أقامَ فيكُم كتابَ الله» (٢)، ثم قال في الحاشية: «رواه البخاري في ك: الأحكام. ب: السمع والطاعة للإمام ما لم يأمر بمعصية».
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «ما أقامَ فيكُم كتابَ الله» وهذا ليس موجودًا في البخاري، والعجيبُ أنه عزاهُ برقمه إلى المرجع، وليس موجودًا فيه، على أنَّ غيره قد عزاهُ إلى البخاري؛ كابن الأثير في جامع الأصول، وابن حجر في التلخيص الحبير، وأؤكِّد أن العجيبَ في عزوهِ بالرقم وليس موجودًا في البخاري؛ وعَزْوهُ بالرقم يُوهِمُ أنه وقفَ عليه بنصِّه.
стр. 245
الاستدراك السابع:
قال الدكتور: «لذلك فَمن أطاعَ العلماءَ والأمراءَ فيما فيه معصيةٌ لله فقد اتَّخذهم أربابًا من دون الله، وهذا شركٌ وعبادة لهم من دون الله»، ثم قال: «والطاعة في المعصية طاعةٌ للطاغوت، وقد أُمِرنا بالكُفر به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطاعُ في معصية الله والمطاعُ في اتِّباع غير الهدى ودين الحق سواءٌ كان مقبولًا خبرهُ المخالفُ لكتاب الله أو مطاعًا أمرهُ المخالفُ لأمرِ الله = هو طاغوت» (١).
وجواب هذا أن يقال: «إنَّ جعلَ كلِّ مَنْ أطاعَ غيرَ الله في معصيةٍ متَّخذًا له ربًّا من دونه سبحانه = خطأ قطعًا، وعلى هذا التأصيل لو أطاعَ الابنُ أباهُ في معصيةٍ يكفُر الابنُ ويكونُ الأبُ طاغوتًا»!!.
إن هذا التقرير من الدكتور شنيع، وكان من المتعيِّن عليه أن يردَّ كلام شيخ الإسلام هذا المجمل إلى كلامه الآخر المفصل الذي قسَّم المطيع لغيره في معصية الله قسمين:
القسم الأول: طاعتهم مع اعتقاد إباحة المحرَّم أو تحريم المباح، فهذا كفرٌ وهو اتِّخاذُهم أربابًا من دون الله.
القسم الثاني: طاعتُهم مع غيرِ اعتقاد حُرمة المباح ولا إباحةِ المحرَّم؛ فهذا معصيةٌ وليس كفرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهؤلاء الذين اتَّخذوا أحبارَهُم ورهبانهم أربابًا، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّ الله = يكونون على
стр. 246
وجهين: (أحدهما): أن يعلموا أنهم بدَّلوا دينَ الله فيتَّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليلَ ما حرَّم الله وتحريمَ ما أحلَّ الله اتباعًا لرؤسائهم؛ مع عِلْمهِم أنهم خالفوا دينَ الرسل، فهذا كفرٌ.
وقد جعلَهُ الله ورسولُه شركا - وإن لم يكونوا يصلُّون لهم ويسجدون لهم - فكان مَنْ اتَّبع غيره في خلافِ الدين مع عِلْمهِ أنه خلافُ الدين، واعتقدَ ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله = مشركًا مثل هؤلاء.
و (الثاني): أن يكون اعتقادهُم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله؛ كما يفعل المسلم ما يفعلُه من المعاصي التي يعتقدُ أنها معاصٍ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّما الطاعة في المعروف» (١)، وقال: «على المسلمِ السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كَرِهَ ما لم يؤمَر بمعصية» (٢)» (٣).
وتأمل أنَّ شيخ الإسلام ضربَ مثلًا بما نحن بصددهِ وهو طاعةُ الحكَّام في معصية الله.
الاستدراك الثامن:
قال الدكتور: «ومع تقرير هذا يجب أن نُنَبِّه إلى أنه ليس متَّفقًا على وجوب الصبر على الأذى الشخصي عند السلف، فقد خالفَ في ذلك ناسٌ منذ عصر الصحابة ﵃، عملًا بأدلة أخرى مثل:
стр. 247
١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
٢ - حديث: «من قُتِلَ دون مالهِ فهو شهيد» (١).
وقد سبق كشفُ هذه الشبهة من أوجه (٢)، والجوابُ على أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (٢).
وقد سبقه لعزوه لعبد الله بن عمرو بن العاص ابنُ حزم فقال:
«وهكذا إذا أريد بظلمٍ فمنع من نفسه - سواء أراده الإمام أو غيره - وهذا مكانٌ اختلفَ الناس فيه: فقالت طائفة: إنَّ السلطان في هذا بخلافِ غيره، ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلمًا.
كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني أنَّ رجالًا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمانَ كذا وكذا، لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون مَنْ لقوا؟.
