وقد بدأت هذه المرحلة بعد عهد الخليفة الراشد عبد الله بن الزبير» (١).
وفي هذا الكلام عدة أمور:
الأمر الأول: أنه ذمَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان؛ لأنه جعلَ الحكمَ في ابنه بالإرث وهذا ليس مذمومًا؛ لأن فعله لمصلحة - كما تقدَّم نقلُ كلامِ ابن خلدون (٢) - ولو كان محبًّا لمعاوية، وعارفًا قدرَهُ ومنزلته؛ لحملَ فعله على المحمَل الحسن، لكنه أبى إلَّا القدح فيه - بقصدٍ أو بغير قصد - وجعل خلافته ابتداء للخطاب السياسي المؤول.
الأمر الثاني: أنه لو ثبت حديث: «أوَّل من يغير سنَّتي رجلٌ من بني أمية» فليس لازمًا أن ينزله على معاوية، فقد تلاه حكَّام وولاة من بني أمية هم أَولى أن ينزل عليهم منه ﵁ لاسيما وهو أفضلُ ملوك الإسلام بالإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء على أنَّ معاوية أفضلُ ملوك هذه الأمة» (٣)، فلماذا الإصرارُ في تنزيل الحديث على معاوية؟
هل كل هذا الغضب عليه لأنه جعلَ الولاية إرثًا لابنه يزيد - مع أنَّ هذا مقتضى المصلحة -، فلما وجد المعارض زلَّة لأحدٍ أهل العلم بأن جعل المراد معاوية طارَ بها فرحًا ونشرًا، بدلَ سترها وإخفائها؛ لئلا يُنال من خال المؤمنين.
стр. 352
مع أنَّ كلامَ جمعٍ من العلماء أنَّ المراد بالحديث يزيد - مثل البيهقي - ودافع ابنُ كثير عن هذا القول فقال: «قال البيهقي: ويشبه أن يكونَ هذا الرجلُ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان» (١).
فهل كلُّ هذا يَخفى على مَنْ تتبَّع كتاب (البداية والنهاية) والتقطَ منه الشُّبهات بالمنقاش؟!
الأمر الثالث: قد طعنَ في الحديث جماعة؛ فقد ضعَّفه ابن كثير فقال: «وهذا منقطعٌ بين أبي العالية وأبي ذر» (٢)، وقال أيضًا بعد أن ذكره: «وكذا رواه البخاري في (التاريخ)، وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، ثم قال البخاري: والحديثُ معلول، ولا يُعرف أنَّ أبا ذر قدِمَ الشام زمن عمر بن الخطاب، قال:
«وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمنَ عمر، فولَّى مكانه أخاه معاوية».
وقال عباس الدوري: «سألتُ ابنَ معين: أسَمِعَ أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا، إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمَن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري».
وقد أوردَ ابنُ عساكر أحاديثَ في ذمِّ يزيد بن معاوية، كلُّها موضوعة، لا يصحُّ شيء منها، وأجودُ ما وردَ ما ذكرناه؛ على ضعفِ أسانيده وانقطاعِ بعضهِ
- والله أعلم -» (٣).
стр. 353
الاستدراك السابع والأربعون:
حاولَ في كتابه الفرقان (١) إثبات حديث: «أوَّل مَنْ يغيِّر سُنَّتي رجلٌ من بني أمية» ببحثٍ فيه تدليس - بقصدٍ أو بغير قصد - وتهرَّب من كلام البخاري بحجَّة أنه لم يجزم بعدمِ السماع، وتركَ كلام ابن معين الذي جزمَ بعدم السماع ولم يتعرض له، وأيضًا اعتمدَ توثيق أبي مسلم بناءً على توثيق المعروفين بالتساهل كابن حبان أو من وثَّقه ضمنًا - أي من باب اللازم - كصنيع ابن خزيمة؛ أو توثيق متأخِّر كالذهبي وتركَ - هوًى وبغيًا - تجهيلَ ابن معين وهو إمامُ هذا الفن وفارسٌ من فرسانه.
ومن عدمِ إنصافهِ شكَّك في نقل ابن كثير عن البخاري قوله: «هذا حديث معلول» بحجَّة أنها ليست من عباراتِ البخاري مع إقراره أنها وُجدتْ مرَّةً في كلامه.
فيُقال جوابًا على سفسطته هذه: إذًا لتكن هذه المرة الثانية؛ فما الفرق بين المرة والمرتين؟.
إلى آخر كلامه الركيكِ الذي تفوحُ منه رائحة الهوى.
وعلى كلٍّ الخلافُ في تصحيح الحديث وتضعيفه أمرٌ سهل لكن الإشكال في التدليس والتكلُّف في طريقة التصحيح.
стр. 354
الاستدراك الثامن والأربعون:
ينقل الدكتور آثارًا لعلي بن أبي طالب من كتاب نهج البلاغة (١)، وهذا الكتابُ مما لا يُعتمد عليه.
قال الذهبي: «قلت: هو جامع كتاب (نهج البلاغة)، المنسوبة ألفاظُه إلى الإمام علي ﵁، ولا أسانيدَ لذلك، وبعضُها باطل، وفيه حقٌّ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن أين المنصف؟! وقيل: بل جمعُ أخيه الشريف الرضي» (٢)، وقال أيضًا: «على بن الحسين العلوي الحسينى الشريف المرتضى المتكلم الرافضى المعتزلي، صاحب التصانيف. حدث عن سهل الديباجي، والمرزباني، وغيرهما.
وولي نقابة العلوية، ومات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، عن إحدى وثمانين سنة، وهو المتَّهم بوضع كتاب نهج البلاغة، وله مشاركة قوية في العلوم، ومَن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁، ففيه السبُّ الصُّراح والحطَّ على السَّيدين: أبي بكر، وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفةٌ بنفَسِ القرشيين الصحابة وبنفَس غيرهم ممن بعدَهم من المتأخرين جزَم بأنَّ الكتاب أكثرهُ باطل» (٣).
فهل يصحُّ أن يُستند إلى كتابٍ هذا حالُه؟!؛ لكن الهوى جعلَهُ يعتمد عليه، لأن فيه ما ينصرُ هواه.
стр. 355
الاستدراك التاسع والأربعون:
شكَّك الدكتور في شرعية أن يعهد حاكم إلى مَنْ بعده، وذكر أنَّ عهدَ أبي بكرٍ لعمر كان لمصلحةٍ استدعاها الواقع يومذاك.
قال الدكتور: «فقد كان عهده لعمر من باب الترشيح بعد الاستشارة والرضا، دون إكراهٍ أو إلزام، كما لم تكن بينهما قرابة أو رحم تُثير الشك والشُّبهة في الغاية من هذا الترشيح، كما أنَّ الظروف المحيطة بالدولة الإسلامية الجديدة - التي خرجت للتوِّ من الحروب الداخلية - حروب الردة، وبدأت حروبَها مع الإمبراطوريتين فارس والروم - هي التي اضطرت أبا بكر إلى مثل هذا الإجراء» (١).
وقال: «وإذا كانت نظرية الاستخلاف قد وجدت لها سندًا شرعيًّا مؤوَّلًا حتى أصبحت طريقًا مشروعًا لتوريث الإمامة للأبناء، بدعوى جواز العهد لهم كغيرهم» (٢).
وهذا مردودٌ بإجماع أهل العلم على شرعية العهد في الإمامة، وقد سبقَ ذِكرهُ (٣).
وأيضًا فإنَّ عمر ﵁ قال: إنْ أَستخلِفْ فقد استخلفَ من هو خيرٌ مني
- يعني أبا بكر الصديق - كما تقدم (٤). وعمرُ بن الخطاب يقول هذا مبينًا أن كلَّها مشروعة له؛ الاستخلاف الذي هو العهد أو الترك بلا استخلاف.
стр. 356
الاستدراك الخمسون:
عاب الدكتور حاكم على خالِ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان أن عَهِدَ لابنه يزيد فقال: «لقد بايع الناسُ يزيد في حياة أبيه ﵁ الذي كان يرى أن جمعَ الناسَ على إمامٍ واحد، ووحدةُ كلمة الأمة وعدمُ عودتها للاقتتال والفتنة - أهمُّ مما سوى ذلك، فكان يقول: «إنِّي خفتُ أن أدع الرَّعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع» وفاتَهُ ﵁ أن النبي ﷺ كان أحرصَ على الأمة وأشفقَ، ومع ذلك تركَهُم ليختاروا من بعده من يرتضونه» (١).
