← Акыда

Акыда · id 10423

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

محمد أمان الجامي

Полный текст (383 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

في معنى هذه الصفة (اليد) أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم، ثم قال ﵀: كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، وكل شيء أحبه فقد أراده وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل شيء واقع بالقدرة واقعاً باليد، فاليد أخص من معنى القدرة، ولذلك كان فيها تشريف آدم"١ اهـ. قلت: وكذلك كتابة التوراة وغرس جنة الفردوس كما تقدم، وعند التحقيق أن النسبة بين الإرادة والمحبة من باب عموم وخصوص من وجه يجتمعان في إيمان أبي بكر مثلاً فهو مراد ومحبوب، وتنفرد الإرادة في كفر أبي جهل مثلاً لأنه مراد غير محبوب، وتنفرد المحبة في إيمان إبليس لأنه غير مراد وهو محبوب لو وجد بإرادة الله ومشيئته. وأما النسبة بين القدرة واليد فمن باب العموم والخصوص المطلق يجتمعان في خلق آدم، وما ذكر معه لأنه خلقه بقدرته وصنعه بيده سبحانه كما كتب التوراة بيده وغرس جنة الفردوس بيده أيضاً، وتنفرد القدرة في سائر مخلوقاته التي لم يباشر خلقها بيده ولكن قال لها: كوني فكانت، والله أعلم. الصفة السادسة عشرة: صفة الأصابع لله تعالى بلا كيف ولا حد إذا كنا تحدثنا فيما سبق عن الوجه واليد وغيرهما من الصفات الذاتية الخبرية وأثبتنا أن اليد غير القدرة بل هي صفة زائدة قائمة بذاته تعالى فمن المناسب أن نتحدث عن إثبات الأصابع لله تعالى على ما يليق به سبحانه، والأصابع من الصفات الذاتية الخبرية التي انفردت بإثباتها السنة دون الكتاب. وقد ذكر غير واحد من علماء الحديث صفة الأصابع في كتبهم وتلقوها بالقبول، وفي مقدمة من ذكر أحاديث الأصابع الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما وذكره ابن عبد البر في تمهيده. وقد جمع أكثر طرقه الإمام الدارقطني في رسالته اللطيفة (كتاب الصفات) فانطلاقاً من هذه

стр. 282

الأدلة يثبت أهل السنة الأصابع لله تعالى على ما يليق بالله بلا كيف ولا حد. أحاديث الأصابع: روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﵊ فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم: إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبح، والماء على أصبع، والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن: فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك رسول الله ﵊ تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقد روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وقريب منه حديث أبي هريرة عند مسلم، والحديث متفق عليه. إذ قد رواه البخاري في كتاب التوحيد في صحيح وفي معنى هذه الأحاديث المشار إليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ولفظه: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث يشاء ثم قال: يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك". وفي معناه أيضاً حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ عند مسلم ونصه هكذا: "سمعت رسول الله ﵊ يقول: "الميزان بيد الرحمن إن شاء يرفع أقواماً ويضع آخرين- وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". وكان يقول رسول

стр. 283

الله ﵊: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". وبهذه الأحاديث الصحاح يثبت علماء الحديث وأهل السنة لله تعالى الأصابع بثبوتها صفة لله تعالى خبرية كما تقدم. وأحاديث صفة الأصابع لم تسلم من تحريف المحرفين بل نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات. حيث زعم بعضهم أن الأصابع تخليط من اليهود لأن اليهود مجسمة، وأن ضحك النبي ﷺ من كلام الحبر ليس دليلاً على تصديقه لليهودي١، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار. وأنت ترى هذا الكلام ينقصه الشيء الكثير من الإنصاف، وأن مجانبة الصواب فيه واضحة ومكشوفة لكل طالب علم. وقد نسي المعارضون النافون أو تناسوا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث النواس بن سمعان وليس في إسنادهما يهودي ولا نصراني بحمد الله تعالى، فذهبوا ليتعلقوا بخيط العنكبوت فزعموا أن أحاديث الأصابع فكرة يهودية فلا ينبغي الاعتماد عليها، وفاتهم أنهم يسيئون بهذا التصرف إلى أصحاب رسول الله ﵊ الذين رووا الحديث بعد أن فهموا أن النبي ﵊ أقر اليهودي على ما أخبر من قدرة الله تعالى حيث يحمل الرب تلك الأشياء المذكورة في الحديث على أصابعه، بل ضحك ﵊ ضحكاً يدل على التصديق والإعجاب بكلام الحبر ثم أراد أن يزيل عنه الاستغراب والاستعظام فقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٢ الآية، هكذا فهم الرواة من الصحابة ومن بعدهم وأغرب ما في هذا التصرف محاولة تخطئة الراوي الذي قال: "وتصديقاً للحبر وتعجباً من كلامه" ثم تفسير الضحك

стр. 284

بالاستنكار والكراهة!! متى علموا بل متى علم المسلمون الذين يدرسون سيرة الرسول ﵊ أنه ﵊ إذا سمع من يصف الله بما لا يليق به أو إذا انتهكت حرمات الله، أو تقوّل أحدٌ على الله بغير علم، متى علموا بأن النبي ﵊ يعبّر عن ذلك بالضحك؟!! بل المعروف من سيرته ﵊ أنه في مثل هذه المواقف يغضب بل هو لا يغضب إلا في مثل هذه الظروف عندما تنتهك حرمات الله، ويتقول متقول على الله بغير علم. هذا هو المعروف لدى أهل العلم. لهذا كله فإن محاولة النفاة رد أحاديث الأصابع بعد أن رواها الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما، بذلك السبب الواهي وتناسيهم لأحاديث أخرى فيها ذكر الأصابع بل دعوى بعضهم أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث مقطوع به فإن محاولة النفاة هذه محاولة فاشلة فلا ينبغي أن يتأثر بها طلاب العلم كما علمت. وأما القول: إن الأصابع لم يرد ذكرها في القرآن (فكلمة حق أريد بها باطل) نعم لم يرد ذكر الأصابع في القرآن، فماذا يعني ذلك؟!! هل يعني ذلك بأننا لا نثبت الأصابع لأنها غير مذكورة في القرآن؟!! بل يلزم من ذلك أننا لا نثبت الفرح والضحك ونزول الرب آخر كل ليلة وغيرها من الصفات التي انفردت بها السنة، وهذا مفهوم جهمي صرف كما ترى!! فعلى أصحاب هذه المحاولة أن يحددوا موقفهم من الصفات التي انفردت بها الأحاديث الصحيحة، إما أن يثبتوها كلها، أو أن ينفوها كلها، وإلا فهم متناقضون ومضطربون. والتناقض والاضطراب من الصفات اللازمة لكل من أعرض عن هدي رسول الله ﵊ والتمس الحق والهدى خارج هديه ﵊، هذا موقف الذين حاولوا رد الأحاديث. وأما الذين أثبتوا الأحاديث فلهم موقف آخر. وهو محاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها لأن الأدلة العقلية

