وهذا هو الحقُّ، وطاعتُهم إنَّما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنَها بطاعة الرسول، ولم يُعد العامل، وأفردَ طاعة الرسول، وأعادَ العامل، لئلَّا يتوهم أنه إنما يُطاع تبعًا، كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا».
إنَّ إيراد الدكتور له في معرض الكلام على الإمام - ولي الأمر العام، وظنَّهُ أنَّ ابن القيم يريد هذا = خطأ فاحش، وذلك أنَّ كلام ابن القيم في ذمِّ التقليد للعلماء، وعند ابن القيم أن العلماء داخلون في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فهو يقول: لا يجوز تقليد العلماء في معرفة شرع الله ومراد الله في مقابل تركِ النصِّ والدليل، فكلامُه على تقليدهم في معرفة حكمٍ شرعي، وهذا يتَّضحُ بنقل كلامه السابق.
قال الإمام ابن القيم: «أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه؛ أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثالُ أمره واجتنابُ نهيه.
الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومَن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلِّد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيقُ طاعة الله ورسوله ألبتة.
الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وحينئذ فطاعتهُم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال.
стр. 282
الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا صريحٌ في إبطال التقليد، والمنع من ردِّ المتنازع فيه إلى رأيٍ أو مذهب أو تقليد.
فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟.
قيل: وهذا هو الحقُّ، وطاعتهم إنما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنها بطاعة الرسول ولم يُعِد العامل، وأفردَ طاعة الرسول وأعاد العامل لئلَّا يُتوهَّم أنه إنما يُطاع تبعًا كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبةٌ استقلالًا، سواء كان ما أمر به، ونهى عنه في القرآن أو لم يكن» (١).
ثم لو قُدِّر جدلًا أنه أراد تقليد الحاكم فيقال: إنَّ كلامه في تقليدهم في معرفة مُراد الله وأحكامه، وتقدَّم أنه لا يصحُّ أن يترك النصُّ والدليل لقول الحاكم، بل هو مثل غيره في هذا الأمر (٢).
الاستدراك الثاني عشر:
قال الدكتور آل عبد اللطيف: «وبيَّن شيخ الإسلام في موطن آخر أنَّ أهلَ السُّنة لا يوجِبونَ طاعة الإمام في كلِّ ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلَّا فيما تسوغُ طاعته في الشرعية، فلا يجوّزون طاعته في معصية الله، وإن كان إمامًا عادلًا.
وقال أيضًا: والإمامُ العدل تجب طاعته فيما لم يُعلم أنه معصية، وغيرُ العدل تجب طاعته فيما عُلم أنه طاعة كالجهاد».
стр. 283
هذا النقل يكثر تناقلُه لمن عندهم ضلالٌ في باب الإمامة لظنِّهم أنه يؤيد مذهبهم البدعي، وقد سبق - بفضل الله - ردُّ استغلالهم لهذا النقل من أوجه (١).
الاستدراك الثالث عشر:
ذكر الدكتور آل عبد اللطيف قاعدة فهِمَها خطأ من كلام ابن تيمية.
يقول الدكتور: «ومما يجدرُ تقريرهُ أيضًا ما حرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية من عدم العدول عن نصٍّ شرعي معيَّن إلى نصٍّ عامٍّ في طاعة ولاة الأمور، فإنَّ أكثر الصحابة ﵃ اعتزلوا القتال الواقع بين علي ومعاوية ﵄ لأنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه.
يقول شيخ الإسلام: ومَن رأى أنَّ هذا القتال مفسدتهُ أكثر من مصلحته عَلِمَ أنه قتال فتنة، فلا تجبُ طاعة الإمام فيه، إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنصّ، فمَن علم أنه هذا هو قتال الفتنة - الذي تركُه خيرٌ من فعله - لم يجب عليه أن يعدلَ عن نصٍّ معين خالصٍ إلى نصٍّ عام مطلق في طاعة أولي الأمر، ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالردِّ إلى الله والرسول».
إنَّ كلام ابن تيمية حقٌّ، ومراده لا يُصار إلى طاعة الحاكم في معصية الله استدلالًا بالنصوص العامة الآمرة بطاعته، فإنها مقيدة في غير معصية الله، فإنَّ قتال الفتنة الذي تغلب مفسدته مصلحته محرَّم ومعصية، فلا يُطاع الحاكم فيه، لأنه محرَّم ومعصية.
стр. 284
الاستدراك الرابع عشر:
ذكر الدكتور كلام ابن القيم عن الإمام مالك أنه لم يترك الفتيا لأجل منع السلطان، فقال الدكتور: «وقد سلك هذا المسلك أئمةٌ كبار؛ كالإمام مالك بن أنس عندما منعه السلطان من الفتيا بأنَّ يمينَ المكْرَهِ لا تنعقد فلم يمتنع بدعوى طاعة ولاة الأمور.
يقول ابن القيم: فهذا مالكُ بن أنس توصَّل أعداؤه إلى ضرِّه بأن قالوا للسلطان: إنه يُحلُّ عليك أيْمان البيعة بفتواه أنَّ يمين المكْرَه لا تنعقد، وهم يحلفون مكرَهين غيرَ طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على مَنْ آتاه الله علمًا أن يبيِّنه للمسترشدين».
إنَّ فعل الإمام مالك حقٌّ لأنه يرى أنَّ امتناعه من الفتيا محرَّم، ولا يجوز السمع والطاعة فيما حرَّم الله، فهذا محمول على تعليم وفتيا لا يقوم بها غيره، فتعيَّنت عليه أو قام بها غيره لكن لا يكفي.
وهكذا بقية النقول، ومن لم يكن حاله كذلك ولم يمتنع فإنه مخطئ، لأنه إذا كان التعليم مستحبًّا فإن الطاعة للحاكم لما منع معينًا من التعليم واجبة، والواجبُ مقدمٌ على المستحب، والحجَّة في الدليل، وهو وجوبُ السمع والطاعة في غير معصية الله.
ثم ينبغي أن يُعلَم أن من لم يمتنع من السلف عن تعليم العلم الشرعي والفتوى والدعوة إلى السُّنة كانوا يرون هذا واجبًا في علم شرعي ينفع الناس، فلا يصحُّ للدكتور آل عبد اللطيف وأصحابه أن يستندوا على هذه الكلمات من السلف في ألَّا يستجيبوا لمنع ولي الأمر لهم من الدروس؛ لأنه - تنزُّلًا - هناك فرق كبير بين
стр. 285
دروسهم ودروس السلف، فإن دروس هؤلاء في الدعوة إلى الاعتقادات البدعية في باب الإمامة والتحزُّب والدعوة إلى الثورة على الحكام تصريحًا أو تلميحًا، حتى ولو كانت دروسهم في الكتب النافعة، فإنهم يدخلون هذه الاعتقادات الباطلة في هذه الدروس، ففعلُ هؤلاء محرَّم يجبُ عليهم أن يتوقفوا عنه، ولو لم ينهَهُم السلطان وإذا نهاهُم زادت الحرمة حُرمةً وإثمًا لاجتماعِ معصيَتين في حقِّهم.
ومما ينبغي أن يُتنبه له أنَّ الدكتور آل عبد اللطيف لجهله أو بغيهِ يكرِّر كلامَ ابن تيمية في عدم السمع والطاعة في المعصية بعدة طرق.
منها: لا طاعة لجهَلَة الحكام إلَّا فيما يُعلم أنه سائغ شرعًا.
ومنها: لا طاعة مطلقة إلَّا للرسل ﵈.
ومنها: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومنها: عدم العدول عن نصٍّ شرعي معين إلى نصٍّ عام في ولاة الأمور.
وكلُّها راجعة إلى ما هو متفق عليه وهو عدم السمع والطاعة للحاكم في معصية الله، لكن هوَّلَ بهذه العناوين وأوهَم.
والملاحظ أنه يتهرَّب من النصوص والأدلة الواضحة إلى الأدلة المشتبهات والنقول المجملات لأهل العلم ويتتبع زلاتهم.
