وجهين: (أحدهما): أن يعلموا أنهم بدَّلوا دينَ الله فيتَّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليلَ ما حرَّم الله وتحريمَ ما أحلَّ الله اتباعًا لرؤسائهم؛ مع عِلْمهِم أنهم خالفوا دينَ الرسل، فهذا كفرٌ.
وقد جعلَهُ الله ورسولُه شركا - وإن لم يكونوا يصلُّون لهم ويسجدون لهم - فكان مَنْ اتَّبع غيره في خلافِ الدين مع عِلْمهِ أنه خلافُ الدين، واعتقدَ ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله = مشركًا مثل هؤلاء.
و (الثاني): أن يكون اعتقادهُم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله؛ كما يفعل المسلم ما يفعلُه من المعاصي التي يعتقدُ أنها معاصٍ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّما الطاعة في المعروف» (١)، وقال: «على المسلمِ السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كَرِهَ ما لم يؤمَر بمعصية» (٢)» (٣).
وتأمل أنَّ شيخ الإسلام ضربَ مثلًا بما نحن بصددهِ وهو طاعةُ الحكَّام في معصية الله.
الاستدراك الثامن:
قال الدكتور: «ومع تقرير هذا يجب أن نُنَبِّه إلى أنه ليس متَّفقًا على وجوب الصبر على الأذى الشخصي عند السلف، فقد خالفَ في ذلك ناسٌ منذ عصر الصحابة ﵃، عملًا بأدلة أخرى مثل:
стр. 247
١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
٢ - حديث: «من قُتِلَ دون مالهِ فهو شهيد» (١).
وقد سبق كشفُ هذه الشبهة من أوجه (٢)، والجوابُ على أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (٢).
وقد سبقه لعزوه لعبد الله بن عمرو بن العاص ابنُ حزم فقال:
«وهكذا إذا أريد بظلمٍ فمنع من نفسه - سواء أراده الإمام أو غيره - وهذا مكانٌ اختلفَ الناس فيه: فقالت طائفة: إنَّ السلطان في هذا بخلافِ غيره، ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلمًا.
كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني أنَّ رجالًا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمانَ كذا وكذا، لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون مَنْ لقوا؟.
فقال ابن سيرين: ما علمتُ أنَّ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا، ولا من قتلِ مَنْ أراد مالَكَ إلَّا السلطان، فإنَّ للسلطان لَحقًّا».
وخالفهم آخرون فقالوا: السلطانُ وغيره سواء، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عاملٍ له أن يأخذ الوَهْطَ فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، فلبس سلاحَه هو ومواليه وغِلْمته، وقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ - مظلومًا - فهو شهيد».
стр. 248
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار، قال: إنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص تيسَّر للقتال دون الوَهْط، ثم قال: مالي لا أقاتلُ دونه وقد سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيد».
قال ابن جريج: «وأخبرني سليمان الأحول أنَّ ثابتًا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره، قال: لما كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان وتيسَّروا للقتال ركبَ خالد بن العاص - هو ابن هشام بن المغيرة المخزومي - إلى عبد الله بن عمرو فوعَظَهُ، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أمَا علمتَ أنَّ رسولَ الله ﵌ قال: «مَنْ قُتلَ على مالهِ فهو شهيد».
قال أبو محمد ﵀: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقيَّة الصحابة، وبحَضرة سائرهم ﵃ يريدُ قتال عنبسة بن أبي سفيان عاملَ أخيهِ معاوية أمير المؤمنين إذ أمرَهُ بقبض «الوَهْط» ورأى عبدُ الله بن عمرو أنَّ أخْذَهُ منه غيرُ واجب، وما كان معاوية ﵀ ليأخذَ ظلمًا صراحًا، لكن أرادَ ذلك بوجهٍ تأوَّله بلا شكّ، ورأى عبدُ الله بن عمرو أن ذلك ليس بحقٍّ، ولبسَ السلاح للقتال، ولا مخالفَ له في ذلك من الصحابة ﵃» (١).
الاستدراك التاسع:
نقل الدكتور عن النووي كلامًا بتَرهُ ولم يُكمله، وبسبب بترهِ دلَّ كلامُ النووي أنه يرى عزلَ الحاكم الذي عنده معصية محقَّقة.
стр. 249
قال الدكتور عبدالله الدميجي: «وقال النووي: «المرادُ بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلَمونه من قواعد الإسلام» (١).
وإذا أُكملَ النقل عن النووي تبيَّن بترُ الدكتور الدميجي.
قال النووي في شرح مسلم: «إلَّا أن تروا منهُم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتُم ذلك، فأنكِروهُ عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين، وإنْ كانوا فسَقةً ظالمين.
وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزلُ السُّلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعضِ أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلَطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع» (٢).
قارِنْ كلامَ النووي قبلَ إكماله لما كان مبتورًا بكلامهِ كاملًا بلا بتر. فإنه بعدَ إكمالهِ تبيَّن أنه يتكلَّم عن إنكار المنكر لا الخروج.
الاستدراك العاشر:
نقل الدكتور قول القاضي عياض، ولم يستدركه مع أنه خطأ عقدي (٣).
قال الدكتور: «قال القاضي عياض: «أجمعَ العلماء على أنَّ الإمامة لا تنعقدُ لكافر، وعلى أنه لو طرأَ عليه كُفرٌ وتغييرٌ للشرع أو بدعةٌ = خرجَ عن حكم الولاية وسقطتْ طاعته، ووجبَ على المسلمين القيامُ عليه وخلعهُ ونصبُ إمامٍ عادلٍ إن
стр. 250
أمكَنهُم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلَّا لطائفةٍ وجبَ عليهم القيامُ بخَلْع الكافر»، ثم قال: «وقد سبقَ ذِكرُ كلامِ القاضي عياض وادِّعاؤه إجماعَ العلماء على عزلِ الإمام «لو ترك إقامةَ الصلاة والدعوة إليها».
تقدَّم أنَّ هذا الكلام - وهو القول بأنه لا تستمر الولاية لمن يقع في بدعة - مخالفٌ للأدلة وإجماعِ أهل السُّنة (١)، وكان الواجب أن يردَّه ويبيِّن مخالفته لإجماع أهل السنة.
وتُعتبر هذه المسألة من شواذِّ القاضي عياض؛ كتأويلهِ بعضَ الصفات كصفة الضحك (٢)، وصفةِ النزول لله (٣)، وصفةِ العجب لله (٤)، وصفة اليد (٥)، وصفة الدنو (٦).
الاستدراك الحادي عشر:
نقل الدكتور خطأ عقديًّا عند السفاقسي، والمرادُ به ابن التين؛ فقال الدميجي: «وقال السفاقسي: «أجمعوا على أن الخليفة إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ يُثار عليه» (٧) ولم يتعقَّبه، بل ولم يُكمل النقلَ الذي فيه تعقيبُ القسطلاني عليه، فإن الدميجي
стр. 251
نقل كلام السفاقسي ابنِ التين من القسطلاني، ولو أكملَ النقلَ لأوضح أن القسطلاني استدركَ عليه، وكان الواجب على الدميجي أن يتعقَّب ابنَ التين لأنَّ قوله مخالفٌ لإجماعِ أهل السنة وللأدلة المتواترة كما تقدم (١)، وهذا هو استدراكُ القسطلاني وقبلَهُ ابن حجر.
قال القسطلاني: «وقول السفاقسي: أجمعوا أن الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة يُقام عليه، تُعقِّبَ بأن المأمون والمعتصم والواثق كلٌّ منهم دعا إلى بدعةِ القولِ بخلق القرآن، وعاقَبوا العلماء بسبب ذلك بالضرب والقتل والحبس وغير ذلك، ولم يُقلْ أحدٌ بوجوب الخروجِ عليهم بسبب ذلك» (٢)، فكلامُ القسطلاني صريحٌ في مخالفة ابن التين، بل وحكى الإجماع على خلافه.
