← Акыда

Акыда · id 10423

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

محمد أمان الجامي

Полный текст (383 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الباب الخامس: حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة وحقيقة الإلحاد في صفات الله وأسمائه وأنواع الإلحاد ... الباب الخامس: حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ووحقيقة الإلحاد في صفات الله وأسمائه وأنواع الإلحاد أ- حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة: أما حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة فهو حكم يحتاج إلى نوع من التأني والتريث ثم التفصيل، لأنه من الخطورة بمكان إصدار حكم مجمل غير مفصل في مثل هذه القضية، التي هي قضية كفر أو إيمان ولا واسطة بينهما. فأقول مستعيناً بالله تعالى: إن من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة لا يخلو حاله من أحد أمرين: أ- أن يكون النافي عالماً بالنص الذي ثبتت به الصفة المنفية كتاباً كان أو سنة، ولا توجد لديه شبهات قد تغر مفهومه في النص كأن يفهم أو يظن -متأثراً بالشبهة- أن النص الذي ثبتت به الصفة لم يكن باقياً على ظاهره مثلاً أو غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي قد تضلل الإنسان الساذج أو قليل الاطلاع. والتي من أخطرها تأثره بآراء أهل الكلام المذموم التي تفسد القلوب وتغير المفاهيم في الغالب ولو نفى -وحاله ما وصفنا من العلم وعدم وجود الشبهات- معانداً وجاحداً لخراب قلبه ومرضه، فهو كافر في هذه الحالة كفراً ينقله من الملة الإسلامية لتكذيبه كلام الله أو كلام رسوله ﵊، وهو غير معذور لما علمت، وحقيقة الكفر هي ذلك الخراب الذي سبّبّه له العناد والجحود. ب- أن ينفي في غير هذه الحالة المذكورة آنفاً، كجهله للنص أو عدم علمه المفهوم الصحيح على ما تقدم تفصيله، فأرجو أن يكون معذوراً في هذه الحالة. والخلاف مشهور بين أهل العلم في: هل يعذر الإنسان بجهله

стр. 317

في أصول الدين أن لا؟ ولشيخ الإسلام ابن تيمية موافق كثيرة تدل على أنه يرى أن المرء يعذر بالجهل مطلقاً دون تفريق بين الأصول والفروع. ١- الموقف الأول: هو ما يدل عليه النص التالي من كلامه ﵀، يقول شيخ الإسلام في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وهو يناقش بعض علماء أهل الكلام في بعض مسائل الصفات: "لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصحيح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك، لا يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك يهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول ﵊ بحسب إمكانه فهو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاده، ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقاً لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . وقال في موضع آخر في الكتاب نفسه: ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد، والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف) إلى آخر كلامه ﵀ وهو يتحدث عن الأشعرية"١ اهـ. ب- كان ﵀ ذات مرة- يناقش كبار علماء أهل الكلام ممن

стр. 318

لعبت الفلسفة بعقولهم وغيّرت مفاهيمهم -ونَرْوي (الحوار) بالمعنى لا باللفظ ونوجزه في الآتي: ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية فطاحل علماء الكلام محاولاً إقناعهم بضرورة الاكتفاء بالأدلة النقلية - في المطالب الإلهية- أو تقديمها على العقل لتكون هي الأساس في هذا الباب والعقل تابع لها، لأن العقل الصريح لا يكاد يخالف النقل الصحيح إذا أحسن المرء التصرف، فلم يمكن إقناعهم، بل أصروا على ضرورة تقديم العقل في زعمهم، ظناً منهم أن بينهما اختلافاً- وهو ظن الذين لا يفقهون إلا قليلاً. وفي آخر الحوار قال لهم ذلك العالم البصير: لو كنت أنا مكانكم لحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال!! فعذرهم بجهلهم- وهم يرون أنفسهم أنهم من أعلم الناس، إلاّ أن ذلك العلم لم يخرجهم من عداد الجهال في نظر الإمام ابن تيمية، لأنهم إنما تعلموا وتبحروا في آراء الرجال وفلسفة اليونان، وأما بالنسبة لعلم الكتاب والسنة فهم في حكم الجهال، ولذا عذرهم الإمام ﵀، فيظهر جلياً من هذين الموقفين أنه ممن يعذر الجاهل، والمجتهد، والمخطئ، حتى في باب أصول الدين وبالله التوفيق١. ومما يشهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله قصة الرجل الإسرائيلي المشهورة وهذا نصها من صحيح البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: "كان رجل يسرف على نفسه٢ فلما حضره الموت قال لبنيه:

стр. 319

إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال لها: اجمعي ما فيك منه! ففعلت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب فغفر له، وقال غيره: مخافتك يا رب" ١. وللحديث عدة روايات وهذه الرواية من أجمعها تقريباً قال الخطابي تعليقاً على هذا الحديث: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له، وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. قال ابن قتيبة: وقد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك، ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً، وإنما قيل: إن معنى قوله: "لئن قدر الله علي" أي ضيق، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق، وأما قوله: "لعَلّي أضّلُ الله" - يعني في رواية أخرى غير التي ذكرناها- فمعناه: لعلي أفوته، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلظ ذلك الآخر فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ويكون قوله: "لئن قدر" بتشديد الدال، أي إن قدر عليّ أن يعذبني ليعذبني، أو على أنه كان مثبتاً للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان. قال الحافظ ابن حجر: "وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله ما يقول، ولم يقل قاصداً لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه"٢ اهـ.

стр. 320

قلت: أما ابن الجوزي - مع مكانته العلمية المعروفة- فقد أبعد النعجة وابتعد عن سياق النص فتكلف في تأويل الحديث تأويلاً يشبه تأويل أهل الكلام عفا الله عنه، ولماذا هذا التكلف كله؟ ومعنى الحديث واضح والسياق يدل على أن الرجل مع إيمانه بربه وخشيته، جهل أن الإنسان الذي يفعل به ما فعله أولاده لا يبعث مثل الذي يدفن في الأرض، كما غفل عن قدرة الله الشاملة لجميع الحالات، هذا ما جهله الرجل، وربه الرؤوف الرحيم رحمه وعذره فغفر له، وهذا هو الذي يليق برحمته سبحانه ولطفه بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه وغلبته. وأستحسن أن أذكر هنا قاعدة عند أهل السنة في مسألة قبول عذر من جهل شيئاً من الدين: وهي هكذا: "يعذر الإنسان إذا جهل ما مثله يجهله من المسائل الخفية كمسائل الصفات من حيث تحققها وتحقيقها ومعرفة وجه الصواب فيها"ولا سيما بعد أن طغى علم الكلام، وفرض سلطانه على جمهور المتأخرين فتغير كثير من المفاهيم في مسائل العقيدة، ودخلت بسببه على العقيدة الإسلامية اصطلاحات كثيرة، فشوشت على الناس في عقيدتهم، وما ذكرناه من كلام الإمام ابن تيمية مأخوذ من هذه القاعدة، أو هو عينها، وقد صرح ﵀: أن الفاضل المجتهد الذي يخطئ وهو يريد متابعة الرسول أولى بقبول عذره من الجاهل الذي لم يطلب العلم إذا جهل ما يجهل مثله، أو كما قال ﵀. وللشيخ سليمان بن سحمان ﵀ تحقيق دقيق في مسألة التكفير، ويرى أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر أمر في غاية الخطورة إلا بعد التحقيق ومعرفة تفاصيل ما في المسألة - قلت: بل ومعرفة الزمان والمكان- وينصح الشيخ ﵀ بالتريّث في المسألة، ثم نقل كلام شيخ الإسلام ﵀، حيث يقول شيخ الإسلام: "إن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون" كما نقل قول الإمام الشافعي ﵀ إذ يقول: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه

стр. 321

أخطأت١، أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كَفَّرْتَ". ثم قال الشيخ سليمان ﵀: إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به الإنسان كافراً وهو جحوده بما علم أن الرسول ﵊ جاء به من عند الله عناداً، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها من توحيده وحده لا شريك له، وهو مضاد للإيمان من كل وجه، ثم استشهد على ما ذكر بقول الإمام ابن القيم ﵀ إذ يقول في نونيته المعروفة: فالكفر ليس سوى العناد وردّ ... جاء الرسول به لقول فلان إلى أن قال ﵀: والله ما خوفي من الذنوب فإنها لعَـ ... ـلَىَ طريق العفو والغفران لكنما أخشى انسلاخ القلب عن ... تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضاً بآراء الرجال وخرصِها ... لا كان ذاك بمنة الرحمن٢ الخلاصة: كل من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة عالماً بالنص، فاهماً له، سالماً من الشبهة مُوثِراً مألوفه من آراء الرجال وغيرها، مستخفاً بالنص وغير مقدرٍ له، فقد كفر كفراً ناقلاً عن الملة. وأما من نفى الصفة وهو على خلاف من وصفناه فهو معذور إن شاء الله لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣، ولقوله تعالى:

стр. 322

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١، والله أعلم. وعلى كل حال فإن أهل العلم يفرقون بين التكفير العام، وبين تكفير شخص معين، والتكفير العام يطلق فيقال: كل من ارتكب شيئاً من المكفرات كإنكار الصفات مثلاً فهو كافر ويعتبر هذا قاعدة للتكفير. أما التكفير المعين فيختلف باختلاف أحوال الأشخاص، وما يقوم بنفوسهم مما يستدل عليه بالقرائن والسياق، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا ضال كافراً عند أهل السنة، فانطلاقاً من هذه القاعدة نقول: من أنكر صفة ثابتة بالقرآن أو بالسنة فهو كافر، وهذه القاعدة يدخل في عمومها أكثر المنكرين، ولا يدخل فيها بعضهم لأحوال خاصة قد تشفع لهم، ولا يكون كافراً مع أنه أنكر ما أنكره غيره على ما تقدم من التفصيل. هذا حكم من نفى نفياً. وأما حكم من أول آية من آيات الصفات أو حديثاً من أحاديث الصفات فمثله لا يكفر لسببين: السبب الأول: أنه لم ينف الصفة نفياً. وإنما أثبتها ثم أولها تأويلاً، فهو مخطئ في التأويل ولكنه لا يكفر، لأنه يؤمن بالصفة في الجملة. السبب الثاني: أنه أول لقصد التنزيه ظناً منه أنه لا يتم التنزيه إلا بالتأويل، وهو يظن أن هذه هي الطريقة المثلى أو الوحيد في التنزيه. وهذه شبهة تحول دون تكفيره لأنه معذور بالجهل المصحوب بالشبهة، والله أعلم. وسبق أن قلنا نقلاً عن بعض أهل العلم٢ - إن حقيقة الكفر خراب

стр. 323

القلب، والمؤول بقصد التنزيه بعيد عن هذا المعنى إن شاء الله. ب- حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى، وأنواعه: تحدثنا فيما تقدم عن علاقة الصفات بالذات، ثم طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث المعاني. وأخيراً تحدثنا عن حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وأبنّا الفرق بين حكم من نفى، وحكم من أول، إذاً من المناسب جداً أن نتناول بالبحث حقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته وأنواعه التي تشمل نفي الصفات وتعطيلها، كما تشمل تشبيه صفات الله بصفات خلقه. وقد أنذر الله الذين يلحدون في أسمائه، وأخبر أنه سوف يجازيهم بما كانوا يعملون، وذلك بعد أن حث عباده ليدعوه بأسمائه الحسنى، حيث يقول : ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١. والإلحاد في اللغة: الميل، ومادته تدل على ذلك (ل ح د) ومن ذلك اللحد، وهو الشق في جانب القبر، لأنه قد مال عن الوسط. ومنه الملحد في الدين، وهو المائل عن الحق إلى الباطل، فالإلحاد في أسماء الله تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها، عن الحق الثابت لها، يقول الإمام ابن القيم ﵀ ما ملخصه: فالإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع، ثم ذكر منها خمسة أنواع: أحدها: أن تسمى بعض المعبودات باسم من أسماء الله تعالى، أو يقتبس لها اسم من بعض أسمائه تعالى. كتسميته المشركين بعض أصنامهم

стр. 324

(اللات) أخذاً من (الإله) و (العزى) أخذاً من (العزيز) وتسميتهم الأصنام أحياناً (آلهة) وهذا إلحاد واضح كما ترى، لأنهم عدلوا بأسمائه تعالى إلى معبواداتهم الباطلة. ثانيها: تسميته تعالى بما لا يليق به، كتسميته النصارى له (أبا) وإطلاق الفلاسفة عليه (موجباً بذاته) أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك. ثالثها: وصف الله تعالى بما ينزه عنه سبحانه، كقول اليهود عليهم لعنة الله إنه فقير. وقوله: إنه "استراح" بعد أن خلق خلقه، وقولهم أيضاً: "يد الله مغلولة"، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقها بعض أعداء الله قديماً وحديثاً. رابعها: تعطيل أسمائه تعالى عن معانيها (وهي الصفات) وجحد حقائقها. كما فعلت المعتزلة حيث جعلوا أسماء الله ألفاظاً مجردة لا تدل على الصفات، كقوله: سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، إلى آخر الأسماء. ويعدّ ابن القيم هذا النوع من أقبح أنواع الإلحاد في الأسماء والصفات معاً عقلاً وشرعاً وفطرة، لأنهم نفوا الصفات وهو إلحاد، ثم نفوا معاني الأسماء، وهو نوع آخر من الإلحاد فهم قد جمعوا بين النوعين، مع ما في ذلك من التلاعب بنصوص الصفات كما لا يخفى. وهذا الإلحاد يقابل إلحاد المشركين الذي سبق أن تحدثنا عنه، لأن أولئك أعطوا آلهتهم أسماء الله وصفاته. وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها. وعطلوها، وكلهم ملحدون في أسمائه وصفاته وإن اختلفت الطرق وتباين نوع الإلحاد. علماً بأن الجهيمة وأشباههم من النفاة متفاوتون، فالجهمية أشد إلحاداً لأنهم ينفون الأسماء والصفات كما تقدم في غير موضع، وهم الذين نطلق عليهم أحياناً (الغلاة) وقد تقدم الكلام على غيرهم من

стр. 325

النفاة آنفاً. وهم أولئك الذين ينفون الصفات، ويدّعون إثبات الأسماء. وهو إثبات لا قيمة له، لأن الأسماء عندهم لا تدل على معانيها، بل هي كالأعلام الجامدة، وكذلك الذين يفرقون بين ما جمع الله في كتابه أو فيما أوحى به إلى نبيه حيث يثبتون بعض الصفات ويؤولون يعضها تأويلاً قد يؤدي إلى نفي حقيقة صفة من صفات الله. فهؤلاء ينالهم نصيبهم من الإلحاد وإن لم يبلغوا مبلغ الذين قبلهم من النفاة. خامسها: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو يقابل إلحاد المعطلة الذي تحدثنا عنه آنفاً: فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم الطرق، -كما يقول الإمام ابن القيم١- وهو أمر واضح فلا تتم السلامة من الإلحاد٢ إلا لمن نهج منهج السلف وعلماء الحديث بأن يصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، أو بما وصفه به نبيه ﷺ ، لا يعطل ولا يشبه بل هو وسط بين الفريقين، فهذه الوسطية تعتبر صفة لازمة لمن ينهجون منهج السلف ليس في هذا الباب فحسب، بل في جميع الأبواب التي تتفرق فيها الفرق -وهم بين التفريط والإفراط- مثل نصوص الوعد والوعيد، وأفعال العباد وموقفهم من الصحابة ﵃. ولهذا كله يعتبر منهج السلف الصالح سفينة نوح ﵇ التي لا تُكْتَبُ النجاة والسلامة إلا لركابها، وأما من تخلف عنها فله الغَرَقُ والهلاك ولا محالة.

