← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لتعلموا أني تلك التي قد … كنت أدعى الدهر بلقيسا شيدت قصر الملوك في حمير … قومي وقد كان مانوسا وكنت في حكمي وتدبيره … ارغم في الله المعاطيسا فعلى سليمان النبي الذي … قد كان للتوراة دريسا وسخر له الريح مركبا … تهب أحيانا رواميسا مع ابن داود النبي الذي … قدسه الرحمن تقديسا حكاه القرطبي. وذكر أن سليمان تزوجها وأسكنها الشام، وقيل بل ردها إلى اليمن وبنى لها سليحون (١) وبينون (٢) وغمدان، وقيل: لم يتزوجها سليمان، وإنما تزوجها ملك همدان (٣). واسمها: بلقيس بنت اليشرح وهو الهدهاد (٤)، وقيل: يلقمة بنت شراحيل (٥)، أمها من الجن (٦).

стр. 387

وكان تحت يدها/اثنا عشر ألف قيل، مع كل قيل ألف مقاتل (١). والقيل: القائد بلغة اليمن، يقال: أقيال وأقوال لغتان. حكاه الأصمعي. وقيل: الأقيال ملوك حمير (٢). وكان قصر بلقيس بمأرب على ثلاثة أيام من صنعاء. ولما مات سليمان صرخ صارخ باليمن من الجن: يا معشر الجن إن سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم، فعمدوا إلى حجرين فكتبوا فيهما بالمسند - يعني خط الحميرية -: نحن بنينا سلحين [سبعة وسبعين خريفا] (٣) دائبين، وبنينا صرواح (٤)، ومرواح، وبينون، وهندة، وهنيدة (٥)، وتلقوم (٦). وهذه الحصون باليمن عملتها الشياطين لذي تبع، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالنون أمارة، ثم انطلقوا، وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس بانقضاء ملك سليمان. وأما قصة إياد بن نزار: فإنه حمل الحارث بن مضاض من الشام إلى مكة قال: فلما بلغنا رياض الغرقد قال: إذا وصلنا مكة انهض بنا في ذات اليسار إلى شعب

стр. 388

الأثل والطلح (١)، فما بلغته قال لي: لج، ففعلت حتى بلغت عرصة السمر والضال، ثم قال: مل إلى ناحية اليمن إلى دوحة الزيتون إلى الدوحتين، وثمّ صخرة عظيمة مربعة منحوتة، فبتنا عندها، فلما أصبحنا قام إلى صخرة مطبقة بأخرى بينهما خلل يسير، فقلع الصخرة، فإذا سرب، فدخلناه وفيه حيات، ثم اقتلع صخرة أخرى ودخلنا في سرب آخر، فإذا بيت عظيم وإذا تنين عظيم قد خرج منه، فدخلنا فإذا أربعة أسرة، ثلاثة عليها ثلاثة رجال والرابع خال، فقال: خذ وقر حمل در وياقوت وذهب ولجين، ثم قال لي: هذا السرير الخالي سرير مضاض أبي وهذا الذي عن يساره عبد المسيح أبوه، وهذا الذي عن يسار عبد المسيح ثعلبة أبوه بن عبد المدّان، وعلى رأس كل واحد لوح مكتوب بالمسند، فأخذت لوحا فقرأته فإذا فيه: أنا ثعلبة بن عبدان (٢) بن جرشم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود ﵇، عشت خمسمائة سنة، وإذا في الثاني: أنا عبد المسيح بن ثعلبة، عشت مائة سنة وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة جارية وقتلت مائة مبارز، وأخذني الموت غضا، وأورثني أرضا، وإذا في الثالث: أنا مضاض بن عبد المسيح عشت ثلثمائة عام، وأخذت مصر وبيت المقدس، وهزمت الروم بالدرب، واللوح الرابع على السرير الخالي فيه: أنا الحارث بن مضاض عشت أربعمائة عام، وجلت في الأرض ثلثمائة عام قال: ثم قال لي: أعطني تلك القارورة من الكوة فشرب نصفها وأطلى بنصفها، ثم شرب قارورة أخرى، ثم صاح فمات، لما تمكن

стр. 389

على سريره وهجم التنين وسط البيت على ما بقي، فخرجت هاربا، ثم لم يعد إلى المدفن بعد. وكذلك وجد شدّاد بن عاد في جبل من جبال حضرموت (١). وحضرموت: موضع حضر فيه صالح ﵇ ومات فيه، فسمي المكان بهذا الاسم. قال الجوهري: هما اسمان جعلا اسما واحدا (٢). عن ابن جريج قال: سمعت أن خير واد على وجه الأرض وادي مكة، وخير بئر على وجه الأرض بئر زمزم، وشر واد على وجه الأرض وادي حضرموت، وشر بئر عى وجه الأرض بئر برهوت (٣) يجتمع فيها أرواح الكفار (٤). وحضرموت شرقي عدن وبها رمال الأحقاف (٥)، وهي رمال يقال لها: رمل عالج (٦)، ودهناء (٧)، ويبرين (٨)، وقيل: رمل عالج موضع بالمدينة. قاله صاحب المجمل والجوهري/وبقي بها بئر برهوت، بئر عميقة لا يستطاع