وقال الحافظ ابن حجر: «ذكرهما ابنُ التين ثم قال: وقد أجمعوا أنه - أي الخليفة - إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ أنه يُقام عليه، واختلفوا إذا غصَب الأموال، وسفكَ الدماء، وانتهكَ؛ هل يُقامُ عليه أو لا؟. انتهى
وما ادَّعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود … وإلَّا فقد دعا المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ إلى بدعةِ القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتلِ والضربِ والحبسِ وأنواعِ الإهانة، ولم يقلْ أحدٌ بوجوبِ الخروجِ عليهم بسبب ذلك» (٣).
стр. 252
الاستدراك الثاني عشر:
تكلَّم الدكتور الدميجي على عَزلِ الحاكم لفسقهِ (١)، وجعلَ المسألة خلافية بين أهل السنة مع أنه مجمَعٌ عليها كما تقدم، ثم نقلَ نقولات، ثم رجَّح (٢) جوازَ عزلِ الحاكم لفسقهِ وظلمهِ وبدعته فقال:
«أما الفاسق والظالم والمبتدع: وهو المرتكب للمحظورات والكبائر دون ترك الصلاة؛ لا سيما ظلم الحقوق أو دعوة إلى بدعة = فهذا يُطاعُ في طاعة الله، ويُعصى مع الإنكار عليه في المعصية، ويجوزُ عزلُه إن أمكَنَ بإحدى الطُّرق السلمية السابقة - عدا السيف - بشرط ألَّا يترتَّب على ذلك مفسدةٌ أكبر».
هذا القول من الدكتور قولٌ بدعيٌّ شاذٌّ مخالفٌ لما عليه أهل السنة كما تقدم (٣)، بل مخالفٌ للأدلة الشرعية المتواترة؛ وتقدَّم ذِكرُها (٤)؛ وهو تقريرٌ للخروج، وليس كلامُه في العزل الذي ذكَرهُ بعضُ الفقهاء لأنهم يخصُّونه بأهل الحلِّ والعقد، أمَّا هو فيعمِّمهُ بشرط ألَّا يكون بالسيف.
الاستدراك الثالث عشر:
قوَّى الدكتور الدميجي قوله البدعيَّ - في جواز عَزلِ الحاكم بفسقه - بالنقولاتِ عمَّن لا يُعتدُّ بهم؛ لأنهم خالفوا منهجَ أهل السنة والأدلة المتواترة، فقد نقل عن القرطبي فقال: «ونسبَ القرطبيُّ هذا القولَ للجمهور فقال: «قال الجمهور: إنه
стр. 253
تنفسخُ إمامته، ويُخلَعُ بالفسقِ الظاهر المعلوم» (١).
هذا كلامُ أبي عبد الله القرطبي صاحب التفسير؛ وهو لما ذكرَ المسألة ذكرَ أكثرَ من دليلٍ للقائلين بأنَّ ولايته لا تنفسخُ؛ ولم يتعقَّبْهمُ، وتقدَّم بيانُ أن القول بانفساخ الولاية للفسق خلافُ إجماعِ أهل السنة (٢).
وكان الواجب على الدكتور أن يحرِّر هذه المسائل ولا يفزعَ إلى من ليسوا عُمدةً في معتقد أهل السنة، ومثله في هذا مثل من أوَّلَ صفاتِ معتمدًا على المتأخِّرين من بعضِ المفسِّرين وشُرَّاح الأحاديث.
الاستدراك الرابع عشر:
لما ذكر الدكتور عزلَ الحاكم بالفسق قال: «ونسبَ الزبيديُّ هذا القولَ إلى الشافعي في القديم، وإليه ذهبَ بعضُ أصحابه، وهو المشهور عن أبي حنيفة» (٣).
تقدَّم عدمُ صحَّة النسبة للشافعي من أوجُهٍ (٤)، وتقدَّم توجيهُ الكلام المنسوبِ لأبي حنيفة وأنَّه رجعَ عنه (٥).
стр. 254
الاستدراك الخامس عشر:
دلَّسَ الدكتور في نقله عن النووي إذ استلَّ من كلامه ما يدلُّ على أنَّ في مسألةِ عزلِ الحاكم لفسقهِ خلافًا معتبرًا، ثم لم يأتِ بكلامهِ الآخر الذي يدلُّ على أنَّ المسألة إجماعية، وأنَّ المخالف قال قولًا شاذًّا.
قال الدكتور: «وقال النووي: إنَّ الإمامَ لا ينعزلُ بالفسق على الصحيح» (١).
وعزاهُ إلى روضة الطالبين، وتركَ كلامه في شرح مسلم وقد وقفَ عليه؛ لأنه نقلَ قبل قليل كلام القاضي عياض من شرح النووي على مسلم وهو في الموضع نفسه، بل ومتصل به، قال النووي في شرح مسلم: «وأجمعَ أهلُ السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق؛ وأمَّا الوجهُ المذكور في كتب الفقه لبعضِ أصحابنا أنه ينعزلُ وحُكِيَ عن المعتزلة أيضًا، فغلَطٌ من قائله؛ مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسببُ عدم انعزالهِ وتحريمِ الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن، وإراقةِ الدماء، وفسادِ ذات البين، فتكونُ المفسدة في عزلهِ أكثرَ منها في بقائه.
قال القاضي عياض: أجمعَ العلماء على أنَّ الإمامة لا تنعقد لكافر» (٢).
فقول النووي في روضة الطالين: «على الصحيح». لأن هناك من خالفَ من الشافعية المتأخرين؛ وهو يكتب في فقههم، وهذا لايتنافى مع الإجماع السابق لهؤلاء المتأخرين الذي ذكَرهُ في شرحهِ على مسلم.
стр. 255
الاستدراك السادس عشر:
قرر الدكتور الدميجي عدمَ جواز مقاتلةِ مَنْ خرجوا على حاكمٍ جائرٍ لمنازعته في ملكهِ فقال: «وعلى هذا فإنه إذا كان الإمام جائرًا، وخرجَ عليه عادلٌ، فلا تجوز مقاتلة العادل، أمَّا إذا كان الإمام عادلًا وخرَج عليه عادلٌ مثله، أو كان جائرًا وخرج عليه جائرٌ مثله، ففي مثل هذه الحالة يكون القتال قتالَ فتنة» (١).
وهذا خطأ كبير، ثم نقل كلامًا عن الحافظ ابن حجر، قال الدكتور: «وهُم أهلُ عدلٍ خرجوا على إمامٍ جائر، أو هُمْ كما قال الحافظ ابن حجر: «قسمٌ خرجوا غضبًا للدِّين من أجل جَور الولاة وتركِ عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء هم أهلُ حقٍّ، ومنهم الحسينُ بن علي وأهلُ المدينة في الحرَّة والقرَّاء الذين خرَجوا على الحجاج» فهؤلاء لا تجوزُ مقاتلتهم على الصحيح، قال الحافظ: «وأمَّا مَنْ خرجَ عن طاعة إمامٍ جائر أرادَ الغلبةَ على مالهِ أو نفسهِ أو أهلهِ فهو معذورٌ ولا يحلُّ قتاله، وله أن يدفعَ عن نفسهِ ومالهِ وأهلهِ بقدرِ طاقته».
قد أَوْرَدَ على هذا القول ما يدل عليه فقال: «قد أخرج الطبريُّ بسندٍ صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي - وذكر الخوارج - فقال: «إنْ خالفوا إمامًا عادلًا فقاتِلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا فلا تُقاتلوهم، فإنَّ لهم مقالًا».
وقال ابن حزم: «وأما الجوَرة من غير قريش فلا يحلُّ أن يُقاتَلَ مع أحدٍ منهم، لأنهم كلُّهم أهلُ منكر إلَّا أن يكون أحدهم أقلَّ جَورًا فيقاتَلُ معه من هو أَجْوَرُ منه» (٢).
