← Акыда

Акыда · id 1041

الإمامة العظمى - الريس

عبد العزيز الريس

Полный текст (412 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

السبب الثاني: الخلاف بين علي ومعاوية كالدولتين المستقلَّتين لا أنه تحزُّبٌ سياسيٌّ في دولة واحدة. الاستدراك الرابع والعشرون: ردَّ الدكتور حاكم العبيسان اشتراطَ أن يكونَ الحاكم والسلطان من قريش فقال: «كما تؤكِّد حادثة السَّقيفة أن اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا ولا معلومًا بين الصحابة، وإلَّا لما نازَعَ فيها الأنصار، ولَما احتجَّ أبو بكر وعمر بمثل هذه الحجج» (١). ثم قال في الحاشية: «وقد شكَّكَ الحافظ في دعوى الإجماع؛ لما روي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وقد استشكلَ ابنُ كثير في البداية والنهاية (٩/ ٥٨) كيف بايعَ فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريش بل من كندة؟؛ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثيرٌ من قريش! والسببُ هو أنَّ هذه القضية لم تكن ظاهرةً أصلًا في القرن الأول، وإنما ادُّعي عليها الإجماعُ في العصر العباسي بحكم الأمر الواقع، وإلَّا فالنصوصُ الواردة أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وهذا ما فهِمَهُ الأنصار. وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١٥) عن عائشة قالت: لو كان زيد حيًّا لاستخلفه رسولُ الله ﷺ ، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد في المسند (١/ ٢٠) من طريق أبي رافع أنَّ عمر قال: لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.

стр. 317

قال أحمد شاكر: «إسناده صحيح ورواه أحمد (١/ ١٨) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: «فإن أدركني أَجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل». قال الحافظ في الفتح (١٣/ ١١٩): «رجاله ثقات»، وهو مرسل إلا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه». قد سبق - بحمد الله - الجوابُ على هذا مطولًا روايةً ودراية (١). لكن بقي قوله: إنَّ الإجماع ادُّعي بعد العصر العباسي بحكم الأمر الواقع. هذه أيضًا من عجائبه وغرائبه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ الأحاديث جاءت من رسول الله ﷺ قبل العصر الأموي والعباسي؛ فهل يصحُّ أن تردَّ الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل هذه التوهُّمات والتأويلات الهزيلة. الوجه الثاني: أنَّ هذا طعنٌ في أهل السُّنة والعلماء الذين أظهَروا الإجماعَ في هذه المسألة على أمرٍ دينيٍّ مخطئين بسبب تأثير الواقع، ومن هؤلاء علماءُ السلف لمَّا ذكروا الإجماع على هذه العقيدة كما تقدَّم نقلُ كلامهم (٢). الوجه الثالث: أن الأنصار سلَّموا بهذا في سقيفة بني ساعدة، وأرجعوا الأمر لقريش؛ ولولا أنَّ الوحي جاء بذلك لما سلَّموا به.

стр. 318

الاستدراك الخامس والعشرون: ذكر الدكتور حاكم العبيسان أنه مما يدلُّ على الحرية السياسية فعلُ الخوارج مع علي بن أبي طالب وفعلُه معهم، قال: «لقد خرجوا عن طاعته، وكانوا يطعنون فيه، وهو يخطب على المنبر، فكان لا يتعرَّض لهم، بل قال كلمته المشهورة التي أصبحت قاعدةً راسخة في التعامل مع الطَّوائف المخالفة في الفكر والرأي حيث قال: لهم علينا ثلاث؛ ألَّا نبدأَهُم بقتال ما لم يقاتلونا، وألَّا نمنعَهُم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمَهُ، وألَّا نحرِمَهُم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا (١). ثم اشترطَ مقابل ذلك عليهم فقال: على أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا ذميًّا. قالت عائشة ﵂: فلم قاتلهم إذًا؟ قال عبد الله بن شداد: واللهِ ما بعثَ إليهم حتَّى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلُّوا الذِّمة (٢). وهذا يؤكِّد مدى الحرية الفكرية والسياسية التي كان يمارسها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين، فقد تعامَل علي ﵁ مع الخوارج قبل أن يسلُّوا السيف على الأمة» (٣).

стр. 319

الجواب من وجهين: الوجه الأول: دلت الأدلة على قتل الخارجيِّ لأنه مبتدع خارجيٌّ، فأين الحرية المدَّعاة؟!. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتلُ الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتلُ الواحد منهم؛ كالدَّاعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإنَّ النبي ﷺ قال: «أينما لقيتُموهُم فاقتلُوهم» (١). وقال: «لئنْ أدركتُهم لأقتلنَّهُم قتلَ عاد» (٢). وقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتُكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك (٣). ولأنَّ علي بن أبي طالب طلب أن يُقتل عبد الله بن سبأ أوَّل الرافضة حتى هرب منه. ولأنَّ هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض؛ فإذا لم يندفع فسادهُم إلَّا بالقتل قُتلوا؛ ولا يجب قتلُ كلُّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القولَ أو كانَ في قتلهِ مفسدة راجحة. ولهذا تركَ النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجيِّ ابتداءً «لئلَّا يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمَّدًا يقتلُ أصحابه»، ولم يكن إذ ذاكَ فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك عليٌّ قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطَّاعة والجماعة ظاهرًا لم

стр. 320

يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبيَّن له أنهم هُمْ» (١)، وهذا من أوضَحِ ما بُيِّن أن الحرية المزعومة التي يدَّعيها حاكم عبيسان حريةٌ باطلة؛ لأنَّ عمر ﵁ أرادَ قتل صبيغ بن عسل لمَّا ظنَّه خارجيًّا. الوجه الثاني: تقدم (٢) ذكر الأدلة الناهية عن سبِّ السلطان وإشاعة أخطائه مما يدلُّ على أنَّ فعل الخوارج لما سبُّوا عليًّا محرَّم؛ وما كان محرمًّا فيجبُ إنكاره؛ للأدلة الدالة على وجوب إنكارِ المنكر، لكنَّ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ترك إلزامَهُم بالقوة للمصلحة الراجحة، فلما بدؤوا بالقتال ترجَّحت مصلحةُ قتالهم. وهذا ما أشار إليه ابن تيمية لما قال: «ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يقتل أصحابه»، ولم يكن إذ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا تركَ علي قتلَهُم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة … » (١). الاستدراك السادس والعشرون: قرَّر الدكتور حاكم العبيسان أمرًا منكرًا للغاية؛ وهو حرية الاعتقاد، وأنَّ قتال علي ليس لأجل عقائدهم فقال: «حيث ضمِنَ لمخالفيه في الرأي - مع تطرُّفهم وغلوِّهم - الحرية العقائدية والفكرية والسياسية والحقوق المالية، فلم يقاتلهم إلَّا دفعًا لعدوانهم ومنعًا لفسادهم لا فساد آرائهم وتطرُّفها أو معارضتهم له في الرأي؛ لعلمهِ ﵁ أنَّ

стр. 321

الدين الذي جاء بمبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾» (١). الجواب من أوجه: الوجه الأول: تقدم توجيه معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وأنه لا مستندَ لدعاة حرية الاعتقاد الكفري والبدعي في الاستدلال بها (٢). الوجه الثاني: تقدَّم بيان أنَّ الأدلة الشرعية وفعلَ عمر مع صبيغ بن عسل = يدلُّ على قتل الخارجي لاعتقاده (٣). الوجه الثالث: أن ترك علي بن أبي طالب لهم ليس لأجلِ الحرية، وإنَّما للمصلحة - كما تقدم - (٤). الوجه الرابع: أن حرية الاعتقاد المدَّعاة تخالف كل نصٍّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سبب خيرية هذه الأمة، وما خالفَ أمرًا واجبًا مثل هذا فهو ليس من شرع الله ولا تجيزه الشريعة، ويخالف آيات الحدود في شرب الخمر والزنى وهكذا. الاستدراك السابع والعشرون: أصرَّ الدكتور حاكم العبيسان في كتابه (الفرقان) على دعوته إلى الحرية المزعومة، وهي أنه يُترك لأهل الأحزاب والبدع حقُّهم في الدعوة إلى ما شاؤوا، وزاد أن

