← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما أفضلهم: فقال منصور البغدادي التميمي (١): أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون تمام العشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان، وسموا المهاجرين مهاجرين لأنهم هجروا بلادهم أي تركوها وصاروا إلى رسول الله ﷺ (٢). واعلم أن الخزرجيين، والأوسيين، والنجاريين، والحارثيين، والساعديين، والسلميين (٣) كلهم أنصاريون، فهؤلاء شعب من قبيلة. قال ابن الكلبي: الشعوب أكبر من القبائل واحدها شعب بفتح الشين (٤)، ثم القبائل (٥)، ثم العمائر (٦)، واحدها عمارة بفتح العين، ثم البطون (٧)، ثم الأفخاذ (٨)، ثم الفصائل (٩)، ثم العشائر.

стр. 142

وقيل: العشائر قبل الفصائل، وقيل: الشعوب الجماهير والجراثيم التي تفرقت منها العرب، ثم تفرقت القبائل من الشعوب، ثم تفرقت العمائر من القبائل، ثم البطون من العمائر، ثم الأفخاذ من البطون، ثم الفصائل من الأفخاذ وليس دون الفصائل شيء. قيل: الشعوب للعجم والقبائل للعرب، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ (١)، والقبائل في بني إسماعيل، والأسباط في بني إسحاق. حكاه القرطبي (٢). وقال أبو عبيد: العشيرة رهط الرجل، والفصيلة أهل بيت الرجل (٣). وعن محمد بن السائب: إنما سميت العرب شعوبا لأنهم قيل لهم ذلك حين تفرقوا من ولد إسماعيل، ومن ولد قحطان، ثم القبائل حين تقابلوا ونظر بعضهم إلى بعض في حلة واحدة، ثم العمائر حين سكنوا الأرض وعمروها، ثم البطون حين استبطنوا الأودية وبنوا بها البيوت الشعر، ثم الأفخاذ، والفخذ أصغر من البطن، ثم الفصائل وهم الأحياء، ثم العشائر حين انضم كل بني أب إلى أبيهم دون عمهم، وليس بعد العشيرة شيء ينسب إليه. والشعب (٤) مثل: ربيعة (٥)، ومضر (٦)، وإياد (٧)،

стр. 143

وأنمار (١)، وحمير (٢). والقبائل مثل: كنانة (٣)، وأسد (٤)، وهذيل (٥)، وتميم (٦)، وضبة (٧)، والرّباب (٨)، ومزينة (٩)./والبطون مثل: فهر بن مالك قريش (١٠)، وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة (١١)، وبني الحارث بن عبد مناة (١٢)، وبني عامر بن عبد مناة (١٣)، وبني مدلج بن مر بن عبد مناة (١٤) كلهم

стр. 144

من كنانة. والأفخاذ مثل: لؤي بن غالب (١)، وتميم الأدرم بن غالب (٢)، ومحارب والحارث ابنا فهر (٣). والفصائل مثل: قصي بن كلاب (٤)، [وزهرة ابن كلاب (٥)] (٦)، وبني مخزوم (٧)، وبني تميم (٨)، وجمح (٩)، وسهم (١٠)، وعدي بن كعب (١١). والعشائر مثل: عبد مناف (١٢)، وعلي عبد مناف [اقتصر رسول الله ﷺ ] (١٣). وقيل: ولم يسلم من جميع قبائل العرب ألف إنسان في وقت واحد إلا من بني سليم (١٤)، وذلك أن إنسانا منهم أتى بضب إلى رسول الله ﷺ .

стр. 145

[وقال: والله لا أسلم حتى يسلم هذا الضب، فكلم رسول الله ﷺ الضب فأجابه، فأسلم الرجل ورجع إلى قومه، فأتى منهم ألف، فأمرهم رسول الله ﷺ ] (١) أن يكونوا تحت راية خالد بن الوليد (٢). حكاه الشهرستاني. الضب: دابة لا ترد الماء أبدا (٣). انتهى.

стр. 146

الباب الثاني في ذكر المدينة الشريفة وهجرة النبي ﷺ وأصحابه إليها وفيه فصلان: الفصل الأول ما جاء في فتحها عن عائشة ﵂ قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف، وافتتحت المدينة بالقرآن (١). واختلف في فتح مكة، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من المتقدمين والمتأخرين أنها افتتحت عنوة، وقال الشافعي وحده: افتتحت صلحا (٢). حكاه القاضي عبد الوهاب في «عيون المجالس». قال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه (٣): «فالمدينة الشريفة لم تفتح بقتال، إنما كان رسول الله ﷺ ، يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب ويقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ

стр. 147

كلام ربي». فيأتونه، فيقولون له: قوم الرجل أعلم به، حتى لقي (١) في بعض السنين نفرا عند العقبة (٢) الأولى من الأوس والخزرج (٣)، قدموا في المنافرة التي كانت بينهم، فجلسوا مع النبي ﷺ ، فدعاهم إلى الله ، وتلى عليهم القرآن، وكانوا أصحاب أوثان، وكان إذا وقع بينهم وبين اليهود واقع، قالت [اليهود] (٤) لهم: إن النبي المبعوث الآن قد أظل زمانه، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فقال النفر بعضهم لبعض: تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه، فاغتنموه، فأجابوه، وصدقوه، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، وكانوا ستة: الأول: أسعد بن زرارة أبو أمامة من بني مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، بايع في العقبة الأولى والثانية، فهو أحد النقباء الستة ليلة العقبة الأولى، [وأحد النقباء في العقبة الثانية] (٥) - وكانوا إثنا عشر رجلا - كما سيأتي (٦) - وهو أول من بايع النبي، ﷺ ، من أصحابه (٧)، وأول من قدم المدينة بالإسلام (٨)، وأول من دفن بالبقيع من الأنصار (٩)، توفي قبل بدر

стр. 148

في شوال على رأس تسعة أشهر من الهجرة، وكانت بدر في رمضان سنة إثنتين (١). وأول من مات من النقباء المذكورين: البراء بن معرور، وهو أول من تكلم ليلة العقبة (٢). قال أبو عبد الله الحاكم في «علوم الحديث»: وجدت بخط أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد/بن عبد الوهاب، قال: قلت لعلي بن عثام - بالثاء المثلثة - لم سموا نقباء؟ قال: النقيب ضمين، ضمنوا لرسول الله ﷺ ، إسلام قوم، فسموا بذلك نقباء (٣). الثاني من الستة: عوف بن عفراء، وعفراء أمه، وأبوه الحارث بن رفاعة. الثالث: رافع بن مالك بن العجلان. الرابع: قطبة بن عامر بن حديدة. الخامس: عقبة بن عامر بن نابي. السادس: جابر بن عبد الله بن رئاب، وهؤلاء هم النقباء الستة (٤). فلما قدموا المدينة عند رسول الله ﷺ ، ذكروا لقومهم رسول الله، ﷺ ، ودعوهم إلى الإسلام، ففشى ذلك حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا

стр. 149

ولرسول الله، ﷺ ، فيها ذكر (١). ووافى الموسم في العام القابل منهم إثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وأبو الهيثم بن التيهان، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، وعبادة بن الصامت، ورافع بن مالك. فبايعوا رسول الله، ﷺ ، بالعقبة الأولى (٢)، فلما انصرفوا بعث رسول الله، ﷺ ، معهم مصعب بن عمير إلى المدينة، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، فقدموا المدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة (٣). ولقيه ﷺ في الموسم الثالث (٤): سبعون رجلا من الأنصار، ومعهم امرأتان، فبايعوه (٥). وفي هذه البيعة نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٦) الآية، وكان أصغرهم سنا: عقبة بن عمرو، وهذه بيعة العقبة الكبرى، وأرسل رسول الله، ﷺ أصحابه إلى المدينة، ثم خرج إلى غار ثور (٧) بعد ذلك (٨).

стр. 150

الفصل الثاني في ذكر هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة المشرفة اعلم أن هجرة النبي، ﷺ ، إلى المدينة هي من بعض معرفة دلائل صفات نعوته في الكتب الإلهية، وقد نطقت الأخبار بأن المدينة دار هجرة نبي يخرج في آخر الزمان (١). ذكر صاحب «الدر المنظم» (٢)، والشهرستاني في كتابه «أعلام النبوة» في قصة مختصرها (٣): أن سيف بن ذي يزن الحميري (٤) لما ظفر بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله، ﷺ ، قصدته وفود العرب بالتهنئة، وخرج إليه وفد قريش، وفيهم عبد المطلب إلى صنعاء، وهو في قصره المعروف: بغمدان (٥)، فلما دخلوا عليه، واتفق ما اتفق، قال سيف لعبد المطلب: «إني وجدت في الكتاب المكنون، والعلم المخزون، الذي اخترناه لأنفسنا دون غيرنا، خبرا جسيما، وخطرا عظيما، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، وهو للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، ثم قال له: إذا ولد بتهامة غلام به علامة كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة/إلى يوم القيامة، ولولا أن الموت يجتاحني قبل