стр. 285

تأبى، فلا بد من التأويل إلى ما يليق بالله ويقبله العقل. أما هؤلاء فلم يأتوا بجديد بل هو أسلوب تعودناه في مثل هذه المواضع. فيا ترى كيف يكون التأويل بالنسبة للأصابع؟ قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقاً يخلقه الله ليُحمّله ما تحمله الأصابع، وقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع أو أثر الفضل والعدل١، إلى آخر تلك التكلفات التي هم في غنى عنها لو وفقوا. وممن أنكر هذا التحريف والتكلف في معنى الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطّعن في ثقات الرواة، ورد الأخبار الثابتة، إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار- وحاشاه من ذلك، ثم قال الحافظ: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار، -الإمام ابن خزيمة- بعد أن أورد هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه٢ اهـ. يا له من موقف غريب!! هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله؟! أو من أصحاب رسول الله أو من التابعين لهم بإحسان وبإيمان؟! حقاً إنه موقف يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره!! وعلى كل حال فهذه مواقف

стр. 286

ثلاثة تمخضت من دراسة أحاديث الأصابع ومواقف الناس منها، وهي كالآتي: ١- إثبات صفة الأصابع كما جاءت بها السنة. ٢- تأويل الأحاديث الواردة والخروج بها عن ظاهرها. ٣- إنكار الأحاديث وردها بدعوى أنها مخالفة للأدلة العقلية القطعية في زعمهم. والحق أبلج والباطل لجلج ... الصفة السابعة عشرة: صفة الساق لله تعالى على ما يليق به: ورد ذكر صفة الساق في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١. والملاحظ ورود هذه الصفة مُنكّرة دون أن تضاف إلى الله بخلاف الصفات الأخرى، التي جاءت مضافة إلى الله ومختصة به، ذلك الاختصاص الذي يزيل الإشكال، أو دعوى المشاركة بين الخالق والمخلوق في حقائق الصفات. وهذا التنكير هو الذي جعل الصحابة والتابعين يختلفون في المراد (بالساق) ، هل الساق صفة من صفات الله كالوجه واليد والقدم؟ أو للساق معنىً آخر. روي عن ابن عباس قوله: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة. وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلاهما حسن٢ اهـ. وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسير الساق "عن نور عظيم". وقال ابن فورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من العفو والألطاف.

стр. 287

ويروى عن المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة١. وذكر ابن القيم اختلاف الصحابة في المراد بالساق، ويرى أنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنه صفة لله تعالى، لأنه لم يضف الساق إلى نفسه بل ذكره مجرداً ومُنكّراً كما تقدم٢. ويرى ابن القيم أن الذين يثبتونه صفة لله، إنما يثبتونه بدليل خارجي، وهو حديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو من أحاديث الشفاعة ويميل ابن القيم إلى أن الساق صفة من صفات الله مثل الوجه واليد وغيرهما، وتنكيره للتعظيم والتفخيم. ويرى ابن القيم أن حمل الآية على الشدة لا يصح ويعلل ذلك لأن في لغة العرب إنما يقال كُشِفَتْ الشدة عن القوم، ولا يقال كشفت عن الشدة، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ ، فالعذاب هو المكشوف في الآية وليس هو المكشوف عنه. ويرى ابن القيم أن سياق الآية يوم يكشف عن ساق لا يدل على ما قيل إن معنى الساق الشدة. فلذلك يرى أن تُفسّر الآية بحديث أبي سعيد الخدري الذي أشرنا إليه، فيصبح معنى الآية - في ضوء الحديث المذكور: "يوم يكشف الله لعباده عن ساقه فيدعون إلى السجود فيسجد المؤمنون الذي يسجدون لله مخلصين له الدين، أما المنافقون المراءون الذين كانوا يسجدون رياء وسمعة فلا يستطيعون السجود، إذ تصبح ظهورهم طبقاً واحداً فلا يستطيعون الهبوط للسجود". وفي حديث أبي سعيد الخدري جاء قوله ﵊: "فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا.

стр. 288

قال: فيأتيهم الجبار على غير الصورة١ التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا. فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: (الساق) فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم" الحديث. فانطلاقاً من هذا الحديث الصحيح الذي يثبت لله ساقاً نرى أن الآية من آيات الصفات المفسرة بالسنة لأن الآية جاءت محتملة المعنى حيث جاء الساق مجرداً عن الإضافة المخصصة فجاءت السنة مبينة بأن المراد بالساق هو ساق الرحمن. فنسلك في إثبات الساق مسلك السلف الصالح الذي سلكناه من قبل، وهو إثبات بلا تمثيل ولا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل. فالكلام في صفة الساق كالكلام في صفة اليد والوجه مثلاً. فكما أن اليد والوجه والقَدَمَ والبصر والعين صفات تليق به تعالى، وليست جوارح وأعضاء وأبعاضاً وأجزاء كصفاتنا بل هي صفات خبرية ثابتة ينتهي علمنا فيها عند المعنى العام دون تكلف لمعرفة كيفيتها، فكذلك الساق صفة لله ثابتة ثيوت تلك الصفات، وعلى غرارها إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ، ولأن الكلام في الصفات الخبرية كالكلام في الصفات الذاتية يحتذي حذوه. وأما الخلاف والنزاع الذي جرى بين الصحابة والتابعين فينبغي أن نعتبره منتهياً بعد ثبوت حديث أبي سعيد الخدري الذي نعده تفسيراً للآية المجملة، ثم نعده فيصلاً في هذه القضية. هذه هي طريقة أهل العلم قديماً وحديثاً، إذ لا يلتفتون إلى أقوال أهل العلم الاجتهادية وآرائهم بعد ثبوت السنة، ولا سيما إذا كانت السنة قد جاءت مفسرة أو مفصلة لما أجمل في القرآن وهذا ما نحن بصدده. وبالله التوفيق.

стр. 289

الصفة الثامنة عشرة: صفة العين لله تعالى على ما يليق به سبحانه العين صفة لله تعالى بلا كيف، وهي من الصفات الخبرية الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، وقد جاء ذكر العين في القرآن الكريم على حالتين: ١- ذكرت العين مضافة إلى ضمير المفرد. مثل قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ١. ٢- ذكرت العين بصيغة الجمع، مضافة إلى ضمير الجمع مثله قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٢. وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة فقط، لأن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد. مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ ٣، فالمراد نعم الله المتنوعة التي لا تدخل تحت الحصر والعدّ. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ٤، فالمراد بها جميع ليالي رمضان. ولو قال قائل: نظرت بعيني أو وضعت المنظار على عيني. لا يكاد يخطر ببال أحد ممن سمع هذا الكلام أن هذا القائل ليست له إلا عين واحدة. هذا ما لا يخطر ببال أحد أبداً٥. قال الإمام ابن القيم: إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهراً أو مضمراً فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ، كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦، و ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ

стр. 290

بِأَعْيُنِنَا﴾ ١، وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ٢، و ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٣. وإن أضيفت إلى جمع جمعت كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٤، وقد تقدم هذا البحث في صفة اليد مستوفى. وقد ذكرت العين في السنة في قصة المسيح الدجال في حديث عبد الله بن عمر الذي يقول فيه رسول الله ﵊: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينيه، وأن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية" ٥، وللحديث سبب وهو أن الدجال ذكر عند النبي ﵊، وأخبر أنه ما من نبي إلا وقد أمر أمته أو نصحهم بالاستعاذة منه، ثم ذكر أن من صفاته أنه أعور العين اليمنى. وأنه على الرغم من دعوى الألوهية وما يجري له من الأمور الخارقة للعادة امتحاناً واستدراجاً فيه عيوب ونقائص، وهو عاجز عن دفع ذلك عن نفسه، فلن يلتبس عليكم الأمر في شأنه لأنه ناقص إذ به عَوَر، وربكم ليس بأعور، بل له سبحانه عينان يبصر بهما لأنه سميع بصير. وهناك زيادة عند مسلم وبعض أصحاب السنن، وهي أن النبي ﷺ قال يومئذ للناس: " تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت". هذا ملخص قصة المسيح الدجال مع بيان السبب. قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له: أخبر