стр. 256
تقدَّم من كلام ابن تيمية (١) أن الذين يقاتلون من المسلمين ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: الذين ارتدوا؛ كما فعل أبو بكر الصديق.
الطائفة الثانية: أهل البدع كالخوارج.
الطائفة الثالثة: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في ولايته.
وتقدَّم أن ضابطَ الخارجي أنه من يكفِّر بما ليس مكفرًّا (٢)، ومما تقدَّم أيضًا يُعلم أنَّ من خرجَ على السلطان لدافعٍ دينيٍّ؛ لأجلِ المعاصي من غير تكفير، فإنَّه مبتدعٌ ضالٌّ بإجماعِ أهل السُّنة، وبمثلِ هذا ضلَّلَ الإمامُ سفيان الثوري والإمامُ أحمد الحسنَ بنَ صالح.
إذا تبيَّن هذا ففي الكلام - الذي قرَّره الدكتور ونقَلهُ عن الحافظ - نظَرٌ من جهات:
الجهة الأولى: تقدم أنَّ فعلَ الحسين بن علي لا يُعدَّ خروجًا (٣).
الجهة الثانية: تقدَّم أنه على القول بأنَّ فعل الحسين يعدُّ خروجًا (٤)، فقد انعقدَ الإجماعُ على خطأ هذا الفعل، ففعلُ أهل المدينة في الحرَّة، وكذلك الذين خرجوا على الحجَّاج خطأ إجماعًا، وعلى هذا أهلُ السنة بعد، لذا لا يُستدلُّ بفعلهم.
стр. 257
الجهة الثالثة: تقدَّم أنه لا يصحُّ لأحدٍ أن يدفعَ عن مالهِ ونفسهِ تجاهَ الإمامِ الجائر؛ للأدلَّة، ولقولِ عمر، وللإجماع الذي حكَاهْ ابنُ المنذر عن أهل الحديث (١).
الجهة الرابعة: الإسناد الذي ذكره الحافظ عن عليٍّ ضعيف؛ لأن فيه رجلًا مبهمًا لذا لم يحكم الحافظ بصحة السند كلِّه، ثمَّ لو صحَّ فإنَّ المراد بأثر علي بن أبي طالب ﵁ النهيُ عن القتال، ووصفَ الحافظ ابن حجر في كلامه المتقدِّم الحسين وغيره بأنهم خرَجوا لا يعني أنهم خوارج، بل فعلوا الخروجَ، ولا يلزمُ من فعلِ الرجل للخروج أن يكونَ خارجيًّا؛ لأن الشرطَ في وصفِ الرجل أن يكون خارجيًّا لم ينطبق، والمرادُ بخروجهم دفعُ مظلَمةٍ لا منازعة الحاكم في ملكهِ وحكمهِ، فمثلُ هؤلاء يجبُ على الحاكم أن يسمَع لهم ويردَّ مظلمتهُم؛ بخلافِ مَنْ خرجَ لمنازعته في ملكهِ ولو كان ظالمًا.
قال ابن قدامة: «قومٌ من أهل الحقِّ، يخرجون عن قبضةِ الإمام، ويرومونَ خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاجُ في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكرُ في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس معونةُ إمامهم، في قتال البغاة» (٢).
على هذا يكون كلامُ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب في قومٍ خرجوا للمطالبة بمظلمتهم، فلا يجوزُ للإمام مقاتلتهم ولا تجوزُ إعانته على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا قال الفقهاء في البغاة إنَّ الإمام يراسلُهم؛ فإنْ ذكَروا شبهةً بيَّنها، وإن ذكروا مظلمةً أزالَها؛ كما أرسل عليٌّ ابنَ عباس إلى الخوارج فناظَرَهُم حتى رجعَ منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاةَ القدرية والخوارجَ
стр. 258
فناظَرهُم حتى ظهرَ لهم الحق وأقرُّوا به» (١).
وقال: «ولهذا لما اعتقدت طوائفُ من الفقهاء وجوبَ القتال مع عليٍّ جعلوا ذلك (قاعدة فقهية) فيما إذا خرجت طائفةٌ على الإمام بتأويلٍ سائغٍ وهي عندَهُ راسلَهُم الإمام؛ فإن ذكروا مظلَمة أزالَها عنهم، وإن ذكَروا شبهةً بيَّنها؛ فإن رجَعوا وإلَّا وجبَ قتالُهم عليهِ وعلى المسلمين» (٢).
الجهة الخامسة: اعتمد في النقل على ابن حزم؛ وهو ممن زلَّ في هذا الباب، فلا يعتمد عليه كما تقدم (٣).
وبعد ما سبق تقريره، فإنه - أيضًا - لا يُعتمد على المتأخرين كالحافظ ابن حجر في أمثالِ هذه المسائل العقدية إذا ثبتَ أنه خالفَ منهجَ السلف؛ كما خالَفهم في بعضِ مسائل الاعتقاد؛ كتأويل بعض الصفات.
الجهة السادسة: أنَّ عموم حديث عرفجة الأشجعي يدلُّ على قتال العادل إذا خرجَ على الحاكم ولو كان فاسقًا؛ فقد قال: قال رسول الله ﷺ : «فمَن أرادَ أن يفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»، وفي رواية «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتَكُم، فاقتلوه» (٤).
стр. 259
الاستدراك السابع عشر:
من أشنع ما في كتاب الدكتور عبد الله الدميجي أنه جعلَ مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافيةً بين أهل السنة، فيترتَّبُ على هذا أنَّ مَنْ يرى الخروجَ يعدُّ قولُه سائغًا، وغايةُ ما في الأمر أنَّ المخالف مخطئ ولا يبدَّع، لأن الخلاف في المسألة سائغ!!.
وهذا خطأ قطعًا مخالفٌ للقرآن والسنة الصحيحة وإجماعِ أهل العلم من أهل السنة، بل وأجمعَ السلف على أنَّ المخالف في هذا يضلَّل ويبدَّع كما في كتب العقائد، وكلُّ هذا سبقَ نقلُه وتقريره (١).
قال الدكتور: «وبناءً على ذلك الاختلاف اختلفوا أيضًا في الخروج على أئمة الجَور وسلاطين الظلم، والذي يظهر لي أنَّ سبب اختلافهم هو اختلافُ أفهامهِم للنصوص الشرعية الناهية عن الخروج، والأخرى المؤيِّدة له، كما أنَّ أحوال أولئك السلاطين غير منضبطة وغير ثابتة، فمنهم القريبُ إلى العدل، ومنهم القريبُ إلى الكفر، ومنهم الغامضُ، ومنهم من يكون في عصرٍ يندرُ فيه الأخيار، ومنهم من يكون بخلاف ذلك، ثم إنَّ من العلماء من ينظر إلى الحسنات ويقتصرُ على نصوصِ الطاعة، ومنهم من يحصرُ نظَرهُ على السيِّئات ويستشهدُ بأحاديثِ الخروج، ومن ناحيةٍ ثالثة ينظُر بعضُ الفقهاء إلى كونِ الخارج مساويًا للمخروج عليه أو أظلمَ منه؛ بينما يرى الآخرون أنه أعدَلُ وأحقُّ» (٢).
стр. 260
وقال: «قد ادَّعى الإجماعَ على ذلك بعضُ العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم، وكابن مجاهد البصري الطائي، فيما حكاه عنه ابن حزم، ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأنَّ هناك من أهل السنة مَنْ خالف» (١).
وهذا خطأ شنيع كما تقدَّم بالإجماعات الكثيرة عن أهل السنة، وبتبديع السَّلف لمن خالفَ في هذه المسألة (٢).
فالقولُ بأنَّ المسألة خلافيةً بوَّابة سوءٍ وشرٍّ؛ ويغترُّ به من لا يغترُّ بالقائلين أنَّ الخروج جائز، وهذا التقرير من الدميجي من أفسَد ما في الكتاب.