стр. 286
الفصل الخامس
استدراكات على كتاب
«الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان
стр. 287
استدراكات على كتاب
«الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان
إن كتاب (الحرية والطوفان) من الكتب المخالفة لأهل السنة في أصل السمع والطاعة (١)، فاشترك - في الجملة - مع الكتب السرورية في هذه المخالفة، لكن زاد عليهم أمورًا تجعل منهجَه منهجًا قريبا لليبرالية، وذلك لما يلي:
أولًا: غلوُّه في الحرية، فجعل للكفار والمبتدعة حقَّهم في الدعوة إلى باطلهم، وليس للحكام حقُّهم في منعهم من ذلك.
ثانيًا: جعل اختيار الحاكم للأمة؛ لا إلى أهل الحلِّ والعقد.
ثالثًا: نازعَ في شرط القرشية في الإمامة والولاية.
رابعًا: حرَّف الكلم بأن جعلَ الشورى المرادة في الشريعة هي المجالسَ البرلمانية وأمثالها.
خامسًا: غلا في إرادة الأمة والشعب؛ بخلاف السروريين فهُم غلاة في تحكيم الشريعة … إلى غير ذلك.
وفي كتاب (الحرية والطوفان) وكتابه الآخر الذي ألَّفه تدعيمًا له، وهو كتاب (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) مزالقُ وموبقات، وقد استدركتُ عليه واحدًا وثمانين استدراكًا مع إعراضي عن جملةٍ كثيرة من المزالق والمغالطات التي لو ذكرتُها كلَّها لكانت استدراكاتي ما يقارب الضِّعف، والذي
стр. 288
أذكرهُ مختصرًا في هذه الاستهلالة: أنَّ الدكتور حاكمًا العبيسان لم يستطع أن ينقلَ عن عالمٍ واحد من علماء الأمة سلفًا له فيما يدَّعيه من الحرية، وهذا ليس غريبًا لأنها أشبه بالليبرالية منها بالإسلامية.
وبعد هذا إليك الاستدراكات على كتاب (الحرية والطوفان):
الاستدراك الأول:
قرر أن إقامة الدولة الإسلامية مرادٌ لذاته، مع قوله إنه مراد لغيره، فجعلها غايةً باعتبار، ووسيلةً باعتبار فقال: «وقد أكَّد القرآن ضرورة الدولة في آيات كثيرة كغايةٍ وهدف، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
وكذلك أكَّد ضرورة الدولة كوسيلةٍ لغاية أخرى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]» (١).
القولُ بأنَّ إقامة الدول الإسلامية غايةٌ ومقصدٌ لذاته غلوٌّ لا يدلُّ عليه دليل، بل هو مخالفٌ للأدلة وأقوال علماء الأمة، وقد استدلَّ بوعد الله بالاستخلاف، وهذا لا دلالة فيه ألبتة على أنَّ الاستخلاف غاية، فمن أين استنبط أن الوعد بأمرٍ يعدُّ مرادًا ومقصودًا لذاته؟!
стр. 289
وقد دلت الأدلة على أنَّ إقامة الدولة مرادٌ لغيره، ومن ذلك أنه قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ومن الأدلة أنَّ رسول الله ﷺ جلس في مكة ثلاث عشرة سنة، ولم يُنادِ إلى إقامة دولةٍ بل نادى إلى عبادة الله وحده.
وقد دلَّ على هذا أقوال أهل العلم؛ فكلُّ ما تقدَّم ذِكرهُ في التأصيلات من أقوال أهل العلم في أنَّ الإمامة والولاية مرادةٌ لغيرها يدلُّ على أنَّ الدولة مرادة لغيرها، لأن الدولة لو كانت مرادةً لذاتها لكانت الإمامة كذلك؛ فإنها ركنٌ من أركان الدولة.
الاستدراك الثاني:
استدل بأدلةٍ لا دلالة فيها ألبتة في بيان أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها، قال: «وقد عمل النبيُّ ﷺ على تحقيق هذه الغاية وهو في مكة، فكان يخرج إلى القبائل في المواسم يبحثُ عمن ينصرهُ لتحقيق هذا الهدف الذي هو أيضًا وسيلة لأهداف أسمى، تتمثل في إقامة الدين والعدل الذي جاء به القرآن، فقد عرضَ النبي ﷺ دعوته على بني شيبان، فقال سيِّدهم المثنى بن حارثة: إنما نزلنا في العراق على عهدٍ أخذَهُ كسرى علينا؛ ألَّا نُحدِثَ حدَثًا، ولا نؤوي مُحدثًا؛ وإنى أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهُه الملوك، فإن أحببتَ أن نؤيِّدكَ وننصرَكَ مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : «ما أسأتُم بالردِّ إذ أفصحتُم بالصِّدق، وإنَّ دينَ الله لن ينصُرَه إلَّا مَنْ أحاطَهُ من جميع جوانبه» (١).
فقد كان واضحًا أن النبي ﷺ إنما كان يدعو لدين ودولة، ولهذا أدركَ بنو شيبان أنَّ الملوك لن ترضى بمثل هذا الأمر الذي جاءهم به النبي ﷺ ، ويؤكد
стр. 290
ذلك أن النبي ﷺ بايع الأنصار البيعة الثانية بمكة على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره؛ وهي بيعة الحرب.
ففي حديث جابر بن عبدالله: قلنا: يا رسول الله علَامَ نبايعك؟ قال: «تبايعونني على السَّمع والطاعة في النشاطِ والكسَل، والنفقة في العُسرِ واليسْرِ، وعلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصُروني وتمنَعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منهُ أنفسَكُم وأزواجَكُم وأبناءكم».
وقد أدرك هذا الأنصار فقال سيِّدهم أسعد بن زرارة: إنَّ إخراجَهُ اليوم منازعةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضَّكمُ السيوف» (١).
فقد كان خطاب النبي ﷺ السياسي لهم واضحًا، وأنه يهدف إلى إقامة دولة، وقد هاجر النبي ﷺ بعد هذه البيعة لإقامة الدولة والدين معًا، إذ لا يُتصوَّر إقامة الدين لله دون دولة تقوم بهذه المهمة، وقد استطاع النبي ﷺ بعد الهجرة أن يحقق هذا الهدف الرئيسي الذي سيسهِّل مهمة إقامة الدين كلِّه لله (٢).
الاستدلال بهذين الدليلين على أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها، استدلال بما لا يدلُّ عليه الدليل.
أما وجه الغرابة في الدليل الأول: هو قوله: إنه ﷺ عرضَ نفسه على بني شيبان، وأنهم أدركوا أنَّ الملوك لن ترضى بهذا، فهذا إذًا يدلُّ على أنه كان يسعى لإيجاد دولة مسلمة، وهذا استدلالٌ ضعيف للغاية من أوجه:
стр. 291
الوجه الأول: أنه لا يلزم من معرفة بني شيبان عداء الملوك لهم إذا استجابوا لدعوةِ رسولِ الله أن يكون رسولُ الله عرضَ عليهم إيجادَ دولة، وهذا يتَّضحُ بمايلي:
وهو أنه لو قام رجلٌ على منع الخمر وتحريمه، فسيُحاربه الملوك الفاسدون، والسببُ في ذلك أنه يدعو إلى ما يخالفُ ملذَّاتهم وأهواءهم، لا أنها مرادة لذاتها.
ومثل هذا دعوة رسول الله ﷺ ، فإنها تحارب معبوداتهم المحبوبة إليهم أشدَّ من شهواتهم؛ فليس السبب أن الدولة الإسلامية مرادة لذاتها.
الوجه الثاني: أن الأدلة الأخرى بيَّنت أن وظيفة الرسل أجمعين الدعوة إلى عبادة الله وحده، فهي الغاية فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وما كان محقِّقًا لها فهو وسيلة لها.
الوجه الثالث: أن الأدلة الأخرى بيَّنت ما كان يدعو إليه رسول الله ﷺ ؛ ومن ذلك ما قاله طارق بن عبد الله المحاربي: رأيتُ رسول الله ﷺ في سوق ذي المجاز وعليه حُلَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلِحوا»، ورجلٌ يتبعهُ يرميه بالحجارة وقد أدمَى عُرقوبَيه وكَعبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تُطيعوه فإنَّه كذَّاب فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلامُ بني عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب (١).