стр. 291

الله في كتابه وثبت عن رسوله ﵊ الاستواء على العرش، والنزول، والعين، واليد، والنفس، فلا يُتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله ﵊، ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. وقال الطيبي مؤيداً ما قاله السهروردي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح١. وأما إشارته ﵊ بيده إلى عينيه - وهو يخبر عن عور المسيح الدجال- فإنما تفيد تأكيد المعنى الحقيقي للعين على ما يليق بالله تعالى ولا يفهم منها أن عين الله جارحة كأعيننا بل له عين حقيقية تليق بعظمته وجلاله وقِدَمِه. وللمخلوق عين حقيقية تناسب حاله وحدوثه وضعفه وليست الحقيقة كالحقيقة، وهذا شأن جميع الصفات التي فيها المشاركة اللفظية مع صفات المخلوق كما تقدم هذا البحث في غير موضع من الرسالة. روى عكرمة عن ابن عباس عند٢ تفسير قوله تعالى: ﴿واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ، أنه قال ﵁ بعين الله ﵎، قال الإمام البيهقي - بعد رواية قول ابن عباس السالف الذكر: ومن أصحابنا من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية. وقال: قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، معناه بمرأى مني، وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بمرأى منا، وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ، وقد يكون ذلك من صفات الذات. وتكون صفة واحدة، والجمع فيه للتعظيم. ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة. وقال: إنها من صفات الفعل والجمع فيها شائع، ومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص

стр. 292

العور عن الله ، وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص. ثم قال البيهقي: "والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة، لا من حيث (الحدقة) أولى. وبالله التوفيق"١ ا. هـ وهذا القول الذي اختاره الإمام البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفة. وأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فشبيهٌ بقول الجهمية القائلين: إنه تعالى: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم. وهو قول مرفوض شرعاً وعقلاً، كما تقدم في غير موضع. وأما عند أهل السنة فجميع هذه الصفات تساق سوقاً واحداً خبرية أو عقلية. ذاتية أو فعلية فتثبت بلا كيف، ولا يلزم من إثباتها تشبيه ولا تجسيم كما يظن النفاة بل يلزم من تحريف القول فيها التعطيل. وينتج من ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسوله ﵊. هذا ما يلزم النفاة - ولا محالة - وهم كل من ينفي صفة ثابتة بالكتاب والسنة، أو بالسنة الصحيحة فقط، أدركوا ذلك أو لم يدركوا. والله المستعان. الصفة التاسعة عشرة: صفد القَدم لله تعالى هذه الصفة كالتي قبلها من الصفات الخبرية والفعلية محل صراع حادّ بين السلف والخلف. أما السلف - فهم كعادتهم- يرون أن المقام ليس مقام اجتهاد أو قياس أو استحسان، وإنما هو مقام تسليم لله ولرسوله ﵊ وأنه لا قول لأحد مع قول الله وقول رسوله المعصوم ﵊، الذي أمره ربه أن يبلغ ما أنزل إليه. فمما بلغه الرسول عن الله لأمته بعضُ

стр. 293

أوصاف الجنة والنار، وذلك من الأمور الغيبية التي أطلع الله عليها نبيه ﵊، ولا سبيل للإنسان العادي أن يقول فيها قولاً اجتهاداً أو استحساناً. ومما أخبر الرسول هنا ما نص عليه الحديث الآتي حيث يقول الرسول ﵊: " لا يزال يلقى فيها -يعني النار- وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط بعزتك وكرمك" ١. ففي مثل هذا المقام التوقيفي لا ينبغي للمرء الناصح لنفسه أن يحاول استخدام قوة عقله أو سلطان فلسفته أو ما ورثه من مشايخه ليقول في هذا النص النبوي قولاً يخالف قول المعصوم، فيفسر الحديث كما يريد ويستحسن، بل عليه أن يقول كما قال الإمام الشافعي: "آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله. وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﵊"، وفي هذه الصفة (القَدَم) قد صح عنه الحديث السابق آنفاً الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، فما علينا إلا التسليم لرسوله ﵊. وقد ساق الإمام مسلم للحديث المذكور روايات كثيرة، وهو في الأصل متفق عليه وموضوع الحديث - على اختلاف راوياته وطرقه- المحاججة بين الجنة والنار، فالحديث الأول في الموضوع: حديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: "تحاجّت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، فقال الله للجنة: أنت رحمتي

стр. 294

أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط١ فهناك تمتلئ ويزوي بعضها على بعض". وهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك خادم رسوله الله ﵊، وفي بعض رواياته: "حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط ثلاثاً "، وفي بعضها: "حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك" ٢. وموقف السلف من معنى الحديث هو أن الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس قدمه بأقدام خلقه، ولا رجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه فآمنا وسلمنا لله ولرسوله، هذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، بل موقف ثابت وهو اتباع النصوص في جميع الصفات خبرية أو غيرها. "اتبعوا ولا تبتدعوا وقد كفيتم"٣. وبالله التوفيق. والحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزاً وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم المعتادة، وقد تقدم هذا المبحث في صفة الكلام.

стр. 295

وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، فتكلفهم هنا يشبه تكلف القرامطة في نصوص المعاد، بل لجميع نصوص الشريعة. فزعم المتكلمون الخلف هنا أن الحديث -كغيره من نصوص الصفات - يؤول بما يليق بالله - يا سبحان الله - فمتى دلت النصوص بظاهرها على ما لا يليق بالله لو فهمت؟!! فقال بعضهم: المراد بالقدم هنا المتقدم ومعناه حتى يضع الله تعالى١ فيها ما قدمه لها من أهل العذاب!! وأنت تلاحظ أن هذا التأويل التقليدي لم يمكنهم من الانتباه للضمير (قدمه) أو (رجله) وأن الذي لا يختلف فيه أهل العلم أن الإضافة تخصص الصفة للموصوف، بمعنى إذا قلنا: علم الله وقدرة الله مثلاً، فلا يشترك علم المخلوق أو قدرته في علم الله المختص بالإضافة بأي نوع من أنواع المشاركة وكذلك قدرته، لأن الاشتراك لا يقع إلا في المطلق الكلي غير المختص لا بالمخلوق ولا بالخالق. وكذلك يقال هنا لأن القدم لم ترد إلا مضافة مختصة ولا يشترك معها شيء من أقدام خلقه، ولا مشابهة بينهما - وهذا التأويل الذي تورط فيه أتباع الفلاسفة لم يفطن لهذا المعنى، وعدم التفطن لهذا المعنى هو سر تخبطهم في جميع الصفات الخبرية والفعلية، وهي قاعدة٢ لو علموها لعالجت لهم جميع مشاكلهم وقضت على تخبطاتهم الكثيرة. وأما الرواية التي فيها: "حتى يضع الله فيها رجله " فقد حاولوا فيها أولاً تضعيف الحديث ليريحوا أنفسهم من ذلك التأويل المستكره والمستنكر ولكنهم لم يفلحوا، لأن الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه. قال الإمام النووي: "فقد زعم ابن فورك أن هذه الرواية غير ثابتة عند أهل النقل،

