← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعفصة (١). فالبندقة: تدفع لدغ العقارب، والعفصة: تمنع طلوع الدمامل. وجاء أن من نظر إلى السّها (٢) وهو النجم الخفي المقارن لإحدى بنات نعش لم تلسعه في تلك الليلة حية ولا عقرب. وقيل: من عليه الغاريقون لم تلسعه عقرب. وأما السحر: فقيل: إنه تخيل لا حقيقة له/ولا يقلب عينا ولا يحيل طبيعة ذكره علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٣) في كتاب «الدرة».

стр. 212

سمعت والدي - رحمه الله تعالى - يقول: سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها، وغيّرت صورته، واتفق لهم حكاية طويلة، ثم تشفّع فيه بعض الناس، فقالت امرأته: لا بد أن أترك فيه علامة، فأطلقته ولكن بعد أن نبت له ذنب نعت ذنب الحمار، فحج وهو على تلك الحالة، فشكى ذلك إلى أبي عبد الله محمد بن يحي الغرناطي (١) - فقيه كان بمكة - فأمره بالسفر إلى المدينة، فسافر في طريق المشيان إليها، قال: فعند وصوله إلى قباء سقط منه ذلك الذنب بإذن الله تعالى (٢).

стр. 213

والسحر معدود في الكبائر، وهو أول ذنب عصي الله تعالى به. وأصح ما قيل في الكبائر أنها عشرون، اثنان في اليد: السحر والقتل، واثنان في الفرج: الزنا واللواطة، وثمان في الفم: الغيبة والنميمة وقذف المحصنات المؤمنات وشهادة الزور ويمين الغموس وشرب الخمر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بالباطل، وأربع في القلب: الرياء والحسد والعجب والكبر، وأربع في جميع البدن: ترك الصلاة وعقوق الوالدين والتولي يوم الزحف وإفساد أحوال المسلمين. وقيل: إذا افتتحت سورة النساء فكل شيء نهي عنه إلى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة. وقال ابن جبير: كل ذنب عصي الله به فهو كبيرة. واختلف في هاروت وماروت (١) فقيل: ملكين على الحقيقة وأنكر ذلك خالد ابن أبي عمران، وقال غيره: أنهما مأذون لهما في تعليمه بشرط أن يبينا أنه كفر. وقال مكي: هما جبريل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجيء به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم الله في ذلك (٢)، وقال: ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ (٣) وقيل: هما رجلان تعلماه. وقال الحسن: هاروت وماروت هما علجان من أهل بابل، وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل فمسخهما الله تعالى (٤). حكاه السمرقندي. وقالوا أيضا في إبليس: أنه لم يكن من الملائكة، وإنما هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر (٥).

стр. 214

وقيل: أن هاروت كان اسمه هدى، وماروت عزايا، وإبليس عزازيل، والزهرة هو اسمها بالعربية وبالفارسية ناهيد وبالنبطية بيدخت وهي من الممسوخين وكانت امرأة بغية، ومن الممسوخين: سهيل والضب والوزعة والعضاة والقردة والخنازير والفيل والدعموص والحبرى والدب والعقرب والقنفذ/والعنكبوت والخفاش والثعلب والسرطان والخنفساء والسلحفاة والزنبور والعقاب والعقعق والفاختة والبغبغاء والقنبرة والعصفور والفارة والبوم والهامة والذئب والأرنب (١). واعلم أن الخفاش هو الطير الذي صوره عيسى ﵇ من الطير، وهو يلد ولا يبيض، قالوا: وسببه أن ما كان من الحيوان له أذنان ظاهرتان فهو يحيض ويلد، وما كان له أذنان باطنتان

стр. 215

فهو يبيض (١). رجعنا إلى المقصود: في أفراد مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله، ﷺ ، قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدّنا، اللهم إن إبراهيم ﵇ عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر» (٢). الثمر: بفتح الثاء المثلثة جمع ثمرة من ثمار المأكول، وبضمها وضم الميم: المال (٣). حكاه العزيزي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، كان يؤتى بأول الثمر فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا، وفي صاعنا بركة مع بركة» ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان (٤). وفي رواية الترمذي (٥): أصغر وليد يراه.