стр. 390

النزول إلى قعرها (١). ولما هلك عاد ملك بعده شداد ابنه (٢)، وأمر ببناء «إرم ذات العماد» (٣) فوضعوا أساسها من الجزع (٤)، وأقاموا في عمارتها ثلثمائة سنة، ثم تجهزوا للنقلة إليها في عشرين سنة، وكان عمر شداد حينئذ سبعمائة سنة، فلما سار وبلغ منها مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكتهم (٥)، فملك بعده مرثد بن شداد، وكان قد خلفه على ملكه وبنى له مغارة استودعه فيها. حكى المفسرون أن شخصا يقال له بسطام وجد قبر شداد في جبل من جبال حضرموت مطل على البحر، في المكان الذي يركب منه أهل حضرموت، في مغارة ينزل إليه بدرج، عرض الدرجة عشرون ذراعا في سمك عشرة أذرع، وهي مقدار مائة درجة، وسمك المغارة خمسون ذراعا، ثم مشوا هونا في طريق أملس قبل الدرج، ثم أفضوا إلى أزج طوله مائة ذراع في عرض أربعين وسمكه نحو مائة ذراع، وفيه سرير من ذهب مرصع، والسرير بطول الأزج،

стр. 391

وعليه شداد مضطجع على ظهره وعليه سبعين حلة على طوله وطوله طول السرير، وذلك الأزج يضيء بنقب عرضه ذراعان وارتفاعه ثلاثة أذرع، وهناك لوح من ذهب مكتوب بالمسند، فأخذ اللوح وأراد قلع شيء من الفصوص فلم يقدر لوثاقتها، ولم يستطيعوا أن يرجعوا من حيث نزلوا، فمشوا في ذلك النقب فخرجوا إلى كهف وقد حفّ بالكهف البحر، مكثوا ثلاثة أيام إلى أن حملتهم مركبا فنجو وأرادوا الرجوع من ذلك النقب فلم يعرفوه، وكان في اللوح: اعتبر بي أيها المغرور بالعمر المديد … أنا شداد بن عابد صاحب الحصن العميد وأخو القوة والبأساء والملك الحشيد … دان أهل الأرض لي من خوف وعدى ووعيد وملكت الشرق والغرب بسلطان شديد … وبفضل الملك والعدة فيه والعويد فأتى هود وكنا في ضلال قبل هود … فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرشيد فعصيناه وناديت الأهل من مجيد … فأتتهم صيحة تهوي من الأفق البعيد فتوفتهم كزرع وسط بيداء حصيد قيل: إن مرثد حمل أباه مطليا بالصبر والكافور إلى حضرموت.

стр. 392

وعاد هو: ابن إرم بن سام بن نوح ﵇ (١)، أرسل الله تعالى إليهم هودا ﵇. قيل: إن إرم - المذكور - أخرجها هود آية لعاد بوادي الحقيف، وهو واد يسيل رملا من جبال جرد، وأراهم جهنم في وادي برهوت (٢)، وزعم أن بئر برهوت عين من عيون جهنم، وأن جهنم في الأرض تسكن عليها الحبشة. وكانوا ينحتون الأصنام منها: صيمود، وصداء، وهباء (٣). وكانت العماليق حينئذ ساكنين بمكة والمدينة، [ثم] (٤) إن الله تعالى أهلكهم بالريح (٥)، ومات هود بعد ذلك وعمره مائة وخمسون سنة، فدفن بحضرموت (٦). وقيل: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعون نبيا، وأن قبر هود، وشعيب، وصالح وإسماعيل ﵈ في تلك البعقة (٧).

стр. 393

ورأيت بجامع بني أمية (١) في دمشق في الحائط القبلي حجرا مكتوب فيه: هذا قبر هود صلوات الله عليه (٢). وحكى صاحب المسالك والممالك (٣): إن دمشق هي إرم ذات العماد، وهي دار نوح ﵇/ودمشق: بكسر الدال وفتح الميم (٤). ولما مات هود ﵇ صار أمره إلى إبنه قحطان (٥)، وبنو قحطان الذين ولوا الملك هم: يعرب بن قحطان، وجرهم، وعاد، وناعم، وحضرموت، وظالم، وعاصم، والأيمن، [والضامي،] (٦) والسلق، وهميسع (٧). فولي جرهم أمر مكة، وعاد أرض بابل، وحضرموت درب الحبشة، وناعم عمان، وأيمن الجزيرة، ويعرب بملكهم إذ ذاك (٨).

стр. 394

ثم إن يشجب ولي بعد أبيه يعرب، ولم يعمر في الملك (١). ثم ملك سبأ بن يشجب، وهو أول ملك متوج (٢)، افتتح بابل وأرض بني يافث، وابتنى قنطرة (٣)، وهي من أوابد [الدنيا] (٤)، حاز [ملك] (٥) سبأ عليها إلى الشام (٦). والشام اسم أعجمي من لغة بني حام تفسيره بالعربي طيب (٧)، فأخذ الشام إلى الدرب، ولم يكن خلف الدرب أحد، ثم نهض إلى المغرب، فبلغ النيل فنزل عليه (٨)، وقال: إني أريد أن أبني مصر بين هذين البحرين، فبنى المدينة

