← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال أبو بكر النقاش: «فحسبت ذلك على هذه الرواية فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عمر خمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام - وهي خمس صلوات - مائتي سنة وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال». وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «من دخل مسجدي هذا يتعلم خيرا أو يعلمه، كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس، كان الذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» (١). ويروى عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (٢). وقالت عائشة ﵂: «ما خرج رسول الله ﷺ قط إلا صلى ركعتين» (٣) يعني ما خرج من بيته. وعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» (٤).

стр. 457

وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن (١)، وأبي عبد الله الأغر (٢) مولى الجهنيين - وكانا من أصحاب أبي هريرة ﵄ أنهما سمعا أبا هريرة ﵁ يقول: «صلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء ومسجده آخر المساجد». قال أبو سلمة وأبو عبد الله: «لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله ﷺ ، فمنعنا ذلك أن نتثبت أنّ أبا هريرة عنى ذلك الحديث، حتى إذا توفى أبو هريرة تذاكرنا ذلك وتلاومنا ألا نكون كلمنا أبا هريرة عن ذلك الحديث حتى يسنده إلى رسول الله ﷺ إن كان سمعه منه، فبينما نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكرنا ذلك الحديث والذي فرطنا فيه من نص أبي هريرة عنه، فقال لنا عبد الله ابن إبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «فأنا آخر الأنبياء وأن مسجدي آخر المساجد» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (٤).

стр. 458

قال القاضي عياض (١): «اختلف الناس في معنى هذا الإستثناء على خلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة، فذهب مالك في رواية أشهب عنه وقاله ابن نافع صاحبه وجماعة أصحابه إلى [أن] (٢) معنى الحديث: أن الصلاة في مسجد النبي (٣) ﷺ ، أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه، فتأتي/فضيلة مسجد الرسول ﷺ بتسعمائة وعلى غيره بألف، وهذا مبني على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ ومالك وأكثر المدنيين، وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول عطاء، وابن وهب، وابن حبيب -[من أصحاب مالك -] (٤) وحكاه الساجي عن الشافعي وحملوا الإستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وفيه: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة، وروى قتادة مثله، فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف، قال الباجي: والذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم [مسجد] (٥) مكة لسائر المساجد ولا يعلم منه حكمها مع المدينة، وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض،

стр. 459

وذهب مطرف - من أصحابنا - إلى أن ذلك في النافلة أيضا قال: وجمعة خير من جمعة ورمضان خير من رمضان، ولا خلاف أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع الأرض قال: ومسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد الأقصى». عن عبد الله [بن عثمان بن عمر] (١) بن الأرقم بن أبي الأرقم، عن أبيه، عن جده قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أريد أن أخرج إلى بيت المقدس قال: فلم؟ قلت: للصلاة فيه، قال: «ها هنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة» (٢). وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي هذا حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» (٣). الفصل الرابع في أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ مسجد المدينة روى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجال: هو مسجد قباء، وقال

стр. 460

الآخر: هو مسجد النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «هو مسجدي هذا». حديث صحيح (١). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال لي أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة، قال فقلت له: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره (٢). وهو قول: ابن المسيب، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومالك بن أنس فيما رواه عنه وهب وأشهب وابن القاسم وغيرهم. وعن ابن عباس ﵁ أنه مسجد قباء/ (٣) كما سيأتي (٤).

стр. 461

قلت: ويمكن الجمع بينهما، وأن يكون كلاهما أسس على التقوى، فقد روي عن عبد الله بن بريدة في قول الله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (١) قال: إنما هي أربعة مساجد، لم يبنهن إلا نبيّ: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉، وبيت أريحا ببيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، ومسجد المدينة، ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى بناهما رسول الله ﷺ (٢). وإذا قيل: المسجدان بالإطلاق، فالمراد بهما مسجد مكة والمدينة، وهذا من الكلام المزدوج مثل أن يقال: «الحرمان - أيضا - حرماهما، والجديدان: الليل والنهار، والأعذبان: الريق والخمر، والأطيبان: النوم والنكاح، والأبيضان: اللبن والماء، والأسودان: الماء والتمر ويقال الليل والحرة، والأصفران: الذهب والحرير، والأحمران: اللحم والخمر، والعشاءان: المغرب والعشاء، والبائعان: البائع والمشتري، والمكتان: مكة والطائف، والخافقان: المشرق والمغرب، والعراقان: البصرة والكوفة، والقمران: الشمس والقمر ويقال: أبو بكر وعمر ﵄، والأبوان: الأب والأم، والعمران: أبو بكر وعمر ﵄، والأبيضان في المرأة: الشحم والشباب، والعصران: الغداة والعشي، والملوان: الليل والنهار» (٣).