стр. 326

الباب السادس: الحديث عن خلاصة المقارنة بين موقف السلف والخلف من معاني الصفات وبعد: سبق أن أجرينا مقارنة واسعة بين موقف السلف والخلف من العقيدة في موضعين اثنين. ١- عند الكلام على منهج السلف الذي اعتبرناه منهج الرسالة في أوائل المدخل في المبحث الخامس. ٢- عند الكلام على معاني بعض الصفات الخبرية في آخر الفصل الثالث من الباب الثاني. ب - وخلاصة ذلك: أن السلف كانوا يحرصون كل الحرص على عدم التكلف بالتأويل والتحريف وعلى عدم التورط في التشبيه بل يكتفون بفهم المعاني العامة للنصوص، تلك المعاني التي تفهم من وضع الكلمة، وأما الخلف فقد تكلفوا التأويل وقالوا على الله بغير علم مع تفاوتهم في ذلك، وأحب أن أوضح هنا - تأكيداً لما ذكرت هناك- أن السلف يفهمون معاني الصفات العامة ويفوضون الكيفية فقط، فليسوا بالمؤولين المحرفين وليسوا بالمشبهين المجسمين ولا بالمفوضين الجاهلين. ولا الواقفين الحائرين، بل هم أصحاب فهم صحيح وفقه دقيق١، إذ هم وسط بين هذه النحل المختلفة. ومنهجهم لبن خالص يخرج من بين فرث التشبيه ودم التعطيل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ومن أراد أن يعرف منهجهم وموقفهم من العقيدة على حقيقته

стр. 327

فليطلع على أقوال أهل الحديث وأعيان فقهاء الأمة من الأئمة الأربعة ومن في طبقتهم أو بعدهم من أولئك الذين نهجوا نهجهم، لأنهم خير من يرجع إليهم لمعرفة هذا الباب الخطير على حقيقته. وأكرر هنا -كما ذكرت سابقاً غير مرة - تلك العبارة المنقولة - في صفة الاستواء. عن أم سلمة ﵂ وعن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك ﵀، واشتهرت أخيراً عن الإمام مالك ﵀: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه الكيفية بدعة"١. وقد أطبق علماء أهل السنة قديماً وحديثاً على هذا المعنى. وقولهم المأثور: "أمرّوها كما جاءت بلا كيف"٢ في نصوص الصفات يؤدي هذا المعنى نفسه. وهل يقول: "الاستواء معلوم" من لا يفهم معنى (استوى) لغةً؟ وهل يقول: "تمر كما جاءت بلا كيف" من لا يعرف معاني النصوص؟! الجواب (لا) بالتأكيد ودون توقف. وإن الذي لا يفهم المعنى إنما ينبغي له أن يقول الاستواء غير معلوم أو اقرأوا الألفاظ وأمرّوها دون محاولة فهم معانيها لأنها غير مفهومة لنا أو يقول: الله أعلم بمعانيها ونحن لا نعلم أو عبارة كهذه. وقد غلط في هذه النقطة بعض الذين كتبوا عن عقيدة السلف دون دراسة سابقة، بل بالمطالعات العابرة أو بالسماع والتقليد فأساءوا فهم عقيدة السلف، ثم أساءوا إلى منهجهم بل اتهموا - جهلاً منهم- كثيراً من أتباع السلف بالتشبيه والتجسيم بناء على تصورهم الخاطئ، حيث ظنوا أن مذهب السلف هو التفويض المحض، بل قد صرح بعض المتأخرين منهم بأن السلف لا يفهمون معاني نصوص الصفات، والعجب كل العجب أنهم

стр. 328

يطلقون هذا التصريح في معرض المدح للسلف ومذهبهم - يا سبحانه الله - متى صار الوصف بالجهل لمن تحبه وتقدّره مدحاً وتقديراً؟! فبئس ما يصفون! تكلم غير واحد من المعاصرين الذين تأثروا بفلسفة اليونان وبالاستشراق الجديد في مسألة فهم السلف لنصوص الصفات فنفوا عنهم الفهم فجعلوهم بمثابة الأمي الذي يقرأ ألفاظ القرآن دون فهم أو فقه. ولعل آخر من كتب في هذا المعنى -فيما أعلم- الدكتور محمد عبد الستار أحمد نصار في كتابه الذي سماه (المدرسة السلفية) تحدث الدكتور في هذا الكتاب عن السلف الذين نزل فيهم القرآن (الصحابة) حديثاً في غاية الغرابة. ومما قاله عنهم - بعد حديث طويل سابق-: "فإذا أضفنا إلى ما ذكرنا ما في طبيعة الدين الإسلامي من الدعوة العالمية، وما استتبع ذلك من سل حسام الحق ليفتح المتدينون به البلاد بجانب كلمة الحق التي يحملونها ليفتحوا بها مغاليق القلوب، وأن ذلك لم يترك لديهم من الفراغ ما يجلسون فيه إلى القرآن (جلسة) الدارس الممحص لتبين لنا لماذا (لم يختلف المسلمون) في صدر الإسلام حول مسائل العقيدة؟ "١. ولعلنا نلمح من خلال هذا العرض الفرق الواضح بين الإيمان والمعرفة. أما الأول فمحله القلب. وأما الثانية فمحلها العقل. ومن ثم نستطيع أن نقرر أن المتدينين في الصدر الأول (الصحابة) قد فقهوا النص الديني وخاصة ما يتعلق منه بأمور العقيدة بقلوبهم، قبل (إدراكه) بمقاييس ١ يا ترى هل الذي منعهم من التفرق والاختلاف هو عدم فهمهم لنصوص الصفات، لأنهم لم يدرسوا القرآن دراسة فاحصة -كما يرى الدكتور نصار- أو أن الذي حفظ عليهم وحدتهم هو الاعتصام بحبل الله جميعاً لأنهم لم تفرقهم الأهواء والإعراض عن كتاب الله، وما جاء به رسول الله ﷺ ؟!!

стр. 329

العقل، كالذي عرف فيما بعد لدى فرق المتكلمين، وتخريجهم نصوص العقيدة على مقتضى ما وضعوه من مقدمات عقلية١اهـ. هكذا يتصور الدكتور نصار حقيقة الصحابة جهل وعدم إدراك للأمور العقيدية. إلا أنه بادر لينفي هذا المفهوم - ولكنه لم يستطع - حيث يقول: وليس في هذا الكلام نسبة المتدينين إلى التجهيل -كما فهم ابن تيمية حيث ذهب إلى أن القول بأن السلف لم يفهموا معنى المتشابه نسبه لهم إلى الجهل. وقد فاته أن الجهل معناه أن ينفي عنهم علم شيء في مقدورهم أن يعلموه، وحيث بان لنا الفرق واضحاً بين الإيمان والمعرفة فليس في كلامه ما يمت إلى الحقيقة بصلة٢. ثم أخذ يستدل بكلام (جوستاف لوبون) على حد تعبيره- أحد المستشرقين فقال: إن المستشرق أبان عن حقيقة الفرق بين مصدر المعتقد، ومصدر المعرفة فقال المستشرق: إن مصدر المعتقد هو إيمان ناشئ عن مصدر (لا شعوري) يكره الإنسان على تصديق فكر أو رأي أو مذهب، إلى آخر كلام طويل كله من هذا النوع (النادر) . فلسفة مقدسة واستشراق معظم. وتنقص للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وممن صرح بأن السلف لا يفهمون معاني أخبار النصوص، الدكتور عوض الله حجازي في كتابه (ابن القيم وموقفه من التكفير الإسلامي) حيث قال في صفحة (٧١) من الكتاب المذكور: إن السلف كانوا لا يفهمون معاني هذه الأخبار: ١- بدليل أنهم كانوا يثبتون لله تعالى ألفاظ الوجه واليد والعين

стр. 330

بالمعنى الذي يعلمه ويريده، لا بالمعنى المتبادر من هذه الألفاظ. ٢- وبدليل أنهم لم يصل عنهم أنهم عينوا معاني هذه الألفاظ، ولو عينوها لنقل إلينا. ٣- وأخيراً لأنهم أوجبوا الوقوف على قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ ١اهـ. هذا كلام غير محرر وصاحبه بحاجة ليعيد النظر في مذهب السلف ليفهمه جيداً. فبناء على هذا التصور الخاطئ يردد بعض السذج العبارة التقليدية الموروثة: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"٢، ولست أدري من أول من قال هذه العبارة؟ وما الدافع إليها وما القصد منها؟! وهي عبارة غير محررة علمياً، لأنه ليس بمعقول علمياً ولا بمستساغ عقلاً أن تتوافر السلامة بكثرة في الجانب الذي يكون فيه العلم ناقصاً، ومقدار الجهل مرتفعاً، أخذاً من مفهوم العبارة بينما يتوافر العلم والحكمة في الجانب الذي ليست السلامة فيه بالمستوى المطلوب، بل دون ذلك فليعُد النظر في العبارة أصحابها لعل الله يفتح عليهم ويلهمهم الرشد من جديد. وإنما الوضع السليم أن تتوافر السلامة حيث يوجد العلم والحكمة، لأن السلامة أثر من آثار العلم والحكمة، فحيث لا يوجد العلم لا توجد