تقدم (٢) نقلُ كلام ابن خلدون في أنه جعلَ فعل معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه - من الحسنات لأجل المصلحة العارضة، ثم إنَّ هذا الدكتور متناقضٌ؛ فقد صحَّح فعلَ أبي بكر لما عهد لعمر بن الخطاب لأجل المصلحة، مع أنه لا يرى طريقة العهد شرعيةً، وخطَّأ معاوية مع أن معاوية استخلفَ وعَهِدَ لابنه لأجل المصلحة، وكان المتعيِّن عليه أن يقرَّ لمعاوية فعلَهُ لأجل المصلحة، كما أقرَّه لأبي بكر لأجلِ المصلحة، فليس نفيهُ للمصلحة أولى من ابن خلدون الذي أثبتها. فكيف والذي رأى المصلحة معاوية بن أبي سفيان؟!.
الاستدراك الحادي والخمسون:
قال الدكتور: «حيث تمَّ اختزال معنى الشورى، فأصبحت الشورى قاصرةً على مشاركة الأمة الإمام في الرأي؟ ثم تمَّ اختزالها فإذا الشورى هي استشارةُ
стр. 357
الإمام أهلَ الحلِّ والعقد دون الالتزام» (١).
قد سبق (٢) بيانُ أنَّ القول بأنَّ عمل الإمام بالشورى إلزامي خطأ لم أر عليه دليلًا، ولم أر أحدًا من العلماء الأولين قال به، والدكتور لم يذكر له سلفًا من علماء الأمة المعروفين السابقين.
الاستدراك الثاني والخمسون:
قال الدكتور: «حيث تمَّ اختزال معنى الشورى، فأصبحت الشورى قاصرةً على مشاركة الأمة الإمام في الرأي؟ ثم تمَّ اختزالها فإذا الشورى هي استشارةُ الإمام أهل الحلِّ والعقد دون الالتزام».
والكاتب يردِّد برضا الأمة دون أهل الحلِّ والعقد فقال: «لقد أجمع الصحابة ﵃ على أنَّ الإمامة تكون بعقد البيعة بعد الشورى والرضا من الأمة، كما أجازوا الاستخلافَ بشرطِ الشورى ورضا الأمة بمن اختاره الإمام» (٣).
فهو لا يرى أنَّ المرجع في الرضا إلى أهل الحلِّ والعقد، إنما إلى الأمة كلِّها، وقد سبق ردُّ هذا في الشبهات (٤).
стр. 358
الاستدراك الثالث والخمسون:
قال الدكتور: «كما أجمعوا على أنه لا يسوغُ فيها التوارث، ولا الأخذُ لها بالقوة والقهر، وأنَّ ذلك من الظُّلم المحرَّم شرعًا. قال ابن حزم: «لا خلافَ بين أحدٍ من أهل الإسلام في أنه لا يجوزُ التوارث فيها»» (١).
والجواب على هذا من أوجه:
الوجه الأول: القول بالغلبة والقهر، وكذلك التوارث غيرُ شرعيٍّ في أصله، لكن أجمعَ العلماء على صحة إمامة وولاية مَنْ أخذَها بالقهر، ومن ذلك مَنْ أخذَها بالتوارث وثبتتْ له بالقهر، وقد تقدَّم ذِكرُ الأدلة وإجماعات أهل السنة على هذا (٢)، ويدلُّ على هذا صنيعُ الصحابة والتابعين الذين بايعوا يزيدَ بن معاوية، وهكذا بايع التابعون عبدَ الملك بن مروان، وبايع أئمة المذاهب الأربعة ولاةَ العباسيين.
الوجه الثاني: أنَّ الإجماع الذي حكاه ابنُ حزم صحيح لكنه بالنَّظر إلى الأصل بلا عارضٍ لمصلحةٍ راجحة، وإلَّا فإن المصلحة إذا اقتضت ذلك كفعلِ معاوية فإنه يجوزُ لهذه المصلحة الراجحة، ثم أُذكّر أنَّ مَنْ استقرَّ له الحكم بالقهر ومنه التوريث، فيجبُ السَّمع والطاعة واعتقاد البيعة له في الأعناق، وهو مثلُ الذي ثبتَ له أخذُ الحكم باختيار أهل الحلِّ والعقد، وهذا بإجماع أهل السنة كما تقدم (٣).
стр. 359
الاستدراك الرابع والخمسون:
قال الدكتور: «والرواية الثانية: أنه لا يكون إمامًا بالاستيلاء، وأنَّ الإمامة لا تنعقد إلَّا بالبيعة أو الاستخلاف، وقد رجَّحها بعضُ أئمة المذهب» (١).
تقدَّم أن أهل السُّنة - ومنهم الإمام أحمد - حكوا إجماعَ أهل السنة على صحَّة ولاية المتغلب (٢)، وهو الثابتُ عن الصحابة، وقد أخطأ أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية لما ظنَّ التولي بالقهر والغلبة أحدَ قولي الإمام أحمد، بل لم يقل إلا به.
كما أخطأ في فهم مسائل عقدية كثيرةٍ عن الإمام أحمد في كتابه (المعتمد في أصول الدين) وكتابه (إبطال التأويلات)، ومن ذلك أنه أنكر الصفات الفعلية في كتابه (إبطال التأويلات) (٣)، بل وكانت طريقته في هذا الكتاب طريقة أهل البدع المفوِّضة، وفي بعض المواضع لاسيما آخر الكتاب سلكَ طريقة المؤولة.
لذا المعتمد في مثل هذا أن يُرجع إلى اعتقاد أهل السنة الذي نقله أئمة السنة، وأفتى به الصحابة، وكلُّ مَنْ خالفَ بعد ذلك فقولُه شاذٌّ لا يعوَّلُ عليه، كمخالفته لأهل السنة في إثبات صفات الله.
стр. 360
الاستدراك الخامس والخمسون:
الدكتور حاكم يثني على كلِّ حركةِ خروجٍ ومنازعة للحاكم ولو على مثل عمر بن عبد العزيز؛ فتارةً يثني على عمر بن عبد العزيز لعدلهِ في حُكمهِ وتارةً يُثني على الخارجين عليه لأنَّ الظلم كثُر في زمانهم فقال: «لقد سبق الحسن البصري أن دعا الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز إلى هذه الدعوة» (١).
وناقض هذا بأن قال: «وكلُّ هذه الحوادث تؤكِّد قيامَ الفقهاء بالتصدِّي للظلم - في بداية هذه المرحلة - وقد بلغ الأمر ذروته في حركة آل البيت السِّرية لإسقاط دولة بني أمية، وقد بدأت هذه الدعوة سرًّا سنة (١٠٠ هـ) (٢)، - وهذه السنةُ سنة ولاية عمر بن عبد العزيز - وكذلك أثنى على خروج الدولة العباسية على الأموية، وأيضًا أثنى على الذين خرجوا على الدولة الأموية، فقال: ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتَّب عليها كثيرٌ من الصلاح، فقد خرج ابن الزبير على يزيد وكان عهده خيرًا من عهد يزيد، وخرج العباسيون على بني أمية، وكان عصرهم خيرًا من عصر بني أمية - في الجملة - وقد كان أحمد بن حنبل يفضِّلهم ويقول: «أقاموا الصلاة وأحيوا السُّنة» (٣).
ففي هذا أثنى على خروج العباسيين على بني أمية، ثم أشادَ بخروجِ النفس الزكية على العباسيين فقال: «وقد استفتى أهلُ المدينة مالكَ بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهم مالك بالجواز، لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور
стр. 361
كانت تحت الإكراه، ولا بيعة لمكرَه، فلما أفتاهم مالَ الناسُ مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّب مالك لهذا السبب» (١).
تقدَّم أن نسبة هذا الكلام لمالك لا تصح (٢)، لكن المراد بذكرِ هذا بيانُ أنه يدور مع الخروج والثورات حيث دارت.
الاستدراك السادس والخمسون:
قال الدكتور: «وقال ابن عطية الأندلسي المفسر: «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، مَنْ لا يستشير أهلَ العلم والدِّين فعزلُه واجبٌ، هذا ما لا خلاف فيه» أي بين علماء أهل الأندلس، أو بين فقهاء مذهب مالك» (٣).
