← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الحديد، واضطربت قناديل المسجد وسمع لسقف المسجد صرير، وتمت الزلازل إلى يوم الجمعة ضحى، ثم انبجست الأرض بنار عظيمة من واد يقال له أحيليين (١) - بينه وبين المدينة نصف يوم - ثم انبجست من رأسه في الحرة الشرقية من وراء قريظة على طريق السوارقية (٢)، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، وللنار ألسن حمر صاعدة في الهواء، وبقي الناس في مثل ضوء القمر وصارت النار على قدر المدينة العظيمة وما ظهرت إلا ليلة السبت، وكان اشتعالها أكثر من ثلاث منائر، وهي ترمي بشرر كالقصر، وشررها صخر كالجبال، وسال من هذه النار واد يكون مقداره خمسة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وهو يجري على وجه الأرض [وتخرج] (٣) منه أمهاد وجبال تسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتى يصير كالآنك (٤) فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، وسالت من أحيليين نار تنحدر مع الوادي إلى الشظاة والحجارة تسير معها حتى عادت تقارب حرة العريض، ثم وقفت أياما تخرج من النار ألسن ترمي بحجارة خلفها وأمامها حتى نبت لها جبل، ولها كل يوم صوت من آخر النهار، ورؤي ضوء هذه النار من مكة ومن الينبع (٥) ولا ترى الشمس والقمر من يوم ظهور النار

стр. 282

إلا كاسفين (١). قال أبو شامة: «ظهرت عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نور الشمس على الحيطان، وكلنا حيارى من ذلك ما هو؟ حتى أتى خبر النار» (٢). قال المطري (٣): «سارت النار من مخرجها الأول جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر/تدب كدبيب النمل تأكل كل ما مرت عليه من جبل أو حجر ولا تأكل الشجر فتثير كل ما مرت عليه فيصير سدا لا مسلك فيه لإنسان ولا دابة إلى منتهى الحرة من جهة الشمال فقطعت في وسط وادي الشظاة إلى جبل وعيرة فسدت الوادي المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار ولا كسد ذي القرنين لا يصفه إلا من رآه طولا وعرضا وارتفاعا، وانقطع وادي الشظاة بسببه (٤) وصار السيل [إذا سال] (٥) ينحبس خلف السد، وهو واد عظيم فتجتمع خلفه المياه حتى تصير بحرا كنيل مصر عند زيادته». قال ﵀ (٦): «شاهدته كذلك في شهر رجب من سنة سبع وعشرين وسبعمائة». قال (٧): «وأخبرني علم الدين سنجر المعزي (٨) - من عتقاء

стр. 283

الأمير عز الدين منيف بن شيحه بن القاسم بن مهني الحسيني (١) أمير المدينة - قال: أرسلني مولاي - المذكور - بعد ظهور النار بأيام، ومعي شخص من العرب يسمى حطيب بن سنان وقال لنا: اقربا من هذه النار، وانظرا هل يقدر (٢) أحد على القرب منها؟ فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها، فلم نجد لها حرا، فنزلت عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر، ومددت يدي إليها بسهم فعرق النصل ولم يحترق العود واحترق الريش». انتهى. انظر إلى عظيم لطف الباري تعالى بعباده إذ سخرها بلا حرارة، إذ لو كانت كنارنا لأحرقت من هذا البعد (٣) فناهيك بقربها وعظمها، ولكنها ليست بأول مكارمه ﷺ ، وامتنان خالقها ، إذ أخمد حرها وجعل سيرها تهويدا لا تنقيبا (٤) حفظا لنبيه ﷺ ، وأمته ورفقا لعباده ولطفا بهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥) وقد ظهر بظهورها معجزات بان بها آيات أسرار بديعة وعنايات ربانية منيعة، ففي انطماس نورها وسببه عدم حرها،

стр. 284

وفي عدم حرها عبرة وسببه خفة سيرها، وفي استرسال دبيبها قدرة وسببه عدم أكلها، وفي عدم أكلها حرمة وسببه لا يعضد نبتها (١). قال الشيخ جمال الدين (٢): «وأخبرتني بعض من أدركتها من النساء أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت». قال ﵀ (٣): «وظهرت بظهورها معجزة من معجزات رسول الله، ﷺ ، وهي ما ورد في الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ ،: «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى» (٥) فكانت هي هذه النار إذ لم يظهر قبلها من أيامه ﷺ نار مثلها. ثم قال ﵀ (٦): «وظهر لي في معنى أنها كانت تأكل الحجر ولا تأكل الشجر أن ذلك/لتحريم سيدنا رسول الله ﷺ شجر المدينة فمنعت من أكل شجرها إكراما له لوجوب طاعته وهذا من أوضح معجزاته ﷺ ».

