← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الغنم حتى دخلت الحصن، وتقدم فقاتل، فأصابه حجر فقتله، فأتي به رسول الله ﷺ ، وقد سجي بشملة، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم أعرض عنه، فسأل عن ذلك، فقال: «إن معه زوجته من الحور العين» (١). الحور جمع أحور، وقيل: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (٢). وقال أبو عمرو: الحور أن تسودّ العين كلها مثل عين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور (٣). والعين - بكسر العين - جمع عيناء، وهي الواسعة العين (٤).

стр. 422

الباب الخامس في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة وحفر الخندق وقتل بني قريظة بالمدينة وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة اعلم أن النبي ﷺ ، كان قد عقد حلفا بين بني النضير من اليهود وبين بني عامر، فعدا عمرو بن أمية الضمري [من بني ضمرة] (١) على رجلين من بني عامر فقتلهما (٢)، فأتى النبي ﷺ بني النضير يستعينهم في دية القتيلين، فقالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذا، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم - أفمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة؟ فصعد أحدهم (٣) لذلك، فأتى رسول الله ﷺ ، الخبر من السماء، فقام ورجع إلى المدينة وأخبر أصحابه الذين معه منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي ﵃، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم، وسار

стр. 423

حتى نزل بهم في شهر ربيع الآخر سنة أربع من الهجرة (١)، فتحصنوا في الحصون، فأمر النبي ﷺ ، بقطع نخيلهم وتحريقها، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ ، أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ ، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاهما (٢). وأنزل الله تعالى في بني النضير سورة الحشر بأسرها (٣). وكانت نخيل بني النضير تسمى «بويرة» - حكاه صاحب رفع الغواشي - وقيل: بويرة اسم بلدة أو موضع من مواضع بني النضير (٤).

стр. 424

الفصل الثاني في ذكر حفر الخندق حفر رسول الله ﷺ الخندق يوم الأحزاب، وذلك (١) أن نفرا من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ ، وكانوا بخيبر، وكان رئيسهم حيي بن أخطب قدم هو ورؤساء قومه إلى مكة على قريش، فدعوهم لحرب النبي ﷺ ، فأطاعتهم قريش، وغطفان بمن جمعوا، فلما سمع النبي ﷺ [وبما أجمعوا له من الأمر] (٢) ضرب الخندق على المدينة (٣). روى البخاري في صحيحه، من حديث البراء بن عازب قال: «كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبّر بطنه» (٤). روى جابر بن عبد الله «أن صخرة إشتدت عليهم في الخندق، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء أن يدعوه به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الصخرة، فانهالت حتى عادت/كالكثيب لا ترد فأسا ولا مسحاة» (٥).

стр. 425

ولم يزل المسلمون يعملون فيه حتى أتموه (١). وحفره ﷺ طولا من أعلى وادي بطحان غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى - مصلى العيد - ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين الذين في غربي الوادي، يقال لأحدهما: راتج (٢)، وللآخر جبل بني عبيد (٣). وأقبلت قريش وكنانة ومن تبعهما من الأحابيش في عشرة آلاف، حتى نزلوا بمجتمع السيول من رومة من وادي العقيق، وقائدهم أبو سفيان (٤). وأقبلت غطفان وبنو أسد ومن تبعهما من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى (٥) إلى جانب أحد - ما بين طرفي وادي النقا (٦) - وقائدهم عيينة بن حصين، وأتى الحارث بن عوف في بني مرة، ومسعود بن رحيلة في أشجع (٧). وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم

стр. 426

إلى جبل سلع [وضرب رسول الله ﷺ قبته على القرن الذي في غربي جبل سلع] (١) موضع مسجده اليوم (٢). ثم سعى حيي بن أخطب (٣) حتى قطع الحلف الذي كان بين بني قريظة وبين رسول الله ﷺ ، وأجابوه لحرب النبي ﷺ ، فاشتد الخوف واشتد الحصار على المسلمين، وكان في ذلك ما قص الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (٤) الآيات، فأقام رسول الله ﷺ ، والمشركون بضعا وعشرين ليلة ولم يكن لهم حرب إلا الرمي بالنبل، إلا الفوارس من قريش، فإنهم قاتلوا فقتلوا وقتلوا (٥). وأصاب سعد بن معاذ سهم، فحسم رسول الله ﷺ جرحه، فانتفخت يده ونزف الدم، فلما رأى ذلك قال: «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله [لي] (٦) شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» (٧). وكان راميه حبان بن العرقة - وقيل: حبار بالراء، والعرقة هي قلابة بنت