فلم يكن يدعوهم إلى إيجاد دولة مسلمة، بل أن يدخلوا الإسلام ويعتنقوا التوحيد.
стр. 292
الوجه الرابع: أن كفار قريش عرضوا على رسول الله ﷺ أن يملِّكوه ورفضَ ولم يلتفت إليهم، ولو كان الملك وإيجاد الدولة المسلمة مرادًا لذاته لقبلَ أن يكون ملكًا عليهم (١).
أما الدليل الثاني من استدلالاته التي لا دلالة فيها على مرادهِ قولُ رسول الله ﷺ للأنصار: «بايعوني على السَّمع والطاعة … » إلى آخر الحديث وإلى آخر ما قال الدكتور حاكم العبيسان.
قد فهم الدكتور حاكم العبيسان خطأ لمَّا ظنَّ أن معنى الدعوة إلى الدولة المسلمة في هذه الفترة: أنه يعني أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها؛ لأن غاية ما في هذا الدليل أنه دعا إليها، وهذا حقٌّ يقول به من يقرِّر أنَّ الدولة مرادة لغيرها، كما يقول به من يقول إنَّ الدولة مرادة لذاتها، فإذًا الدعوةُ إلى إقامة الدولة لا يُفيد أنها مرادة لذاتها؛ لمجرد أن الشريعة دعت إليها، فإنَّ رسول الله ﷺ يدعو إلى الدِّين كلِّه سواءٌ كان مرادًا لذاته أو لغيره، فلا يصحُّ أن يُستنبط من دعوته لأمر أنه مرادٌ لذاته لمجرَّد دعوته إليه.
إذا تبين هذا يتبيَّن غرابة استدلاله بهذا جدًّا، ثم ضعفُ بقية أدلته وغرابةُ استدلاله بها.
стр. 293
الاستدراك الثالث:
قال حاكم العبيسان: «فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقدٍ بين طرفين، تكون الأمة فيه الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شئونها» (١).
القول بأن عقدُ الإمامة عقد وكالة يلزمُ عليه ما هو مخالفٌ لإجماع أهل السنة؛ وهو أنَّ للأمة حقًّا في عزلِ الحاكم؛ وقد سبق بيان بطلان هذا القول ولازمه (٢).
الاستدراك الرابع:
قال الدكتور حاكم: «كل ذلك يؤكِّد أن عقد الإمامة كغيره من العقود، وهو أشبه بعقد الوكالة، ينوب فيه الإمام عن الأمة، فهي التي تختاره كما أنها هي التي لها الحقُّ في عزله» (٣).
تقدم أن جعل العقد وكالةً باطلٌ، ثم ترتيب جواز عزلهِ على ذلك باطلٌ أيضًا = مخالفٌ لإجماع أهل السنة وللأدلة الصريحة، وقد سبق بيان هذا (٤).
الاستدراك الخامس:
قال الدكتور حاكم: «وقد دخل عليه أبو مسلَّم الخولاني فسلم عليه فقال: «السلام عليك أيها الأجير! فقيل له: قل الأمير، فقال: بل أنت أجير … » وهذا يؤكِّد أن عقدَ الإمامة في نظر الصحابة ﵃ هو عقدٌ أشبه بالوكالة، والإمام
стр. 294
كالوكيل أو الأجير» (١).
والجواب على هذه الشبهة من أوجه ثلاثة، وقد سبق ذكرها (٢).
الاستدراك السادس:
جازفَ الدكتور حاكم العبيسان وادَّعى أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الإمام وكيل عن الأمة فقال: «ثم تأمَّلْ مدى جناية هذا العَيِي الدَّعي على العلم وأهله كيف يخفى عليه بأن كون الإمام وكيلًا عن الأمة هو كلامُ فقهاء أهل السنة قاطبة لا خلاف فيه بينهم، وقد أوردتُ من نصوص الشافعية والحنابلة والمالكية وغيرهم ما يؤكِّد ذلك» (٣).
إنَّ نفيَ الخلاف أمرٌ صعب لا يؤخذ إلَّا ممن كان ذا علمٍ واستقراء، وكلا هذين الأمرين لا يُعرَفان عن الدكتور حاكم، فهو قد شغلَ نفسه وأضاعَ وقته في تتبُّع السياسات والدعوة إلى حريةٍ أشبه ما يصحُّ أن تسمَّى ليبرالية، لذا لم يستطع أن ينقلها عن عالمٍ واحد من علماء السنة الماضين الموثوقين فضلًا عن أن ينقلَ الإجماع عليها.
والخلافُ في هذه المسألة معروف عند الحنابلة المتأخرين؛ فقد اختلفوا في عقد الإمامة هل هو عقد ولاية أو وكالة؛ وعلى هذا يكون تصرُّفه عن الرعية، قال ابن رجب: «المتصرِّفُ تصرُّفًا عامًّا على الناس كلِّهم من غير ولاية أحدٍ معيَّن وهو الإمام، هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم أو بطريق الولاية؟
стр. 295
في ذلك وجهان؛ وخرَّج الآمدي روايتين بناءً على أن خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؛ لأنَّا إنْ جعلناه على عاقلته فهو متصرِّفٌ بنفسه، وإن جعلناه في بيت المال، فهو متصرِّف بوكالتهم لهم وعليهم، فلا يضمن لهم ولا يهدر خطأه، فيجب في بيت المال. واختيار القاضي في خلافه أنه متصرِّف بالوكالة لعمومهم.
وذكر في الأحكام السلطانية روايتين في انعقاد الإمامة بمجرد القهر من غير عقد، وهذا يحسُن أن يكون أصلًا للخلاف في الولاية والوكالة أيضًا، وينبني على هذا الخلاف أيضًا انعزاله بالعزل؛ ذكرَهُ الآمدي، فإن قلنا: هو وكيل فله أن يعزل نفسه.
وإن قلنا: هو والٍ لم ينعزل بالعزل كما أنَّ الرسول ليس له عزلُ نفسه ولا ينعزلُ بموت مَنْ بايعه؛ لأنه وكيل عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدَهم، وهل لهم عزلُه إذا كان بسؤاله فحكمُه حكمُ عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يُجز بغير خلاف، هذا ظاهرُ ما ذكره القاضي وغيره» (١).
فكيف يدَّعي حاكم العبيسان أنه لا خلاف في هذه المسألة؟
وتقدَّم بيان أنه يلزم على القول بأنه عقد ولاية أو وكالة لوازمُ باطلة؛ لذا لسنا مُلزَمين بهذين الأمرين، ثم لم أرَ الأوَّلين عبَّروا بأنه عقدُ وكالة أو ولاية (٢).
وما تقدَّم نقله عن الفقهاء إنما هو قولُ المتأخرين دون الأولين، ويلزمُ على قولهم لوازمُ مخالفة لقول أهل السنة - كما تقدم - (٣).
стр. 296
الاستدراك السابع:
قال حاكم العبيسان: «كما يدلُّ حرصُ معاوية ﵁ على أخذِ البيعة ليزيد على ضرورة عقد البيعة وأهميته، وأن شرعية أيِّ إمام لا تتمُّ إلَّا به، وأنَّ كونه خليفة للمسلمين لا يخوِّله حقَّ فرضِ ابنه على الأمة، وأنَّ عهده إلى ابنه دون عقد البيعة لا قيمة له، ولهذا حرصَ على عقدها لابنه لضرورتها» (١).
هذا الكلام صريح في أنه لا يرى صحَّة الإمامة والولاية للمتغلِّب لما قال: «وأنَّ شرعية أيِّ إمام لا تتمُّ إلَّا به»، وهذا القول باطلٌ مخالفٌ للنصوص الشرعية، ولإجماع أهل السنة في صحَّة ولاية المتغلب - كما تقدم - (٢).