стр. 395

وسميت مصر كما قال (١). وسمي سبأ لأنه كلّ من قتل سبا ذراريهم (٢)، ثم ولي على مصر ابنه بابليون وبه سميت أرض مصر بابليون (٣). ثم رجع سبأ إلى اليمن فبنى السد المذكور في القرآن (٤)، وهو سد فيه سبعون نهرا (٥)، ومات قبل أن يكمله وعمره خمسمائة وسبعون عاما، ملكه منها خمسمائة سنة (٦)، واستخلف ابنه حمير، وجعل المشورة لأخيه كهلان (٧). وحمير بن سبأ أول التتابعة متوج، وهو الذي أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس (٨)، وبقي قبائل (٩) تحت يده من ولد يافث، وهم الترك، والزط، والكرد، والصغد، والخوز، والقدر، والديلم، وفرغان (١٠).

стр. 396

وكان يكتب بالمسند في سلاحه وفي الأميال إذا مر عليها فقيل له في المنام: لا تكتب بالمسند فإن الله إدخره للفرقان، ولكن أكتب بخط أبيك المسند الأول، فكتب به وهو هذا: (١) | وقيل له مسند لأنه أسند إلى هود عن جبريل. وملك حمير حميع الأرض، وكان عمره أربعمائة سنة وخمسة وأربعين سنة، منها في الملك أربعمائة (٢). وملك بعده وائل بن حمير متوج، فنزل قصر غمدان، وكان حمير قد أوصى أن يستودع في مغارة في جبل عبقر (٣) ففعل ذلك وائل، وهو أول من

стр. 397

وضع في مغارة (١). وكانت أولاد حمير: وائل والعدد في ولد وائل ومنهم عامة التتابعة، ومالك، وعامر، وعون، وسعد، وعمر، ولم يذكر إلا من أعقب (٢). ولد وائل: السكسك بن وائل، ومازن، وزعير الأكبر، وأوزع، وذو الكلاع. وولد مالك: قضاعة، وهوازن، والعفور، والأخطور، ويعفر. وولد عامر بن حمير: دهمان، وولد دهمان يحصب. وولد سعد بن حمير: واسمه ربيعة السين، وانعام. وولد عمر بن حمير: الحارث، وولد الحارث دارعين. وولد السكسك بن وائل: يعفر بن سكسك، وعمران ولهم كانت اليمامة (٣). وولد يعفر: المعافر بن يعفر، ومالك، فولد المعافر: شعبان، وشوعب، ومحنود، وولد شعبان: تعهوت، وولد تعهوت قينان (٤). وولد مالك بن حمير: قضاعة، فولد قضاعة عشرة كلهم أعقبوا (٥).

стр. 398

وولد كلب بن وبرة بن حلوان بن قضاعة: خولان، وبهوة، ومهرة/بن عمر بن قضاعة، وتنوخ بن قضاعة، وطيء، وراسب، ونهد، وعذرة، وجهينة كلهم بني قضاعة (١). وولد كهلان بن سبأ - أخو حمير -: عريب، وزيد. وعامة أهل النسب يقولون: عريب بن زيد بن كهلان (٢). فولد عريب: طيا بن أدد بن الهميسع بن عمرو بن عريب، وحويش، وأشعر بن عريب، وولد عريب: مالك (٣). فولد مالك: سعد العشيرة بن مالك، والحارث بن كعب بن مالك، والنخع بن عمرو بن مالك، وكندي بن ثور بن مرتع بن عفير بن الحارث بن مالك، وعاملة، ولخم، وجذام بني عامر بن مالك، ومراد بن كهلان بن مالك (٤). فولد كندي بن ثور: السكاسك بن كندي، والسكون، ومعاوية ابنا كندي (٥). فولد السكون: معافر الأصفر بن السكون (٦). وولد زيد بن كهلان: همدان بن زيد بن مالك، والأزد بن الغوث بن مالك ابن زيد (٧).

стр. 399

وولد الأزد بن الغوث: مالك بن الأزد، ومازن بن الأزد، وعك بن عدنان ابن الأزد (١). فولد مالك بن الأزد: نظر بن مالك، وذر، وخزاعة. وولد مازن بن الأزد: عمرو بن عامر بن امريء القيس بن ثعلبة بن مازن (٢). وولد عمرو بن عامر: حارثة بن عمرو الأويس - ويقال ثعلبة بدل الأويس - بن عمرو بن عامر، وهو أبو حارثة أبو الأوس والخزرج (٣). وثعلبة هو العنفار. فأما مالك بن حمير: فتبع متوج، وذلك أنه لما ولي وائل بن حمير نافسه أخوه مالك (٤)، فمات ملك وولي أمره قضاعة بن مالك، ومات وائل وولي بعده ابنه سكسك، وكان يقال السكسك: مقعقع العمل، لأنه كان إذا غلب من ناوأه هدم بناءه، وهو أول من حرق بالنار (٥). وسكسك تبع متوج، ثم أن سكسك غلب على قضاعة، وغلب على الشام وهاداه بابليون فأقره على مصر والمغرب، ورجع إلى غزو بابل يريد نمرود بن ماش، فلما بلغ إلى بحر قراقر (٦) من أرض العراق اعتل فمات، فرجعوا به