стр. 427

سعيد - برفع السين - بن سهم بن عمرو بن هصيص، وحبان ابنها وهو ابن عبد مناف بن منقذ، والعرقة تكنى أم فاطمة (١) - رماه بسهم في عضده أصاب أكحله، فانقطع، فأمر رسول الله ﷺ بضرب فسطاط في المسجد لسعد، فكان يعوده في كل يوم (٢). الأكحل: كالأبهر إذا انقطع لم يكن معه حياة، والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، والأكحل عرق معروف في اليد يفصد، واقع في وسط الباسليق الأنسي والقيفال الوحشي، ويقال له أيضا: نهر البدن (٣). واستشهد يومئذ من المسلمين ستة من الأنصار: أنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة، وكعب بن زيد، وسعد بن معاذ (٤)، عاش حتى قتل رسول الله ﷺ بني قريظة بحكمه. مات/شهيدا، كما سنذكره (٥). ولم يزل رسول الله ﷺ وأصحابه على ما هم عليه من الخوف والشدة حتى هدى الله نعيم بن مسعود (٦)، أحد غطفان للإسلام، ولم يعلم أصحابه،

стр. 428

وخدّع بين بني قريظة وقريش وغطفان ورمى بينهم الفتن (١). وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال باردة، فجعلت تكفيء قدورهم وتطرح آنيتهم فرجعوا إلى بلادهم (٢). وكان مجيئهم وذهابهم في شوال سنة خمس من الهجرة (٣). يروى أنهم لما وقفوا على الخندق قالوا: إن هذا لمكيدة ما كانت العرب تكيدها (٤)، ويقال: إن سلمان أشار به على رسول الله ﷺ (٥). فائدة: حضر الخندق - على أحد الأقوال - سبعة أخوة، ليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم هاجروا وصحبوا رسول الله ﷺ ، على ما ذكره ابن عبد البر (٦)، وهم: بنو مقرن المزينون: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد،

стр. 429

وشيبان، وفلاّن، والسابع لم يسم، وهم الذين أنزل الله فيهم ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية ولم يشاركهم في هذه المكرمة غيرهم (٢). وقيل: غير ذلك. قال الحافظ محب الدين (٣): «والخندق اليوم باق وفيه قناة تأتي من عين بقباء إلى النخل الذي بأسفل المدينة المعروف بالسيح (٤) حول مسجد الفتح، وقد انطم أكثره وتهدمت حيطانه». قال الشيخ جمال الدين (٥): «وأما اليوم فقد عفي أثر الخندق ولم يبق منه شيء يعرف إلا ناحيته، لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق فصار مسيله في موضع الخندق». قلت (٦): وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة أراني والدي - رحمه الله تعالى - باقي جدار منه.

стр. 430

الفصل الثالث في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة الشريفة قال ابن إسحاق: «لما انصرف رسول الله ﷺ عن الخندق رجع (١) إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح، فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، معتجرا (٢) بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطيفة من ديباج - السندس رقيق الديباج والإستبرق صفيقه - فقال: لقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ فقال: نعم، فقال: ما وضعت الملائكة بعد السلاح، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، فأذّن رسول الله ﷺ في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» (٣). فنزل رسول الله ﷺ والمسلمون، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة (٤)، وقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، فهم لنا، فقال

стр. 431

«ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم»؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، وكان/سعد في خيمته (١) - قبة في صحن المسجد النبوي الشريف بالمدينة - يداوى جرحه، وكان حارثة بن كلدة (٢) هو الذي يداويه - وكان طبيب العرب وهو مولى أبي بكرة نفيع بن مسروح - فأتت الأوس بسعد بن معاذ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: أحكم في بني قريظة فقال: إني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري، فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» (٣). أي من فوق سبع سموات. وكانوا الذين نزلوا على حكمه ﷺ أربعمائة، واستنزلوا بني قريظة من حصونهم، فحبسوا بالمدينة في دار امرأة من بني النجار (٤)، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فجيء بهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا سبعمائة (٥) وفيهم حيي بن أخطب الذي حرضهم على نقض العهد، فقتل منهم ﷺ كل من أنبت واستحيى من لم ينبت (٦).

