Полный текст (542 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مِنْ أَدِيم وَاحِد، وَشُقَّا مِنْ نَبْعَة وَاحِدَة، وَابْنَا فُلانٍ كَالْفَرْقَدَيْنِ، وَجَاءَ وَلَده عَلَى غِرَار وَاحِد، وَيُقَالُ: هُوَ قَطِيع فُلان أَي شَبِيهُه فِي خُلُقِهِ وَقَدِّهِ، وَهُوَ عَطْسَة فُلان إِذَا أَشْبَهَهُ فِي خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْء بِهِ سُنَّةً وَأُمّة أَي صُورَةً َوقَامَةً.
وَإِنَّ تَجَالِيده لَتُشْبِه تَجَالِيد فُلان أَي جِسْمه، وَمَا أَشْبَهَ أَجْلاده بِأَجْلاد أَبِيهِ، وَفُلانٌ يَتَقَيَّلُ أَبَاهُ، وَيَتَقَيَّضُهُ، وَيَتَصَيَّرُهُ، أَيْ يَنْزِعُإِلَيْهِ فِي الشَّبَهِ وَقَدْ تَشَيَّمَ أَبَاهُ أَي أَشْبَهَه فِي شِيمَتِهِ.
وَفِيهِ لَمْحَةٌ مِنْ أَبِيهِ، وَمَلامِح وآسَال، وَآسَان، أَي مُشَابِه، وَفِيهِ مِنْ أَبيه شَنَاشِن، وَهُوَ عَلَى شَاكِلَةِ أَبِيهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِأَبِيهِ مِنْ اللَّيْلَةِ بِاللَّيْلَةِ، وَمِنْ التَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، وَمِن الْقُذّةِ بِالْقُذّةِ، وَمِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، وَمَا تَرَكَ مِنْ أَبِيهِ مَغْدىً وَلا مَرَاحاً، وَلا مَغْدَاة وَلا مَرَاحَة، أَيْ شَبَهاً.
وَفِي الأَمْثَالِ: " الْوَلَد سِرّ أَبِيهِ "، وَيُقَالُ: " مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ "، " وَالْعَصَا مِنْ الْعُصَيَّةِ " " وَلا تَلِدُ الذِّئْبَة إلا ذِئْباً "، وَيُقَالُ: جَرَى فُلان عَلَى أَعْرَاق آبائِه إِذَا أَشْبَهَهُمْ فِي كَرَمٍ أَوْ غَيْره، وَفِي الْمَثَلِ: " عَلَى أَعْرَاقِهَا تَجْرِي الْجِيَاد ".
وَيُقَالُ: لِلْمَرْءِ إِذَا أَشْبَهَ أَخْوَاله
стр. 317
أَوْ أَعْمَامه نَزَعَهُمْ، وَنَزَعُوهُ، وَنَزَعَ إِلَيْهِمْ، وَنَزَعَهُ عِرْق الْخَالِ، وَيُقَالُ فِي الْمُتَشَابِهَيْن: مَا أَشْبَهَ حَجَلَ الْجِبَال بِأَلْوَان صَخْرِهَا، وَمَا أَشْبَهَ الْحَوَل بِالْقَبَلِ، وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ، وَيُقَالُ: خَلَف عَنْ خُلُق أَبِيه إِذَا تَحَوَّلَ عَنْهُ وَفَسَدَ.
فَصْلٌ فِي الْقُدْوَةِ وَالاحْتِذَاءِ
يُقَالُ: حَذَوْت حَذْو فُلان، وَنَحَوْت نَحْوَهُ، وَتَلَوْت تِلْوَهُ، وَقَصَدْتُ قَصْدَهُ، وَأَخَذْتُ إِخْذه، وَاقْتَدَيْت بِسِيرَتِهِ، وَنَهَجْتُ سَبِيله، وَذَهَبْتُ مَذْهَبَهُ، وَسَلَكْتُ طَرِيقَته، وقَفَوْت إِثْره، وَائْتَمَمْت بِهَدْيهِ، وَيَمَّمْت سَمْتَه، وَجَرَيْت عَلَى مِنْهَاجِهِ، وَقَصَصْت أَثَره، وَتَخَلَّقْت بِأَخْلاقِهِ، وَتَحَلَّيْت بِحِلْيَتِهِ، وَتَسَوَّمْت بِسِيمَاهُ، وَاتَّسَمْت بِسِمَتِهِ، واقْتَسْت بِهِ، وَاسْتَنَنْت بِسُنَّتِهِ، وَاسْتَرْت بِسِيرَتِهِ، وَوَطِئْت مَوَاقِعَ قَدَمِهِ، وَطُبِعْت عَلَى غِرَارِهِ،
стр. 318
وَضَرَبْت عَلَى قَالَبِهِ، وَجَرَيْت عَلَى أُسْلُوبِهِ، وَاحْتَذَيْت عَلَى طَرِيقَتِهِ وَأَحْذيْت اِبْنِي عَلَى مِثَالِي، وَقَدْ حَمَلْتهُ عَلَى جَادّتِي، وَنَهَجْت لَهُ سَبِيلِي.
وَيُقَالُ: فُلانٌ يَتَنَبَّلُ أَيْ يَتَشَبَّهُ بِالنُّبَلاءِ، وَإِنَّهُ لَيَتَقَيَّل السَّادَات، وَيَتَقَيَّض الشُّرَفَاء، وَيَتَصَيَّر الْعُلَمَاء، وَإِنَّهُ لَيُضَارِع فُلانا، وَيُوَائِمهُ، وَيُحَاكِيهُ، وَيَتَشَبّه بِهِ، وَيَتَمَثَّل بِهِ، وَيَسْمُت سَمْتَه، وَيُقَالُ: فُلان يَلْمُصُ فُلاناً أَيْ يَحْكِي فِعْلَهُ أَوْ قَوْلَهُ عَلَى جِهَةِ الْهُزُؤِ.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ طَبَقَاتٍ شَتَّى مِنْ النَّاسِ
تَقُولُ: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ خَاصَّة النَّاس وَعَامَّتهمْ، وخواصّهم وَعَوَامّهمْ، وَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْ سَوَادِ النَّاسِ، وَمِنْ عُرْض النَّاس أَي مِنْ عَامَّتِهِمْ. وَتَقُولُ: لَقِيت كُلّ طَبَقَةٍ مِنْ النَّاسِ، وَكُلّ صِنْف، وَضَرْب، وَجِنْس، وَشَكْل، وَفَرِيق، وَفِرْقَة، وَقَوْم، وَمَعْشَر، وَطَائِفَة، وَنَمَط.
وَوَجَدْت بَنِي فُلان بَأْجاً وَاحِداً، وبابة وَاحِدَة، وَطَبَقَةً وَاحِدَةً، وَنَمَطاً وَاحِداً،
стр. 319
وَعِنْدَ فُلان لَفِيف مِنْ النَّاسِ، وَخَلِيط، وَأَخْلاط، وَأَوْزَاع، وَأَخْيَاف، وَأَفْنَاء، وَأَوْبَاش، وَأَوْشَاب.
وَالنَّاسُ طَبَقَات، وَمَنَازِل، وَمَرَاتِب، وَدَرَجَات، وَفِيهِمْ الْمَلِكُ وَالسُّوقَةُ، وَالرَّئِيسُ والْمَرْءُوس، وَالسَّائِد وَالْمَسُود، وَالْمَالِك وَالْمَمْلُوك، وَالْحُرّ وَالرَّقِيق، وَالسَّيِّد وَالْعَبْد، وَالْخَادِم وَالْمَخْدُوم، وَالتَّابِع وَالْمَتْبُوع، وَالشَّرِيف وَالْمَشْرُوف، وَالأَمِير وَالْمَأْمُور، وَالْعَزِيز وَالذَّلِيل، وَالنَّبِيه وَالْخَامِل، وَالْمَشْهُور وَالْمَغْمُور، وَالْعَالِي وَالسَّافِل، وَالرَّفِيع وَالْوَضِيع، وَالسَّنِيّ وَالدَّنِيّ، وَالْكَرِيم وَاللَّئِيم، وَالْخَطِير وَالْحَقِير، وَالْغَنِيّ وَالْفَقِير.
стр. 320
الباب السادس: في العلم والأدب وما إليهما
فَصْلٌ في الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ
يُقَالُ: فُلان مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ، وَمِنْ حَمَلَة الْعِلْم، وَحَضنَة الْعِلْم، وَمِنْ أُولِي الْعِرْفَانِ، وَأَهْلِ التَّحْصِيلِ، وَأَرْبَاب الاجْتِهَاد، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ، وَمِنْ جَهَابِذَة أَهْل النَّظَرِ، وَمِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمِنْ ذَوِي الْبَسْطَةِ فِي الْعِلْمِ، وَذَوِي الْعِلْمِ الْوَاسِعِ، وَالْعِلْمِ الثَّاقِبِ.
وَإِنَّ فُلاناً لَعَالِم عَلامَة، وَحَبْر عَلامَة، وَعَالِم نِحْرِير، وَإِنَّهُ لعَالِم فَاضِل، وَعَالِم عَامِل، وَهُوَ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْلامهمْ، وَأَعْيَانهمْ، وَأَفَاضِلهمْ، وَجِلّتهمْ، وَمَشَاهِيرهمْ، وَفُحُولهمْ.
وَهُوَ عَالِمُ أُمَّتِهِ، وَعَالِمُ جِيلِهِ، وَإِمَام وَقْتِهِ، وَعَالِم عَصْرِهِ، وَأَوْحَد زَمَانه، وَوَاحِد قُطْرِهِ، وَهُوَ عَلامَة الْعُلَمَاء، وَقُطْب أَهْل الْعِلْمِ، وَعَمِيدهمْ، وَزَعِيمهمْ، وَقَرِيعهمْ،
стр. 321
وَعُمْدَتهمْ، وَرُكْنهمْ، وَإِمَامهمْ، وَقُدْوَتهمْ، وَرُِحْلَتهمْ، وَوُجْهَتهمْ.