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه ثلاثة - تقدَّم ذكرها - (٤).
الاستدراك السابع والخمسون:
قال الدكتور حاكم: «وقد كان لهذه الهزيمة أثرٌ كبير على الفكر السياسي والعقائدي، حيث شاعَ القولُ بالإرجاء والجبر من جهة، ووجوبُ السمع والطاعة للإمام الجائر وإن كان مثل الحجاج من جهة أخرى؛ إذ إنَّ الله هو الذي يسلِّطهم، ولا يمكنُ رفعُ هذا البلاء إلَّا بالدعاء، وهذا هو القضاء الذي يجبُ التسليمُ له والصَّبر عليه؟!
стр. 362
وقد كان الحسن البصري ﵀ هو داعيةَ هذا الفكر، فقد قيل له: ألا تخرجُ فتغيِّر؟ فكان يقول: إنَّ الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف؟! وإنما كان ذلك منه - فيما يبدو - بعد الهزيمة؛ إذ كان قبل ذلك يرى الخروج على أئمة الجور كما قال عنه يونس: كان الحسن - والله - من رؤوس العلماء في الفتن والدماء.
وقد سئل الحسن عن قتال الحجاج الذي سفكَ الدَّمَ الحرامَ وأخذَ المال الحرام؟ فقال: «أرى ألَّا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبةً من الله فما أنتم برادِّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكُمَ الله وهو خير الحاكمين».
وقال لأخيه سعيد بن أبي الحسن - وكان مع ابن الأشعث يحرِّض الناس - فقال الحسن: «أيها الناس، إنه واللهِ ما سلَّط الله الحجاجَ عليكم إلَّا عقوبةً، فلا تُعارضوا عقوبةَ الله بالسيف، ولكن عليكم بالسَّكينة والتضرع» (١).
إن هذا الكلام من الدكتور حاكم العبيسان كلامُ مَنْ تلاعبَ به هواه وزُيِّن له سوءُ عمله، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧].
كيف يتجرَّأ على كتابة مثل هذا ونشره؟، صدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
إنَّ في هذا الكلام الذي يذكره الدكتور حاكم العبيسان عدة موبقات:
الموبقة الأولى: تقريره أنَّ عقيدة السمع والطاعة للحاكم الفاسق عقيدةٌ بدعية نشأت ردَّة فعلٍ لفتنة ابن الأشعث.
стр. 363
وهذا من أقبح الأقوال وأرداها؛ لأن الذي قرَّر عقيدة السمع والطاعة للحاكم الجائر والصَّبر على جَوره = هو رسولُ الله ﷺ في الأحاديث المتواترة، وتقدَّم ذكر الأحاديث في ذلك (١)، وقال الله في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وذكرَ هذا الصحابة الكرام وفي مقدَّمهم الفاروق عمر بن الخطاب، وتقدَّم نقلُ كلام الصحابة (٢).
هذا كله قبل فتنة ابن الأشعث بسنين، بل هذه عقيدة أهل السنة المجمَع عليها، والتي تناقلها أئمة السنة وبدَّعوا مَنْ خالف ذلك، فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ الإمام مالكًا والشافعي وأحمد وبقية السلف تبنَّوا هذه العقيدة ردَّة فعلٍ وبدَّعوا مخالفها ردَّة فعل؟!
الموبقة الثانية: جعل الدكتور - بجهله أو بغيهِ - الصَّبر على جَور الحاكم عقيدةَ الجبر البدعية المنكرة في القرآن والسنة!!.
سبحان الله أيُقال لعقيدةٍ دلَّ عليها كتابُ الله وسنة رسول الله ﷺ وكلامُ الصَّحابةإنها عقيدةٌ بدعية جبرية؟!
الموبقة الثالثة: يتَّهم الإمام الحسن البصري بأنه أوَّل من أتى بعقيدة السَّمع والطاعة للحاكم الفاسق؛ لأنها جاءت بعد فتنة ابن الأشعث، وتناسى كلَّ أحاديث وآثارِ الصحابة في السمع والطاعة للحاكم الجائر.
стр. 364
الموبقة الرابعة: وقع الدكتور في تناقضٍ عظيم، فقد ذكرَ أن سببَ تبنِّي الحسن البصري عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم المسلم - والتي سمَّاها الدكتور بغيًا أو جهلًا جبرًا - كانت ردَّة فعلٍ بعد فتنة ابن الأشعث - وهي وقعة أصحاب الجماجم والحرَّة - وكلامُ الحسن البصري الذي نقله الدكتور وصحَّحه كان قبل ظفَر الحجاج وغلَبته، بل لعلَّه كان قبل ابتداء خروجهِم عليه؛ لذا كان ينهاهُم بالكلام الذي نقلَه الدكتور وصحَّحه.
الموبقة الخامسة: زعمَ أنَّ الحسن البصري يرى الخروجَ على الحجاج، لكنه تراجعَ بعد الهزيمة، واعتمدَ على قول يونس: «كان الحسن - واللهِ - من رؤوس العلماء في الفتنة والدماء»، مع أنَّ كلام الحسن واضحٌ أنه قبل الفتنة أو وقتها قبل ظفَر الحجاج، أو أنَّ معنى كلام يونس أنَّ الحسن من رؤوس العلماء في الفتنة أي الذين واجهوا الفتن. وبهذا تستقيم النقولات عنه وتتفق.
ودونكَ أثرين ثابتين في طبقات ابن سعد مذكورَين بعد أثرِ يونس عن الحسن، وهذان الأثران يدلَّان على أنه خرجَ مُكرهًا:
الأثر الأول: روى ابن سعد بإسناد صحيح عن أيوب قال: قيل لابن الأشعث: إنْ سرَّكَ أن يُقتلوا حولكَ كما قُتلوا حولَ جمل عائشة فأخرجِ الحسن. فأرسل إليه فأكرَهَه (١).
الأثر الثاني: روى ابن سعد في طبقاته بإسناد صحيح: قال ابن عون: «استبطَأ الناسُ أيام ابن الأشعث فقالوا له: أخرِج هذا الشيخَ - يعني الحسن - قال ابن عون: فنظرتُ إليه بين الجسرين وعليه عمامةٌ سوداء، قال: فغفلوا عنه، فألقى
стр. 365
نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم وكادَ يهلكُ يومئذ» (١).
الاستدراك الثامن والخمسون:
قال الدكتور: «وقد استفتى أهلُ المدينة مالك بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهُم مالك بالجواز؛ لأن بيعتهُم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه، ولا بيعةَ لمكره، فلما أفتاهم مالَ الناسُ مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّبَ مالك لهذا السبب» (٢).
تقدَّم - بفضل الله - ردُّ هذا من أوجه ثلاثة (٣).
الاستدراك التاسع والخمسون:
قال الدكتور: «وقد أفتى سفيان الثوري بجواز الخروج مع إبراهيم، فسارعَ أهلُ الكوفة فيها» (٢).
عزا الدكتور هذا إلى تاريخ بغداد، وبالرجوع إلى تاريخ بغداد (٤) يتبيَّن عدمُ صحة نسبته لسفيان الثوري، ففي الأثر يقول: «جاءني نعيُ أخي من العراق
- وخرج مع إبراهيم بن عبد الله الطالبي - فقدمتُ الكوفة، فأخبروني أنه قتل وأنه قد استشار سفيان الثوري وأبا حنيفة، فأتيتُ سفيان أُنبئه مصيبتي بأخي، وأخبرتُ أنه استفتاك؟ قال: نعم، قد جاءني فاستفتاني، فقلتُ: ماذا أفتيته؟ قال: قلت: لا آمركَ بالخروج ولا أنهاك، قال: فأتيتُ أبا حنيفة، فقلت له بلغني أنَّ
стр. 366
أخي أتاك فاستفتاك؟ قال: قد أتاني واستفتاني، قال: قلت: فبم أفتيته؟ قال: أفتيتُه بالخروج، قال: فأقبلتُ عليه فقلت: لا جزاكَ الله خيرًا، قال: هذا رأيي، قال: فحدثتهُ بحديثٍ عن النبي ﷺ في الردِّ لهذا، فقال هذه خرافة - يعني حديث النبي ﷺ ».