стр. 296

ولكن قد رواها مسلم وغيره في صحيحه". فلجأوا أخيراً إلى نوع غريب من التأويل حيث قالوا: يجوز أن يراد بالرّجل الجماعة من الناس، كما يقال: رجل من (جراد) أي قطعة منه. وهو تكلف غني عن الإعلان عنه، بل هو يعلن عن نفسه، والاستشهاد برجْل الجراد أشد غرابة كما ترى، وهو استشهاد يضحك (الحزين) . وقال بعضهم: المراد بالقدم قوم استحقوها وخُلِقُوا لها، وقالوا: لا بد من صرف لفظة (القَدَمِ) عن ظاهرها لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى١ اهـ. فمن ذا الذي قال: إن قَدَمَ الله جارحة من الجوارح حتى تضطروا إلى مثل هذه المناقشة واستعمال هذا الأسلوب، بل الذي عليه سلف هذه الأمة - وهم أعلم وأدق وأقدم- أن قَدَمَ الله ووجه الله ويده وعينه وأصابعه، وما في معناها من هذه الصفات الخبرية صفات لله على ما يليق به سبحانه، وليست بجوارح له، ولا نعلم عن كُنهها شيئاً، بل آمنا بها على مراد الله ومراد رسوله من حيث الحقيقة والكُنه. ومعنى الكلمة معلوم من الوضع والكيف مجهول والبحث عن الكيفية بدعة، أحدثها علماء الكلام، والإيمان بها على أنها صفات ذاتية لله واجب من واجبات الدين الإسلامي، ولا ينقضي عجبي عندما أقرأ هذه العبارة التقليدية المتوارثة: "إن الدليل العقلي القطعي يقتضي استحالة قيام الجوارح بالله" أو عبارة قريبة من هذه. فكيف يعتقد مسلم أن الآيات القرآنية التي أنزلها الله العليم الحكيم، والأحاديث النبوية التي أوحاها إلى رسوله ﵊ تدل بظواهرها على ما لا يليق بالله أو على ما هو مستحيل على الله، ثم لا يبين

стр. 297

الرسول الأمين ﵊ ما يليق بالله وما لا يليق من كلامه وكلام ربه سبحانه، الذي أنزله عليه وكلفه بالبيان، ويستمر الوضع على اعتقاد ذلك المحال من ظواهر النصوص في عهد الراشدين، ثم في عهد الأمويين وصدر من خلافة العباسيين، فالناس لا تزال تعتقد أن الله تعالى سميع بسمع، وبصير ببصر، وله وجه يليق به، وهو مستوٍ على عرشه، ويدعى من فوق خلقه، وهو ينزل إذا شاء وكيف شاء، ويجيء كيف يشاء يوم القيامة وله عين، وله قَدَمٌ، وكل ذلك لا يؤول ولا يحول بل يبقى على ظاهره الذي هو حقيقته كما يليق بالله، إلى أن جاء شيوخ المتفلسفة وتلامذتهم من علماء الكلام فعلّموا الناس أن اعتقاد ظواهر نصوص الصفات لا يجوز، وهو إما كفر أو فسق لأنه يؤدي إلى اعتقاد ما لا يليق بالله تعالى، وهل قائلوا هذا القول يعتقدون أنهم أعلم بما يليق بالله وما لا يليق من الله ومن رسوله؟ أم ماذا يريدون؟!! إنه تصرف يحتار المرء في معرفة مغزاه. الصفة المكملة للعشرين: إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة للمؤمنين هذه الرؤية التي سنتحدث عنها في آخر جولتنا في الحديث عن الصفات الخبرية وصفات الأفعال نود أن تكون مسك الختام للحديث عن تلك الصفات التي يكون الإيمان بها والتسليم لله ولرسوله فيها سبباً للوصول إلى هذه النعمة التي تعتبر – بحق - أعظم نعمة أعدها الله ليكرم بها خواص عباده في دار كرامته. وهم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ، قبل أن ينكروا من ذلك شيئاً بأهوائهم وآرائهم كما فعلت الجهمية والباطنية وجميع الطوائف

стр. 298

المنحرفة في الأصول والفروع. والكلام في هذه المسألة على الوجه التالي: أولاً: ذكر بعض الآيات الدالة على الرؤية وبيان وجه الدلالة وكلام السلف حولها. ثانياً: ذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تثبت الرؤية، مع ذكر أقوال بعض السلف لتوضيح معاني النصوص من تفاسيرهم وذكر الأدلة العقلية المؤيدة للأدلة النقلية مع الإجابة على شبه المعارضين النافين للرؤية: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وهذه الآية لو سَلِمَت من تحريف المحرفين، وتدّبرها مؤمن سليم الفطرة وجدها تنادي نداء صريحاً بأن الله تعالى يُرى عياناً بالأبصار - يوم القيامة - وبيان ذلك كالآتي: إن الفعل (نظر) له عدة استعمالات في اللغة على حسب تعديه بنفسه أو بواسطة حرف جر، فإن عدي بنفسه يكون معناه التوقف والانتظار، وذلك كقوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ ٢، أي انتظرونا وتوقفوا لنا حتى نقتبس من نوركم، وإن عدي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار. كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٣، وإن عدي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، وذلك كقوله تعالى: ﴿انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٤. وآية الباب من النوع الأخير بل هي أبلغ في الدلالة على المراد،

стр. 299

حيث أضيف النظر إلى الوجه الذي هو محل البصر، وقد فهم هذا المعنى من الآية علماء السلف قاطبة دون أن يشذ منهم أحد، وسوف نتحدث عن موقفهم وفقههم إن شاء الله. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١، والملاحظ أن هذه الآية من أدلة نفاة الرؤية إلا أن بعض المحققين يرى - ورأيه هو الصواب- أن الآية دلالتها على جواز الرؤية أوضح، بل لا تدل على امتناع الرؤية إلا بنوع من التكلف والتحريف، لأن الله تعالى ذكر هذا الخبر في سياق التمدح. ومن المعلوم بالضرورة وبالنظر السليم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية. وقد ذكرنا في غير موضعه - نقلاً عن بعض أهل العلم: أن العدم المحض ليس فيه مدح لأنه ليس بكمال. وإنما يكون العدم مدحاً إذا تضمن أمراً وجودياً مثل تمدحه سبحانه بنفي السِّنَة والنوم، لأنه يتضمن كمال القَيّوميّة ونفي الموت لأنه يتضمن كمال الحياة، وهكذا جميع الصفات السلبية التي تَمَدّح الله بها تتضمن أمراً وجودياً على ما شرحنا. ففي هذه المسألة إنما تمدح الله بعدم إدراك أبصار العباد وإحاطتهم به لا بعدم الرؤية، لأنه لو كان لا يُرى لشارك سبحانه العدم وهو الذي لا يُرى، ومشاركة العدم ليست بكمال وليس فيها مدح، بل في ذلك من الانتقاص ما لا يدركه النفاة لجهلهم أو تجاهلهم، وإذا كان من الواجب تنزيه الله عن مشاركة أي مخلوق موجود ومشابهته فيما يختص به ذلك المخلوق فكيف يستسيغ النفاة مشاركة الله للعدم الصرف في خصائصه وهو عدم الرؤية؟ والله المستعان. وقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ إنما يدل على غاية عظمته وهي أنه تعالى أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك ولا يحاط به فإن الإدراك

