← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من الشهر، وذلك لعشرين يوما خلت من أيلول سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة للإسكندر. ونزل على كلثوم بن الهدم بعد أن تلقاه المسلمون بظهر الحرة (١)، وفي هذه الحرة قطعة تسمى أحجار الزيت، سميت به لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت، وهو موضع كان يستسقي فيه رسول الله، ﷺ ، ويقال لها: أحجار البيت، وأحجار الليث وكله خطأ (٢). قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة من أصحاب رسول الله، ﷺ : مصعب بن عمير وابن أم مكتوم (٣)، وكانا يقرئان الناس القرآن ثم عمار بن ياسر وبلال ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، ثم قدم النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء قط فرحهم برسول الله، ﷺ ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله، ﷺ فما قدم حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وسورا من المفصل (٤).

стр. 177

ومصعب بن عمير أول مهاجر [إلى] (١) المدينة (٢). وقالت عائشة ﵂: لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة، وعك أبو بكر وبلال، ﵄،/فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امريء مصبّح في أهله … والموت ادنى من شراك نعله (٣) ذكر أبو عبيد الله المرزباني (٤): [أن هذا البيت] (٥) لحكيم بن الحارث ابن نهيك النهشلي، وكان جاهليا، قتل يوم الوقيط (٦) [وهو يوم كان لبني] (٧) قيس بن ثعلبة، علي بني تميم، وكان حكيم ينشده في ذلك اليوم وهو يقاتل بني تميم من ولد إسماعيل (٨)، وهم أولاد تميم بن إلياس بن مضر بن نزار (٩)،

стр. 178

وكذلك عكل (١)، وبنو عدي (٢). والتميمي: منسوب إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس، وكان لتميم ثلاثة أولاد: زيد مناة وعمرو والحارث (٣). والقيسيون: بطن من تميم، وهم رهط قيس بن عاصم المنقري (٤). حكاه الحاكم (٥). قالت عائشة ﵂: وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته، فيقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجّنة (٦) … وهل يبدو لي شامة وطفيل اللهم إلعن شيبة بن ربيعة (٧)، وعتبة بن ربيعة (٨)، وأمية بن خلف (٩)،

стр. 179

كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء (١). ثم قال رسول الله، ﷺ : «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة». فكان كذلك (٢). وفي رواية (٣): وانقل وباها إلى خم (٤)، أو قال: الجحفة. قولها: عقيرته - تعني: صوته، والأذخر والجليل (٥): نبات معروفة بمكة، وشامة وطفيل (٦): جبلان بها أيضا، وقيل: عينان. قالت ﵂: وكان عامر بن فهيرة يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه قالت ﵂: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله فكان بطحان يجري نجلا - تعني ماء آجنا.

стр. 180

بطحان: بضم الباء الموحدة، وإسكان الطاء المهملة واد بالمدينة معروف (١). قال ابن الجوزي في «المثير» (٢): «دعا النبي، ﷺ ، للمدينة، ونقل حماها إلى الجحفة، فكان المولود يولد بالجحفة، فما يبلغ حتى تصرعه الحمى». - يأتي ذكر الجحفة في الباب السابع -. بلال بن حمامة، مولى أبي بكر ﵄، اسم أبيه رباح (٣). وفي الصحابة جماعة يعرفون بأمهاتهم (٤): كمحمد بن الحنفية، وخفاف بن ندبة - واسم أبيه عمير، وبشير بن الخصاصية - واسم أبيه معبد، ومعاذ ومعوذ ابنا عفراء - أبوهما الحارث، ومالك بن نميلة، وشرحبيل بن حسنة - أبوه عبد الله، وعبد الله وجبير ابنا بحينة - وأبوهما مالك. وكذلك ممن بعد الصحابة من العلماء: كإسماعيل بن عليه - أبوه إبراهيم، ومنصور بن صفية - أبوه عبد الرحمن، ومحمد بن عائشة - وأبوه حفص/وإبراهيم بن هراسة - أبوه سلمة، ومحمد بن عثمة - أبوه خالد. ولم ينسب من الأنبياء لأمه إلا: يونس وعيسى ﵉.

