← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

غيلان، وطلحة وهي العظيمة من العضاه، وسيابة، وهي واحدة البلح، وعرادة، ومرارة، وشقرة وهي شقائق النعمان، وعلقمة وهي الحنظل، وقتادة، وسلمة والسّلم من العضاه، وأرطاه. حكاه ابن قتيبة (١). الثاني من أولاد عبد المطلب: الحارث وبه كان يكنى لأنه كان أكبر ولده (٢). الثالث قثم : مات صغيرا، وهو أخو الحارث لأمه (٣). الرابع الزبير : [كان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير شهد حنينا وثبت يومئذ و] (٤) استشهد بأجنادين. الخامس أبو الفضل العباس : كانت له السقاية وزمزم دفعهما له النبي ﷺ يوم الفتح، توفي سنة اثنتين وثلاثين (٥)، جملة ما روى خمسة وثلاثين حديثا، أخرج له منها في الصحيحين خمسة أحاديث المتفق عليه منها واحد وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاث (٦). السادس أبو طالب : قيل [اسمه كنيته وقيل] (٧) اسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبو النبي ﷺ لأمه (٨).

стр. 352

السابع أبو لهب : واسمه عبد العزى، مات بالعدسة، وكانت قريش تتقي العدسة كما [يتقي الناس] (١) الطاعون (٢). الثامن عبد الكعبة (٣). التاسع حجل : واسمه المغيرة (٤). العاشر ضرار : أخو العباس لأمه (٥). الحادي عشر الغيداق : سمي بذلك لأنه كان أكرم قريش (٦). هذا ما ذكره محب الطبري (٧). ونقل ابن الجوزي عوض عبد الكعبة: المقوم، قال: وهو قول ابن السائب، وذكره غيره أنهم عشرة، ولم يذكر قثما وقال: اسم الغيداق حجل، ومن قال: أنهم ثلاثة عشر: زاد المقوم وعبد الله، وقيل: هم تسعة وأسقطوا قثم والغيداق (٨). ولم يسلم منهم إلا حمزة، والعباس (٩). فأما أبو طالب وعبد الله، والزبير، وعبد الكعبة فإنهم لأب وأم أمهم فاطمة بنت [عمرو بن] (١٠) عائذ بن عمران بن مخزوم، ولأب أيضا: أم أروى،

стр. 353

وأميمة، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم من عمات النبي ﷺ (١). المتقدم ذكرهن (٢). وأما حمزة، والمقوم، وحجل، وصفية: أمهم هالة بنت وهيب بنت عم آمنة أم النبي ﷺ (٣). وأما العباس، وضرار، وقثم أمهم: نتيلة من بني النمر بن قاسط (٤). وأم الحارث: صفية - وقيل: سمراء - بنت جنيدب من بني عامر بن صعصعة (٥). وأم أبي لهب: لبنى بنت هاجر من خزاعة (٦). رجعنا إلى القصة: وقتل حمزة يوم أحد وحشي بن حرب الحبشي (٧) مولى جبير بن مطعم، وذلك في النصف من شوال يوم السبت على رأس إثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، وكان يقاتل بين يدي النبي ﷺ /بسيفين فعثر فوقع، فانكشف الدرع عن بطنه فطعن (٨).

стр. 354

قال رسول الله ﷺ حين رآه وقد مثل به: «جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله» (١). وكان الكفار قد مثلوا (٢) بقتلى المسلمين كلهم، إلا حنظلة بن الراهب، لأن أبا عامر بن الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان فتركوه لذلك (٣). عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة كبر عليها أربعا وأنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة، وقيل: كبر عليه سبعا (٤). ودفنه هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد (٥). جميع ما روى حمزة حديثان، ولم يخرج له في الصحاح شيء (٦).

стр. 355

الثاني: عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي: من المهاجرين الأولين، أخته زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ ، وهو الذي انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه النبي ﷺ عرجون نخلة، فصارت في يده سيفا، يقال: إنه كان قائمته منه، ولم يزل ينتقل حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار (١). قتله أبو المحلم بن الأخنس بن شريق (٢)، ودفن مع حمزة - كما ذكرنا. الثالث: مصعب بن عمير العبدري: وهو أول من هاجر إلى المدينة، وأول من جمّع في الإسلام يوم الجمعة (٣). وكان لواء رسول الله ﷺ الأعظم لواء المهاجرين يوم بدر معه ويوم أحد (٤). وضرب ابن قميئة يد مصعب فقطعها، ومصعب يقول: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٥)، وأخذ اللواء بيده اليسرى، فضربها ابن قميئة فقطعها فجثا على اللواء فضمه بين عضديه إلى صدره، ثم حمل