الاستدراك الثامن عشر:
نقل الدكتور (٣) كلامَ ابن حزم في نسبة الخروج لعلي بن أبي طالب ومَن معه، ولمعاوية ومَن معه، ولعائشة وطلحة والزبير وآخرين. ولم يستدرك عليه نسبةَ الخروج إلى هؤلاء، وقد سبقَ بيانُ خطأ نسبة الخروجِ إلى هؤلاء (٤).
стр. 261
الاستدراك التاسع عشر:
نسبَ الدكتور القول بالخروجَ إلى أئمَّة المذاهب الأربعة (١)، وقد تقدَّم بيانُ أنَّ أبا حنيفة رجعَ عن هذا، وأنَّ نسبة هذا القول لبقية الأئمة الأربعة لا تصحُّ (٢).
الاستدراك العشرون:
نسبَ الدكتور الخروجَ إلى الإمام أحمد بن نصر الخزاعي فقال: «وممن طبَّق الخروجَ فعلًا على السُّلطان المبتدع الواثقِ بالله القائلِ بخلق القرآن = أحمدُ بن نصر الخزاعي» (٣)، وتقدَّم خطأُ نسبةِ الخروجِ إلى الإمام أحمد بن نصر الخزاعي ﵀ (٤).
стр. 262
الفصل الرابع
الاستدراكات على مقالين
للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف
стр. 263
الاستدراكات على مقالين
للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف
إنَّ للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف مقالين تكلَّم فيهما عن الإمامة كلامًا مخالفًا لمنهج أهل السنة - كما سيأتي بيانه -، وهو في هذين المقالين متأثِّر بما كتبه الدكتور عبد الله الدميجي في كتابه (الإمامة العظمى).
المقال الأول: مقدمات ومسائل في الإمامة.
المقال الثاني: ضوابط ومسائل في الطاعة لولاة الأمور.
واشتهر الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف بخلَلهِ في هذا الأصل لمَّا كان يدرِّس في أَروِقَة الجامعة، ثم ظهر هذا جليًّا في تغريداته بتويتر.
وهذه الاستدراكات كلُّها على المقال الثاني إلَّا الاستدراك الأول، فهو متعلِّق بالمقال الأول.
الاستدراك الأول:
قال في الحاشية تعليقًا على كلام الإمام علي بن أبي طالب: «لابدَّ للناس من إمارةٍ برَّةٍ كانت أو فاجرة: لكن في مثل هذه الأزمنة لا تكاد تعرف الإمامة الفاجرة فضلًا عن البرَّة».
وهذا تكفيرٌ لأكثر حكَّام دول العالم الإسلامي إن لم يكن كلهم؛ لأنه لا يكاد يُعرف الإمامة الفاجرة فإذًا لم تبق إلَّا الكافرة، ومما يدلُّ على أنه غالٍ في تكفير الحكومات ما ذكَرهُ في حاشيةِ كتابه (نواقض الإيمان العملية والقولية): «قارِنٍ ما
стр. 264
سبقَ ذكره … بما تراه واقعًا مشاهدًا في مجتمعات المسلمين، عندما (جوَّزت) تلك الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين أوكارَ الربا والزنى والخمر ونحوها من المحرَّمات الظاهرة، ومنحَت التراخيصَ لتلك الموبقات، بل (فرضت) تلك المحرَّمات القطعية، وقامتْ على رعايتها وحمايتها، ليس هذا فحسب، بل و (سوَّغت) تلك الأنظمة موالاة الكفار باسمِ المصالح المشتركة والتعايش السِّلمي» (١).
هذا إقرارٌ منه بكفر الدولة التي توجد بها هذه البنوك الربوية، وتكفيرهُ بمثل هذا تكفيرٌ على طريقةِ الخوارج الذين يكفِّرون بالمعاصي والذنوب، وذلك أنَّه جعلَ المعاصي العملية؛ من السَّماح للمنكرات عمليًّا = لازمًا للاستحلال القلبي ثم كفَّر بهذا، وهذا عَينُ قولِ الخوارج (٢) كما بيَّنتُ هذا في ردِّي الصَّوتي على مبحث الحاكمية الذي غلا فيه في كتابه (نواقض الإيمان العملية والقولية بعنوان): الحكم بغير ما أنزل الله ومناقشة الدكتور المحمود وآل عبد اللطيف.
الأول:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=51
الثاني:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=49
الثالث:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=50
الاستدراك الثاني:
قال في مقدمة مقالهِ (ضوابط ومسائل في الطاعة لولاة الأمور): «نخلُصُ - من خلال استقراء كلامٍ جميل من العلماء المحققين - إلى أن ثمَّة ضوابط ومسائل مهمة
стр. 265
ينبغي مراعاتها في موضوع طاعة الأئمة والحكام».
هذا الكلام ظَنَّه مؤيِّدًا لمعتقدهِ البدعي في باب الإمامة والولاية؛ لذا وصفَهُ بأنه جميل، ووصفَ العلماء الذين نقلَ عنهم بأنهم محقِّقون وهم كذلك ﵏ في غير مسائل الاعتقاد لأنَّ كثيرًا من هؤلاء المتأخرين عندهم أخطاء عقدية، فلا يُعَّولُ عليهم في مسائل العقائد، ومبحثُ الإمامة من مسائل العقائد؛ لذا ذكرَها أهلُ السنة في كتب العقائد كما تقدَّم النقلُ عنهم (١)، وقد تقدَّم بيانُ بعضِ الأخطاءِ العقَدية عند بعض هؤلاء (٢).
وسأذكرُ عالميَن ممَّن نقلَ عنهم، وبعضَ أخطائهما العقدية؛ ليعلم أنَّ مثل هؤلاء لا يعوَّلُ عليهم في أمثال هذه المسائل العقدية إلَّا تبعًا؛ لما يقرِّره علماءُ السلف الذين هم أئمة في باب الاعتقاد، والذي يُفترض أن يُجمِّل مقالَهُ بكلامهم - وتقدَّم نقلُ شيء من كلامهم - (٣)، لكن أنَّى له أن يفعل ذلك وكلامُهم مصادمٌ لكلامه واعتقادهِ في هذا الباب المهمِّ بابِ الإمامة، وليعرف حقيقة مخالفتهِ لكلام السلف قارِنْ منهجَهُ البدعيَّ مع كلامِ إمام السنة في زمانه البربهاري إذْ قال: «وإذا رأيتَ الرجلَ يدعو على السُّلطان فاعلَمْ أنه صاحبُ هوى، وإذا سمعتَ الرجلَ يدعو للسلطان بالصَّلاح، فاعلَمْ أنه صاحبُ سُنَّة - إن شاء الله -» (٤).
стр. 266
والعالمان اللذان أردتُ أن أبيِّن شيئًا من أخطائهم العقدية - ممن نقل عنهم - لئلَّا يُجعلا عمدةً في هذه المسائل هما العز بن عبد السلام وأبو العباس القرطبي:
العالم الأول: العزُّ بن عبد السلام، فقد أخطأَ عدَّة أخطاء عقدية منها:
أوَّلَ صفة الأصابع لله، قال في فتاويه: «معنى قول النبي ﷺ : «قلبُ المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن» (١)، أنَّ الله مستَولٍ عليه بقدرته وتصريفه كيف يشاء من كفرٍ إلى إيمان، ومن طاعةٍ إلى عصيان، أو عكس ذلك» (٢).
أوَّلَ عدة صفات؛ كالرضا والسخط والمحبة والرحمة وغيرها، ولم يُثبت من صفاتِ الله الذاتية إلَّا سبعًا (٣).
جعلَ قولَ اللسان وعملَ الأركان من الإيمان المجازي لا الحقيقي (٤).
جعل زيادة الإيمان ونقصانه راجعًا إلى متعلَّقه لا إلى ذاته (٥).