стр. 432

وقتل منهم امرأة (١) كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن، فقتلته يوم قتال بني قريظة، فقتلها به النبي ﷺ ، وأخبر ﷺ أن لخلاد أجر شهيدين (٢). ثم قسم رسول الله ﷺ أموالهم ونسائهم وأبنائهم على المسلمين (٣). وأنزل الله تعالى في بني قريظة والخندق من قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) إلى قوله تعالى ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ (٥) وقيل: هي نساؤهم (٦). ثم انفتق على سعد بن معاذ جرحه، فمات منه شهيدا، وذلك بعد أن أصابه السهم في شهر شوال سنة خمس (٧)، وكان رجلا طوالا ضخما (٨). طوالا بضم الطاء.

стр. 433

عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «لقد نزلت من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفا ما وطئوا الأرض قبل» (١). وقيل: أن جبريل ﵇ نزل في جنازته معتجرا بعمامة من إستبرق، وقال: يا نبي الله من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فخرج رسول الله ﷺ يجر ثوبه، فوجد سعدا قد قبض، وأنشد في ذلك رجل من الأنصار (٢): وما اهتز عرش الله من موت هالك … علمنا به إلا لسعد أبي عمرو وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امريء القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن جشعم - وقيل: ابن جشم - بن الحارث بن النبيت، وهو عمرو بن مالك ابن الأوس الأشهلي الأنصاري (٣). أمه كبشه بنت رافع لها صحبة (٤). نزل قبره أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة (٥)، وأخذ رسول الله ﷺ تراب قبره فإذا هو مسك (٦).

стр. 434

توفى ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع (١). فهذا سيّد الأوس. وأما/سيّد الخزرج: فسعد بن عبادة بن دليم - وقيل: ابن ديلم - بن حارثة بن أبي خزيمة - وقيل: ابن أبي حليمة، وقيل: ابن حزام بن أبي حزيمة - بن ثعلبة بن طريف ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي، أبو ثابت (٢). توفى بحوران (٣) من أرض الشام سنة ست وعشرين، وقيل: سنة إحدى عشر، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعة عشر، كان يبول قائما إذا اتكأ فمات قتله الجن (٤)، وقيل: وجد في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا به حتى سمعوا قائلا من الجن يقول (٥): نحن قتلنا سيد الخزر … ج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين … فلم نخط فؤاده جملة ما روى أحد وعشرون حديثا (٦). يذكر أن قريشا سمعت صائحا يصيح بمكة ليلا على أبي قبيس:

стр. 435

[فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف فظنت قريش أنهما: سعد بن زيد، وسعد بن هذيم من قضاعة، فلما كان في الليلة الثانية سمعوا صوتا على أبي قبيس] (١) يقول: أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين [الغطارف] (٢) أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس ذات رفارف فإن ثواب الله للطالب الهدى … جنان من الفردوس منية عارف فقالوا: هما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (٣). ولم يزل بقايا اليهود بالمدينة إلى خلافة عمر ﵁ (٤) -. وروي عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب ﵁ حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». فأجلى يهود خيبر، وأجلى يهود نجران وفدك» (٥) انتهى.

стр. 436

الباب السادس في ذكر مسجد رسول الله ﷺ ، وفضله وما زيد فيه أو نقص منه إلى هذا التاريخ وفيه سبعة وعشرون فصلا الفصل الأول في إبتداء مسجد رسول الله ﷺ قد تقدم (١) أن النبي ﷺ ، حين قدم (٢) المدينة نزل على كلثوم بن الهدم في بني عمرو بن سالم بن عوف، فمكث عندهم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس (٣). وكان كلثوم بن الهدم أسلم قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، وتوفى في السنة الأولى (٤). وكلثوم من أسماء السباع، فكلثوم الفيل، وعنبس الأسد، وكذلك حيدرة، وفرافصة، وأسامة، وهيصم، وهرماس، والدّلهمس، وهرثمة، والضيّغم