стр. 331

السلامة، بل إذا ضعف العلم ضعفت السلامة ولا محالة، وهنا يحق لي أن أدعو أولئك المخدوعين الذين يرددون تلك العبارة أدعوهم لدراسة تراث السلف في المطالب الإلهية والمسائل الشرعية في الأصول والفروع ليدركوا مكانتهم العلمية وليستنيروا بنور علمهم وفقههم، حتى يتمكنوا من الخروج مما تورطوا فيه من تصويب مذهب الخلف وتفضيله وتجهيل علماء السلف وتنقيصهم بجعلهم بمثابة الأميين الذين يقرأون الكتاب ولا يفهمون معاني آياته، فهؤلاء المقلدون يعيشون في ظلام ليل ضرير، فهم لا يبصرون شيئاً ولكنهم يسمعون الصوت فيتبعونه لكن فيم يتبعون؟! أفي الصواب أم في الخطأ؟ وماذا يعني هذا القول؟ كل هذا ما لا يعرفونه. بل سمعوا فاتبعوا وقال من قبلهم قولاً فقالوا كما قالوا!! وإلا فكيف يسوغ لعاقل يدري ما يقول أن يعتقد أن المتخلفين أفقه من المتقدمين الذين عاش بعضهم عصر الوحي؟ وأن مجموعة أرسطو وتلامذتهم أعلم وطريقتهم أحكم من طريقة أولئك السادة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﵊، وتتلمذوا عليه وأخذوا العقيدة بل الدين كله منه مباشرة، فور نزوله من السماء، ثم بلغوه لمن بعدهم كما فهموا فبلغ التابعون لتابعيهم، وهكذا يبلغ السابق اللاحق إلى العهد العباسي، وقد كانوا كلهم في تلك العهود السابقة على عقيدتهم الوحيدة، ولا يعرفون معنى للخلاف في العقيدة كما تقدم في غير موضع من الرسالة.

стр. 332

الباب السابع: آثار الصفات الإلهية في النفس البشرية والكون إذا كنا قد تحدثنا عن العلاقة بين الصفات والذات وبيّنّا ما بينهما من التلازم، ثم استعرضنا طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني، ثم تحدثنا عن حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وأن ذلك قد يؤدي إلى الكفر أحياناً وعرفنا أخيراً موقف كل من السلف والخلف من معاني صفات الله تعالى وأسمائه. بقي أن نعرف ما آثار تلك الصفات في هذا الكون عامة وفي النفس البشرية خاصة. لذا نقول: الصفات وآثارها في النفس البشرية والكون: إن الله تعالى خالق كل شيء، ومدبر هذا الكون وحده، وهو المنعم المتفضل. فهذه المعاني تكمن في أسمائه الحسنى وصفاته العلى. فلا بد من ظهور آثار أسمائه وصفاته في هذه الحياة في النفس البشرية بل وفي الكون كله، إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توفيق الله تعالى. ولو أجال الإنسان فكره في هذا الكون الفسيح، بل لو فكر في نفسه جيداً وراجع ماضيه وأطوار حياته، ثم فكر فيما حوله لرجع من هذه الجولة بعجائب، واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها، وكما قلت إنما يتوقف الأمر على توفيق الله اللطيف الودود بل إن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي سوف تكون حجر الزاوية في بحثنا في هذه النقطة. ولبيان ما أشرنا إليه نجعل منطلقنا الآية الكريمة ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ

стр. 333

رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ١، فحكمته تعالى تأبى أن خلق الخلق عبثاً، ويتركهم سداً، ويسلمهم للفوضى، لا أمر ولا نهي، ولا تدبير ولا تعليم ولا توجيه. بل موجب حكمته تعالى أن يكونوا على عكس ما ذكر كما هو الواقع، خلقهم فدبر أمرهم من السماء إلى الأرض، فبعث إليهم من يقوم بتعليمهم وتوجيههم إلى ما فيه صلاحهم ويعرفهم بربهم وخالقهم ويعرفهم بحقه عليهم، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ولا يتخذوا من دونه نداً وهو خلقهم كما يعرفهم حقهم على ربهم وخالقهم المتفضل عليهم بأن يجعل لهم حقاً على نفسه لطفاً وتفضلاً وإحساناً لأن من أسمائه الرحمن الرحيم، وهو لطيف بعباده، وهو بالمؤمنين رحيم رحمة خاصة، علما بأن رحمته العامة وسعت كل شيء. وقد وسع عباده رحمة وعلماً، وقد بعث إليهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آيته ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. هنا لطيفة أود التنبيه عليها، وهي أن الله وصف نبيه الكريم ورسوله الأمين محمداً ﷺ بالرحمة حيث يقول : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢، ما ألطف المقام! لأن الله الذي أرسل رسوله إلى عباده هو الرحمن الرحيم، ومن آثار رحمته أن أرسل هذا الرسول إليهم وهو من أنفسهم، ليس بجني ولا ملك لكيلا يستوحشوا منه - والله أعلم- ثم وصف هذا الرسول بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. فجعْلُ نبيه بهذه المثابة ووصفه بهذه الصفات أَثَرٌ من آثار رحمته الكثيرة التي لا ينبغي التفكير في حصرها والإحاطة بها لأنها -كما قلنا بلغت حيث بلغ علمه، وهو بكل شيء عليم، هذه النقطة من بحر آثار رحمته سبحانه ومن أسمائه (الملك) ومن مُوجب صفة الملك أن يتصرف في مملكته

стр. 334

ويفعل، بل هو فعال لما يريد، وتأبى هذا الصفة أن يكون معطلاً عن الفعل، لأن الفعل كمال وعدم الفعل نقص، وما نشاهده في هذا الكون من إحياء وإماتة وعطاء ومنع ومن إعزاز وإذلال ورفع وخفض وغيرها من تلك الأفعال التي لا تنقطع (ثانية) من الزمن التي هي بعضٌ وبعضٌ يسير جداً من آثار صفة الملك وغيرها من بعض الصفات مثل صفة الحياة والإرادة والقدرة. يحدثنا الإمام ابن القيم في هذه النقطة المهمة حيث يقول ﵀: والأسماء الحسنى والصفات العلى، مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها آثارها من الخلق والتكوين. فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها. إلى أن قال: فعِلْم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع، والخلق والرزق الإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً. ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً١ اهـ. وهذه الإشارة اللطيفة من الإمام ابن القيم تثير الانتباه إلى أن من آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر التوكل على الله والاعتماد عليه وحفظ جوارحه وخطرات قلبه وضبط هواجسه حتى لا يفكر إلا في مرضاته يرضى لله ويحب لله وفي الله، به يسمع وبه يبصر ومع ذلك هو واسع الرجاء وحسن الظن بربه وهما أثران من آثار معرفته لجوده وكرمه وبره وإحسانه، وإنه عفو يحب العفو وإنه واسع الرحمة. هذه المعاني وما في معناها تثمر له العبودية الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 335

هكذا ترجع العبودية كلها إلى مُوجب أسمائه وصفاته، بل وترتبط بها جميع شئون الخلق، ومن أسمائه تعالى الغفار، التواب، العفو، فلا بد لهذه الأسماء من موجبات ومتعلقات. الغفار هو الذي يغفر الذنوب، والعفو هو الذي يعفو يصفح عن الهفوات والخطايا ويمحوها، التواب هو الذي يقبل التوبة عن عباده بل ويفرح بها، وذلك يعني أنه لا بد من وقوع أخطاء ومخالفات أو جرائم يعفو عنها الرب العفو سبحانه، ولا بد من ذنوب وجناية تغفر، فالرب تعالى عفو يحب العفو ويحب المغفرة والسماح فبينما العبد يتقرب إليه بعبودية امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ويجتهد في الطاعات إذ يجد نفسه قد زل وانزلق. فيبادر إلى عبودية التوبة والاعتراف والإقرار والندم والبكاء على ما جنى، يطلب العفو والغفران متبرأ من حوله وقوته ومعترفاً بعجزه وضعفه ومسكنته، وهي من أحب أنواع العبودية كما تقدم، يدل على ذلك فرح الله العظيم تلطفاً بهذا المسكين الذي لولاه سبحانه لم يكن له خلاص مما وقع فيه. هكذا يظهر جلياً آثار أسمائه العفو الغفار التواب الحليم اللطيف، وأن الذي تقتضيه حكمته سبحانه أنه يقدر الأرزاق والآجال وغيرها لحكمة يعلمها ولا يعلمها غيره، لأنه لا يفعل ما يفعل ولا يقدر إلا لحكمة، وكذلك تقدير الذنوب والمعاصي. إنما يقدرها ويبتلي بها عباده لحكمة خفية ولطيفة. ولعل من الحكم في تقديرها - والله أعلم- حبه تعالى لعبودية التوبة والإنابة، والقضاء على داء الإعجاب والكبر والأنانية ليعرف العبد قدر نفسه وأنه ليس بشيء إلا بالله وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، ولو لم يحفظه لهلك في يد عدوه (الشيطان) وإن لم تدركه رحمة ربه لبقي أسيراً في قبضة عدوه، ولكن الله اللطيف الغفار هو الذي ينقذه ويخلصه من الأسر إذا قرع بابه