стр. 462

الفصل الخامس في ذكر ما يؤول إليه مسجد رسول الله ﷺ عن أبي لبيبة، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تغلب على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع فيمرّ الرجل ببابه فيريد أن يصلي فيه فلا يقدر عليه» (١). الذئب: أصله الهمز، وهو من المفترسات، - حكاه ابن كيسان - ويسمى الهصير والنهسر (٢). وعن عبد الله قال: «مسكن الخضر بيت المقدس، فيما بين باب الرحمة إلى أبواب الأسباط، وهو يصلي في كل جمعة في خمس مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ويصلي/في كل ليلة جمعة في مسجد الطور، ويأكل في كل جمعة أكلتين، ويشرب مرة من ماء زمزم، ومرة من جب سليمان ﵇ الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان». الخضر هو ابن آدم لصلبه، وهي رواية الضحاك، عن ابن عباس ﵄ (٣)، وقيل: هو الولد الرابع من أولاد آدم ﵇. حكاه أبو

стр. 463

جعفر الطبري (١). وقيل: اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇ (٢). وقيل: اسمه اليسع، وهذا ليس بشيء. واليسع اسم أعجمي (٣). وكان الخضر في أيام أفريدون الملك (٤)، وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القرنين اليوناني في أيام إبراهيم ﵇ (٥). وقيل: إن ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم ﵇ هو أفريدون الملك (٦). وقيل: إن الخضر ابن خالة ذي القرنين، وقيل: إنه من ولد من كان آمن بإبراهيم، وكانت أمه رومية وأبوه فارسي، وقيل: كان أبوه ملكا (٧). وقيل: هو من سبط هارون بن عمران، وأنه بعثه الله نبيا في أيام ناشية

стр. 464

ابن أموص ملك بني إسرائيل، وهذا بعيد، لأن ناشية كان في عهد بشتاسب في أيام بختنصر، وبين بختنصر وأفريدون دهرا طويلا (١). وقد صح أنه صاحب موسى بن عمران، وموسى إنما نبيء في عهد منوشهر الملك، وكان ملك منوشهر بعد ملك جده أفريدون، فدل هذا على خطأ من قال: إن الخضر هو أرميا بن خلقيا، فإن أرميا كان في أيام بختنصر، لأن من وفاة موسى إلى ابتداء ملك بختنصر تسعمائة وتسع وسبعين سنة ونبيء قبل موسى ﵇ (٢). وروى محمد بن أيوب أن الخضر ابن فرعون موسى، وهذا بعيد (٣). وقيل: إن الذي صحب الخضر موسى بن منشا، ولا يصح (٤). وذكر ابن الجوزي في كتابه «عجلة المنتظر في شرح حال الخضر»: أن الخضر ليس بباق، واحتج بقوله تعالى ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٥) ثم قال: فإن قيل: فالمسيح الدجال حي، فالجواب: إنه ولد بالمدينة الشريفة في

стр. 465

حياة رسول الله ﷺ /ثم يحيا إلى زمن المسيح وليس ذلك بطويل، قال: وإن صح أنه من ولد آدم لصلبه فله على بعض الحساب ستة آلاف سنة وأربعمائة سنة فكيف يكون حيا؟ (١). قلت: أما حجته بالآية الكريمة، فالحجة عليه بالآية نفسها، وذلك أنه ليس الخضر مخلدا في الدنيا، إذ الخلود لا موت معه، وقد جاء في الأخبار أنه يموت عند إرتفاع القرآن، ولا يسمى هذا خالدا، بل يسمى معمرا، فبطل ما احتج به، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن إبليس اللعين ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ (٢) ولم يقل خلدني، وها هو حيّ إلى قيام الساعة على أحد الأقوال. وقد أجبت بهذا القول ولم أسمع به ولم أظن أني سبقت إليه، فإذا القاضي تاج الدين بن عطاء الله - رحمه الله تعالى - رد على ابن الجوزي في هذه المسألة نفسها في كتابه «لطائف المنن» (٣) فوافق قولي قوله ولله الحمد والمنة (٤). قال الثعلبي: والخضر على جميع الأقوال نبي معمر محجوب عن الأبصار، وقيل في نبوته قولان (٥).