وَتَقُولُ: فُلان بَحْر الْعِلْمِ الزَّاخِرِ، وَبَدْر الْعُلَمَاء الزَّاهِر، وَكَوْكَبهُمْ اللامِع، وَنِبْرَاسهُمْ السَّاطِع، وَالَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُشْكِلاتِ، وَيُسْتَصْبَحُ بِضَوْئِهِ فِي الْمُعْضِلاتِ، وَتُشَدّ إِلَيْهِ الرِّحَال، وَتُضْرَبُ إِلَيْهِ أَكْبَاد الإِبِلِ، وَيُرْحَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ قَاضِي مَحَاكِم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَفَيْصَل أَحْكَامهَا، وَالَّذِي عِنْدَهُ مَقْطَع الْحَقّ، وَمَشْعَب السَّدَاد، وَمَفْصِل الصَّوَاب، وَفَصْل الْخِطَابِ.
وَيُقَالُ: تَضَلَّعَ فُلان مِنْ الْعِلْمِ، وَتَبَحَّرَ فِيهِ، وَاسْتَبْحَرَ، وَتَعَمَّقَ، وَتَبَسَّط، وَأَوْغَلَ فِي الْبَحْثِ، وَأَمْعَنَ فِي التَّنْقِيبِ، وَتَقَصَّى فِي التَّدْقِيقِ، وَقَدْ اِسْتَبْطَنَ دَخَائِل الْعِلْم، وَاسْتَجْلَى غَوَامِضه، وَخَاضَ عُبَابه، وَغَاصَ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَأَحْصَى مَسَائِلَهُ، وَاسْتَقْرَى دَقَائِقه، وَاسْتَخْرَجَ مُخبّآته، وَمَحَّصَ حَقَائِقه، وَوَقَفَ عَلَى أَغْرَاضِهِ، وَجَمَعَ أَشْتَاته، وَاسْتَقْصَى أَطْرَافه، وَأَحَاطَ بِأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ
стр. 322
يَغُوصُ عَلَى دَقَائِق الْمَسَائِلِ وَغَوَامِضهَا، وَيُنَقِّبُ عَنْ غَرَائِبِهَا وَنَوَادِرهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِشَاذِّهَا ومَقِيسها.
وَهُوَ رَأْسٌ فِي عِلْمِ كَذَا، وَحُجَّة فِي عِلْمِ كَذَا، وَإِمَام فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ عَالِمُ فَنِّهِ، وَوَاحِد فَنِّهِ، وَهُوَ مِنْ ثِقَات هَذَا الْعِلْم، وأَثْبَاته، وأَسْناده، وَقَدْ اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ فِيهِ رَاسِخُ الْقَدَمِ، مُتَقَدِّم الْقَدَم، فَسِيح الْخُطْوَة، طَوِيل الْبَاعِ، غَزِير الْمَادَّةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، وَإِنَّهُ لَبَحْر لا يُسْبَرُ غَوْرُهُ، وَلا يُنَال دَرْكُه، وَقَدْ أَصْبَحَ فِيهِ نَسِيج وَحْدِهِ، وَأَصْبَحَ فِيهِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، وَهُوَ إِمَام عَصْرِهِ غَيْر مُدَافِع، وَرَئِيس فَنّه غَيْر مُعَارِض.
وَيُقَالُ: فُلان مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَطَلابَته، وَمِمَّنْ تَوَجَّه إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَانْقَطَعَ لِطَلَبِهِ، وَخَلا لِطَلَبِهِ، وَتَخَلَّى لَهُ، وَأَخْلَى لَهُ ذَرْعه، وَقَصَرَ عَلَيْهِ نَفْسه، وَوَقَفَ عَلَيْهِ جَهْدَه، وَأَنْفَقَ أَوْقَاته عَلَى طَلَبِهِ، وَاسْتَنْزَفَ أَيَّامه فِي مُعَانَاتِهِ، وَقَدْ نَبَغَ فِيهِ، وَخَرَجَ، وَخَرَّجَهُ فُلان، وَتَخَرَّجَ عَلَى فُلان، وَهُوَ خِرِّيجُهُ، وَقَدْ حَذَقَ عِلْم كَذَا، وَثَقِفَهُ، وَمَهَره، وَمَهَر فِيهِ، وَأَتْقَنَهُ، وَأَحْكَمَهُ، وَمَلَك عِنَانه، وَمَلَك
стр. 323
قِيَاده، وَتَوَفَّرَ حَظّه مِنْهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَكَانه، وَتَوَسَّطَ بَاحَته، وَبَلَغَ مِنْهُ مَوْضِعاً جَلِيلا، وَأَصْبَحَ مِمَّنْ يُرْمَى بِالأَبْصَارِ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَمِمَّنْ تُثْنَى بِهِ الأَصَابِع، وَتُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِر.
وَتَقُولُ: طَلَبْت الْعِلْمَ عَلَى فُلان، وَوَقَفْت فِيهِ عَلَى فُلان، وَحَصَّلْتهُ عَلَيْهِ، وَدَرَسْتهُ عَلَيْهِ، وَأَخَذْتهُ عَنْهُ، وَاقْتَبَسْتهُ عَنْهُ، وَتَلَقَّيْته عَنْهُ، وَتَلَقَّنْته مِنْهُ، وَقَدْ اِشْتَغَلْت عَلَيْهِ، وَتَأَدَّبْت عَلَيْهِ، وَتَخَرَّجْت عَلَيْهِ، وَقَرَأْت عَلَيْهِ عِلْمَ كَذَا، وَسَمِعْت عَلَيْهِ كِتَاب كَذَا، وَقَدْ وَقَّفَنِي عَلَى عِلْم كَذَا، وَدَرَّسَنِيهِ، وأَقْبَسَنِيه، وَلَقَّنَنِيهِ، وَلَقَّانِيهِ، وَهُوَ مَوْقِفِي، وَمُدَرِّسِي، وَمُؤَدِّبِي، وَمُخَرِّجِي، وَشَيْخِي، وَأُسْتَاذِي، وَقَدْ اِسْتَضَأْت بِمِشْكَاتِهِ، وَوَرَدْتُ شِرْعَته، وَاسْتَفَدْت مِنْهُ عِلْماً، وَاقْتَبَسْت مِنْهُ عِلْماً، وَتَنَسَّمْت مِنْهُ عِلْماً، وَحَمَلْت عَنْهُ عِلْماً كَثِيراً.
وَيُقَالُ: شَدا فُلان فِي عِلْم كَذَا، وَشَدا شَيْئاً مِنْ الْعِلْمِ، إِذَا أَخْذَ طَرَفاً مِنْهُ، وَقَدْ أَدْرَكَ شَدا مِنْ الْعِلْمِ، وَأَدْرَكَ ذَرْوا مِنْهُ، وَذَرْءا، وَرَسّاً، كُلّ ذَلِكَ الشَّيْء الْقَلِيل.
وَفُلانٌ عَلَى أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَأَثَرَةٍ
стр. 324
بِالتَّحْرِيكِ، أَي بَقِيَّة مِنْهُ يَأْثِرُهَا عَنْ الأَوَّلِينَ. وَتَقُولُ: فُلان فَنّه عِلْم كَذَا إِذَا كَانَ الْعِلْمُ الَّذِي انْصَرَف إِلَيْهِ وَأَحْكَمه، وَهُوَ مُشَارِكٌ فِي عِلْمِ كَذَا إِذَا كَانَ لَهُ اِطِّلاع عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِهِ وَأُصُولِهِ عِلاوَة عَلَى فَنِّهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَلَهُ إِلْمَامٌ بِفَنّ كَذَا وَهُوَ الْعِلْمُ الْيَسِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ.
فَصْلٌ فِي الأَدَبِ
يُقَالُ: فُلان أَدِيب، فَاضِل، بَارِع، مُتَفَنِّن، غَزِير الأَدَبِ، غَزِير الْمَوَادِّ، كَثِير الْحِفْظِ، وَاسِع الرِّوَايَةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، جَيِّد الْمَلَكَةِ، وَإِنَّهُ لَكَاتِب مُجِيد، وَشَاعِر بَلِيغ، مُتَصَرِّف فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، حَسَن التَّرَسُّل، بَلِيغ الْعِبَارَةِ، مَلِيح النُّكْتَةِ،
стр. 325
لَطِيف الْكِنَايَاتِ، بَدِيع الاسْتِعَارَات، حُلْو الْمَجَاز، مُسْتَمْلَح السَّجْع، مُسْتَعْذَب النَّظْم، وَإِنَّ لَهُ نَثْراً آنَق مِنْ النَّوْرِ فِي الأَكْمَامِ، وَسَجْعاً أَطْرَبُ مِنْ سَجْع الْحَمَام، وَنَظْماً أَحْسَن مِنْ الدُّرِّ فِي النِّظَامِ، وَإِنَّ أَلْفَاظَهُ الزُّلال أَوْ أَرَقّ، وَمَعَانِيه السِّحْر أَوْ أَدَقّ، وَإِنَّهُ لَيَنْشُر بَزَّ الْفَصَاحَة، وَيُوَشِّي بُرُود الْبَيَان، إِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَ الأَسْمَاعَ وَالْقُلُوبَ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَلَمَ تَدَفَّقَ تَدَفُّق الْيَعْبُوب.
وَإِنَّهُ لَمُتَضَلِّع مِنْ فُنُونِ الأَدَبِ، مُتْقِن لِعُلُومِ اللِّسَانِ، عَارِف بِأَخْبَارِ الْعَرَبِ، مُطَّلِع عَلَى لُغَاتِهَا، جَامِع لِخُطَبِهَا وَأَقْوَالهَا، رَاوٍ لأَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا، حَافِظ لِطَرَف النَّثْرِ وَمُلَحه، وَغُرَر النَّظْم وَنُكَته، خَبِير بِقَرْضِ الشِّعْرِ، بَصِير بِمَذَاهِبِ الْكَلامِ، عَلِيم بِمَوَاضِعِ النَّقْدِ، عَرَّاف بِمَطَارِح الإِسَاءة وَالإِحْسَان.