стр. 336

في مسكنة وذل وعجز وهو يجأر إليه ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ،" اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". ومن هنا يأتيه ذلك الإسعاف - وهو يكاد أن ييأس- " لله أشد فرحاً بتوبة عبده" الحديث، ومثول العبد في هذا الموقف يقضي -كما قلت- على داء خطير وهو داء العجب والغرور، وخير ما يشهد لما ذكرنا حديث أنس بن مالك عند القضاعي يرفعه: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك، العُجب العُجب" ١ اهـ. وقال بعد أهل العلم: إنما كان العجب أشد، لأن المعاصي معترف بنقصه، فترجى له التوبة، والمُعْجَب مغرور بعمله فتوبته بعيدة. وقد وردت في هذا المعنى عدة أحاديث من عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين منها: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ الذي يقول عندما حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ : سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقاً يذنبون ويغفر لهم". ومنها رواية لأبي أيوب نفسه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم". ومنها حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم" ٢.

стр. 337

ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄: "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ويغفر لهم" ١. عند القضاعي، رفعه العجلوني في كشف الخفاء. وهذه الأحاديث يفهم منها مكانة (عبودية التوبة) والإنابة والرجوع إلى الله من وقت لآخر، وعدم الاعتماد على الأعمال لئلا يهلكه الغرور وربما أدى ذلك إلى نسيان ربه وولي نعمته سبحانه إذ يرى نفسه كل شيء. ولمكانة هذه العبودية (عبودية التوبة) ولزوم الاستغفار، ولكونها محبوبة إلى الله تعالى، وفيها تكمن مصالح العباد لذلك كله يبتليهم ربهم بأسبابها "وقد جعل الله لكل شيء سبباً" حكمة منه وكأنه ﵊ يقول: لو لم تتوافر فيكم أسباب عبودية التوبة لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين تتوافر فيهم تلك الأسباب ليتقربوا إلى الله بالتوبة ولزوم الاستغفار، ولكن الله لطف بكم فجعلكم أنتم الذين تتمتعون بهذه العبودية، تذنبون ولا محالة، فإذا أذنبتم فلا ملجأ لكم إلا إلى الله تفرون منه إليه، وتستغفرونه وتجأرون إليه وحده فيتوب الله على من شاء منكم. هذا ملخص معنى الحديث - والعلم عند الله - هكذا أراد الله لعباده التوابين أن يعيشوا في آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، تفضلاً منه وإحساناً وهو الغفور الشكور. قال الإمام ابن القيم: ومن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات، والأفعال، إلى أن قال: فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة. ثم واصل كلامه وهو يقول: إن كل اسم له تعبدٌ يختصّ به علماً ومعرفة وحالاً.

стр. 338

وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) و (الرحيم) أو يحجبه التعبد باسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسمه الرحيم، العفو الغفور عن عبودية اسمه المنتقم الجبار مثلاً إلى أن قال: هذه طريقة الكمل من السائرين١ ا. هـ ولعل الإمام ابن القيم يريد أن يأخذ هذه المعاني التي فصلها، من قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ، بعد أن يتوسع في مفهوم الدعاء ليشمل دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، لأن الله تعالى يدعو عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله ليعبدوه في ضوء تلك المعرفة ويثنوا عليه سبحانه، فَعلْم العبد بأن ربه معه يراه ويرى مكانه ويسمع كلامه ويعلم منه كل شيء جليله ودقيقه، وأنه هو الذي يحركه إذا شاء فيوقفه ليعبده ويدعوه، ثم هو الذي يجيب دعوته تفضلاً منه ويعطيه سؤاله. إن إدراك العبد لهذه المعاني يورثه الحياء من الله والخجل عندما تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بنوع من المخالفة. كما يورثه في الوقت نفسه الرغبة في التوبة والإنابة والرجوع كلما أصابته (عثرة أو كبوة) في سيره إلى الله سبحانه. ولا ييأس من رحمته، هذه بعض آثار إيمانه بأن الله معه، وأنه قريب منه في كل لحظة. وهذه الآثار جميعها تنقله إلى عبودية (المحبة) فيحب الله حق المحبة، ويُؤثر محبته على محبة كل محبوب، فيقدم طاعته على طاعة كل مطاع، ويتفانى في عبادته، ويجد فيها الراحة كلها "أرحنا بها يا بلال" ويحس بالوحشة إذا

стр. 339

ضعفت هذه (الطاقة) ويصبح قلقاً (خبيث النفس) ولا يهدأ له بال حتى يستجير بالله وحده لينقذه فيجيره ربه، وهو اللطيف بعباده -فتعود له تلك المعاني والعبودية التي فقدها. فهذه نفسها عبودية أخرى، وهي عبودية (الجهاد للنفس) فهو دائماً في هذا الصراع وفي هذا الجهاد من وقت لآخر، وربك عليم حليم لا يقع شيء مما ذكرنا وما لم نذكره إلا بعلمه وتقديره، وحكمة منه سبحانه. فآثار إيمان العبد بأسماء الله وصفاته، وفي مقدمة ذلك آثار إيمانه بمحبته وقربه، وآثار محبة العبد لربه ومولاه محبة صادقة فلا بد أن تترجم كلها إلى حسن عبادته والحرص على طاعته واتباع هدي نبيه محمد ﷺ والتفاني في الخدمة طالباً رضاه سبحانه. وبعد فهذا المقام مقام يصعب على المرء العادي أن يخوض فيه، وهو فوق طاقته، فلندع الميدان لفرسانه، فلنمسك القلم عن الخوض فيما هو عاجز عنه. إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... فجاوزه إلى ما تستطيع فنعود لابن القيم حيث يقول: وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته فهو (عليم) يحب العلم ويحب كل عليم، جواد يحب كل جواد، وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عفو يحب العفو وأهله، ثم قال: فلمحبته للتوبة والمغفرة والعفو والصفح خلق من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه، والمبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له، والمَرضيّ عنه. ثم ذكر أن الأسباب مع مسبباتها أربعة أنواع: النوع الأول: سبب محبوب يفضي إلى أمر محبوب لله.

стр. 340

النوع الثاني: سبب مكروه يفضي إلى أمر محبوب له سبحانه، وذكر أن هذين النوعين عليهما تدور أقضيته تعالى وأقدراه بالنسبة إلى ما يحبه ويكرهه. وأما النوع الثالث: فمكروه يفضي إلى مكروه. النوع الرابع: محبوب يفضي إلى مكروه وهما ممتنعان في حق الله سبحانه، وذلك لأن الغايات المطلوبة من قضائه تعالى وقدره الذي لم يخلق ما خلق ولم يقض ما قضى إلا لأجله لا تكون إلا محبوبة للرب تعالى مرضية له سبحانه. وأما الأسباب الموصلة إليها فمنقسمة إلى محبوب له، ومكروه له. فالطاعات والتوحيد أسباب محبوبة له موصلة إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضاً. والشرك والمعاصي أسباب مسخوطة موصلة إلى العدل المحبوب له، كذلك هكذا يتضح أن مدار القضاء والقدر وما يترتب عليهما إنما هو على أسماء الله وصفاته بصرف النظر عن نوع المقضي والمُقدّر. فكل ذلك من الله ومن آثار أسمائه وصفاته. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والشأن كل الشأن في فقه ذلك: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" ١. وبعد، فلو قيل إن معنى قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة" هو إدراك آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى إدراك آثارها في الكون بما يقضيه الله ويقدره وفي النفس البشرية والتصرفات الإنسانية اليومية وغيرها ثم التزام التعبد بآثار كل اسم دون أن يحجبه التعبد

стр. 341

بآثار اسم معين عن التعبد بآثار أسمائه الأخرى، لو قيل: إن هذا من معاني الحديث لما كان هذا القول بعيداً فيما يبدو لي. ولو كنت أعلم أن لي سلفاً في هذا المعنى لاخترته وأيدته. وإن كان تحقيقه صعباً، ولكنه يسير على من يسره الله عليه. فالجنة سلعة غالية فثمنها ليس في متناول كل أحد. "حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات ".