стр. 322

تعلَّق بكلام للإمام الشافعي ظنَّه نافعًا له في تقرير حريته المفرطة فقال: «كلُّ هذا الفجور والقول الزور أشاعَهُ عني - فلان - لأني أدعو إلى (الحرية والتعددية السياسية) في ظل النظام السياسي الإسلامي الذي سمح بوجود غير المسلمين من أهل الكتاب والمجوس، لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ولكون النبي ﷺ لم يتعرَّض للمنافقين الذين كانوا مع المسلمين الذين كانوا يشاورهم النبي ﷺ كغيرهم ويعترضون عليه فلا يتعرَّض لهم، فمن باب أولى المخالفين في الرأي من المسلمين كما فعلَ علي وعثمان مع الخوارج وأهل الأهواء؛ فما بالُكَ بالأحزاب السياسية التي تلتزم بالنظام العام للدولة في الإسلام، وتتنافس فيما بينها في البرامج السياسية؟، قال الإمام الشافعي في شأن حرمة التعرض للمنافقين إلَّا ببينة». ثم نقل كلامًا طويلًا، وما ذكره هذا تقدَّم الجواب عنه (١) لكنه زاد بنقل كلام للشافعي طويل خلاصته عدمُ التعرُّض للمنافقين، وأنهم يُعامَلون بالظاهر دون التنقيب عن بطونهم ولا يُلتفت إلى الظنون في التعامل معهم، وهذا الكلام عليه، وذلك أنَّ الشافعي كرَّر أنه ليس له إلَّا الظاهر، فمعنى هذا: مَنْ أظهر نفاقَهُ وكُفره عُومِلَ بالظاهر؛ فقال الشافعي - فيما نقل العبيسان -: «وأنَّ حُكمهُ عليهم في الدنيا إنْ أظهروا الإيمان جُنَّة لهم. وقال الشافعي أيضًا: وكلّ مَنْ حَقَنَ دمَهُ في الدنيا بما أظهَر مما يعلم جلَّ ثناؤه خلافَهُ من شِرْكهِم لأنه أبان أنه لم يوَلِّ الحكمَ على السرائر غيرَهُ»، ثم قال: قد علم رسول الله ﷺ أنَّ المنافقين كاذبون وحقنَ دماءَهُم بالظَّاهر، وتولَّى الله منهم السرائر … الخ».

стр. 323

هذا الكلام من الشافعي صريحٌ في أنَّ رسول الله ﷺ لم يعاملهم بالقتل ولا غيره لأنه عاملهم بالظاهر، ومعنى هذا: لو أظهروا خلافَ هذا من الكفر لعامَلَهُم بما أظهروا؛ وهو الكفر. فكم أتعجَّبُ كيف يستشهد حاكم العبيسان بكلام الشافعي وهو عليه لا له!!، ثم إنَّ الإمام الشافعي أبعدُ ما يكون عن الحرية التي يدَّعيها حاكم العبيسان، فكيف يتوهَّمه سلفًا له؟!، وهذا يتبين بأمور: الأمر الأول: أنَّ كلام الإمام الشافعي السابق واضحٌ في أنَّ المنافقين لو أظهروا الكفر لعامَلَهُم معاملةَ الكفار لا معاملة المؤمنين في الظاهر. الأمر الثاني: أن الإمام الشافعي في كتابه الأم يقرِّر قتلَ المرتد، وهو الذي ترك دين الإسلام إلى دين الكفر. قال: «ثم انتقل عن الإيمان إلى الشرك من بالغي الرجال والنساء استُتيب؛ فإنْ تاب قُبل منه، وإن لم يتُبْ قُتل، قال الله : ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]» (١). وهذا التقريرُ من الشافعي يخالفُ الحرية المفرِطة المزعومة التي يدَّعيها حاكم العبيسان. الأمر الثالث: أنَّ الإمام الشافعي شديدٌ على أهل البدع، ومنهم أهلُ الكلام. قال الذهبي: «وعن الشافعي: حُكمي في أهل الكلام، حكمُ عمر في صبيغ».

стр. 324

ثم نقلَ عن الشافعي أنه قال: «حُكمي في أهلِ الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويُحملوا على الإبل، ويُطافَ بهم في العشائر، يُنادى عليهم: هذا جَزاءُ من تركَ الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام». ثم قال: «وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي: قال الشافعي: مذهبي في أهل الكلام تقنيعُ رؤوسهم بالسياط، وتشريدُهم في البلاد. قلت - أي الذهبي -: لعلَّ هذا متواتر عن الإمام» (١) اهـ. أين هذا من الحرية التي يدَّعيها حاكم العبيسان ويريد أن ينسبها إلى الإمام الشافعي؟!. وإنه لو كان لحاكم العبيسان عقلٌ وعلمٌ راجحٌ لكَفاهُ في تركِ هذه الحرية المدَّعاة أنه لا يستطيع نقلَها عن عالمٍ معتبر من علماء الإسلام. الاستدراك الثامن والعشرون: غلوُّ الدكتور حاكم في الحاكمية فقال: «فمَن لم يثبت هذا الأصلَ الإيماني العظيم - أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها - لم يسلَمْ له توحيدُ الله في عبادته وطاعته؛ إذ العبادة والطاعة لله لا تُعرف إلَّا عن طريق حُكم الله وشرعه، ولا سبيلَ لالتزام حُكم الله إلَّا بالإقرار والإيمان بأنه وحدَهُ الذي لهُ الحكم والتشريع والأمر، كما له الخلق ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (٢).

стр. 325

غلوُّه هذا هو غلوُّ الخوارج في الحاكمية - كما تقدم (١) - في كلام الإمام عبد العزيز ابن باز، وتقدَّمت الإشارة لهذه المسألة، وقد بسطتُها في مواضع (٢). الاستدراك التاسع والعشرون: قال الدكتور حاكم العبيسان: «كما أنَّ في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ثلاث إشارات: الأولى: أنه جاء بلفظ الجمع (أولي الأمر) ولم يقلْ (ولي الأمر)؛ لبيان أنَّ أولي الأمر هُمْ جماعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء والرؤساء وقادة المجتمع، فهؤلاء هم الذين تجبُ طاعتهم إذا اتفقوا على رأيٍ ولم يخالف الكتاب والسنة، فإن اختلفوا وتنازعوا فيما بينهم أو وقعَ نزاعٌ بينهم وبين الأمة وجبَ الردُّ إلى الكتاب والسنة» (٣). تقدَّم الكلام على هذه الشُّبهة الساقطة وأنها مخالفةٌ للأحاديث النبوية وإجماع السلف؛ ولولا أنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً لما أجبَتُ عليها (٤). الاستدراك الثلاثون: قال الدكتور حاكم العبيسان: «وبهذا يفقد الحاكم صلاحياتهِ وسلَطَتُه إذا عارضَ حكمَ الله ورسوله» (٥).

стр. 326

تقدم الجواب على هذه الشبهة الهزيلة، والتي هي شبهةُ الخوارج والمعتزلة؛ خلافًا للنصوص النبوية وإجماع السلف الصالح (١). الاستدراك الحادي والثلاثون: قال الدكتور حاكم العبيسان: «وقد قيَّدت السنة النبوية الطاعةَ للسُّلطة بثلاثة قيود: القيد الأول: إقامة الصلاة التي هي عُموم الدِّين وشعارُه، فإذا تركَ الحاكمُ الصلاة والدعوة إليها وإقامتها .. »، ثم قال: «قيل: يا رسول الله أفلا نُنابذُهم السَّيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (٢)، وفي هذا الحديث مشروعية الخروج على السُّلطة عند تركِ إقامة الصلاة، سواءٌ قيل: إنَّ تركَ الصلاة كفرٌ؛ أو قيل: فِسْق» (٣). في هذا الكلام أمران: الأمر الأول: تقييد الطاعة بالصلاة وإقامتها يفسِّرها حديث عبادة لما قال: قال رسول الله ﷺ : «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكُم من الله فيه برهان» (٤). فالمراد تركُ الصلاة على وجهٍ كفريٍّ عندنا من الله فيه برهان؛ بدلالة حديث عبادة الذي لم يُجز الخروج إلا عند الكفر البواح.