وَإِنَّ فُلاناً لَمِنْ أَفَاضِل الأُدَبَاء، وَأَعْيَان الْفُضَلاء، وَمِنْ مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، وَبُلَغَاء الْمُنْشِئِينَ، وَأَكَابِر الْمُصَنِّفِينَ، وَأَمَاثِل الشُّعَرَاء، وَهُوَ مِنْ خَوَاصّ أَهْلِ الأَدَبِ وعِلِّيّتهم، وَأَئِمَّتهمْ، وآحَادِهم، وَأَفْرَادهمْ،
стр. 326
وَسُبَّاقهمْ، وَإِنَّ لَهُ الْيَدَ الطُّولَى فِي صِنَاعَةِ الأَدَبِ، وَلَهُ الْقِدْح الْمُعَلَّى فِي صِنَاعَتَي النّظْم وَالنَّثْر، وَهُوَ نَادِرَةُ الْوَقْتِ، وَبكر عُطَارِد، وَهُوَ آدَبُ أَهْل عَصْرِهِ.
فَصْلٌ فِي الْحِفْظِ
يُقَالُ: فُلان ذَكُور، وَعِيّ، سَرِيع الْحِفْظِ، وَاسِع الْحِفْظِ، كَثِير الْمَحْفُوظ، قَوِيّ الْحَافِظَةِ، قَوِيّ الذَّاكِرَةِ، قَوِيّ الذِّكْرِ، بَعِيد النِّسْيَان، وَقَدْ حَفِظَ الْكِتَابَ، وَاسْتَظْهَرَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْر قَلْبِهِ، وَعَلَى ظَهْر لِسَانه، وَوَعَاهُ عَلَى ظَهْر قَلْبِه، وَأَدَّاه عَنْ ظَهْر قَلْبِه، وَعَنْ ظَهْرِ الْغَيْبِ، وَقَرَأَهُ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْب، وَقَرَأَهُ ظَاهِراً، وَقَدْ اِنْطَبَعَ عَلَى لَوْح حَافِظَته، وَارْتَسَمَ عَلَى لَوْح قَلْبِه، وَانْتَقَشَ فِي صَفْحَة ذِهْنه، وَعَلِقَتْهُ حَافِظَتُهُ، وَوَعَتْهُ ذَاكِرَتُهُ، وَقَدْ أَدَّى عَنْ ظَهْر قَلْبِه كَذَا كَذَا صَفْحَة لَمْ يَخْرِم مِنْهَا حَرْفاً.
وَفُلان غَايَة فِي الْحِفْظِ، وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي قُوَّةِ الْحَافِظَةِ، إِذَا تَلا عَنْ
стр. 327
لَوْح قَلْبه فَكَأَنَّمَا يَتْلُو فِي لَوْحٍ مَسْطُورٍ، وَإِنَّ فُلاناً لَيَسْتَفْرِغ مِنْ أَوْعِيَةٍ شَتَّى إِذَا كَانَ كَثِير الْمَحْفُوظ، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ قُفْلَةٌ أَي حَافِظ لِكُلِّ مَا يَسْمَعُهُ.
وَتَقُولُ: هَذَا مِمَّا عَلِقَ بِذَاكِرَتِي، وَقَدْ ثَبَت هَذَا الأَمْرُ فِي مَحْفُوظِي، وَأُشْرِبهُ حِفْظِي، وَجَمَعْت عَلَيْهِ وِعَاء قَلْبِي، وَفِي مَحْفُوظِي أَنَّ الأَمْرَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ تَلَقَّفْتهُ مِنْ فَمِ فُلان، وَحَفِظْتهُ عَنْهُ، وَحَفَّظَنِيهِ، وَقَدْ أَفْرَغَهُ مِنِّي فِي أُذُنٍ وَاعِيَةٍ.
وَيُقَالُ: تَقَصَّص كَلام فُلان أَي حَفِظَهُ أَوْ اِسْتَقْرَاهُ بِالْحِفْظِ. وَتَحَفَّظَ الْكِتَاب أَيْ اِسْتَظْهَرَهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْء، وَرَسّ الْحَدِيث فِي نَفْسِهِ إِذَا عَاوَدَ ذِكْرَهُ وَرَدَّدَهُ. وَتَقُولُ: فُلان ضَعِيف الذَّاكِرَة، بَلِيد الذَّاكِرَةِ، ضَيِّق الْحَافِظَةِ، قَلِيل الْمَحْفُوظ، نَزْر الْمَحْفُوظ، ضَيِّق الْوِعَاءِ، سَرِب الْوِعَاء، مَجَّاج الأُذُن.
وَتَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ يَفُوت الذِّكر، وَيَضِيقُ عَنْهُ الْحِفْظ، وَيَضِيقُ عَنْهُ وِعَاء الْحَافِظَة، وَلا يَضطلِعُ بِهِ حِفْظ، وَلا يَسْتَوْعِبُهُ لَوْح مَحْفُوظ.
стр. 328
فَصْلٌ فِي التَّأْلِيفِ
تَقُولُ: هَذَا كِتَاب نَفِيس، جَلِيل، جَامِع، غَزِير الْمَادَّةِ، جَزِيل الْمَبَاحِث، جَمّ الْفَوَائِد، سَدِيد الْمَنْهَج، حَسَن الْمَنْحَى، مُطَّرِد التَّنْسِيق، قَرِيب الْمَنَالِ، دَانِي الْقُطُوف، سَهْل الشَّرِيعَةِ، سَهْل الأُسْلُوبِ، عَذْب الْمَوْرِدِ، نَاصِع الْبَيَانِ، وَاضِح التَّعْبِيرِ، مُشْرِق الدَّلالَةِ، مُتَسَنِّي التَّحْصِيل، تُدْرِكُ فَوَائِدَهُ عَلَى غَيْرِ مَئُونَة، وَلا كَدّ ذِهْن، وَلا جَهْد فِكْر، وَلا إِعْنَات رَوِيَّة، وَلا إِرْهَاقَ خَاطِر.
وَقَدْ تَصَفَّحْت مُؤَلَّف كَذَا فَإِذَا هُوَ كِتَابٌ أَنِيقٌ، فَصِيح الْخُطْبَةِ، حَسَن الدِّيبَاجَةِ، مُحْكَم الْوَضْعِ، مُتَنَاسِق التَّبْوِيبِ، مُطَّرِد الْفُصُول، وَقَدْ طُوِي عَلَى كَذَا بَاباً، وَكُسِر عَلَى كَذَا بَاباً، وَتُرْجِم بِاسْمِ كَذَا، وَأُلِّف بِرَسْم فُلان.
وَهُوَ كِتَابٌ فَرِيدٌ فِي فَنِّهِ، مَبْسُوط الْعِبَارَة، مُسْهَب الشَّرْح،
стр. 329
مُشْبَع الْفُصُول، مُسْتَوْعِب لأَطْرَافِ الْفَنِّ، جَامِع لِشَتِيت الْفَوَائِد، وَمَنْثُور الْمَسَائِل، وَمُتَشَعِّب الأَغْرَاضِ، قَدْ اِسْتَوْعَبَ أُصُولَ هَذَا الْعِلْمِ، وَأَحَاطَ بِفُرُوعِهِ، وَاسْتَقْصَى غَرَائِب مَسَائِلِهِ، وَشَوَاذّهَا، وَنَوَادِرهَا، وَلَمْ يَدَعْ آبِدَة إِلا قَيَّدهَا، وَلا شَارِدَة إِلا رَدَّهَا إِلَيْهِ.
وَهُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءهَا مَذْهَب لِطَالِب، وَلا مُرَاغ لِمُسْتَفِيد، وَلا مُرَاد لِبَاحِث، وَلا مَضْرِب لِرَائِد، لَمْ يُصَنَّفْ فِي بَابِهِ أَجْمَع مِنْهُ، وَلا أَرْصَف تَعْبِيراً، وَلا أَمْتَن سَرْداً، وَقَدْ نُزِّه عَنْ التَّعْقِيد ِ، وَالإِشْكَال، وَالإِبْهَام، وَالتَّعْمِيَةِ، وَاللَّبْس، وَالْخَلَل، وَاللَّغْو، وَالْحَشْو، وَالرَّكَاكَة، وَالتَّعَسُّف، وَالْحَزَازَة، وَحُصِّن مِنْ نَظَرِ النَّاقِدِ، وَالْمُعْتَرِض، وَالْمُخَطِّئ، وَالْمُسَوِّئ، وَالْمُتَعَقِّب، وَالْمُسْتَدْرِك، وَارْتَفَعَ عَنْ مَقَامِ الْمُتَحَدِّي، وَالْمُعَارِض، وَإِنَّمَا قُصَارَى مُعَارِضه أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَيَنْسِجَ فِي التَّأْلِيفِ عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ: هَذَا مُؤَلَّف مُخْتَصَر، وَجِيز،
стр. 330
وَمُوجَز، وَمُدْمَج التَّأْلِيف، جَزْل التَّعْبِيرِ، مُحْكَم الْحُدُودِ، ضَابِط التَّعَارِيف، حَسَن التَّفْرِيع لِلْمَسَائِلِ، مُتَتَابِع النَّسَقِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف.
وَهُوَ مَتْن مَتِين الرَّصْف، مُحْكَم الْقَوَاعِدِ، مَنِيع الْمَطْلَب، حَصِين الْمَدَاخِلِ، قَدْ لَخَّصْت فِيهِ قَوَاعِدَ الْعِلْمِ أَحْسَن تَلْخِيص، وَحَرَّرْت مَسَائِلَهُ أَحْسَن تَحْرِير.
وَعَلَيْهِ شَرْحٌ لَطِيفٌ، كَافِل بِبَيَان غَامِضه، وَإِيضَاحِ مُبْهَمِه، وَحَلِّ مُشْكِله، وَتَفْصِيلِ مُجْمَلِهِ، وَبَسْط مُوجَزِه، وَتَقْرِيب بِعِيدِهِ، وَالْكَشْفِ عَنْ دَقَائِق أَغْرَاضِهِ، وَخَفِيّ مَقَاصِده، وَلَطِيف إِشَارَاتِهِ، وَمَكْنُون أَسْرَارِهِ، وَمُقْفَل مَسَائِله.
وَهِيَ الْمُؤَلَّفَاتُ، وَالْمُصَنَّفَاتُ، وَالْمَجَامِيع، وَالدَّوَاوِينُ، وَالرَّسَائِلُ، وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوح، وَالْحَوَاشِي، وَالتَّعَالِيق.