стр. 181

مر أبو بكر ﵁، وبلال مدفون في الحجارة يعذب في الله، فاشتراه بخمس أواقي ذهبا، وقيل: بسبع، وقيل: بتسع، فقالوا لأبي بكر: لو أبيت إلا وقية لبعناك، فقال: لو أبيتم إلا مائة لاشتريته، ثم أعتقه (١)، فقيل في ذلك: أبو بكر حبا في الله مالا … وأعتق من ذخائره بلالا لو أن البحر عائذه بسوء … لما أبقى الإله له بلالا وقد آسى النبي بكل خير … وأعطاه ما تكسبه بلالا وبلال هو الذي قتل أمية (٢) بن خلف يوم بدر، وكان ممن يعذب في الله، فقال فيه أبو بكر ﵁ أبياتا منها: هنيئا زادك الرحمن خيرا … فقد أدركت ثأرك يا بلال (٣) شهد المشاهد كلها (٤)، وأذّن بلال في حياة رسول الله، ﷺ ، ولأبي بكر، ولعمر حين دخل الشام (٥). توفي بدمشق، وهو ابن بضع وستين سنة، ودفن عند الباب الصغير

стр. 182

سنة عشرين، أو إحدى وعشرين، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: توفي بحلب، ودفن بباب الأربعين (١). جميع مروياته أربعة وأربعون حديثا (٢). وفي الصحابة بلال آخر وهو: بلال بن الحارث المزني (٣). وبلال أحد حراس النبي، ﷺ ، في غزواته. وجميع من كان يحرسه ﷺ ، في غزواته ثمانية (٤): الأول: بلال حرسه بوادي القرى (٥). الثاني: سعد بن معاذ حرس النبي، ﷺ يوم بدر، حين نام بالعريش (٦). الثالث: ذكوان بن عبد قيس. الرابع: محمد بن مسلمة الأنصاري (٧)، حرس النبي، ﷺ ، بأحد،

стр. 183

جميع ما روى ستة عشر حديثا (١). الخامس: الزبير بن العوام، حرس النبي، ﷺ ، يوم الخندق - يأتي ذكره في الباب الرابع. السادس: عباد بن بشر (٢). السابع: سعد بن أبي وقاص - يأتي ذكره في العشرة المبشرون بالجنة ﵃ (٣). الثامن: أبو لبابة، حرس النبي، ﷺ ، بخيبر ليلة بنى بصفية، ﵂ يأتي ذكره في الباب السادس. ولما أنزل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (٤) ترك الحرس عند ذلك، ﷺ (٥). وبلال ﵁ ممن خدم النبي، ﷺ من الأحرار. وجميع من خدم النبي، ﷺ من الأحرار أحد عشر (٦): الأول: بلال.

стр. 184

الثاني: أنس بن مالك بن النضر - وسيأتي ذكره في الباب الرابع. الثالث، والرابع: هند (١)، وأسماء (٢) ابنا حارثة الأسلميان. الخامس: ربيعة بن كعب بن/بن مالك الأسلمي (٣). السادس: عبد الله بن مسعود (٤)، مروياته ثمانية وسبعون حديثا (٥). قال الشعبي: القضاة أربعة: عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، والدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد (٦). السابع: عقبة بن عامر الجهني (٧). الثامن: ذو مخمر ابن أخي النجاشي، وقيل ابن أخته، ومخمر: بالخاء المعجمة والراء، ويقال: بالباء الموحدة والراء المهملة (٨)، حدث عنه أبو حي المؤذن (٩).

стр. 185

التاسع: بكر بن شداخ الليثي (١). العاشر: سعد مولى أبي بكر، ﵁ (٢). الحادي عشر: أبو ذر الغفاري، واسمه: جندب بن جنادة الغفاري، منسوب إلى غفار قبيلة من كنانة. روى [مائتي حديث وإحدى وثمانين] (٣) حديثا، أخرج له منها في الصحيحين: ثلاثة وثلاثون، المتفق عليه منها: اثنا عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر (٤). وبلال ﵁، أحد رفقاء النبي، ﷺ ، النجباء (٥). ورفقاؤه ﷺ النجباء ثلاثة عشر (٦): الخلفاء الأربعة. الخامس: بلال المذكور. السادس: حمزة ﵁. السابع: جعفر ﵁. الثامن: أبو ذر الغفاري. التاسع: المقداد بن الأسود، نسب إلى الأسود بن عبد يغوث، وإنما هو

стр. 186

المقداد بن عمرو، قيل: مات بالجرف، ودفن بالمدينة، وقيل: قتل بصفين (١)، وهو الأصح. عن بريدة قال: قال النبي، ﷺ : «إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، فقيل يا رسول الله من هم؟ قال: علي وسلمان والمقداد وأبو ذر» (٢). جميع ما روى إثنان وأربعون حديثا (٣). العاشر: سلمان الفارسي - وسيأتي ذكره في الباب الثامن. الحادي عشر: حذيفة بن اليمان، حليف لبني عبد الأشهل، كان فتح همذان (٤)، والري (٥)، والدينور (٦) على يديه، وذلك في سنة اثنتين وعشرين (٧)، وتوفي في سنة ستة وثلاثين (٨). الثاني عشر: عبد الله بن مسعود. الثالث عشر: عمار بن ياسر. ومن قال أنهم إثنا عشر لم يذكر بلالا.