стр. 342

الخاتمة وبعد أن أتممت عملي بتوفيق من الله وعونه -في هذه الرسالة- أرى تذييلها بخاتمة للبحث مرتبة حسب ما وردت في أبواب الرسالة وفصولها ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة، فأقول وبالله التوفيق: أولاً: المدخل: وقد بحثت في هذا المدخل نقاطاً كثيرة. منها: تعريف السنة لغة مع ذكر الشواهد اللغوية توضح المعنى المراد، ثم عرفتها في الاصطلاح وأوردت اصطلاح الفقهاء مع الأمثلة. واصطلاح المحدثين كذلك، وذكرت أنها قد تأتي في مقابل البدعة، وذلك كقولهم: فلان على السنة إذا كان عمله وتصرفاته الدينية وفق ما جاء به النبي ﷺ كما يقال: فلان على خلاف السنة أو مخالف للسنة إذا كان مبتدعاً. ثم تحدثت في آخر هذه النقطة عن الفرق بين السنة والقرآن وبينت أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، متعبد بتلاوته ولا تصح الصلاة إلا به، بخلاف السنة فإنها، إنما تنسب إلى الله من حيث المعنى فقط، وأما لفظها فمن عند رسول الله ﷺ ، ولا تقرأ تعبداً ولا تصح بها الصلاة وأما من حيث ثبوت الأحكام والعقيدة بها فهي كالقرآن من هذه الحيثية ولا فرق بينهما. وأما الحديث القدسي فهو يوافق القرآن في أنه من عند الله لفظاً ومعنى، مع ملاحظة الخلاف، ويوافق الحديث النبوي في أنه لا يتعبد بتلاوته ولا تصح الصلاة به. وأما المبحث الثاني: فقد أثبتُّ فيه حجية القرآن والسنة في باب

стр. 343

العقيدة، بل أوضحت أنهما هما المصدران الأساسيان لكل بحث في العقيدة لكونهما وحيين من الله تعالى بصرف النظر عن الفوارق التي ذكرناها آنفاً. ثم انتقلت إلى المبحث الثالث فتحدثت فيه عن مدى حجية أخبار الآحاد في باب العقيدة، فأثبت أنه لا فرق عند التحقيق بين المتواتر والآحاد في إثبات الصفات، لأن المدار على صحة الحديث وثبوته عن رسول الله ﵊، وأثبت بعد مناقشة طويلة أنه لا يوجد ما يثبت أن للعقيدة فئةًَ معينة من الأدلة غير الفئات التي يستشهد بها في الأحكام وأن التفريق بين الآحاد والمتواتر من حيث الاستدلال بهما عمل لا مستند له، وأن القائلين بهذا القول ليس لهم سلف، وقد قسمت الأحاديث إلى أربعة أقسام: أحدها: المتواتر لفظاً ومعنى. وثانيها: المتواتر معنىً لا لفظاً. وثالثها: الأخبار المستفيضة المتلقاة بالقبول لدى الأمة. رابعها: أخبار آحاد مروية بنقل رواة عدول ضابطين من أول السند إلى آخره، ثم تحدثت عن كل قسم. من حيث الاستدلال به في باب العقيدة، وأثبت الاستدلال حتى بالقسمين الأخيرين استناداً إلى عمل المسلمين في الصدر الأول وما يليه، وذكرت أمثلة حيّة لذلك، في العصور السابقة وسقت عدة أحاديث للاستشهاد بها فيما ذهبت إليه، ونوهت أن ما ذهبت إليه هو ما عليه المحققون من الأئمة الذين لهم وزنهم عند أهل العلم. وأما المبحث الرابع: فقد تحدثت فيه بإسهاب عن بدعة الزاعمين الاكتفاء بالقرآن وإهمال السنة ووصفت هؤلاء بالجهل أو التجاهل حيث يكابرون الواقع الذي يعلن عن نفسه بأن السنة تفسير للقرآن، وأن القرآن نفسه يدعو إلى الأخذ بالسنة والعمل بها إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ وبينت أن الأمر بأخذ ما جاء به

стр. 344

الرسول يشمل كل ما صحت به السنة المطهرة من الأحكام وإثبات صفات الله وإثبات المعاد وغير ذلك، وَرَدَ في القرآن أو لم يَرِدْ، لأن ذلك من مقتضى الإيمان بالرسول ورسالته. وذكرت أن هؤلاء القرآنيين الجدد ليس لهم سلف فيما ذهبوا إليه إلاّ غلاة الرافضة والزنادقة، بل أوضحت أن غلاة هؤلاء الروافض الذين هم سلف القرآنيين الجدد اتهموا من شدة وقاحتهم جبريل ﵇ بعدم العصمة حيث زعموا أنه أخطأ فنزل بالوحي على محمد ﵊، بينما كان الواجب أن ينزل بالوحي على علي بن أبي طالب ﵁، وذكرت هنا ما يلزمهم من هذا الزعم من لوازم كفرية لا يستطيعون الفكاك منها عقلاً وشرعاً. ثم ذكرت ضعف الحديث الذي استدلوا به على ما زعموا، وبينت - بناء على ما ذكره علماء الحديث- أنه حديث هالك لا تقوم له قائمة، وتقدم تخريجه. ونقلت كلام الإمام الشافعي الذي قسم فيه السنة إلى ثلاثة أقسام: ومن الأقسام الثلاثة، ما سن الرسول ﷺ مما ليس فيه نص الكتاب إلى آخر الحوار الطويل بين أهل السنة وعلماء الحديث وبين دعاة الاكتفاء بالقرآن. وأضحت في نهاية المطاف في هذا المبحث أن الكفر بالسنة يلزم منه الكفر بالقرآن ولا محالة. وأما المبحث الخامس: فقد تحدثت عن منهج السلف في إثبات صفات الله وأسمائه، أولاً: عرفت من هم السلف، وبينت بداية اشتهار هذا اللقب وسببه وهو ظهور النزاع في أصول الدين بين الفرق الكلامية ومحاولة الجميع الانتساب إلى السلف الصالح، ثم تحدثت عن قواعد وأسس للاتجاه

стр. 345

السلفي التي بها يعرف المنهج، حتى لا يختلط الأمر على الذين يريدون الاقتداء بهم في كل زمان. القاعدة الأولى: تقديم النقل على العقل. وقد تحدثت في هذه القاعدة بإسهاب. القاعدة الثانية: رفض التأويل في باب الأسماء والصفات خشية القول على الله بغير علم، لأن المعنى المؤول إليه ظني غير يقيني، وناقشت هنا مشكلة معارضة العقل للنقل وأثبت أن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح، وقد كررت هذه القاعدة في غير موضع بالمناسبات لأهميتها. أما القاعدة الثالثة: فهي عدم التفريق بين الكتاب والسنة بل السنة هي التفسير والتفصيل للكتاب فيما أجمل فيه من أحكام، وقد أوضحت في هذه النقطة أن السلف يعملون بما تنفرد به السنة أحكاماً وعقيدة بعد التثبت من صحتها، ثم أوردت من أقوال بعض علماء التابعين وتابعي التابعين ما يشهد لما ذهبت إليه وفي آخر هذه النقطة ذكرت ما نقله البيهقي عن الإمام الشافعي في حكمه على أهل الكلام المخالفين لمنهج السلف حيث يقول: حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويضربوا بالجريد، ويقال: هذا جزاء من ترك كتاب الله واتبع علم الكلام، وللإمام مالك كلام يشبه كلام الشافعي رحمهما الله. أما المبحث السادس: فقد تحدثنا فيه عن مفهوم الذات والصفات عند علماء الحديث والسنة وذكرنا فيه بأن علماء الحديث والسنة يؤمنون بذاته الموصوفة بجميع الكمالات، وأنه لا حد لكمالاته، فكمالاته لا تعد ولا تحصى كما قال رسول الله ﵊: " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "، وليس الأمر كما زعمت المعتزلة أن اتصافه تعالى بالصفات