أنه صوفي يعظِّم الصُّوفية، فقد فضَّلَ العارف على العالم (٦)، وقال: «الضربُ
الثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عمَّا في القلوب، فيرى أحدُهم بعينيه من الغائبات ما لم تجرِ العادةُ بسماع مثله … ومنهم مَنْ يرى الملائكة والشياطين والبلادَ النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثَّرى، ومنهم من يرى السماوات وأفلاكَها وكواكبَها وشمسَها
стр. 267
وقمرَها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوحَ المحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمعُ أحدُهم صريرَ الأقلامِ وأصواتَ الملائكة والجان، ويفهَمُ أحدُهم منطقَ الطير، فسبحانَ مَنْ أعزَّهم وأدناهم» (١).
وقد تعقَّب ابنُ تيمية العزَّ بن عبد السلام لمَّا أثنى على الأشاعرة، وذمَّ أهل السنة بأن وصفهم بالحشوية ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأيضًا فيُقال لهؤلاء الجهمية الكُلَّابية - كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله -» (٢)، والمراد بأبي محمد العز بن عبدالسلام.
العالم الثاني: أبو العباس القرطبي صاحب كتاب (المفهم)، فقد أوَّل صفة الضحك (٣)، وأوَّل صفة النزول لله (٤)، وأوَّل صفة العجب لله (٥).
وبعد بيان ما تقدَّم فإنه يتعيَّن لمن أراد أن يكتب في مسألةٍ لها تعلُّق بالاعتقاد أن يرجعَ إلى كلامِ أئمة السنة الأولين، والسَّالكين طريقتهم في الاعتقاد من المتاخرين، ولا مانع أن يعتضدَ بأقوالِ المتأخرين الذين لهم زلَّات عقدية إذا قالوا قولًا صحيحًا؛ اعتضادًا لا اعتمادًا.
стр. 268
الاستدراك الثالث:
قوله: «أنَّ الطاعة لأصحاب الولايات الشرعية، وهذا أمرٌ بدهي دلَّت عليه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
قال الشوكاني: «وأُولو الأمر: هم الأئمةُ والسَّلاطين والقضاة وكلُّ مَنْ كان له ولايةٌ شرعية لا ولاية طاغوتية».
هذا الكلامُ مجمل؛ لأنه لم يبيِّن مَنْ هم أصحابُ الولايات الشرعية وما ضابطهم؟
فإذا قرأه من غُذِيَ بالأفكار الحركية الثورية أو مَنْ لا يدري في زمنٍ كثُر نقدُ دعاة البدعة للولاة = علمَ أنه لا يُراد بهم الولاة الموجودون؛ لأنهم غيرُ شرعيين - كما ربَّوهم على ذلك تصريحًا أو تلميحًا - لاسيما والدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف لا يرى الحكومات الموجودة مسلمة إن لم يكن كلّها فأكثرها، كما تقدَّم نقله عنه، وإنَّ سلوك طريقة الألفاظ المجملة هي طريقةُ أهل البدع في التلبيس على الناس، قال الإمام أحمد في مقدِّمة الردِّ على الجهمية والزنادقة: «يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام ويخدَعون جهَّال الناس بما يشبِّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلين» (١).
وقول الشوكاني: «لا ولاية طاغوتية» حق أي لا ولاية كفرية، وتقدَّم في التأصيلات أنه لا ولاية للحاكم الكافر، ويجب خلعهُ عند القدرة.
стр. 269
إذًا المراد عدمُ السَّمع والطاعة للحاكم الكافر، وهذا المراد بقول الدكتور: إنَّ الطاعة لأصحاب الولايات الشرعية، وهذا بدهي. أي للمسلم دونَ الكافر، فلو أنَّ الدكتور أراد البيانَ دون الإجمال لقال: لا طاعة للولاية الكافرة.
الاستدراك الرابع:
قال الدكتور آل عبد اللطيف: «لا طاعة لجهلة الحكام إلَّا فيما يُعلَم أنه سائغ شرعًا».
هذا العنوان من الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف إمَّا أنه تدليس أو جهلٌ منه، أما وجه التدليس: فهو موهِمٌ أنَّ من لم يكن من الحكام عالمًا فلا يُسمعُ ولا يُطاع له إلَّا فيما عُلِمَ أنه سائغٌ شرعًا، فلا يُسمعُ ولا يُطاع لهم إلَّا في الواجب والمستحب، هذا ما يفهمهُ أكثرُ القراء لهذا المقال؛ لكثرة الجهل في الناس، ولوجود من يُفسِدُهم في هذا الباب، أمثال هذا الدكتور.
أمَّا وجه الجهل: فاعتقادُ الدكتور أنه لا سمَع ولا طاعة للحاكم الجاهل إلَّا فيما عُلِمَ أنه واجبٌ أو مستحب، فإنه قد تقدَّم بيانُ أنَّ قولَ رسول الله ﷺ : «إنَّما الطاعة في المعروف» أي فيما ليس محرَّما ولا معصيةً، وأنه لو قيل: لا يُطاع الحاكم إلَّا فيما عُلِمَ أنه واجبٌ أو مستحبٌ لاستوى الحاكمُ مع غيرهِ من عامة الناس. وقد سبقَ الكلامُ على هذا في كشف الشبهات (١).
стр. 270
الاستدراك الخامس:
لمَّا ذكر الدكتور العنوان السابق أوردَ كلامَ أبي العباس القرطبي في المفهم: «أنَّ الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله ﷺ . وحينئذٍ تجبُ طاعتهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم» (١).
تقدَّم بيانُ هذه الشبهة وكشفُها - والحمد لله - وأن هناك فرقًا بين اشتراط العلم في المأمور واشتراطه في الآمر. وليُراجع ما سبق ذكره (٢).
الاستدراك السادس:
المراد بكلام أبي العباس القرطبي (بما يقتضيه العلم) ما لم يكن في معصية الله، كما بيَّن ذلك عند حديث «إنما الطاعة في المعروف» وتقدَّم نقل كلامه (٣)، وأنه مقتضى قولِ أهل السنة، وكلامُ العالم يفسِّر بعضُه بعضًا، وهذا ما لم يبيِّنهُ الدكتور آل عبد اللطيف إمَّا جهلًا أو تلبيسًا، ودافعُ التلبيس التعصُّب إمَّا لحزبٍ بدعيٍّ أو رأيٍ بدعي وهكذا … كلُّ رجلٍ بحسبه.
قال الإمام ابن القيم في (الكافية الشافية):
وتعَرَّ من ثوبَينِ مَنْ يَلْبَسْهُما … يلقَى الرَّدى بمذَمَّةٍ وهَوانِ
ثوبٍ من الجهلِ المركَّبِ فوقَهُ … ثوبُ التعصُّب بِئسَتِ الثَّوبانِ
وتحَلَّ بالإنصافِ أفخَر حلَّةٍ … زِينَتْ بها الأعطافُ والكتفانِ
стр. 271
الاستدراك السابع:
نقلَ الدكتور كلامًا غير دقيق عن العز بن عبد السلام قال الدكتور: «ويقول العز بن عبدالسلام في هذه المسألة: «ولو أمرَ الإمام أو الحاكم إنسانًا بما يعتقد الآمر حِلَّه والمأمورُ تحريمَه، فهل له فعلُه نظرًا إلى رأيِ الآمر، أو يمتنع فعلُه نظرًا إلى رأيِ المأمور؟؛ فيه خلافٌ - وهذا مختصٌّ فيما لا ينقض حكمَ الآمر به، فإن كان مما يُنقَضُ حكمُه به فلا سمع ولا طاعة - وكذلك لا طاعة لجهَلة الملوك والأمراء إلَّا فيما يعلَمُ المأمور أنه مأذونٌ في الشرع».
وعدمُ دقَّتهِ من جهتين:
الجهة الأولى: أنه جعل خلافًا في عمل المأمور في مسألةٍ لا يعتقد حلَّها إذا أمرَهُ بها مَنْ يعتقد حلَّها.