وَهِيَ الْكُتُبُ، وَالأَسْفَارُ، وَالْمَصَاحِفُ، وَالدَّفَاتِرُ، وَالْكَرَارِيسُ، وَالْمَجَالّ، وَالْوَضَائِع، وَالْمُجَلَّدَات، وَالصُّحُف، وَالأَوْرَاق، والمَهَارِق، وَالأَضَامِيم، وَالأَضَابِير.
стр. 331
فَصْلٌ فِي الْفَصَاحَةِ
تَقُولُ: هَذَا كَلام فَصِيح، مُحَبَّر، مُتَرَاصِف النَّظْم، مُتَنَاسِب الْفِقَرِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف، مُتَخَيَّر الأَلْفَاظِ، مُنْتَخَل الأَسَالِيب، مُهَذَّب اللَّفْظِ، مُنَقَّح الْعِبَارَةِ، مُطَّرِد الانْسِجَام، مُحْكَم السَّبْكِ، أَنِيق الدِّيبَاجَة، غَضّ الْمَكَاسِر، لَمْ تَعْلَق بِهِ رَكَاكَة، وَلا ظِلّ عَلَيْهِ لِلابْتِذَالِ، وَلا غُبَار عَلَيْهِ لِلْحُوشِيَّةِ.
وَهَذَا كَلام عَلَيْهِ طَابَع الْفَصَاحَةِ، وَعَلَيْهِ مِيسَم الْفَصَاحَة، وَرَوْنَق الْفَصَاحَةِ، وَقَدْ خَلَعَتْ الْفَصَاحَة عَلَيْهِ زُخْرُفهَا، وَقَدْ أُفْرِغ فِي قَالَبِ الْفَصَاحَةِ، وَنُسِج عَلَى مِنْوَال الْفَصَاحَة، وَطُبِع عَلَى غِرَار الْفَصَاحَة، وَكَأَنَّهُ الدُّرّ الْمَرْصُوف، وَاللُّؤْلُؤ الْمَنْضُود، وَالتِّبْر الْمَسْبُوك، وَكَأَنَّهُ مَطَارِف الْيَمَن، وَالْخَزّ الْيَمَانِيّ، وَالدِّيبَاج
стр. 332
الْخُسْرُوَانِيّ، وَالْوَشْي الْفَارِسِيّ، وَكَأَنَّهُ صِيغَ مِنْ خَالِص الْعَسْجَد، وَمِنْ إِبْرِيز النُّضَار.
وَتَقُولُ فِي التَّفْصِيلِ: هَذَا كَلام فَصِيح، جَزْل، فَخْم، مَتِين الْحَبْكِ، صَفِيق الدِّيبَاجَة، مُوَثَّق السَّرْدِ، مُحْكَم النَّسْج، مُتَدَامِج الْفِقَر.
وَفُلانٌ مَطْبُوعٌ عَلَى جَزَالَةِ الأَلْفَاظِ، وَفَخَامَة الأَسَالِيب، وَإِنَّهُ لَفَحْلِيّ الْكَلام، وَفِي كَلامِهِ فُحُولَة، وَإِنَّ كَلامَهُ لَكَالْبُنْيَان الْمَرْصُوص، وَالثَّوْب الْمَحْبُوك.
وَهَذَا كَلام رَقِيق، عَذْب، سَائِغ، سَهْل، رَشِيق، سَلِس، سَبْط، مَأْنُوس، رَخِيم، وَرَخِيم الْحَوَاشِي، رَقِيق الْحَوَاشِي، لَيِّن الْمَكَاسِر، خَفِيف الْمَحْمَلِ عَلَى السَّمْعِ، سَهْل الْجَرْيِ عَلَى الأَلْسِنَةِ، سَهْل الْوُرُود عَلَى الطَّبْعِ، رَائِق الْمَشْرَع، عَذْب الْمَشْرَب، عَذْب الْمَوْرِدِ، سَائِغ الْمُوْرِد، حَسَن الانْسِجَامِ، حَسَن الْمَنْطُوق وَالْمَسْمُوع، يَرْتَفِعُ لَهُ حِجَاب السَّمْع، وَيُوطَأُ لَهُ مِهَاد الطَّبْع، وَيَدْخُلُ الآذَان بِلا اِسْتِئْذَان، وَتَعْشَقُهُ الأَسْمَاع لِعُذُوبَتِهِ، وَيَفْعَلُ بِالأَلْبَابِ فِعْل السُّلاف، وَفِعْل السِّحْر.
وَفُلانٌ
стр. 333
إِذَا تَكَلَّمَ فَكَأَنَّمَا يَنْشُرُ الْبُرُود الْمُفَوَّفَة، وَيَنْشُرُ شُقَق الدِّيبَاج، وَيَنْشُرُ بُرُود الْوَشْي، وَكَأَنَّ لَفْظَهُ مُنَاغَاة الأَطْيَار، وَكَأَنَّ كَلامَهُ مَمَرّ الصِّبَا عَلَى عَذَبَات الأَغْصَان، وَهَذَا كَلام مَا لِحُسْنِهِ نِهَايَة.
وَتَقُولُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: هَذَا كَلام غَلِيظ، فَظّ، خَشِن، جَافّ، شَكس، نَافِر، مُتَوَعِّر، عَلَيْهِ جَفْوَة الأَعْرَابِ، وَخُشُونَة الْجَاهِلِيَّة، وَعَنْجَهِيَّة الْبَادِيَة.
وَإِنَّهُ لَكَلام فَجّ عَلَى الذَّوْقِ، ثَقِيل عَلَى السَّمْعِ، ثَقِيل عَلَى الأَلْسِنَةِ، وَإِنَّهُ لَتَمُجّهُ الأَسْمَاع، وَتَنْبُو عَنْهُ الأَسْمَاع، وَتَسْتَكّ مِنْهُ الآذَان، قَدْ تَجَافَى عَنْ مَضَاجِع الرِّقَّة، وَتَجَانَف عَنْ مَذَاهِب السَّلاسَة، وَإِنَّهُ لأَشْبَه شَيْء بِقِطَع الْجَلامِيد، وَبِأَجْذَال الْحَطَب، وَإِنَّهُ لَمِمَّا تَسْتَخِفُّ عِنْدَهُ جَلامِيد الصُّخُور.
وَتَقُولُ: هَذِهِ لُغَة مَهْجُورَة، وَأَلْفَاظ مَتْرُوكَة، وَكَلِم مَرْغُوب عَنْهَا، وَإِنَّهَا لَلُغَة وَحْشِيَّة، وَلُغَة حُوشِيَّة، وَفُلان لا يَتَلَمَّظُ إِلا بِعُقْمِيّ الْكَلام وَهُوَ الْقَدِيمُ الدَّارِسُ وَقِيلَ هُوَ غَرِيب الْغَرِيبِ.
وَتَقُولُ هَذَا كَلام: رَكِيك،
стр. 334
سَخِيف، سَقِيم، سَاقِط، مُبْتَذَل، عَامِّيّ الأَلْفَاظ، سُوقِيّ الأَلْفَاظ، لَمْ يَحْكُمْهُ طَبْع، وَلَمْ تُلَقِّنْهُ سَلِيقَة، وَلَمْ يُعِنْهُ ذَوْق، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْفَصَاحَةِ ظِلّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْجَزَالَةِ رَوْنَق، وَإِنَّهُ لَكَلام تَبْذَأه الأَسْمَاع، وَتَنْفِيه الآذَانُ، وَتَمُجُّهُ الأَذْوَاق السَّلِيمَة، وَتَقْتَحِمُهُ الْمَلَكَات الرَّاسِخَة.
وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا تَمَضْمَضَتْ بِهِ الأَفْوَاه، وَمِمَّا لاكَتْهُ الأَفْوَاه حَتَّى مَجَّتْهُ، وَإِنَّهُ لَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَخَلُّف الْمَلَكَة، وَخِفَّة الْبِضَاعَةِ، وَنَزَارَة الْمَادَّة، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَقْط الْمَتَاع، وَمِمَّا عُرِضَ فِي الأَسْوَاقِ، وَإِنَّهُ لَكَلام أَسْخَف مِنْ نَسْج الْعَنْكَبُوت، وَأَسْقَم مِنْ أَجْفَان الْغَضْبَانِ.
وَتَقُولُ فِي وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: رَجُل فَصِيح، لَسِن، وَمِلْسَان، مِقْوَل، مِنْطِيق، مُفَوَّه، فَصِيح اللَّفْظِ، فَصِيح اللَّهْجَةِ، فَصِيح اللِّسَانِ، فَصِيح الْمَنْطِقِ، طَلِيق اللِّسَان، حَدِيد اللِّسَانِ، وَحَدِيد شَبَاة اللِّسَان، حَدِيد الْمِقْوَل، فَتِيق اللِّسَان، ذَلِيق اللِّسَان، سَلِيط اللِّسَانِ، ذَرِب اللِّسَان، عَضْب اللِّسَان، غَرْب اللِّسَانِ،
стр. 335
بِلَيْل الرِّيق، حُرّ الْمَنْطِق، حُرّ الْكَلامِ، جَزْل الْخِطَابِ، بَيِّن اللَّهْجَةِ، حَسَن السَّبْك، أَنِيق اللَّفْظِ، سَلِيم الْمَلَكَةِ، سَلِيم الذَّوْقِ، لَطِيف الذَّوْقِ، مَحْض الطَّبْع، بَصِير بِاخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ، عَلِيم بِمَوَاقِعِ الْكَلِمِ، يَتَخَيَّرُ مِنْ الأَلْفَاظِ أَحْسَنهَا مَسْمُوعاً، وَأَقْرَبهَا مَفْهُوماً، وَأَلْيَقهَا بِمَنْزِلِهَا، وَأَشْكلهَا بِمَا يُجَاوِرُهَا.
وإَِنَّهُ لا يُعْلَمُ مِمَّنْ سَلَفَ وَخَلَفَ أَفْصَح مِنْهُ نُطْقاً، وَلا أَبْيَن عِبَارَة، وَلا أَبَلّ رِيقاً، وَلا أَحْسَن بِلَّة لِسَان، قَدْ أُنْزِلَتْ الْفَصَاحَة عَلَى لِسَانِهِ، وَأَعْطَتْهُ الْفَصَاحَة قِيَادهَا، وَهُوَ خَطِيبُ مِنْبَر الْفَصَاحَة، وَهَزَار رَوْضَتهَا الصَّادِح، وَهُوَ أَفْصَحُ مَنْ نَطَق بِالضَّاد، وَأَفْصَحُ مِنْ سَجَّان وَائِل.