وقوله: بردِّ إمامة وولاية المتغلب هو من أفسَدِ ما دعا له في كتابه؛ فبمجرَّد إثبات صحَّة إمامة وولاية المتغلِّب يسقط كتابه، والفكرة التي من أجلها ألَّفه.
وكفى هذا الكتاب بطلانًا وفسادًا أن يكون قائمًا على مصادمة الأدلة الشرعية وفتاوى الصحابة وإجماع أهل السنة على صحة ولاية المتغلِّب؛ وقد تقدَّم ذكرها (٣).
الاستدراك الثامن:
زعم الدكتور - زورًا وبهتانًا وتدليسًا - أنَّ الصحابة مُجمعونَ على عدم صحَّة الولاية للمتغلِّب فقال: «ولا خلافَ بين الصحابة في أنَّه لابدَّ لصحَّة البيعة من رضا الأمة واختيارها دون إكراهٍ أو إجبار؛ ولهذا قال أبو بكر للصحابة: أترضَونَ بمن استُخلفَ عليكم؟ فإني واللهِ ما ألَوتُ من جهدِ الرأي، ولا ولَّيتُ ذا قرابة،
стр. 297
وإني استخلفتُ عمرَ بن الخطاب، فاسمَعوا له وأطيعوا. قالوا: سَمِعْنا وأطعنا. وفي رواية: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضُهم: قد عَلمنا به. فأقرُّوا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا» (١).
وقد سبق كشف هذه الشبهة - بفضل الله - من أوجهٍ أربعة (٢)، وبها يتبين كذبُ كلامه.
الاستدراك التاسع:
قال الدكتور: «فقد عقد الصحابة ﵃ البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي دون إكراه ولا إجبار، ولا يُتصوَّر بطلانُ عقد البيع في ربعِ دينار عند انعدامِ رضا أحد الطرفين، وصحَّةُ عقدِ الإمامة مع الإكراه، فهذا يصطدم بنظرية العقود في الشريعة الإسلامية التي تشترط لصحَّةِ كلِّ عقدٍ رضا الطرفين، إذ لا عقدَ لمُكْرَه» (٣).
تقدَّم - بفضل الله - كشفُ هذه الشبهة من أوجهٍ ثلاثة (٤).
الاستدراك العاشر:
قال الدكتور حاكم: «وإذا كان الله الذي أوجبَ طاعته على العباد لم يرضَ إجبارَهُم ولا إكراهَهُم على طاعته حتى قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فكيف يُتصوَّر جوازُ عقد الإمامة - التي تقتضي الطاعة للإمام - دون رضا الأمة،
стр. 298
وإكراهها على عقده ثم التزامها بمقتضاه تحت الإكراه؟!» (١).
تقدَّم - بفضل الله - كشفُ هذه الشبهة من أوجهٍ ثلاثة (٢).
الاستدراك الحادي عشر:
قال الدكتور حاكم العبيسان: «ولوضوح هذا المبدأ أفتى مالك ﵀ فتواه بأنه لا بيعة لمكره» (١).
والجوابُ أن يقال: «تقدَّم بيان أن القول بعدم صحَّة بيعة المكره، لا تتنافى مع صحَّة ولاية المتغلِّب (٣)، وأيضًا فإنَّ الإمام مالكًا صحَّح ولاية المتغلِّب - كما سبق - (٤)».
الاستدراك الثاني عشر:
جعل الدكتور حاكم العبيسان الشورى ملزِمةً فقال: «بل جميعُ تصرُّفات الصحابة تؤكِّد أنها واجبةٌ ملزمة» (٥).
ليس الإشكال في مبدأ الشورى، بل الإشكالُ في جعلِ الشورى مُلزمةً للحاكم إذا أشاروا عليه بأمرٍ لَزِمهُ الأخذُ به، وهذا ما لم أقفْ على دليلٍ يدلُّ عليه، وأيضًا ما رأيتُ أحدًا من أهل العلم قالَهُ وقرَّره، وقد تقدَّم بيانُ هذا فيما سبق (٦).
стр. 299
الاستدراك الثالث عشر:
قال حاكم العبيسان في الفرقان: «وأجمعت الأمة وأهلُ السُّنة على أنَّ خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة كانت بالشورى والرضا والاختيار» (١).
هذه أيضًا من المسائل التي يبالغ فيها حاكم عبيسان ويجازفُ بحكاية الإجماعات فيها، فقد أثبتَ الماوردي الخلافَ بين العلماء في هذه المسألة، وبين أنَّ عهدَ أبي بكر لعمر مُلزم فقال: «لكن اختلفوا: هل يكونُ ظهورُ الرضا منهم شرطًا في انعقاد بيعته أو لا؟ فذهبَ بعضُ علماء أهل البصرة إلى أنَّ رضا أهلِ الاختيار لبيعتِه شرطٌ في لزومها للأمة؛ لأنها حقٌّ يتعلَّق بهم، فلم تلزمهم إلَّا برضا أهلِ الاختيار منهم.
والصحيح أنَّ بيعته منعقدة وأنَّ الرضا بها غير معتبر؛ لأن بيعة عمر ﵁ لم تتوقَّف على رضا الصحابة؛ ولأن الإمامَ أحقُّ بها، فكان اختيارهُ فيها أمضى، وقوله فيها أنفَذ» (٢)، فكيف يحكي حاكم العبيسان الإجماعَ عليها، أليس هذا تهوُّرًا ومجازفة؟!
الاستدراك الرابع عشر:
قال الدكتور: «وكلُّ ذلك من عثمان وعلي دليلٌ على أنَّ خلع الخليفة حقٌّ للأمة التي اختارته، وإنَّما رفضَ عثمان ما أراده منه أهلُ الفتنة؛ لأنهم ليسوا كلَّ الأمة، بل لم يوافق الصحابة وعامة المسلمين على خلعِ عثمان نفسه من الخلافة، وخشيَ هو إنْ خلعَ نفسه منها أن يُفضيَ ذلك إلى حدوثِ فتنة عظيمة، وتصبح بذلك سُنَّة كلَّما رأتْ شرذمةٌ رأيًا فرضَتهُ على الأمة بقوة السلاح، فلا تستقيمُ
стр. 300
شئون الدولة ولا تصلحُ شئون الأمة على مثل هذا» (١).
والجواب على هذا من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ليس في كلام عثمان لا لفظًا ولا مفهومًا ما يدلُّ على أنَّ الذي منعَهُ من خَلْعِ نفسهِ أنَّ أهلَ الفتنة ليسوا كلَّ الأمة أو أكثرها كما توهَّم الدكتور.
الوجه الثاني: تقدَّمت الأدلة والإجماعاتُ في حُرمةِ خَلْعِ الرَّعية للإمام مهما ظلمَ وفسقَ بما أنه مسلم (٢)، فلا يُترك هذا المتيقَّن إلى ظُنونٍ متوهَّمة، بل أوهامٍ؛ لأنها مخالفةٌ للنصوص والإجماع.
الوجه الثالث: أنَّ الذي منع عثمان ﵁ من التنازل عن الخلافة هو رسولُ الله ﷺ فقد ثبتَ عند الإمام أحمد: عن عائشة، قالت: «أرسَلَ رسولُ الله ﷺ إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلمَّا رأينا رسول الله ﷺ ، أقبلتْ إحدانا على الأخرى، فكان من آخرِ كلامٍ كلَّمه، أنْ ضرَبَ مَنكبهُ، وقال: «يا عثمان، إنَّ الله عسى أن يلبسكَ قميصًا، فإن أرادكَ المنافقونَ على خَلعهِ، فلا تَخلَعهُ حتى تلقاني، يا عثمان، إنَّ الله عسى أن يُلبسكَ قميصًا، فإن أرادكَ المنافقونَ على خَلعهِ، فلا تَخلعهُ حتَّى تلقاني» ثلاثًا، فقلت لها: يا أمَّ المؤمنين، فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيتهُ، واللهِ فما ذكرتُه. قال: فأخبرتُه معاوية بن أبي سفيان، فلم يرضَ بالذي أخبرتُه حتى كتبَ إلى أمِّ المؤمنين أن اكتُبي إليَّ به، فكتبتْ إليهِ به كتابًا» (٣).