стр. 437

كل هؤلاء أسماء الأسد، وأوس الذئب، ومثله ذؤالة، ونهشل، وثعلبة أنثى الثعالب. حكاه ابن قتيبة في أدب الكاتب (١). وقيل: أن النبي ﷺ ، مكث في بني عمرو بن عوف بضع عشر ليلة. رواه البخاري في صحيحه (٢). وفي صحيح مسلم أنه أقام فيهم أربعة عشر ليلة (٣). وأخذ مربد كلثوم بن الهدم وعمله مسجدا وأسسه/وصلى فيه إلى بيت المقدس، وخرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، فركب ناقته القصواء، وجدّ المسلمون، ولبسوا السلاح عن يمينه وشماله، وخلفه، وكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا، ويقول عن ناقته: «إنها مأمورة خلو سبيلها» فمر ببني سالم بن عوف فأتى مسجدهم الذي في وادي رانوناء، وأدركته صلاة الجمعة، فصلاها بهم هنالك وكانوا مائة رجل وقيل: أربعون، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، ثم ركب راحلته وأرخى لها زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا حتى انتهت به إلى زقاق الحبشي من بني النجار (٤)، فبركت على باب دار أبي أيوب الأنصاري، وقيل: بركت أولا على باب مسجده ﷺ ، ثم ثارت وهو عليها فبركت على باب أبي أيوب، ثم التفتت وثارت وبركت في

стр. 438

مبركها الأول وألقت جرانها (١) في الأرض ورزمت (٢)، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، فقال: هذا المنزل يا رسول الله، فاحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، فأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر، ثم بنى مسجده، ثم لم ينزل في بيت أبي أيوب ينزل عليه الوحي حتى ابتنى مسجده ومساكنه، فكان إبتداء بنيانه ﷺ مسجده في شهر ربيع الأول من السنة الأولى، وكانت إقامته في دار أبي أيوب سبعة أشهر (٣). أبو أيوب قيل: إسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الخزرجي، شهد سائر المشاهد مع رسول الله ﷺ (٤). جملة ما روى مائة وخمسة وخمسون حديثا (٥). توفي بالقسطنطينية من أرض الروم سنة خمسين في خلافة معاوية تحت راية ابنه يزيد (٦). وأجروا الخيل على قبره حتى عفي أثره خوفا عليه من الروم (٧).

стр. 439

وقيل: إن يزيد قال للروم: «هذا من أكابر أصحاب نبينا ﷺ ، وقد دفناه حيث رأيتم، والله لئن نبش لا ضرب لكم ناقوس في أرض العرب ما دامت لنا مملكة» (١). قال مجاهد: «وكانوا إذا محلوا كشفوا عن قبره فمطروا» (٢). والروم يستسقون بقبره إلى اليوم، قيل: أنه دفن في أصل سور القسطنطينية (٣). قال الشيخ جمال الدين (٤): «ودار أبي أيوب مقابلة لدار عثمان ﵁ من جهة القبلة، والطريق بينهما، وهي اليوم مدرسة للمذاهب الأربعة، إشترى عرصتها الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي (٥)، وبناها وأوقفها على المذاهب الأربعة، وأوقف عليها وقفا بميافارقين (٦)، وهي دار ملكه، ولها بدمشق وقف أيضا، وتليها من جهة القبلة عرصة كبيرة تحاذيها من القبلة كانت دارا لجعفر بن محمد الصادق، وفيها الآن قبلة مسجده، وفيها أثر المحاريب، وهي اليوم ملك للأشراف المنايفة. وللمدرسة قاعدتان كبرى وصغرى، وفي إيوان الصغرى الغربي خزانة

стр. 440

صغيرة مما يلي القبلة فيها محراب يقال أنها مبرك ناقة/النبي ﷺ ». ثم قال ﵀ (١): «واعلم أن المسجد الشريف في دار بني غنم بن مالك بن النجار، وكان كما ورد مربدا للتمر لسهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن مالك بن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وكانا غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فدعى رسول الله ﷺ بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالوا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما وبناه، وقيل: لم يأخذوا له ثمنا، وقيل: اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر ﵁». المربد: كل شيء حبست فيه الإبل، ولذلك قيل: مربد النعم الذي كان بالمدينة. والمربد أيضا: موضع التمر مثل الجرين والبيدر للحنطة، والمربد بلغة أهل الحجاز، والجرين لهم أيضا، والبيدر لأهل العراق، والأندر لأهل الشام، والجوخان لأهل البصرة، وهو جرن التمر كما أن المراح جرن الغنم (٢). وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وبنو النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ ، أمه سلمى ابنة عمرو بن زيد بن لبيد ابن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن مالك بن النجار (٣).