стр. 356

عليه الثالثة [بالرمح] (١) فأنفذه ووقع مصعب وسقط اللواء (٢). وذكر ابن سعد: أن مصعب حين قتل أخذ الراية ملك على صورته، فكان النبي ﷺ يقول: تقدم يا مصعب، فقال الملك: لست بمصعب، فعلم أنه ملك (٣). الرابع: شماس بن عثمان بن الشريد [القرشي: شماس لقبه واسمه عثمان] (٤). حمل من بين القتلى إلى المدينة وبه رمق، ثم مات عند أم سلمة، فأمر رسول الله ﷺ أن يرد إلى أحد فيدفن كما هو في ثيابه التي مات فيها بعد أن مكث يوما وليلة، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولم يصل عليه رسول الله ﷺ ولم يغسله (٥). وذكر أبو عبيدة أن شماسا - هذا قتل يوم بدر وهو غلط (٦). الخامس: عمارة بن زياد بن السكن: لما أثخن وسّده رسول الله ﷺ قدمه فمات (٧). السادس: عمرو بن ثابت بن وقش: كان يأبى الإسلام، فلم يسلم إلا يوم أحد، فأسلم، وقاتل حتى

стр. 357

قتل (١). فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: إنه لمن أهل الجنة (٢). السابع والثامن: ثابت بن وقش/ - أبو عمرو المذكور - والحسيل وهو: اليمان أبو حذيفة، كانا شيخين ارتفعا في الآطام مع النساء والصبيان لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد فقال أحدهما للآخر: ما ننتظر؟ وخرجا فقاتلا حتى قتلا (٣). التاسع: حنظلة بن أبي عامر الأوسي: قتله أبو سفيان، فقال رسول الله ﷺ حين قتل: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة» فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج وهو جنب حين سمع النداء، فكان يعرف بغسيل الملائكة (٤). وعلقت منه امرأته بعبد الله، قتل ولده يوم الحرة سنة ثلاث وستين (٥)، قتله مسلم بن عقبة (٦).

стр. 358

قال أنس: افتخرت الأوس على الخزرج فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة، ومنا من حمته الدّبر عاصم بن ثابت، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، فقال الخزرجيون: منا أربعة قرؤا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، ومعاذ، وأبي. وقيل: جميع من حفظ القرآن ستة: فزادوا معهم: عثمان وأبو الدرداء، واختلف في أبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وتميم. العاشر: أنس بن النضر بن ضمضم: عم أنس بن مالك، وجد فيه بضع وثمانون طعنة، وهو الذي قال فيه

стр. 359

رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (١). حكاه صاحب سلوة الأحزان. والرّبيع بنت النضر هي أخته، وهي عمة أنس، ويقال لها: الرّبيع بنت البراء، والصواب: أنها بنت النضر، تكنى أم حارثة (٢). وجميع من في الصحابيات الرّبيع أربعة: هذه إحداهن، والثانية: الرّبيع بنت حارثة، الثالثة: الرّبيع بنت الطفيل، الرابعة: الرّبيع بنت معوذ (٣). وليس فيهن من روت عن رسول الله ﷺ إلا الرّبيع بنت معوذ [روت إحدى عشر حديثا، أخرج لها منها في الصحيحين ثلاثة، أحدها متفق عليه، والباقيان للبخاري (٤). وقد غلط بعض الشارحين فأسندوا الرواية إلى الربيع بنت معوذ بن الحارث، وإنما الرواية] (٥) للرّبيع بنت معوذ بن عفراء. الحادي عشر: سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير: أحد النقباء، دفن هو وخارجة بن زيد في قبر واحد (٦).

стр. 360

يروى أن النبي ﷺ قال: «من رجل ينظر لي ما فعله سعد بن الربيع في الأحياء هو أم في الأموات»؟ فنظر رجل من الأنصار - قيل هو أبي بن كعب - فوجده جريحا في القتلى فيه رمق قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ مني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته (١). وخلف سعد بن الربيع ابنتين، فأعطاهما رسول الله ﷺ الثلثين، وكان ذلك أول بيانه للآية في قوله ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ (٢)، وفي ذلك نزلت الآية، وبذلك علم مراد الله منها/ [وعلم] (٣) أنه أراد بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٤) أي إثنتين فما فوقهما، وذلك أيضا عند العلماء قياس على الأختين، إذ لأحدهما النصف وللإثنتين الثلثان، فكذلك في الإبنتين. حكاه ابن عبد البر (٥). وقد وضع سيدنا الشيخ الإمام العالم أبو الطيب ﵀ حكم

стр. 361

الآية في شكل مدور قسم فيه ما فرض الله تعالى من حد القسمة للورثة وهو هذا. دائرة المواريث: | الثاني عشر: عبد الله بن عمرو بن حرام: وهو أول من قتل يوم أحد (١)، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لابنه جابر: «لا تبكه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» (٢).