стр. 346

يتنافى والتوحيد وأوضحت أنه زعم فاسد عقلاً وشرعاً، ومما أوضحت في هذه النقطة أن علم حقيقة ذاته تعالى وكيفيتها أمر لا سبيل إليه لأيّ مخلوق إذ ليس من الجائز ولا من الممكن أن يحيط المخلوق بالخالق ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . ثم أوردت مناقشة جرت حول لفظة (ذات) بين أهل العلم وخلاصتها: أن إطلاق لفظة (الذات) في حق الله تعالى وارد في السنة الصحيحة استدلالاً بقصة إبراهيم الخليل ﵊: "ثلاث كذبات كلهن في ذات الله"، وقصة (خبيب) ﵁ حيث يقول: (وذلك في ذات الإله) إلى آخر الأبيات. ثم تحدثت في الفصل الأول في هذا المبحث عن معنى الإلهية، وبينت فيه أن (إله) فعال بمعنى مفعول مثل كتاب بمعنى مكتوب، وإمام بمعنى مؤتم به، فيكون معناه (معبود) وناقشت هذه اللفظة مناقشة لغوية مستفيضة. وخلاصتها أن إله والآلهة يطلقان على كل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادة ولو كان المعبود من الجمادات. وأما لفظ الجلالة (الله) فلا ينطلق إلا على المعبود بالحق، وهو خالق السموات والأرض. أما في الفصل الثاني: فقد تناولت فيه معنى الصفة لغة واصطلاحاً، وذكرت أن الصفة والنعت مترادفان مع الإشارة إلى الخلاف القائم في المسألة، وربما رأى بعضهم أن الصفة أعم من النعت، لأنها تنطلق على الصفات الذاتية الثابتة وعلى الصفات متجددة معاً، وأما النعت فلا ينطلق إلا على الصفات المتجددة، هذا ما ذهب إليه ابن القيم ﵀.

стр. 347

وللصفة إطلاقات كثيرة في اللغة، وقد أوردت أكثرها في هذا الفصل، ثم ذكرت معنى الصفة في اصطلاح المتكلمين وهي حال وراء الذات أو ما قام بالذات من المعاني والنعوت. وهي صفات الجلال والكمال في حق الله تعالى، ثم بينت أن صفات الله تعالى توقيفية، فلا مجال فيها للاجتهاد والاستحسان، بل الواجب في هذا الباب الوقوف عند ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﵊. ثم ختمت هذه النقطة بالتنويه بأن الصفات كلها من باب واحد ذاتية كانت أو فعلية. وأما الفصل الثالث: ففيه بحث موجز عن الذات الإلهية في القرآن. وقد أوردت في هذا الفصل عديداً من الآيات القرآنية تتحدث عن الذات الإلهية، دون تصريح بلفظ (الذات) وكثيراً ما يصدر الحديث باسم (الله) فالله علم على الذات العلية، فسقت آيات كثيرة في هذا المعنى مثل قوله تعالى: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذا، وأوضحت في آخر هذا الفصل أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين كانوا يتلون القرآن الكريم ويسمعون أحاديث رسول الله ﵊ كثيراً ولكنهم لم يقفوا قط موقف التساؤل: هل الصفة غير الذات أو هما شيء واحد؟ هذا ما لا يخطر على بال أحد منهم. بل يعتبر هذا المبحث وأمثاله من مبتكرات علم الكلام. وأما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه الذات في السنة وبينت فيه أنه قد وردت عدة أحاديث فيها إطلاق لفظ (الذات) وإثباتها لله تعالى ثم سردت بعض تلك الأحاديث:

стр. 348

١- حديث قصة إبراهيم الذي تقدم. ٢- حديث قصة خبيب الأنصاري وتقدمت الإشارة إليه. ٣- حديث ابن عباس ﵄: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في الله" وفي معناه حديث أبي الدرداء، ثم ختمت تلك الأحاديث بقول حسان ﵁: إذ يقول: وإن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يجاهد في ذات الإله ويعدل وأما المبحث السابع: فقد تحدثت فيه عن مواقف خمسة من كبار الأئمة وسميتهم المدافعين عن منهج السلف وهم: ١- الإمام أحمد بن حنبل. ٢- الإمام البخاري. ٣- الإمام الدارمي. ٤- الإمام ابن تيمية. ٥- الإمام محمد بن عبد الوهاب. وقد أوضحت موقف كل واحد منهم من منهج السلف، وكيف دافعوا عنه واستشهدت على ذلك بما سجلوا في كتبهم مع الإشارة إلى أن هناك أئمة آخرين قاموا بما قام به هؤلاء الأئمة مع وجود الفوارق في ذلك. وقد تحدثت في هذا المبحث عن تاريخ بدء ظهور الجهمية، وذلك في المائة الثانية من الهجرة، ثم انتشرت في المائة الثالثة، كما تحدثت عمن تولى إذاعتها والدعاية لها والدفاع عنها، وذكرت في آخر هذا المبحث استنكار الأئمة المعروفين بالإمامة في الإسلام لموقف الجهمية، كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن الماجشون، والأوزاعي وغيرهم. المبحث الثامن: أما هذا المبحث فقد ناقشت فيه موقف كل من المعتزل والأشاعرة من نصوص الصفات بعد أن عرفت كلاً من المعتزلة والأشاعرة وبينت أسباب التسمية لكل من الطائفتين، ثم بينت أن الاعتزال يدور على أربع قواعد:

стр. 349

القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله تعالى ذاتية أو فعلية. القاعدة الثانية: القول في القدر بغير علم حتى نفوا علم الله للأشياء أزلاً وكذا التقدير السابق. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين. القاعدة الرابعة: الخوض فيما جرى بين الصحابة من الأمور الاجتهادية. ثم ذكرت أصولهم الخمسة المعروفة وعددتها أصلاً أصلاً نقلاً من مراجعهم. كما بينت خطأهم في مفهوم التنزيه حيث زعموا أن التنزيه هو نفي الصفات كلها وعدم وصف الله بأي صفة. وهنا ناقشتهم كثيراً في هذا الخطأ وبينت بُعدَهم عن النصوص. وأتبعت ذلك ببيان التنزيه عند السلف، وخلاصته أن ينفى عن الله ما لا يليق به من النقائص كالصاحبة والولد والوالد والشريك والمماثل له في صفاته وأسمائه وأفعاله، مع إثبات كمالاته جملة وتفصيلاً. ثم أجريت حواراً ومحاججة بين الباطنية والمعتزلة، وموضوع المحاججة تناقض المعتزلة في موقفهم من النصوص حيث يؤولون نصوص الصفات ولا يؤولون نصوص المعاد. وفي هذه النقطة حاججت الباطنية المعتزلة فحجتها. ثم تقدمت المعتزلة للأشاعرة بمحاججة مماثلة في تأويل الأشاعرة بعض الصفات دون بعضها فحجتهم المعتزلة (وكلّ كاسرٌ مكسُورٌ) . والمبحث التاسع: يشتمل على فصلين: الفصل الأول: في بيان

стр. 350

أسباب انتشار العقيدة الأشعرية واشتهارها في العالم على الرغم من رجوع الإمام أبي الحسن إلى طريقة السلف الصالح، وقد أوجزت تلك الأسباب فيما يلي: ١- كثرة الحق عندهم بالنسبة للباطل الكثير الذي عند غيرهم من طوائف أهل الكلام. ٢- استعمالهم الأدلة العقلية في مواجهة المعتزلة مما أكسبهم الشعبية. ٣- ضعف الآثار النبوية في تلك العصور لأن الآثار هي التي تبين للناس سبيل الحق حتى لا يقعوا في المشبهات والبدع. ٤- العجز والتقصير الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث حيث يروون أحياناً ما لا يعلمون صحته من الآثار والأحاديث. وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة عن حقائق الأمور إلى غير ذلك من الأسباب التي ذكر بعضها المقريزي في خططه المعروفة١. الفصل الثاني: في بيان موقف كبار شيوخ الأشاعرة من منهج السلف، وقد أثبت في هذا الفصل رجوع أولئك الأئمة إلى منهج السلف في آخر حياتهم بعد أن قضوا زمناً غير قصير في علم الكلام، وبعد رجوعهم أثنوا على مذهب السلف ثناءً عاطراً هو أهل له، ثم دعوا شيوخهم وزملاءهم إلى الرجوع إلى الحق الذي وجدوه في منهج السلف ومن هؤلاء الأئمة بل وفي مقدمتهم: أ- الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ الذي أثبت رجوعه فيما