стр. 301
الاستدراك الخامس عشر:
قال حاكم: «فكذا لها الحقُّ في نقدهِ ومناصحته والاعتراضِ على سياسته، فالحريةُ السياسية إحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي» (١).
وهذه دعاوى عاريةٌ من بيِّنة، قال الشاعر:
الدَّعاوى ما لم يُقيموا عليها … بيِّناتٍ أصحابُها أدعياءُ
فقد تقدَّم (٢) ذِكرُ الأدلة وأقوال السلف في عدم صحَّة مناصحةِ الإمام إلَّا أمامَهُ لا وراءه، وأنَّ الكلام من ورائه باسم النصيحة محرَّمٌ وبدعة، وتقدَّم بيانُ أن سبَّهُ وانتقاصَهُ محرَّم (٣)، وما ذكرَهُ الدكتور حاكمٌ لا يخرجُ عن أحوالٍ ثلاثة:
الحال الأولى: كلامُ حماسةٍ وعاطفة. ومن المعلوم أنَّ مثل هذا ليس بيِّنةً ولا حجَّة.
الحال الثانية: أنَّ أدلته أدلةٌ خارجَ موردِ النزاع، لأنها في النُّصحِ أمامَهُ؛ وهذا جائزٌ وليس ممنوعًا.
فقد ذكر حديث: «أفضَلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائر» (٤)، وحديث: «سيِّدُ الشهداء حمزة، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائر فأمرَهُ ونهاه» (٥).
стр. 302
الحال الثالثة: أنَّ أدلته أدلةٌ عامة في إنكار المنكر.
فقد ذكر حديث: «مَنْ رأى منكُم منكرًا … » (١)، وحديث: «لتأخذُنَّ على يدِ الظَّالم ولَتَأطُرنَّه على الحقِّ أَطرًا» (٢) … وهكذا.
ومعلوم أن الخاصَّ مقدَّم على العام؛ وسبق كشفُ هذه الشبهة (٣).
الاستدراك السادس عشر:
قال الدكتور حاكم: «وقد أرسى القرآنُ مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ليؤكِّدَ مبدأ الحرية بجميع صُورها، فإذا كان الله لا يُكره عبادَهُ على الإيمان به وطاعته، فكيف يُتصوَّر أن يُكرِهَ عبادَهُ على الخضوع والطاعة لغيره من البشر» (٤).
تقدَّم في كشف الشبهات الردُّ على الاستدلال بالآية من أوجُهٍ ثلاثة (٥) ويُزادُ
وجهان في استدلاله بها على هذه الشبهة:
الوجه الأول: إنَّ الآيات القرآنية والأحاديثَ النبوية كثيرة في الأمر بطاعة الوالدين في غير معصية الله، ولو كان الأولادُ كارهين لطاعتهما، ولا يصحُّ لأحدٍ أن ينكر هذا استدلالًا بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فالذي قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ هو الذي قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
стр. 303
فبهذا صحَّ أن يُتصوَّر من الشريعة التي جاءت بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الأمرُ بطاعةِ مخلوقٍ وبشرٍ وهما الوالدان، ولم يمتنع هذا التصوُّر إلَّا عند العقول الغالية في الإمامة؛ مثل عقلية الدكتور حاكم.
الوجه الثاني: إذا تبيَّن أن قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لا ينافي وجوبَ السَّمع والطاعة لبشر، فإنَّ الأدلة المتواترة مع إجماعاتِ أهل السنة دلَّت على وجوب السَّمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله.
فإنَّ الواجبَ الإيمانُ بالشريعة كلِّها؛ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
الاستدراك السابع عشر:
قال الدكتور حاكم العبيسان: «ثم الخلق بعد ذلك بشرٌ لا طاعةَ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا بما كان طاعة لله » (١).
هذا منقوضٌ بطاعةِ الوالدين، فإنه يجبُ طاعتهما في كلِّ ما ليسَ معصيةً؛ للأدلة الدالة على ذلك؛ وليست طاعتُهما مخصوصةً في طاعةِ الله من الواجباتِ والمستحبات، فهل يا تُرى يُكابر الدكتور، ويقول: لا تجبُ طاعةُ الوالدين في المباحات؟
الاستدراك الثامن عشر:
قال الدكتور حاكم العبيسان: «ولهذا جاءت النصوص عن النبي ﷺ لتحصرَ الطاعةَ بطاعةِ الله واتِّباع رسوله، كما قال ﷺ : «لا طاعةَ في معصيةِ الله إنَّما
стр. 304
الطاعةُ بالمعروف»، وقال: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» ليؤكد بذلك أن حقَّ السلطة بالطاعة إنما هو منوطٌ بما كان معروفًا أنه طاعة لله» (١).
تقدَّم بيانُ بطلان حصرِ المعروف فيما كان معروفًا شرعًا، أي في الواجبات والمستحبات وأنه عامٌّ حتى في المباحات بدلالة الأدلة الشرعية وإجماع أهل السنة (٢).
الاستدراك التاسع عشر:
قال الدكتور حاكم العبيسان: «ولهذا تجلَّت الحرية في أوضَح صورها في هذه المرحلة، فقد كان مع النبي ﷺ في المدينة مَنْ كان يُضمر العداوة له ﷺ ويكيده؛ كالمنافقين في المدينة، وكان يعرفهم ولم يعترَّض لهم، وقد نزل قولُ الله تعالى في شأن زعيمهم عبدالله بن أبي ابن سلول ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وهذا عزمٌ على إسقاط الدولة الإسلامية وإخراجِ النبي ﷺ من المدينة، ومع ذلك لم يتعرَّض له النبي ﷺ بشيء، بل قال بعد أن بلغه هذا الخبر عن ابن أبي بن سلول وأرادَ بعضُ الصحابه قتله: «لا بلْ نُحْسِنُ صُحبته»، وقال: «لا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه» (٣).
وقد بلغ الأمر بابن سلول أن انسحبَ بثلث الجيش يوم أحد، وتركَ النبيَّ ﷺ وهو في طريقه إلى القتال؟! وقد قال رجل للنبي ﷺ معترضًا في قسمة: اعِدِلْ يا محمد فإنك لم تعدِلْ، وإنَّ هذه القسمة ما أُريدَ بها وجهُ الله. فقال النبي ﷺ :
«ويحكَ مَنْ يعدِلُ إنْ لم أَعدل»، فأراد الصحابة ضَرْبَهُ فقال ﷺ : «معاذَ الله أن
стр. 305
يتحدَّثَ الناسُ أني أقتلُ أصحابي» (١).
وقال له رجلٌ يهودي - وكان النبي ﷺ في مجلس مع أصحابه -: يا بني عبدِ المطلب إنكُم قومٌ مُطْل. أي: لا تؤدون الحقوق. وقد كان النبي ﷺ قد استلف منه مالًا، فأراد عمر ﵁ أن يضربَ اليهودي، فقال له النبي ﷺ : «إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عمر، أن تأمرَهُ بحُسْنِ الطَّلب، وتأمرني بحُسْن الأداء» (٢)، وقد اعترضَ عمرُ على النبي ﷺ في صلح الحديبية، وقال له: عَلامَ نُعطي الدَّنية في ديننا؟ (٣).
وكذلك كان الحال في عهد الخلفاء الراشدين، فقد كان المسلمون يعترضون على سياساتهم، وينتقدون ممارساتهم، ولم يتعرض أحدٌ للأذى بسبب هذه المعارضة، مما يدلُّ على رسوخ مبدأ الحرية السياسية. وقد خطب أبو بكر بعد أن أصبح خليفة فقال: «إنْ أحسنتُ فأعينوني، وإن سألتُ فقوموني» (٤)، ليؤكد مبدأ الحرية السياسية، وحقَّ الأمة في نقد سياسة الإمام وتقويمه» (٥).
إنَّ هذه الأسطر من حاكم العبيسان تدلُّ على أنه يخبط خبطَ عشواء في استدلالاته، وأنه لا يعرف العلاقة بين الدليل ومدلوله فيستدل على دعاويه بما لا دلالة فيها لا من قريب ولا من بعيد.