стр. 285

وقدم إلى المدينة الشريفة في جمادي الآخرة - من السنة المذكورة (١) - نجابة من العراق وأخبروا أن بغداد أصابها غرق عظيم حتى دخل [الماء] (٢) من أسوارها إلى البلد وغرّق كثيرا من البلد، ودخل الماء دار الخليفة، وانهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وتهدم مخزن الخليفة وهلك من السلاح شيء كثير وأشرف الناس على الهلاك، وتخرقت أزقة بغداد، ودخلت السفن وسط البلد (٣). وفي تلك السنة - المذكورة - احترق مسجد رسول الله، ﷺ ، وكانت ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان المعظم. كما سيأتي (٤). قال الشيخ جمال الدين (٥): «وانخرق السد من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه فجرى في الوادي - المذكور - سنة كاملة سيلا يملأ ما بين جانبي الوادي، ثم سنة أخرى دون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة، فجرى سنة أو أزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز في تلك السنة وكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي جبل وعيرة وتلك النواحي فجاء سيل طام لا يوصف ومجراه على مشهد حمزة [﵁ وحفر واديا

стр. 286

آخر قبلي الوادي ومشهد حمزة] (١) وقبلي جبل عينين (٢)، وبقي المشهد وجبل عينين في وسط السيل أربعة أشهر أو نحو ذلك لا يقدر أحد على الوصول إلى قبر حمزة ولا إلى الجبل المذكور إلا بمشقة، ولو زاد الماء مقدار ذراع وصل إلى المدينة الشريفة». قال ﵀ (٣): «وكنا نقف خارج باب البقيع على التل الذي هناك، فنراه ونسمع خريره ثم استقر في الوادي [بين القبلي الذي أحدثته النار والشمالي قريبا من سنة وكشف عن عين قديمة (٤) قبل الوادي] (٥) فجددها الأمير وديّ بن جماز أمير المدينة في ولايته» انتهى. واعلم أنه يصب في وادي الشظاة أيضا رومة مجتمع السيول فمنها: سيل بطحان، والعقيق، وزغابة، والنقمي (٦)، وسيل غراب (٧) من جهة الغابة

стр. 287

فيصير سيلا واحدا ويأخذ في وادي الضيقة (١) إلى أضم (٢) - جبل معروف - إلى منزلة أكرا من طريق مصر، ثم يصب في البحر المالح (٣). تنبيه على ما سبق يدل على قدرة العلي الأعلى : حكى ابن الجوزي في «المدهش» (٤): «أن الأرض تزلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في سنة عشرين، فأخذ بعصا وأتى منبر رسول الله، ﷺ وقال: يا أهل المدينة أنكم أرجفتم، والرجف من كثرة الزنا والربا ونقصان الثمر من قلة الصدقة/وأنكم قد أجريتم حتى أعجلتم، فهل أنتم منتهون؟ أو ليفر عمر من بين أظهركم». وفي سنة أربع وتسعين: دامت الزلازل أربعين يوما وتهدمت دور مدينة أنطاكية (٥). وفي شوال سنة أربع وعشرين ومائتين: زلزلزلت الأرض بفرغانة (٦)، فمات منها أكثر من خمسة عشر ألفا (٧). وفي السنة التي تليها: (رجفت الأهواز وتصدعت الجبال، وهرب أهل البلد إلى البر والسفن ودامت ستة عشر يوما (٨).

стр. 288

وفي السنة التي تليها:) (١) أمطر أهل تيماء (٢) مطرا عظيما وبردا كالبيض، فقتل ثلثمائة وسبعين إنسانا وهدم دورا وسمع في ذلك صوتا [يقول: ارحم عبادك، أعف عن عبادك، ونظروا إلى أثر قدم طول ذراع بلا أصابع، وعرضها شبران من الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ستة، فاتبعوا الصوت فجعلوا، يسمعون صوتا] (٣) ولا يرون شخصا (٤). وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين: رجفت دمشق رجفة شديدة لإرتفاع الضحى وانتقضت منها البيوت وسقطت على من فيها خلق كثير، وانكفأت قرية بالغوطة (٥) على من فيها فهلكوا إلا رجل واحد، وزلزلت أنطاكية، فمات منها عشرون ألفا (٦). وفي السنة التي تليها: هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها، فاتصلت نيفا وخمسين يوما شملت بغداد، والبصرة، والكوفة، وواسط، وعبّادان (٧)، والأهواز، ثم ذهبت إلى همذان فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل (٨) فمنعت الناس من الإنتشار فتعطلت الأسواق، وزلزلت هراة (٩)

стр. 289

فوقعت الدور (١). وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين: وجه طاهر بن عبد الله (٢) إلى المتوكل حجرا سقط بناحية طبرستان (٣) وزنه ثمانمائة وأربعين درهما فيه صدع، وذكروا أنه سمع لسقوطه هدة عظيمة من أربعة فراسخ في مثلها وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع (٤). وفي سنة أربعين ومائتين: خرجت ريح من بلاد الترك، فمرت بمرو (٥) وقتلت خلقا كثيرا بالزكام، ثم صارت إلى نيسابور، وإلى الري، ثم إلى همذان وحلوان (٦)، ثم صارت إلى العراق، فأصاب أهل مدينة السلام (٧)، وسامراء (٨) حمّى وسعال وزكام، وجاءت كتب من المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان (٩) خسف بها، فلم ينج من أهلها إلا اثنان وأربعون رجلا

стр. 290

سود الوجوه، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم، فبنى لهم العامل حظيرة خارج البلد فنزلوها (١). وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين: ماجت النجوم في السماء وجعلت تتطاير شرقا وغربا ويتناثر بعضها من خلف بعض كالجراد من قبل غروب الشمس إلى الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا عند ظهور رسول الله، ﷺ (٢). وفي السنة التي تليها: رجمت قرية يقال لها السويداء بناحية مصر بخمسة أحجار، وقع منها حجر على خيمة أعرابي، فاحترقت، ووزن منها حجر فكان عشرة أرطال (٣). وزلزلت الري، وجرجان (٤)، وطبرستان، ونيسابور، وأصبهان (٥)، وقم (٦)، وقاشان (٧) كلها في وقت واحد (٨). وزلزلت الدامغان (٩) فهلك من أهلها خمسة وأربعين ألفا، وسقطت الجبال ودنا/بعضها من بعض، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية (١٠).