стр. 351

سجله في كتابه (الإبانة) وأوردت أسماء عدد من العلماء ممن ذكروا رجوعه ﵀: ١- منهم ابن عساكر. ٢- ابن خلكان. ٣- الحافظ ابن كثير. ٤- الذهبي. وأخيراً محب الدين الخطيب الذي تحدث عن أطواره الثلاثة. أولاً: طور الاعتزال إذ كان إمام في الاعتزال. ثانياً: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأسلوب متوسط بين أساليبهم ومذهب السلف. ثالثاً: وأخيراً انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه فيه كتابه (الإبانة) في أصول الديانة وأمثاله، ومما ذكره محب الدين في رجوعه العبارة التالية: (وقد أراد أن يلقى الله وهو على ذلك) أي على المذهب السلفي. ب- الإمام الجويني (الأب) والد إمام الحرمين، وقد تحدثت عن رجوع هذا الإمام بإسهاب، ونقلت نقولاً متنوعة من رسالته التي ألفها بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وبينت في ترجمة هذا الإمام أنني لم أجد أحداً رجع عن علم الكلام إلى مذهب السلف رجوعاً كرجوعه وهو أصدقهم لهجة وأخلصهم نصحاً لمن خلّفهم بعده من شيوخه وأصدقائه، والرسالة المشار إليه لا تتجاوز (١٥) صفحة. وأوضحت أنها على قصرها حقق فيها الإمام مسائل العلو والاستواء وصفة الكلام تحقيقاً لم يسبق إليه - فيما أعلم- وهذا هو سر ثنائي عليها وعلى مؤلفها الإمام الجويني (الأب) . وقد أبرزت الجانب الذي ركز عليه الإمام في (رسالته) وهو إثبات صفة العلو والفوقية. ج- الجويني الابن: ترجمت لهذا الإمام وتحدثت عنه حديثاً أوضحت فيه ندمه في آخر حياته على خوضه في علم الكلام إلى أن رجع

стр. 352

إلى مذهب السلف، ومما يعبر عن رجوعه رسالته المعروفة باسم (النظامية) ، وأحب أن أثبت بعض عباراته التي وردت في النصيحة التي وجهها لأئمة الشافعية، حيث قال: (يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام، ولو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به) . د- الإمام الغزالي: وقد ترجمت لهذا الإمام ترجمة موجزة لأثبت من خلالها رجوعه إلى مذاهب السلف وتحذيره من الخوض في علم الكلام - وأصرح كلام قاله الإمام في هذا الصدد قوله في عنوان كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام) ، وقد أشاد الغزالي في هذا الكتاب بمذهب السلف وتحدث عن حقيقته وخلاصة ما قال في مذهب السلف: "مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع". هـ- أبو الفتح الشهرستاني: وقد أدركت من خلال ترجمته الموجزة أنه تندم كثيراً على خوضه الطويل في علم الكلام، وعبر عن ذلك في آخر كتاب ألفه: (نهاية الإقدام في علم الكلام) . والكتاب مطبوع معروف. و فخر الدين الرازي المتكلم المعروف وقد أعلن عن رجوعه في مناسبات كثيرة، وأوضح شيء في ذلك ما تضمنه هذان البيتان: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال إلى آخر تلك الأبيات المنقولة عنه. وقد برهنت بما نقلت عنهم أن بعض كبار شيوخ الأشاعرة رجعوا عن الأشعرية الكلابية، مقتدين بالإمام أبي الحسن نفسه، وهو إمامهم في الأشعرية أولاً، وإمامهم بالسلفية أخيراً. ولله الحمد والمنة.

стр. 353

هذه النقاط هي خلاصة النتائج التي اشتمل عليها المدخل. الباب الأول: وبعد أن أنهيت الكلام على المدخل أوردت خمس نقاط مهمة ينبغي الوقوف عليها قبل الشروع في الكلام على الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهي: أولاً: إن ما يدخل في باب الإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بالنفس والمخالف للحوادث والقديم. ثانياً: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه تعالى، بل يطلق عليه معنى الكمال فقط، وهذا كالمريد، والفاعل والصانع عند الإطلاق. ثالثاً: لا يلزم من الإخبار عنه تعالى بالفعل المقيد أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعضهم مثل المضل والفاتن والماكر، وغيرها. رابعاً: لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في تعداد الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، التي من حفظها دخل الجنة، ولكن اعتماد أهل العلم في ذلك على الكتاب العزيز مع بعض الآثار التي يشهد لها الكتاب. خامساً: قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير بعد أن ذكر أقوال بعض أهل العلم في تعداد الأسماء الحسنى: وقد عاودت تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررت منه تسعة وتسعين اسماً إلى آخر كلامه بهذا الصدد. ثم تحدثت عن مزاعم أهل الكلام في الأسماء والصفات وتخبطهم بغير علم، حيث ينفي بعضهم الصفات والأسماء معاً ليزعم وجود ذات

стр. 354

مجردة عن الأسماء والصفات، وهذا من أفسد مزاعمهم، إذ هو ضرب من المحال وهؤلاء هم الجهمية الغلاة، ثم سجلت مناقشة مستفيضة للإمام ابن القيم في هذه النقطة حيث أثبت في آخر المناقشة أن هذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله، ثم أشرت إلى كلام الإمام البيهقي في نفس المعنى. ثم ذكرت الفرق بين الأسماء والصفات، فأثبت أن الصفات إنما هي من معاني الأسماء الحسنى في الغالب بخلاف بعض الصفات مثل الوجه واليدين والقدم وغيرها، والأسماء دالة عليها كما تدل على الذات. وهو ما يعنيه الإمام البيهقي بقوله: "وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه". ثم أوضحت بطلان مذهب المعتزلة وتناقضهم لأنهم قد ينفون الصفات مع دعواهم إثبات أحكامها، وهي الأسماء وهو موقف لا يقفه إلا من يغالط الواقع، ويكابره أو لا يدري ما يقول. وبعد أن أنهيت مناقشة المعتزلة أوردت عديداً من الآيات والأحاديث تدل على الأسماء الحسنى مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . وهذه الآية تعتبر آية (الباب) أي العمدة في إثبات الأسماء الحسنى١. ومن الأحاديث التي استشهدت بها قوله ﵊: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" ٢. ثم سردت عدداً كبيراً من أسماء الله الحسنى استناداً إلى ما ذكره أهل العلم -كالحافظ ابن حجر، والبيهقي والترمذي وغيرهم بصرف النظر عما قيل في تلك الأحاديث. ثم ذكرت الخلاف بين أهل العلم في: هل أسماء الله تنحصر في

стр. 355

التسعة والتسعين اسماً فقط، أو أن هناك أسماء أخرى غيرها؟ وقد رجحت في هذه المسألة قول الجمهور: وهو عدم انحصار أسماء الله في هذا العدد بل هناك أسماء لا يعلمها إلا الله استدلالاً بحديث عبد الله بن مسعود ﵁، وفيه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". ثم بينت وجه استدلال أهل الحق بهذا الحديث على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة وهو أنه ﵊ لم يقل: (بكل اسم خلقته) ولكنه قال بكل اسم أنزلته. ثم تعرضت للسؤال المعروف عند أهل الكلام، هل الاسم هو المسمى أو غيره، فأجبت بالتفصيل الآتي: "قد يطلق الاسم فيراد به المسمى، فلو قلت: الله فوق خلقه مستوٍ على عرشه. المراد به هنا المسمى، وإذا قلت: الله اسم عربي أو الله في القرآن، فالاسم هنا غير المسمى أي اللفظ الدال على المسمى، ثم أعربت إعراباً مفصلاً حديث الباب وهو "لله تسعة وتسعون اسماً" الحديث. إعراباً قصدت به إيضاح المعنى وأن الحديث جملة واحدة مكونة من المبتدأ والخير، ليكون معنى الحديث أن لله عدداً معيناً من الأسماء من حفظها دخل الجنة، وليس الغرض من الحديث حصر أسماء الله تعالى في هذا العدد لتتفق النصوص على معنى واحد، ولا تتضارب وقد نوعت العبارات ونقلت نقولاً من أهل العلم كثيرة في هذا المعنى محاولاً إيضاحها، وبيان المراد من حديث الإحصاء، وما ذهبت إليه من عدم حصر الأسماء في العدد المذكور في الحديث هو قول الجمهور كما أسلفنا، لا نعلم لهم مخالفاً له اعتباره إلا ابن حزم ﵀.
следующие страницы →