стр. 306
فهو يتكلَّم عن حرية شيطانية، ويزعمُ أن الشريعة جاءت بها، وأنَّى لشريعة الرحمن أن تأتي بما يوسوس به الشيطان.
ففي كلامه هذا أمور عدة:
الأمر الأول: أنه بمقتضى الحرية الحقة - في زعم الدكتور - إذا عرف السلطان من يريد الانقلاب على الحكم والمكيدة له، ولو كانوا جماعة فإنه يتركهم. قال الدكتور حاكم: «فقد كان مع النبي ﷺ في المدينة مَنْ كان يضمر العداوة له ﷺ ويكيده كالمنافقين في المدينة، وكان يعرفهم ولم يعترض لهم»، وهذا غير صحيح من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ اجتماع أقوام على مثل هذا منكر، وإنكارُ المنكر واجبٌ، قال عرفجة الأشجعي قال رسول الله ﷺ : «فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»، وفي رواية: «مَنْ أتاكُم وأمرُكُم جميعٌ على رجُلٍ واحدٍ، يريدُ أن يشقَّ عَصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتكُم، فاقتلُوه» (١)، وكلُّ ما أدَّى إلى منكرٍ ومحرَّمٍ فيجبُ إنكاره.
الوجه الثاني: لا يلزم حتى يتمَّ الإنكار أن يكونَ القتالُ والقتل، فقد يكونُ الفعلُ منكرًا ولا يقاتَلُ عليه، فإن القتال إنما يكون في الحالات الثلاثة السابقة من كلام ابن تيمية.
الأمر الثاني: أن رسول الله ﷺ لم يقتل المنافقين، ومنهم عبد الله بن أبي سلول لحكمةٍ عظيمة، وهي ألَّا ينفر الكفار من الدين لظنَّهم أنَّ محمدًا ﷺ يقتل
стр. 307
أصحابه كما في الحديث نفسه أنَّ رسول الله ﷺ لم يقتله وعلَّل بقوله: «لا يتحدثُ الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه» (١).
الأمر الثالث: أنَّ الرجل الذي اعترضَ على رسول الله ﷺ كفَر لأنه اتَّهم رسولَ الله ﷺ بالظُّلم فهو مستحقٌّ للقتل لأنه أظهرَ الرِّدة باتهام رسول الله ﷺ أنه لم يعدل، وفي لفظٍ صريحٍ للبخاري «ما عدلت» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية على قول هذا الرجل «اعِدِلْ يا محمد»: «ومثلُ هذا الكلام لا ريبَ أنه يوجبُ القتل لو قاله اليومَ أحدٌ، وإنَّما لم يقتله النبيُّ ﷺ لأنه كان يُظهرُ الإسلام وهو الصلاة التي يقاتَلُ الناس حتى يفعلوها وإنما كان نفاقُه بما يخصُّ النبي ﷺ من الأذى، وكان له أن يعفو عنه وكان يعفو عنهم تأليفًا للقلوب لئلَّا يتحدَّثُ الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه، وقد جاء ذلك مفسَّرًا في هذه القصة أو في مثلها» (٣).
الأمر الرابع: أنَّ الاستدلال بقصَّة اليهودي لا دلالة فيها على الحرية في النقد والمناصحة والاعتراض المزعوم لسببين:
السبب الأول: عدمُ صحة الحديث - فيما يظهر - فإن في إسناده حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، وهو مجهولٌ جهالة حال لم يوثَّق توثيقًا معتبرًا،
وقد قال الذهبي عن الحديث: «ما أنكَرَهُ وأركَّه» اهـ (٤)، وقال الألباني في الضعيفة:
стр. 308
«منكر» (١)، خلافًا لمن صححه.
السبب الثاني: هذا الكلام لو كان نصيحة (مع أنه ليس نصيحة وإنما بغي وفتنة) لكان جائزًا، لأنه أمام الحاكم، ومثلُ هذا جائز لأنه أمامه - كما تقدم (٢) -، فأين هذا من الكلام في الحاكم من ورائه؟.
الأمر الخامس: استدلاله على الحرية السياسية باعتراض عمر في صلح الحديبية، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه اعتراضٌ محرَّم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد بحث مفيد: «أنَّ الاعتراض قد يكون ذنبًا ومعصيةً يُخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن نفاقًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ومثلُ مراجعتهم له في فسخِ الحجِّ إلى العمرة وإبطائهم عن الحلِّ، وكذلك كراهتهم للحلِّ عام الحديبية وكراهتهم للصُّلح، ومراجعة مَنْ راجع منهم؛ فإن مَنْ فعلَ ذلك فقد أذنبَ ذنبًا كان عليه أن يستغفرَ الله منه، كما أنَّ الذين رفعوا أصواتهم فوق صوتهِ أذنبوا ذنبًا تابوا منه وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧].
قال سهل بن حنيف: «اتَّهموا الرأيَ على الدِّين فلقد رأيتُني يومَ أبي جندل ولو أستطيعُ أن أردَّ أمرَ رسول الله ﷺ لفعلت» (٣).
فهذه أمورٌ صدرت عن شهوة وعجَلة لا عن شكٍّ في الدين - كما صدرَ عن حاطبٍ التجسُّسُ لقريش - مع أنها ذنوبٌ ومعاصٍ يجبُ على صاحبها أن يتوبَ؛
стр. 309
وهي بمنزلة عصيان أمرِ النبي ﷺ »، ثم قال: «وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام:
إحداهن: ما هو كفرٌ؛ مثل قوله: «إنَّ هذه لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله».
الثاني: ما هو ذنبٌ ومعصية يُخافُ على صاحبه أن يحبط عمله؛ مثل رفع الصوت فوق صوته ومثل مراجعة مَنْ راجعَهُ عام الحديبية بعد ثباته على الصلح، ومجادلة مَنْ جادلَهُ يومَ بدرٍ بعد ما تبيَّن له الحقُّ؛ وهذا كلُّه يدخل في المخالفة عن أمره.
الثالث: ما ليس من ذلك بل يُحمد عليه صاحبه أو لا يُحمد؛ كقول عمر:
«ما بالُنا نقصُرُ الصَّلاة وقد أمِنَّا؟» (١)، وكقول عائشة: «ألم يقل الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]؟ (٢)»، وكقول حفصة: «ألم يقل الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ (٣)»، وكمراجعة الحباب في منزل بدر (٤)» (٥).
فإذا ثبت أنه محرم فهو ممنوع في الشريعة، فلا دلالة فيه على الحرية السياسية المزعومة، بل فيه دلالة واضحة على خلاف ذلك ونقيضه، ثم - على التسليم به - فهو من النُّصح الجائز لأنه أمامه لا وراءه.
الأمر السادس: ذكر أن المسلمين يعترضون على سياسة الخلفاء الراشدين، ولم يعترض عليهم أحدٌ بأذى.
стр. 310
هذا كلامٌ مجمَل؛ وذلك أنَّ الاعتراض على هؤلاء الخلفاء له صور:
الصورة الأولى: الإنكارُ أمامَهُم، فهذا لا إشكالَ في جوازه إذا كان بحقٍّ، بخلافِ الإنكار من ورائه فلم يثبت شيءٌ من ذلك البتة، والبيِّنة على المدَّعي.
الصورة الثانية: أن يطلب الخلفاء الراشدون النصيحة والتقويم، فهذا حقٌّ، لكن - كما تقدَّم - بالطرق الشرعية بأن يكون أمامهم لا وراءهم (١).
الصورة الثالثة: منازعتهم بالقتال بأن تكون الفرقة مفسدةً باسم الإصلاح في نظرها، فتُقاتَل كما فعل علي بن أبي طالب مع الخوارج.
الصورة الرابعة: قاتل أبو بكر المرتدين، ولم يترك لهم الحرية المدَّعاة في تركِ الزكاة والارتدادِ عن الدِّين، وعلَّلَ قتالهم على ترك الزكاة أنهم تركوها على وجهٍ كُفري.