стр. 151

مبعثه لسرت بخيلي ورجلي، حتى أصير بيثرب دار مملكته، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن يثرب استحكام ملكه وأهل نصرته، وموضع قبره فيها، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأوطأته العرب، ولكني صارف إليك ذلك، عن غير يقين بمن معك، ثم أمر لكل واحد من قومه بجائزة (١)، وأجاز عبد المطلب بأضعافها، ثم قال له: إئتني بخبره، وما يكون من أمره على رأس الحول، فمات سيف قبل أن يحول عليه الحول. وقد جاء في بعض الأحاديث: أخبرنا رسول الله، ﷺ عن صفته في التوراة: «عبدي أحمد المختار، مولده مكة، ومهاجره بالمدينة - أو قال: طيّبة - أمته الحمادون لله على كل حال» (٢). وقيل: في معنى قوله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٣) أي: وجدك ضالا عن الهجرة، فهداك إليها (٤). وقيل: وجدك ضالا بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة (٥). وقيل: في قوله تعالى ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ﴾ (٦) أن السائحين: المهاجرون (٧). وقيل: لم يهاجر النبي، ﷺ ، حتى طلب الهجرة، لقوله تعالى حكاية

стр. 152

عنه: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (١) فالداعي: محمد، ﷺ ، والقرية: مكة، والولي النصير: الأنصار (٢). وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵇، فقلت له: يا جبريل من يهاجر معي؟، قال: أبو بكر، وهو يلي أمتك من بعدك، وهو أفضل أمتك» (٣). وروى البخاري في صحيحه (٤) من حديث الهجرة: أن النبي، ﷺ ، قال للمسلمين: «إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان». وروينا في الصحيحين (٥): من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁، عن النبي، ﷺ أنه قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي (٦) إلى أنها اليمامة أو هجر (٧)، فإذا هي المدينة:

стр. 153

يثرب». فلما ذكر النبي ﷺ هذا المقام لأصحابه هاجر من هاجر منهم قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة (١). وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة: حاطب بن عمرو (٢)، وقيل: عبد الله بن عبد الأسد بن هلال (٣)، وأول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ (٤). وتجهز أبو بكر ﵁ قبل المدينة، فقال له رسول الله، ﷺ : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله، ﷺ ، ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده الخبط (٥) أربعة أشهر (٦). قالت عائشة، ﵂: فبينما نحن يوما جلوس في بيت /أبي بكر في نحر (٧) الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله، ﷺ ، متقنعا - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء رسول الله، ﷺ ، فاستأذن،

стр. 154

فأذن له، فدخل، قال: «فإني قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال رسول الله، ﷺ : نعم، فقال أبو بكر: [فخذ] (١) بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله، ﷺ : «بالثمن» (٢). قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعت لهما سفرة في جراب. السفرة: طعام يتخذه المسافر، وكان أكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد، كالراوية اسم البعير ونقلت إلى المزادة (٣). قاله الخليل. قالت عائشة: فقطعت أسماء ابنة أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت: ذات النطاقين. النطاق أن تأخذ المرأة الثوب فتشتمل به ثم تشد وسطها بخيط، ثم ترسل الأعلى على الأسفل (٤). أسماء ابنة أبي بكر، ﵁، تزوجها الزبير بن العوام، فولدت له عبد الله وعروة والمنذر وعاصم والمهاجر وخديجة وأم الحسن (٥)، توفيت سنة ثلاث وسبعين بمكة (٦)، جميع ما روت ثمانية وخمسون حديثا (٧).

стр. 155

قالت عائشة، ﵂: ثم لحق رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال (١). عن أنس بن مالك، وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة أن ليلة الغار أمر الله تعالى شجرة فنبتت تجاه النبي، ﷺ ، فسترته، وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار (٢). وفي حديث آخر: أن العنكبوت نسجت على باب الغار (٣). قلت: وهذا الغار معروف إلى اليوم، وسمي الجبل ثورا، وإنما اسمه أطحل، سمي بثور بن عبد مناة بن طابخة لأنه كان ينزله (٤). فائدة: ذكر بعض العمالين أنه عرف رجلا كان له بنون جماعة، وأموال كثيرة، وأنه أصيب في ذلك كله، فلم يحزن على شيء من ذلك لقوة صبره، قال فسألته عن ذلك فقال: أنه روي أنه من دخل غار ثور - الذي آوى إليه رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر الصديق، ﵁ وسأل الله تعالى أن يذهب عنه الحزن، لم يحزن بعدها على شيء من مصائب الدنيا، وقد فعلت ذلك فما ترى منه.

стр. 156

قلت: والخاصية في ذلك من قوله تعالى ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ (١). ورأيت بهذا الجبل حيوانا يسمى «الحلقوم» له ألف كراع، في مائتي رجل، ورأيته بأرض الطائف ونخلة (٢) وبالقدس من أرض فلسطين، وأنشدت بالجبل حين غروب الشمس لمعنى رأيته في سنة أربع وخمسين وسبعمائة (٣)، وأنا ناظر إلى البحر منه: واصفر لون محيا الشمس إذ شهدت … من قدرة الله في الأكوان كم عجب وامتد بالشط من أنوار بهجتها … والنور جسر يحاكي صفرة الذهب /قالت عائشة، ﵂: فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر (٤)، وهو غلام شاب لقن (٥)، فيدلج (٦) من عندهما بسحر، ويصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان (٧) به إلا وعاه حتى