стр. 291

وسار جبل باليمن عليه مزارع حتى أتى مزارع قوم آخرين (١). ووقع طائر أبيض دون الرخمة (٢) وفوق الغراب على دابة بحلب لسبع أتين من رمضان فصاح ينادي: يا معشر الناس اتقوا الله الله الله حتى صاح أربعين صوتا، ثم طار وجاء من الغد فصاح أربعين صوتا ثم طار، فكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه (٣). ومات رجل في بعض كور الأهواز فسقط طائر أبيض على جنازته، فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده (٤). وفي سنة خمس وأربعين ومائتين: تزلزلت أنطاكية فسقط منها ألف وخمسمائة دار، ووقع من سورها نيف وتسعون برجا، وسمع أهلها أصواتا هائلة من كوى (٥) المنازل (٦).

стр. 292

وسمع أهل تنيس (١) ضجة هائلة دامت، فمات منها خلق كثير، وذهبت جبلة (٢) بأهلها (٣). وفي سنة خمس وثمانين ومائتين: مطرت قرية حجارة بيض وسود (٤). وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين: زلزلت دبيل (٥) في الليل، فأصبحوا ولم يبق من المدينة إلا اليسير، فأخرج من تحت الردم خمسون ومائة ألف ميت (٦). وفي سنة تسع عشرة وثلثمائة: عدل الحاج عن الجادة خوفا من العرب، فرأوا في البرية صور الناس من حجارة، ورأوا امرأة وهي قائمة على تنور وهي من حجارة والخبز الذي في التنور من حجارة (٧). سمعت والدي ﵀ يقول: كنا بأرض برقة (٨)، فعدلنا عن الطريق قليلا، فوجدنا مغائر عظيمة في جبل من تلك الجبال ملآنة دراهم جميعها من حجارة، فملأت منها خريطة، فقال لي بعض المشائخ: - وأظنه سيدي أبو عبد الله القصري - لا تحمل من آثار قوم سخط الله عليهم، هذه آثار قوم عاد وفرعون، وكذلك وجدت خريطة بمصر، فأخرج منها الفواكه

стр. 293

والدراهم والدنانير من حجارة [سمعت في قوله تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١)] (٢). وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة: هبت ريح بفم الصّلح (٣) شبهت بالتنين خرقت دجلة، حتى ذكر أنه بانت أرضها من ممر الريح وأهلكت خلقا كثيرا، واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب فطرحته في أرض جوخى (٤). وفي سنة عشرين وأربعمائة: جاء ثلج هائل، ووقعت بردة حزرت بمائة وخمسين رطلا وكانت كالثور النائم (٥). وفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة: زلزلت تبريز (٦)، فهدم سورها وقلعتها، وهلك تحت الردم خمسون ألفا (٧). وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة: كانت بأرجان (٨) زلازل انقلعت منها

стр. 294

الحيطان، فروي أن بعضهم كان قاعدا في إيوان داره فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم عاد (١). /وفي سنة ستين وأربعمائة: كانت زلزلة بفلسطين، فهلك منها خمسة عشر ألفا وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت وغار البحر مسيرة يوم، فصاح في الأرض، فدخل الناس يلتقطون منه، فرجع عليهم، فأهلك منهم خلقا كثيرا (٢). وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة: خسفت أيلة (٣). وفي سنة ست وخمسمائة: سمع ببغداد [هدة عظيمة في أقطار بغداد، قال ابن الجوزي: قال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي (٤): أنا سمعتها فظننت حائطا وقع ولم يعلم ما ذلك ولم يكن في السماء غيم (٥). وفي سنة سبع وخمسمائة: وقعت زلزلة بناحية الشام، فوقع من سور الرها (٦) ثلاثة عشر برجا، وخسف بسميساط (٧) وقلب بنصف القلعة (٨).

стр. 295

وفي سنة إحدى عشر وخمسمائة: زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة، فكانت الستور] (١) والحيطان تمر وتجيء (٢). وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة: وقع الثلج ببغداد، فامتلأت منه الشوارع والدروب (٣). وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة: كانت زلزلة بجنزة (٤)، أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفا، فأهلكتهم، وكانت الزلزلة في مقدار عشرة فراسخ في مثلها (٥). قال ابن الجوزي (٦): «وسمعت شيخنا ابن ناصر (٧) يقول: قد جاء أنه خسف بجنزة وصار مكان البلد ماء أسود، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهاليهم، وزلزلت حلوان فتقطع جبل حلوان وهلك خلق كثير». وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة: كانت زلازل بالشام في ثلاثة عشر بلدا من بلاد الإسلام، فمنها ما هلك كله، ومنها ما هلك بعضه (٨). وقيل إنه في سنة اثنتين وستمائة: وكان يوم الخميس زلزلت الأرض وانشقت وتهدم البنيان.