стр. 216

وفي رواية ابن السني: عن أبي هريرة: «رأيت رسول الله، ﷺ ، إذا أوتي بباكورة الرطب وضعها على عينيه، ثم [على شفتيه، وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره» ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان (١). وعنه أيضا قال: «كان رسول الله، ﷺ ، إذا أتي بباكورة الرطب وضعها على عينيه] (٢) ثم دفعها إلى أصغر القوم سنا» (٣). ذكره بقي بن مخلد في مسنده ورواه النووي في الأذكار. الفصل الرابع ما جاء في دعاء النبي ﷺ لها بالبركة عن علي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، حتى إذا كنا بالسقيا (٤) التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله، ﷺ : «ائتوني بوضوء، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة، ثم كبر ثم قال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك، وخليلك، دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة: أن تبارك لهم في مدهم، مثل ما باركت لأهل

стр. 217

مكة ومع البركة بركتين» (١). وعن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة». أخرجاه في الصحيحين (٢). وعن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، قال: «اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم وفي مدهم» (٣) - يعني أهل المدينة. فائدة: مدّ النبي ﷺ رطل وثلث بالعراقي، والصاع منه أربعة أمداد وذلك خمسة أرطال وثلث، وإلى هذا رجع أبو يوسف القاضي حين ناظره مالك بين يدي الرشيد، وكان يقول: إن الصاع ثمانية أرطال على أن/في المد رطلين (٤). قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد غير المد في غير ما بلد، وغير ما زمان، فاختلف على حسب إختلاف الموازين، ولم أجد لها عيارا، أقول: ولا أصح من أن [الصاع] (٥) أربع جفنات بكف الرجل المتوسط الكفين.

стр. 218

والأمداد الشرعية ثلاثة: [مد النبي] (١) ﷺ للزكوات والكفارات، ومد مروان بن الحكم للنفقات خاصة وفيه مد وثلث بمد النبي ﷺ وقيل: مد وربع، ومد هشام لكفارات الظهار خاصة، وفيه مدان إلا ثلثا بمد النبي ﷺ . قاله ابن القاسم في المدونة (٢). وذكر البغداديون عن معن بن عيسى: أنه مدان بمد النبي، ﷺ ، وقال ابن حبيب: هو مد وثلث كالقول الأول. بيان الرطل العراقي: هو [اثنا عشر] (٣) أوقية، والأوقية عشرة دراهم وثلثان من درهم الكيل، فيكون الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما، ودرهم الكيل هو الذي تحققت به المكاييل والأوزان زنته من حب الشعير خمسون حبة وخمسا حبة، والحب (٤) متوسط مقطوع منها ما خرج عن خلقتها، وفي هذا الدرهم ستة دوانق كل دانق سدس، والدانق من حب الشعير ثمان حبات وخمسا حبة (٥). والأوقية: جمعها أواقي بتشديد الياء فيهما، وأواق بتخفيفها في الجمع (٦). حكاه اللحياني. وقية: بفتح الواو وجمعها وقايا، وقال: هي لغة قليلة، وقال أبو عبيدة: يقال: أوقية وأواقي غير مصروفة لأنه بزنة جمع الجمع ولك أن تخفف الياء، ولك أيضا في جمعها أواق بلا ياء (٧).

стр. 219

الفصل الخامس ما جاء في فضل الصبر على لأواء المدينة وشدتها روى مسلم في صحيحه، من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (١). اللأواء: الجوع. وفي أفراد مسلم من حديث عمر ومثله، وعن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري (٢) ليالي الحرة (٣) واستشاره في الجلاء من المدينة، وشكى إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة فقال: ويحك لا آمرك بذلك لأني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «لا يصبر أحد على جهد المدينة ولأوائها فيموت، إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما» (٤). وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله، ﷺ ، قال: «ليعودن هذا الأمر

стр. 220

إلى المدينة كما بدأ منها حتى لا يكون إيمان إلا بها ولا يترك المدينة رجل رغبة عنها إلا أبدلها الله بمن هو خير منه، وليسمعن أقوام بريف وعيش فيأتونه والمدينة خير لهم لو/كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها أحد إلا كان له أجر مجاهد» (١). وعن قطن بن وهب بن عويمر بن الأجدع، أن يحنس مولى الزبير بن العوام أخبره، أنه كان جالسا عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن! اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله بن عمر: اقعدي لكاع، فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (٢). اللكاع: بفتح اللام، وبعدها كاف، وكسر العين كذا وقع في رواية ابن بكير وغيره، وهو الدنية، ووقع في رواية يحي: لكع بفتح الكاف وضم العين. والصواب الأول، وقيل: اللكع بغير ألف العبد أو اللئيم، وقيل: العبد والسفلة، ويقال: للأمة لكاع، كان عمر إذا رأى أمة متقنعة ضربها بالدرة وقال: يا لكاع لا تتشبهي بالحرائر أكشفي رأسك، ولكاع بفتح اللام، ولكع بضمها، وكذلك يقال للرجل: يا خبث ويا خباث للأنثى (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول

стр. 221

: «من صبر على لأوائها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (١). جملة ما روى ابن عمر ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا (٢)، أخرج له منها في الصحيحين: مائتا حديث وثمانون، المتفق عليه منها: مائة وثمانية وستون، انفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين (٣). قيل: سمّه الحجاج في زج رمح، فتوفي بالسم سنة ثلاث وسبعين - وقيل: أربع وسبعين (٤) - ودفن بذي طوى (٥) - وقيل: بفخ (٦) - بمقبرة المهاجرين، سميت به لأنه يدفن بها من هاجر إلى المدينة ثم رجع إلى مكة. قلت: والآن بمكة قبر على الجبل المقابل للمعلاة (٧) على يمين الخارج من باب مكة المشرفة، أشار بعض الصالحين أنه قبر ابن عمر ﵄ (٨) - والله أعلم.

стр. 222

الفصل السادس ما جاء في ذم من رغب عنها خرّج مسلم في صحيحه (١)، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل لابن عمه أو قريبه هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير (٢) تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد». وعن أبي هريرة - أيضا ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ ،: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» (٣). وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة التفت إليها فبكى ثم قال: يا مزاحم (٤) أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة (٥).

стр. 223

/قال مالك بن دينار (١): قرأت في التوراة أن عمر بن عبد العزيز صديق، وعن خالد الربعي قال: قرأت في التوراة إن السماء والأرض تبكي على موت عمر بن عبد العزيز أربعين سنة (٢). وعن جابر بن عبد الله أن أعرابيا بايع رسول الله، ﷺ على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال النبي، ﷺ : «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيّبها» (٣). تنصع: أي يبقى ويظهر (٤). وعن سفيان بن أبي زهير، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «تفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٥).

стр. 224

يبسون: بضم الياء المثناة، وكسر الباء الموحدة من أبس يبس قيل: معناه يزينون لهم البلد الذي جاءوا منها ويحببونه إليهم ويدعون إلى الرحيل إليه (١). وروى ابن بكير: يبسون بفتح الياء المثناة وفسره بيسيرون من قوله تعالى ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ (٢) أي سارت، وقيل: بفتح الياء وكسر الباء وفتحها أيضا معناه يسيرون، وقيل: يدعون إلى المسير دليله قوله «فيتحملون»، وقيل: معناه يزجرون دوابهم بس يبس، وهو صوت الزجر إذا سقيتها، وفي لغة اليمن: بسست وأبسست فيكون يبسون ويبسون (٣). الفصل السابع ما جاء في ذم من أخاف المدينة الشريفة وأهلها روى البخاري بإسناده إلى سالم بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اشتد الجهد بالمدينة وغلا السعر، فقال النبي، ﷺ : «اصبروا يا أهل المدينة وأبشروا فإني قد باركت على صاعكم ومدّكم جميعا ولا تفرقوا، فإن طعام الرجل يكفي الإثنين، فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا وكنت له شهيدا يوم القيامة، ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله فيها من هو خير منها، ومن

стр. 225

بغاها أو كادها بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» (١). وخرّج البخاري في صحيحه (٢)، من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي،/ ﷺ ، أنه قال: «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء». وعن محمد بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ ،: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله» (٣). وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة مهاجري فيها مضجعي وفيها مبعثي، حق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر ومن حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال» (٤). قيل للمزني (٥): ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار يعني الدم والقيح.