стр. 157

يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. وفي حديث مرسل أن النبي، ﷺ قال: «مكثت في الغار مع صاحبي بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا ثمر البرير (١)» - يعني ثمر الأراك. الحديث المرسل (٢): هو الذي يرويه التابعي عن النبي، ﷺ ، من غير واسطة. قالت عائشة، ﵂: ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر منحة (٣) من غنم، فيريحها (٤) عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل (٥) حتى ينعق بها عامر بغلس (٦)، يفعل ذلك في كل ليلة. عامر بن فهيرة أحد كتاب النبي، ﷺ (٧). وكتابه (٨) ﷺ ثلاثة عشر: الأربعة الخلفاء. الخامس: عامر - المذكور - قتل يوم بئر معونة (٩).

стр. 158

السادس: عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، كتب للنبي، ﷺ ، ولأبي بكر ولعمر، توفي سنة سبع وثلاثين (١). السابع: أبي بن كعب، وهو أول من كتب الوحي لرسول الله، ﷺ ، عند مقدمه إلى المدينة، توفي سنة ثلاث، وقيل: اثنتين وثلاثين (٢)، جميع ما روى مائة حديث وأربعة وستون حديثا (٣). الثامن: ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، قتل يوم اليمامة، سنة إحدى عشر (٤)، وهو الذي أجيزت وصيته بعد موته، وذلك أنه كان عليه درع نفيس، فلما قتل أخذه بعض المسلمين، فبينما رجل نائم إذ أتاه ثابت وقال له: إني قتلت أمس، وأخذ درعي رجل منزله في أقصى الناس، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فمر خالدا - يعني خالد بن الوليد - فيأخذ درعي، فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله، ﷺ ، - يعني أبا بكر الصديق، ﵁ فقل له: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق فلان، فأخذوا الدرع، وفعلوا ما أمر به، فلا يعلم من أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت (٥).

стр. 159

التاسع: خالد بن سعيد بن العاص (١). العاشر: حنظلة بن الربيع الأسيدي (٢). الحادي عشر: زيد بن ثابت بن الضحاك، كان يقرأ الكتب التي ترد على النبي، ﷺ ، بالخط السرياني (٣)، توفي سنة إثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين (٤)، وخلف من الذهب مائة ألف دينار، ومن الفضة ما كان يكسر بالفؤوس، جميع ما روي إثنان وتسعون حديثا (٥). الثاني عشر: معاوية بن أبي سفيان، كان أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، وقال: أنا أول الملوك. ولاه عمر الشام عند موت أخيه يزيد، وقال فيه عمر لما دخل الشام ورآه: هذا كسرى العرب، توفي سنة ستين بدمشق (٦). جميع ما روي مائة حديث وثلاثة وستون حديثا (٧). الثالث عشر: شرحبيل بن حسنة بن عبد الله بن المطاع، توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة (٨).

стр. 160

وقال ابن الجوزي في «المنتخب» (١):/ «كتّاب الوحي أحد عشر، فنقص من المذكورين: عامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس، وشرحبيل بن حسنة، وزاد: أبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وقد وافق على القول الأول محب الدين أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري في «مختصر السيرة» له (٢). رجعنا إلى القصة: قالت عائشة، ﵂: واستأجر رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر رجلا من بني الدّئل - وهو من بني عبد بن عدي (٣) - ماهرا بالهداية، وهو على دين كفار قريش، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل فأخذ بهم طريق السواحل (٤). وكان اسم دليلهم: عبد الله بن الأريقط الليثي، ولم يعرف له إسلام بعد ذلك (٥). وكانت هجرته، ﷺ ، يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول (٦)، وقيل: كانت آخر ليلة من صفر، وعمره إذ ذاك ثلاثا وخمسين سنة، بعد المعراج بسنة

стр. 161

وشهرين ويوم واحد، فكان بين المبعث والهجرة إثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما، وقيل: كانت إقامته بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة (١). وقيل: كان دليل رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة سعد العرجي، وهو سعد ابن الحارث بن كعب بن هوازن (٢)، وإنما قيل له العرجي، لأنه اجتمع مع رسول الله، ﷺ ، بالعرج (٣) وهو يريد المدينة، فأسلم وكان دليلهم (٤). ومروا على خيمتي أم معبد الخزاعية (٥)، فوجدوا عندها شاة قد خلفها الجهد، فاستأذنها في أن يحلبها، فأذنت له، فمسح رسول الله، ﷺ ، ضرعها بيده، وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرت. فتفاجت: أي فتحت ما بين رجليها - فحلب، وسقى أصحابه، وسقى أم معبد، وشرب، ثم حلب إناء وغادره عندها، ثم بايعها ﷺ ، على الإسلام، وارتحل عنها (٦)، وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو ينشد (٧):