стр. 187

وقد رأيت بمكة خارج باب اليمن المكان المعروف بكديّ (١) - برفع الكاف وتشديد الياء - قبرا عليه حجر مكتوب فيه: هذا قبر مشيع بن يعيش ابن سليمان مولى أبي بكر الصديق، ﵁، قريب من البركة المعروفة ببركة الماجن (٢). رجعنا إلى المقصود: قال أهل السير: وأقام علي، ﵁ بمكة بعد ما هاجر النبي، ﷺ ، ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله، ﷺ ، الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ لحق برسول الله، ﷺ ، فنزل معه على كلثوم بن الهدم، ولم يبق بمكة من المهاجرين إلا من حبسه أهله أو فتنوه (٣). عن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول الله :/ ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (٤)، قال: جعل الله مدخل صدق: المدينة، ومخرج صدق: مكة، وسلطانا نصيرا: الأنصار [نزلت] (٥) حين أمر النبي، ﷺ بالهجرة (٦). وقيل: أدخلني - يعني غار ثور: مدخل صدق، وأخرجني - يعني

стр. 188

منه - إلى المدينة: مخرج صدق، وقيل: غير ذلك (١). قال الكلبي: سلطانه النصير: عتّاب بن أسيد بن أمية، وهو الذي استعمله رسول الله، ﷺ ، على مكة (٢). قال الحاكم: قد صح عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح إنما هو جهاد ونية» (٣). فائدة: اعلم أن من الهجرة وضعت العرب تاريخ سنيها، وأول من أرخه عمر ﵁ (٤). قال الأجدابي (٥): أرخ عمر التاريخ لما مضت من خلافته خمس سنين في السنة السابعة عشرة من الهجرة، وقدموا التاريخ للمحرم، لأن

стр. 189

النبي، ﷺ ، إنما هاجر آخر صفر - كما تقدم - وإنما كانت العرب تؤرخ بالخريف لأنه كان أول جذاذهم وقطافهم، فتاريخهم: من أول يوم من السنة التي هاجر فيها رسول الله، ﷺ ، من مكة إلى المدينة، وكان أول المحرم منها يوم الخميس (١). وتاريخ الفرس: من أول السنة التي ملك فيها يزدجرد بن شهريار - وقيل: يزدجرد بن بهرام جور - وكان أولها يوم الثلاثاء (٢). وتاريخ الروم والسريان: من أول ملك الاسكندر، وكان أول أكتوبر يوم الإثنين، ولهم تاريخ بمولد المسيح (٣). وتاريخ القبط في كتاب المجسطي (٤): من أول السنة التي ملك فيها «بخت رش» وهو «بخت نصر»، وأولها يوم الأربعاء، وفي تاريخ بطليموس أن تاريخ القبط: من أول سني فليقوس، وكان أولها يوم الأحد (٥). والذي بين بخت نصر ويزدجرد من التاريخ ألف وثلثمائة وتسعة وسبعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، والذي بين تاريخ فيلقوس وتاريخ يزدجرد تسعمائة وخمسة وخمسون سنة وثلاثة أشهر، والذي بين تاريخ الإسكندر وبين تاريخ يزدجرد [تسعمائة واثنتان وأربعون سنة من سني الروم ومائتان وتسعة وخمسون يوما، والذي بين تاريخ يزدجرد وتاريخ الهجرة] (٦) من الأيام

стр. 190

ثلاثة آلاف وستمائة وأربعة وعشرون يوما (١). فأول التواريخ: تاريخ بخت نصر، ثم تاريخ فيلقوس، ثم تاريخ الإسكندر، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد، ثم تاريخ العرب (٢)، لأن يزدجرد هو الذي قتله (٣) عبد الله به عامر بن كريز القرشي، ولاه عثمان، ﵁ البصرة (٤)، فافتتح بلادا كثيرة من خراسان، وقتل يزدجرد، وأحرم من نيسابور (٥) شكرا لله تعالى، وعمل السقايات بعرفة، وهو الذي شق نهر البصرة (٦)، توفي سنة تسع وخمسين (٧).

стр. 191

الباب الثالث فى إثبات حرمة المدينة الشريفة وذكر فضائلها وتحريمها وتحديد حدود حرمها وحكم الصيد/فيها وفيه إثنا عشر فصلا: الفصل الأول في إثبات حرمتها روينا في الشفا للقاضي عياض [رحمه الله تعالى] (١) «أن مالك بن أنس ﵀ كان لا يركب في المدينة دابة، وكان يقول: استحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله، ﷺ ، بحافر دابتي. وروي أنه وهب للشافعي ﵀ كراعا كثيرا كان عنده، فقال له الشافعي: أمسك منها دابة، فأجابه بمثل هذا الجواب. وقد أفتى مالك ﵀ فيمن قال: تربة المدينة ردية يضرب ثلاثين درّة وأمر بحبسه، وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه تربة دفن فيها النبي، ﷺ ، يزعم أنها غير طيبة» (٢). وعن عبد الرحمن بن القاسم (٣) أن أسلم مولى عمر بن الخطاب (٤)