стр. 362

الثالث عشر: عمرو بن الجموح: أحد نقباء الأنصار (١)، وكان أعرجا، وكان له بنون/أربعة، فأرادوا حبسه، فامتنع وقال النبي ﷺ لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» فخرج معه فقتل (٢). فيؤخذ من هذا: أن أصحاب الأعذار إذا خرجوا نالوا درجة الشهادة. الرابع عشر: الحارث بن [أوس] (٣) بن معاذ بن النعمان (٤). الخامس عشر: سعد بن سويد بن قيس: من بني خدرة (٥). السادس عشر: الحارث بن أنس بن رافع (٦). السابع عشر: عمرو بن معاذ بن النعمان (٧). الثامن عشر: سلمة بن ثابت بن وقش (٨).

стр. 363

التاسع عشر: رفاعة بن وقش (١). العشرون: صيفي بن قيظي (٢). الحادي والعشرون: حباب بن قيظي (٣). الثاني والعشرون: عباد بن سهل (٤). الثالث والعشرون: إياس بن أوس بن عتيك (٥). الرابع والعشرون: عبيد بن التيهان. ويقال عتيك (٦). الخامس والعشرون: حبيب بن زيد بن تيم البياضي (٧). السادس والعشرون: يزيد بن حاطب بن عمرو الأشهلي: وقيل: إنه من بني ظفر، واسم ظفر: كعب بن الخزرج (٨). السابع والعشرون: أبو سفيان بن الحارث بن قيس البياضي (٩).

стр. 364

الثامن والعشرون: أنيس بن قتادة (١). التاسع والعشرون: أبو حية: بالياء المثناة من تحت، ويقال بالباء الموحدة، أخو سعد بن خيثمة لأمه، قيل اسمه: عامر، وقيل: مالك (٢)، وقيل: إنما هو أبو حنة بالنون، لأنه شهد بدرا وليس فيمن شهد بدرا أحد يقال له أبو حبة - بالباء الموحدة - حكاه الواقدي (٣)، وحكى يونس بن بكير عن ابن إسحاق: أنه بالباء الموحدة، وكذلك قال ابن نمير، وأمه هند بنت أوس. حكاه ابن عبد البر (٤). الثلاثون: عبد الله بن جبير بن النعمان (٥). الحادي والثلاثون: خيثمة أبو سعد بن خيثمة (٦). الثاني والثلاثون: عبد الله بن سلمة (٧). الثالث والثلاثون: سبيع بن حلوان بن الحارث: وقيل: سبيع بن حاطب بن الحارث (٨).

стр. 365

الرابع والثلاثون: عمرو بن قيس بن زيد (١). الخامس والثلاثون: ابنه قيس (٢). السادس والثلاثون: ثابت بن عمرو بن زيد (٣). السابع والثلاثون: عامر بن مخلد (٤). الثامن والثلاثون: أبو هبيرة بن الحارث: ويقال: أبو أسيرة، وقيل: إن أبا سبرة أخوه، وقيل: إن أبا أسيرة غلط من الواقدي (٥). التاسع واللاثون: عمرو بن مطرف بن علقمة (٦). الأربعون: أوس بن ثابت بن المنذر: أخو حسان بن ثابت (٧). الحادي والأربعون: قيس بن مخلد (٨).

стр. 366

الثاني والأربعون: كيسان: عبد لبني مازن بن النجار (١). الثالث والأربعون: سليم بن الحارث (٢). الرابع والأربعون: نعمان بن عبد عمرو (٣). الخامس والأربعون:/خارجة بن زيد (٤). السادس والأربعون: أوس بن الأرقم بن زيد (٥). السابع والأربعون: مالك بن سنان: أبو أبي سعيد الخدري (٦). الثامن والأربعون: عتبة بن ربيع بن رافع (٧). التاسع والأربعون: ثعلبة بن سعد بن مالك (٨).

стр. 367

الخمسون: ثقف بن فروة البدي (١). الحادي والخمسون: عبد الله بن عمرو بن وهب (٢). الثاني والخمسون: ضمرة: حليف لبني طريف من جهينة (٣). الثالث والخمسون: نوفل بن عبد الله (٤). الرابع والخمسون: عباس بن عبادة (٥). الخامس والخمسون: نعمان بن مالك بن ثعلبة (٦). السادس والخمسون: المجذر بن زياد (٧). السابع والخمسون: عبادة بن الحسحاس (٨). الثامن والخمسون: رفاعة بن عمرو: وقيل: رفاعة بن رافع بن زيد بن عمرو (٩).