стр. 300

هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية. ويشهد لما ذكرنا قوله تعالى حكاية للحوار الذي جرى بين موسى وقومه المؤمنين عندما رأوا فرعون وجنوده من مكان بعيد: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلاَّ﴾ ١، ومعلوم من السياق أنه لم ينف الرؤية - وهي واقعة بالفعل- كما أنهم لم يريدوا بقولهم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ، إما لمرئيُّون، ولكنهم كانوا قد خافوا أن هذا الجبار صار بمقربة منهم حتى رأوه سيدركهم ويلحق بهم ويؤذيهم، وهذا المعنى هو الذي نفاه موسى بقوله ﴿كَلاَّ﴾ ، وقد وعده ربه سبحانه أنه لا يخاف دركاً ولا يخشى، إذ يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى﴾ ٢. ومما يذكره بعض أهل العلم بهذا الصدد أن الرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك. كما أنه يُعلَم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهور لهم بالإمامة، قال ابن عباس ﵁: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار. قال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار. قال عطية العوفي التابعي: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم ثم تلا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ، الآية. ويعني العوفي أن هذا معنى الآية وتفسيرها. ولذلك قال ﵀: فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عياناً ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها تحيط به سبحانه إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئاً يحيط به. أما هو سبحانه بكل شيء محيط. وهكذا يُسمِعُ كلامه من شاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يَعلم الخلق ما علّمهم ولا

стр. 301

يحيطون بعلمه١. قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: في الإدراك أقوال للعلماء من السلف: أحدها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، ويكون الإدراك بمعنى الرؤية عند هؤلاء. وثانيها: الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ومعنى الإدراك معرفة الحقيقة عند هؤلاء. وثالثها: أن الإدراك أخص من الرؤية لأن الإدراك بمعنى الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية٢ اهـ. قال الإمام ابن جرير الطبري عند تأويل هذه الآية: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ : قال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها سبحانه، وقال آخرون: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه، وقال أهل هذه المقالة، الإدراك في هذا الموضع الرؤية٣ اهـ. والراجح هو القول الذي تشهد له الأحاديث التي سيأتي ذكرها إن شاء الله لأنها تعتبر تفسيراً للآية كما هو معروف عند أهل العلم من السلف، وهو إثبات الرؤية في الآخرة دون الدنيا، وإن الإدراك المنفي أمر زائد على مجرد الرؤية، وهو الإحاطة، والله أعلم.

стр. 302

ومن الآيات التي استدل بها أهل السنة على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ١، والآية من الآيات التي يتعلق بها النفاة ظناً منهم بأنها تنفي الرؤية٢، إلا أن أهل السنة قلبوا عليهم الحجة، فأثبتوا أن الآية من أدلتهم على إثبات الرؤية عكس ما زعموا. ومن أوجه دلالة الآية على الرؤية ما يلي: ١- لا يظن بكليم الله موسى ﵇ أن يسأل الله مالا يليق بالله، بل ما هو من أبطل الباطل في زعمهم. وهو من أعرف الناس بما يليق بالله وما لا يليق به سبحانه. ٢- أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، علماً بأنه تعالى قد أنكر على نبيه نوح ﵇ سؤاله حين سأله نجاة ابنه فقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، ولو كان سؤال رؤية الله من قبيل نوح نجاة ابنه لأنكر عليه سبحانه كما أنكر على نوح ﵇. وعدم الإنكار دل على أنه إنما سأله ممكناً لا مستحيلاً. ٣- أن الله سبحانه أجابه بقوله ﴿لَن تَرَانِي﴾ ، ولم يقل: إني لا أرى أو لست بمرئي أو لا تجوز رؤيتي. أو عبارة قريبة من هذه العبارات التي تدل أن

стр. 303

الرؤية غير ممكنة. والفرق بين الأسلوبين واضح لمن تأمل بإنصاف. وبهذا عرفنا بأنه تعالى يُرى في الوقت الذي حدده سبحانه لرؤيته، وأن نبيه موسى ﵇ إنما سأله ما هو ممكن، إلا أنه نبهه على أنه لا يقوى على الثبوت أمام التجلي في هذه الدار لضعف قوة البشر في الدنيا، إلا أن الله سوف يمنحهم القوة التي تمكنهم من الثبوت أمام تجلي الرب تعالى فيرونه عياناً ولكن دون إحاطة -كما تقدم- وهذا المفهوم هو الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون. ٤- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١، إشارة لطيفة وتنبيه إلى أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام التجلي، فكيف بك وبأمثالك لأنك أضعف من الجبل يا موسى! هذا ... وأما دعوى المعتزلة وشيعتهم بأن (لن) تدل على التأبيد فدعوى باطلة تأباها اللغة، فإن (لن) إنما وضعت لنفي المستقبل، فأما التأبيد فإنما يستفاد من قرائن خارجية، وهي لا تفيد التأبيد بنفسها. قال ابن هشام في أوضح المسالك: (ولن، وهي لنفي سيفعل) أي لنفي المستقبل (ولا تقتضي) تأبيد النفي ولا تأكيده، خلافاً للزمخشري٢ اهـ. وفي هذا يقول ابن مالك في كافيته: ومن يرى النفي بلن مؤبدا ... فقوله ارْدُدْ وسواه فاعضدا فمحاولة تأبيد النفي بلن محاولة جهمية مغرضة، ولكنها غير ناجحة بل مردودة كما قال ابن هشام.

стр. 304

ومن أقوى أدلة أهل السنة على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ ١، ومن العقوبة التي يعاقب الله تعالى بها الكفار يوم القيامة أنه يحجبهم عن رؤيته، ووجه استدلالنا بالآية أن الله جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤية الله وعن سماع كلامه، فإذاً إن من أعظم نعم الله على المؤمنين أنهم يرونه عياناً ويسمعون كلامه سماعاً إذ لو لم يره المؤمنون، ولم يسمعوا كلامه، كانوا أيضاً محجوبين عنه تعالى. وبهذا الأسلوب احتج الإمام الشافعي بالآية وغيره من الأئمة، وفي هذا الصدد يحدثنا الإمام (المُزَني) - وهو من كبار أصحاب الإمام الشافعي- إذ يقول المزني: سمعت الشافعي يقول في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ : "فيها دليل على أن أولياءه يرون ربهم يوم القيامة". ثم يأتي زميله (الربيع بن سليمان) ليؤكد ما حكاه المزني، حيث يقول: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ ؟ فقال الشافعي: لما حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى، قال الربيع: فقلت للشافعي: يا أبا عبد الله! وبه تقول؟ قال: نعم، وبه أدين الله. ثم قال الشافعي - وهو يؤكد هذا المعنى -: ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل٢. وهناك آيات أخرى تدل على إثبات لقاء الله ورؤيته تعالى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ ٣، وقوله تعالى:

стр. 305

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ﴾ ٣، وهناك آيات أخرى كثيرة تنص على هذا المعنى. واللقاء عند أهل اللغة يقتضي المعاينة ما لم يكن هناك مانع كالعمى مثلاً. بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب: أما الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ فقد ذكر الإمام ابن القيم أنها وصلت إلى حد التواتر، فسرد منها ثلاثين حديثاً٤ مرفوعاً بين صحيح وحسن، بل بعضها مخرجة في الصحيحين أو في أحدهما. وهناك أحاديث موقوفة وآثار عن الصحابة تُعطى حكم الرفع في اصطلاح المحدثين. ومن الأحاديث المرفوعة حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ في الصحيحين ونصه: "إن أناساً قالوا: يا رسول! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﵊: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر"؟! قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" ٥. ومثله حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ ولفظه: كنا جلوساً عند النبي ﵊ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته. فإن