стр. 192

- ﵁ أخبره أنه زار عبد الله بن عياش المخزومي (١)، فرأى عنده نبيذا وهو بطريق مكة، فقال له أسلم: إن هذا الشراب يحبه عمر بن الخطاب، فحمل عبد الله بن عياش المخزومي قدحا عظيما، فجاء به إلى عمر بن الخطاب، فوضعه في يديه، فقربه عمر إلى فيه، ثم رفع رأسه، فقال عمر: إن هذا الشراب طيب، فشرب منه، ثم ناوله رجلا عن يمينه، فلما أدبر عبد الله ناداه عمر بن الخطاب، فقال: أأنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: فقلت: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في بيت الله ولا في حرمه شيئا، ثم قال عمر: أأنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ قال: فقلت هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئا ثم انصرف. رواه مالك (٢). تنبيهان: [التنبيه الأول:] (٣) انظر لسر زيارة البيت الحرام للنبي، ﷺ ، ودخول الكعبة المشرفة مدينة الرسول، ﷺ (٤). روى أبو سعيد المفضل في باب رفع الكعبة المشرفة إلى البيت المقدس: [عن الزهري أنه قال: إذا كان يوم القيامة رفع الله تعالى الكعبة البيت الحرام إلى البيت المقدس] (٥) فتمر بقبر النبي، ﷺ ، بالمدينة فتقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فيقول ﵇: وعليك السلام يا كعبة الله، ما حال أمتي؟

стр. 193

فتقول: يا محمد أما من وفد إليّ من أمتك فأنا القائمة بشأنه، وأما من لم يفد إليّ من أمتك فأنت القائم بشأنه. وكفى بهذا الشرف تعظيما (١). التنبيه الثاني: لما جرى سابق شرفها في القدم، أخذ من تربتها حين خلق آدم، فأوجد الموجد وجودها من بعد العدم (٢). قال أهل السير: إن الله تعالى لما خمر طينة آدم ﵇ حين أراد خلقه أمر جبريل ﵇ أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي هي قلب الأرض وبهاءها ونورها ليخلق منها محمدا، ﷺ ، فهبط جبريل في ملائكة الفراديس المقربين [وملائكة] (٣) الصفح الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول الله، ﷺ ، وهي يومئذ بيضاء نقية/فعجنت بماء التسنيم ورعرعت حتى صارت كالدرة البيضاء، ثم غمست في أنهار الجنة كلها، وطيف بها في السموات والأرض والبحار، فعرفت الملائكة حينئذ محمدا، ﷺ ، وفضله قبل أن تعرف آدم وفضله، ثم عجنت بطينة آدم بعد ذلك، ولا يخلق ذلك الجسد إلا من أفضل بقاع الأرض (٤). حكاه الثعلبي. تحقيق الحرمة: حكى عبيد الجرهمي (٥) - وكان كبير السن عالما

стр. 194

بأخبار الأمم - أن تبع الأصغر (١)، وهو تبع بن حسان بن تبع، سار إلى يثرب، فنزل في سفح جبل أحد، وذهب إلى اليهود وقتل منهم ثلثمائة وخمسين رجلا حبرا، وأراد خرابها، فقام إليه حبر من اليهود، فقال له: أيها الملك، مثلك لا يقبل على الغضب، ولا يقبل قول الزور، أمرك أعظم من أن يطير بك برق أو تصرع بك لجاج، فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل ﵇ يخرج من هذه البنية - يعني البيت الحرام - فكف تبع، ومضى إلى مكة، ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود، فكسى (٢) البيت الحرام كسوة، ونحر عنده ستة آلاف جزور، وأطعم الناس، وقال: قد كسونا البيت الذي حرم الله … ملاء معضدا وبرودا ولم يزل بعد ذلك يحوط المدينة الشريفة، ويعظمها (٣).

стр. 195

قيل أن تبع هذا ملك ثلثمائة وعشرين سنة (١)، وكان اسم الحبرين اللذين أتيا معه من المدينة: سحيت ومنبّه. الأول: بالسين والحاء المهملتين والياء المثناة من أسفل وتاء عكسها، والآخر: بالميم والنون والباء الموحدة (٢). هكذا ذكره في «الدلائل» (٣). وذكر ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام في السيرة أن إسم أحدهما نقيامين (٤). ويروى أن سليمان ﵇ لما حملته الريح من اصطخر على ممره بوادي النمل، سار إلى اليمن، فتوغل في البادية، فسلك مدينة الرسول، ﷺ ، فقال سليمان ﵇: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به واتبعه. فقال له قومه: كم بيننا وبين خروجه؟ قال: زهاء ألف عام (٥). وادي النمل هو: وادي السديرة (٦) بأرض الطائف من أرض الحجاز. قاله كعب. وقيل: هو بالشام (٧). وسليمان اسم عبراني (٨)، كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون

стр. 196

للإنس، ومثلها (١) للجن، ومثلها للوحش، ومثلها للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة صريحة، وسبعمائة سرية تحملها الريح، وكان في ظهره مياه مائة رجل، ويحكى أنه كان يتعشى كل يوم عشرين بيضة، وفي كل بيضة نصف درهم فلفل وزنجبيل ودار صيني، وبذر الجرجير، وبذر الفجل مسحوقة مخلوطة، وكان يجامع كل ليلة أربعين امرأة، وكان ارتفاعه في كل سنة ستة وثلاثين ألف ألف وثلاثة وثلاثين ألف ألف وثلثمائة/ألف مثقال (٢). حكاه الشهرستاني. ملك أربعين سنة، وذهب الخاتم بعد عشرين سنة من ملكه، ووجده بعسقلان، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعا لله تعالى (٣). وكان ذهاب ملكه أربعين يوما (٤)، وكان عمره اثنتين وخمسين

стр. 197

سنة (١)، وحكم في الحرث (٢) وهو ابن إحدى عشرة سنة، ولما توفي حملته الجن على سريره إلى غار بشط بحر القلزم، فوضعوه فيه، وخاتمه في إصبعه من يده اليسار، قيل: أنه ملك جميع الأرض. وملك بعده ابنه رحبعم، فنبأه الله تعالى، فكان نبيا ولم يكن رسولا، فملك سبعة عشر سنة (٣). ثم ملك بعده ابنه أبيّا ثلاث سنين (٤)، ثم ملك بعده ابنه أساو بن أبيّا (٥)، فغزاه زرج الهندي، فغرق زرج قبل وصوله (٦).

стр. 198

ثم لم يزل الله تعالى حافظا لهم، حتى عصوا فسلط عليهم بخت نصر، وهو ابن ولد سنحاريب الملك، وسنحاريب جده (١)، وكان سنحاريب ملك بابل، فلما مات استخلف بخت نصر. قال الثعلبي: من قال إن بخت نصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحي بن زكريا، فهو غلط (٢)، إنما غزاهم عند قتلهم نبيهم شعيا ﵇ في عهد أرميا، وهي الوقعة الأولى (٣)، ومن عهد أرميا وتخريب (٤) بخت نصر بيت المقدس إلى مولد يحي ﵇ أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بيت المقدس على يد بخت نصر إلى حين عمرانه (٥) في زمن كيرش بن أخشويرش (٦) أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن أسفنديار بن شاسب سبعون سنة، ثم من بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر (٧) ثمانية وثمانون سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحي ثلثمائة سنة وثلاث سنين (٨). وذكر إبن إسحاق أن آخر من بعث فيهم من الأنبياء زكريا، ويحي،

стр. 199

وعيسى ﵈ (١). ومن خراب بيت المقدس على يد بخت نصر إلى نبينا، ﷺ ، سبعمائة سنة. ولما ملك بخت نصر الأقاليم السبعة داخلته العزة، فمسخه الله تعالى وحشا سبع سنين (٢)، ثم رده إلى حالته، فكان دانيال من خاصته، ثم أنه أراد قتل دانيال، فأهلك الله بخت نصر بالطّبرزين (٣)، ضربه بعض حرسه ليلا وهو لم يدر. وقيل: أنه هلك بالبعوضة (٤)، وكان عمره بأيام مسخه ألفان وخمسمائة عام وخمسين يوما (٥)، فلما مات استخلف الله تعالى بلطا ابنه، ولم يلبث إلا يسيرا وهلك، وبقي دانيال بأرض بابل إلى أن مات بالسوس (٦). رجعنا/إلى التاريخ: روى ابن النجار والمطري (٧) في تاريخهما، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز

стр. 200

الحية إلى جحرها» (١). أي تأوي. قال ابن النجار (٢): «أي ينقبض إليها»، وقيل: ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض. وعن أنس ﵁ أن النبي، ﷺ «كان إذا قدم من سفر [نظر] (٣) إلى جدران المدينة أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها من حبها» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة. قال الترمذي (٥): حديث حسن. روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس ﵀ وكذلك قال عبد الرزاق. وروى عن ابن عيينة - أيضا - أنه قال: هو العمري الزاهد، واسمه: عبد الله بن عبد العزيز (٦).