стр. 368

التاسع والخمسون: خلاد بن عمرو بن الجموح (١). الستون: أبو أيمن: مولى خلاد بن عمرو - المذكور - (٢). الحادي والستون: سليم: ويقال: سليمان، والأول أصح. وقيل: سالم بن عامر، وقيل: ابن عمرو ابن حديدة (٣). الثاني والستون: مولاه عنزة: ويقال: عنيزة أو عنترة (٤). الثالث والستون: سهل بن قيس بن أبي كعب (٥). الرابع والستون: ذكوان بن عبد قيس بن خالد بن مخلد الزرقي (٦). الخامس والستون: عبيد بن المعلى بن لوذان (٧).

стр. 369

السادس والستون: مالك بن نميلة (١). السابع والستون: الحارث بن عدي بن خرشة (٢). الثامن والستون: مالك بن إياس (٣). التاسع والستون: إياس بن عدي (٤). السبعون: عمرو من إياس (٥). عن [جابر] (٦) بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى واحد قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا» (٧). وعنه - أيضا قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «أحفروا وأعمقوا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الإثنين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنا» (٨).

стр. 370

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أريت في رؤيا أني هززت سيفي فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين». قال ابن إسحاق: «وأنزل الله تعالى في يوم أحد ستين آية من آل عمران من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله : «﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية». وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه/قال: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب [معلقة] في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، ثم لا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﵎: فأنا أبلغهم [عنكم]، فأنزل الله تعالى

стр. 371

على رسوله ﷺ : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً﴾ (١) الآية. قيل: نزلت هذه الآية في شهداء أحد، وقيل: في شهداء بدر، وقيل: في شهداء بئر معونة (٢). سمعت والدي - رحمه الله تعالى - يقول: سمعت عن بعض أهل النويرة شخصا كان من الصالحين أنه كان في سفر، وخرج عليهم العدو، فقتلوهم، وقتلوا ذلك الشيخ، ودفع بعض العدو رأس الشيخ برجله وقال: هؤلاء يزعمون أنهم أحياء عند ربهم! فقال هذا الرأس: نعم أحياء، نعم أحياء، فأسلم كل من حضر تلك المعركة. وعن عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني (٣) سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوها». فقال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ (٤).

стр. 372

وعن طلحة بن عبيد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نريد قبور الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حرة واقم، فلما تدلينا منها، إذا قبور محنية، فقلنا يا رسول الله: أقبور إخواننا هذه؟ قال: «قبور أصحابنا» فلما جئنا قبور الشهداء قال: «هذه قبور إخواننا» (١). وعن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال لشهداء أحد: «هؤلاء أشهد عليكم» فقال أبو بكر الصديق ﵁: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» قال: فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال: إننا لكائنون بعدك (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: «هؤلاء شهداء فأتوهم وسلموا عليهم ولن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات والأرض إلا ردوا عليه» (٣). وروى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تختلف بين اليومين والثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد، فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت (٤).

стр. 373

وروى العطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي - وكانت من العوابد - قالت: ركبت يوما مع غلامي، حتى جئت قبر حمزة، فصليت ما شاء الله ولا والله ما في الوادي من داع ولا مجيب، وغلامي آخذ برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قلت: السلام عليكم - وأشرت بيدي - فسمعت رد السلام عليّ من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه خلقني، فاقشعرت كل شعرة مني، فدعوت الغلام وركبت (١). إشارة إلى أن أجساد الشهداء لا تبلى: رزقنا الله شهادة في سبيله كما يحب ويرضى آمين. /يروى أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كان السيل قد حفر قبرهما [وكان قبرهما مما يلي السيل] (٢) وكانا في قبر واحد [وهما] (٣) ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرجه، ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين أن حفر عنهما ستة وأربعون سنة. رواه مالك في موطأه (٤). وعن جابر بن عبد الله قال: لما أراد معاوية بن أبي سفيان أن يجري الكظامة (٥) قال: من كان له قتيل فليأت قتيله - يعني قتلى أحد - قال:

стр. 374

فأخرجناهم رطابا يتثنون، قال: فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دما، قال أبو سعيد الخدري: ولا ينكر بعد هذا منكر أبدا وذلك على رأس أربعين سنة (١). وعن أيوب: فأصاب المرّ رجل حمزة، فطار منها الدم. يعني أيوب السختياني، توفي أيوب سنة إحدى وثلاثين ومائة (٢). ورأت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله أباها (٣) في المنام فقال لها: يا بنيّة حوليني من هذا المكان فقد أضرّبي الندى - وفي رواية: فأخرجيني من هذا الماء - فأخرجته بعد عشرين سنة، وقيل: بعد ثلاثين سنة - أو نحوها - وقد إخضر جسده كالسلق من الماء الذي كان يسيل عليه، فلفته في الملاحف، واشترت له عرصة فدفنته بها وبنت حوله مسجدا (٤). قال سفيان راوي الحديث: فلقد رأيت المرأة من أهل البصرة تقبل