стр. 296

وفي سنة خمس - أو ست - وتسعين وستمائة: دخل سيل عظيم مكة المشرفة وعلا على الحجر الأسود، ثم دخل الكعبة منه قيد ذراع، وغرق فيه ناس كثير. وفي سنة سبعمائة: وقع الغلاء بمكة، فلم يؤكل إلا الجراد، وحب الحنظل، وأكلت الميتة والجلود، والعظام، وفيه يقول أبو البركات محمد القريشي البهنسي، حين ارتفع: يا أهل مكة أنتم جيران لي أحيا … كم بعد الممات تفضل ولقد صفحنا عنكم فيما مضى … وتداركتكم رحمتي في منزل ان تنتهوا جدنا وإن لم تنتهوا … فجزاؤكم باق وحب الحنظل ثم حج سنة واحد وسبعمائة: الأمير جاشنكير (١) والغلاء باق، وحج والدي ﵀ وكانت أول حجاته. ثم حج سلار الأمير (٢) بعده سنة اثنتين وسبعمائة (٣)، وحج أيضا معه والدي ﵀ وسمعته يقول: حج سلار بخمسة وعشرين ألف إردب قمح وشعير للصدقة، وبعشرة أحمال فضة للصدقة.

стр. 297

وجاء قبل العشرين وسبعمائة: - أيضا - سيل عظيم إلى أن دخل الكعبة المشرفة كالأول. وفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة: وقع بالحجاز غلاء عظيم، ومات خلق كثير. وفي السنة المذكورة: اتفق بطرابلس الشام في شهر رمضان ريح عظيم إلى أن أظلمت الدنيا، وأن القاضي تاج الدين بن البرنباري كاتب السر بها خرج يطلب ضوءا، وكان في دار له قد أنشأها/قريبا من البحر، فهاج البحر وطلع إليها، ففصل الإيوان وسقط به البحر بولديه، وكان أحدهما ناظر الجيش، والآخر من الموقعين،. فعاد بالضوء فلم يجد أحدا. قيل في سنة ثمان عشرة من الهجرة: كانت الريح تسفي غبارا كالرماد، وبه سمي عام الرمادة وجعلت الوحوش تأوي إلى الإنس (١). وفي سنة سبع وتسعين: وقع الغلاء بمصر، يروى عن أبي عبد الله القرشي أنه نودي: إنا نريد أن [نوقع بمصر ما نريد، فأخرج من بين أظهرهم إلى الخليل (٢)، فسافر إلى أرض الخليل فعبوا له الضيافة] (٣) فلم يأكل شيئا، فرأى الخليل ﵇ تلك الليلة في النوم فقال له: لما لا تأكل من ضيافتنا؟ فقال له: لا اكل حتى تشفع في أهل مصر، فقال له: كل فقد شفعت (٤) فيهم. فأرخوا تلك الليلة، فخرج فيها النيل.

стр. 298

وفي سنة أربع وثلاثين وثلثمائة: أكلت الأطفال الجيف، وبيع العقار برغفان، وشرى لمعز الدولة (١) كر دقيق بعشرين ألف درهم (٢). وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة: عم القحط، فأكلت الميتة، وبلغ المكوك من بذر البقلة سبعة دنانير، والسفرجلة، والرمانة دينار، وورد الخبر من مصر بأن ثلاثة من اللصوص نقبوا دارا فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على كرة الثياب المكورة، وابتاع فيها الرغيف بخمسين دينارا (٣). قيل: إن عروق الأرض جميعها متصلة بجبلي قاف، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضا أمر الملك الموكل بقاف، واسمه حزقائيل فيحرك عرق تلك الأرض فيزلزلها، فلذلك يتزلزل موضع (٤). عن الثعلبي. وجبل قاف من ياقوت أخضر (٥)، ومنه اخضرت السماء، دائر بالأرض من وراء البحر المحيط واسمه عسلمون ولأجل هذا الاسم منع استعمال تلك الحفيظة. حكاه الماذري. ووراء قاف أرض بيضاء كافورية مثل الدنيا سبع مرار، ومن خلفها السبعة الأبحر أولها: بيطس، والثاني: قيس، والثالث: الأصم، والرابع: المظلم، الخامس: ما ليس، السادس: الساكن، السابع: الباكي،

стр. 299

وهي محيطة بعضها ببعض (١). حكاه الكسائي. قال وهب: خلقها الله تعالى في اليوم الثالث، قالوا: والحكمة في غلبة لون قاف على السماء بالخضرة لأن النظر إلى الأخضر يقوي العين وكثرة النظر إلى الماء يعمي. وقيل: النظر إلى الأسود يورم البصر، وإلى الأبيض يفرق الشعاع ويؤلم. والأخضر لون بين السواد والبياض يجمع الشعاع، والناضر الأخضر، والفاقع الأصفر، والناصع الأبيض، والقاني الأحمر، والحالك الأسود. انتهى. الفصل الثاني في ذكر الآبار المنسوبة إلى النبي ﷺ الأول بئر حاء (٢): بالحاء المهملة بعدها ألف مقصورة من غير مد (٣). عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة أكبر وأكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل،

стр. 300

وكان أحب أمواله/إليه بئر حاء، فكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله، ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قام أبو طلحة إلى رسول الله، ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله يقول ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) وإن أحب أموالي إليّ بئر حاء، وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله، ﷺ : «بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين». قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، فممن صارت إليه: أبي بن كعب، وحسان بن ثابت (٣). قوله ﵇: «بخ» كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، فإذا أفردت وقفت عليها، وإذا كررت فهو للمبالغة وتصل الأولى بالأخرى وتنون، وأهل الحديث يرونها بسكون الخاء في الوصل والوقف، ومنهم من يشدد الخاء منها (٤)، وقد جمع الشاعر فقال: روافده أكرم الرافدات … بخ لك بخّ لبحر خضم (٥) [ذكره أبو عبيد] (٦).