стр. 400

إلى اليمن، فولي بعده يعفر بن السكسك (١)، وافترق ملك حمير، ورجع نمرود ليقاتل السكسك، فلما مات زاد نمرود تجبرا، ونمرود بن ماش أول أعجمي متوج (٢)، فلما دنى موت يعفر - ولم يكن له ولد غير أن امرأته حامل - فوضعوا تاجه، وهو تاج وائل بن حمير على بطن امرأته، فولدت النعمان (٣). قال وهب: وكانت أم وائل، ومالك، وعوف أبناء حمير: مالكة بنت عمرو ابن زهير بن يشجب بن يعرب. وكان وائل حين ولي الملك ولي أخويه مالك وعوف، فنازعه مالك فعزله، وأذعن عوفا فأقره على عمان والبحرين فعظم شأنه حتى ولي السكسك، فدان له عوف، ومات نعمان، فولي بعده مازن بن عوف، فلما هلك سكسك (٤) ولي بعد يعفر بن سكسك، فنابذه مازن، فأخذ الهبيق والأحقاف، فعظم ملك مازن، ثم مات فولي بعده عامر ذو رباش بن مازن، فأخذ غمدان وصنعاء، فغيب النعمان ابن يعفر في مغارة في جبل عبقر ومعه أمه نائلة بنت مالك بن الحاف ابن قضاعة بن مالك بن حمير. وكان عامر ذورباش أول الأذواء متوجا، ولم يكن تبعا، فطلب النعمان فلم يقدر عليه، فسأل المنجمين فأخبروه أنه في الجبل، فأحاطوا بالجبل واستخرجوا النعمان [وأمه] (٥) فأخذهما ذورباش ونزل قصر غمدان، ولم

стр. 401

يكن ينزل هذا القصر إلا الملك الأعظم ومن يستحق اسم تبع من ملوك حمير، فحبس النعمان/وأمه عنده فماتت أم النعمان وشب الصبي، وكان عليه الحرس، فاحتال الحرس في تسييبه، فخرج النعمان وجمع ولاقى ذو رباش، فاستأسر ذو رباش، وحبسه في غمدان، وسمي النعمان المعافر لقوله: إذا أنت عافرت الأمور بقدرة … بلغت معالي الأقدمين المقاول وأخذ النعمان أرض بابل ومعه ذو رباش، وسار إلى خراسان، فلما بلغ صحراء (١) مرو، فرأى عامر ذو رباش حيّة رقشاء (٢)، فعرك ذنبها وأعطاها ذراعه فلدغته، فهلك، ثم عبر النعمان الفرات إلى أرمينية، فأخذها، ثم عبر قنطرة سنجة (٣) إلى الشام، ثم إلى عكة، ثم إلى غمدان، فكان عمره في الملك ثلثمائة. وكان النعمان تبعا متوجا، ولما مت قال لبنيه: لا تضجعوني فينضجع ملككم، ادفنوني قائما فلا يزال ملككم قائما، ففعلوا، فلما كان في خلافة سليمان بن عبد الملك فتحت مغارة باليمن، فأصابوا منها مالا جسيما، ووجدوا سارية من رخام قائمة قد ختم رأسها بالرصاص، ففتحت، فأصابوا فيها شيخا قائما وعلى رأسه لوح من ذهب مكتوب بالحميرية: أنا المعافر بن يعفر بن مضر لست إلى ذي يمن مقرا سموا بجدي مضر باسق فرعي وصميم سري. ثم ولي بعد المعافر ابنه السمح، فملك ملكا ضعيفا.

стр. 402

ثم اجتمع أمر حمير وبني قحطان على شداد بن عاد بن الملطاط بن جشم ابن عبد شمس بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب. وكان شداد تبعا متوجا طاف الأرض يبني المدن والمصانع، ومكث في المغرب مائتي عام، ثم مضى إلى مأرب، فبنى القصر العتيق رمدات، ثم مات بعد خمسمائة عام، فدفن في جبل شمام (١) وعنده في المغارة بنتاه. ثم صار الأمر بعد شداد إلى أخيه لقمان بن عاد، قيل: كان نبيا غير مرسل. يروى أنه أعطي حاسية مائة رجل بأسماعهم وأبصارهم، ولم يكن متوجا. قال عبد الملك بن هشام: لقيت عامة من العلماء يزعمون أن ذا القرنين ودانيال أنبياء غير مرسلين، وقيل: صالحون. وحمير سمي لقمان الرائش، سأل ربه عمر إبقاء سبع بقرات أو نوايات أو نسور، فقيل: إنه عاش ألفي سنة وأربعمائة سنة، وهو صاحب لبد، وقيل: عاش أربعة آلاف سنة، عاش منها عمر ستة أنسر خمسمائة سنة، وعاش لبد وهو آخرها ألف سنة، ودفن بالأحقاف. ثم صار الأمر بعد لقمان إلى أخيه الهمال [بن عاد، وكان تبعا متوجا، دخل مغارة أخيه شداد وأخذ التاج. وولي الملك بعد الهمال] (٢) الحارث الرائش (٣)، تبع متوج، والحارث هو

стр. 403

ذو مراثل بن الهمال، غزا الهند وأخذ أرمينية (١) ودرب بلجا (٢) إلى عجز الأرض إلى ما تحت بنات نعش (٣)، ثم مات باليمن، فكان ملكه مائة عام وخمسة وأربعون عاما (٤). وولي بعده الملك الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش بن عمرو بن الهمال بن عاد بن عامر بن الملطاط (٥). وسئل كعب عن ذي القرنين فقال: من حمير، والاسكندر من بني يونان ابن عيصا بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال له: ذو القرنين أيضا، فالأول هو الإسكندر الرومي (٦)، [والثاني هو] (٧) الإسكندر اليوناني هو الذي كان على مقدمته الخضر، أدرك رجاله عيسى ﵇ منهم: جالينوس، وأرسطاطاليس، وهما يونانيين (٨)، ودانيال ﵇.