стр. 375

بالقارورة من البان فتصبها على قبره حتى صار تراب قبره مسكا أذفر، وكان دفنها إياه في الهجرتين بالبصرة، وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التميمي. وقد شوهد - أيضا - بقاء أجساد الأمم المتقدمة ولا إنكار في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (١) فالآية عامة في سائر مؤمني الأمم (٢). عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٣) أن رجلا من أهل [نجران (٤) في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته] (٥) فوجد عبد الله بن الثامر (٦) تحت دفن منها قاعدا، واضعا يده على ضربة في رأسه، فإذا أزيحت يده عنها ثعب الدم، وإذا ارسلت ردها عليها [فأمسكت دمها] (٧) وفي يده خاتم مكتوب فيه: «ربي الله» فأخبر عمر بذلك، فكتب إليهم عمر: أن أقرؤه [مني السلام وذروه] (٨) على

стр. 376

حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا (١). وقد روى الترمذي قصته في قصة أصحاب الأخدود (٢): وكانت قصة أصحاب الأخدود في الفترة قبل مولد رسول الله ﷺ بسبعين سنة، وذلك أنه كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل، كان له ساحر، وكان قد بعث إليه عبد الله بن الثامر ليلعلمه السحر، وكان في طريقه راهب، فكان عبد الله يختلف إلى الراهب والساحر، وكان عبد الله يبريء الأكمه والأبرص، ثم إنه أعلن بالتوحيد، فعذبه الملك بعد أن قتل الراهب وأمر بعبد الله أن يرمى من أعلى جبل، فلم يقدر على ذلك، فأمر به أن يغرق فلم يستطع، فضربه بالسيف فنبا عنه، فقال عبد الله: إنك لن تقدر على قتلي إلا أن تصلبني وترميني بسهم وتقول: بسم الله رب الغلام، فرماه، فأصاب صدغه، فوضع يده عليه ومات وآمن به كثير من الناس، فخدّ الملك/أخدودا وأشعله نارا وأحرق به سبعين ألفا (٣). والأخاديد ثلاثة: أخدود أنطنيانوس بن بيسر الرومي بالشام، [وأخدود بخت نصر بفارس،] (٤) وأخدود بنجران من أرض اليمن

стр. 377

لذو نواس - المذكور (١). وسلط الله على ذي نواس أرياط الحبشي (٢)، حتى غلب على اليمن، فخرج هاربا واقتحم البحر بفرسه فغرق (٣). وكذلك وجد دانيال (٤) في فتح تستر (٥)، وكان نبيا. عن أبي العالية قال: لما فتحنا تستر وجدنا دانيال في بيت الهرمزان، وقد أتى عليه ثلثمائة سنة ما تغير منه شيء إلا شعيرات في قفاه، وكان العجم

стр. 378

إذا قحطوا أخرجوه فلا يزالون يمطرون ما دام خارجا، فكتب به أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فأمر بغسله والصلاة عليه ودفنه في الأرض، فقد دفن رسول الله ﷺ في الأرض (١). وقيل: إن أبا موسى الأشعري لما فتح السوس (٢) قتل ملكها نوسابور، ووجد في بعض الخزائن حوضا من حجر فيه ميت مكفن ورأسه مكشوف، وإذا أنفه يزيد على الشبر، فسأل أهل السوس عنه، فقالوا: هذا رجل كان بالعراق، وكانوا يستسقون به، فقحطنا، فأرهناهم خمسين رجلا وأخذناه فسقينا به، فرأينا من الرأي أن لا نرده فلم نزل حتى توفي عندنا، فكتب فيه إلى عمر، فقال عمر: هو دانيال الحكيم وهو نبي غير مرسل، ثم أمره أن يدفنه في مكان لا يقدر أهل السوس عليه، فقلب أبو موسى نهر السوس، ثم دفنه وأجرى عليه الماء (٣). فالشهداء لا تبلى أجسادهم، وكذلك الأنبياء ﵈، وقد ورد أن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وكيف والشهادة ثالثة

стр. 379

درج النبوة، وقد وجدت أجساد الملوك والحكماء المدبرون طراوة أجسادهم بالحيلة (١) - كما سنذكر (٢). فائدة: قيل: كان بين موسى وعيسى من الأنبياء الذين أوتوا الكتاب باتفاق أهل الكتابين: ستة عشر نبيا ظهروا في بني إسرائيل منهم: دانيال، وشعيا ابن أموص، ونوال بن نوتال، وعويدنا، وميخا، وحبقوق، وحزقيال - وهو حزقيل - وداود، وإلياس، وصفينا، وزكريا بن يوحنا، وأرميا بن برخنا (٣). وقال الماوردي في «النكت»: بين موسى وعيسى ﵉ مائة ألف نبي (٤). وعن وهب بن منبه: أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلثمائة وخمسة عشر (٥). حكاه الشهرستاني. [وقيل: ثلثمائة وأربعة، وقيل: وثلاثة عشر وفيهم كالخلاف في أصحاب بدر (٦)] (٧). وقيل: ثلاثة عشر. حكاه القرطبي والقاضي عياض (٨) وغيرهما. منهم خمسة عبرانيون: آدم، وشيث، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، وخمسة من