إن الإشكال في نسبة الخروج للإمام سفيان الثوري؛ أمَّا أبو حنيفة فتقدَّم بحث أنه تراجع عن قوله بالخروج (١)، أمَّا نسبة الدكتور الخروج للثوري فهي نسبةٌ باطلة؛ فلم يأمر به سفيان الثوري كما أنه لم ينهَهُ كما في النصِّ المذكور، ومع ذلك فالأثر باطل؛ لأنَّ في إسناد هذا الأثر يزيد بن يوسف وهو الصنعاني، قال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وضعَّفه أبو داود وابن معين كما في التهذيب.
والعجيبُ أن الدكتور لا يتكلَّم على أسانيد ما يعضدُه مما يوردُه في كتابه إذا كان ضعيفًا، بل يسكت، وإذا كان إسناده صحيحًا بين ذلك، وهذا خلل في الأمانة العلمية؛ فإنَّ أهلَ السنة يذكرون ما لهم وما عليهم.
ومما يدلُّ أيضًا على أنَّ الإمام الثوري على عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة أمران:
الأمر الأول: قال الثوري: «يا شعيبُ؛ لا ينفعكَ ما كتبت حتى ترى الصلاةَ خلف كلِّ برٍّ وفاجرٍ، والجهادَ ماضيًا إلى يوم القيامة، والصبرَ تحت لواء السلطانِ جارَ أم عدلَ» (٢).
стр. 367
الأمر الثاني: تحذير الثوري من الحسن بن صالح بن حي لأنه كان يرى السيف - كما تقدم - (١).
الاستدراك الستون:
نقل الدكتور (٢) كلام ابن حزم وفيه نسبة الخروج لأقوامٍ من الصحابة وغيرهم، وقد سبقَ ردُّ كلام ابن حزم (٣).
الاستدراك الواحد والستون:
نقل الدكتور (٤) كلام ابن حجر في التفريق بين الخوارج والبغاة، وتقدَّم الكلامُ عليه في الردِّ على الدكتور الدميجي (٥).
الاستدراك الثاني والستون:
ذكر الدكتور (٤) كلام أبي بكر الجصاص في نسبة الخروج لأبي حنيفة، وسبقَ بيانُ أنَّ أبا حنيفة رجعَ عن هذا القول (٦).
الاستدراك الثالث والستون:
نقل الدكتور (٤) كلام ابن العربي في قول مالك: إنَّما يقاتل مع الإمام العدل.
стр. 368
وتقدم الكلام عليه (١).
الاستدراك الرابع والستون:
قال الدكتور حاكم العبيسان في الفرقان: «ولا خلافَ بين الأئمة وسلفِ الأمة على أنه إن كان الخارجُ عدلًا - كالحسين بن علي وابن الزبير - والإمامُ جائرًا - كيزيد - أنه يحرمُ القتالُ مع الجائر» (٢).
هذه مبالغة من حاكم العبيسان، ولا يستغرَبُ من مثلهِ هذه الاندفاعات والحماسات والمبالغات
والردُّ عليه - باختصار - من جهتين:
الجهة الأولى: الأدلة الشرعية:
الدليل الأول: قال عرفجة الأشجعي قال رسول الله ﷺ : «إنه ستكونُ هَناتٌ وهَنات، فمَن أرادَ أن يفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيفِ كائنًا مَنْ كان» (٣).
الدليل الثاني: قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : «إذا بويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخرَ منهما» (٤).
стр. 369
الجهة الثانية:
أقوال أهل العلم الناقضة لهذا الإجماع المدَّعى وهذه النقولات؛ إمَّا أنها منصوصةٌ حتى في الحاكم الجائر، أو بألفاظٍ عامة تشمَلُ حتى الجائر؛ لأن الحكمَ لو كان خاصًّا بالعدل لخصَّه هؤلاءِ العلماء، فلما لم يخصُّوه دلَّ على عمومه.
قال النووي: «قال القفال، وسواءٌ كان الامام عادلًا أو جائرًا فإنَّ الخارجَ عليه باغٍ» (١).
وقال الصنعاني: «دلَّت هذه الألفاظ على أنَّ من خرجَ على إمامٍ قد اجتمعت عليه كلمةُ المسلمين؛ والمرادُ أهلُ قُطرٍ كما قلناه، فإنه قد استحقَّ القتل لإدخاله الضَّرر على العباد؛ وظاهرهُ سواءٌ كان جائرًا أو عادلًا، وقد جاء في أحاديث تقييدُ ذلك بما أقاموا الصلاة. وفي لفظ: ما لم تروا كفرًا بواحًا» (٢).
وقال ابن قدامة: «قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفِّهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس معونة إمامهم، في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» (٣).
وقال أيضًا: «فمَن خرجَ على من ثبتتْ إمامتُه بأحد هذه الوجوه باغيًا، وجبَ قتالُه، ولا يجوزُ قتالهم حتى يَبعث إليهم مَنْ يسألهم، ويكشفَ لهم
стр. 370
الصواب، إلَّا أن يخاف كَلَبَهُم؛ فلا يمكن ذلك في حقِّهم» (١).
ثم يقال: قد تقدَّم تفصيلُ أنَّ ابن الزبير ﵁ لم يخرج؛ فإنَّ الحكم قد ثبت له (٢)، وتقدَّم تفصيل أنَّ الحسين بن علي ﵄ ندم على قتاله ليزيد وأنه قُتل مظلومًا، وأيضًا لم يخرج، وأنكرَ عليه غيرهُ من الصحابة (٣).
وسببُ اندفاع حاكم العبيسان على حكاية هذا الإجماع أصلُه الفاسدُ في تقرير جواز خروج الأمةِ على الحاكم الجائر، فتكون إعانةُ الحاكم على قتالِ مَنْ خرج عليه إعانةً على الإثم والعدوان، وقد أجمعَ العلماء على حُرمة إعانته على الإثم والعدوان، ولو وُفِّق العبيسان لعَلِمَ أنَّ أحاديث رسول الله ﷺ وكذا كلام العلماء على القتال مع الحاكم حتى ولو كان جائرًا إذا خرجَ عليه مَنْ ينازعه في حكمه دليلٌ على عدمِ جَواز الخروج على الحاكم ولو كان جائرًا.
وتقدَّم ذِكْرُ الأدلة والإجماعات على عدم جَواز الخروج على الحاكم المسلم (٤).
الاستدراك الخامس والستون:
نقل الدكتور (٥) كلام الزبيدي في نسبة الخروج إلى الشافعي في القديم. وسبقَ ردُّه وبيانُ خطأ هذه النسبة (٦).
стр. 371
الاستدراك السادس والستون:
قال الدكتور: «ومع شهرة هذه المسألة - أي الخروج على الإمام الجائر ومقاومة طغيان السلطة، والتصدِّي لانحرافها - في الصَّدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إلَّا أنَّ فترة الخطاب الفقهي السياسي المؤول شهدت تطورًا فكريًّا جديدًا، هو أكثر تعبيرًا عن الواقع منه عن النصوص، حيث ادَّعى ابنُ مجاهد البصري الأشعري - شيخ الباقلاني - إجماعَ الأمة على حُرمة الخروج على أئمة الجور - ثم نقلَ كلام النووي والقاضي في حكاية الإجماع بعد خلاف، ثم قال - وكما شاعت في كتب الاعتقاد، ثم ما لبثت أن أصبحت أصلًا من أصل العقيدة - ثم نقل كلام ابن تيمية في استقرار رأي السلف على عدم الخروج، ثم نقل كلامًا لابن أبي العز الحنفي في مفاسد الخروج، ثم قال: وهكذا تحوَّلت القضية من قضيةٍ خلافية اجتهادية إلى قضيةٍ إجماعية قطعية.
ومن مسألةٍ فقهية إلى أصلٍ عقائدي يُستدلُّ عليه بمثل هذه الإسرائيليات!؛ وبهذا دخلَ الخطابُ السياسي الفقهي مرحلةً جديدة قام العلماءُ فيها بتأويل النصوص لإضفاء الشرعية على الواقع وترسيخه» (١)، ثم بيَّن أن الكوارث التي نزلت بالأمة بسبب عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم وحُرمة الخروج.
وفي هذا مغالطات عدة:
المغالطة الأولى: بين أن عقيدة الصبر على جَور الحاكم نتيجة ضغط الواقع، وكأنه لم يقرأ الأدلة الشرعية المتكاثرة في هذا مع أقوال الصحابة، ثم إجماع أهل السنة الذي حكاه جمعٌ كثير.