стр. 226

وعن أبي عبد الله القراظ (١) قال: أشهد أن أبا هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أراد أهل هذه البلدة بسوء - يعني المدينة - أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (٢). وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله، ﷺ قال: «من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ومن أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين ووضع يديه على جنبيه تحت ثدييه» (٣). وعن السائب بن خلاد أن رسول الله، ﷺ ، قال: «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله من صرفا ولا عدلا» (٤). اللعن في اللغة: أصله الطرد، ولعن الله إبليس أي طرده حين قال له ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ (٥). سمعت والدي - رحمه الله تعالى - يقول: لعنة الله من الأرض على أرض السويس (٦)، قلت ما سبب ذلك؟ قال: إن الخطيب سراج الدين عمر بن

стр. 227

أحمد بن الخضر الأنصاري (١)، كان قاضي المدينة الشريفة وإمامها وخطيبها قريبا من أربعين سنة، أراد السفر إلى مصر، فرأى النبي، ﷺ في النوم، فقال له: أريد السفر إلى مصر، فقال له النبي، ﷺ : لا تسافر، فقال: بل أسافر يا رسول الله، فقال، كرر السؤال ثلاث مرات، والنبي، ﷺ يقول له: لا تسافر، فبعد ثالث مرة قال له ﷺ : سافر إلى لعنة الله، فتجهز وسافر، فمات بالسويس قبل قدومه مصر، وذلك في أوائل سنة خمس وعشرين وسبعمائة (٢). قوله: «صرفا ولا عدلا» الصرف: التوبة (٣)، والعدل: الفدية (٤)، وقيل الصرف: الحيلة (٥)، قال الله تعالى: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً﴾ (٦) وقال: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ (٧).

стр. 228

الفصل الثامن ما جاء في منع الطاعون والدجال من دخول المدينة الشريفة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : «على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» (١). النقب: الطريق (٢). وعنه - أيضا - قال: قال رسول الله، ﷺ : «المدينة ومكة محفوفتان /بالملائكة، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» (٣). الطاعون: رجس أرسله الله تعالى على بعض الأمم السالفة، قيل: هو الموت الذريع من الوباء العام، ومعنى الذريع (٤): [أي الكثير] (٥)، ويسمى الموت الكثير طوفانا (٦) كما يسمى السيل العظيم. قاله الفربري (٧).

стр. 229

وقيل: هو داء [يصيب] (١) الإنسان من غلبة الدم وشدة الحرارة، وهو قريب من الجذام، وإذا غلب على [موضع لا يسلم] (٢) منه إلا القليل، وحكمه الشهادة، وقيل: الثواب، وليس هو [يختص بصفة] (٣) واحدة، ولكن كل مرض يعم عامة الناس ويهلكون به يسمى طاعونا (٤)، وبه أهلك الله تعالى قوم حزقيل النبي ﵇ في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٥) الآية. وذلك أن قرية داوردان (٦)، وهي قبلي واسط نزل بها طاعون، فخرجت منها طائفة فسلمت فوقع بها من قابل، فخرج عامة أهلها فهلكوا، وكانوا أربعة آلاف وقيل: سبعون ألفا، ثم أحياهم الله تعالى وتناسلوا (٧). عن ابن عباس ﵄ أن نسل تلك الطائفة ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود (٨). حكاه الثعلبي. تحذير: عن عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله، ﷺ قال: «إذا سمعتم بهذا الوباء بالبلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارا منه» (٩).

стр. 230

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، فلما جاء سرغ، بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف - الحديث الذي قدمناه عنه - فرجع عمر من سرغ (١). سرغ: بفتح السين المهملة، وإسكان الراء، ويقال أيضا: بفتح الراء، بعدها غين معجمة. قال ابن وضاح: من المدينة إلى سرغ ثلاث عشرة مرحلة (٢). وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لبيت بركبة أحب إليّ من عشرة أبيات بالشام. قال مالك: يريد لطول الأعمار والبقاء ولشدة الوباء بالشام (٣). وركبة: ما بين الطائف ومكة، وقيل: في ناحية اليمن تقال: بفتح الكاف وسكونها (٤). وروت عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة، فسألتها: ما سمعت من رسول الله، ﷺ ، يقول في الفرار من الطاعون؟ قالت: سمعته يقول: «كالفرار من الزحف» (٥). عمرة هذه هي: عمرة بنت قيس العدوية، وقد يروي نساء أو رجال عن شخص واحد تتساوي أسماؤهم، فإن عمرة المذكورة، وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وعمرة بنت أرطاة، وعمرة الطاحنية، جميعهم