стр. 301

قال ابن النجار (١): «وماؤها عذب حلو، وذرعناها فكان طولها: عشرون ذراعا، منها أحد عشر ذراعا ونصف ماء والباقي بنيان، وعرضها: ثلاثة أذرع ويسير، وهي مقابلة المسجد كما ورد في الحديث» (٢). قال المطري (٣): «وهي اليوم في وسط حديقة صغيرة فيها نخل جيد، وهي شمالي سور المدينة قريبة من البقيع، بينها وبين السور الطريق وتعرف اليوم بالنويرية اشتراها وأوقفها على الفقراء وغيرهم». غزا أبو طلحة - المذكور - البحر فمات فيه (٤)، فلم يجدوا له جزيرة يدفن فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه وهو لم يتغير (٥). جملة ما روى خمسة وعشرون حديثا (٦). الثانية بئر أريس (٧): عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه توضأ في بيته، ثم

стр. 302

خرج فقال: «لألزمن رسول الله، ﷺ ، ولأكونن معه يومي هذا قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي، ﷺ فقالوا: خرج ووجّه هاهنا، قال: فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، قال: فجلست عند الباب - وبابها من جريد - حتى قضى رسوله الله، ﷺ حاجته، وتوضأ فقمت إليه، فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قفها (١)، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله، ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر الصديق ﵁ فدفع/الباب، فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأقبلت حتى قلت [لأبي بكر:] (٢) أدخل ورسول الله، ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله، ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت إن يرد الله بفلان خيرا - يريد أخاه - يأت به فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر ابن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله، ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن، فقال: إئذن له وبشره بالجنة، فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله، ﷺ بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله، ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست [مع رسول الله، ﷺ ] (٣) فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا - يعني أخاه - يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان بن عفان، فقلت: على

стр. 303

رسلك، قال: وجئت رسول الله، ﷺ ، وأخبرته فقال: إئذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: أدخل ويبشرك رسول الله، ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد مليء، فجلس وجاههم من الشق الآخر» (١). قال شريك (٢)، قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم (٣). قال الحافظ بن محب الدين (٤): «وماؤها عذب طيب وذرعناها فكان طولها: أربعة عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان ونصف ماء، وعرضها: خمسة أذرع، وطول قفها الذي جلس عليه رسول الله، ﷺ وصاحباه: ثلاثة أذرع تشف كفا». والبئر تحت أطم عال خراب من حجارة (٥). قال الشيخ جمال الدين (٦): «البئر غربي مسجد قباء في حديقة الأشراف الكبرى من بني الحسين بن علي بن أبي طالب».

стр. 304

والأطم المذكور من جهة القبلة وقد بني أعلاه مسكن يسكنه من يقوم بالحديقة ويخدم مسجد قباء، وحولها دور الأنصار وآثارهم، ﵃ (١). وقد جدد لها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي ﵀ درجا ينزل إليها منه، وعلى الدرج قبو، وذلك في سنة أربع عشرة وسبعمائة (٢). وعن أنس ﵁ قال: «كان خاتم رسول الله، ﷺ في يده وفي يد أبي بكر بعده وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس وأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط، فاختلفت ثلاثة مع عثمان فنزح البئر فلم يجده» (٣). قال الشيخ جمال الدين (٤): «وكان ذلك لتمام/ست سنين من خلافته، فمن ذلك اليوم حصل في خلافته ما حصل من إختلاف الأمر لفوات بركة الخاتم والله أعلم». وكان خاتم رسول الله، ﷺ من ورق، اتخذه في السنة السابعة من الهجرة، نقشه: محمد رسول الله (٥).

стр. 305

وكان قد قيل له: إن العجم لا تقرأ كتابا إلا مختوما فاتخذه لذلك (١). وفي الخاتم أربع لغات: بالفتح، والكسر، والخاتام، والخيتام واحد (٢). الثالثة بئر بضاعة (٣): هذه البئر كانت لبني ساعدة، وهم قوم من الخزرج (٤). والظاهر أن بضاعة: اسم رجل أو امرأة تنسب إليه البئر (٥). وأهل اللغة: يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ الضم، وقد حكاه بعضهم بالصاد المهملة وليس بمحفوظ (٦). وكان موضعها ممر السيول فتكمح الأقذار من الطرق إليها، لكن الماء الكثير لا يؤثر ذلك فيه (٧).

стр. 306

روى أبو داود في السنن (١): من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «سمعت رسول الله، ﷺ وهو يقال له: إنه يستقى لك من بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس - فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء». وعن محمد بن أبي يحي عن أمه قالت: «دخلنا على سهل بن سعد (٢) [في نسوة فقال: لو أنني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهتن ذلك وقد والله سقيت رسول الله، ﷺ بيدي منها» (٣). وعن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد] (٤) عن أبيه، عن جده «أن رسول الله، ﷺ بصق في بئر بضاعة» (٥). وعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، عن جده «أن النبي، ﷺ دعا لبئر بضاعة» (٦).