стр. 162

جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى فاهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا آل قصي ما زوى الله عنكم … به من فعال لا يجازى وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت له … بصريح ضرة الشاة مزبد /الصريح الخالص، والضرة لحم الضرع. قال أهل السير (١): ولقي رسول الله، ﷺ ، الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله، ﷺ ، وأبا بكر ثياب بياض وسمعوا أهل المدينة بقدوم رسول الله، ﷺ ، فكان المسلمون في كل يوم يخرجون من الصبح إلى ثنية الوداع (٢) ينتظرون قدوم رسول الله، ﷺ ، فحين قدم قال قائلهم: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعى لله داع أنت مرسل حقا … جئت من أمر مطاع

стр. 163

جئتنا تمشي رويدا … نحونا يا خير ساع (١) قال صاحب «رفع الغواشي»: أضيفت الثنية إلى الوداع، لأنها موضع التوديع، وهو اسم قديم جاهلي، وهذه الثنية خارج المدينة الشريفة (٢). وأقبل رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة، وكان مردفا لأبي بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي ﷺ ، شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل الذي يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير (٣). وقدم ﷺ ، المدينة حين اشتد الضحى من يوم الإثنين، وتلقى المسلمون رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف - كما سيأتي - فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ ، صامتا، وطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله، ﷺ ، يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله، ﷺ ، فأقبل أبو بكر، حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله، ﷺ ، عند ذلك (٤). إشارة إلى ميل النفس إلى الوطن فيما ظهر منها أو بطن: يروى أن النبي، ﷺ ، لما سار إلى المدينة تذكر مكة في طريقه، فاشتاق

стр. 164

إليها فأتاه جبريل ﵇ فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (١) أي مرجع. قيل معناه: لرادك إلى معاد مكة (٢)، وقيل: معاده الجنة (٣). حكاه العزيزي في تفسيره. قال ابن الجوزي في «المدهش»: فهذا دليل على [أن] (٤) النبي، ﷺ ، خرج من مكة، وهو مشتاق فيها، وكذلك كل شخص فارق وطنه، ومما يؤكد دليل حب الوطن قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (٥) فساوى بين القتل والخروج من الأوطان. وقد أوصى الإسكندر عند موته إذا مات أن يحمل إلى بلده حبا لوطنه (٦). واعتل أسفنديار (٧) في بعض غزواته، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال:

стр. 165

شمة من تربة بلخ (١)، وشربة من ماء واديها. واعتل/سابور ذو الأكتاف (٢) بالروم، وكان مأسورا بها وكانت بنت ملكهم قد عشقته، فقالت له: ما تشتهي؟ فقال: شربة من ماء دجلة وشميما من تراب إصطخر (٣)، فعرت عنه أياما، ثم أتت بماء من الفرات وقبضة من شاطئه، وقالت: هذا من دجلة، وهذا من [تربة] (٤) أرضك، فشرب بالوهم، واشتم من تلك التربة فنقته من علته. وكانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة بلدها، فتستشفى به عند مرض يعرض لها. ذو الأكتاف كان من أطرف ملوك فارس ولاية (٥)، وكان أول ملوك فارس دارا، ملك نحوا من مائتي سنة ثم ملك بعده خمسة عشر ملكا (٦)، منهم امرأتان (٧)، وكان آخر القوم: يزدجرد (٨)، هلك في زمان عثمان رضي

стр. 166

الله عنه، وكان ملكهم خمسمائة سنة وكسرا (١). ولا يعرف من ملك، وهو في بطن أمه غير سابور، فإن أباه مات ولا ولد له، وإنما كان هذا حملا، فقال المنجمون: هذا الحمل يملك الأرض، فوضع التاج على بطن أمه، وكتب منه إلى الآفاق وهو جنين (٢). وقال وهب في كتابه «التيجان في ذكر آل النعمان» وهو المعافر بن يعفر الملك المتوج ملك أيضا وهو في بطن أمه. وأما سابور، فإنما لقب بذي الأكتاف: لأنه حين ملك، كان ينزع أكتاف مخالفيه، كما لقب فرعون بذي الأوتاد، وذلك لأنه كان يضرب أوتادا في الأرض يربط بها من أراد عذابه (٣). وسابور: هو الذي بني الإيوان (٤) وسجستان (٥) والسوس (٦)، وما زال الملك ينتقل فيهم إلى أن ملك أنوشروان (٧)، وهو آخرهم، وكان له إثنا عشر ألف امرأة وجارية، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحدا، وفي زمانه ولد نبينا محمد، ﷺ ، ومات لثمان سنين مضت من المولد الكريم، ولما دخل