стр. 327

الأمر الثاني: قوله (أو فسق) قد سبق ردُّ القول بالخروج على الحاكم لفسقه بالأدلة المتواترة وإجماع سلف هذه الأمة (١)، ومَن قال بالخروج على الحاكم لفسقهِ فقد ابتدعَ وضلَّ كما تقدَّم نقلُ إجماع السلف (٢). الاستدراك الثاني والثلاثون: قال حاكم العبيسان: «القيد الثاني: إقامة الكتاب والحكم بما فيه لحديث: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدٌ حبشيٌّ ما أقامَ فيكم كتابَ الله» (٣)» (٤). سبق الردُّ على الدكتور الدميجي في استدلاله بهذا الحديث من أوجهٍ ثلاثة (٥). الاستدراك الثالث والثلاثون: ذكر حاكم العبيسان (٦) أن الذين اعتزلوا الفتنة كابن عمر وسعد بن أبي وقاص لم يُطيعوا علي بن أبي طالب الذي هو وليُّ أمر؛ لأنهم لا يرون أنَّ هذا القتال على حق، فليس أمرًا بالمعروف. هذا ملخَّصُ ما توهَّمه. وقد تقدَّم تفسيرُ المعروف وأنه الواجبُ والمستحب (٧)، أما سببُ عدم طاعة هؤلاء الصحابة الكرام للخليفة الراشد علي بن أبي طالب في القتال لأنهم يرونه

стр. 328

قتالَ معصية، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق؛ لا لأنه ليس معروفًا؛ أي ليس واجبًا ولا مستحبًّا على تفسير الدكتور للمعروف في حديث «إنَّما الطاعة في المعروف». قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أنه يفرَّقُ بين هذا وهذا، فقتالُ علي للخوارج ثابتٌ بالنصوص الصريحة عن النبي ﷺ باتفاق المسلمين. وأما القتالُ يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صدَّ عنه أكابرُ الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وعبد الله ابن عمر، وغيرهم. ولم يكن بعد علي بن أبي طالب في العسكَرين مثل سعد بن أبي وقاص، والأحاديثُ الصحيحة عن النبي ﷺ تقتضي أنه كان يجبُّ الإصلاح بين تينك الطائفتين، لا الاقتتال بينهما. كما ثبت عنه في صحيح البخاري (١): أنه خطب الناس والجيش معه فقال: «إنَّ ابني هذا سيِّد، وسيصلحُ الله به بين طائفتَين عظيمتَين من المؤمنين» فأصلَحَ الله بالحسن بين أهل العراق وأهل الشام، فجعل النبي ﷺ الإصلاحَ به من فضائل الحسن، مع أنَّ الحسن نزلَ عن الأمر وسلَّم الأمر إلى معاوية، فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النبي ﷺ على ترك ما أمر به، وفعل ما لم يؤمر به ولا مدحه على تركِ الأولى وفعل الأدنى، فعُلِمَ أنَّ الذي فعَلُه الحسنُ هو الذي كان يحبُّه الله ورسوله لا القتال.

стр. 329

وقد ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ كان يضَعُه وأسامة على فخذَيه ويقول: «اللهم إني أحبُّهما فأحِبَّهما وأَحِبَّ من يحبُّهما» (١). وقد ظهر أثرُ محبة رسول الله ﷺ لهما بكراهتهما القتال في الفتنة، فإنَّ أسامة امتنع عن القتال مع واحدةٍ من الطائفتين، وكذلك الحسن كان دائمًا يشير على علي بأنه لا يقاتل ولما صار الأمر إليه فعلَ ما كان يشير به على أبيه ﵃ أجمعين -. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «تمرقُ مارقةٌ على حين فُرقةٍ من المسلمين تقتلُهم أَولى الطائفتين بالحقِّ» (٢). فهذه المارقة هم الخوارج، وقاتلَهُم علي بن أبي طالب، وهذا يصدِّقه بقية الأحاديث التي فيها الأمرُ بقتال الخوارج، وتبين أنَّ قتلَهُم مما يحبُّه الله ورسوله. وأنَّ الذين قاتلوهم مع عليٍّ أَولى بالحقِّ من معاوية وأصحابه، مع كونهم أَولى بالحق فلم يأمر النبي ﷺ بالقتال لواحدةٍ من الطائفتين كما أمرَ بقتال الخوارج، بل مدحَ الإصلاحَ بينهما. وقد ثبت عن النبي ﷺ من كراهة القتال في الفتن والتحذير منها من الأحاديث الصحيحة ما ليس هذا موضعه كقوله: «ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي» (٣)، وقال: «يوشكُ أن يكونَ خيرَ مال المسلم غنمٌ يتبعُ بها شَعفَ الجبال ومواقعَ القطر، يفرُّ بدينهِ من

стр. 330

الفتن» (١). فالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين وطوائف المسلمين، مع أنَّ كل واحدةٍ من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان أهلُ الجمل وصفين؛ وإنَّما اقتتلوا لشُبَهٍ وأمورٍ عرضَت» (٢). وقال: «قال حذيفة: ما أحدٌ من الناس تُدرِكهُ الفتنة إلَّا أنا أخافُها عليه إلَّا محمد بن مسلمة، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا تضرُّكَ الفتنة» (٣). قال أبو داود: حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة عن الأشعث بن سليم، عن أبي بردة، عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة فقال: إني لأعرف رجلًا لا تضرُّه الفتن شيئًا. قال: فخرَجنا فإذا فسطاطٌ مضروب، فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريدُ أن يشتملَ علي شيءٌ من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت. فهذا الحديث يبيِّن أنَّ النبي ﵁ أخبر أنَّ محمد بن مسلمة لا تضرُّه الفتنة، وهو ممَّن اعتزلَ في القتال فلم يقاتل لا معَ عليٍّ ولا مع معاوية، كما اعتزل سعد ابن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين. وهذا يدلُّ على أنه ليس هناك قتالٌ واجبٌ ولا مستحب، إذ لو كان كذلك لم يكن تركُ ذلك مما يُمدَحُ به الرجل، بل كان من فعل الواجب أو المستحب

стр. 331

أفضل ممن تركه، ودلَّ ذلك على أنَّ القتال قتالُ فتنة. كما ثبت في الصحيح عن النبي ﵁ أنه قال: «ستكونُ فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي، والساعي خيرٌ من الموضع» (١)، وأمثالُ ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين أنَّ تركَ القتال كان خيرًا من فعلهِ من الجانبين، وعلى هذا جمهورُ أئمة أهلِ الحديث والسُّنة؛ وهذا مذهبُ مالك، والثوري وأحمد وغيرهم» (٢). الاستدراك الرابع والثلاثون: قال الدكتور حاكم العبيسان: «وكل ذلك يؤكد رسوخ مبدأ المشروعية، وهو أن تكون أوامر السلطة في الدولة الإسلامية لا تتعارضُ مع القانون الأعلى والدستور الأسمى، وهو الكتابُ والسُّنة الذي يخضعُ لحكمهما الأمة والإمام على حدٍّ سواء، ويحتكمان إليها عند الاختلاف والنزاع. فطاعةُ السلطة واجبةٌ إذا أمرت بالحقِّ والعدل أو الخير والمصلحة، وتفقدُ حقَّ الطاعة إذا أمرتْ بالظُّلم أو الباطل أو الشرِّ أو المفسدة. ولهذا قال أبو بكر في أول خطبة له: وإن أسأتُ فقوِّموني. وقال عمر: لن يعجز الناسُ أن يولُّوا رجلًا منهم؛ فإن استقام اتَّبعوه، وإن جنفَ - أي مال - قتلوه، فقال طلحة: وما عليكَ لو قلتَ: إن تعرج عزلوه؟ فقال عمر: لا القتل أنكَلُ لمن بعده.