وهذه المسالة ليست خلافية، بل إجماعية في عدم جواز عمَلِ المأمور بها؛ لأن عمله بها عملٌ بمعصية الله فيما يعتقد، فلو قال الحاكم: لا تتوضؤوا من أكل لحم الجزور، والمأمورُ يعتقدُ وجوبَ الوضوء، وأن أكلَ لحم الجزور ناقضٌ للوضوء، لما جازَ للمأمور أن يترك ما يعتقدُه لقول هذا الحاكم، ولو فعلَ لخالَفَ إجماعَ أهلِ العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا إلزامُ السُّلطان في مسائل النزاع التزامَ قولٍ بلا حجَّةٍ من الكتاب والسنة، فهذا لا يجوزُ باتفاق المسلمين، ولا يفيدُ حكمُ حاكمٍ بصحَّة قولٍ دون قولٍ في مثل ذلك، إلا إذا كان معه حجَّة يجب الرجوعُ إليها، فيكون كلامُه قبل الولاية وبعدها سواء.
стр. 272
وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية تمكِّنه من قول حقٍّ ونشرِ علمٍ قد كان يعجز عنه بدونها، وبابُ القدرة والعجز غيرُ باب الاستحقاق وعدمهِ. نعم للحاكم إثباتُ ما قال زيد وعمرو، ثم بعد ذلك إن كان ذلك القولُ مختصًّا به كان مما يحكم فيه الحكام، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس … » (١).
وقال: «إنَّ ما تنازع فيه العلماء ليس لأحدٍ من القضاة أن يفصلَ النزاعَ فيه بحُكم، وإذا لم يكن لأحدٍ من القضاة أن يقول: حكمتُ بأنَّ هذا القول هو الصحيح، وأنَّ القول الآخر مردودٌ على قائله، بل الحكمُ فيما تنازعَ فيه علماء المسلمين أو أجمَعوا عليه، قولُه في ذلك كقولِ آحاد العلماء إنْ كان عالمًا، وإن كان مقلِّدًا كان بمنزلة العامة المقلِّدين، والمنصبُ والولاية لا يجعل مَنْ ليس عالمًا مجتهدًا، ولو كان الكلامُ في العلم والدين بالولاية والمنصب؛ لكان الخليفة والسلطان أحقَّ بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيَهُ الناس ويرجعوا إليه فيما أشكلَ عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدَّعي ذلك لنفسه، ولا يُلزِمُ الرعية حكمَهُ في ذلك بقولٍ دونَ قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمَن هو دونَ السُّلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدَّى طوره، ولا يقيمَ نفسه في منصب لا يستحقُّ القيامَ فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون، فضلًا عمَّن دونهم، فإنهم ﵃ إنما كانوا يُلزمون الناسَ باتِّباع كتاب ربِّهم وسُنَّة نبيِّهم ﷺ ، وكان عمر ﵁ يقول:
стр. 273
إنما بعثتُ عمالي - أي نَّوابي - إليكم ليعلِّموكم كتابَ ربكم وسنَّة نبيكم، ويقيموا بينكم فيئكم (١).
بل هذه يتكلَّم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت عليه الأدلة الشرعية الكتاب والسنة. فكلُّ مَنْ كان أعلَمَ بالكتاب والسُّنة فهو أولى بالكلام فيها من غيره، وإن لم يكن حاكمًا، والحاكمُ ليس له فيها كلامٌ لكونهِ حاكمًا، بل إنْ كان عنده علمٌ تكلَّم فيها كآحاد العلماء، فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع، وهذا من الحكم الباطل بالإجماع» (٢).
الجهة الثانية: بيان عدم دقَّة كلامِ العز بن عبد السلام، وذلك أنه علَّق الجهلَ بالحكام لا بالأمر، وأنبِّه إلى أنَّ قول العز بن عبد السلام: «وهذا مختصُّ فيما لا ينقضُ حكمَ الآمر به، فإن كان مما يُنقَضُ حكمُه به فلا سمع ولا طاعة» أي في هذا المأمور بعينه لا مطلقًا، ولو أرادَ مطلقًا لكان قوله مخالفًا لإجماع أهل السنة
стр. 274
- كما تقدم - (١)، وكان موافقًا للخوارج.
وهذا مما لا يريده العزُّ بن عبد السلام - من باب إحسان الظن -، ثمَّ إنَّ هذا اللفظ لم يعلِّق عليه الدكتور آل عبد اللطيف مع أنه موهم، فهل تعمَّد بقاءه ليقوِّيَ قولَهُ البدعيَّ في أصل الإمامة!
تنبيه:
يردِّد كثيرٌ من أهل العلم قاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف)، ويريدون بالحاكم وليّ الأمر، وهذا غير صحيح، بل مرادُ أهل العلم بهذه القاعدة القاضي إذا ترافع إليه رجلان ليتحاكما عنده في مجلس القضاء لا مطلقًا، ثم يُشترط أن يكون حكمهُ بين الخصمين قولًا بما يسوغُ الخلاف فيه، وإلَّا لو قال بقولٍ غير سائغ لما كان نافذًا، فهذه القاعدة مقيَّدة بثلاثة قيود:
القيد الأول: المراد بالحاكم القاضي.
القيد الثاني: أن هذا عند ترافع الخصمَين إليه لا مطلقًا.
القيد الثالث: أن هذا في المسائل التي يسوغ الخلاف فيها.
وهذا ما يدل عليه كلامُ أهل العلم من المذاهب الأربعة.
قال الغنيمي الميداني الحنفي ﵀: «وإذا رفع إلى القاضي (حكم حاكم) مولًى ولو بعد عزلهِ أو موتهِ إذا كان بعد دعوى صحيحة (أمضاه) أي: ألزمَ الحكمَ والعملَ بمقتضاه، سواء وافقَ رأيهُ أو خالفَهُ إذا كان مجتهدًا فيه؛ لأن القضاء متى لاقَى محلًّا مجتهدًا فيه ينفذ ولا يردُّه غيره؛ لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول
стр. 275
لتساويهما في الظن» (١).
وقال ابن عابدين ﵀: «(قوله إلا إذا حكم حاكم) صورته: علَّقَ عتق عبدهِ بصلاتهِ صلاةً صحيحة، فصلَّى بـ (مدهامّتان) غير مكررة أو مكررة، فترافعا إلى حاكمٍ يرى صحة الصلاة بذلك، فقضى بعتقه، فيكون قضاءً بصحة الصلاة ضمنًا، فتصحُّ اتفاقًا، لأنَّ حكمَ الحاكم في المجتهد فيه يرفعُ الخلاف أفاده (ح) (٢)» (٣).
وفي الشرح الصغير للدردير: «(ورفع) حكم العدل العالم (الخلاف) الواقع بين العلماء. وكذا غير العدل العالم إنْ حكمَ صوابًا - كما يُعلم مما تقدم - فإنه يرفع الخلافَ ولا ينقض، وكذا المحكم.
والمراد: أنه يرتفع الخلافُ في خصوص ما حكم به أخذًا من قوله الآتي (ولا يتعدَّى لمماثل). فإذا حكم بفسخ عقد أو صحَّته، لكونه يرى ذلك لم يُجزْ لقاضٍ غيره يرى خلافَه - ولا لَه - نقضُه.
ولا يجوز لمفتٍ عَلِمَ بحكمه أن يفتيَ بخلافه، وإذا حكمَ حاكمٌ بصحَّة عقدٍ لكونهِ يراه، وحكَم آخرُ بفساد مثله لكونه يراه، صار كلٌّ منهما كالمجمع عليه في خصوص ما وقع الحكم به. ولا يجوزُ لأحدٍ نقضُه ولا له» (٤).
وقال خليل بن إسحاق المالكي: «(ورفع) حُكِمَ الحاكم في نازلةٍ فيها أقوالٌ للأئمة بقولٍ منها، فيرفع (الخلاف) أي العملَ والفتوى في عينِ تلك النازلة التي حُكِمَ فيها بغير ما حكَم به فيها.