стр. 167

الناس المدائن أحرقوا ستر باب الإيوان، فأخرجوا ألف ألف مثقال ذهب (١). قالوا: ولما هلك من ملوك الفرس أردشير بن شيرويه، ملك بعده رجل ليس من أهل بيت المملكة، فاحالت عليه امرأة من أهل بيت الملك، يقال لها: بوران بنت كسرى، فقتلته، وكان ملكه اثنين وعشرين يوما، وقيل: شهرين (٢). ثم ملك بعده رجل من ولد هرمز، يقال له: كسرى بن قباذ، فوثب عليه ملك خراسان، فقتله، وكان ملكه ثلاثة أشهر (٣). ثم ملكت بوران - المذكورة - سنة وستة أشهر، فلم تجبي الخراج، وفرقت الأموال بين الجنود والأشراف، فبلغ ذلك النبي، ﷺ ، فقال: «لا يفلح قوم أسندوا - أو ملكوا - أمرهم إلى امرأة» (٤). واعلم أن الملوك الذين كانوا قبل ملوك الطوائف (٥) - أعني ملوك العجم - كان بعضهم ينزل بلخ، وبعضهم بابل، وبعضهم فارس، فممن نزل فارس: جم (٦)، وكان ملكه تسعمائة/وستين سنة، وهو عندهم سليمان النبي عليه

стр. 168

السلام، ومنهم طهمورث ملك ألف سنة (١)، ومنهم بيوراست ملك ألف سنة، ومنهم الضحاك الحميري ملك تسعون سنة (٢). وممن نزل بخراسان: الشناشق (٣) ملك تسعون سنة، وهو الذي أتاه زرادشت بكتاب المجوس (٤)، ومنهم بهمن بن أسفنديار وهو الذي بعث على عهد موسى ﵇، ولم يزل أمرهم [مستقيما] (٥) حتى ملك دارا [بن دارا] (٦)، وكان ينزل ببابل فأغضبه الإسكندر الرومي، وقتله وخرب [أرض] (٧) فارس، وخلف على كل ناحية ملك ممن كان أسر من أشراف أهل فارس، فهم ملوك الطوائف، ولم يزل الأمر كذلك أربعمائة سنة وخمسا وستين سنة (٨). [بدء ملك آل ساسان:] (٩) وكان أردشير بن بابك بن ساسان (١٠) أحد ملوك الطوائف على إصطخر،

стр. 169

وهو الذي فتح الحضر (١)، وهي بإزاء مسكن (٢)، وكان ملك السواد متحصنا فيها والعرب تسميه الساطرون (٣)، وكانت ابنته هويت أردشير، فدلته على عورة حصن المدينة، ثم قتلها، وبنى مدينة جور (٤) بفارس، ومدينة رام أردشير (٥) بفارس، وبهمن أردشير (٦) وهي فرات البصرة، وأستار أباذ وهي كرخ ميسان (٧) وهي بين كور دجلة (٨) ومدينة سوق الأهواز (٩)، ومدينة الأبلة (١٠) وغير ذلك، ومدة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر (١١).

стр. 170

ثم ملك بعده ابنه سابور بن أردشير متوج، فملك ثلاثين سنة وشهرا (١)، واستخلف ابنه هرمز بن سابور المتوج - ويقال له هرمز البطل - وملكه سنة وعشرة أشهر (٢)، فملك بعده ابنه بهرام بن هرمز متوج ثلاث سنين وثلاثة أشهر (٣)، ثم ملك بعد ابنه بهرام بن بهرام وملكه سبعة عشر سنة (٤)، وملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام متوج وهو الذي يقال له شاه شاه، فملك أربعة أشهر (٥)، ثم ملك بعده ابنه نرسي بن بهرام متوج تسع سنين (٦)، وملك بعده ابنه هرمز بن نرسي متوج سبع سنين وخمسة أشهر (٧)، وملك بعده سابور بن هرمز ذو الأكتاف متوج، وكان فطنا دخل بلاد الروم مختفيا أول أمره لينظر شدتهم فأولم قيصر (٨) وليمة، وجمع المساكين، فحضر جمعهم متنكرا، فأتى قيصر بإناء من أواني سابور منقوش فيه بمثال، فجعلوا يشربون به، فوصل الإناء إلى شيخ ذي فراسة، نظر في التمثال، وكان قد رأى وجه سابور، فمسك الإناء وقال: إني أرى في هذه الجماعة صاحب هذه الصورة، وأومأ إلى سابور، فمسك سابور وسئل، فأخبر أنه سابور، فأوثقه