стр. 307

قال أبو داود السجستاني في السنن (١): سمعت قتيبة بن سعيد (٢) يقول: «سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: فذرعت بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني فيه: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون». قال ابن العربي: وهي في وسط السبخة فماؤها يكون متغيرا من قرارها (٣). والله أعلم. سجستان: هي التي افتتحها عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب (٤)، حين فتح كابل (٥). قال الحافظ محب الدين (٦): «وماء بئر بضاعة عذب طيب، وذرعتها فكان

стр. 308

طولها: أحد عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان راجحة ماء والباقي بناء، وعرضها: ستة أذرع كما ذكر أبو داود» (١). قال الشيخ جمال الدين (٢): «وهي اليوم في ناحية حديقة شمال سور المدينة، وغربي بئر حاء إلى جهة الشمال يستقي منها أهل الحديقة، والحديقة في قبلة البئر ويستقي منها أهل حديقة أخرى شمال البئر، والبئر وسط بينهما». الرابعة بئر غرس (٣): عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش (٤) قال: جاءنا أنس بن مالك بقباء، فقال: «أين بئركم هذه؟ - يعني بئر غرس - فدللناه عليها، قال: رأيت النبي، ﷺ جاءها، وإنها ليستقي منها على حمار، بسحر/فدعى النبي، ﷺ بدلو من مائها، فتوضأ منه ثم سكبه فيها، فما نزفت بعد» (٥). وعن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع (٦) قال: قال رسول الله، ﷺ :

стр. 309

«رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها وبزق فيها» (١). وغسل منها حين مات صلوات الله عليه وسلامه (٢). قال الحافظ محب الدين (٣): «وهذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب وريحه الغالب الأجون، وذرعتها فكان طولها: سبعة أذرع شافة، منها ذراعان ماء، وعرضها: عشرة أذرع». قال الشيخ جمال الدين (٤): «وهي شرقي مسجد قباء إلى جهة الشمال، وهي بين النخيل ويعرف مكانها اليوم وما حولها بالغرس، وهي ملك بعض أهل المدينة، وجددت بعد السبعمائة، وهي كثيرة الماء وعرضها: عشرة أذرع، وطولها: يزيد على ذلك، وماؤها عذب، لكن يغلب عليه الخضرة». الخامسة بئر البصة (٥): عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول

стр. 310

الله، ﷺ يأتي الشهداء وأبنائهم، ويتعاهد عيالاتهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري فقال: «هل عندك شيء من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟» قال: نعم، فأخرج له سدرا وخرج معه إلى البصّة، فغسل رسول الله، ﷺ ، وصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصّة (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «وهذه البئر قريبة من البقيع على يسار الماضي إلى قباء، وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر ولونه إذا انفصل منها أبيض وطعمه حلو إلا أن الأجون غالب عليه». قال (٣): «[وذكر لي] (٤) الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل، وقد ذرعتها فكان طولها: أحد عشر ذراعا، منها ذراعان ماء، وعرضها: تسعة أذرع.» قال الشيخ جمال الدين (٥): «وهي اليوم في حديقة كبيرة محوط عليها بحائط، وعندها في الحديقة بئر أصغر منها، والناس يختلفون فيهما أيهما بئر البصة؟ إلا أن الشيخ محب الدين قطع بأنها الكبرى القبلية وقياس الصغرى كالكبرى، وعرضها: ستة أذرع، وهي التي تلي أطم مالك بن سنان (٦) أبو أبي سعيد الخدري ﵄».

стр. 311

قال (١): «وسمعت بعض من أدركت من أكابر خدام الحرم الشريف وغيرهم من أهل المدينة يقولون: أنها الكبرى القبلية، وأن الفقيه الصالح أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل ﵀ وغيره من صلحاء اليمن إذا جاؤها للتبرك (٢) بها إنما يقصدون/الكبرى [القبلية] (٣) والحديقة التي هي فيها اليوم وقف على الفقراء والمساكين والواردين [والصادرين] (٤) لزيارة سيد المرسلين [ ﷺ ] (٥) أوقفها الشيخ عزيز الدولة ريحان البدري الشهابي شيخ خدام الحرم الشريف قبل وفاته بعامين أو ثلاثة، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين وستمائة». السادسة بئر رومة (٦): قال الإمام منتخب الدين أبو الفتح العجلي: لما قدم المهاجرون المدينة الشريفة استنكروا الماء لملوحته، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها: بئر رومة، يبيع منها القربة بمد من الطعام، فقال له النبي، ﷺ : «بعينها بعين في الجنة» فقال: ليس لي غيرها، فبلغ عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي، ﷺ ، فقال يا رسول الله: أتجعل لي مثل الذي جعلت؟ فقال: نعم، قال الشيخ ﵀: وهذه البئر في العقيق الأصغر (٧). وفي العقيق الأكبر بئر عروة -