стр. 306

استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا ". وفي حديث آخر له ﵁: "إنكم سترون ربكم عياناً "١. لا يخفى أن المقصود من الحديثين وما في معناهما، هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة، وعدم التكلف وعدم وجود التزاحم حال الرؤية ولا يلزم من ذلك تشبيه المرئي بالمرئي إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . ومنها حديث صهيب الرومي ﵁ عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله : تريدون شيئاً أزيدكم؟ يقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟! فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم" ٢. ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣. وقال الإمام ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث: "وهذا حديث رواه الأئمة عن حماد بن سلمة وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق"٤. ولو ذهبنا نسوق كل ما ورد من الآيات والآثار وأقوال أهل العلم سلفاً وخلفاً في موضوع الرؤية مع مناقشتها لو فعلنا ذلك لأدى بنا إلى الخروج عن موضوع الرسالة، لذا نرى الاكتفاء بالنصوص التي أوردناها - فثبوت رؤية الله في الآخرة للمؤمنين أصبح في غاية من الوضوح، ولم يبقَ في المقام خلاف يُعتدّ به. وليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر وفيما يلي نستعرض الآراء في معنى الرؤية.

стр. 307

الآراء في معنى الرؤية: يروي الإمام أبو الحسن الأشعري أن المعتزلة أجمعت على أن الله لا يُرى بالأبصار، ثم اختلفوا فيما بينهم هل يُرى بالقلوب أم لا؟ وقال أكثر المعتزلة أن الله يُرى بالقلوب بمعنى أنه يُعلم١. وأنكر بعضهم حتى هذا النوع من الرؤية بل صرحت جماعة من المعتزلة والخوارج وطوائف من المُرجئة وبعض الزيدية بأن الله لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة، ولا يجوز ذلك عليه تعالى. وأما الأشعرية فإنهم يثبتون الرؤية بالأبصار في الآخرة ولكن دون مقابلة ودون إثبات للفوقية لله تعالى كما أثبت الله لنفسه ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ ، كما تقدمت في بحث صفة الاستواء أدلة قاطعة في ثبوت الفوقية والعلو لله تعالى، وإثبات الرؤية مع نفي الفوقية فيه نوع من الغموض وعدم الوضوح، إذ لا يعقل إثبات موجود في الخارج ووجوده حقيقي وإثبات رؤيته بالأبصار ثم القول إنه ليس فوق الرائي أو على يمينه أو على يساره أو تحته. هذا كلام يرده كل من يسمعه وهو يعقل ما يسمع. وأما أهل السنة والجماعة فيؤمنون بأن الله يتجلى لعباده في الموقف وفي الجنة من فوقهم ويخاطبهم ويسلم عليهم ويرونه بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، وهذه المعاني الثلاثة يجب الإيمان بها مجتمعة عملاً بنصوص الكتاب والسنة وخروجاً من الاضطراب، وهي: ١- العلو والفوقية. ٢- صفة الكلام (الكلام) اللفظي. ٣- الرؤية بالأبصار، وبالله التوفيق.

стр. 308

ثم اختلف أهل السنة: هل الرؤية في الآخرة خاصة بالمؤمنين أم يراه الكفار والمنافقون كما يرى المؤمنون؟ أقول: أما في الجنة فلا شك أنها خاصة بالمؤمنين إذ هي دارهم الخاصة، وهي دار الطيبين فلا يدخلها إلا المؤمنون الطيبون. فينحصر الخلاف في الرؤية التي تقع في الموقف عند الحساب والتجلي. والقول الذي يرجحه الحافظ ابن حجر أن الرؤية خاصة بالمؤمنين حتى في الموقف، ويجيب على قول من يرى عموم الرؤية استدلالاً بعموم اللقاء والخطاب بقوله: ولا يلزم من كونه "يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم أن تعمهم الرؤية، لأنه سبحانه أعلم بهم. فيُنعِمُ على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السجود عندما يكشف عن ساقه كما تقدم"١ ا. هـ وهناك آراء أخرى في المسألة رأينا عدم الخوض فيها إيثاراً للإيجاز، والله أعلم. وبعد، أود أن أذيل هذا المبحث - مبحث الرؤية - بأبيات للإمام ابن القيم، صور فيها يوم اللقاء أروع تصوير وأصدقه استنتاجاً من نصوص الكتاب والسنة التي ذكرنا بعضها آنفاً، إذ يقول ﵀: فبينما هُمُ في عَيْشِهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجري عليهم وتُقْسَم تجلى لهم رب السموات جهرة ... فيضحك فوق العرش ثم يُسلِّم سلام عليكم يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمه إذ يُسَلِّم يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما ... تريدون عندي إنني أنا أرحم فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تُولِي الجميل وترحم ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم من فوقهم ويُسَلِّم ولله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمِن بعدها يسلو المحب المتيم

стр. 309

فحيّ على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولله واديها الذي هو موعد الـ ... مزيد لوفد الحب لو كنت منهم وحي على يوم المزيد الذي به ... زيارة رب العرش واليوم موسم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم هذا فإثبات الرؤية ليس صفة من صفات الله تعالى لأن الرؤية لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه سبحانه فالله هو المرئي لهم، فإنما أدخلناها في عداد الصفات المختارة التي جعلنا محل الحديث المفصل. لأنها محل نزاع بين السلف والخلف كما علمت. وبالله التوفيق.

стр. 310

الباب الثالث: العلاقة بين الصفات والذات الإيمان بالله تعالى إنما يعني الإيمان بالذات العلية الواجبة الوجود، وجوداً حقيقياً. والإيمان بصفاته العلى وأسمائه الحسنى معاً. وعندما يقول المؤمن: آمنت بالله، إنما يعني هذا الإيمان الشامل أي الإيمان بذات لا تشبه الذوات متصفة بصفات الكمال التي لا تشبه صفات خلقه بل لصفاته حقائق ولصفات خلقه حقائق. فانطلاقاً من هذا الإيمان الشامل فإن العلاقة بين الصفات والذات علاقة التلازم، ضرورة أن الإيمان بالذات يستلزم الإيمان بالصفات، وكذلك العكس على ما أشرنا في هذه المقدمة، لأنه لا يتصور وجود (ذات) مجردة في الخارج كما لا يتحقق وجود صفة من الصفات في الخارج إلا وهي قائمة بالذات. بيد أنه ليس بمستحيل بل من الممكن تصور (ذات) على حدة وتصور (صفة) على حدة، إلا أنه تصور ذهني فقط، كما تقدم في غير موضوع. وهذا ما عنيناه بالتلازم، وسبق أن تحدثنا عن هذه النقطة عند الكلام على مفهوم الذات، وأثبتنا هناك أن المسلك الصحيح والسليم في مبحث: هل الصفة غير الذات أو عين الذات؟ هو عدم إطلاق لفظة (غير) إلا بعد التفصيل ونزيد هنا أن الصواب في مثل هذه النقطة عدم إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل، ولا ينفصل النزاع ويتضح وجه الصواب إلا بالتفصيل، فالله تعالى واحد بأسمائه وصفاته، فأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه (الله) ، وإن كان لا يطلق علي الصفة أنها إله أو خالق أو رزاق. وليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي

стр. 311

نفس الإله بمعنى أن للذات مفهوماً وللصفات مفهوماً. هنا فقط تثبت المغايرة أي في إثبات معنى ومفهومٍ للصفات غير مفهوم الذات. ويقول الإمام ابن القيم في هذه النقطة: "ويرى القوم في لفظة (الغير) أنه يراد بها معنيان: أحدهما المغايرة لتلك الذات المسماة بـ (الله) وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقاً. ويراد به -أي لفظ (الغير) - مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل: عِلْمُ الله وكلام الله غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحاً، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغايران لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلاً لفظاً ومعنى"١ ا. هـ لأن الحقيقة المختصة به تعالى التي لا يشاركه فيها أحد اتصافه بصفات الكمال: الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره من العلم الكامل المحيط بجميع المعلومات وبكلماته التامات التي لا نفاد لها، وبقدرته الكاملة التي لا يعجزها شيء، بل هو على كل شيء قدير. وإذا فهمت هذه النقطة فإن الإيمان الصحيح هو الإيمان برب متصف بصفاته وأسمائه حقيقةً واحدةً لا تتجزأ أي رب واحد بأسمائه وصفاته سبحانه، فالمغايرة غير واردة بهذا الاعتبار والله أعلم. هذا هو المفهوم الصحيح الذي كان قد فهمه سلف هذه الأمة، وسلمُوا به من الخوض في بحث العلاقة بين الذات والصفات، إذ لم يحدث ما يدعو إلى ذلك. بل القول المؤيد بالأدلة العقلية والنقلية أن صفة الله تعالى داخلة في مسمى أسمائه، فمن استعاذ بصفة من صفات الله أو حلف لها فإنما استعاذ

стр. 312

بالله، وحلف به تعالى. يشهد لهذا، الاستعاذة التي علمها النبي ﵊ أمته وهي: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" ١، ومنه قوله ﵊: "أعوذ برضاك من سخطك" ٢. فمن قال: عبدت الله أو دعوت الله أو حمدت الله أو قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فهذه الأسماء ظاهرها ومضمرها مشتملة على صفات الله ولا يخرج عنها شيء، مثل العلم والحلم والرحمة والكلام وسائر صفاته٣. ويؤيد ما ذكرنا قوله ﵊: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وقد ثبت عنه ﵊ أنه حلف بغزة الله ليدلنا أن ذلك ليس حلفاً بغير الله وإنما حلف بصفة من صفاته، وصفاته بهذا الاعتبار ليست غيره. هكذا يتضح أنه لا ينبغي إطلاق المغايرة بين الصفات والذات، وأن صفات الله تعالى ملازمة لذاته تعالى ولا تنفك عنها، فمن آمن بالله فإنما آمن بالله سبحانه وبأسمائه وصفاته. ومن كفر بصفة واحدة من صفات الله فقد كفر بالله تعالى وبسائر صفاته، ولهذا أجمع أهل العلم من علماء أهل السنة دون خلاف نعلمه أن من قال: إن كلامه مخلوق أو قال: القرآن مخلوق أو أنكر رؤية الله يوم القيامة مثلاً فهو كافر، وسيأتي في الباب الخامس حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وحكم من ألحد في أسماء الله وصفاته.

стр. 313

الباب الرابع: طبيعة علاقة الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني ولقد تحدثنا عن صفات الله تعالى بالجملة في الأبواب السابقة بل قسمناها إلى عدة أقسام من حيث معانيها ومدلولاتها، من صفات سلبية ومعنوية وثبوتية، وذاتية وصفات أفعال والصفات الخبرية. وأخيراً تحدثنا بالتفصيل عن عشرين صفة مختارة حيث حددنا موقف كل من السلف والخلف منها من حيث المعنى، ومن حيث التأويل وعدم التأويل. فبعد هذا كله من المستحسن جداً أن نتحدث عن علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني على سبيل التقريب، فنقول وبالله التوفيق: صفات الله تعالى صفات كمال، أسماؤه تعالى كلها حسنى لأنها متضمنة للأوصاف، فالعلاقة بين الأسماء والصفات، أن الصفات من معاني الأسماء ومأخوذة منها غالباً، ثم إن أسماء الله تعالى كلها أوصاف كمال وصفاته كلها أسماء حسنى، وهي أعلام وأوصاف في وقت واحد. والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد تنافي العلمية في الغالب، إلا أسماء رسول الله ﷺ ، فإنها تتضمن الأوصاف كالحاشر والعاقب والماحي، ومحمد ﷺ . فمن أسمائه تعالى: العليم الحكيم، السميع البصير، مثلاً فهذه أعلام دالة على الذات العلية المتصفة بالعلم والحكمة والسمع والبصر، وهكذا سائر صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى يمكن أن يقال فيها: إنها

стр. 314

مترادفة كلها بالنسبة لعلاقتها بالذات حيث تتواد كلها على موصوف واحد كما يليق به وهو الله سبحانه. وأما بالنسبة لبعضها فقد تكون مترادفة من حيث المعنى أو متقاربة مثل المحبة والرحمة والفرح والتعجب والضحك. بل نستطيع أن نقول: إن الصفات التي ذكرت بعد المحبة في هذا السياق إنما هي آثار من آثار المحبة غالباً وما أكثر آثارها. وهناك صفات متقابلة: كالرفع والخفض والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع والأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والنفع والضر، والقبض والبسط، ويدل على هذا الصنف قوله ﵊ وهو يثني على الله سبحانه -: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ١. ومن أسماء الله تعالى التي لا تطلق إلا متقابلة: (المعطي المانع) ، (النافع الضار) ، (المعز المذل) ، (القابض الباسط) ، (العفو المنتقم) وهو لم يرد إلا مقيداً مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ ، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ . ويشهد لما ذكرنا قوله ﵊ وهو يثني على الله تعالى دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" ٢. وهنا صفات متضادة من حيث معانيها: مثل الغضب والسخط مع الرضاء، ومثل الكراهة مع الحب، ويدل لهذا الصنف استعاذة النبي عليه

стр. 315

الصلاة والسلام حيث يقول ﵊: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. وللإمام ابن القيم بحث لطيف في هذه النقطة وهو يتحدث عن معاني الأسماء والصفات المتقابلة إذ يقول ﵀: ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، النافع الضار، العفو المنتقم، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه الأسماء بما يقابله لأنه يراد به التفرد بالربوبية وتدبير شئون الخلق٢ اهـ. والتصرف فيهم عطاء ومنعاً ونفعاً وضراً، وعفواً وانتقاماً، حسبما تقتضيه حكمته البالغة الخافية على خلقه في الغالب. إن اتصافه تعالى بهذه الصفات المزدوجة، المأخوذة من أسمائه المتقابلة وبالصفات المتضادة في معناها على ما تقدم، والمترادفة باعتبار الذات والمتباينة باعتبار ما بينها في الغالب الكثير، إن الاتصاف بهذه الصفات لهو الكمال الذي لا يشاركه فيه أحد، لدلالته على شمول القدرة الباهرة والحكمة البالغة، والتفرد بشئون الكون كله. لا إله غيره ولا رب سواه ...