стр. 201

وقد أشار سيدي وجدي أبو محمد عبد الله المرجاني، فيما نقل عنه من «الفتوحات الربانية» (١) في بعض كلام تقدمه شيء من عظيم شرف سيدنا رسول الله، ﷺ ، قال ﵀: فمن ألهم الهداية، واتحف بجميل العناية، اهتدى بهداه (٢) ﷺ ، وتتبع أوامره، ووقف عند زواجره، واستسن بسنته، وهاجر إلى مدينته وشهد آثار شريف حجرته، ليستمد من مناهل بركته، فإذا تحقق ذلك، فليس مقصود الكل سوى سلوك نهج سنته، فليس المقصود إلا ذلك قرب مستوطن أبعد من بعيد لعدم ملاحظته كما وقعت الإشارة به مما يقتضي المهاجرة إلى حرمه المنيف وحرم ربه الشريف بقوله ﷺ : «إن الإيمان ليأرز فيما بين الحرمين» (٣) يعني مكة إذ هي مشرق طلعته ومهبط الوحي وموطن الأنس، وحرم المدينة وهي بقعة مغرب روحه الطاهرة، فهذا دليل على خصوصية البقعة لذاتها قبل الجواب عن ذلك، وذلك أن الإشارة الشريفة ظهرت معجزاتها وعمت الخافقين بركتها، وذلك أن سر الشريعة التي هي المقصد الأسنى في الإشارة ظهرت في مكة شرفها الله تعالى على يد الإمام الشافعي ﵁ فكانت مشرفة بها نور مذهبه، ومالك - رضوان الله عليه - إمام دار الهجرة ظهرت إشارته المباركة في انتحاله ومذهبه فتمت عليه بركات مغرب روحه، فأخذ كل من الإمامين مراده صلوات الله عليه وسلامه بحظ وافر، فاختص أهل الشرف بمن كسي محاسن المشارق واختص أهل الغرب بمن حلّ بملابس المغارب، فتعلم من ذلك أن

стр. 202

الإشارة/قد وقعت بأن الإيمان ظهر فيما بين هذين الحرمين الشريفين. وبالله التوفيق (١). إشارة: [قال صاحب] (٢) «المقدمات» (٣): أجمع أهل العلم على فضلها على غيرها، وعند مالك والقاضي عبد الوهاب [وجماعة] (٤) من المالكية: المدينة أفضل من مكة (٥) بخلاف الشافعي وأبي حنيفة [وقد قال في آخر «التلقين» (٦): وبلدة الرسول، ﷺ ، أفضل من البقاع كلها] (٧). قال القاضي [عياض] (٨) بعد ذكره الخلاف: ولا خلاف أن موضع قبر النبي، ﷺ ، أنه أفضل بقاع الأرض (٩). كما سيأتي (١٠).

стр. 203

سمعت والدي ﵀ غير ما مرة يقول: العقوبة معجلة بالمدينة لمن فعل بها ما يستحق العقوبة جرى لفلان واتفق لفلان عددا جما (١). وسمعته أيضا يقول: كنت ذات يوم جالسا في البستان، فإذا بمقدار ثلاثين - أو أربعين - فارسا لابسين بياض [معممين] (٢) ملثمين جميعهم، قاصدين المدينة، فأتبعتهم في أثرهم، فلم أجد لهم خبرا، فسألت عنهم، فلم أجد من يخبرني عنهم بخبر ولم أجد لهم أثرا، فعلمت أنهم من الملائكة، أو من مؤمني الجن، أو من صالحي الإنس، أتوا لزيارة النبي، ﷺ ، والبستان اليوم باق معروف بالمرجانية بالقرب من المصلى (٣). وسمعته - رحمة الله عليه - يقول: من بركة أرض المدينة أني زرعت بالبستان بطيخا أخضر، فلما استوى أتاني بعض الفقراء من أصحابي، فأشاروا إلى بطيخة قد انتهت، وقالوا: هذه لا تتصرف فيها فهي لنا إلى اليوم الفلاني، فلما خرجوا أتى من قطعها ولم أعلم فتشوشت من ذلك، ونظرت فإذا بنوارة قد طلعت مكان تلك البطيخة وعقدت بطيخة، فلم يأت يوم وعد الفقراء إلا وهي أكبر من الأولى، فأتوا وأكلوها ولم يشكوا أنها الأولى (٤).

стр. 204

الفصل الثاني في ذكر ما جاء في غبار المدينة الشريفة عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : «غبار المدينة شفاء من الجذام» (١). [رواه الحافظ محب الدين (٢)] (٣). قال الفيلسوف أبو الحسن سعيد بن هبة الله في كتابه «المغني» (٤): هذا المرض هو المسمى بداء السبع، وهو نوعان، منه ما يحدث من الخلط السوداوي، ومنه ما يحدث عن احتراق المرة الصفراء. رواه أبو القاسم بن الطيلسان (٥). عن علي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : «شموا النرجس (٦) ولو في اليوم مرة واحدة، ولو في الشهر مرة، ولو في السنة مرة،