стр. 404

ومات ذو القرنين/بالخفق - خفق قراقر - في رمل العراق، دفنه ابنه أبرهة. وأبرهة تبع متوج - وأبرهية بالحبشية تفسيره: وجه أبيض (١)، مدة ملكه ثلثمائة وستين سنة (٢)، ومات أبرهة ذو المنار، وولي الملك بعده ابنه العبد ابن أبرهة، وهو ذو الأشرار، قيل له ذلك لأنه غلب الحبشة، أقام في الملك ستين عاما ثم مات بالفالج، فولي بعده أخوه عمرو بن أبرهة (٣)، وهو عمرو ذو الأزعار (٤)، أمه العيوف ابنة الراتع الجني. وولي الملك بمأرب شرحبيل بن عمرو بن غالب بن السائب بن عمرو بن يعفر، فاقتتل عمرو وشرحبيل ثم افترقوا، فأقام شرحبيل في الملك سنة ومات، فولي الملك بعده ابنه الهدهاد أبو بلقيس (٥).

стр. 405

ثم مات الهدهاد فوليت بلقيس، فقصدها عمرو ذو الأزعار، ثم أنها قتلته، وكانت ملكة متوجة، ومات ذو الأزعار بعد أن ملك مائة وخمسا وعشرين سنة، ثم أتى سليمان ﵇ بعد أن ملكت بلقيس سبع سنين، ثم مات سليمان بعد أن تزوج بلقيس بأربعين عاما (١). انتهى. رجعنا إلى المقصد الأول: قال الشيخ جمال الدين (٢): «وفي قبلة جبل أحد قبور الشهداء، ولا يعلم منها الآن إلا قبر حمزة ﵁ ومعه في القبر ابن اخته عبد الله بن جحش - كما تقدم (٣) - وعليه قبة عالية ومشهد [محكم البناء] (٤) بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء سنة تسعين وخمسمائة، وعلى المشهد باب من حديد يفتح كل خميس، وشمال المشهد آرام من حجارة يقال أنها من قبور الشهداء، وكذلك من غربية أيضا، وقد ورد أن هذه قبور أناس ماتوا عام الرمادة في خلافة عمر ﵁ إذ لا ضرورة أن يبعدوا عنه، وعند رجلي حمزة قبر رجل تركي كان متوليا عمارة المشهد الشريف يقال له: سنقر [توفي فدفن هناك،] (٥) وكذلك في صحن المسجد الشريف قبر دفن فيه بعض الأشراف من أمراء المدينة، وتحت جبل أحد من جهة القبلة لاصقا بالجبل مسجد صغير قد تهدم، يقال: أن النبي ﷺ ، صلى فيه الظهر والعصر [يوم أحد] (٦) بعد إنقضاء القتال، وفي جهة القبلة

стр. 406

من هذا المسجد موضع منقور في الحجر على قدر رأس الإنسان، يقال أن النبي ﷺ ، جلس على الصخرة التي تحته وأدخل رأسه فيه، وكذلك شمال المسجد غار في الجبل يقال أن النبي ﷺ ، دخله، ولم يرد بذلك كله نقل صحيح [فلا يعتمد عليه] (١) وقبلي مشهد [حمزة ﵁] (٢) جبل صغير يسمى عينين (٣) - بفتح العين المهملة، وكسر النون الأولى - والوادي بينهما كان عليه الرماة يوم أحد، وعنده مسجدان أحدهما: - مع ركنه الشرقي - يقال: إنه الموضع الذي طعن فيه حمزة، والمسجد الآخر: - شمال هذا المسجد على شفير الوادي - يقال: إنه مصرع حمزة، وأنه مشى بطعنته إلى هناك، ثم صرع ﵁، وبين المشهد والمدينة ثلاثة أميال ونصف ميل أو ما يقاربه) (٤) وإلى أحد ما يقارب أربعة أميال [من المدينة»] (٥). وكانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة (٦). المشهور من غزواته (٧) ﷺ : وجملة المشهور من غزواته ﷺ ، إثنان وعشرون غزاة ذكرها الطبري (٨):

стр. 407

الأولى غزوة ودان (١): حين بلغ الأبواء (٢) لسنة من الهجرة وشهرين وعشرة أيام (٣). الثانية غزا عيرا لقريش : بعد ذلك بشهر وثلاثة أيام (٤). الثالثة خرج في طلب كرز بن جابر : وكان أغار على سرح المدينة بعد ذلك بعشرين يوما (٥). الرابعة غزوة بدر : لسنة وثمانية أشهر لسبعة عشر ليلة خلت من رمضان يوم الجمعة (٦). كان المسلمون يومئذ على عدد قوم طالوت/ثلاثمائة وتسعة عشر، وقيل: وثلاثة عشر، ثلاثة وثمانون من المهاجرين [ومائة] (٧)، وسبعون من