стр. 380

العرب: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه. فأولوا العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈، ونبينا محمد ﷺ (١). تنبيه على عظيم قدر نبينا ﷺ : قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) الآية إن الله أخذ الميثاق بالوحي فلم يبعث [نبيا] (٣) إلا ذكر له محمدا ﷺ ونعته وأخذ عليه ميثاقه أنه إن أدركه ليؤمنن به ولينصرنه وليأخذ العهد بذلك على قومه (٤). قال محمد بن السائب: كل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس، ونوح، ولوط، وهود، وصالح [﵈] (٥). والنبوة: في اللغة - من همزه - مأخوذة من النبأ/وهو الخبر، وقد لا يهمز على هذا التأويل، أو يكون منبأ بما أطلعه الله عليه (٦). وهو عند من لا يهمز من: النبوة، وهو ما ارتفع من الأرض، معناه

стр. 381

أن رتبته شريفة (١). والرسول: هو المرسل، واشتقاقه من التتابع، ومنه قولهم: جاء الناس أرسالا: واختلف هل النبي والرسول بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما سواء واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ (٢) فقد أثبت لهما معنى الإرسال (٣). والجمهور على أنهما مختلفان من وجه إذ قد إجتمعا في النبوة التي هي الإطلاع على الغيب والرفعة، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الإسمين، ولو كانت شيئا واحدا لما حسنه تكرارهما في الكلام البليغ (٤). وقيل: الرسول من جاء بشرع مبتدأ ومن لم يأت به نبي غير رسول وإن أمر بالإبلاغ والإنذار. والصحيح أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول (٥). وقال قطرب: الرسول من بعث إلى أمة، والنبي المحدث الذي لا يبعث إلى أمة (٦). وقال الواحدي: الرسول من أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهاما ومناما، وهذا معنى قول الفراء: الرسول النبي المرسل، والنبي المحدث الذي لم يرسل.

стр. 382

قال الشيخ محي الدين: وفي كلام الواحدي نقص في تعريف النبي، فإن ظاهره أن النبوة المجردة لا تكون برسالة ملك وليس كذلك واستشهاده بكلام الفراء يرد عليه. وقيل الرسول: من كان صاحب معجزة وكتاب ونسخ شرع من قبله، ومن لم يكن كذلك فهو نبي، وقيل: [الرسول] (١) من ابتدأ بوضع الشرائع، والنبي: الذي يحفظ شريعة غيره، وقيل: الرسول من بعثه الله إلى قوم أنزل معه كتابا أو لم ينزل وأمر بحكم لم يكن في دين من قبله، والنبي: من دعا إلى دين من قبله (٢). قال ابن الجوزي ﵀: قرأنا على شيخنا أبي منصور أن أسماء الأنبياء أعجمية كلها: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، وأيوب، وإلياس إلا أربعة: آدم، وشعيب، وصالح، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين (٣). وآذر أعجمي، واستبرق، وإبليس، والإنجيل، والتنور، وجالوت، وجهنم، والديباج، وداود، والربانيون، وزكريا، والزنجبيل، والسندس، والسجل، والسلسبيل، وسليمان، والسجيل، وسقر، والسرادق، وصلوات وهي كنائس اليهود وهي بالعبرانية: صلوتا، والطور، وطالوت، وعيسى، وعزيز، والفسطاط (٤)، والبارود، والمنتن بلسان الترك، والفردوس وهو البستان بلغة الروم، والقسطاط وهو الميزان ويقال القسطاط روميا. وقرأ برفع القاف

стр. 383

وفتحها وكسرها أحسن هو القبان - حكاه ابن قتيبة (١). والقنطار أعجمي (٢)، و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٣) قال ابن جبير: غورت، وهو بالفارسية كور بور (٤)، وإليسع، ولوط، وموسى، ومريم، وماروت، ومأجوج، ومدين، وميكائيل، والمرجان، ونوح، وهاروت، وهارون، والهود اليهود أعجمي، ويعقوب، ويونس وفيه ستة لغات: الفتح والكسر والرفع والهمز في جميعها، ويوسف، ويوشع، واليم، ويأجوج، ويهود (٥). قيل في قوله تعالى ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٦) قال أبو عبيدة: ليس فيه غير العربية (٧). وقال ابن عباس ومجاهد: فيه من غير لسان العرب (٨). ووجه الجمع بين المذهبين: أن فيه حروفا بغير لسان العرب فعربتها، فصارت عربية بتعريبها إياها عربية في الحال أعجمية في الأصل. /وقوله ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٩) أي غير مخلوق (١٠). قال الزجاج:

стр. 384

كسر العين فيما لا يرى له شخصا وفتحها فيما له شخص. قال محمد بن عيسى في كتاب «التاج في سنن المنهاج»: جميع ما تكلمت به العرب من الكلام مستعمله ومهملة ستة آلاف ألف وستمائة ألف وتسعة وتسعون ألفا وأربعمائة كلمة. يروى عنه ﷺ أنه قال: «أحبوا العرب لثلاث لأنه عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي» (١) واللغة العربية هي المختارة بين جميع اللغات. ذكر في كتاب «صفينا» من أنبياء بني إسرائيل فقال: أيها الناس ترجو اليوم الذي أقوم فيه للشهادة، فقد جاز أن أظهر حكمي بحشر الأمم وجمع الملوك لأصب عليهم سخطي وتكبري هناك أجدد للأمم اللغة المختارة ليرفعوا اسم الرب جميعا وليعبدوه في ربقة واحدة معا، وليأتوا بالذبائح من مغاراتها ركوس. ومعلوم أن اللغة العربية هي المختارة، لأنها طبقت الأرض وانتقلت أكثر اللغات إليها حتى صار ما عداها نادرا. انتهى القول. واعلم أن حكماء الأمم وملوكها يوجدون وإلى هذا الزمن أطريا لم يتغير منهم شيء، وذلك أنهم دبروا أدهانا ادهنوا بها عند موتهم، فمنعهم من البلى. قال هرمس: وقد أمرت من يفعل لي ذلك إذا أنا مت، وأشار إلى أن يطلى

стр. 385

بالشمس والقمر مرموزا وهو الزئبق والملح بالرمز الثاني (١). ويروى أنه متى سد جميع مسام الشخص بالذهب لا يبلى ما بقي الذهب، وقد وجد شخص مكفن في ورقة من ذهب فقلعت فإذا فيها سبعون درهما (٢). وسألت بعض من هو مولع بحفر المقابر القديمة بماذا تعرفون أمكنتها؟ فقال: إن الندى بالصباح لا يبل تلك الأمكنة بخلاف غيرها. وقد ذكر الحكماء أن حجر «اليولم» لا يبلى من دفن فيه، ومنه كان ناروس «فيلاووس الحكيم» الذي استخرجه الإسكندر. وقد وجد في دير الأسكندرية (٣) بعد الأربعين والسبعمائة بعض الحكماء طوله أربعة عشر شبرا وحوله خمسة من تلامذته، وعلى كل مسمة من مسامه ورقة من ذهب، ووجد لتاريخه ألفي سنة، فأخذوا ما عنده واستخرجوا ما في دماغه من المومياء. ووجد حكيم باليمن في هذا القرب على سرير نائم على ظهره وله لحية طويلة وقد فرقها نصفين نسيم يهب عليه من سقف تلك المغارة. وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك فوجدوا امرأة عليها حلل منسوجة بالذهب وعند رأسها لوح رخام مكتوب فيه: يا أيها الأقوام عوجوا معا … وارتعوا في مقبري العيسا

стр. 386

لتعلموا أني تلك التي قد … كنت أدعى الدهر بلقيسا شيدت قصر الملوك في حمير … قومي وقد كان مانوسا وكنت في حكمي وتدبيره … ارغم في الله المعاطيسا فعلى سليمان النبي الذي … قد كان للتوراة دريسا وسخر له الريح مركبا … تهب أحيانا رواميسا مع ابن داود النبي الذي … قدسه الرحمن تقديسا حكاه القرطبي. وذكر أن سليمان تزوجها وأسكنها الشام، وقيل بل ردها إلى اليمن وبنى لها سليحون (١) وبينون (٢) وغمدان، وقيل: لم يتزوجها سليمان، وإنما تزوجها ملك همدان (٣). واسمها: بلقيس بنت اليشرح وهو الهدهاد (٤)، وقيل: يلقمة بنت شراحيل (٥)، أمها من الجن (٦).

стр. 387

وكان تحت يدها/اثنا عشر ألف قيل، مع كل قيل ألف مقاتل (١). والقيل: القائد بلغة اليمن، يقال: أقيال وأقوال لغتان. حكاه الأصمعي. وقيل: الأقيال ملوك حمير (٢). وكان قصر بلقيس بمأرب على ثلاثة أيام من صنعاء. ولما مات سليمان صرخ صارخ باليمن من الجن: يا معشر الجن إن سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم، فعمدوا إلى حجرين فكتبوا فيهما بالمسند - يعني خط الحميرية -: نحن بنينا سلحين [سبعة وسبعين خريفا] (٣) دائبين، وبنينا صرواح (٤)، ومرواح، وبينون، وهندة، وهنيدة (٥)، وتلقوم (٦). وهذه الحصون باليمن عملتها الشياطين لذي تبع، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالنون أمارة، ثم انطلقوا، وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس بانقضاء ملك سليمان. وأما قصة إياد بن نزار: فإنه حمل الحارث بن مضاض من الشام إلى مكة قال: فلما بلغنا رياض الغرقد قال: إذا وصلنا مكة انهض بنا في ذات اليسار إلى شعب