فقال ابن سيرين: ما علمتُ أنَّ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا، ولا من قتلِ مَنْ أراد مالَكَ إلَّا السلطان، فإنَّ للسلطان لَحقًّا».
وخالفهم آخرون فقالوا: السلطانُ وغيره سواء، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عاملٍ له أن يأخذ الوَهْطَ فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، فلبس سلاحَه هو ومواليه وغِلْمته، وقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ - مظلومًا - فهو شهيد».
стр. 248
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار، قال: إنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص تيسَّر للقتال دون الوَهْط، ثم قال: مالي لا أقاتلُ دونه وقد سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيد».
قال ابن جريج: «وأخبرني سليمان الأحول أنَّ ثابتًا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره، قال: لما كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان وتيسَّروا للقتال ركبَ خالد بن العاص - هو ابن هشام بن المغيرة المخزومي - إلى عبد الله بن عمرو فوعَظَهُ، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أمَا علمتَ أنَّ رسولَ الله ﵌ قال: «مَنْ قُتلَ على مالهِ فهو شهيد».
قال أبو محمد ﵀: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقيَّة الصحابة، وبحَضرة سائرهم ﵃ يريدُ قتال عنبسة بن أبي سفيان عاملَ أخيهِ معاوية أمير المؤمنين إذ أمرَهُ بقبض «الوَهْط» ورأى عبدُ الله بن عمرو أنَّ أخْذَهُ منه غيرُ واجب، وما كان معاوية ﵀ ليأخذَ ظلمًا صراحًا، لكن أرادَ ذلك بوجهٍ تأوَّله بلا شكّ، ورأى عبدُ الله بن عمرو أن ذلك ليس بحقٍّ، ولبسَ السلاح للقتال، ولا مخالفَ له في ذلك من الصحابة ﵃» (١).
الاستدراك التاسع:
نقل الدكتور عن النووي كلامًا بتَرهُ ولم يُكمله، وبسبب بترهِ دلَّ كلامُ النووي أنه يرى عزلَ الحاكم الذي عنده معصية محقَّقة.
стр. 249
قال الدكتور عبدالله الدميجي: «وقال النووي: «المرادُ بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلَمونه من قواعد الإسلام» (١).
وإذا أُكملَ النقل عن النووي تبيَّن بترُ الدكتور الدميجي.
قال النووي في شرح مسلم: «إلَّا أن تروا منهُم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتُم ذلك، فأنكِروهُ عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين، وإنْ كانوا فسَقةً ظالمين.
وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزلُ السُّلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعضِ أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلَطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع» (٢).
قارِنْ كلامَ النووي قبلَ إكماله لما كان مبتورًا بكلامهِ كاملًا بلا بتر. فإنه بعدَ إكمالهِ تبيَّن أنه يتكلَّم عن إنكار المنكر لا الخروج.
الاستدراك العاشر:
نقل الدكتور قول القاضي عياض، ولم يستدركه مع أنه خطأ عقدي (٣).
قال الدكتور: «قال القاضي عياض: «أجمعَ العلماء على أنَّ الإمامة لا تنعقدُ لكافر، وعلى أنه لو طرأَ عليه كُفرٌ وتغييرٌ للشرع أو بدعةٌ = خرجَ عن حكم الولاية وسقطتْ طاعته، ووجبَ على المسلمين القيامُ عليه وخلعهُ ونصبُ إمامٍ عادلٍ إن
стр. 250
أمكَنهُم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلَّا لطائفةٍ وجبَ عليهم القيامُ بخَلْع الكافر»، ثم قال: «وقد سبقَ ذِكرُ كلامِ القاضي عياض وادِّعاؤه إجماعَ العلماء على عزلِ الإمام «لو ترك إقامةَ الصلاة والدعوة إليها».
تقدَّم أنَّ هذا الكلام - وهو القول بأنه لا تستمر الولاية لمن يقع في بدعة - مخالفٌ للأدلة وإجماعِ أهل السُّنة (١)، وكان الواجب أن يردَّه ويبيِّن مخالفته لإجماع أهل السنة.
وتُعتبر هذه المسألة من شواذِّ القاضي عياض؛ كتأويلهِ بعضَ الصفات كصفة الضحك (٢)، وصفةِ النزول لله (٣)، وصفةِ العجب لله (٤)، وصفة اليد (٥)، وصفة الدنو (٦).
الاستدراك الحادي عشر:
نقل الدكتور خطأ عقديًّا عند السفاقسي، والمرادُ به ابن التين؛ فقال الدميجي: «وقال السفاقسي: «أجمعوا على أن الخليفة إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ يُثار عليه» (٧) ولم يتعقَّبه، بل ولم يُكمل النقلَ الذي فيه تعقيبُ القسطلاني عليه، فإن الدميجي