стр. 276
(غ) (١) القرافي الخلاف يتقرَّر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم، ويبطلُ الخلاف فيها، ويتعيَّن قولُ واحد بعد حكم الحاكم، وهو ما حكم به الحاكم: ابن الشاط (٢) هذا يوهِمُ أنَّ الخلاف يَبطُلُ مطلقًا في المسألة التي تعلَّق بها الحكم، وليس كذلك، بل الخلافُ باقٍ على حالهِ إلَّا أنه إن استفتى المخالف في عَينِ تلك المسألة التي حكم فيها، فلا يسوغ له الفتوى فيها بعينها، لأنه قد نفذ الحكم فيها بقول قائل، ومضى العملُ به فيها وإن استفتى في مثلها قبل الحكم فيه أفتى بمذهبه على أصله.
ثم قال القرافي: حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويُرجع المخالفَ عن مذهبه لمذهبِ الحاكم، وتتغيَّر فتياه بعد الحكم عمَّا كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء، فمَن لا يرى وقفَ المشاع إذا حكَمَ حاكمٌ بصحَّة وقفه، ثم رُفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه، ولا يحلُّ له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه» (٣).
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: «وقد صرَّح الأصحاب بأن حكمَ الحاكم في المسائل الخلافية يرفعُ الخلاف ويصير الأمر متفقًا عليه» (٤).
وقال أحمد شهاب الدين الرملي الشافعي: «وقد قال الأصحاب كما نقله الزركشي وغيره: إنَّ حكمَ الحاكم في المسائل الخلافية يرفعُ الخلافَ، ويصير
стр. 277
الأمر متفقًا عليه» (١).
وقال منصور البهوتي الحنبلي: «وقرعته أي القاضي حكم يرفعُ الخلافَ إن كان ثَمَّ خلاف» (٢)؛ بل بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ وليَّ الأمر كغيره في المسائل الشرعية الاجتهادية، وليس له أن يُلزَم أحدًا بقوله بالإجماع كما تقدَّم نقله (٣) وقال: «فلو كان الذي حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك أو الأشعري لم يكن له أن يُلزِمَ جميع الناس به، ويُعاقبَ من لم يوافقه عليه بالاتفاق» (٤).
وقال: «إنَّ المفتي لو أفتى في المسائل الشرعية - مسائل الأحكام - بما هو أحدُ قولي علماء المسلمين، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، وذكر أن هذا القول هو الذي يدور عليه الكتابُ والسنة دون القول الآخر في أي باب كان ذلكَ في مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك = لم يكن لأحدٍ أن يُلزمه بالقول الآخر بلا حجَّةٍ من كتاب أو سنة، ولا أن يحكم بلزومهِ ولا منعهِ من القول الآخر بالإجماع، فكيف إذا منعّهُ منعًا عامًا، وحكمَ بحبسهِ، فإنَّ هذا من أبطَلِ الأحكام بإجماع المسلمين» (٥).
«وسئل ﵀ عمَّن ولي أمرًا من أمور المسلمين ومذهبُه لا يجوز شركة الأبدان، فهل يجوز له منعُ الناس؟
стр. 278
فأجاب: ليس له منعُ الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغُ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نصٌّ من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لاسيما وأكثرُ العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار، وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقضَ حُكمَ غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يُلزم الناس باتِّباعه في مثل هذه المسائل.
ولهذا لما استشار الرشيد مالكًا أن يحملَ الناس على موطَّئه في مثل هذه المسائل منعَهُ من ذلك، وقال: إنَّ أصحاب رسول الله ﷺ تفرَّقوا في الأمصار وقد أخذ كلُّ قومٍ من العلم ما بلَغهُم. وصنف رجلٌ كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمِّه كتاب السَّعة، ولهذا كان بعضُ العلماء يقول: إجماعهُم حجَّة قاطعة، واختلافهُم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرُّني أنَّ أصحابَ رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهُم رجلٌ كان ضالًّا، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا ورجلٌ بقول هذا كان في الأمر سعةٌ، وكذلك قال غيرُ مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحملَ الناسَ على مذهبه.
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إنَّ مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنَكر باليد وليس لأحدٍ أن يُلزمَ الناس باتِّباعه فيها، ولكن يتكلَّم فيها بالحجج العلمية، فمن تبيَّن له صحَّة أحد القولين تَبِعَهُ، ومن قلَّد أهلَ القول الآخر فلا إنكارَ عليه، ونظائرُ هذه المسائل كثيرة» (١).
стр. 279
الاستدراك الثامن:
نقل الدكتور في العنوان السابق قولَ ابن تيمية: «والحاكمُ فيما تنازع فيه علماء المسلمين أو أجمعوا عليه قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالمًا، وإنْ كان مقلِّدًا كان بمنزلةِ العامة المقلدين، والمنصبُ والولاية لا يجعل مَنْ ليس عالمًا مجتهدًا عالمًا».
هذا الكلام من ابن تيمية حقٌّ، وذلك أنَّ اختيار الحاكم لقول في مسألة مختلَفٍ فيها لا يجعلُها راجحةً لمجرد اختياره، بل هو كغيره من المجتهدين أو المقلدين من هذه الجهة، ومن رجَّح قولًا في مسألة مختلَفٍ فيها لمجرَّد اختيار الحاكم فهو مخطئ، وهو راجعٌ إلى عدم طاعته في معصية الله؛ لأنَّ طاعته فيما لا يعتقده المأمور راجحًا أو من العبادات هو طاعةٌ في معصيةٍ - كما تقدم - (١).
وهذا ليس خاصًّا بالحاكم، كما يدلُّ عليه كلامُ ابن تيمية بل عامٌّ في كلِّ آمرٍ، فتعود هذه النقولات كلُّها إلى أنه لا طاعة للحاكم في معصية الله.
وعَنونَ الدكتور لهذه النقولات بما يورِثُ إيهامًا وتقويةً لمن عنده خلل في باب الإمامة والولاية، وهذا ما لا يصحُّ شرعًا.
الاستدراك التاسع:
ذكر الدكتور أن الطاعة إنما تكون بالمعروف، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا حقٌّ، وأؤكد أن المراد بالمعروف ما لم يكن معصية، فيُطاع في كلِّ ما ليسَ معصية، وأنَّ من أمرَ بمعصيةٍ فلا يُطاع في المعصية لكن يُطاع فيما
стр. 280
عدا ذلك، وأنَّ ولايته وحُكمَهُ لا تسقط لأنه أمر بمعصية.
ثم نقل عن ابن حجر فقال: «قال الحافظ ابن حجر: ومن بديعِ الجواب قولُ بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له: أليسَ الله أمرَكُم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال له: أليسَ قد نُزِعَتْ عنكم - يعني الطاعة - إذا خالفتُم الحقَّ بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾».
والمراد بهذا نزعُ الطاعة فيما هو معصية، ويبقى السمعُ والطاعة فيما ليس معصيةً، كما هو معتقد أهل السنة - وقد تقدم - (١).
الاستدراك العاشر:
قال الدكتور آل عبد اللطيف: «وكتب عمر الفاروق إلى أهل الكوفة: «من ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي المغيرةَ بن شعبة فيقول: إمَّا أن تُنصفني من نفسكَ وإلَّا فلا إمرةَ لك عليَّ».
تقدَّم الكلام على هذا وأنه لادلالة فيه بحال (٢).
الاستدراك الحادي عشر:
نقل الدكتور آل عبد اللطيف كلامًا لابن القيم فهِمَهُ على غير مراده فقال:
«وقال الإمام ابن القيم: «فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم، إذ لو كانوا إنما يُطاعون فيما يُخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعةُ لله ورسوله لا لهم؟ قيل:
стр. 281
وهذا هو الحقُّ، وطاعتُهم إنَّما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنَها بطاعة الرسول، ولم يُعد العامل، وأفردَ طاعة الرسول، وأعادَ العامل، لئلَّا يتوهم أنه إنما يُطاع تبعًا، كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا».