وَتَقُولُ فِي خِلاف: ذَلِكَ هُوَ رَجُلٌ ثَقِيلُ اللِّسَانِ، كَلِيل اللِّسَان، كَهام اللِّسَان، بَطِيء اللِّسَانِ، بَطِيء الْمَنْطِقِ، مُتَلَكِّئ الْمَنْطِق، وإَِنَّهُ لَرَجُل أَعْجَم وَهُوَ الَّذِي لا يُبِينُ كَلامَهُ وَهُوَ خِلافُ الْفَصِيحِ، وَرَجُل أَغْتَم، وغُتْمِيّ، وَهُوَ الَّذِي لا يُفْصِحُ شَيْئاً،
стр. 336
وَبِالرَّجُلِ عُجْمَة، وَغُتْمَة، وَحُكْلَة بِالضَّمِّ فِيهِنَّ وَلَمْ يُحْك مِنْ هَذِهِ الأَخِيرَةِ وَصْف، وَبِهِ لُكْنَةٌ بِالضَّمِّ أَيْضاً وَهِيَ الْعُجْمَةُ وَالْعِيُّ وَقِيلَ هِيَ أَنْ لا يُقِيم الْعَرَبِيَّةَ مِنْ عُجْمَةٍ فِي لِسَانِه، يُقَالُ: هُوَ يَرْتَضِخُ لُكْنَة رُومِيَّة أَوْ غَيْرهَا، وَالرَّجُل أَلْكَن.
وَهُوَ رَجُلٌ أَلَفّ وَهُوَ الْعَيِّي الْبَطِيءُ الْكَلامَ إِذَا تَكَلَّمَ مَلأَ لِسَانُه فَمَه، وَقَدْ لَفَّ يَلَفُّ بِالْفَتْحِ وَبِهِ لَفَفٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَإِنَّهُ لَيَمْضُغ الْكَلام، وَيَلُوكهُ، أَيْ يُجِيلُهُ فِي نَوَاحِي فَمه.
وَكَلَّمْتهُ فَلَجْلَجَ فِي جَوَابِهِ، وَتَلَجْلَجَ، إِذَا كَانَ يُجِيلُ لِسَانه فِي شِدْقِهِ وَيُخْرِجُ الْكَلام بَعْضه فِي إِثْر بَعْض، وَهُوَ رَجُلٌ لَجْلاجٌ، وَلَجْلاج اللِّسَان، وَإِنَّهُ لِيَتَمَطَّق بِالْكَلامِ وَهُوَ أَنْ يَضُمَّ شَفَتَيْهِ وَيَرْفَعَ لِسَانه إِلَى الْغَارِ الأَعْلَى، وَإِنَّهُ لَيُتَعْتِع فِي كَلامِهِ إِذَا تَرَدَّدَ بِهِ مِنْ عِيٍّ أَوْ حَصْر، وَيَتَعَتَّتُ فِي كَلامِهِ إِذَا لَم يَسْتَمِرّ بِهِ.
وَقَدْ اِحْتَبَسَ لِسَانه عَنْ النُّطْقِ، وَاعْتُقِلَ عَنْ الْكَلامِ، وَفِي مَنْطِقِهِ حُبْسَة، وَعُقْلة، وَعُقْدَة بِالضَّمّ فِيهِنَّ، وَعَقَد بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْكَلامِ، وَقَدْ عَقَدَ لِسَانُهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ عَقِد، وَأَعْقَد.
وَفِي كَلامِهِ رُتَّة بِالضَّمِّ أَيْضاً وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي لِسَانِهِ حُبْسَةٌ
стр. 337
وَيَعْجَل فِي كَلامِهِ فَلا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، وَقِيلَ الرُّتَّة كَالرِّيحِ تَعْتَرِضُهُ أَوَّل الْكَلامِ فَإِذَا جَاوَزَهُ اتَّصَل، وَالرَّجُل أَرَتّ، وَقَدْ تَوقَّف فِي كَلامِهِ، وَتَرَدَّد، وَتَلَكَّأَ، وَتَلَعْثَمَ، وَفِي كَلامِهِ رَدّ، وَفِيهِ رَدَّةٌ قَبِيحَةٌ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ تَأْتَاءٌ وَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي التَّاءِ إِذَا تَكَلَّمَ، وَرَجُل تَمْتَام مِثْله وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُدُّ الْكَلامَ إِلَى التَّاءِ وَالْمِيمِ، وَرَجُل فَأَفَاء وَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الْفَاءِ.
وَتَقُولُ: فِي كَلام فُلان غُنَّة بِالضَّمِّ وَهِيَ أَنْ يُشْرَبَ الْحَرْف صَوْت الْخَيْشُوم، وَفِيهِ خُنَّة، وخَنْخَنَة، وَهِيَ أَنْ لا يُبين كَلامه فيُخَنْخِن فِي خَيَاشِيمِهِ وَهِيَ أَشَدُّ مِنْ الْغُنَّةِ، وَرَجُل أَغَنّ، وَأَخَنّ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ أضَزّ وَهُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ عَاضٌّ بِأَضْرَاسِهِ لا يَفْتَحُ فَاه، وَبِهِ ضَزَز بِفَتْحَتَيْنِ، وَتَقُولُ: تَغْتَغَ الشَّيْخ إِذَا سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ فَلَمْ يُفْهَمْ كَلامُهُ، وَلَثِغَ الصَّبِيُّ وَغَيْره بِالْكَسْرِ لَثَغاً بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا لَمْ يُقِم لَفْظ بَعْض الْحُرُوفِ، وَهُوَ أَلْثَغُ، وَبِهِ لُثْغَةٌ بِالضَّمِّ.
وَيُقَالُ: تَفَصَّح الرَّجُل، وَتَفَاصَحَ، وَإِذَا تَكَلَّفَ الْفَصَاحَة أَوْ تَشَبَّه بِالْفُصَحَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَتَشَدَّق فِي كَلامِهِ إِذَا لَوَى شِدْقه لِلتَّفَصُّحِ أَوْ فَتَحَ بِهِ شِدْقَيْهِ، وَيَتَنَطَّعُ فِي كَلامِهِ إِذَا رَمَى بِلِسَانِهِ
стр. 338
إِلَى نِطْع الْفَم وَهُوَ الْغَارُ الأَعْلَى، وَقَدْ قَعَّر فِي كَلامِهِ، وَقَعَّب، وَتَقَعَّرَ، وَتَعَمَّقَ، وَتَفَهَّقَ، وَتَفَيْهَقَ، إِذَا تَكَلَّمَ مِنْ أَقْصَى الْفَم، وَيُقَالُ: صَلْصَلَ الْكَلِمَة إِذَا أَخْرَجَهَا مُتَحَذْلِقاً.
فَصْلٌ فِي الْبَلاغَةِ
يُقَالُ: هَذَا كَلام بَلِيغ، سَدِيد الْمَنْهَجِ، وَاضِح الْمَعَالِمِ، مَاثِل الأَغْرَاض، مُشْرِق الْمَعَانِي، مُحْكَم الأَدَاءِ، مُحْكَم السَّبْكِ، مُتَرَاصِف الْفِقَر، مُتَلائِم الأَطْرَاف، مُتَسَاوِق الأَغْرَاض، مُتَنَاسِق الأَجْزَاء، مُتَّصِل السِّلْك، مُطَّرِد النِّظَام، آخِذٌ بَعْضُه بِأَعْنَاق بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَكَلام مُتَنَاسِب، مُتَجَاوِب، قَدْ تَجَارَتْ فِقَره إِلَى غَرَضٍ وَاحِدٍ، وَتَسَايَرَتْ فِي طَرِيقٍ لاحِبٍ، وَتَوَارَدَتْ فِي طَرِيقٍ قَاصِدٍ.
وَإِنَّهُ لَكَلام دُرِّيّ اللَّفْظ، عَسْجَدِيّ الْمَعْنَى، كَأَنَّ أَلْفَاظَهُ قِطَع الرِّيَاض، وَكَأَنَّ مَعَانِيَهُ نَسَمُ الآصَال، قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ شَوَائِب اللَّبْس، وَخَلَصَ مِنْ أَكْدَار
стр. 339
الشُّبُهات، وَتَجَافَى عَنْ مَضَاجِعِ الْقَلَقِ، وَبَرِئَ مِنْ وَصْمَة التَّعْقِيد، وَسَلِمَ مِنْ مَعَرَّة اللَّغْو وَالْخَطَل، وَتَقُولُ: هَذَا كَلام بَالِغٌ حَدَّ الإِعْجَازِ، وَإِنَّهُ لَكَلام يَمْلِكُ الْقُلُوبَ، وَيَسْتَرِقّ الأَفْهَام، وَيَسْتَعْبِدُ الأَسْمَاع، وإِنَّه لا يَرِدُ عَلَى سَمْعِ ذِي لُبّ فَيَصْدُرُ إِلا عَنْ اِسْتِحْسَان.
وَهُوَ عُنْوَان الْبَيَان، وَآيَة الْبَرَاعَة، تَتَمَثَّلُ الْبَلاغَة فِي كُلِّ فِقْرَةٍ مِنْ فِقَرِهِ، وَتَتَجَلَّى الْفَصَاحَة فِي كُلِّ لَفْظٍ مِنْ مَنْطُوقِهِ، وَيَتَبَارَى مَعْنَاهُ وَلَفْظه إِلَى الأَفْهَامِ، وَتَكَادُ تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ قَبْلَ الأَسْمَاعِ.