стр. 205

ولو في الدهر مرة، فإن في القلب حبة من الجنون والجذام والبرص لا يقطعها إلا النرجس» (١). ونهى عن قطع رأس الرمانة بالفم، وذكروا أن فيها دودة إذا وصلت إلى فم الإنسان تجذم. حكاه القرطبي. وعن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ /لما دنى من المدينة منصرفة من تبوك خرج إليه يتلقاه أهل المدينة، من المشائخ [والغلمان] (٢) ثار من آثارهم غبرة، فخمر بعض من كان مع رسول الله، ﷺ ، أنفه من الغبار، فمد رسول الله، ﷺ ، يده فأماطه عن وجهه وقال: «أما علمتم أن عجوة المدينة شفاء من السقم، وغبارها شفاء من الجذام» (٣). وعن [إبراهيم] (٤) بن الجهم أن رسول الله، ﷺ ، أتى بني الحارث (٥)، فإذا هم روبى (٦) فقال: «ما لكم يا بني الحارث روبى؟ قالوا: نعم يا رسول الله، أصابتنا هذه الحمى. قال: فأين أنتم من صعيب (٧) قالوا: يا رسول

стр. 206

الله ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه، فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم، ويقول: بسم الله تراب أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا بإذن ربنا» ففعلوا، فتركتهم الحمى (١). تفل معه شيء من الريق والنفث عكسه. وأما صعيب فقال أبو القاسم طاهر بن يحي العلوي: هو وادي بطحان (٢)، دون الماجشونية (٣)، وفيه حفرة يأخذ الناس منها، وهو اليوم إذا وبأ إنسان أخذ منه (٤). وقال الشيخ جمال الدين (٥): صعيب مع ركن الماجشونية الشرقي الشمالي. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: بطحان بضم الباء الموحدة، وسكون الطاء المهملة، سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وهو البسط (٦). قال الحافظ محب الدين (٧): رأيت هذه الحفرة والناس يأخذون منها،

стр. 207

وذكروا أنهم قد جربوه، فوجدوه صحيحا، ثم قال: وأخذت أنا منها أيضا. وعن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة أن رجلا أتى رسول الله، ﷺ ، وبرجله قرحة، فرفع رسول الله، ﷺ ، طرف الحصير، ثم وضع إصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه فقال: «بسم الله بريق بعضنا، بتربة أرضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا، ثم وضع إصبعه على القرحة، فكأنما حل من عقال» (١). الفصل الثالث في ذكر ما جاء في تمر المدينة الشريفة وثمارها أول من غرس النخل في الأرض: أنوش بن شيث (٢)، وأول من غرسه بالمدينة: بنو قريظة وبنو النضير (٣). حدث العوفي عن الكلبي في «تاريخ ملوك الأرض»: أن شرية الخثعمي (٤) عمر ثلثمائة سنة، وأدرك زمان عمر بن الخطاب ﵁ فقال وهو بالمدينة: لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم فيه، وما به نخلة ولا شجرة

стр. 208

مما ترون، ولقد سمعت أخريات قومي يشهدون بمثل شهادتكم هذه - يعني لا إله إلا الله (١). وممن عمّر مثل هذا جماعة منهم: سلمان الفارسي (٢)، والمستوعز بن ربيعة (٣)، وبابارتن (٤)، وهو الذي/رويت عنه حديث المعمر المشهور، عن والدي، عن نجم الدين الأصبهاني، عن [ابن] (٥) بابارتن، عن أبيه بابارتن، عن النبي، ﷺ ، حسبما هو في البرنامج (٦). روينا في صحيح مسلم (٧)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها،

стр. 209

حين يصبح، لم يضره سم حتى يمسي». اللاّبة: الحرة، والحرة حجارة سود من الجبلين، وجمع اللاّبة لابات ما بين الثلاثة إلى العشرة، فإذا كثرت فهي اللاّب واللّوب لغتان بمعنى واحد (١)، والحرة: جمعها حرور وحرّات وحرار (٢)، فقوله: «ما بين لابتيها» يعني ما بين حرتيها. قاله ابن وهب، وهو قول مالك (٣). وروينا في الصحيحين (٤) من حديث سعد أيضا ﵁ عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة، لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر». العجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة يسمى نخلها اللينة (٥). فائدة: ذكر الغزالي في «الإحياء» (٦): أن من أكل كل يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسمه شيئا يكرهه. وروي عن علي ﵁ أنه قال: من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب

стр. 210

الله تعالى عنه سبعين نوعا من البلاء (١). قوله: «سم ولا سحر» السم: كل ما هو مخالف لبدن الإنسان [مخالفة جاوزت مزاج الإنسان] (٢) بحيث يهلكه بجوهره ويفسده عند ملاقات البدن. قال أبو الحسن سعيد بن هبة الله الفيلسوف: والفرق بين السم والدواء القتال أن السم لا يكون إلا من حيوان وما يقتل من غيره يسمى دواء قتالا. وقد وضع أبو بكر بن وحشية (٣) في ذلك تصنيفا غريبا، وذكر منها ما يقتل بالسم، ومنها ما يقتل بالشرب، ومنها ما يقتل بالنظر، ومنها ما يقتل بالسمع وأطلق على جميعها اسم السم، ومنها ما هو من حيوان، ومنها ما هو من دواء مركب. فقوله ﵊ «لم يضره سم ولا سحر» يدخل تحته جميع أجناس السموم، ويدخب فيها أيضا ما يناسبها من لدغ الحيات والعقارب وشبهها والله أعلم. وقد قيل أن بعض العلماء - وهو: الشيخ جمال الدين محمد بن مكرم (٤) - كان يحمل بندقة (٥)