стр. 441

والنجار: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وهم بطون كثيرة، سمي بالنجار لأنه إختتن بالقدوم (١). وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «خير دور الأنصار دور بني النجار» (٢). وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير دور الأنصار: بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج وفي كل دور الأنصار خير» (٣). وعن أنس أن النبي ﷺ ، لما أخذ المربد من بني النجار كان فيه نخل وقبور المشركين [وخرب، فأمر النبي ﷺ ، بالنخل فقطع، وبقبور المشركين] (٤) فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة [وكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم: اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة] (٥) وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في ثيابه، وبنى ﷺ مسجده مربعا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعون ذراعا في عرض ستين أو أزيد، وجعل له ثلاثة أبواب:

стр. 442

[باب خلفه، وباب عن يمين المصلى، وباب عن يساره،] (١) وجعلوا أساس المسجد من الحجارة، وبنوا باقية من اللبن (٢). وفي الصحيحين كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه (٣). قالت عائشة ﵂: «كان طول جدار المسجد بسطة، وكان عرض الحائط لبنة لبنة، ثم أن المسلمين كثروا فبنوه لبنة ونصفا ثم قالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل؟ قال: نعم فأقيم له سواري من جذوع النخل شقة شقة، ثم طرحت عليها العوارض والخصف والأذخر، وجعل وسطه رحبة فأصابتهم/الأمطار، فجعل المسجد يكف (٤) عليهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم: عريش كعريش موسى ثمام وخشيبات نعم فتعمل والأمر أعجل من ذلك، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله ﷺ » (٥). ويقال: أن عريش موسى ﵇، كان إذا قام به أصاب رأسه السقف (٦).

стр. 443

العريش: كل شيء مسقف، والجمع عروش، وقيل: عرش، ويسمى مجلس السلطان عرشا، وعرش الله عز سلطانه مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وهو الفلك الثامن (١). حكاه صاحب حلل المقالة. وقيل: هو الفلك التاسع، والكرسي فلك الكواكب، وبه قال القدماء منهم أرسطاطاليس، وذلك مناسب لما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: «السموات والأرض جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش» (٢). وقال الحسن: «الكرسي هو العرش نفسه» (٣). وقال ابن عساكر: «الكرسي لؤلؤة، والقلم لؤلؤة، فطول القلم سبعمائة سنة، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون» (٤). وقال أبو مالك: «الكرسي تحت العرش، والله واضع كرسيه فوق العرش» (٥). قال البيهقي: «في هذا إشارة إلى كرسيين، أحدهما تحت العرش، والآخر فوق العرش» (٦). وفي هذا نسبة لقول أرسطاطاليس. واللوح عن يمين العرش من درة بيضاء وأسفله في حجر ملك يقال له: ماطريون (٧).

стр. 444

وقال أنس: «اللوح في جبهة إسرافيل، وقلمه خمسمائة عام مشقوق السن ينبع منه النور كما ينبع المداد» (١). حكاه محمد بن عبد الله الكسائي. قال أهل السير: وبنى رسول الله ﷺ مسجده مرتين، بناه حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه في الدور مثله (٢). الفصل الثاني ما جاء في قبلة مسجد رسول الله ﷺ اعلم أن النبي ﷺ ، صلى في مسجده متوجها إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا (٣)، وقيل: ستة عشر (٤)، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة في السنة الثانية من الهجرة في صلاة الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان، وقيل: في رجب (٥)، فأقام رسول الله ﷺ ، رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة،

стр. 445

فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده: هكذا فأماط كل جبل بينه وبين الكعبة، فوضع رسول الله ﷺ القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ، قال جبريل: هكذا فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب من البيت، فهي المقطوع بصحتها (١). وعي أبي هريرة ﵁ قال: كانت قبلة النبي ﷺ إلى الشام، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده، أن تضع الإسطوانة المخلّقة اليوم خلف ظهرك [ثم تمشي مستقبل الشام وهي خلف ظهرك] (٢) حتى إذا كنت محاذيا لباب عثمان، المعروف اليوم بباب جبريل ﵇، والباب على منكبك الأيمن وأنت في صحن المسجد، كانت قبلته في ذلك الموضع وأنت واقف في مصلاه ﷺ (٣). وسيأتي ذكر الإسطوانة في محله (٤). يروى أن أول ما نسخ من أمور الشرع، أمر القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما قدموا المدينة أمروا/أن يصلوا إلى بيت المقدس، ليكون أقرب إلى تصديق اليهود، وكانت الأنصار قد صلت إلى بيت المقدس سنين قبل قدومه ﷺ ، ثم أن النبي ﷺ تشوق إلى الصلاة إلى الكعبة لأسباب: أحدها أنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇، وقيل:

стр. 446

إنه بلغه ﷺ أن اليهود تقول: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، وقيل: رأى النبي ﷺ أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، وذكر ذلك لجبريل، ثم سأل الله تعالى وجعل يردد نظره إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ (١) الآية، قال مجاهد: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة قد صلى ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وجعل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال (٢). قال الأجدابي: قول عمر ﵁ «ما بين المشرق والمغرب قبلة» إذا توجه نحو البيت، ليس معناه أن ذلك في جميع آفاق الأرضين، وإنما يصح استعماله في نواحي المدينة الشريفة وسائر الأفق المغرّب عن مكة المائل عن خطها إلى جهة الشمال، لأن القبلة في هذا الأفق فيما بين مشرق الاستواء ومغرب الشمس الأسفل. وقد يصح أن يستعمل قول عمر ﵁ في غير هذا الأفق من الأرض، وقد يكون التوجه والتحديد مختلفا، وذلك أن الأفق الشرقي المائل عن خط مكة إلى جهة الشمال الذي فيه أرض العراق قبلته ما بين المشرق الأسفل ومغرب الاستواء والأفق الشرقي المائل عن خط مكة إلى جهة [من جهة] (٣) الجنوب قبلته ما بين مشرق الشمس ومغربها الأعليين.

стр. 447

والأفق المحاذي لمكة من جهة الشمال قبلته ما بين مشرق الشمس ومغربها الأسفلين. فهذه الآفاق الستة يصح أن يقال فيها: قبلتها ما بين المشرق والمغرب، لكن التوجه مختلف، ولا يصح أن يقال ذلك في الأفقين الباقيين (١). الفصل الثالث ما جاء في فضل مسجد رسول الله ﷺ اعلم أن الله تعالى كما خصه بجميل الخصائص أولاه كل كامل غير ناقص. قال الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٢) وفي كسر الوتر وفتحها لغتان (٣): قيل: الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر بيت المقدس هذا على أحد أقوال تنيف على العشرين (٤). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٥).

стр. 448

وعنه أيضا، عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (١). متفق على صحته. وعنه أيضا، أنه يخبر أن النبي ﷺ قال: «لا يسافر إلا لثلاثة مساجد: مسجد الكعبة/ومسجدي، ومسجد إيليا» (٢). وعنه أيضا، عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى» (٣). وعنه أيضا، يبلغ به إلى النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (٤). وسمى المسجد الأقصى: لأنه أبعد المساجد التي تزار (٥)، وقيل: أنه لم يكن حينئذ مسجد. قيل: أن كل ما عذب في الأرض يخرج من تحت صخرة بيت المقدس. وأول من بنى المسجد الأقصى داود ﵇، وذلك لإحدى عشر سنة مضت من ملكه، وكان داود ينقل الحجارة على عاتقه حتى رفعوه قامة، ثم

стр. 449

صلوا فيه زمانا (١). ثم بناه سليمان بن داود ﵉، بعد أن توفى داود بالرخام الملون، وعمّده بأساطين المرو، وسقّفه بألواح الجواهر، ورصّع حيطانه باليواقيت، وبسط أرضه بألواح الفيروزج (٢). ولم يزل على ذلك حتى خربه بختنصر ونقل ما فيه من الجواهر وغيرها إلى أرض بابل (٣). وبقي خرابا إلى أن بناه المسلمون في زمان عمر ﵁. وابتدأ سليمان [﵇] (٤) في عمارته لأربع سنين مضين من ملكه وقيل: إن ملكا من ملوك فارس يقال له: بوشك عمّر بيت المقدس وإيليا بعد هلاك بختنصر (٥). وكان آخر تخريب بيت المقدس على يد ططوش بن أسيبانوس