стр. 408

الخزرج، وستون من الأوس (١). سمى طالوت لطوله، واسمه بالسريانية «شاول» وبالعبرانية «ساول» (٢). وكان الذين عبروا معه النهر ثلثمائة وثلاثة عشر من ثمانين ألفا (٣)، وهو نهر الأردن وفلسطين عذب يقال له: الأدما (٤). وكان المشركون ببدر بين التسعمائة والألف (٥)، وفيها أمدّه الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (٦). وسميت بدر: لأنها كانت بيد رجل كان بها يسمى بدرا (٧). حكاه الشعبي.

стр. 409

واستشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار (١). وأول من قتل منهم: حارثة بن سراقة، قتله حبان بن العرقة (٢)، وقيل: أول قتيل ببدر مهجع مولى عمر بن الخطاب، قتله عامر بن الحضرمي (٣). وشهد رسول الله ﷺ بدرا بسيفه الذي يدعى العضب، وانكسر فيها قوسه الذي يدعى الكتوم، وضربت فيها طبلخانة النصر، فهي تضرب إلى قيام الساعة (٤). ومن العجائب (٥): أن امرأة شهد لها بدرا سبعة بنون مسلمين، وهي عفراء ابنة عبيد، تزوجها الحارث بن رفاعة فولدت له: معاذا ومعوذا، ثم تزوجها بكير بن عبد ياليل فولدت له: إياسا وخالدا وعاقلا وعامرا، ثم عادت إلى الحارث فولدت له: عوفا، وشهدوا كلهم بدرا، واستشهد معاذ ومعوذ وعاقل ببدر، وخالد يوم الرجيع، وعامر ببئر معونة، وإياس يوم اليمامة، والبقية منهم لعوف. ويخرج

стр. 410

من هؤلاء جواب المسائل: هل تعرفون أربعة أخوة لأب وأم شهدوا بدرا مسلمين؟ ومن هذا الجنس امرأة كان لها أربعة أخوة وعمان شهدوا بدرا، أخوان وعم مع رسول الله ﷺ وأخوان وعم مع المشركين؟ فالمرأة هي أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، والأخوان المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير، والعم المسلم: معمر بن الحارث، والأخوان المشركان: الوليد بن عتبة وأبو عزيز، والعم المشرك: شيبة بن ربيعة (١). الخامسة غزوة بني قينقاع (٢). السادسة غزوة السويق: في طلب أبي سفيان صخر بن حرب (٣). السابعة غزوة بني سليم بالكدر (٤). الثامنة غزاة ذي أمر: وهي غطفان، ويقال: غزاة أنمار (٥)، وهذه الأربع غزوات في بقية السنة الثانية.

стр. 411

التاسعة غزاة أحد: في السنة الثالثة (١). العاشرة غزاة بني النضير: لسبعة أشهر خلت منها وعشرة أيام (٢). الحادية عشرة غزوة ذات الرقاع: بعد ذلك بشهرين وأربعة أيام، قيل: كانت في السنة الخامسة (٣). ذات الرقاع موضع سمي به، لأنه كان ذا ألوان، موضع قريب من نجد، وقيل: أن قوما قصدوه فتشققت أقدامهم فجعلوا يلفون عليها الرقاع (٤)، وقال محمد بن سعد (٥): هو جبل مبقع، صلى فيها رسول الله ﷺ صلاة الخوف (٦). الثانية عشر غزوة دومة الجندل: بعد ذلك بشهرين وعشرين يوما، وكانت في السنة الخامسة (٧)، قيل: صلى النبي ﷺ ، فيها صلاة الخوف،

стр. 412

وقيل: إنما صلاها في السنة السادسة، وكانت صلاة المغرب. دومة الجندل: [بضم] /الدال، وقد تفتح وأنكره ابن دريد، وهي من بلاد الشام قريب من تبوك. الثالثة عشر غزاة بني المصطلق: من خزاعة بعد ذلك بخمسة أشهر وثلاثة أيام، وهي التي قال فيها أهل الإفك ما قالوا. الرابعة عشر غزوة الخندق: لأربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام. الخامسة عشر غزوة بني قريظة: بعد ذلك بستة عشر يوما.