стр. 171

قيصر، وسار إلى بلاده فأخربها، فما كان الليل غفل الموكلون بحراسة سابور، فهرب إلى بلده وشد ورجع على الروم فقتلهم، وأخذ قيصر [أسيرا وقال له: إني مستحييك كما أحييتني وآخذك بصلاح ما أفسدت فبنى] (١) قيصر ما كان خرب، وغرس مكان كل نخلة/زيتونة، ولم يكن بفارس زيتون، وأطلق قيصر (٢). وبنى بالسوس مدينة سماها: فيروز سابور (٣)، وبنى بنيسابور مدينة السند، وأخرى بسجستان وملك اثنتين وسبعين سنة (٤). ثم ملك بعده أخوه أردشير بن هرمز متوجا - وكان سابور بن سابور صغيرا - فكان ملك أردشير أربع سنين (٥). ثم ملك سابور بن سابور متوجا خمس سنين وأربعة أشهر (٦). ثم ملك بعده بهرام بن سابور متوجا، وكان يدعى كرمان شاه، بنى مدينة كرمان (٧)، وملكه إحدى عشرة سنة (٨).

стр. 172

وملك بعده يزدجرد بن بهرام متوجا إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما (١). وملك بعده بهرام جور بن يزدجرد متوجا ثلاثا وعشرين سنة، وكان يمسك الفيل الهائج فيقتله (٢). ثم ولى بعده ابنه يزدجرد بن بهرام متوجا ثماني عشرة سنة وخمسة أشهر غير أيام (٣). فولى الأمر بعده فيروز بن يزدجرد متوجا سبعا وعشرين سنة (٤). وولى الأمر بعده بلاش بن فيروز متوجا أربع سنين (٥). وملك بعده قباذ بن فيروز - أخو بلاش - متوجا ثلاثا وأربعين سنة (٦). وملك بعده كسرى أنوشروان بن قباذ متوجا سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر (٧). وملك بعده هرمز بن كسرى متوجا، وهو الذي قتل خاقان ملك الترك،

стр. 173

ثم قتل، وكان ملكه إحدى عشرة سنة وسبعة أشهر (١). فملك بعده ابنه أبرويز متوجا، وهو يعرف بكسرى ثمان وثلاثين سنة، خلع من الملك (٢). وملك شيرويه ابنه متوجا، وهو ابن ابنة قيصر، ملك لخمس سنين وأشهر من الهجرة، ملك سبعة أشهر (٣). ثم ملك بعده أردشير بن شيرويه، وهو ابن سبع سنين، وقيل: كان ملكه خمسة أشهر (٤). ثم ملك جرهان، فقتلته بوران، وملكه اثنان وعشرون يوما (٥). ثم ملك بعده كسرى بن قباذ متوجا - وهو من ولد هرمز - ثلاثة أشهر، قتله ملك خراسان (٦). ثم ملكت بوران بنت كسرى كما تقدم. رجعنا إلى ما كنا بسببه: قال ابن الجوزي: وكذلك القلوب تشتاق مكة وعرفات بسبب يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٧) وهو موطنهم الأول، لأنهم خرجوا كالذر في

стр. 174

وادي نعمان (١)، فصار ذلك المكان وطنا لهم، ونعمان وادي عرفة، ثم قال: فهذا يدل على أن ذلك المكان أول وطن، والنفس أبدا تنازع إلى الوطن، وليس لقائل أن يقول: هذا شيء لا تتخايله النفس فكيف تشتاق إليه؟ لأن النفس كانت في أحوال وتقلب، فنسيت، كما أن الإنسان قد يميل إلى شخص، فلا يدري لم ذلك، ثم يظهر بينهما تشاكل أوجب ذلك أو مناسبة، ثم ليس نسيان النفس لذلك المعهد بأعجب من نسيانها للعهد، والأوطان أبدا محبوبة. وقيل لتلك المحبة ثلاثة أسباب: الأول: ما ذكرناه./الثاني: دعاء الخليل ﵇ بقوله: (فاجعل أفئدة من الناس) (٢). قال ابن عباس: [﵄] (٣) تحن إليهم، قال: وأراد حب سكنى مكة، ولو قال: فاجعل أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى (٤). الثالث: جاء في الحديث: «إن الله تعالى ينظر إلى الكعبة ليلة النصف من شعبان فتحن القلوب إليها»، وقد روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «ليلة النصف من شعبان تنسخ فيها الآجال ويكتب فيها الحاج» (٥). ذكره محب الدين الطبري في «التشويق إلى البيت العتيق».