стр. 231

يروي عن عائشة (١). ومثله: الأغر واسمه: سلمان (٢)، والأغر الثاني أبو مسلم (٣) وكلاهما يروي عن أبي هريرة (٤). وعطاء بن أبي/رباح، وعطاء الخراساني، وعطاء بن ميناء، وعطاء ابن يسار، وعطاء مولى أم صبية، وجميعهم يروي عن أبي هريرة (٥). وفي الصحابة (٦) جماعة ليس لأسمائهم مثل منهم: الأغر، وأبي اللحم، وأجمد [بن عجبان] (٧) وأسمر، وأيفع وهو ذوو الكلاح، وجندرة، وحممة، وحطاب، [وصحار] (٨) وصدى، وصنابح، وعكاف، وفيروز، وكناز، ومحيّصة، والمقداد، ونبيشة، [ونعيمان] (٩) والنواس، وواثلة، ووابصة، وهداج، والمهلب، وبرد (١٠). وقال ابن الجوزي: في المحدثين خلق كثير إلا أن أعجبهم: مسدّد البصري لإسمه أمثال غير أن ليس لأسماء آبائه مثال، لأنه: مسدّد بن مسرهد بن مسرهد [بن مغربل بن مرعبل بن أرثدل بن سرندل بن

стр. 232

غرندل بن ماشك بن المستورد بن أسد بن شريك] (١) بن مالك بن فهم بن غنم ابن دوس البصري، روى عنه البخاري وقال: مات سنة [ثمان و] (٢) عشرين ومائتين (٣). وقال أبو الحسن المدائني (٤): كانت الطواعين المشهورة في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه - بكسر الشين المعجمة، وسكون الياء المثناة من أسفل، ورفع الراء، وفتح الياء والهاء - بالمدائن سنة ست من الهجرة (٥). ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفا (٦). ثم طاعون في شوال سنة ستة وتسعين، مات في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفا، ومات فيه لأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ابنا، وقيل: ثلاثة وسبعون، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنا (٧). ثم طاعون الفتيات في شوال سنة سبع وثمانين (٨).

стр. 233

ثم طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة، كان يحصي في سكة المدينة كل يوم ألف جنازة، ابتدأ في رجب وخف في شوال (١). وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه توفي المغيرة بن شعبة. وذكر ابن قتيبة في كتاب «المعارف» (٢)، عن الأصمعي نحوا من ذلك قال: وسمي طاعون الفتيات لأنه بدأ في العذارى، قال: ويقال [له] (٣) طاعون الأشراف، كان بنواحي البصرة، والكوفة، وواسط، والشام، قال: ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعون قط. وذكر ابن الجوزي في «المدهش» (٤): أن طاعون [عمواس كان في سنة الرمادة، وعمواس: بفتح العين والميم (٥) - قرية بين الرملة (٦) وبيت المقدس، وسمي عام الرمادة: لأنه] (٧) كان عام قحط، وكانت الريح تسفي غبارا كالرماد، وكان هذا الطاعون بالأردن وفلسطين. قال (٨): وفي سنة أربع وستين: وقع طاعون بالبصرة، فماتت أم أميرهم، فما وجدوا من يدفنها، وطاعون سنة تسعة وستين: كان يسمى الجارف، وكان يموت فيه أهل الدار فيطين الباب عليهم، وقيل للهيثم بن عدي: لم كره الناس

стр. 234

البناء فيه؟ قال: مات فيه - في طاعون الجارف - بضعة عشر ألف عروس، فتطير (١) الناس منه. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة: وقع الطاعون، مات فيه أول يوم سبعون ألفا، وفي اليوم الثاني جماعة (٢). وفي سنة تسع/عشرة وثلثمائة: كثر الموت، فكان يدفن في القبر الواحد جماعة (٣). وفي سنة ست وأربعين وثلثمائة: [عم المرض، فكان يموت أهل الدار كلهم (٤). وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة:] (٥) أصاب أهل البصرة حرّ، فكانوا يتساقطون موتا في الطرقات (٦). وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة: وقع الوباء، فكان تحفر زبية (٧) لعشرين وثلاثين (٨).