стр. 413

السادسة عشر غزوة بني لحيان: بعد ذلك بثلاثة أشهر (١). السابعة عشر غزوة الغابة: في سنة ست (٢)، وفيها اعتمر عمرة الحديبية. الثامنة عشر غزاة خيبر: لثلاثة أشهر خلت من السنة السابعة وأحد عشر يوما (٣)، وذلك بعد عشرين ليلة أو قريبا منها من الحديبية، وبعدها بستة أشهر وعشرة أيام اعتمر عمرة القضية. التاسعة عشر فتح مكة: لسبع سنين وثمانية أشهر وأحد عشر يوما (٤). العشرون غزاة حنين: بعد ذلك بيوم، وفيها أنزل الله الملائكة لنصرة نبيه ﷺ (٥). الحادية والعشرون غزوة الطائف: في تلك السنة (٦)، وفيها حج

стр. 414

بالناس عتّاب بن أسيد (١). الثانية والعشرون غزاة تبوك: لستة أشهر خلت من السنة التاسعة وخمسة أيام (٢)، وفي هذه السنة حج بالناس أبو بكر ﵁ (٣) -. تبوك: سميت بذلك لأن النبي ﷺ رآهم يحفرون البركة ولم يهيئوا فقال: «ما زلتم تبوكونها» (٤). وكانت هذه الغزوة في رجب سنة تسع، وبنى رسول الله ﷺ فيها مساجده التي بين المدينة وتبوك كما سيأتي (٥). وكانت الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة - بقوله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٦) -: كعب بن مالك، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة ابن الربيع - وقيل: ابن ربعي - العمري، وكلهم من الأنصار (٧). ذكره المهدوي. وقال ابن إسحاق، وأبو معشر، وموسى بن عقبة: المشهور أن النبي ﷺ غزا ستا وعشرين غزاة بنفسه، وقيل: سبعا وعشرين غزاة، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: ست وخمسون،

стр. 415

وقيل: غزواته ستة وعشرون (١). وعن قتادة: غزوات رسول الله ﷺ وسراياه ثلاثا وأربعين (٢). والسرايا: جمع سرية، وهي قطعة من الجيش يوجهها مقدمة الجيش شرطها أن تكون أربعمائة (٣). حكاه أبو عبيد. وفي كتاب «الاكليل» بعوث رسول الله ﷺ تزيد على المائة. وفي كتاب أبي عبد الله بن نصر المروزي: السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين. قالوا: ولم يقاتل ﷺ ، إلا في سبع: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، والطائف. وقيل: قاتل بوادي القرى، والغابة، وبني النضير (٤). وقيل: غزواته ﷺ إحدى وعشرون، وقيل: أربعة وعشرون، وقيل: تسعة عشر (٥). يقال لا تماروا أهل المدينة في الغزوات، ولا أهل الكوفة في الزاني، ولا أهل مكة في المناسك.

стр. 416

إشارة: اعلم أن أفضل العبادات/بعد أداء الفرائض الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (١) الآية، هذه الآية عامة في كل مجاهد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (٢) إخبار منه أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد أصله من عهد موسى ﵇ (٣). قال الحسن: ما على الأرض مؤمن إلا ويدخل في هذه البيعة (٤)، قيل: إنه لا يكون جهاد في أقطار الأرض إلا وجبريل حاضر فيه. عن النبي ﷺ : «وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر [لهم» (٥)] (٦). وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى فأقتل ثم أحيى فأقتل» فكان أبو هريرة يقولها ثلاثا: أشهد الله (٧).

стр. 417

وقال خالد بن معدان: من اغتاب غازيا كتب في أهل النار. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمي، اللون لون دم، والريح ريح مسك» (١). وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار من بكى من خشية الله حتى يلج اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبدا» (٢). ويذكر أن السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي (٣) ابن مروان الملك الناصر (٤)، كان إذا عاد من الغزو نفض ثيابه من غبار الغزو على نطع وأمر من يجمعه، وإن ذلك الغبار عجن بماء زمزم وجعل لبنة لطيفة وجعلت تحت رأسه في قبره، افتتح ثلاثا وسبعين مدينة (٥)، وافتتح القدس يوم

стр. 418

الجمعة لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (١)، توفي يوم الأربعاء السابع والعشرون من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، مدة ملكه ثمان وعشرون سنة دفن بدمشق (٢). عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه». رواه مسلم في صحيحه (٣). وعنه ﷺ أنه قال: الشهداء سبعة سوى (٤) القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، و [صاحب] (٥) الحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد» (٦). فالمبطون: كصاحب الإسهال، وقيل: الاستسقاء. والمطعون: من يموت بالطاعون. والمرأة تموت بجمع: يعني في بطنها ولد، وجمع: يروى بضم الجيم: [ويفسر على وجوه: الأول إنها التي تموت لعسر الولادة، وقيل: التي تموت عذراء لم يمسها رجل] (٧) والكسر في هذا المعنى لغة لما روي في

стр. 419

الحديث: أيما امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت الجنة (١). لم تطمث: أي لم/تمسس (٢). قال ابن أبي جمرة في قوله ﵇ «الطاعون شهادة لكل مسلم» (٣): من مات بالطاعون هل يلحق بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أم لا؟ أما في إشتراك الإسم فظاهر، وأما في تضعيف الأجر فهو متوقف على إخبار الشارع ﵇، ولم يجيء عنه [في ذلك شيء - أعني في هذا الحديث - لأن] (٤) تفضيل الشهداء بعضهم على بعض قد ورد في الكتاب والسنة، فأما في الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (٥) الآية، فنص [ ] (٦) بقران هذه الرتبة العليا إنما تكون للذين قتلوا في سبيل الله دون غيرهم من الشهداء، وأما السنة: فقوله ﵊: «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر» الحديث (٧)، فبان بهذا أن للقتلى في سبيل ما ليس لغيرهم (٨).