стр. 175

قيل: أن الله تعالى لما أخذ الميثاق على عباده بالإقرار كتبه في رق أبيض وألقمه الحجر الأسود، وكان إذ ذاك له لسان وشفتان وعينان، وجعله في موضعه وقال: أشهد لمن وافاك بالوفاء إلى يوم القيامة (١). حكاه أبو سعيد المفضل في «فضائل مكة المشرفة». سمعت بعض الفضلاء يقول: سمعت الشيخ أبا الطيب وقد سئل: ما سبب محبة قلوب الخلائق لمكة وأهلها؟ وما سبب محبة قلوب أهل المدينة للواردين عليهم؟ فقال: الأول لدعاء إبراهيم ﵇ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقال تعالى في أهل المدينة ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) فبلطيف سر هذا الموضع سرى لطف المحبة من المحب للحبيب وسرى سر الموقع الثاني بلطيف المحبة من الحبيب للمحب. انتهى. قال أهل السير: وقدم رسول الله، ﷺ ، المدينة الشريفة حين اشتد الضحى من يوم الإثنين لإثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول (٤)، وقيل: لليلتين خلتا منه (٥)، وقيل: لهلال ربيع الأول (٦). والأول أصح. وقيل: كانت الهجرة مستهل ربيع الأول، ووصل المدينة يوم الإثنين لإثنتي عشرة ليلة خلت

стр. 176

من الشهر، وذلك لعشرين يوما خلت من أيلول سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة للإسكندر. ونزل على كلثوم بن الهدم بعد أن تلقاه المسلمون بظهر الحرة (١)، وفي هذه الحرة قطعة تسمى أحجار الزيت، سميت به لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت، وهو موضع كان يستسقي فيه رسول الله، ﷺ ، ويقال لها: أحجار البيت، وأحجار الليث وكله خطأ (٢). قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة من أصحاب رسول الله، ﷺ : مصعب بن عمير وابن أم مكتوم (٣)، وكانا يقرئان الناس القرآن ثم عمار بن ياسر وبلال ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، ثم قدم النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء قط فرحهم برسول الله، ﷺ ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله، ﷺ فما قدم حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وسورا من المفصل (٤).

стр. 177

ومصعب بن عمير أول مهاجر [إلى] (١) المدينة (٢). وقالت عائشة ﵂: لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة، وعك أبو بكر وبلال، ﵄،/فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امريء مصبّح في أهله … والموت ادنى من شراك نعله (٣) ذكر أبو عبيد الله المرزباني (٤): [أن هذا البيت] (٥) لحكيم بن الحارث ابن نهيك النهشلي، وكان جاهليا، قتل يوم الوقيط (٦) [وهو يوم كان لبني] (٧) قيس بن ثعلبة، علي بني تميم، وكان حكيم ينشده في ذلك اليوم وهو يقاتل بني تميم من ولد إسماعيل (٨)، وهم أولاد تميم بن إلياس بن مضر بن نزار (٩)،

стр. 178

وكذلك عكل (١)، وبنو عدي (٢). والتميمي: منسوب إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس، وكان لتميم ثلاثة أولاد: زيد مناة وعمرو والحارث (٣). والقيسيون: بطن من تميم، وهم رهط قيس بن عاصم المنقري (٤). حكاه الحاكم (٥). قالت عائشة ﵂: وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته، فيقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجّنة (٦) … وهل يبدو لي شامة وطفيل اللهم إلعن شيبة بن ربيعة (٧)، وعتبة بن ربيعة (٨)، وأمية بن خلف (٩)،

стр. 179

كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء (١). ثم قال رسول الله، ﷺ : «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة». فكان كذلك (٢). وفي رواية (٣): وانقل وباها إلى خم (٤)، أو قال: الجحفة. قولها: عقيرته - تعني: صوته، والأذخر والجليل (٥): نبات معروفة بمكة، وشامة وطفيل (٦): جبلان بها أيضا، وقيل: عينان. قالت ﵂: وكان عامر بن فهيرة يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه قالت ﵂: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله فكان بطحان يجري نجلا - تعني ماء آجنا.

стр. 180

بطحان: بضم الباء الموحدة، وإسكان الطاء المهملة واد بالمدينة معروف (١). قال ابن الجوزي في «المثير» (٢): «دعا النبي، ﷺ ، للمدينة، ونقل حماها إلى الجحفة، فكان المولود يولد بالجحفة، فما يبلغ حتى تصرعه الحمى». - يأتي ذكر الجحفة في الباب السابع -. بلال بن حمامة، مولى أبي بكر ﵄، اسم أبيه رباح (٣). وفي الصحابة جماعة يعرفون بأمهاتهم (٤): كمحمد بن الحنفية، وخفاف بن ندبة - واسم أبيه عمير، وبشير بن الخصاصية - واسم أبيه معبد، ومعاذ ومعوذ ابنا عفراء - أبوهما الحارث، ومالك بن نميلة، وشرحبيل بن حسنة - أبوه عبد الله، وعبد الله وجبير ابنا بحينة - وأبوهما مالك. وكذلك ممن بعد الصحابة من العلماء: كإسماعيل بن عليه - أبوه إبراهيم، ومنصور بن صفية - أبوه عبد الرحمن، ومحمد بن عائشة - وأبوه حفص/وإبراهيم بن هراسة - أبوه سلمة، ومحمد بن عثمة - أبوه خالد. ولم ينسب من الأنبياء لأمه إلا: يونس وعيسى ﵉.
следующие страницы →