стр. 211

وعفصة (١). فالبندقة: تدفع لدغ العقارب، والعفصة: تمنع طلوع الدمامل. وجاء أن من نظر إلى السّها (٢) وهو النجم الخفي المقارن لإحدى بنات نعش لم تلسعه في تلك الليلة حية ولا عقرب. وقيل: من عليه الغاريقون لم تلسعه عقرب. وأما السحر: فقيل: إنه تخيل لا حقيقة له/ولا يقلب عينا ولا يحيل طبيعة ذكره علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٣) في كتاب «الدرة».

стр. 212

سمعت والدي - رحمه الله تعالى - يقول: سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها، وغيّرت صورته، واتفق لهم حكاية طويلة، ثم تشفّع فيه بعض الناس، فقالت امرأته: لا بد أن أترك فيه علامة، فأطلقته ولكن بعد أن نبت له ذنب نعت ذنب الحمار، فحج وهو على تلك الحالة، فشكى ذلك إلى أبي عبد الله محمد بن يحي الغرناطي (١) - فقيه كان بمكة - فأمره بالسفر إلى المدينة، فسافر في طريق المشيان إليها، قال: فعند وصوله إلى قباء سقط منه ذلك الذنب بإذن الله تعالى (٢).

стр. 213

والسحر معدود في الكبائر، وهو أول ذنب عصي الله تعالى به. وأصح ما قيل في الكبائر أنها عشرون، اثنان في اليد: السحر والقتل، واثنان في الفرج: الزنا واللواطة، وثمان في الفم: الغيبة والنميمة وقذف المحصنات المؤمنات وشهادة الزور ويمين الغموس وشرب الخمر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بالباطل، وأربع في القلب: الرياء والحسد والعجب والكبر، وأربع في جميع البدن: ترك الصلاة وعقوق الوالدين والتولي يوم الزحف وإفساد أحوال المسلمين. وقيل: إذا افتتحت سورة النساء فكل شيء نهي عنه إلى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة. وقال ابن جبير: كل ذنب عصي الله به فهو كبيرة. واختلف في هاروت وماروت (١) فقيل: ملكين على الحقيقة وأنكر ذلك خالد ابن أبي عمران، وقال غيره: أنهما مأذون لهما في تعليمه بشرط أن يبينا أنه كفر. وقال مكي: هما جبريل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجيء به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم الله في ذلك (٢)، وقال: ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ (٣) وقيل: هما رجلان تعلماه. وقال الحسن: هاروت وماروت هما علجان من أهل بابل، وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل فمسخهما الله تعالى (٤). حكاه السمرقندي. وقالوا أيضا في إبليس: أنه لم يكن من الملائكة، وإنما هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر (٥).

стр. 214

وقيل: أن هاروت كان اسمه هدى، وماروت عزايا، وإبليس عزازيل، والزهرة هو اسمها بالعربية وبالفارسية ناهيد وبالنبطية بيدخت وهي من الممسوخين وكانت امرأة بغية، ومن الممسوخين: سهيل والضب والوزعة والعضاة والقردة والخنازير والفيل والدعموص والحبرى والدب والعقرب والقنفذ/والعنكبوت والخفاش والثعلب والسرطان والخنفساء والسلحفاة والزنبور والعقاب والعقعق والفاختة والبغبغاء والقنبرة والعصفور والفارة والبوم والهامة والذئب والأرنب (١). واعلم أن الخفاش هو الطير الذي صوره عيسى ﵇ من الطير، وهو يلد ولا يبيض، قالوا: وسببه أن ما كان من الحيوان له أذنان ظاهرتان فهو يحيض ويلد، وما كان له أذنان باطنتان

стр. 215

فهو يبيض (١). رجعنا إلى المقصود: في أفراد مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله، ﷺ ، قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدّنا، اللهم إن إبراهيم ﵇ عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر» (٢). الثمر: بفتح الثاء المثلثة جمع ثمرة من ثمار المأكول، وبضمها وضم الميم: المال (٣). حكاه العزيزي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، كان يؤتى بأول الثمر فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا، وفي صاعنا بركة مع بركة» ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان (٤). وفي رواية الترمذي (٥): أصغر وليد يراه.
следующие страницы →