стр. 372
أليست الأحاديث النبوية وحيًا يجبُ الإيمان بها؟، أليس كلامُ الصحابة كان قبل الفتن وضغط الواقع لاسيما عمر؟، والعجبُ كيف لا يستحي أن يبهتَ هؤلاء العلماء وفيهم - شيخُ الإسلام - بأنهم قرَّروا باطلًا وحكَوا عليه إجماعًا لأجل ضغط الواقع؟!
ألم يعلم أنَّ ابن تيمية ماتَ في السجن لأجل دينهِ الذي يتديَّن به؟ أمثلُ هذا يوصَفُ أنه تكلَّم بعقيدةِ السمع والطاعة لأجل الحكَّام وضغطِ الواقع؟!!
المغالطة الثانية: إنَّ هذه العقيدة أصلٌ من أصول الشريعة؛ لأنَّ أهل البدع اشتهروا بمخالفتها؛ مثل الخوارج ومَن تأثَّر بهم، فقد نازعوا فيها؛ لذا تتابعَ أئمة السنة بإيرادها في كتب العقائد.
ثمَّ إنَّ ذِكْرَ هذه العقيدة في كتب الاعتقاد أو عدم ذكرها ليس مؤثِّرًا كثيرًا ما دام أئمة السنة مجمعين عليها، ومجمعين على تبديع مَنْ خالفَها؛ لكثرة الأدلة والآثار.
المغالطة الثالثة: ذمُّ الاستدلال على هذه العقيدة - وهي عقيدة السمع والطاعة - بالإسرائيليات، وكأن هذه الإسرائيليات هي المعتمد!!.
وقد تقدَّم مرارًا أنَّ المعتمد الأدلة المتكاثرة مع فتاوى الصحابة، ثمَّ إجماع أهل السنة عليها وعلى تبديعِ من خالفَ فيها، فإذا ذُكر شيءٌ من الإسرائيليات اعتضادًا فلا عَيب، فقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال رسول الله ﷺ :
«بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١).
المغالطة الرابعة: زعَم أنَّ كثيرًا من المفاسد التي حلَّت بالأمة بسبب عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم، وهذا عكسُ تقرير الصحابة وعلماء الأمة، فتقدَّم النقلُ
стр. 373
عن أبي مسعود وابن مسعود وكثيرٍ من أئمة السنة أنَّ الصَّبر على جَور الحاكم خيرٌ من مواجهته (١)، وأنه من دفعِ مفسدةٍ أكبرَ بمفسدةٍ أصغر.
فهل يصحُّ لعاقلٍ أن تحدِّثه نفسهُ بصحةِ كلام حاكم العبيسان داعيةِ الحرية المفرِطة المخالفِ للنصوصِ الشرعية وكلامِ الصحابة وعلماء الأمة؟!
الاستدراك السابع والستون:
قال الدكتور حاكم عبيسان: «وهكذا تحوَّلت القضية من قضيةٍ خلافيةٍ اجتهادية إلى قضيةٍ إجماعية قطعية؟! ومن مسألة فقهية إلى أصل عقائدي» (٢).
هذه محاولة من الدكتور للتهوين من مسألة الخروج على الحاكم، وأنَّى له ذلك من أوجه:
الوجه الأول: لو لم تكن المسألة عقدية فإنها مسألة إجماعيةٌ؛ والنصوصُ متكاثرةٌ عليها وتقدَّم بيان هذا (٣).
الوجه الثاني: أنَّ ما يُذكَر في كتب العقائد نوعان: إمَّا أنها من أصول الإيمان الستة وما يتعلَّق بها، أو من المسائل التي اشتهر عن أهل البدع مخالفةُ أهل السُّنة فيها، فذكَرها أهلُ السُّنة في كتب الاعتقاد، فصارت بعد ذلك عقدية لذِكْرها في كتب الاعتقاد، ومثل هذه مسألة الخروج على الحاكم المسلم ولو كان جائرًا.
الوجه الثالث: أنَّ كتب أهل السُّنة تواردت على تقرير حُرمة الخروج على الحاكم المسلم ولو فسقَ وجارَ؛ كأصول السنة للإمام أحمد، والسنة لعبد الله بن
стр. 374
الإمام أحمد، والسنة لحرب الكرماني، والسنة لابن أبي عاصم، وعقيدة ابن المديني، والرازيين، والشريعة للآجري، والإبانة الكبرى والصغرى لابن بطة، إلى لمعة الاعتقاد لابن قدامة، والواسطية لابن تيمية، وهكذا … وإنَّ تَقصِّي وجمعَ أسماءِ الكتب العقَدية التي ذكرتْ عقيدة السمع والطاعة يحتاجُ لجهدٍ، ويصحُّ أن يكون مؤلَّفًا لكثرتهِ، وبعد هذا يُزهِّد في هذه المسألة العقدية!!
الوجه الرابع: أنه لا أثرَ كبيرٌ يترتب على كون مسألة الخروج عقديةً أو فقهية؛ لأنَّ العلماء مُجمعونَ على أنَّ من خرجَ على حاكمٍ مسلم ولو ظالمًا فإنه مبتدعٌ ضالٌّ، كما تقدَّم نقلُ كلام الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما (١).
الاستدراك الثامن والستون:
قال الدكتور حاكم: «إنَّ الأسباب التي أدَّت إلى شُيوع هذا الخطاب المؤوَّل كثيرة أهمُّها:
١ - نظَرُ أصحاب هذا الخطاب إلى حوادث التاريخ نظرةً جزئية لا نظرةً كلية، فظنُّوا أن كلَّ خروجٍ لم يترتب عليه سوى الفساد، قال الإمام ابن القيم:
«الإنكارُ على الملوك والخروجُ عليهم أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر»، ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتَّب عليها كثير من الصَّلاح، فقد خرجَ ابنُ الزبير على يزيد وكان عهدُه خيرًا من عهد يزيد، وخرجَ العباسيون على بني أمية، وكان عصرُهم خيرًا من عصر بني أمية - في الجملة - وقد كان أحمد بن حنبل يفضِّلهم ويقول: «أقاموا الصلاة وأحيوا السنة»، وقد أسقطَ صلاحُ الدين دولةَ الفاطميين؛ وكان عصرهُ خيرًا من عهدهم، وظهرَ شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأقامَ
стр. 375
دولته مع محمد بن سعود، وكان عصرُهم خيرًا ممن قبلهم … الخ» (١).
في هذا الكلام عدة مغالطات:
المغالطة الأولى: استدراكهُ على ابن القيم، وهذا ما لا يصحُّ لعدة أمور:
الأمر الأول: هذا الكلام من ابن القيم لم ينفرد به، بل هو قول ابن عبد البر وابن تيمية وغيرهم من أهل العلم، فهل كلُّ هؤلاء العلماء الأفذاذ نظرتُهم جزئية ونظرةُ حاكم عبيسان كلية؟!.
الأمر الثاني: لو كانت النظرة الكلية دالَّةً على أنَّ منافعَ الخروج أكثر لما حرَّمتها الشريعة، وتقدَّم ذِكْرُ الأدلة الكثيرة وآثار الصحابة والإجماعات على حُرمة الخروج (٢).
الأمر الثالث: قد يكون وراءَ الخروج مصلحةٌ أحيانًا لكنَّها قليلة ونادرة، والعبرةُ في الأحكام الشرعية بالغالب، وقد تقدَّم بيان هذا (٣).
الأمر الرابع: زاد العبيسان على جهله وقاحةً في كتابه (الفرقان) بعد إصراره على تخطئة ابن القيم في كلمته السابقة فقال: «ولو صدرت هذه العبارة من غير ابن القيم لحكم هؤلاء الخلوفُ بردَّتهِ وكُفرهِ أو بضلالهِ وبدعتهِ؛ إذْ أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ في الأرض هو الكفرُ بالله وعبادةُ الطاغوت والتحاكُم إليه؛ وليس الخروج على الملوك» (٤).
стр. 376
يقال لحاكم العبيسان: قد أبعدتَ النُّجعة؛ مما يدلُّ على أنَّ في نفسك شيئًا على ابن القيم، فإنَّ عبارة «أساس كلِّ فتنة» في كلام ابن القيم بمعنى «أوَّل كلِّ فتنةٍ وشرٍّ»، وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أخبر أن باب الفتنة يُكسَر إذا مات عمر.