стр. 332

وقد جاء الأشعث ومعه جماعة من أهل الكوفة إلى عمر يطلبون منه عزلَ سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة، وبطل القادسية، وخال رسول الله ﷺ ، فعزَلَهُ عمرُ نزولًا عند رغبتهم، مع ثقتهِ بسعد، ثم سألهم فقال: إذا كان الإمام عليكم فجَارَ ومنعكُم حقَّكم وأساءَ صُحبتكم ما تصنعون به؟ قالوا: إنْ رأينا جَورًا صبرنا. فقال عمر: «لا واللهِ الذي لا إله إلا هو، لا تكونون شهداء في الأرض حتى تأخذوهُم كأخذِهم إيَّاكم، وتضربوهم في الحقِّ كضربهم إيَّاكم وإلَّا فلا» (١). في هذا عدة أمور: الأمر الأول: خطأ تعريفه للمعروف الذي تجبُ فيه الطاعة، وهو قوله: الخير والحقُّ والعدل. كما سبق بيانه (٢) وأنه مخالفٌ لمنهج أهل السنة الذين يفسِّرون المعروف بأنه: كل ما ليس معصية؛ فيدخلُ المباحُ في المعروف الذي يجبُ السمع والطاعة للحاكم فيه. الأمر الثاني: أورد أثرين عن عمر بن الخطاب فيهما تقويمُ الحاكم والسلطان بالسَّيف؛ ولا يصحَّان - كما تقدم - (٣). الأمر الثالث: أورد أثر أبي بكر لما قال: «فقوِّموني» سبقَ الكلام عليه (٤)، وأنه لا دلالة فيه؛ لأنَّ المراد بالتقويم أي بالنصيحة بالطرق الشرعية لأجل ضعف رواية التقويم بالسَّيف؛ وأيضًا ليتوافق مع بقية الأدلة.

стр. 333

الاستدراك الخامس والثلاثون: قال الدكتور حاكم: «حق الأمة في خلعها والخروج عليها إذا تجاوزت حدودَ ما أنزل الله، وأظهرتْ كفرًا بواحًا؛ وهو المعصية الظاهرة كما في بعض الروايات. قال النووي: المراد بالكفر هنا المعاصي» (١). في هذا الكلام أمران: الأمر الأول: جعلَ المعصية سببًا للخروج والخلع، وتقدَّم حكاية الأدلة، وإجماعاتُ أهل السنة أن الخروج والخلع لا يجوزان لأجل المعصية التي دون الكفر (٢). الأمر الثاني: نقل كلام النووي ليبيِّن أنَّ الكفر البواح شاملٌ للمعصية ثم بعد ذلك فرَّعَ عليه جواز الخروج على السلطان لفسقهِ ومعاصيه، وهذا الذي يقرِّره غريبٌ من جهة فَهْم الحديث ومعتقدِ أهل السنة؛ لما تقدَّم من ذكرِ الأحاديث المتواترة وإجماعات أهل السنة على عدم جواز الخروج لأيِّ معصيةٍ ما لم تكن كفرًا بواحًا (٣). أما من جهة فَهْمِ كلام النووي فقد قرَّر شمولَهُ للمعصية؛ لأنَّ النووي يقرِّر أن الحديث في المناصحة للحاكم لافي الخروج على الحاكم؛ فإنه يخصُّ جوازَ الخروج عليه بالكفر البواح؛ فإنه نقلَ بعدَهُ الإجماعَ على عدم الخروج على الحاكم لأجل الفسق فقال: «ومعناهما (كفرًا ظاهرًا) والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى «عندكُم من اللهِ فيه برهان» أي تعلَمونهُ من دين الله تعالى.

стр. 334

ومعنى الحديث: لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلَمونهُ من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكِروهُ عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرامٌ بإجماع المسلمين وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديثُ بمعنى ما ذكرته، وأجمعَ أهلُ السنة أنه لا ينعزلُ السلطانُ بالفسق» (١). وحاكم العبيسان يقرِّر أنَّ الحديث في الخروج على الحاكم، ثم يقرِّر الكفرَ البواح بالمعصية، وهذا ما لا يصحُّ لما يلي: الأمر الأول: أنَّ الأصل في لفظ الكفر أن يُحمل على الكفر إلَّا بدليل، وليس هناك دليل يمنعُ حملَهُ على الكفر بل الأدلة تدلُّ على وجوب حملهِ على الكفر كما تقدَّم بيانها (٢). الأمر الثاني: أن حمله على الكفر يتفقُ مع إجماع أهل السنة، وما كان كذلك فيجب حملُه عليه؛ لأنَّ إجماعَ أهل السنة حقٌّ وما يخالفهُ فهو باطل. الاستدراك السادس والثلاثون: قال الدكتور حاكم العبيسان: «قال الداودي: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إنْ قُدِرَ على خلعهِ بغير فتنة ولا ظُلم وجبَ وإلَّا وجبَ الصَّبر» (٣). وهذا الذي نقلَهُ عن الداودي بواسطة (فتح الباري) خطأ من الداودي، ولو أكملَ النقلَ لظهَر أنَّ ابن حجر لم يوافقه فقال: «والصحيحُ المنع إلَّا أن يكفر

стр. 335

فيجب الخروج عليه». وكلام الداودي مخالفٌ للأدلة الكثيرة وإجماعِ أهل السنة كما تقدم (١)، وتقدَّم أنَّ بعضَ المتأخرين زلَّ في هذه المسائل فلا يُرجع إليهم، ولا يُعتمد عليهم، مثل خطئهم في مسائل العقائد الأخرى كتأويل الصفات (٢). الاستدراك السابع والثلاثون: قال الدكتور حاكم: «أما إن كفَر الإمامُ أو غيَّر الشريعة، أو عطَّلها = فيجبُ الخروج عليه بالإجماع. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنه لو طرأَ عليه كفرٌ أو تغييرٌ للشرع أو بدعة؛ خرجَ عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجبَ على المسلمين القيامُ عليه وخلعهُ، ونصبُ إمام عادل إنْ أمكَنهُم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلَّا لطائفةٍ وجبَ عليهم بخلع الكافر، وقال ابن حجر: ينعزلُ بالكُفر إجماعًا، فيجب على كلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك» (٣). هذا الكلام فيه عدة أمور: الأمر الأول: إنَّ عزْلَ الحاكم بالكفر واجبٌ بالإجماع - وقد تقدَّم (٤)، بخلافِ البدعة والفسق، فلا يُعزل بها بالإجماع - كما تقدم - (٥)، والنقلُ عن القاضي عياض

стр. 336

في الخروج على الحاكم الذي وقعَ في البدعة مما لا يصحُّ الاعتماد عليه - كما تقدم بيانه - (١)؛ لأنه مخالف للأدلة وإجماع أهل السنة. الأمر الثاني: ذكر القاضي عياض: أنه يُخرج عليه إذا غيَّر الشرع. هذا لفظٌ مجمَل إن أراد أنَّه غيَّرهُ تغييرًا كفريًّا؛ بأن صار الحاكم كافرًا = فصحيح. وإن أراد بأنَّه غيَّره تغييرًا بدعيًّا بأن صارَ الحاكمُ مبتدعًا لا كافرًا = فكلامه خطأ وزلَّة كما تقدم في الأمر السابق. الأمر الثالث: قول حاكم العبيسان: «أو غيَّر الشريعة أو عطَّلها فيجبُ الخروج عليه بالإجماع». تقدَّم أن التكفير بهذا هو قولُ الخوارج كما قاله الإمام ابن باز (٢). ثم يقال: «على القول بأنَّ التكفير به معتبر؛ إنَّ التكفير بهذا هو مما اختُلف فيه بين أهل العلم؛ والخلافُ يمنع من تكفير الأعيان، والدكتور يكفِّر بهذا، وتقدَّم أن قولَ أهل السنة أنه لا يكون كافرًا (٣)، وبناءً على رأي الدكتور الخطأ في هذه المسألة أوهمَ أنَّ كلامَ الحافظ في الكافر شامل لهذا. والواقع أنَّ الإجماع الذي يحكيه الدكتور استنادًا على كلام الحافظ = إجماعٌ مركَّب من عنده، ومن بُنيَّاتِ خياله، أما كلام القاضي عياض فسبقَ توجيههُ وردُّه (٤)؛ ولو سُلِّم أنَّ الحافظ حكى الإجماعَ لقيل فيه ما قيل في القاضي عياض.