стр. 316

الباب الخامس: حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة وحقيقة الإلحاد في صفات الله وأسمائه وأنواع الإلحاد ... الباب الخامس: حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ووحقيقة الإلحاد في صفات الله وأسمائه وأنواع الإلحاد أ- حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة: أما حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة فهو حكم يحتاج إلى نوع من التأني والتريث ثم التفصيل، لأنه من الخطورة بمكان إصدار حكم مجمل غير مفصل في مثل هذه القضية، التي هي قضية كفر أو إيمان ولا واسطة بينهما. فأقول مستعيناً بالله تعالى: إن من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة لا يخلو حاله من أحد أمرين: أ- أن يكون النافي عالماً بالنص الذي ثبتت به الصفة المنفية كتاباً كان أو سنة، ولا توجد لديه شبهات قد تغر مفهومه في النص كأن يفهم أو يظن -متأثراً بالشبهة- أن النص الذي ثبتت به الصفة لم يكن باقياً على ظاهره مثلاً أو غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي قد تضلل الإنسان الساذج أو قليل الاطلاع. والتي من أخطرها تأثره بآراء أهل الكلام المذموم التي تفسد القلوب وتغير المفاهيم في الغالب ولو نفى -وحاله ما وصفنا من العلم وعدم وجود الشبهات- معانداً وجاحداً لخراب قلبه ومرضه، فهو كافر في هذه الحالة كفراً ينقله من الملة الإسلامية لتكذيبه كلام الله أو كلام رسوله ﵊، وهو غير معذور لما علمت، وحقيقة الكفر هي ذلك الخراب الذي سبّبّه له العناد والجحود. ب- أن ينفي في غير هذه الحالة المذكورة آنفاً، كجهله للنص أو عدم علمه المفهوم الصحيح على ما تقدم تفصيله، فأرجو أن يكون معذوراً في هذه الحالة. والخلاف مشهور بين أهل العلم في: هل يعذر الإنسان بجهله

стр. 317

في أصول الدين أن لا؟ ولشيخ الإسلام ابن تيمية موافق كثيرة تدل على أنه يرى أن المرء يعذر بالجهل مطلقاً دون تفريق بين الأصول والفروع. ١- الموقف الأول: هو ما يدل عليه النص التالي من كلامه ﵀، يقول شيخ الإسلام في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وهو يناقش بعض علماء أهل الكلام في بعض مسائل الصفات: "لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصحيح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك، لا يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك يهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول ﵊ بحسب إمكانه فهو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاده، ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقاً لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . وقال في موضع آخر في الكتاب نفسه: ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد، والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف) إلى آخر كلامه ﵀ وهو يتحدث عن الأشعرية"١ اهـ. ب- كان ﵀ ذات مرة- يناقش كبار علماء أهل الكلام ممن

стр. 318

لعبت الفلسفة بعقولهم وغيّرت مفاهيمهم -ونَرْوي (الحوار) بالمعنى لا باللفظ ونوجزه في الآتي: ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية فطاحل علماء الكلام محاولاً إقناعهم بضرورة الاكتفاء بالأدلة النقلية - في المطالب الإلهية- أو تقديمها على العقل لتكون هي الأساس في هذا الباب والعقل تابع لها، لأن العقل الصريح لا يكاد يخالف النقل الصحيح إذا أحسن المرء التصرف، فلم يمكن إقناعهم، بل أصروا على ضرورة تقديم العقل في زعمهم، ظناً منهم أن بينهما اختلافاً- وهو ظن الذين لا يفقهون إلا قليلاً. وفي آخر الحوار قال لهم ذلك العالم البصير: لو كنت أنا مكانكم لحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال!! فعذرهم بجهلهم- وهم يرون أنفسهم أنهم من أعلم الناس، إلاّ أن ذلك العلم لم يخرجهم من عداد الجهال في نظر الإمام ابن تيمية، لأنهم إنما تعلموا وتبحروا في آراء الرجال وفلسفة اليونان، وأما بالنسبة لعلم الكتاب والسنة فهم في حكم الجهال، ولذا عذرهم الإمام ﵀، فيظهر جلياً من هذين الموقفين أنه ممن يعذر الجاهل، والمجتهد، والمخطئ، حتى في باب أصول الدين وبالله التوفيق١. ومما يشهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله قصة الرجل الإسرائيلي المشهورة وهذا نصها من صحيح البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: "كان رجل يسرف على نفسه٢ فلما حضره الموت قال لبنيه:

стр. 319

إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال لها: اجمعي ما فيك منه! ففعلت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب فغفر له، وقال غيره: مخافتك يا رب" ١. وللحديث عدة روايات وهذه الرواية من أجمعها تقريباً قال الخطابي تعليقاً على هذا الحديث: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له، وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. قال ابن قتيبة: وقد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك، ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً، وإنما قيل: إن معنى قوله: "لئن قدر الله علي" أي ضيق، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق، وأما قوله: "لعَلّي أضّلُ الله" - يعني في رواية أخرى غير التي ذكرناها- فمعناه: لعلي أفوته، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلظ ذلك الآخر فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ويكون قوله: "لئن قدر" بتشديد الدال، أي إن قدر عليّ أن يعذبني ليعذبني، أو على أنه كان مثبتاً للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان. قال الحافظ ابن حجر: "وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله ما يقول، ولم يقل قاصداً لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه"٢ اهـ.

стр. 320

قلت: أما ابن الجوزي - مع مكانته العلمية المعروفة- فقد أبعد النعجة وابتعد عن سياق النص فتكلف في تأويل الحديث تأويلاً يشبه تأويل أهل الكلام عفا الله عنه، ولماذا هذا التكلف كله؟ ومعنى الحديث واضح والسياق يدل على أن الرجل مع إيمانه بربه وخشيته، جهل أن الإنسان الذي يفعل به ما فعله أولاده لا يبعث مثل الذي يدفن في الأرض، كما غفل عن قدرة الله الشاملة لجميع الحالات، هذا ما جهله الرجل، وربه الرؤوف الرحيم رحمه وعذره فغفر له، وهذا هو الذي يليق برحمته سبحانه ولطفه بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه وغلبته. وأستحسن أن أذكر هنا قاعدة عند أهل السنة في مسألة قبول عذر من جهل شيئاً من الدين: وهي هكذا: "يعذر الإنسان إذا جهل ما مثله يجهله من المسائل الخفية كمسائل الصفات من حيث تحققها وتحقيقها ومعرفة وجه الصواب فيها"ولا سيما بعد أن طغى علم الكلام، وفرض سلطانه على جمهور المتأخرين فتغير كثير من المفاهيم في مسائل العقيدة، ودخلت بسببه على العقيدة الإسلامية اصطلاحات كثيرة، فشوشت على الناس في عقيدتهم، وما ذكرناه من كلام الإمام ابن تيمية مأخوذ من هذه القاعدة، أو هو عينها، وقد صرح ﵀: أن الفاضل المجتهد الذي يخطئ وهو يريد متابعة الرسول أولى بقبول عذره من الجاهل الذي لم يطلب العلم إذا جهل ما يجهل مثله، أو كما قال ﵀. وللشيخ سليمان بن سحمان ﵀ تحقيق دقيق في مسألة التكفير، ويرى أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر أمر في غاية الخطورة إلا بعد التحقيق ومعرفة تفاصيل ما في المسألة - قلت: بل ومعرفة الزمان والمكان- وينصح الشيخ ﵀ بالتريّث في المسألة، ثم نقل كلام شيخ الإسلام ﵀، حيث يقول شيخ الإسلام: "إن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون" كما نقل قول الإمام الشافعي ﵀ إذ يقول: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه
следующие страницы →