وبدأت الفتنة في وقت عثمان بأنْ خرجَ عليه البغاة حتى قتلوه، فاستمرت الفتنة في المسلمين.
عن حذيفة، قال: كنَّا جلوسًا عند عمر ﵁، فقال: أيُّكم يحفظُ قولَ رسول الله ﷺ في الفتنة، قلتُ: أنا كما قاله؛ قال: إنكَ عليه أو عليها لجريء، قلت: «فتنةُ الرَّجل في أهلهِ ومالهِ وولدهِ وجارهِ، تكفِّرها الصلاةُ والصومُ والصَّدقة، والأمرُ والنهي»، قال: «ليسَ هذا أُريد، ولكن الفتنة التي تموجُ كما يموجُ البحر»، قال: ليسَ عليكَ منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أيُكسَر أم يُفتح؟ قال: يُكسَر، قال: إذًا لا يُغلَق أبدًا (١).
ولما كان حاكم عبيسان سيِّء الظنِّ بهؤلاء العلماء أبتْ نفسُه إلَّا التكلُّف في ردِّ كلامهِم والتشغيب عليهم.
المغالطة الثانية: زعمُه أنَّ عبد الله بن الزبير خرجَ على يزيد، وتقدَّم خطأُ هذا الزَّعم.
وكذلك زعمُه أنَّ الإمام محمد بن سعود مع الإمام محمد بن عبد الوهاب خرجا على الدولة العثمانية، وتقدَّم خطأُ هذا.
وكذلك من أخطائه زعمهُ أنَّ صلاح الدين خرج على الفاطميين، وهذا خطأ لأنه لم يخرج (٢)، ثم جعل العباسين خيرًا من بني أمية في الجملة. وهذا فيه نظر
стр. 377
لأنه في عهد العباسيين دُعِيَ إلى القول بخلق القرآن وترجمت كتب اليونان، وهذا لم يكن في عهد الأمويين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثمَّ السُّنة كانت قبل دولة بني العباس أظهرَ منها وأقوى في دولة بني العباس، فإنَّ بني العباس دخلَ في دولتهم كثيرٌ من الشيعة وغيرُهم من أهل البدع» (١).
ويؤيِّد أنَّ الأمويين خيرٌ من العباسيين في الجملة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يأتي زمان إلَّا والذي بعده شَرٌّ منه» (٢)، وحديث: «خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم» (٣).
الاستدراك التاسع والستون:
ذكر الدكتور حاكم الأسبابَ التي أدَّت إلى اعتقاد الصَّبر على جَور الحاكم عقيدةً، فكان مما قال:
«خَلْطُهم بين مفهوم الخروج السياسي لمواجهة طغيان السُّلطة دفاعًا عن الأمة ورفعًا للظُّلم عنهم، ومفهوم الخروج العقائدي الذي يستحلُّ أصحابه دماءَ المسلمين وأموالهم ويكفِّرونهم، وهُم الذين جاءت النصوص بذمِّهم» (٤).
стр. 378
وهذا الكلام مردود من أوجه:
الوجه الأول: تقدَّم ذِكرُ الفرق بينهما (١)، ونقل كلام علماء الإسلام في الفرق بينهما، ثم بيانُ كلام العلماء في أنَّ الخارجَ خروجًا عقديًّا أو خروجًا بلا عقيدة الخوارج = أنه مبتدعٌ ولا فرقَ بينهما في التَّبديع.
الوجه الثاني: تقدم (٢) حديث: «مَنْ أتاكُم وأمركُم جميعٌ على رجُلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عَصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتكُم، فاقتلُوه»، فهو دالٌّ على قتال مَنْ خرجَ على السُّلطان خروجًا عمليًّا بلا عقيدةِ الخوارج (سياسيًّا)، وتقدَّم نقل كلام ابن تيمية في قتله لأنه من المفسدين في الأرض (٣).
الوجه الثالث: أن الذين خرجوا في الحرة لم يكن معهم اعتقاد الخوارج؛ فلم يكن خروجًا عقديًّا ومع ذلك أنكر عليهم ابن عمر. أخرجه مسلم.
قال نافع، قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمرِ الحرَّة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتِكَ لأجلس، أتَيتُكَ لأحدِّثك حديثًا سمعتُ رسول الله ﷺ يقوله؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ خلعَ يدًا من طاعة، لقيَ الله يومَ القيامة لا حُجَّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنقهِ بيعة، ماتَ مِيتةً جاهلية» (٤).
стр. 379
وذكر ابنُ كثير وقعة الحرَّة التي كانت لأهل المدينة فقال: «وكان سببُ وقعة الحرة أنَّ وفدًا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق، فأكرَمهُم وأحسنَ جائزتهم، وأطلقَ لأميرِهم - وهو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - قريبًا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها تركُ الصلاة عن وقتها بسبب السُّكر، فاجتمعوا على خلعهِ، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعثَ إليهم سريَّة يقدُمها رجل يقال له: مسلم بن عقبة.
وإنَّما يسمِّيه السلف مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غبون هذه الأيام بشرًا كثيرًا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، وزعمَ بعضُ علماء السلف أنه افتضَّ في غبون ذلك ألف بكر - فالله أعلم -.
وقال عبدالله بن وهب عن الإمام مالك: قُتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حمَلة القرآن. حسبتُ أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ وذلك في خلافة يزيد» (١).
الوجه الرابع: أظهر الدكتور نفسه معظِّمًا وعالمًا بالنصوص ووصفَ غيره
- ولازِمُ هذا الوصف أنه لجميع أئمة السنة - أنهم خلَطوا بين النصوص.
وهذا الكلامُ باطلٌ عاطلٌ، وحكايتهُ كافية عن بيان سقوطهِ وهُزاله، ولو قُبل من أحد - تنزُّلًا - فإنه يُقبل من رجل يعظِّم النصوص ويردُّ متشابهها إلى مُحكمَها؛ لا من رجل يضربُ النصوصَ بعضَها ببعض ويتأوَّلها تأويلَ أهل البدع كما اتَّضح في كلامه الكثير الذي رددتُ عليه.
стр. 380
الاستدراك السبعون:
قال الدكتور حاكم ذاكرًا أسبابَ اعتقاد عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم:
«ومن الأسباب أيضًا شيوعُ روحِ الجبر من جهةٍ والإرجاءِ من جهة، بشيوع المذهب الأشعري الذي يتضمَّن عقيدةَ الجبر: وهو أنَّ الإنسانَ غير فاعل لأفعاله على الحقيقة، بل على سبيل المجاز» (١).
هذه سخافةٌ فاضحة خلاصتُها: أنَّ عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم المسلم الظَّالم لم تظهر إلَّا بعد ظهور الأشاعرة، وهذا كذبٌ ودجَل من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ هذه العقيدة مأخوذةٌ من القرآن ونصوص نبوية كثيرة تقدَّم ذِكرُ بعضها مما في الصحيحين أو أحدهما (٢).
الوجه الثاني: أنَّ كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان ثم أئمة السنة في هذا كثيرٌ وكثير، وقد تقدَّم نقلُ بعضه (٣).
قال الزبير بن عدي: أتينا أنسَ بن مالك، فشكَونا إليه ما نلقى من الحجَّاج، فقال: «اصبروا، فإنَّه لا يأتي عليكُم زمانٌ إلَّا الذي بعدَهُ شرٌّ منه، حتى تلقوا ربَّكُم» سمعتُه من نبيكم ﷺ (٤).
فهل كان أنس بن مالك أشعريًّا أو جبريًّا؟!!
стр. 381
قاتلَ الله الهوى كيفَ يُردي صاحبه المهالك، ويجعله يهرفُ بما يُضحِكُ عليه الصِّبيان.
الوجه الثالث: ذكَر هذه المسالة أئمةُ السنة قبل خروج الأشاعرة، وحكَوا عليها إجماعَ أهل السنة؛ كالإمام أحمد وابن المديني؛ وقد تقدَّم نقلُ بعضه (١).
وإنَّ من قرأ هذه السخافات والترهات علمَ قدرَ الهوى الذي عند حاكم العبيسان، وعلمَ قدْرَ استخفافهِ بقرائه.