وَتَقُولُ فِي ضِدِّهِ: هَذَا كَلام سَخِيف، غَثّ، سَقِيم، تَفِه، سَاقِط، مُعسلَط، فَاسِد الْمَعَانِي، مُضْطَرِب الْمَبَانِي، قَلِق التَّرَاكِيب، مُرْتَبِك النَّظْم، مُشَوَّش التَّأْلِيف، مُخْتَلّ الأَدَاءِ، بَادِي التَّكَلُّفِ، مُعْتَسِف عَنْ جَادَّة الْبَلاغَة، لا يَثْبُت عَلَى السَّبْكِ، وَلا يَثْبُتُ عَلَى النَّقْدِ، قَدْ فَشَت فِيهِ الرَّكَاكَة، وَالضَّعْف، وَالْخَبْط، وَالْخَلْط، وَالْخَلَل، وَالْخَطَل، وَالْحَشْو، وَاللَّغْو، وَالإِتْكَاء،
стр. 340
وَالْهُرَاء، وَالْهَذَر، وَالْهَذَيَان، وَقَدْ ضَرَبَتْ الرَّكَاكَة عَلَيْهِ أَطْنَابهَا، وَأَخَذَ الْعِيّ بِتَلْبِيبِهِ، وَأَخَذ الضَّعْف بِمُخَنَّقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَاقِطِ الْكَلامِ، وَمِنْ نُفَايَة الْكَلام، وَمِنْ فُضُول الْقَوْل.
وإَِنَّهُ لَكَلام مُبْهَم، مُغْلَق، مُعَقَّد، يَنْبُو عَنْهُ الْفَهْم، وَتَحَارُ فِيهِ الْبَصَائِر، وَتَضِلُّ فِي تِيهِهِ الأَوْهَام، وَتَسْأَمُهُ الطِّبَاع، وَتُعْرِضُ عَنْهُ الْقُلُوبُ، لا يَشِفّ ظَاهِره عَنْ بَاطِنِهِ، وَلا يَتَجَاوَبُ أَوَّله وَآخِره، وَلا تَعْرِفُ لَهُ وُجْهَة، وَلا يُسْفِرُ عَنْ مَعْنىً، وَلا يَرْجِعُ إِلَى مَحْصُول.
وَإِنَّمَا هُوَ أَلْفَاظ مَسْرُودَة تَنْهَالُ اِنْهِيَالاً، وَكَلِمَات شَوَارِد تُكَالُ جُزَافاً، وَفِقَر مُتَنَاكِرَة
стр. 341
تُعَارِضُ أَعْجَازهَا هَوادِيهَا، وَيَدْفَعُ آخِرهَا أَوَّلهَا، وَإِنَّمَا هِيَ جُمَلٌ مُتَقَطِّعَة السِّلْك، مُتَنَافِرَة اللُّحْمَة، سَقِيمَة الْمَعَانِي، مُلْتَاثَة التَّعْبِير، كَأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُعَمَّيَاتِ، وَضَرْبٌ مِنْ الْمُعَايَاةِ، وَضَرْب مِنْ الرُّقَى، وَكَأَنَّهَا رَطَانَة الأَعْجَام، وَكَأَنَّهَا طَنِينُ الذُّبَابِ.
وَتَقُولُ فِي وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: رَجُل بَلِيغ الْكَلام، بَلِيغ الْعِبَارَةِ، رَصِين التَّعْبِيرِ، مُهَذَّب اللَّفْظِ، وَاضِح الأُسْلُوبِ، مُشْرِق الدِّيبَاجَةِ، يُجَلِّي عَنْ نَفْسِهِ بِأَبْلَغ الْبَيَان، وَيُعَبِّرُ عَنْ ضَمِيرِهِ بِأَجْلَى الْعِبَارَات، وَيَبْلُغُ بِكَلامِهِ كُنْه الْقُلُوبِ، وَيَضَعُ لِسَانَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ قَبَضَ عَلَى أَزْمَة الْبَلاغَة، وَمَلَك أَعْنَاق الْمَعَانِي، وَسُخِّرَتْ لَهُ الأَلْفَاظ، وَأُوتِيَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنَوَابِغ الْحِكَمِ.
وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَلامِ، وَزُعَمَاء، الْخِطَاب، تُبَارِي أَسَلَةُ لِسَانِه أَطْرَافَ الأَسَلِ، وَتُبَارِي شُهُبُ خَاطِره شُهُبَ الظَّلام، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَبْلَغ النَّاس فِي مُخَاطَبَة،
стр. 342
وَأَثْبَتهمْ فِي مُحَاوَرَة، إِذَا افْتَنَّ فَتَن الأَلْبَابِ، وَسَحر الْعُقُول، وَخَلَبَ الأَسْمَاع، وَإِنَّهُ كَلامُهُ لَيَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب، وَتَشْتَمِل عَلَيْهِ الْقُلُوب، وَإِنَّهُ لَتُلْتَمَس فِي كَلامِهِ ضَوَالّ الْحِكْمَة، وَإِنَّ كَلامَهُ الْخَمْر أَوْ أَعْذَب، وَإِنَّ بَيَانَهُ السِّحْر أَوْ أَغْرَب، وَإِنَّ كَلامَهُ أَنْدَى عَلَى الأَفْئِدَةِ مِنْ زُلالِ الْمَاءِ، وَإِنَّهُ لآيَة مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَلاغَةِ التَّعْبِيرِ، وَإِصَابَةِ مَقَاتِل الأَغْرَاض، وَالْوُقُوعِ عَلَى شَوَاكِل السَّدَاد، وَتَطْبِيق مَفَاصِل الصَّوَاب، وَهُوَ أَفْصَحُ ذِي لِسَان، وَأَبْلَغُ ذِي لُبّ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْجَاحِظِ، وَأَبْلَغ مِنْ قُسّ بْن سَاعِدَة
стр. 343
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان عَيِّي، وَعَيّ، فَهٌّ، فَهْفَاه، مُفْحَم، عَيِّي اللِّسَان، حَصِر اللِّسَان، وَعْث اللِّسَان، بَرِم اللِّسَان قَطِيع اللِّسَان.
وَإِنَّهُ لَرَجُل فَدْم، عبَام، كَلِيل الذِّهْن، كَهَام الذِّهْن، مُتَخَلِّف الذِّهْنِ، بَلِيد الطَّبْعِ، بَلِيد الْبَادِرَة، مَيِّت الْحِسِّ، جَامِد الْقَرِيحَة، نَاضِب الرَّوِيَّة، خَامِد الْفِكْرَةِ، مَنْزُوف الْمَادَّة.
وَهُوَ غَثُّ الْكَلامِ، سَقِيم الأَدَاءِ، مُظْلِم الْعِبَارَة، رَثّ أَثْوَاب الْمَعَانِي، مُنْحَطّ عَنْ مَقَامَاتِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ مَوَاقِفِ الْبُلَغَاءِ، قَدْ مَلَكَتْ لِسَانَه الرَّكَاكَةُ، وَمَلَك ذِهْنَه الْعِيُّ، وَإِنَّهُ لا تَخْدِمُهُ قَرِيحَة، وَلا يَرْجِعُ إِلَى سَلِيقَة، وَلا يَحَورُ إِلَى ذَوْق، وَإِن بِهِ لَعِياً فَاضِحاً، وَهُوَ أَعْيَا مِنْ بَاقِل.
стр. 344
فَصْلٌ فِي الْخَطَابَةِ
يُقَالُ: فُلان خَطِيب مِصْقَع، مِصْدَع، بَسِيط اللِّسَان، قَوِيّ الْعَارِضَةِ، وَاسِع الْمَجَمّ، فَسِيح الْبَاع، رَحِيب الْمَجَالِ، بَعِيد النُّجْعَة، فَسِيح الْخُطَى، مُنْفَسِح الْخَطْو، بَعِيد الْخَطْو، بَعِيد الْغَايَةِ، بَعِيد الأَمَدِ، وَارِي الزَّنْد، مَصْقُول الْخَاطِرِ، طَلْق الْبَدِيهَة، سَمْح الْقَرِيحَة، وَاضِح الْمَنْهَجِ، حَسَن الْبَيَانِ، نَاصِع الْبَيَانِ، مُشْرِق دِيبَاجَة الْبَيَان، حَسَن اللَّفْظِ، أَنِيق اللَّهْجَة، جَزْل الْمَنْطِق، رَائِع الْمَنْطِق، عَذْب الْمَنْطِقِ، رَطْب اللِّسَانِ، بَلِيل اللِّسَان، خَلاب الْمَنْطِق، جَهِير الْمَنْطِق، وَجَهْوَرِيّ الْمَنْطِق، نَدِيّ الصَّوْت، أَجَشّ الصَّوْت، رَفِيع الصَّوْتِ، رَفِيع الْعَقِيرَة.
وَإِنَّهُ لَفَصِيح بَلِيغ، طَلِيق اللِّسَان، طَلِيق الْبَادِرَة، سَرِيع الْخَاطِرِ، حَافِر الْخَاطِر، غَمْر الْبَدِيهَة، ثَبْت الْبَدِيهَة،
стр. 345
حَاضِر الذِّهْنِ، كَأَنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَغْرَاضَهُ عَنْ حَبْل ذِرَاعه، وَكَأَنَّمَا يَتْلُو عَنْ ظَهْر قَلْبِه، لا يَتَلَكَّأُ فِي مَنْطِقِهِ، وَلا يَتَلَجْلَجُ، وَلا يَتَلَعْثَمُ، وَلا يَتَوَقَّفُ، وَلا يَعْتَرِضُهُ حَصْر، وَلا تَنَالُهُ حُبْسَة، وَلا تُرْهِقُهُ عُقْلَة، تَجْرِي الْفَصَاحَة بَين شَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ، وَتَجْرِي الْبَلاغَة بَيْنَ لِسَانِهِ وَفُؤَادِهِ، إِذَا تَكَلَّمَ تَحَدَّرَ تَحَدُّر السَّيْل، وَتَدَفَّق تَدَفُّق الْيَعْبُوب، وَمَلأ الأَسْمَاع وَالْقُلُوب، وَمَلأ الدَّلْو إِلَى عَقْد الْكَرَب.
وَإِنَّ فُلاناً لَمُحَدَّث بِمَا فِي الْقُلُوبِ، صَادِق الْفِرَاسَة بِمَا فِي الضَّمَائِرِ، كَأَنَّهُ كُوشِفَ بِمُغَيَّبَات الصُّدُور، وَاطَّلَعَ عَلَى مَا تَكُنُّ أَحْنَاء الضُّلُوع، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وَقَدْ فَجَّرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ عَلَى لِسَانِهِ، وَتَدَفَّقَتْ سُيُول الْبَلاغَة عَلَى لِسَانِهِ، إِذَا أَفَاضَ فِي كَلامِهِ مَلَكَ أَعِنَّة
стр. 346
الْقُلُوب، وَرَدّ شَارِد الأَهْوَاء، وَقَادَ حَرُون الشَّهَوَات، وَقَوْم زَيْغ النُّفُوس، وَاسْتَدَرَّ مَاء الشُّئُون، وَخَشَعَتْ لَهُ الأَبْصَار، وَسَكَنَتْ الْجَوَارِحُ، وَخَفَقَتْ الأَفْئِدَةُ، وَطَارَتْ النُّفُوس خَشْيَة وَرِقَّة، وَصَارَتْ جِبَال الْقُلُوب عِهْناً.