стр. 337

الاستدراك الثامن والثلاثون: قال الدكتور حاكم: «وقد كان الصحابي عبادة بن الصامت يحدِّث بهذا الحديث في الشام وينكرُ على معاوية ﵁ أشياء علانية، ويحتجُّ بحديث البيعة هذا، فكتب معاوية إلى عثمان: إنَّ عبادة بن الصامت قد أفسدَ عليَّ الشام وأهله. فلما جاء عبادة إلى عثمان قال له: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنَّه سَيَلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يعرِّفونكُم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى الله ﵎، فلا تعتلوا بربِّكم»، وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «سيكونُ أمراء تعرفون وتنكرون، فمَن نابذَهم نجا، ومن اعتزلَهم سَلِم، ومن خالطَهُم هلك»، والمنابذة هنا المقاومة والتصدِّي للانحراف. وقد كان الصحابة ﵃ يتصدون للانحراف وإنْ صدرَ من الخلفاء أو الأمراء، وقد أنكرَ بعضُهم على مروان بن الحكم في يوم العيد، فقال أبو سعيد الخدري يقول: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان». قال النووي في شرحه: «تطابقَ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين .. قال العلماء: ولا يختصُ الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائزٌ لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماعُ المسلمين، فإنَّ غير الولاة في الصَّدر الأول والعصرِ الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إيَّاهم وتركِ توبيخهم على التشاغُل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية» (١).

стр. 338

في هذا عدة أمور: الأمر الأول: ما ذكره من حديث عبادة بن الصامت مع معاوية وعثمان = حديث ضعيف ولا يصحُّ الاعتماد عليه روايةً ولا درايةً - كما سبق بيانه - (١). الأمر الثاني: ذكر الدكتور حديث ابن عباس: «سيكون أمراءُ تعرفون وتنكرون، فمَن نابذَهُم نجا، ومَن اعتزلهم سَلِمَ، ومَن خالطَهُم هلك»، وهو حديثٌ ضعيف ولا يصحُّ الاعتمادُ عليه روايةً ولا درايةً - كما سبق بيانه - (٢). الأمر الثالث: ذكر أنَّ الصحابة يتصدَّرون لإنكار المنكر، وهذا حقٌّ؛ وشواهدُ هذا كثيرة، لكن بالضابط الشرعي، وهو أن يكون إنكارهُ على السُّلطان أمامه لا وراءه كما تقدم (٣). الأمر الرابع: تصحيح العلامة الألباني لحديث: «فلا طاعة لمن عصى الله»، والمرادُ لا طاعةَ في المعصية نفسها دون غيرها - كما تقدم بيانه - (٤) لأدلةٍ أخرى؛ والشريعةُ يفسِّر بعضُها بعضًا، ولأجلِ إجماع أهل السنة كما تقدم (٥). الاستدراك التاسع والثلاثون: قال الدكتور حاكم: «وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من نبيٍّ بعثَهُ الله في أمةٍ قبلي إلَّا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسُنَّته

стр. 339

ويقتدون بأمرهِ، ثمَّ إنها تَخلُفُ من بعدِهم خُلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، ومَن جاهدَهُم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدهُم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل»، وفي رواية: «خوالفُ أمراء يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون». قال ابن رجب الحنبلي: وهذا يدلُّ على جهاد الأمراء باليد، وقد استنكر أحمد هذا الحديث … وقد يُجابُ عن ذلك بأنَّ التغيير باليد لا يستلزمُ القتال، وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا فقال: التغيير باليد وليس بالسيف والسلاح، فحينئذ فجهاد الأمراء باليد … أن يُبطل بيده ما أمروا به من الظُّلم إنْ كان له قدرةٌ على ذلك، وكلُّ ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم ولا الخروج عليهم» (١). تقدَّم بيان معنى هذا الحديث (٢)، والردُّ على من أراد أن يستند عليه للخروج على الحاكم المسلم، ولو كان فاسقًا، ثم نقل كلام ابن رجب وهو عليه؛ لأنه يقرر حُرمة الخروج، وهذا مخالفٌ لكلام حاكم العبيسان. وإن إيراد الدكتور هذا الحديث لبيان جواز الإنكار على السلطان والوالي بغير الطرق الشرعية التي سبق ذكرها = خطأ ظاهر، وذلك أنه على أحد المعاني لهذا الحديث يكونُ المرادُ إبطال ما أَتوا من المعاصي؛ كآلاتِ الملاهي وإراقةِ الخمور وهكذا … إذا كانت هناك قدرةٌ ولم تترتب عليه مفسدة أكبر. قال ابن رجب: «وقد يُجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف

стр. 340

والسلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورَهُم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبطلَ بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وردَ النهيُ عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يُقتل الآمرُ وحدَه» (١). ويقال أيضًا: إنَّ هذا الحديث عامٌّ للحاكم وغيره؛ ويستثنى منه الحاكم للأدلة الخاصَّة في الصَّبر على جَوره، وتقدم ذكر أوجهٍ في توجيه الحديث (٢). وقد تقدم أن الذي ضعَّفه أحمد غير اللفظ الذي أخرجه مسلم؛ والذي ضعَّفه فيه لفظ (أمراء) (٣). الاستدراك الأربعون: نقل حاكم العبيسان (٤) كلامًا للشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرِّر فيه أنَّ الخروجَ على الحاكم مسألة خلافية، وهو متابعٌ لابن حزم في نسبة هذه الأقوال، وتقدَّم بيانُ عدم صحَّة هذه النسبة لأكثر هؤلاء، وتوجيهُ مَنْ ثبتَ عنه هذا القول، وأنَّ المسألة ليست خلافية بإجماعِ السلف؛ والأدلةُ متكاثرة على عدم جواز الخروج (٥).

стр. 341

الاستدراك الحادي والأربعون: قال الدكتور: «قال ابن حزم: «الإمام واجبٌ طاعتهُ ما قادنا بكتاب الله وسُنة رسوله ﷺ ، فإنْ زاغَ عن شيء منهما مُنع من ذلك، وأُقيم عليه الحدُّ والحقُّ، فإن لم يؤمَن أذاهُ إلَّا بخلعه، خُلع وولِّي غيره». وقال أيضًا: «والواجبُ إنْ وقعَ شيء من الجور وإن قلَّ أن يكلَّم الإمام في ذلك ويُمنع منه، فإن امتنع وراجعَ الحقَّ وأذعنَ للقود من البشرة أو من الأعضاء، أو لإقامة حد الزنى والقذف والخمر عليه، فلا سبيلَ إلى خلعهِ وهو إمامٌ كما كان لا يحلُّ خلعهُ، فإن امتنع من إنفاذِ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع، وجبَ خلعهُ، وإقامةُ غيرهِ ممن يقومُ بالحق» (١)، تقدَّم الردُّ على ابنِ حزمٍ وبيانُ بطلانِ أدلته (٢). الاستدراك الثاني والأربعون: قال الدكتور: «فلا يمكن قتلُ إنسان لمعارضتهِ للسلطة، أو حتى محاولته الاعتداء على رجال السُّلطة دون القتل، ولهذا لم تعرف الدولة الإسلامية في المرحلة الأولى من الخطاب السياسي الممثِّل لتعاليم الدين المنزَّل أيَّ حادثةِ قتلِ سياسي لمن يعارضُ السلطة، وقد رفضَ النبي ﷺ أن يتعرَّض للمعارضين له داخلَ المدينة، ممن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم يحرِّضون على إخراج النبي ﷺ من المدينة» (٣).