стр. 420

تلويح فيما شوهد من العجائب في قتلى الجهاد: حكى عبد الله بن ماتك (١) قال حدثني المصري قال: صحبنا رجلا وكان لا يأكل ولا يشرب، قلنا له: فما خبرك؟ قال: غزونا في أربعمائة، فخرج علينا العدو فأثبنا كلنا، وجرحت أنا في القتلى، فرأيت جواري بأيديهن كاسات، فصبوا في أفواه القتلى، فغمضت عيني حتى وصلوا إليّ فقالوا: صبوا في حلق هذا وعجلوا قبل أن تغلق أبواب السماء، قالت: أسقيه (٢) وفيه رمق؟ قالت: لا بأس فصبت في حلقي ما لم أذق طعم شيء مثل طعمه، فمنذ شربته لم أحتج إلى طعام ولا شراب. وقال أيضا حدثني محمد الوراق قال: كان بالأوس رجل أسود يقال له: مبارك، وكان يقول: أنا أسأل الله أن يزوجني بحور العين، فغزونا، فقتل مبارك، فمررت به، فرأيت رأسه ناحية وهو منكب على بطنه ويده تحت صدره، فقلنا له: يا مبارك كم زوجك الله من الحور العين؟ فأخرج يده من تحت صدره، وأشار بثلاث أصابع - يعني ثلاثة. وروي أن أسلم الحبشي (٣)، وكان مملوكا لعامر اليهودي يرعى غنما له، فأتى رسول الله ﷺ ، وهو محاصر بعض حصون خيبر (٤) فأسلم، وقال [له] (٥) النبي ﷺ : «اضرب وجه الغنم سترجع إلى ربها» ففعل، فرجعت

стр. 421

الغنم حتى دخلت الحصن، وتقدم فقاتل، فأصابه حجر فقتله، فأتي به رسول الله ﷺ ، وقد سجي بشملة، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم أعرض عنه، فسأل عن ذلك، فقال: «إن معه زوجته من الحور العين» (١). الحور جمع أحور، وقيل: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (٢). وقال أبو عمرو: الحور أن تسودّ العين كلها مثل عين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور (٣). والعين - بكسر العين - جمع عيناء، وهي الواسعة العين (٤).

стр. 422

الباب الخامس في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة وحفر الخندق وقتل بني قريظة بالمدينة وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة اعلم أن النبي ﷺ ، كان قد عقد حلفا بين بني النضير من اليهود وبين بني عامر، فعدا عمرو بن أمية الضمري [من بني ضمرة] (١) على رجلين من بني عامر فقتلهما (٢)، فأتى النبي ﷺ بني النضير يستعينهم في دية القتيلين، فقالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذا، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم - أفمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة؟ فصعد أحدهم (٣) لذلك، فأتى رسول الله ﷺ ، الخبر من السماء، فقام ورجع إلى المدينة وأخبر أصحابه الذين معه منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي ﵃، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم، وسار

стр. 423

حتى نزل بهم في شهر ربيع الآخر سنة أربع من الهجرة (١)، فتحصنوا في الحصون، فأمر النبي ﷺ ، بقطع نخيلهم وتحريقها، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ ، أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ ، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاهما (٢). وأنزل الله تعالى في بني النضير سورة الحشر بأسرها (٣). وكانت نخيل بني النضير تسمى «بويرة» - حكاه صاحب رفع الغواشي - وقيل: بويرة اسم بلدة أو موضع من مواضع بني النضير (٤).

стр. 424

الفصل الثاني في ذكر حفر الخندق حفر رسول الله ﷺ الخندق يوم الأحزاب، وذلك (١) أن نفرا من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ ، وكانوا بخيبر، وكان رئيسهم حيي بن أخطب قدم هو ورؤساء قومه إلى مكة على قريش، فدعوهم لحرب النبي ﷺ ، فأطاعتهم قريش، وغطفان بمن جمعوا، فلما سمع النبي ﷺ [وبما أجمعوا له من الأمر] (٢) ضرب الخندق على المدينة (٣). روى البخاري في صحيحه، من حديث البراء بن عازب قال: «كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبّر بطنه» (٤). روى جابر بن عبد الله «أن صخرة إشتدت عليهم في الخندق، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء أن يدعوه به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الصخرة، فانهالت حتى عادت/كالكثيب لا ترد فأسا ولا مسحاة» (٥).

стр. 425

ولم يزل المسلمون يعملون فيه حتى أتموه (١). وحفره ﷺ طولا من أعلى وادي بطحان غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى - مصلى العيد - ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين الذين في غربي الوادي، يقال لأحدهما: راتج (٢)، وللآخر جبل بني عبيد (٣). وأقبلت قريش وكنانة ومن تبعهما من الأحابيش في عشرة آلاف، حتى نزلوا بمجتمع السيول من رومة من وادي العقيق، وقائدهم أبو سفيان (٤). وأقبلت غطفان وبنو أسد ومن تبعهما من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى (٥) إلى جانب أحد - ما بين طرفي وادي النقا (٦) - وقائدهم عيينة بن حصين، وأتى الحارث بن عوف في بني مرة، ومسعود بن رحيلة في أشجع (٧). وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم
следующие страницы →