الاستدراك الواحد والسبعون:
قال الدكتور حاكم: «كما طرأ خلافٌ في المرحلة الثانية في هذه القضية؛ وهو: هل تصرُّف الإمام على الأمة بطريق الوكالة أو الولاية؟» (٢).
تقدم أنه لا يصحُّ أن يُقال إنَّ تصرُّفَ الإمام على جهة الوكالة؛ لأنه على ذلك يصحُّ عزلهُ؛ لأنَّ للموكِّل عزلَ وكيله. وتقدم بيان خطأ هذا، وأنه مخالفٌ للأدلة وإجماع السلف، وأنه لا يقال في تصرُّفه إنه تصرفُ وكيلٍ أو ولي (٣).
الاستدراك الثاني والسبعون:
قال الدكتور: «وكان عمر إذا استعمل رجلًا كتب في عهده: أن اسمَعوا لهُ وأطيعوا ما عدلَ فيكم.
стр. 382
وكتب إلى أهل الكوفة (مَنْ ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي للمغيرة بن شعبة - أمير الكوفة - فيقول: إمَّا أن تنصفني من نفسك، وإلَّا فلا إمرةَ لكَ علي)» (١).
قد سبقَ توجيهُ هذا، وبيانُ عدمِ صحة الاستدلال به (٢).
الاستدراك الثالث والسبعون:
قال الدكتور: «لقد غابت المفاهيمُ التي تمثِّل مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المنزَّل، وشاعَ مفهوم: «اسمَعْ وأَطِعْ وإنْ أخذَ مالكَ وضربَ ظهرك»، وحُمِّل هذا اللفظ ما لا يحتمل، بل صار بعد ذلك أصلًا من أصول الاعتقاد، بل هو السُّنة والإجماع، ومَن خالفه رُمي بالابتداع؟!، مع أنَّ الحديث يمكن أن يُحملَ على وجوب الطاعة للإمام حتى لو أقامَ الإمامُ الحدَّ على المسلم، أو قضى عليه لخصمه من مالهِ بالحق، ولا يكونُ ذريعةً للخروج عليه، أو ترك طاعته فيما فيه طاعةٌ لله ورسوله، وبهذا المفهوم الجديد اكتملت حلقتا البطان، وفُتح الطريق على مصراعيه للاستبداد السياسي والظلم … » (٣).
هذا من الدكتور استنكار لمعنى الحديث مع أنه مُجمَعٌ على معناه عند أهل السنة، بل وذكَر الإجماعَ عليه ابنُ المنذر أيضًا - كما تقدم - (٤)، وليس في الحديث ذِكرٌ لحكم جديد، وإنما هو تفصيلٌ لما جاء مجملًا في الأحاديث الكثيرة من الصبر
стр. 383
على جَور الحاكم الظالم - وتقدَّم بيانُ صحة الحديث روايةً ودراية (١)، وقد قال بنحوه عمر بن الخطاب - كما تقدم - (٢).
فما أغرَبهُ؟! .. يردُّ الشرعَ المنزَّل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسُّنة وأقوالُ الصحابة والإجماع، وقرَّره العلماء في كتب العقائد باسم الغَيرة على الشرع المنزل بدون برهان إلَّا الحماسة، وتسويد الورق بكلامٍ كثيرٍ باطل، وعن الأدلة الشرعية عاطل.
الاستدراك الرابع والسبعون:
قال الدكتور: «لقد كان المنعُ من الخروج حُكمًا معللًا، وأن يأمن الناس وتُقام الحقوق والحدود والجهاد … الخ، فإذا فاتت هذه المقاصد فلا معنى للمنع من إسقاط السلطة - إذا استطاعت الأمة -» (٣).
تقدم ردُّ هذا القول عند كشف الشبهات (٤).
الاستدراك الخامس والسبعون:
قال الدكتور: «قال العلامة المعلِّمي: «كان أبو حنيفة يستحبُّ أو يوجبُ الخروجَ على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظُّلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق يُنكر ذلك، وكان أهلُ العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين وتفريقٌ لكلمتهم وتشتيتٌ لجماعتهم وتمزيقٌ
стр. 384
لوحدتهم وشغلٌ لهم بقتلِ بعضهِم بعضًا، فتهُنْ قوَّتهم وتَقوى شوكةُ عدوِّهم وتتعطَّل ثغورُهم، فيستولي عليها عدوُّهم .. هذا والنصوص التي يحتجُّ بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحقِّقون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلبَ على الظَّن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظَّن أنه يندفع به جاز الخروجُ وإلَّا فلا، وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان» (١).
فرح الدكتور حاكم بهذا النقل عن الشيخ عبد الرحمن المعلمي؛ فَرحَ من وجدَ ما يوافقُ هواه، وهذا ما لا يصحُّ شرعًا، فإنَّ العباد الصادقين مُطالَبون بترك أهوائهم لا البحث عمَّا يوافقها من زلَّات العلماء وهفواتهم، وكلامُ المعلِّمي هذا هفوةٌ وزلَّة، وقد سبقَ بيانُ ذلك من أوجه خمسة، وأنَّ له كلامًا آخر مخالفًا لهذا وافقَ فيه أهلَ السُّنة (٢).
الاستدراك السادس والسبعون:
قال الدكتور حاكم: «ودار الجدل حول جَواز الجهاد وإقامة الحقوق والحدود دون الإمام ونائبه - كما يقضي به الخطاب المؤول - فردَّ الشيخ بأنَّ «الأئمة مجمعون في كلِّ مذهب على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان له حكمُ الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأنَّ الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمامٍ واحد، ولا يُعرف أن أحدًا من العلماء ذكر أنَّ شيئًا من الأحكام لا يصحُّ إلَّا بالإمام الأعظم … » (٣).
стр. 385
تناقضَ الدكتور حاكم العبيسان لمَّا عظَّم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وجعلَها بعيدةً في باب الولاية عمَّا سمَّاه بالخطاب المؤول، وحقيقة دعوة الإمام دعوة سلفية تقرَّر السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو كان فاسقًا، والصبرَ على جَوره وحُرمة الخروج عليه، فأوَّل الدكتور أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب ممن سبق إلى إنكار الخطاب المسمَّى عنده بالخطاب المؤول، ثم نقلَ كلمة الإمام محمد في أنَّ من تغلَّب فلهُ حكمُ الإمام في كلِّ شيء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، فوقع الدكتور في تناقضَين:
التناقض الأول: أن يؤصِّل تأصيلًا بدعيًّا في إنكار الصَّبر على جَور الحاكم المتغلِّب، والإمامُ محمد بن عبد الوهاب يقرِّر هذا وينقلُ عليه الإجماع، ثمَّ ينقله الدكتور مقرًّا له؛ وهذا مخالفٌ لما أقامَ كتابه عليه.
التناقض الثاني: أنَّ الإمام علَّلَ بأنه لولا هذا - وهو معاملة المتغلب معاملة مَنْ تولَّى بالاختيار - لما استقامت الدنيا، وهذا ما ينكره الدكتور بغيًا أو جهلًا
- كما تقدم - (١).
وبعد أن كتبتُ هذا وقفتُ على كلامٍ للدكتور الفاضل حمد العثمان - وفقه الله وسدَّده - فرأيتُه فهمَ ما فهمتُ من تناقض العبيسان، فقالَ بعد أن نقلَ كلامه في عدم صحّة إمامة المتغلِّب: «والدكتور العبيسان كعادته تناقضَ وردَّ على نفسه بنفسه، فإنه في موضعٍ آخر من كتابه (الطوفان) استدلَّ بكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في ردِّه على الخطاب المؤول حيث نقل عن شيخ الإسلام المجدِّد ابن عبد الوهاب ﵀ أنه قال: «الأئمة مجمعون في كلِّ مذهب على أن مَنْ تغلَّب
стр. 386
على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا» وكفى بالعبيسان رادًّا على نفسه» (١).