стр. 342

هذا الكلام مجمَلٌ ويحتاجُ إلى تفصيل؛ فإنه لا يلزم من ألَّا يُقتلَ أن يكون فعلُه صوابًا، أو لا يعاقب بما دون القتل. فقد يُعاقبُ تعزيرًا من الإمام أو القاضي بحسب المصلحة، فإذًا لا يُستدل بعدم القتل على صحة الفعل؛ فإذا لم يقتلوا المعارضَ سياسيًّا فليس معناه صحَّة فعلهِ شرعًا. ثم لابد أن يفرَّق بين هذا وبين مَنْ جاء لتفريقِ الصَّف ومنازعة الحاكم في حكمه، فمثلهُ يقتل - كما تقدم - (١)، وهو من المفسدين في الأرض. وحقيقة كلامه هذا أنه تكرار لما مضى لكن مع الإجمال والتعمية. الاستدراك الثالث والأربعون: قال الدكتور: «وقد أرسلَ عثمان ﵁ عمارَ بن ياسر إلى أهل مصر لمَّا ظهرت المعارضة فيها، لسياسة عثمان فانضمَّ عمار للمعارضة، فكتبَ أمير مصر ابن أبي السرح إلى عثمان يستأذنه بعقوبة عمار وأصحابه أو قتلهِم، فكتب إليه الخليفة: بئسَ الرأيُ رأيتَ من آذن لك بعقوبة عمّار وأصحابه. وفي رواية: فأحسِنْ صُحبتهم ما صَحبوك، فإذا أرادوا الرحلة فأحسِن جهازهم، وإيَّاك أن يأتيني عنكَ خلافُ ما كتبت به إليك» (٢). ثم قال في حاشية «بئس الرأي رأيت»: [المصدر السابق (تاريخ المدينة لابن شبة) (٣/ ١١٢٣) بإسناد صحيح]، وقال في حاشية: ««فأحسن صحبتهم»: [المصدر السابق (٣/ ١١٢٣) بإسناد حسن]».

стр. 343

وفي هذا أمران: الأمر الأول: قولُ عثمان: «بئسَ الرأيُ رأيتَ … » صحَّحها الدكتور حاكم العبيسان، وليس الأمر كذلك، فإن الإسناد منقطع؛ لأنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لم يسمع من عثمان، فروايتهُ مرسلة ضعيفة، قال أبو زرعة: «عن عثمان مرسل» (١). الأمر الثاني: قول عثمان: فأحسِنْ صُحبتهم ما صحبوك … حسَّن الدكتور إسناده، وليس كذلك بل هو ضعيف لسببين: السبب الأول: أنَّ صالح بن كيسان لم يدرك زمن عثمان ﵁، بل ولد بعد وفاة عثمان، فإنَّ وفاته بعد المائة والثلاثين للهجرة أو المائة والأربعين - كما في ترجمته - وهو لم يبلغ من العمر التسعين من عمره، كما قاله الذهبي (٢). السبب الثاني: أنَّ شيخ ابن شبة هو معمر بن بكار السعدي؛ قال ابن حجر في لسان الميزان: «معمر بن بكار السعدي شيخ لمطين صويلح». قال العقيلي: «في حديثه وهم، وَلا يتابع على أكثره». انتهى، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات وقال: «روى عن إبراهيم ابن سعد، وَغيره» (٣).

стр. 344

الاستدراك الرابع والأربعون: قال الدكتور: «وكلُّ ما سبقَ يؤكِّد رسوخَ مبدأ حُرمة النفس الإنسانية، وأنه لا حقَّ للسلطة في الدولة الإسلامية باستحلال قتلِ أو تعذيبِ أحدٍ أو اضطهادِ المعارضةِ السياسية، لمجرَّد معارضتها الحاكم وسياستها أو رفضها لحكمه» (١). يكرر أنَّ الشريعة لم تأت بقتل المعارضِ للسلطان وحُكمه، فيستنبِطُ من هذا جهلًا أو تدليسًا جوازَ المعارضة للسلطان!!. والجواب على هذا من أوجه: الوجه الأول: ليس كلُّ ما لم تحكُم عليه الشريعة بالقتل فيجوزُ فعله؛ بل قد يكون محرمًا بأدلةٍ أخرى. فإذا كان كذلك فيجبُ إنكاره وإن كان لا يقتل، وهذا من البدهيات شرعًا، فلا قتلَ على الغيبة واللَّعن، ومع ذلك يحرمُ قولهما ويجبُ إنكارهما، وهذا مثل عدم القتل بمعارضة السلطان أو رفض حكمه - وفي المسألة تفصيل - فلا يدل على جوازه باسم الحرية المدَّعاة. الوجه الثاني: القول بعدم قتل المعارضة السياسية فيه تفصيل؛ فإن كانت المعارضة لإسقاط حكم الحاكم وتفريق الكلمة = فإنه يقتل، قال عرفجة الأشجعي: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: «إنه ستكونُ هَناتٌ وهنات، فمَن أراد أن يفرِّقَ أمر هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوه بالسَّيف كائنًا من كان». [أخرجه مسلم] (٢).

стр. 345

أو كان المعارض يتبنَّى عقيدة الخروج على الحاكم المسلم، فإنه يستحقُّ القتل؛ لأنه مبتدع - وتقدَّم تفصيلُ هذه المسائل - (١). أما إذا كانت المعارضة لعدم بيعة الحاكم أو انتقادِ بعض الأعمال التي يفعلُها الحاكم، فإنَّ هذا الفعل محرَّم ولا يوجبُ القتل. وإن كانت له مظلمة رُدَّت مظلمته، وإن لم تكن له مظلمة فإنه يؤدَّب، وقد يعفو عنه السلطان أو يدع عقوبته لمصلحةٍ يراها. وهذا الذي كان يفعله عثمان ﵁ فإنه فعل ما رأى المصلحة تقتضيه. وهذه الحرية يردِّدها حاكم العبيسان مُعرِضًا عن الأدلة المحكَمة الصريحة متشبِّثًا بشبهاتٍ واهيات، ولو كان منصفًا لردَّ المتشابه إلى المحكم. الاستدراك الخامس والأربعون: قال الدكتور: «كما له الحقُّ في الانتماء إلى أيِّ حزبٍ أو جماعةٍ شاء، فإذا جاز لغير المسلم الانتماء للأديان الأخرى والتحاكم إلى شرائعها الخاصة ورؤسائها في ظل الشريعة الإسلامية، فالانتماءُ إلى الجماعات الفكرية والسياسية جائزٌ من باب أولى، ولهذا السبب لم يعترض عثمان ولا علي ﵄ على الانتماء للجماعات السياسية أو الفكرية، كالخوارج إذ لم يرَ علي ﵁ أنَّ له حقًّا في منعهِم من مثل هذا الانتماء، ما لم يخرجوا على الدولة بالقوة، لوضوح مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. والمقصود بالجواز والحق هنا الجوازُ والحقُّ القضائي الذي لا تستطيعُ السلطة مصادرته، لا الجواز ديانةً وإفتاءً؛ إذ يحرمُ الانتماء للخوارج وفرقِ أهل البدع، إلَّا

стр. 346

أنَّ الصحابة لم يروا لهم عليهم سبيلًا في منعهِم من هذا الانتماء لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ولإجماع الصحابة ﵃ على عدم التعرُّض للخوارج ما لم يصولوا على الناس بالسيف» (١). في هذا الكلام المتناقض الواهي عدة أمور: الأمر الأول: فرقٌ في الشريعة بين أن يجتمعَ أقوامٌ يتعاونوا على البِّر والتقوى تحت حُكمِ الحاكم العام، ولم يمنع ذلك السلطان، ولا يكون بينهم ولاءٌ وبراء على هذا التجمع، فرقٌ بين هذا وبين التجمُّع الحزبي الذي لا يكون تحت حُكمِ الحاكم المسلم العام، بل ينفصلُ عنه ببيعةٍ أو ما في معناها، أو يكون الولاء والبراء على هذا الحزب، أو يكون هذا التحزب للتعاون على الإثم والعدوان من مناطحة السلطان. هذا النوع الثاني من التجمُّع تجمُّع محرَّم في الشريعة؛ لأنه لا بيعة في الشريعة إلَّا للحاكم العام، والبيعة الخاصة منازعة له، وكذا الحبُّ والبغض لله وفي الله لا في الأحزاب والتجمعات. وزيادةً على أنه محرَّم فهو بدعة أيضًا؛ لوجود المقتضي لفعله عند السلف ولم يفعلوه، ولا مانع يمنعهُم. الأمر الثاني: أنَّ الأحزاب السياسية إذا كانت تعمل لمناصحة الحاكم أو إظهارِ عيوبه وأخطائه، فهي أحزاب محرَّمة لما تقدَّم تقريرهُ من وجوب السَّمع والطاعة للحاكم (٢)، وعدم نشرِ عيوبهِ وأخطائه وهكذا.