стр. 388

الأثل والطلح (١)، فما بلغته قال لي: لج، ففعلت حتى بلغت عرصة السمر والضال، ثم قال: مل إلى ناحية اليمن إلى دوحة الزيتون إلى الدوحتين، وثمّ صخرة عظيمة مربعة منحوتة، فبتنا عندها، فلما أصبحنا قام إلى صخرة مطبقة بأخرى بينهما خلل يسير، فقلع الصخرة، فإذا سرب، فدخلناه وفيه حيات، ثم اقتلع صخرة أخرى ودخلنا في سرب آخر، فإذا بيت عظيم وإذا تنين عظيم قد خرج منه، فدخلنا فإذا أربعة أسرة، ثلاثة عليها ثلاثة رجال والرابع خال، فقال: خذ وقر حمل در وياقوت وذهب ولجين، ثم قال لي: هذا السرير الخالي سرير مضاض أبي وهذا الذي عن يساره عبد المسيح أبوه، وهذا الذي عن يسار عبد المسيح ثعلبة أبوه بن عبد المدّان، وعلى رأس كل واحد لوح مكتوب بالمسند، فأخذت لوحا فقرأته فإذا فيه: أنا ثعلبة بن عبدان (٢) بن جرشم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود ﵇، عشت خمسمائة سنة، وإذا في الثاني: أنا عبد المسيح بن ثعلبة، عشت مائة سنة وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة جارية وقتلت مائة مبارز، وأخذني الموت غضا، وأورثني أرضا، وإذا في الثالث: أنا مضاض بن عبد المسيح عشت ثلثمائة عام، وأخذت مصر وبيت المقدس، وهزمت الروم بالدرب، واللوح الرابع على السرير الخالي فيه: أنا الحارث بن مضاض عشت أربعمائة عام، وجلت في الأرض ثلثمائة عام قال: ثم قال لي: أعطني تلك القارورة من الكوة فشرب نصفها وأطلى بنصفها، ثم شرب قارورة أخرى، ثم صاح فمات، لما تمكن

стр. 389

على سريره وهجم التنين وسط البيت على ما بقي، فخرجت هاربا، ثم لم يعد إلى المدفن بعد. وكذلك وجد شدّاد بن عاد في جبل من جبال حضرموت (١). وحضرموت: موضع حضر فيه صالح ﵇ ومات فيه، فسمي المكان بهذا الاسم. قال الجوهري: هما اسمان جعلا اسما واحدا (٢). عن ابن جريج قال: سمعت أن خير واد على وجه الأرض وادي مكة، وخير بئر على وجه الأرض بئر زمزم، وشر واد على وجه الأرض وادي حضرموت، وشر بئر عى وجه الأرض بئر برهوت (٣) يجتمع فيها أرواح الكفار (٤). وحضرموت شرقي عدن وبها رمال الأحقاف (٥)، وهي رمال يقال لها: رمل عالج (٦)، ودهناء (٧)، ويبرين (٨)، وقيل: رمل عالج موضع بالمدينة. قاله صاحب المجمل والجوهري/وبقي بها بئر برهوت، بئر عميقة لا يستطاع

стр. 390

النزول إلى قعرها (١). ولما هلك عاد ملك بعده شداد ابنه (٢)، وأمر ببناء «إرم ذات العماد» (٣) فوضعوا أساسها من الجزع (٤)، وأقاموا في عمارتها ثلثمائة سنة، ثم تجهزوا للنقلة إليها في عشرين سنة، وكان عمر شداد حينئذ سبعمائة سنة، فلما سار وبلغ منها مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكتهم (٥)، فملك بعده مرثد بن شداد، وكان قد خلفه على ملكه وبنى له مغارة استودعه فيها. حكى المفسرون أن شخصا يقال له بسطام وجد قبر شداد في جبل من جبال حضرموت مطل على البحر، في المكان الذي يركب منه أهل حضرموت، في مغارة ينزل إليه بدرج، عرض الدرجة عشرون ذراعا في سمك عشرة أذرع، وهي مقدار مائة درجة، وسمك المغارة خمسون ذراعا، ثم مشوا هونا في طريق أملس قبل الدرج، ثم أفضوا إلى أزج طوله مائة ذراع في عرض أربعين وسمكه نحو مائة ذراع، وفيه سرير من ذهب مرصع، والسرير بطول الأزج،
следующие страницы →