إنَّ إيراد الدكتور له في معرض الكلام على الإمام - ولي الأمر العام، وظنَّهُ أنَّ ابن القيم يريد هذا = خطأ فاحش، وذلك أنَّ كلام ابن القيم في ذمِّ التقليد للعلماء، وعند ابن القيم أن العلماء داخلون في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فهو يقول: لا يجوز تقليد العلماء في معرفة شرع الله ومراد الله في مقابل تركِ النصِّ والدليل، فكلامُه على تقليدهم في معرفة حكمٍ شرعي، وهذا يتَّضحُ بنقل كلامه السابق.
قال الإمام ابن القيم: «أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه؛ أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثالُ أمره واجتنابُ نهيه.
الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومَن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلِّد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيقُ طاعة الله ورسوله ألبتة.
الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وحينئذ فطاعتهُم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال.
стр. 282
الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا صريحٌ في إبطال التقليد، والمنع من ردِّ المتنازع فيه إلى رأيٍ أو مذهب أو تقليد.
فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟.
قيل: وهذا هو الحقُّ، وطاعتهم إنما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنها بطاعة الرسول ولم يُعِد العامل، وأفردَ طاعة الرسول وأعاد العامل لئلَّا يُتوهَّم أنه إنما يُطاع تبعًا كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبةٌ استقلالًا، سواء كان ما أمر به، ونهى عنه في القرآن أو لم يكن» (١).
ثم لو قُدِّر جدلًا أنه أراد تقليد الحاكم فيقال: إنَّ كلامه في تقليدهم في معرفة مُراد الله وأحكامه، وتقدَّم أنه لا يصحُّ أن يترك النصُّ والدليل لقول الحاكم، بل هو مثل غيره في هذا الأمر (٢).
الاستدراك الثاني عشر:
قال الدكتور آل عبد اللطيف: «وبيَّن شيخ الإسلام في موطن آخر أنَّ أهلَ السُّنة لا يوجِبونَ طاعة الإمام في كلِّ ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلَّا فيما تسوغُ طاعته في الشرعية، فلا يجوّزون طاعته في معصية الله، وإن كان إمامًا عادلًا.
وقال أيضًا: والإمامُ العدل تجب طاعته فيما لم يُعلم أنه معصية، وغيرُ العدل تجب طاعته فيما عُلم أنه طاعة كالجهاد».
стр. 283
هذا النقل يكثر تناقلُه لمن عندهم ضلالٌ في باب الإمامة لظنِّهم أنه يؤيد مذهبهم البدعي، وقد سبق - بفضل الله - ردُّ استغلالهم لهذا النقل من أوجه (١).
الاستدراك الثالث عشر:
ذكر الدكتور آل عبد اللطيف قاعدة فهِمَها خطأ من كلام ابن تيمية.
يقول الدكتور: «ومما يجدرُ تقريرهُ أيضًا ما حرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية من عدم العدول عن نصٍّ شرعي معيَّن إلى نصٍّ عامٍّ في طاعة ولاة الأمور، فإنَّ أكثر الصحابة ﵃ اعتزلوا القتال الواقع بين علي ومعاوية ﵄ لأنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه.
يقول شيخ الإسلام: ومَن رأى أنَّ هذا القتال مفسدتهُ أكثر من مصلحته عَلِمَ أنه قتال فتنة، فلا تجبُ طاعة الإمام فيه، إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنصّ، فمَن علم أنه هذا هو قتال الفتنة - الذي تركُه خيرٌ من فعله - لم يجب عليه أن يعدلَ عن نصٍّ معين خالصٍ إلى نصٍّ عام مطلق في طاعة أولي الأمر، ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالردِّ إلى الله والرسول».
إنَّ كلام ابن تيمية حقٌّ، ومراده لا يُصار إلى طاعة الحاكم في معصية الله استدلالًا بالنصوص العامة الآمرة بطاعته، فإنها مقيدة في غير معصية الله، فإنَّ قتال الفتنة الذي تغلب مفسدته مصلحته محرَّم ومعصية، فلا يُطاع الحاكم فيه، لأنه محرَّم ومعصية.
стр. 284
الاستدراك الرابع عشر:
ذكر الدكتور كلام ابن القيم عن الإمام مالك أنه لم يترك الفتيا لأجل منع السلطان، فقال الدكتور: «وقد سلك هذا المسلك أئمةٌ كبار؛ كالإمام مالك بن أنس عندما منعه السلطان من الفتيا بأنَّ يمينَ المكْرَهِ لا تنعقد فلم يمتنع بدعوى طاعة ولاة الأمور.
يقول ابن القيم: فهذا مالكُ بن أنس توصَّل أعداؤه إلى ضرِّه بأن قالوا للسلطان: إنه يُحلُّ عليك أيْمان البيعة بفتواه أنَّ يمين المكْرَه لا تنعقد، وهم يحلفون مكرَهين غيرَ طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على مَنْ آتاه الله علمًا أن يبيِّنه للمسترشدين».
إنَّ فعل الإمام مالك حقٌّ لأنه يرى أنَّ امتناعه من الفتيا محرَّم، ولا يجوز السمع والطاعة فيما حرَّم الله، فهذا محمول على تعليم وفتيا لا يقوم بها غيره، فتعيَّنت عليه أو قام بها غيره لكن لا يكفي.
وهكذا بقية النقول، ومن لم يكن حاله كذلك ولم يمتنع فإنه مخطئ، لأنه إذا كان التعليم مستحبًّا فإن الطاعة للحاكم لما منع معينًا من التعليم واجبة، والواجبُ مقدمٌ على المستحب، والحجَّة في الدليل، وهو وجوبُ السمع والطاعة في غير معصية الله.
ثم ينبغي أن يُعلَم أن من لم يمتنع من السلف عن تعليم العلم الشرعي والفتوى والدعوة إلى السُّنة كانوا يرون هذا واجبًا في علم شرعي ينفع الناس، فلا يصحُّ للدكتور آل عبد اللطيف وأصحابه أن يستندوا على هذه الكلمات من السلف في ألَّا يستجيبوا لمنع ولي الأمر لهم من الدروس؛ لأنه - تنزُّلًا - هناك فرق كبير بين
стр. 285
دروسهم ودروس السلف، فإن دروس هؤلاء في الدعوة إلى الاعتقادات البدعية في باب الإمامة والتحزُّب والدعوة إلى الثورة على الحكام تصريحًا أو تلميحًا، حتى ولو كانت دروسهم في الكتب النافعة، فإنهم يدخلون هذه الاعتقادات الباطلة في هذه الدروس، ففعلُ هؤلاء محرَّم يجبُ عليهم أن يتوقفوا عنه، ولو لم ينهَهُم السلطان وإذا نهاهُم زادت الحرمة حُرمةً وإثمًا لاجتماعِ معصيَتين في حقِّهم.
ومما ينبغي أن يُتنبه له أنَّ الدكتور آل عبد اللطيف لجهله أو بغيهِ يكرِّر كلامَ ابن تيمية في عدم السمع والطاعة في المعصية بعدة طرق.
منها: لا طاعة لجهَلَة الحكام إلَّا فيما يُعلم أنه سائغ شرعًا.
ومنها: لا طاعة مطلقة إلَّا للرسل ﵈.
ومنها: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومنها: عدم العدول عن نصٍّ شرعي معين إلى نصٍّ عام في ولاة الأمور.
وكلُّها راجعة إلى ما هو متفق عليه وهو عدم السمع والطاعة للحاكم في معصية الله، لكن هوَّلَ بهذه العناوين وأوهَم.
والملاحظ أنه يتهرَّب من النصوص والأدلة الواضحة إلى الأدلة المشتبهات والنقول المجملات لأهل العلم ويتتبع زلاتهم.