стр. 347

الأمر الثالث: أن محاولة تجويز الانتساب للأحزاب الكافرة؛ لأن الشريعة أقرَّت الكافر على كُفره إذا كان تحت حكمها؛ وهذا مردودٌ من أوجه: الوجه الأول: أنَّ بقاء الكافر على دينه وهو تحت حُكمِ المسلمين ذليلًا بضوابط معينة = أجازتهُ الشريعة لمصلحة أكبر إذا كان كتابيًّا، وألحقَ بهم العلماء المجوسَ لما وردَ فيهم من دليل؛ وهذا الإقرار من الشريعة والاكتفاء بأخذ الجزية منهم لمصلحةٍ أكبر وهي رجاءُ دخولهِ في الإسلام - لأنهم أقربُ للإسلام من غيرهم -، فإنَّ جماهير أهل العلم على عدمِ إقرار بقاء غيرهم على دينهم وعلى عدم قبول الجزية منهم. الوجه الثاني: فرَّقتْ الشريعة وسلفُ هذه الأمة بين الكفار وأهل البدع؛ وشددت في أهل البدع ما لم تشدِّد في الكفار؛ لأنه يُغترُّ بهم أكثر من غيرهم، فشدَّدت في الخوارج ما لم تشدِّد في الكفار وهكذا … قال شريك بن عبد الله النخعي: «لئن يكون في كلِّ قبيلة حمار أحبُّ إلي من أن يكون فيها رجلٌ من أصحاب أبي فلان رجل كان مبتدعًا». وقال مالك بن أنس: «لا تسلم على أهل الأهواء ولا تجالسهم إلَّا أن تغلظ عليهم، ولا يُعاد مريضُهم، ولا تحدث عنهم الأحاديث». وقال سفيان الثوري: «مَنْ أصغى بسمعهِ إلى صاحب بدعةٍ وهو يعلَم أنه صاحبُ بدعةٍ خرجَ من عصمة الله ووُكِلَ إلى نفسه». وقال الفضيل بن عياض: «لأن آكلَ عند اليهودي والنصراني أحبُّ إليّ من أن آكلَ عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يُقتدى بي، وإذا أكلتُ عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس، أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعةٍ حصنٌ

стр. 348

من حديد» (١). الوجه الثالث: إنَّ مقتضى إنكار المنكر ألَّا تُقرَّ الأحزاب غير الشرعية، فكلُّ دليلٍ يدلُّ على إنكار المنكر كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] = يدلُّ على إنكار هذه التحزُّبات غير الشرعية. فإذا تُرك إنكارُ منكرٍ لمصلحة أكبر، فلا يدلُّ على عدم إنكار المنكرات، بل تبقى إنكارُ المنكرات على الأصل ما لم تعارضه مصلحةٌ أكبر، فإقرارُ الشريعة لأهل الكتاب والمجوس إذا أعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون لمصلحةٍ = لا يعني ألَّا ينكرَ التحزُّب المخالفُ للشريعة، وهذا بَدهيٌّ لو تحرَّر حاكم العبيسان من قيود الحرية الغالية المزعومة. الوجه الرابع: أنَّ غاية دليل الدكتور القياس؛ فقاسَ تجويزَ الشريعة انتسابَ الكافر إلى دينهِ على الانتساب للأحزاب، وهذا قياسٌ فاسد؛ لأنه مصادمٌ للدليل، وقد تقدَّم ذِكرُ الدليل على بطلان هذه التجمعات والأحزاب مع الأدلة المعروفة في إقرار الكفار الكتابيين إذا وافقوا على الجزية (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هؤلاء (الكفار من أهل الذمة) يقرُّون على دينهم المبتدع، والمنسوخ، مستسرِّين به، والمسلمُ لا يَقرُّ على مبتدع ولا منسوخ،

стр. 349

لا سرًّا ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهلِ البدع وأشدُّ» (١). وصدقَ الإمام أحمد لمَّا ذكرَ أن أكثر أخطاء الناس في القياس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فرضي الله عن أحمد حيث يقول: ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمَل، والقياس، وقال أيضا: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس» (٢). الأمر الرابع: زعم أنَّ عثمان وعليًّا لم يعترضا على الخوارج، ثم قال: «والمقصود بالجواز والحق هنا الجوازُ والحقُّ القضائي الذي لا تستطيع السُّلطة مصادرته، لا الجواز ديانةً وإفتاءً؛ إذ يحرمُ الانتماءُ للخوارج وفرقِ أهل البدع، إلا أنَّ الصحابة لم يروا لهم عليهم سبيلًا في منعهم من هذا الانتماء لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾». هذا تناقضٌ لأنه إذا كان محرَّمًا فيجبُ إنكاره، فإنَّ هذا أعظم مقصدٍ من مقاصد الولاية؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما تقدم نقله عن العلماء (٣) - فكيف يكون منكرًا ويتركان إنكاره. وإنَّما غاية الأمر أنهم تركوا قتالهم لمصلحة؛ وهذا لا يعني أنه لا يجوز إنكاره وردعُهم إذا زالت هذه المصلحة، فلما نهى رسول الله ﷺ الصحابة عن الإنكار على الأعرابي الذي بالَ في المسجد لمصلحة، فهذا لا يعني أنَّ البول في المسجد لا ينكر إذا زالت المصلحة المانعة من الإنكار.

стр. 350

الأمر الخامس: لازمُ هذا التقرير والاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ألَّا تُنكَر أماكن الزنى والدعارة والربا، وأن يُسمح نظاميًّا ببناء الكنائس في بلاد المسلمين وكذا الحسينيات الرافضية والمدارس العلمانية واللبرالية وهكذا .. وهذه لوازمُ باطلة، فالدكتور ما بين أن يلتزمها، فيكون مصادمًا للشريعة متابعًا لدعاة الحرية المكذوبة وهم الليبرالية والعلمانية، أو ألَّا يلتزمها فيعود هذا على كلامه بالنقض. الأمر السادس: تقدَّم الجواب (١) على قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وليس فيها حجَّة على السماح بالمحرمات باسم الحرية. الأمر السابع: أن مذهب عمر جوازُ قتلِ الخارجي؛ لأنه خارجي - كما تقدم نقل هذا عنه، وإقرار ابن تيمية وابن قدامة به (٢) - ولم يقل عمر لم أقتله لأجل الحرية، لكن الصحابة لم يقاتلوا الخوارج إذا تجمَّعوا وصاروا جماعة حتى يبدؤوا بالسيف، وهذا لا يعني أنه لا ينكر عليهم ولا يناصحون كما فعل ابن عباس لما أرسله علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. الاستدراك السادس والأربعون: قال الدكتور: «وقد انتهى عصر الخلفاء الراشدين سنة ٤٠ هـ، وبدأ العصر الأموي حيث بدأ تراجعُ الخطاب السياسي الممثِّل لتعاليم الدين المنزل، وبدأ خطاب سياسي يمثل تعاليم الدين المؤول حيث بدأ الاستدلال بالنصوص على غير الوجه الصحيح الذي أراد الله ورسوله ﷺ : «أول مَنْ يغير سنَّتي رجلٌ من بني أمية».