ثم عقَّب العبيسان في كتابه (الفرقان) على الشيخ الفاضل حمد العثمان بتعقيبٍ عجيب ذكرَ فيه أنه يوافق الإمام محمد بن عبد الوهاب في تجديد وجوب قيام الأمة بما أمرَها به؛ من إقامةِ فروضِ الكفاية إذا عطَّلها الإمام أو أهمَلَها، وقدرتْ على القيام بها كالجهاد فقال: «فالذي جدَّد فيه الشيخ ووافقتهُ عليه هو وجوبُ قيام الأمة بما أمرَها الله به؛ من إقامة فروض الكفاية إذا عجَز الإمامُ أو عطَّلها وقدرت الأمة على إقامتها كالجهاد وإقامة الحقوق وهي التي عطَّلها الخطاب المؤول إلَّا بإذن الإمام أو نائبه!»، ثم قال: «وليس كل ما احتجَّ به الشيخ على خصومه أوافقه أنا عليه، وإنما وافقته على وجوب الجهاد وإقامة الحقوق لمن قدر عليها ولا تتعطَّل بحالٍ من الأحوال» (٢).
وفي تعقيب العبيسان ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنه لم يبيِّن في هذا الموضع عدمَ موافقته الإمام محمد بن عبد الوهاب على إمامة المتغلِّب، بل ساقَ الكلام مساق الثناء مما يدلُّ على إقراره.
الأمر الثاني: أن كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب صريحٌ في أن المتغلِّب يقومُ مقامَ الإمام الأعظم بالإجماع، وأنه يكون إمامًا شرعيًّا كالإمام الأعظم، فلذا يُعلَّق الجهاد به فلم يجعل الناس هم الذين يقومون بهذه الأحكام لا من قريب ولا من بعيد كما أرادَ أن يُفهمنا العبيسان لمَّا استدرك عليه، فهذا يؤكِّد أنه
стр. 387
تناقضَ، ولو أقرَّ به لكان خيرًا من هذا الجواب الفاضح.
الأمر الثالث: أنه على فرض الاقتناع بجواب العبيسان في تخليص نفسه من التناقض فإنه ممَّا يُقطَعُ به = خطؤه في فهمِ كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، وخطؤه فيما استنبطه منه. وهذا الأهم.
الاستدراك السابع والسبعون:
قال الدكتور: «وقد ظلَّت هذه الشبهة موجَّهةً لدعوة الشيخ حتى بعد وفاته، وأنَّ ما قام به محرَّم، وأنه خروج عن طاعة الإمام - الخليفة العثماني -، ولهذا نصَّ الفقيه الحنفي المصري ابن عابدين في الحاشية على أنَّ الشيخ وأتباعه خوارج» (١).
إنَّ هناك فرقًا وبونًا شاسعًا بين الذي يوصف بأمرٍ وهو كذلك، ومَن يوصَفُ بأمرٍ كذبًا وبهتانًا، فإنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب بريءٌ من شُبهة الخروج، وكلامهُ وحالهُ يدلُّ على براءته من ذلك - كما تقدم بيانه - (٢).
أما الدكتور حاكم وأمثاله فهُم يصرِّحون بتبنِّي هذه الشبهة، وأنها الدِّينُ الحقُّ وما سواها فهو خطابٌ مؤول فلا سواءَ بينهما ألبته، وحاشا الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يدعوَ إلى ما يدعو إليه هذا الدكتور؛ لأنَّ الإمام مجدِّد سلفي، والدكتور يضربُ بأقوالِ السلف عُرض الحائط.
стр. 388
الاستدراك الثامن والسبعون:
قال الدكتور: «وإنما أراد إثبات شرعية ما قام به الشيخ محمد ومن معه بجهادِ مَنْ اعترضَ طريقَ دعوتهم، وقال أيضًا: «بأي كتاب أم حجَّةٍ أن الجهاد لا يجبُ إلَّا مع إمام متَّبع؟ هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلةُ على بطلان هذا القول أشهرُ من أن تُذكَر، من ذلك عمومُ الأمرِ بالجهاد والترغيبُ فيه والوعيدُ على تركه»، ثم قال: «وكلُّ مَنْ قامَ بالجهاد في سبيل الله فقد أطاعَ الله وأدَّى ما فرَضَهُ الله، ولا يكونُ الإمامُ إمامًا إلَّا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلَّا بالإمام» (١)، وفي الحاشية قال: «ومع هذا فقد صار هذا القولُ الذي تصدَّى عبد الرحمن بن حسن لبيان بطلانهِ أصلًا من أصول السلفية المعاصرة».
طار الدكتور بهذا الكلام فرحًا، فوجده منفسًا للطعن في السلفية التي وصفَها (بالمعاصرة)، والجوابُ على كلام الدكتور من أوجه:
الوجه الأول: أن الأدلة ظاهرة وواضحة في أنه يجب إذنُ ولي الأمر في الجهاد، وهي كما يلي:
١ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّما الإمامُ جُنَّة يقاتَلُ من ورائهِ، ويُتَّقى به، فإنْ أمرَ بتقوى الله تعالى وعدلَ كان له بذلك أجرٌ، وإنْ يأمر بغيرهِ كان عليه منه» (٢).
стр. 389
فهذا خبر بِمعنَى الأمر، وهو نصٌّ فِي المسألة، قال النووي: «(الإمام جُنَّة): أي كالستر؛ لأنه يَمنع العدو من أذى المسلمين، ويَمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتَّقيه الناس، ويخافون سَطوته، ومعنَى يقاتل من ورائه: أي يُقاتل معه الكفار والبغاةُ والخوارج وسائرُ أهل الفساد والظُّلم» (١).
وقال ابن حجر: «لأنه يَمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويكفُّ أذى بعضهِم عن بعضٍ، والمرادُ بالإمام: كلُّ قائمٍ بأمور الناس» (٢).
٢ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله، فما ترى إنْ أدركنِي ذلك؟ قال: تلزمُ جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لَم تكن لَهُمْ جماعةٌ ولا إمام. قال: فاعتزلْ تلكَ الفرقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتَّى يأتيك الموتُ وأنتَ على ذلك» (٣).
وجه الدلالة: أنه مأمورٌ بالتزام جماعة المسلمين وإمامهِم وألَّا يفارقهم. فإن قيل: الذي يذهب - الآن - إلى الجهاد هو ينتقل من جماعة مسلمين وإمامهم إلى جماعةِ مسلمين آخرين وإمامهم، فهو إذن ملازمٌ لجماعة المسلمين وإمامهم.
قيل: هذا لا يجوز وهو عينُ الغدرِ الذي نَهى عنه رسول الله ﷺ فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الغادرَ يُنصَبُ لهُ لواءٌ يوم القيامة، يقال: هذا غَدرةُ فلان» (٤)، وقد استدل به ابن عمر على حُرمة خلع البيعة من يزيد إلى ابن مطيع وابن حنظلة.
стр. 390
ومن الأدلة أيضًا على حرمة مثل هذا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ خلعَ يدًا من طاعة لقيَ الله يومَ القيامة لا حجة له» (١).
٣ - قاعدة: ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهو واجب:
فهذه القاعدة دليلٌ على تعليق أمر الجهاد بولي الأمر وإلَّا لصار الأمر فوضى، ولتنازعَ الناسُ فيما بينهم، بل لعل بعضَهُم يقتلُ بعضًا، فهذا لا يرى الجهاد مناسبًا، والآخر يقاتله لتصوُّره أنه ينكرُ شرعيته، وآخرون يقاتلون طائفة مسلمةً ابتداء لظنِّهم كُفرَهُم وهكذا.
الوجه الثاني: ليس مراد الإمام عبد الرحمن بن حسن إنكار مُطلَق إذنِ وليِّ الأمر في الجهاد بل مُراده شيءٌ غير ما يذكره الدكتور، وهو إيجابُ إذن وليِّ الأمر في جهاد الدفع مع عدم وجود الإمام لذا نصَّ على قوله: «فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد».
ويؤكِّد هذا أن الإمام عبد الرحمن بن حسن جعلَ القول بإذن الإمام في الجهاد قولًا محدثًا ولا يمكن أن يكون هذا في مطلق إيجاب إذن الإمام في الجهاد؛ لأن إيجاب إذن الإمام في الجهاد مشهورٌ في كتب الحنابلة؛ كالمغني وغيره ولا يمكن يخفى عليه ﵀ فضلًا عن أقوال بقية أهل العلم من المالكية وغيرهم.
ومما يدلُّ على أن مراده ما تقدَّم أن الشيخ عبد الرحمن عاشَ زمنًا بعد سقوط الدولة السعودية الأولى وقبل قيام الدولة السعودية الثانية فهو أدرَك وقتًا ليس للناس فيه إمام.