стр. 235

وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة: وقع الوباء، وبلغ الرطل من التمر هندي أربعة دنانير (١). وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة: اشتد الجوع والوباء بمصر، وبيع اللوز والسكر وزنا بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، وخرج وزير صاحب مصر (٢)، ونزل عن بغلته فأخذها ثلاثة نفر، فأكلوها، فصلبوا، فأصبح الناس لا يرون إلا عظامهم وقد أكلوا (٣). وفي سنة أربع وستين وأربعمائة: وقع الموت في الدواب، حتى أن راعيا قام وقت الصباح إلى الغنم يسوقها، فوجدها موتى كلها (٤). قلت: وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة: شاهدنا الطاعون الجارف على الحقيقة، واستمر إلى نصف سنة خمسين، طاف جميع الأرض، وابتدأ من أدنى أقطار بلاد المشرق، ومر إلى أن انتهى أقصى أقطار بلاد المغرب من جهة الجنوب، ثم سار في الشمال إلى أن انتهى أقصى المشرق، وبالجملة أنه طاف جميع الأرض، وكان يموت بمصر أياما كل يوم نيف وسبعون ألفا، ومات

стр. 236

في أيام يسيرة بالمغرب ما ينيف على ثلثمائة ألف، ومات فيه سبع ملوك للنصارى منهم الفنس، وأخلى قرى كثيرة وديارا (١)، ولما كان قبل ذلك - في سنة ست وثلاثين وسبعمائة - كنا بالاسكندرية، فأرسل إلى والدي: عمي محمد بن عبد الله المرجاني، كتابا من أرض تونس وفيه: يا أخي إن في سنة خمسين يكون أمر عظيم لا أدري ما هو، فارتحل إلى مكة، فكان ممن توفي بذلك الفناء. واعلم أن التختم بسائر أصناف الياقوت يدفع الطاعون، لا سيما الأزرق منه. رجعنا إلى ما كنا بسببه: وأما منع دخول الدجال المدينة الشريفة: فروي عن أنس ﵁ أنه قال: ليس [من] (٢) بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس نقبا من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق (٣). وخرّج البخاري في صحيحه (٤)، من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ

стр. 237

سبعة أبواب على كل باب ملكان». قال أبو جعفر الطحاوي (١): ولا يدخل الدجال مسجد الطور. طحا: قرية بصعيد مصر (٢). وقيل: يمنع - أيضا - من دخول بيت المقدس. ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حدثنا رسول الله، ﷺ ،/حديثا طويلا عن الدجال، فكان مما حدثنا به أن قال: «يأتي الدجال - وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينزل بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله، ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشدّ بصيرة مني اليوم، فيقول الدجال: اقتلوه فلا يسلط عليه» (٣). قيل: إن هذا الرجل هو الخضر ﵇. حكاه القرطبي في «التذكرة» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله، ﷺ ، قال:

стр. 238

«يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك» (١). وعنه ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين» - لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما (٢). قال القرطبي: ويمكث الناس بعد أن يقتله عيسى ﵇ سبع سنين ليس بين إثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحا من قبل الشام، فلا تبقى من في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ثم يأمر إبليس بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور. وعنه ﷺ قال: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب، خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية [وفتح القسطنطينية خروج الدجال ابن صياد (٣) في سبعة أشهر. وقال: بين الملحمة] (٤) وفتح القسطنطينية ست سنين ويخرج الدجال في السابعة، يخرج من أرض يقال لها: خراسان، وقيل: من ناحية أصبهان من قرية يقال لها: العقودية، وهو ممخرق يدعي الإلهية، ويخرج عيسى - عليه

стр. 239

السلام - من قبل المغرب فيقتله بباب لد (١) الشرقي» (٢). حكاه القرطبي. وعنه ﷺ : «ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة خلق أكبر من الدجال» (٣). وأضاف: ابن الصياد اسمه عبد الله بن صياد، وقيل: [ابن] (٤) صائد، من يهود المدينة، وقيل: دخيل فيهم مكث أبواه ثلاثين سنة لم يولد لهما غلاما أعور أضرس. - الأضرس: العظيم الأضراس - اختلف الصحابة ومن بعدهم في أمره، فقيل: هو الدجال (٥). فقد يوم الحرة، وكانت الحرة في آخر ذي الحجة من سنة ثلاث وستين (٦). وحلف جابر وعمر بن الخطاب ﵄ بحضرة رسول الله، ﷺ ، أنه هو الدجال فلم ينكر ذلك عليهما (٧). وقيل: إن هذا الولد أسلم وولد له وحج ومات بالمدينة، وصلى عليه المسلمون أو كشفوا عن وجهه حتى رآه جمع كثير من المسلمين (٨). قال الشعبي: وكنية الدجال أبو يوسف، وسمي دجالا لضربه في