الاستدراك العشرون:
أثنى الدكتور حاكم العبيسان على الذين ثاروا على عثمان فقال: «وإذا كانت المعارضة الفردية لسياسة الخلفاء هي الأبرز في عهد أبي بكر وعمر، فقد دخل العملُ السياسيُّ والمعارضة السياسية طورًا جديدًا، وأخذا بُعدًا أكثر تنظيمًا في عهد الخليفتين عثمان وعلي، فقد بدأت المعارضة تأخذُ طابعًا جديدًا، حيث ظهرت جماعات منظَّمة معارضة لسياسة عثمان ﵁، وقد بدأت في البصرة والكوفة ومصر، ثم أصبحت أكثر انتشارًا، واستطاعت أن تستقطب إلى صفوفها بعضَ الصحابة؛ كعمار بن ياسر الذي أرسلَهُ عثمان ﵁ لمعرفة أخبار هذه
стр. 311
المعارضة في مصر، فانضمَّ إلى صفوفها.
وقد كانت المطالب التي طالبَ بها هؤلاء المعارضون لسياسة عثمان محدَّدةً تتمثل في:
١ - الإصلاح السياسي باختيار أمراء جُدد للأقاليم، وعزلِ الأمراء الذين يشتكي منهم الناس، والموافقة على عودة قادة المعارضة إلى بلدانهم التي نُفوا منها.
٢ - الإصلاح الاقتصادي بالقسم والعدل وتوزيع الفيء والأموال بالتساوي.
٣ - الإصلاح الإداري باستعمال ذوي الأمانة والقوة من المسلمين في الأعمال الإدارية للدولة، بدلًا من الأقارب، وهو مبدأ تكافؤ الفرص».
ثم قال: «لقد أدركَ الخليفة والصحابة الذين معه مشروعية ما قام به المعارضون من معارضةٍ جماعيةٍ لسياسة السلطة، ولهذا أقرَّهم عثمان على ما فعلوا، ووافق على شروطهم، وكذا أقرَّهم الصحابة الآخرون، ولو كان ما فعلوه منكرًا لما جلس معهم عثمان، ولما أثنى عليهم، ولما استجاب لشروطهم، ولما كان علي ﵁ هو الواسطة، بل لبادر الصحابة والخليفة إلى منع هذا المنكر وإزالته ومجابهته لقوله ﷺ : «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده».
لقد كانت المعارضة في هذا الطور معارضةً سياسيةً سلميةً ترفع شعار الإصلاح السياسي».
ثم قال: «وقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطِّها بعد ذلك، وانحرفت بعد أن رجعت مرة أخرى إلى المدينة بعد اتِّفاقها مع الخليفة على الإصلاح» (١).
стр. 312
هذا الثناء على الثوار الذين ثاروا على عثمان موبقةٌ ما كنت أصدِّقها لولا أني قرأتها، وهذه الثورة ثورةٌ باطلةٌ جائرة؛ فهي على خليفةٍ راشدٍ عادل، فإنها لو كانت على ظالمٍ فاسقٍ لكانت محرَّمة، فكيف على راشدٍ عادل؟!.
فكلُّ ما تقدَّم ذِكرهُ من حُرمة الخروج ووجوب السمع والطاعة، فهو دليلٌ على فساد هذه الثورة على من كان ظالمًا، فكيف بذي النورين الخليفة الراشد؟!، قاتلَ الله الحماسة الفكرية والاعتقادات البدعية كيف تهوي بأصحابها في دركات الضلالات والخيالات.
ولعله تأثَّر في هذا بكلام سيد قطب لما قال: «وأخيرًا ثارت الثائرة على عثمان، واختلط فيها الحقُّ بالباطل، والخير بالشر، ولكن لا بدَّ لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام، ويستشعر الأمور بروح الإسلام، أن يقرِّر أن تلك الثورة في عمومها كانت فورةً من روح الإسلام» (١).
ولا ينفع الدكتور قوله بعد ذلك: «وقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطَّها بعد ذلك، وانحرفت بعد أن رجعت مرةً أخرى إلى المدينة بعد اتِّفاقها مع الخليفة على الإصلاح»، فإنَّ هذا مؤكِّدٌ ثناءَهُ على الثورة الأولى على عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه - قبل رجوعها.
الاستدراك الحادي والعشرون:
قال الدكتور حاكم العبيسان: «وقد قال عثمان ﵁ لمن حاصروه: ما تريدون؟ قالوا: نقتلك أو نعزلك.
стр. 313
قال: أفلا نبعثُ إلى الآفاق فنأخذ من كلِّ بلدٍ نفرًا من خيارهم فنحكِّمهم فيما بيني وبينكم؟، فإن كنت منعتكم حقًّا أعطيتكموه (١).
وهذا يؤكِّد مبدأ التحاكم إلى الأمة عند وقوع التنازع بين السلطة وبعض فئات المجتمع» (٢).
والجواب على هذا من أوجه:
الوجه الأول: في إسناد الخبر مَنْ لم أجد له ترجمةً؛ مثل مولى سليمان بن يسار عن أبيه. والدكتور لم يذكر حُكمَهُ على القصة، ولو صحَّت لبيَّن ذلك كما بيَّن حكمَهُ على الأحاديث والآثار في أكثر من حديثٍ وخبر. فإذا لم تثبت عنده فكيف يستدلُّ بها على حكمٍ عظيم كهذا؟!.
الوجه الثاني: إنَّ فعل عثمان بن عفان ﵁ يرجع إلى اجتهاده في فعل الأصلح، فهو من جنس اجتهادات الولاة لفعلِ الأصلح، وليس مُلزمًا لمن بعدُ ولا حكمًا عامًّا، وإنما راجعٌ - لو صحت القصة - لاجتهادِ الإمام ونظرهِ للأصلح.
الاستدراك الثاني والعشرون:
استدلَّ الدكتور حاكم العبيسان بفعل طلحة والزبير وعائشة، فقال: «وكلُّ ذلك يدخل ضمن دائرة العمل السياسي والمعارضة الجماعية المنظمة للسلطة» (٣).
стр. 314
تقدم أنهم ما أرادوا القتال، وأنهم ندموا على فعلهم كما بيَّن ذلك ابن تيمية (١)، فكيف يُحتجُّ بفعلٍ ندمَ صاحبهُ على فعلهِ، وقد تقدم (١).
الاستدراك الثالث والعشرون:
قال حاكم عبيسان: «إن قصة التحكيم ذاتها دليلٌ واضحٌ على أنَّ الأمة هي الحكمُ في اختيار مَنْ تختاره للإمامة، كما أنَّ فيما حصلَ بين الحزبين دليل على تجذُّر الحزبية السياسية، ومشروعية الانتماء السياسي، وهو الميل مع طرف دون طرف، بدعوى أنه الأجدر بقيادة الأمة وإدارة شئونها» (٢).
في هذا مؤاخذتان:
المؤاخذة الأولى: جعل ما حصل من خلاف بين علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن معه = دليلًا على أنَّ اختيار الحاكم راجعٌ للأمة.
وإنَّ القول بأن الحكم والولاية يكون بطريق الاختيار قولٌ حقٌّ لا مِريَة فيه؛ كما تقدَّم ذِكرُ الأدلة على ذلك من السنة والإجماع، لكن هذا الاختيار ليس من الأمة كلِّها، وليس في القصة ما يدلُّ على ذلك؛ بل فيها أن الأمر راجعٌ لأناس محدودين معينين معروفين. وهذا كافٍ في نقضِ أصلٍ عند الكاتب سبقَ بيانُ فساده، وأيضًا ليس في قصة التحكيم أنَّ تولي الولاية بغير طريق الاختيار لا يصحُّ شرعًا؛ فالعمل بالاختيار لا ينفي غيرَهُ من الطُّرق؛ كالتولِّي بالغلبة.
стр. 315
المؤاخذة الثانية: استدلاله على تقسم المسلمين في قصة التحكيم إلى صنَفين = على جواز التحزب السياسي.