стр. 312

كما قدمنا (١). وعن موسى بن طلحة، أن رسول الله، ﷺ قال: نعم الحفيرة حفيرة المزني (٢) - يعني بئر رومة - فلما سمع بذلك عثمان ﵁ ابتاع نصفها بمائة بكرة، وتصدق بها، فجعل الناس يستقون منها، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الباقي بشيء يسير فتصدق بها كلها» (٣). وعن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان ﵁ حين حوصر أشرف على الناس وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله، ﷺ قال: «من يحفر بئر رومة فله الجنة» فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»، فجهزته، قال: فصدقوه بما قال (٤). وذكر أبو عمر بن عبد البر: أن بئر رومة كانت ركية (٥) ليهودي يبيع

стр. 313

من مائها للمسلمين، فقال رسول الله، ﷺ : «من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين [يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة» فأتى عثمان ﵁ اليهودي فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها بإثني عشر ألف درهم، فجعله للمسلمين] (١) فقال له عثمان: إن شئت جعلت لنصيبي قربتين، وإن شئت فلي يوم ولك يوم، فقال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى ذلك اليهودي قال: أفسدت عليّ ركيتي، فاشتر النصف الآخر فاشتراه عثمان بثمانية آلاف درهم (٢). قال الحافظ محب الدين (٣): «وهذه البئر بعيدة عن المدينة جدا وعندها بناء بالحجارة والجص خراب. - والجص: الجبس يقال: بفتح الجيم وكسرها لغتان بمعنى واحد - قيل: أنه كان دير اليهودية شمالي مسجد القبلتين بعيدا منه وحولها مزارع وابار كثيرة وأرضها رملة، وقد انتقضت خرازها وأعلاها إلا أنها بئر مليحة مبنية بالحجارة الموجهة، وذرعتها فكان طولها: ثمانية عشر ذراعا، منها ذراعان ماء والباقي مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها:/ثمانية أذرع، وماؤها صاف وطعمه حلو إلا أن الأجون قد غلب عليه».

стр. 314

قال الشيخ جمال الدين (١): «هي وسط وادي العقيق من أسفله في براح واسع من الأرض وهي قبلي الجرف المعروف بالمدينة، وقد خربت وأخذت حجارتها ولم يبق إلا آثارها». قال ابن النجار (٢): «واعلم أن هذه الآبار - المذكورة - قد يزيد ماؤها وقد ينقص، وربما بقي منها ما كان مطمورا». وقد ذكر المطري (٣): «أن الآبار المذكورة ستة والسابعة لا تعرف اليوم، إلا ما يسمع من قول العامة أنها: بئر جمل (٤)، ولم يعلم أين هي، ولا من ذكرها غير ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ ، من نحو بئر جمل، وروى ابن زبالة أيضا فيها: عن عبد الرحمن بن زيد بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله ابن رواحة وأسامة بن زيد قالا: ذهب رسول الله، ﷺ إلى بئر جمل، وذهبنا معه، فدخل رسول الله، ﷺ ، ودخل معه بلال فقلنا: لا نتوضأ حتى نسأل بلالا كيف توضأ رسول الله، ﷺ ، فقال: توضأ رسول الله، ﷺ ومسح على الخفين والخمار، ولم يذكر بئر جمل في السبع المشهورات والله أعلم». ثم قال ﵀ (٥): «إلا أني رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين أبو

стр. 315

اليمن بن عساكر (١) على نسخة من «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» لابن النجار ما مثاله: العدد ينقص على المشهور بئرا واحدة، لأن المثبت ست، والمأثور المشهور سبع، والسابعة إسمها: بئر العهن (٢) بالعالية يزرع عليها اليوم، وعندها سدرة لها اسم آخر مشهورة به». قال الشيخ جمال الدين (٣): «بئر العهن هذه معروفة بالعوالي انتقلت بالشراء إلى الشهيد المرحوم علي بن مطرف العمري (٤)، وهي بئر مليحة منقورة في الجبل، وعندها سدرة - كما ذكر - ولا تكاد تنزف أبدا. العوالي، ويقال: العالية أيضا سميت به لإشراف موضعها، وهي منازل حول المدينة، قال مالك: بين أبعد العوالي والمدينة ثلاثة أميال، وقد ذكر ابن زبالة في تاريخه عدة ابار بالمدينة وسماها في دور الأنصار، ونقل أن النبي ﷺ أتاها وتوضأ من بعضها وشرب منها لا يعرف اليوم منها شيء». قال الشيخ جمال الدين (٥): «ومن جملة ما ذكر ابار في آخر الحرة الغربية في آخر منازل النقا على يسار السالك إلى بئر علي - أعني ذا الحليفة -

стр. 316

وعلى جانبها الشمالي بناء مستطيل/مجصص يقال له: السّقيا كانت لسعد بن أبي وقاص - تقدم ذكرها (١) - نقل أن النبي ﷺ عرض جيش بدر بالسّقيا، وصلى في مسجدها، ودعا هناك لأهل المدينة: أن يبارك لهم في مدهم وصاعهم، وأن يأتيهم بالرزق من هاهنا وهاهنا، وشرب ﷺ من بئرها، ويقال لأرضها الفلجان، وهي اليوم بئر معطلة خراب، وهي بئر كبيرة منقورة في الجبل، وقيل: أن السّقيا عين من طرف الحرة بينها وبين المدينة يومان كذا في كتاب أبي داود (٢)، ونقل الحافظ عبد الغني (٣): أنه ﷺ عرض جيشه على بئر أبي عنبة (٤) بالحرة فوق هذه البئر إلى المغرب، ونقل: أنها على ميل من المدينة، ومنها: بئر أخرى إذا وقفت على المذكورة وأنت على جادة الطريق، وهي على يسارك كانت هذه على يمينك، ولكنها بعيدة عن الطريق قليلا، وهي في سند من الحرة قد حوط حولها بناء مجصص، وكان على شفيرها حوض من حجارة تكسّر، لم يزل أهل المدينة قديما يتبركون بها ويشربون من مائها وينقل إلى الآفاق منها كما ينقل ماء زمزم (٥) ويسمونها: زمزم أيضا لبركتها، قال (٦): ولم أعلم أحدا ذكر فيها أثرا يعتمد