стр. 351

وقد بدأت هذه المرحلة بعد عهد الخليفة الراشد عبد الله بن الزبير» (١). وفي هذا الكلام عدة أمور: الأمر الأول: أنه ذمَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان؛ لأنه جعلَ الحكمَ في ابنه بالإرث وهذا ليس مذمومًا؛ لأن فعله لمصلحة - كما تقدَّم نقلُ كلامِ ابن خلدون (٢) - ولو كان محبًّا لمعاوية، وعارفًا قدرَهُ ومنزلته؛ لحملَ فعله على المحمَل الحسن، لكنه أبى إلَّا القدح فيه - بقصدٍ أو بغير قصد - وجعل خلافته ابتداء للخطاب السياسي المؤول. الأمر الثاني: أنه لو ثبت حديث: «أوَّل من يغير سنَّتي رجلٌ من بني أمية» فليس لازمًا أن ينزله على معاوية، فقد تلاه حكَّام وولاة من بني أمية هم أَولى أن ينزل عليهم منه ﵁ لاسيما وهو أفضلُ ملوك الإسلام بالإجماع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء على أنَّ معاوية أفضلُ ملوك هذه الأمة» (٣)، فلماذا الإصرارُ في تنزيل الحديث على معاوية؟ هل كل هذا الغضب عليه لأنه جعلَ الولاية إرثًا لابنه يزيد - مع أنَّ هذا مقتضى المصلحة -، فلما وجد المعارض زلَّة لأحدٍ أهل العلم بأن جعل المراد معاوية طارَ بها فرحًا ونشرًا، بدلَ سترها وإخفائها؛ لئلا يُنال من خال المؤمنين.

стр. 352

مع أنَّ كلامَ جمعٍ من العلماء أنَّ المراد بالحديث يزيد - مثل البيهقي - ودافع ابنُ كثير عن هذا القول فقال: «قال البيهقي: ويشبه أن يكونَ هذا الرجلُ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان» (١). فهل كلُّ هذا يَخفى على مَنْ تتبَّع كتاب (البداية والنهاية) والتقطَ منه الشُّبهات بالمنقاش؟! الأمر الثالث: قد طعنَ في الحديث جماعة؛ فقد ضعَّفه ابن كثير فقال: «وهذا منقطعٌ بين أبي العالية وأبي ذر» (٢)، وقال أيضًا بعد أن ذكره: «وكذا رواه البخاري في (التاريخ)، وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، ثم قال البخاري: والحديثُ معلول، ولا يُعرف أنَّ أبا ذر قدِمَ الشام زمن عمر بن الخطاب، قال: «وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمنَ عمر، فولَّى مكانه أخاه معاوية». وقال عباس الدوري: «سألتُ ابنَ معين: أسَمِعَ أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا، إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمَن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري». وقد أوردَ ابنُ عساكر أحاديثَ في ذمِّ يزيد بن معاوية، كلُّها موضوعة، لا يصحُّ شيء منها، وأجودُ ما وردَ ما ذكرناه؛ على ضعفِ أسانيده وانقطاعِ بعضهِ - والله أعلم -» (٣).

стр. 353

الاستدراك السابع والأربعون: حاولَ في كتابه الفرقان (١) إثبات حديث: «أوَّل مَنْ يغيِّر سُنَّتي رجلٌ من بني أمية» ببحثٍ فيه تدليس - بقصدٍ أو بغير قصد - وتهرَّب من كلام البخاري بحجَّة أنه لم يجزم بعدمِ السماع، وتركَ كلام ابن معين الذي جزمَ بعدم السماع ولم يتعرض له، وأيضًا اعتمدَ توثيق أبي مسلم بناءً على توثيق المعروفين بالتساهل كابن حبان أو من وثَّقه ضمنًا - أي من باب اللازم - كصنيع ابن خزيمة؛ أو توثيق متأخِّر كالذهبي وتركَ - هوًى وبغيًا - تجهيلَ ابن معين وهو إمامُ هذا الفن وفارسٌ من فرسانه. ومن عدمِ إنصافهِ شكَّك في نقل ابن كثير عن البخاري قوله: «هذا حديث معلول» بحجَّة أنها ليست من عباراتِ البخاري مع إقراره أنها وُجدتْ مرَّةً في كلامه. فيُقال جوابًا على سفسطته هذه: إذًا لتكن هذه المرة الثانية؛ فما الفرق بين المرة والمرتين؟. إلى آخر كلامه الركيكِ الذي تفوحُ منه رائحة الهوى. وعلى كلٍّ الخلافُ في تصحيح الحديث وتضعيفه أمرٌ سهل لكن الإشكال في التدليس والتكلُّف في طريقة التصحيح.

стр. 354

الاستدراك الثامن والأربعون: ينقل الدكتور آثارًا لعلي بن أبي طالب من كتاب نهج البلاغة (١)، وهذا الكتابُ مما لا يُعتمد عليه. قال الذهبي: «قلت: هو جامع كتاب (نهج البلاغة)، المنسوبة ألفاظُه إلى الإمام علي ﵁، ولا أسانيدَ لذلك، وبعضُها باطل، وفيه حقٌّ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن أين المنصف؟! وقيل: بل جمعُ أخيه الشريف الرضي» (٢)، وقال أيضًا: «على بن الحسين العلوي الحسينى الشريف المرتضى المتكلم الرافضى المعتزلي، صاحب التصانيف. حدث عن سهل الديباجي، والمرزباني، وغيرهما. وولي نقابة العلوية، ومات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، عن إحدى وثمانين سنة، وهو المتَّهم بوضع كتاب نهج البلاغة، وله مشاركة قوية في العلوم، ومَن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁، ففيه السبُّ الصُّراح والحطَّ على السَّيدين: أبي بكر، وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفةٌ بنفَسِ القرشيين الصحابة وبنفَس غيرهم ممن بعدَهم من المتأخرين جزَم بأنَّ الكتاب أكثرهُ باطل» (٣). فهل يصحُّ أن يُستند إلى كتابٍ هذا حالُه؟!؛ لكن الهوى جعلَهُ يعتمد عليه، لأن فيه ما ينصرُ هواه.

стр. 355

الاستدراك التاسع والأربعون: شكَّك الدكتور في شرعية أن يعهد حاكم إلى مَنْ بعده، وذكر أنَّ عهدَ أبي بكرٍ لعمر كان لمصلحةٍ استدعاها الواقع يومذاك. قال الدكتور: «فقد كان عهده لعمر من باب الترشيح بعد الاستشارة والرضا، دون إكراهٍ أو إلزام، كما لم تكن بينهما قرابة أو رحم تُثير الشك والشُّبهة في الغاية من هذا الترشيح، كما أنَّ الظروف المحيطة بالدولة الإسلامية الجديدة - التي خرجت للتوِّ من الحروب الداخلية - حروب الردة، وبدأت حروبَها مع الإمبراطوريتين فارس والروم - هي التي اضطرت أبا بكر إلى مثل هذا الإجراء» (١). وقال: «وإذا كانت نظرية الاستخلاف قد وجدت لها سندًا شرعيًّا مؤوَّلًا حتى أصبحت طريقًا مشروعًا لتوريث الإمامة للأبناء، بدعوى جواز العهد لهم كغيرهم» (٢). وهذا مردودٌ بإجماع أهل العلم على شرعية العهد في الإمامة، وقد سبقَ ذِكرهُ (٣). وأيضًا فإنَّ عمر ﵁ قال: إنْ أَستخلِفْ فقد استخلفَ من هو خيرٌ مني - يعني أبا بكر الصديق - كما تقدم (٤). وعمرُ بن الخطاب يقول هذا مبينًا أن كلَّها مشروعة له؛ الاستخلاف الذي هو العهد أو الترك بلا استخلاف.
следующие страницы →