وَيُقَالُ: اِنْتَبَرَ الْخَطِيب إِذَا اِرْتَقَى فَوْقَ الْمِنْبَرِ، وَخَطَبَ فُلان فِي الْقَوْمِ، وَخَطَب الْقَوْمَ، وَقَامَ فِيهِمْ خَطِيباً، وَصَدَع بِكَلامِهِ، وَقَرَع الآذَان بِخِطَابِهِ، وَقَدْ اِرْتَجَلَ فُلان الْخُطْبَة، وَاقْتَضَبَهَا، وَابْتَدَهَهَا، وَاقْتَبَلَهَا، وَاقْتَرَحَهَا، إِذَا قَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهَيِّئَهَا.
وَاحْتَفَلَ لِلْخُطْبَةِ وَالْكَلامِ، وَاحْتَشَدَ لَهَا، وَتَعَمَّل لَهَا، إِذَا تَهَيَّأَ لَهَا وَأَعَدَّهَا، وَيُقَالُ: اِسْتَبْحَرَ الْخَطِيب إِذَا اِتَّسَعَ لَهُ الْقَوْلُ، وَفُلان يَهْضِبُ بِالْخُطَب أَيْ يُسَحُّ سَحاً، وَقَدْ عَبَّ عُبَابه إِذَا أَفَاضَ فِي الْقَوْلِ، وَقَدْ أَطَالَ عِنَان الْقَوْل، وَامْتَدَّ بِهِ نَفَس الْكَلامِ، وَسَالَ أَتِيّه، وَطَفَح آذِيُّه.
وَيُقَالُ لِلْفَصِيحِ: هَدَرَتْ شَقاشِقُه، وَفِي إِحْدَى خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ: " تِلْكَ شِقْشِقَة
стр. 347
هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ "، وَصَعِدَ فُلان الْمِنْبَر فَأُرْتِج عَلَيْهِ، وَرُجِيَ عَلَيْهِ، وَحَصِرَ، إِذَا اِسْتَغْلَقَ عَلَيْهِ الْكَلامُ.
وَفِي الأَمْثَالِ: " إِيَّاكَ وَالْخُطَب فَإِنَّهَا مِشْوَار كَثِير الْعِثَار ".
وَيُقَالُ: هَذِهِ خُطْبَة مُجْمَعَة أَي لَمْ يَدْخُلْهَا خَلَل. وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلانٌ مُتَشَدِّقٌ، مُتَفَيْهِق، ثَرْثَار، مِهْذار، غَثّ الْمَنْطِق، تَفِه الْكَلام، قَدْ مَلَكَتْ خِطَامه الرَّكَاكَة، وَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ الْعِيّ، وَإِنَّهُ لَيَمْلأ فَاه بِالْهَذَرِ، وَيَتَمَطَّق بِالْهُرَاءِ، وَيَتَنَطَّعُ بِفُضُولِ الْقَوْلِ، وَيَتَكَثَّرُ بِلَغْو الْمَقَال.
وَإِنَّهُ لمُسْتَهْجَن اللَّفْظ، مُسْتَهْجَن الإِشَارَة، أَرَتّ اللِّسَان، كَلِيل الْخَاطِر، إِذَا تَكَلَّمَ اِنْصَرَفَتْ عَنْهُ الْوُجُوهُ، وَتَفَادَتْ مِنْ سَمَاعِهِ الآذَان، وَأَعْرَضَتْ عَنْهُ الْقُلُوبُ، وَانْقَبَضَتْ مِنْهُ
стр. 348
الصُّدُورُ، وَسَئِمَتْهُ النُّفُوسُ.
وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَلامِهِ طَلاوَة، وَلا عَلَيْهِ رَوْنَق، وَلا وَرَاءهُ مَحْصُول، وَإِنَّمَا جُلُّ بِضَاعَتِهِ حَنْجَرَة صُلْبَة، وَشِقْشِقَة عَرِيضَة، وَأَلْفَاظ يَفْنَى بِكَثْرَتِهَا الرِّيق، وَتَضِيقُ مِنْ دُونِهَا أَصْمِخَة الآذَان.
فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ
يُقَالُ: فُلانٌ كَاتِبٌ مُجِيد، بَارِع، لَبِق، مُتَأَنِّق، مُتَفَنِّن، رَشِيق اللَّفْظِ، مُنَمَّق الْعِبَارَةِ، بَدِيع الإِنْشَاءِ، صَحِيح الدِّيبَاجَةِ، رَائِق الدِّيبَاجَة، أَنِيق الْوَشْي، حَسَن التَّحْبِير، حَسَن التَّرَسُّل، وَإِنَّهُ لَسَبَّاك لِلْكَلامِ، وَهُوَ مِنْ صِيَاغَة الْكَلام، وَإِنَّهُ لَجَيِّد السَّبْكِ، حَسَن الصِّيَاغَةِ، مَصْقُول الْعِبَارَةِ، حُرّ اللَّفْظِ، مُنْتَقَى اللَّفْظِ، سَهْل الأُسْلُوبِ، مُنْسَجِم التَّرَاكِيبِ، مُطَّرِد السِّيَاقِ، وَاضِح الطَّرِيقَةِ، نَاصِع الْبَيَانِ، سَلِيم الذَّوْقِ، عَذْب الْمَشْرَب، مُهَذَّب الْعِبَارَةِ، غَرِيزِيّ الْفَصَاحَة، مَطْبُوع عَلَى الْبَيَانِ، مُتَصَرِّف بِأَعِنَّة الْكَلام، مُتَفَنِّن فِي ضُرُوبِ الْخِطَابِ، لَطِيف الْمَدَاخِل وَالْمَخَارِج،
стр. 349
مَلِيح الْفُصُول، رَائِق الْفِقَر، مَقْبُول الإِطْنَابِ، بَلِيغ الإِيجَازِ، قَدْ أُنْزِلَتْ الْفَصَاحَة عَلَى قَلَمِهِ، وَأُنْزِلَت الْبَلاغَة عَلَى فُؤَادِهِ.
وَإِنَّهُ لَمِنْ أَجْرَى الْكُتَّاب قَرِيحَة، وَأَغْزَرهمْ مَادَّة، وَأَطْوَلهمْ بَاعاً، وَأَوْسَعهمْ مَجَالا، وَأَمْضَاهُمْ سَلِيقَة، وَأَسْرَعهُمْ خَاطِرا، وَأَحْضَرهُمْ بَيَاناً، وَإِنَّهُ لَيُبَارِي فِكْره الْبَرْق، وَتُبَارِي أَقْلامه النَّسِيم، وَتُبَارِي خَوَاطِرُه أَقْلامَه، وَتُبَارِي رَشَاقَةُ أَلْفَاظِهِ رَشَاقَةَ أَقْلامه.
وَإِنَّ فُلانا لَمِنْ أَكَابِر الْكُتَّاب، وَمِنْ مَشَاهِير الْمُتَرَسِّلِينَ، وَمِنْ نُخْبَةِ الْكُتَّابِ الْمُجِيدِينَ، وَمِنْ الْكَتَبَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَمِنْ قُرَّح الْكَتَبَة، وَهُوَ مُجَلِّي هَذِهِ الْحَلْبَة، وَهُوَ عُطَارِد فَلَكهَا، كَامِل الآلَةِ، مُتْقِن لأَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ، عَارِف بِآدَابِ الْكُتَّابِ، جَمِيل الْخَطِّ، مُتَضَلِّع مِنْ عُلُومِ الأَدَبِ، مُحِيط بِأَسْرَارِ الْبَلاغَةِ، مُتَبَحِّر فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، مُتَبَسِّط فِي فُنُون الْيَرَاع، حَافِظ لأَقْوال الْفُصَحَاء، وَخُطَب الْبُلَغَاء، مُطَّلِع عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدِين، جَامِع لِلْحِكَمِ الْمَسْطُورَةِ،
стр. 350
وَالأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ، وَالْبَلاغَاتِ الْمَأْثُورَةِ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْء مِنْ طَرَائِفِ الْكَلامِ، وَلَطَائِفه، وَنَوَادِره، وَنِكَاته، مُتَبَحِّر فِي مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، مَحْص لِفَرَائِدِهَا، عَارِف بِفَصِيحِهَا وَرَكِيكِهَا، ومَأْنُوسِها وَغَرِيبِهَا، عَلِيم بِأَسْرَارِ اللَّفْظِ وَاشْتِقَاقه، وَحَقِيقَته وَمَجَازه، بَصِير بِصَرْفِ الْكَلامِ، خَبِير بِنَقْدِ جَيِّده وَرَدِيئة، مُتَصَرِّف فِي رَقِيقِهِ وَجَزْلِهِ، مُجَوِّد فِي مُرْسَلِهِ، وَمُسَجَّعه.
وَإِنَّهُ لَيَتَعَهَّد كَلامهُ، وَيُكْثِرُ فِيهِ مِنْ التَّأَنُّقِ، وَيُبَالِغُ فِي تَنْقِيحِهِ، وَتَصْحِيحِهِ، وَتَحْرِيرِهِ، وَتَحْبِيره، وَتَهْذِيبه، وَتَشْذِيبه، لا تَرَى فِي سِلْكِهِ أُِبْنَة، وَلا فِي نِظَامِهِ تَشَظِّياً،
стр. 351
وَلا تَرَى فِي كَلامِهِ رَكَاكَة، وَلا غَثَاثَة، وَلا سَخَافَة، وَلا قَلَقاً، وَلا تَعَسُّفاً، وَلا تَكَلُّفاً، وَلا مُنَافَرَة، وَلا مُعَارَضَة، وَلا تَنْقَطِعُ سِلْسِلَة أَغْرَاضه، وَلا تَتَبَايَنُ لُحْمَة مَعَانِيه، وَلا يَهْجُمُ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ بَابِهِ.
وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ الْمُحَبَّرَة، وَمِنْ كُتَّابِ الرَّسَائِلِ، وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ، مُتَصَرِّف فِي جَمِيعِ فُنُون المُرَاسَلات، وَالْمُكَاتَبَات، وَالْمُخَاطَبَات، وَالْمُطَارَحَات، وَالْمُرَاجَعَات، مُحْسِن فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الرَّسَائِلِ، وَالْكُتُبِ، وَالرِّقَاع، وَالْمآلِك.
وَقَدْ كَتَبَ الرِّسَالَةَ، وَسَطَّرَهَا، وَرَقَمَهَا، وَرَقَشَهَا، وَنَمَّقَهَا، وَدَبَّجَهَا، وَحَبّرهَا، وَوَشَّاهَا، وَزَخْرَفَهَا، وَطَرَّزَهَا، وَنَمْنَمَهَا.
وَصَدَّر رِسَالَته بِكَذَا، وَعَنْوَنَهَا بِكَذَا، وَقَرَأْت هَذَا الْخَبَرَ فِي لَحَق كِتَابِهِ وَهُوَ مَا يُلْحَقُ بِالْكِتَابِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَتُلْحِقُ بِهِ مَا سَقَطَ عَنْك، وَجَاءَ كَذَا فِي إِزَار كِتَابه وَهُوَ مَا يُكْتَبُ آخِر الْكِتَابِ مِنْ نُسْخَة عَمَل أَوْ فَصْل فِي بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ، وَقَدْ أَزَّر كِتَابَهُ بِكَذَا.
وَهُوَ أَكْتَب مِنْ الصَّابِئِ،
стр. 352
وَأكْتَب مِنْ اِبْن الْمُقَفَّع، وأكْتَب مِنْ عَبْد الْحَمِيد.
وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلان مِنْ ضَعَفَة الْكُتَّاب، وَمِن أَصَاغِر الْكُتَّاب، وَمُتَخَلِّفِي الْكُتَّاب، سَقِيم الْعِبَارَةِ، سَخِيف الْكَلامِ، ضَعِيف الْمَلَكَةِ، ضَعِيف الأَدَاةِ، قَاصِر الآلَةِ، ضَيِّق الْحَظِيرَةِ، ضَيِّق الْمُضْطرَبِ، مُتَطَفِّل عَلَى مَوَائِد الْكَتَبَة، مُنْحَطّ عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، بَعِيد عَنْ مَذَاهِبِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، عَامِّيّ اللَّفْظ، مُبْتَذَل اللَّفْظِ، مُبْتَذَل التَّرَاكِيبِ، يَتَلَمَّظُ بِرَكِيكِ الْكَلِمِ، وَيَحُومُ حَوْلَ الْمَعَانِي الْمَطْرُوقة، ضَعِيف النَّقْدِ، سَيِّئ اِخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ، لَمْ يَطَأْ عَتَبَةَ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُصَافِحْ رَاحَة الأَدَبِ، وَلَمْ يَرْتَضِعْ أَخْلاف الْفَصَاحَة، وَقَدْ أَلِفَ مَضَاجِع الرَّكَاكَة، وَنَشَأَ عَلَى وَهْن السَّلِيقَة، وَقَعَدَ بِهِ طَبْعه عَنْ مُجَارَاةِ الْبُلَغَاءِ.
وَفُلانٌ مِنْ صَيَارِفَة الْكَلام، جُلّ بِضَاعَتِهِ مَا يَنْسَخُهُ مِنْ كَلامِ الْفُصَحَاءِ، وَيَمْسَخُهُ مِنْ أَلْفَاظِ
стр. 353
مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، يُبَدِّلُ جَيِّدَهُ بِالرَّدِيءِ، وَيَخْلِطُ الْفَصِيح مِنْهُ بِالْعَامِّيِّ، وَيُفْرِغُهُ فِي قَالَبٍ مِنْ أُسْلُوبِهِ تَتَعَاوَرُهُ الرَّكَاكَة، وَيُشَوِّهُهُ اللَّحْن، وَيَتَجَاذَبُهُ التَّعْقِيد، وَلا يَرْجِع إِلَى ذَوْق، وَلا تَخْدِمُهُ سَلِيقَة، وَلا يَمُدّهُ اِطِّلاع، وَلا يُمَحِّصُهُ نَقْد، وَلا يَعْلَقُهُ لِلْفَصَاحَةِ سَبَب.
فَصْلٌ فِي الشِّعْرِ
يُقَالُ: فُلانٌ شَاعِرٌ مُتَفَنِّنٌ، مُجِيد، مُتَأَنِّق، مُتَنَوِّق، مُفْلِق، بَلِيغ، فَحْل، خِنْذِيذ، عَزِيز الْمَذْهَبِ، بَعِيد الْغَايَةِ، رَفِيع الطَّبَقَة، مُتَصَرِّف فِي فُنُونِ الشِّعْرِ، مُوفٍ عَلَى شُعَرَاءِ عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرُ عَصْرِهِ، وَهُوَ أَشْعَرُ أَهْل عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرُ بَنِي فُلان، وَهُوَ شَاعِرُهُمْ غَيْر مُدَافِع، وَهُوَ شَاعِرٌ بِالطَّبْعِ، وَشَاعِرٌ مَطْبُوعٌ، وَهُوَ مِنْ أَطْبَع النَّاس، وَهُوَ مِنْ فُحُول الشِّعْرِ، وَفُحُولَته، وَمِنْ أُمَرَاءِ الشِّعْرِ، وَزُعَمَاء الْقَوْل، وَمِنْ مَشَاهِير الشُّعَرَاءِ، وَمِنْ
стр. 354
الشُّعَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ، جَيِّد الشِّعْر، رَصِين الشِّعْرِ، جَيِّد النَّظْمِ، الْحَبْك، صَحِيح السَّبْكِ، مُنَضَّد اللَّفْظ، مُرَصَّف الْمَعَانِي، مُنْسَجِم الْكَلام، رَائِق الأُسْلُوبِ، مَلِيح الدِّيبَاجَة، حَسَن الْوَشْي، شَائِق اللَّفْظ، رَشِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْفِكْرِ، دَقِيق السِّلْكِ، لَطِيف التَّخَيُّل، مَطْبُوع النَّادِرَةِ، نَبِيه الأَغْرَاض، شَرِيف الْمَعَانِي، وَاضِح الْمَنْهَجِ، سَدِيد الْمَسْلَكِ، سَهْل الشَّرِيعَةِ، لَيْسَ فِي شِعْرِهِ تَكَلُّف، وَلا تَعَسُّف، وَلا تَعَمُّل، وَلا قَلَق، وَلا اِرْتِبَاك، وَلا تَعْقِيد، وَلا غُمُوض، وَلا اِلْتِبَاس، وَلا تَقْصِير.
وَلَيْسَ فِيهِ حَشْو، وَلا سَفْسَاف، وَلا لَغْو، وَلا إِحَالَة، وَلا ضَرُورَة، وَلا تَجَوُّز، وَلا تَسَمُّح.
وَلا تَرَى فِي قَوَافِيهِ قَلَقاً، وَلا ضَعْفاً، وَلا نُفُوراً، وَلا هِيَ أَجْنَبِيَّة، وَلا مُسْتَدْعَاة، وَلا يَسْتَكْرِهُهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، وَلا يَركَب فِيهَا عَيْباً وَلا سِناداً.
وَفُلانٌ مِنْ قَالة الشِّعْر، وَحَاكَّة الشِّعْر، وَصَاغَة الشِّعْر، وَصَاغَة الْقَرِيض، ورُوَّاض الْقَوَافِي، وَإِنَّ لَهُ شِعْراً
стр. 355
صَافِي الدِّيبَاجَة، نَقِيّ الْمُسْتَشَفّ، كَثِير الطُّلاوَة، كَثِير الْمَاءِ كَثِير الْمَحاسِن، واللَّطَائِف، والْمُلَح، والنُّكَت، والْبَدَائِع، وَالطُّرَف، وَإِنَّ شِعْرَهُ لَيَتَدَفَّق طَبْعاً وَسَلاسَة، وَيَطَّرِد فِيهِ مَاء الْبَدِيع، وَيَجُولُ فِيهِ رَوْنَق الْحِسّ، رَقِيق التَّشْبِيب، رَائِق النَّسِيب، حُلْو التَّغَزُّلِ، حَسَن الْمَطَالِعِ وَالْمَقَاطِعِ، حَسَن التَّشَابِيه، بَدِيع الاسْتِعَارَات، لَطِيف الْكِنَايَاتِ.
وَفُلانٌ إِذَا رَامَ نَظْم الشِّعْرِ قَامَتْ الأَلْفَاظُ فِي خِدْمَتِهِ، وَتَلَبَّبَتْ الْمَعَانِي لِدَعْوَتِهِ، وَإِنَّهُ لَيَرُوض الْقَوَافِيَ الصَّعْبَة، وَتَرْتَاض لَهُ شُمُس الْقَوَافِي، وَيَسْتَفْتِحُ أَغْلاق الْمَعَانِي، وَيَغُوصُ عَلَى الْمَعْنَى الْغَرِيبِ، وَالنُّكْتَةِ النَّادِرَةِ، وَلا يَزَالُ يَأْتِي بِالْبَيْتِ النَّادِرِ، وَالْمَثَلِ السَّائِرِ، وَالْحِكْمَةِ الْبَلِيغَةِ، وَالْمَعْنَى الْبَدِيعِ.
وَإِنَّهُ لَيَبْتَكِر الْمَعَانِيَ، وَيَسْتَنْبِطهَا، وَيَخْتَرِعهَا، وَيَبْتَدِعهَا، وَيَقْتَرِحهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ مُبْتَكَرَاتِ فُلان، وَمِنْ بَنَاتِ أَفْكَارِهِ، وَمِنْ مُخَدَّرَات أَفْكَاره، وَمِنْ أَبْكَار مُخْتَرَعَاته، وَإِنَّ فُلاناً لَيَزُفّ بَنَات الأَفْكَارِ، وَيَجْلُو أَبْكَار الْمَعَانِي، وَقَدْ جَاءَ
следующие страницы →