стр. 317

عليه والله أعلم أيتهما هي السّقيا؟ الأولى لقربها من الطريق، أم هذه لتواتر البركة بها؟». قلت: وقد يمكن أن يكون تسميتهم إياها بزمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم أي كثير وسميت بئر مكة زمزم لصوت الماء فيها حين ظهر، والزمزم صوت الرعد، وقيل: لأن هاجر زمت الماء بالتحجير عليها، وماء زمزم لما شرب له (١). فائدة: روي أن من شرب من أربعة أعين حرم الله جسده على النار: عين البقر بعكا (٢)، وعين فلوس (٣) ببيسان، وعين سلوان (٤) ببيت المقدس، وعين زمزم (٥) بمكة. ويروى أن مياه الأرض ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم. قال الشيخ جمال الدين (٦): «ولعلها البئر التي احتفرتها [فاطمة ابنة

стр. 318

الحسين بن علي (١) زوجة الحسن بن الحسن بن علي ﵃ حين أخرجت من بيت جدتها] (٢) فاطمة الكبرى أيام الوليد بن عبد الملك، حين أمر بإدخال حجر أزواج رسول الله ﷺ وبيت فاطمة ﵂ في المسجد، فإنها بنت دارها بالحرة، وأمرت بحفر بئر فيها، فطلع لهم جبل، فذكروا ذلك لها، فتوضأت وصلت ركعتين ودعت ورشت موضع البئر بفضل وضوئها، وأمرتهم فحفروا، فلم يتوقف عليهم من الجبل شيء حتى ظهر الماء». قال الشيخ جمال الدين (٣): «فالظاهر أنها هذه - أي بئر فاطمة - وأن السّقيا هي الأولى لأنها على جادة الطريق، وهو الأقرب والله أعلم». الفصل الثالث في ذكر عين النبي ﷺ عن طلحة بن خراش قال: كانوا أيام الخندق/يحفرون مع رسول الله، ﷺ ويخافون عليه فيدخلون به كهف بني حرام فيبيت فيه حتى إذا أصبح هبط.

стр. 319

قال: ونقر رسول الله، ﷺ العينية التي عند الكهف، فلم تزل تجري حتى اليوم (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «وهذه العين في ظاهر المدينة وعليها بناء، وهي مقابلة المصلى». قال الشيخ جمال الدين (٣): «أما الكهف الذي ذكره ابن النجار فمعروف في غربي جبل سلع عن يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية، وعلى يسار السالك إلى المدينة الشريفة إذا زار المساجد وسلك المدينة مستقبل القبلة تقابله حديقة نخل تعرف بالغنيمة في بطن وادي بطحان غربي جبل سلع، وفي هذا الوادي عين تأتي من عوالي المدينة تسقي ما حول المساجد من المزارع والنخيل، تعرف بعين الخيف (٤) خيف شامي، وتعرف تلك الناحية بالسيح (٥) - بالسين المهملة بعدها ياء مثناة من أسفل وحاء مهملة - وأما العين - التي ذكر الشيخ محب الدين (٦) - المقابلة للمصلي فهي عين الأزرق (٧) - وهو مروان

стр. 320

ابن الحكم - التي أجراها بأمر معاوية ﵁ وهو واليه على المدينة (١)، وأصلها من قباء من بئر كبيرة غربي مسجد قباء في حديقة نخل وهي تجري إلى المصلى، وعليها في المصلى قبة كبيرة، والقبة مقسومة نصفين، يخرج الماء منها من وجهين مدرجين: وجه قبلي، والآخر شمالي يغتسل فيهما وينتفع بهما، وتخرج العين من القبة من جهة المشرق، ثم يأخذ إلى جهة الشمال، وأخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء (٢) في حدود الستين وخمسمائة منها شعبة من عند مخرجها من القبة فساقها إلى باب المدينة الشريفة - باب المصلى - ثم أوصلها إلى باب الرحبة التي عند مسجد النبي، ﷺ من جهة باب السلام المعروف قديما بباب مروان، وبنى لها منهلا بدرج من تحت الدور يستقي منه أهل المدينة، وذلك الموضع موضع سوق المدينة الآن، ثم جعل لها مصرفا من تحت الأرض يشق وسط المدينة على البلاط، ثم يخرج إلى ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقي حصن أمير المدينة، وجعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد الشريف أزيلت - كما سيأتي ذكره في الباب السادس (٣) إن شاء الله [تعالى -] (٤) واعلم أن العين إذا خرجت من القبة التي في المصلى سارت إلى جهة الشمال حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل من تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين،
следующие страницы →