стр. 450

الرومي (١). واعلم أن الأرض المقدسة هي الطور وما حواليه، وقيل: إيليا وبيت المقدس (٢). وقال ابن عمر: الحرم محرم مقداره من السموات والأرض، وبيت المقدس مقدس مقداره من السموات والأرض، وقيل: هي أريحا. وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل: الأردن كله. وقال قتادة: الشام كلها، وقيل: في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (٣) قيل له طوى، لأنه قدس مرتين، وقيل: هو اسم الوادي والمراد به دمشق وفلسطين (٤). قال الجوهري: طوى موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم [يصرف] (٥) ولا يصرف، ومن صرفه جعله اسم واد [ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله اسم بلدة وبقعة وجعله معرفة (٦).] (٧) قال الراغب: التقديس التطهير، لأنه طهر من الشرك (٨).

стр. 451

وقيل سمي بيت المقدس: لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب، أي يتطهر (١)، وحصيرة المقدس فيما يرى أهل النظر أنها الجنة، لأنها موضع الطهارة من الأدناس. قال صاحب الغريبين: وبيت المقدس والمسجد الأقصى واحد (٢). وقيل: إن كل أرض سار التابوت - تابوت موسى - عليها فهي مقدسة. قال ابن عباس: والتابوت وعصى موسى في بحيرة الطبرية (٣)، وهما يخرجان قبل يوم القيامة. والطبرية أكبر مدينة بالأردن، وعليها بحيرة عذبة الماء، طولها اثنا عشر فرسخا في عرض فرسخين، وبها ثلاثة عيون جارية مسقطها على نحو فرسخين من المدينة، ومياه الطبرية من البحيرة، والغور (٤) أول هذه البحيرة، ثم يمد على بيسان حتى ينتهي إلى زغر (٥) وأريحا إلى البحيرة المنتنة (٦). والغور ما بين جبلين غائر في الأرض جدا وبه عيون وأنهار وأشجار، وبعض الغور من حد الأردن إلى تجاوز بيسان/فإذا جاوزها كان من حد

стр. 452

فلسطين، وهذا الشط متصل إلى أيلة، وكان أقدم بلدان السواحل وعامة الحكماء اليونانية منها (١). حكاه [صاحب] (٢) صور الأقاليم. وبالأردن كان يسكن يعقوب ﵇، وبه جب يوسف على إثنى عشر ميلا من الطبرية مما يلي دمشق بين مدين ومصر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب (٣). وفلسطين تسمى أبنى، برفع الألف وسكون الباء الموحدة، وقيل: أبنى هي أرض [الشراة ناحية البلقاء وهي التي خربها أسامة. وقال بعض أهل مصر في زمن كعب الأخبار: أريد] (٤) جرابا من تراب سفح المقطم (٥) - يعني جبل مصر - أجعله في قبري، فقال له كعب: أتقول هذا وأنت بالمدينة؟ قال: إنا نجد في الكتاب الأول أنه مقدس ما بين القصير (٦) إلى اليحموم (٧).

стр. 453

واعلم أن الشام على أربعة أجناد (١): جند حمص، وجند دمشق، وجند فلسطين، وجند الأردن، وشرقي الشام عفزة الفرات (٢)، وغربيها ساحل بحر الروم، وشماليها جبل بلاد الروم، وجنوبيها بلاد الأردن وفلسطين (٣). وأما دمشق فإن العادي بناها - غلام إبراهيم ﵇ وكان حبشيا وهبه له نمرود حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، فسماها على اسمه (٤). وحمص بناها رجل يقال له صورى، من ولد كنعان بن حام بعد الغرق، ثم سكنها الروم (٥). وبيت المقدس بناه أذنون النبطي من ولد كنعان بعد الغرق. وحرّان بناها هران، أبو لوط ﵇، وهو أخو إبراهيم ﵇ (٦).

стр. 454

مصر بناها مصرايم بن حام بن نوح ﵇، وهو أبو القبط بعد الغرق (١). وإفريقية بناها كامن بن يافث بن نوح (٢). والإسكندرية بناها الإسكندر، وكانت مدينته التي ولد فيها مقذونية (٣). والجزيرة بناها سام بن نوح (٤). والموصل بناها أشوم بن سام إلى خراسان (٥). والأهواز بناها عالم بن سام بن نوح، وهو الذي [بنى] (٦) السوس (٧). وسمرقند بناها شمرة بن غشق (٨). وبصرى بناها بصر بن إسحاق.