стр. 240

الأرض وقطعه أكثر نواحيها. وقيل: سمي بذلك لتمويهه على الناس، وقيل: الدجال الكذاب ودجله كذبه وسحره (١). قاله الخليل، وقيل: سمي به لأنه مطموس العين اليمنى، وسمي/مسيحا: لأنه يمسح الإيمان، وقيل: لأنه ممسوح العين (٢)، وقيل: اسمه المسيخ بالخاء المعجمة، وقيل: المسّيح بكسر الميم وتشديد السين (٣). حكاه الثعلبي. ومن قرأ سورة الكهف يوم الجمعة عصم من الدجال. الفصل التاسع في تضعيف الأعمال بالمدينة الشريفة وفضيلة الموت بها، وما يؤول إليه أمرها [ما جاء في تضعيف الأعمال بالمدينة الشريفة] (٤) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها» (٥). وعنه أيضا قال: قال رسول الله، ﷺ : «صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها» (٦). فريضة رمضان أنزلت في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة،

стр. 241

وأمر رسول الله، ﷺ فيها بزكاة الفطر (١). ما جاء في فضيلة الموت بها: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإن من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة» (٢). وعنه أيضا أن رسول الله، ﷺ قال: «من زارني في المدينة فمات بها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (٣). ويروى عنه، ﷺ : «من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب» (٤). وفي طريق آخر: «بعث من الآمنين يوم القيامة» (٥).

стр. 242

وروى البخاري في صحيحه (١)، عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄ قالت: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسول الله، ﷺ ، فقلت أنى يكون هذا؟ فقال يأت الله به إذا، فكان كذلك. وهذا مما يؤيد استحباب دعاء الإنسان بأن يكون موته في البلد الشريف. قاله: النووي. ذكر ما يؤول إليه أمر المدينة الشريفة: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: «لتتركن المدينة على خير ما كانت، مذللة ثمارها، لا يغشاها إلا العوافي (٢) - يريد عوافي الطير والسباع - وآخر من يحشر منها راعيان من مزينة (٣)، يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما». أخرجه البخاري في صحيحه (٤). وعنه أيضا أن رسول الله، ﷺ قال: «لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب - أو الذئب - فيغذّى (٥) على بعض سواري المسجد -

стр. 243

أو على المنبر، فقالوا: يا رسول الله فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ فقال: للعوافي: الطير والسباع». رواه مالك في الموطأ (١). وقد جاء في الحديث: «أن سواد المدينة يزيد بزيادة أهلها وزيادة عماراتها حتى تتصل مساكنهم إلى إهاب» (٢). إهاب: بكسر الهمزة، ويهاب: بكسر الياء، إسمان لموضع بقرب المدينة، وروي نهاب بالنون، ولعله تصحيف، وهذا الموضع بعيد من المدينة /بأميال (٣). قال الشيخ شهاب الدين فضل الله: نهاب بالنون المكسورة (٤)، وقال الشيخ سراج الدين داود: قيل: هما موضعان قريبان من خيبر. الفصل العاشر ما جاء في تحريم النبي ﷺ المدينة الشريفة عن رافع بن خديج أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول - وذكر مكة - فقال

стр. 244

: «إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها». يريد المدينة (١). وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة» (٢). وعن نافع بن جبير، أن مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: مالي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها وقد حرم رسول الله، ﷺ ما بين لابتيها وذلك عندنا في أديم خولاني (٣) إن شئت أقرأتكه. قال: فسكت مروان، ثم قال: قد سمعت بعض ذلك (٤). وعن عثمان بن حكيم، حدثني عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها، وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (٥).