وهذاالاستدلال استدلال هَوَسٍ وخَرَفٍ؛ وذلك لأسباب أذكُر منها أمرين:
السبب الأول: أنَّ هذا التقسُّم من المسلمين مذمومٌ لا جائزٌ محمود ليستدلَّ به؛ ويدلَّ على أنه مذمومٌ أن أكثر الصحابة اعتزلوه، وأثنى رسول الله على الحسن أنَّ الله سيصلحُ به بين المسلمين فيكونون أمة واحدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الثاني سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة؛ وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعلَّ أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي (١)؛ ولم يكن في العسكرَين بعد علي أفضلُ من سعد ابن أبي وقاص، وكان من القاعدين» (٢).
وقال أيضًا: «فهذا الحديثُ يبيِّن أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّ محمد بن مسلمة لا تضرُّه الفتنة، وهو ممن اعتزلَ في القتال فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية، كما اعتزل سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين.
وهذا يدلُّ على أنه ليس هناك قتالٌ واجبٌ ولا مستحب، إذ لو كان كذلك لم يكن تركُ ذلك مما يُمدَحُ به الرجل، بل كان مَنْ فَعَلَ الواجبَ أو المستحب أفضلُ ممَّن ترَكَهُ، ودلَّ ذلك على أنَّ القتال قتال فتنة» (٣).
стр. 316
السبب الثاني: الخلاف بين علي ومعاوية كالدولتين المستقلَّتين لا أنه تحزُّبٌ سياسيٌّ في دولة واحدة.
الاستدراك الرابع والعشرون:
ردَّ الدكتور حاكم العبيسان اشتراطَ أن يكونَ الحاكم والسلطان من قريش فقال: «كما تؤكِّد حادثة السَّقيفة أن اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا ولا معلومًا بين الصحابة، وإلَّا لما نازَعَ فيها الأنصار، ولَما احتجَّ أبو بكر وعمر بمثل هذه الحجج» (١).
ثم قال في الحاشية: «وقد شكَّكَ الحافظ في دعوى الإجماع؛ لما روي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وقد استشكلَ ابنُ كثير في البداية والنهاية (٩/ ٥٨) كيف بايعَ فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريش بل من كندة؟؛ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثيرٌ من قريش! والسببُ هو أنَّ هذه القضية لم تكن ظاهرةً أصلًا في القرن الأول، وإنما ادُّعي عليها الإجماعُ في العصر العباسي بحكم الأمر الواقع، وإلَّا فالنصوصُ الواردة أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وهذا ما فهِمَهُ الأنصار.
وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١٥) عن عائشة قالت: لو كان زيد حيًّا لاستخلفه رسولُ الله ﷺ ، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد في المسند (١/ ٢٠) من طريق أبي رافع أنَّ عمر قال: لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.
стр. 317
قال أحمد شاكر: «إسناده صحيح ورواه أحمد (١/ ١٨) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: «فإن أدركني أَجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل».
قال الحافظ في الفتح (١٣/ ١١٩): «رجاله ثقات»، وهو مرسل إلا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه».
قد سبق - بحمد الله - الجوابُ على هذا مطولًا روايةً ودراية (١).
لكن بقي قوله: إنَّ الإجماع ادُّعي بعد العصر العباسي بحكم الأمر الواقع.
هذه أيضًا من عجائبه وغرائبه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّ الأحاديث جاءت من رسول الله ﷺ قبل العصر الأموي والعباسي؛ فهل يصحُّ أن تردَّ الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل هذه التوهُّمات والتأويلات الهزيلة.
الوجه الثاني: أنَّ هذا طعنٌ في أهل السُّنة والعلماء الذين أظهَروا الإجماعَ في هذه المسألة على أمرٍ دينيٍّ مخطئين بسبب تأثير الواقع، ومن هؤلاء علماءُ السلف لمَّا ذكروا الإجماع على هذه العقيدة كما تقدَّم نقلُ كلامهم (٢).
الوجه الثالث: أن الأنصار سلَّموا بهذا في سقيفة بني ساعدة، وأرجعوا الأمر لقريش؛ ولولا أنَّ الوحي جاء بذلك لما سلَّموا به.
стр. 318
الاستدراك الخامس والعشرون:
ذكر الدكتور حاكم العبيسان أنه مما يدلُّ على الحرية السياسية فعلُ الخوارج مع علي بن أبي طالب وفعلُه معهم، قال: «لقد خرجوا عن طاعته، وكانوا يطعنون فيه، وهو يخطب على المنبر، فكان لا يتعرَّض لهم، بل قال كلمته المشهورة التي أصبحت قاعدةً راسخة في التعامل مع الطَّوائف المخالفة في الفكر والرأي حيث قال: لهم علينا ثلاث؛ ألَّا نبدأَهُم بقتال ما لم يقاتلونا، وألَّا نمنعَهُم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمَهُ، وألَّا نحرِمَهُم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا (١).
ثم اشترطَ مقابل ذلك عليهم فقال: على أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا ذميًّا.
قالت عائشة ﵂: فلم قاتلهم إذًا؟ قال عبد الله بن شداد: واللهِ ما بعثَ إليهم حتَّى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلُّوا الذِّمة (٢). وهذا يؤكِّد مدى الحرية الفكرية والسياسية التي كان يمارسها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين، فقد تعامَل علي ﵁ مع الخوارج قبل أن يسلُّوا السيف على الأمة» (٣).
стр. 319
الجواب من وجهين:
الوجه الأول: دلت الأدلة على قتل الخارجيِّ لأنه مبتدع خارجيٌّ، فأين الحرية المدَّعاة؟!.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتلُ الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتلُ الواحد منهم؛ كالدَّاعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإنَّ النبي ﷺ قال: «أينما لقيتُموهُم فاقتلُوهم» (١).
وقال: «لئنْ أدركتُهم لأقتلنَّهُم قتلَ عاد» (٢).
وقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتُكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك (٣).
ولأنَّ علي بن أبي طالب طلب أن يُقتل عبد الله بن سبأ أوَّل الرافضة حتى هرب منه.
ولأنَّ هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض؛ فإذا لم يندفع فسادهُم إلَّا بالقتل قُتلوا؛ ولا يجب قتلُ كلُّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القولَ أو كانَ في قتلهِ مفسدة راجحة.
ولهذا تركَ النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجيِّ ابتداءً «لئلَّا يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمَّدًا يقتلُ أصحابه»، ولم يكن إذ ذاكَ فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك عليٌّ قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطَّاعة والجماعة ظاهرًا لم
стр. 320
يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبيَّن له أنهم هُمْ» (١)، وهذا من أوضَحِ ما بُيِّن أن الحرية المزعومة التي يدَّعيها حاكم عبيسان حريةٌ باطلة؛ لأنَّ عمر ﵁ أرادَ قتل صبيغ بن عسل لمَّا ظنَّه خارجيًّا.
الوجه الثاني: تقدم (٢) ذكر الأدلة الناهية عن سبِّ السلطان وإشاعة أخطائه مما يدلُّ على أنَّ فعل الخوارج لما سبُّوا عليًّا محرَّم؛ وما كان محرمًّا فيجبُ إنكاره؛ للأدلة الدالة على وجوب إنكارِ المنكر، لكنَّ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ترك إلزامَهُم بالقوة للمصلحة الراجحة، فلما بدؤوا بالقتال ترجَّحت مصلحةُ قتالهم.
وهذا ما أشار إليه ابن تيمية لما قال: «ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يقتل أصحابه»، ولم يكن إذ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا تركَ علي قتلَهُم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة … » (١).
الاستدراك السادس والعشرون:
قرَّر الدكتور حاكم العبيسان أمرًا منكرًا للغاية؛ وهو حرية الاعتقاد، وأنَّ قتال علي ليس لأجل عقائدهم فقال:
«حيث ضمِنَ لمخالفيه في الرأي - مع تطرُّفهم وغلوِّهم - الحرية العقائدية والفكرية والسياسية والحقوق المالية، فلم يقاتلهم إلَّا دفعًا لعدوانهم ومنعًا لفسادهم لا فساد آرائهم وتطرُّفها أو معارضتهم له في الرأي؛ لعلمهِ ﵁ أنَّ