стр. 455

وهمذان بناها مادى بن يافث (١). وأرمينية بناها باوان بن يافث (٢). روى ابن ماجة، عن النبي ﷺ قال: «صلاة في بيت المقدس بخمسين ألف صلاة». وفي رواية: «بخمسمائة صلاة» وفي رواية: «بسبعمائة صلاة» (٣). وعن إبراهيم بن عبد الله بن معبد قال: اشتكت امرأة فنذرت: لأن شفيني الله لأخرجن ولأصلّين في بيت المقدس، فصحت، وتجهزت تريد الخروج، فلما أتت ميمونة - زوج النبي ﷺ فأخبرتها بذلك فقالت: انطلقي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد رسول الله ﷺ ، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة» (٤). وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام/أفضل من مائة ألف صلاة» (٥).

стр. 456

قال أبو بكر النقاش: «فحسبت ذلك على هذه الرواية فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عمر خمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام - وهي خمس صلوات - مائتي سنة وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال». وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «من دخل مسجدي هذا يتعلم خيرا أو يعلمه، كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس، كان الذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» (١). ويروى عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (٢). وقالت عائشة ﵂: «ما خرج رسول الله ﷺ قط إلا صلى ركعتين» (٣) يعني ما خرج من بيته. وعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» (٤).

стр. 457

وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن (١)، وأبي عبد الله الأغر (٢) مولى الجهنيين - وكانا من أصحاب أبي هريرة ﵄ أنهما سمعا أبا هريرة ﵁ يقول: «صلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء ومسجده آخر المساجد». قال أبو سلمة وأبو عبد الله: «لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله ﷺ ، فمنعنا ذلك أن نتثبت أنّ أبا هريرة عنى ذلك الحديث، حتى إذا توفى أبو هريرة تذاكرنا ذلك وتلاومنا ألا نكون كلمنا أبا هريرة عن ذلك الحديث حتى يسنده إلى رسول الله ﷺ إن كان سمعه منه، فبينما نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكرنا ذلك الحديث والذي فرطنا فيه من نص أبي هريرة عنه، فقال لنا عبد الله ابن إبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «فأنا آخر الأنبياء وأن مسجدي آخر المساجد» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (٤).

стр. 458

قال القاضي عياض (١): «اختلف الناس في معنى هذا الإستثناء على خلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة، فذهب مالك في رواية أشهب عنه وقاله ابن نافع صاحبه وجماعة أصحابه إلى [أن] (٢) معنى الحديث: أن الصلاة في مسجد النبي (٣) ﷺ ، أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه، فتأتي/فضيلة مسجد الرسول ﷺ بتسعمائة وعلى غيره بألف، وهذا مبني على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ ومالك وأكثر المدنيين، وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول عطاء، وابن وهب، وابن حبيب -[من أصحاب مالك -] (٤) وحكاه الساجي عن الشافعي وحملوا الإستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وفيه: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة، وروى قتادة مثله، فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف، قال الباجي: والذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم [مسجد] (٥) مكة لسائر المساجد ولا يعلم منه حكمها مع المدينة، وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض،

стр. 459

وذهب مطرف - من أصحابنا - إلى أن ذلك في النافلة أيضا قال: وجمعة خير من جمعة ورمضان خير من رمضان، ولا خلاف أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع الأرض قال: ومسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد الأقصى». عن عبد الله [بن عثمان بن عمر] (١) بن الأرقم بن أبي الأرقم، عن أبيه، عن جده قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أريد أن أخرج إلى بيت المقدس قال: فلم؟ قلت: للصلاة فيه، قال: «ها هنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة» (٢). وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي هذا حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» (٣). الفصل الرابع في أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ مسجد المدينة روى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجال: هو مسجد قباء، وقال

стр. 460

الآخر: هو مسجد النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «هو مسجدي هذا». حديث صحيح (١). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال لي أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة، قال فقلت له: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره (٢). وهو قول: ابن المسيب، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومالك بن أنس فيما رواه عنه وهب وأشهب وابن القاسم وغيرهم. وعن ابن عباس ﵁ أنه مسجد قباء/ (٣) كما سيأتي (٤).
следующие страницы →