стр. 245

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص مثل هذا الحديث، وزاد فيه: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ قال: «حرّم ما بين لابتي المدينة على لساني» (٢). وعن علي بن مسهر [عن الشيباني، عن يسير بن عمرو، عن سهل بن حنيف] (٣) ﵁ قال: أهوى رسول الله، ﷺ بيده إلى المدينة وقال: «إنها حرم آمن» (٤). وفي السنن لأبي داود (٥) أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله، ﷺ ، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه فقال: إن رسول الله، ﷺ ، حرم هذا الحرم، وقال: «من وجد أحدا يصيد فيه فليسلبه ثيابه»، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله، ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. وعن جابر بن عبد الله أنه قال: لا يخبط شجرها ولا يعضد حمى

стр. 246

رسول الله، ﷺ ، ولكن يهش هشا رفيقا (١). الفصل الحادي عشر في تحديد حدود حرم المدينة الشريفة روى أبو داود في سننه (٢)، من حديث علي ﵁ عن النبي، ﷺ قال: «المدينة حرام ما بين عير (٣) إلى ثور (٤)، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل، ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها/ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره». وروينا في الصحيحين (٥)، من حديثه أيضا، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة

стр. 247

صرفا ولا عدلا». وعن عبد الله بن سلام أن رسول الله، ﷺ «حرم ما بين أحد وعير» (١). وعن إبراهيم التيمي (٢)، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - معلقة في قراب سيفه - فقد كذب، فيها أسنان الإبل وشيئا من الجراحات، وفيها قال النبي، ﷺ : «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه [يوم القيامة] (٣) صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» (٤). قيل: أن ما بين عير مكة المشرفة إلى ثورها من المدينة مثله حرام (٥).

стр. 248

وعن أبي هريرة ﵁ حرم المدينة اثنا عشر ميلا حواليها (١). وهذا قدر ما روي عن أبي بكر بن النعمان. كما سيأتي. وعنه أيضا: جعل اثنا عشر ميلا حول المدينة حمى (٢). قال الماذري (٣): نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا وهم من الراوي، لأن ثورا بمكة، والصحيح ما بين عير إلى أحد (٤). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير وثور جبلان بالمدينة - وهو قول أبي سليمان الخطابي - وأهل المدينة لا يعرفون بها جبلا يقال له ثور، إنما ثور بمكة فيرى أن الحديث أصله: ما بين عير إلى أحد (٥). قالوا: أو يكون رسول الله، ﷺ ، سماّ ثورا تشبيها بثور مكة لوقوعه في مقابلة جبل يسمى عيرا (٦). وقيل: أراد بهما مأزمي المدينة، لما ورد في حديث أبي سعيد: حرمت المدينة ما بين مأزميها، وهما شعبتان يكتنفانها فشبههما بعير عدو وثور المحل،

стр. 249

والمحل اسم الجبل (١). وإنما غلب عليه اسم ثور: لأن ثور بن مناة بن أد بن طابخة كان ينزله، فعرف به، فقيل: جبل ثور وغلب عليه ذلك، حتى قيل للجبل: ثور ثم أضيف إلى المحل لإختلاف الإسمين (٢). وقيل: أراد به لابتيها، وقيل: أراد به الحرتين شبه أحد الحرتين بعير لنتوء وسطه ونشوزه، والآخر بثور لإمتناعه تشبيها بثور الوحش أو لإجتماعه (٣). وإنما/قيل هذه التأويلات: لما لم يعرف بالمدينة جبل يسمى ثورا، حكى ذلك أبو عبيد في «مشكل غريب الحديث» (٤). قال المطري وأبو القاسم السروري وغيرهما (٥): «قد ثبت بالمدينة الشريفة عن أهلها القدماء الساكنين بالعمرية والغابة: أنهم يعرفون عن آبائهم وأجدادهم: أن وراء جبل أحد جبلا يقال له ثور معروف».

стр. 250

قال المطري (١) [والسروري:] (٢) «قد شاهدنا الجبل ولم يختلف في ذلك أحد، وعسى أن يكون أشكل على من تقدم لقلة سكناهم المدينة». قال المطري (٣): «وهو خلف جبل أحد من شماليه وهو جبل صغير مدور وعير شرقية» قال (٤): «وهما حد الحرم كما نقل». ثم قال ﵀ (٥): «ولعل هذا الاسم لم يبلغ أبا عبيد ولا الماذري وحسبك». وعن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها» (٦). وعن أبي هريرة ﵁ كان يقول: «لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما زعرتها»، قال رسول الله، ﷺ : «ما بين لابتيها حرام» (٧). وعن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب الأنصاري: أنه وجد غلمانا قد ألجأوا ثعلبا إلى زاوية فطردهم عنه، قال مالك: لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله، ﷺ يفعل هذا؟ (٨).
следующие страницы →