стр. 466

قال القرطبي: والجمهور على أنه غير باق، قال: والصحيح أنه حي (١)، ثم ذكر اجتماع إلياس مع النبي ﷺ ، فقال: وإذا جاز بقاء إلياس جاز بقاء الخضر (٢). وقال يحيى بن سلام: الخضر هو إلياس ولا يصح. وقيل: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل (٣). قال عمرو بن دينار: وإذا رفع القرآن مات الخضر وإلياس. وإلياس هو: ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (٤)، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، وكانوا يعبدون صنما يقال له بعل (٥). وقال ابن إسحاق: بعل امرأة (٦).

стр. 467

الصنم: جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب مصورة يعبدونها، قيل: إن كل ما يشغل عن الله فهو صنم (١). والجبت والطاغوت: أيضا كل معبود من دون الله، وقيل: الجبت السحر، وقيل: هما في سورة النساء رجلان: حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ (٢) أي في سبيل الشيطان (٣). والوثن: ما كان من غير صورة خلاف الصنم المصور (٤). وكان اسم الملك الذي أرسل إليه أجب، واسم امرأته أزبيل/وهي بنت ملك سبأ، قتلت يحيى بن زكريا، وخلص منها كاتب لها كان مؤمنا يكتم إيمانه - ثلثمائة نبي أرادت قتلهم سوى ما قتلت، وكانت تزوجت سبعة ملوك وقتلتهم، فغضب أجب على إلياس، فهرب إلياس سبع سنين، ثم استخفى عند أم يونس بن متى، ومات يونس حين فطم، فدعا الله تعالى إلياس، فأحيي يونس بعد أربعة عشر يوما من موته، وآمن به إليسع، ثم رفعه الله إليه واستخلف إليسع على بني إسرائيل، وقتل أجب وامرأته في بستان مزدك (٥). وقيل إن إلياس هو ذو الكفل، وقيل: هو زكريا، وقيل: كان عبدا صالحا.

стр. 468

عن عبد العزيز بن أبي داود قال: الخضر وإلياس يصومان رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم في كل عام (١). ورأى شخص إلياس بالأردن فقال له: كم الأبدال؟ فقال ستون رجلا: خمسون من لدن عرش مصر إلى شاطيء الفرات ورجلا بالمصيصة ورجل بعسقلان وسبعة في سائر البلدان، كلما ذهب الله بواحد جاء بآخر. وورد في الحديث أنهم ثلثمائة وأربعون وسبعة وقطب، فإذا مات القطب أبدل من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل من الثلاث مائة، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل من صلحاء المؤمنين. وعن الحارث قال: سمعت عليا ﵁ يقول: البدلاء بالشام والنجباء بمصر، والعصابة بالعراق، والنقباء بخراسان، والأوتاد بسائر الأرض والخضر سيد القوم. وقيل: إن الخضر يقضي إلى ثلاث ساعات من النهار بين أمم البحر، ويشهد الصلوات كلها في المسجد الحرام، ويتهجد بالسحر عند سد يأجوج ومأجوج. وفي سنة ثمان وأربعين أتانا شخص له اجتماعات بالخضر، وأتانا من عنده بثلاث تمرات، وأخبر أنه سكن مكة فلا يخرج منها وأن الدنيا تزوى له كل يوم ثلاث مرات مشرقها من مغربها، وقد كان عمي محمد بن عبد الله المرجاني أرسل كتابا إلينا ونحن بمكة في عشر الأربعين، وفيه: يا أخي يقول لوالدي رحمه الله تعالى/: اتق عن قلبك حب الدنيا، لعل أن ترى القطب فقد استوطن مكة في هذا الزمان واسمه عبد الله. وأما الإسكندر المذكور، الذي كان على مقدمته الخضر: فهو ذو القرنين

стр. 469

الإسكندر بن فلقيس من ولد إبراهيم ﵇، وهو أخو دارا بن دارا، وذلك أن دارا الأكبر بن بهمن تزوج أم الإسكندر، وكانت بنت ملك الروم واسمها هلايا (١). وقيل: كان أبوه فيلبوس اليوناني، وقيل: إن الإسكندر هو أخو دارا الأصغر، والصحيح: أن هذا هو الإسكندر اليوناني، والإسكندر الرومي هو المنسوب أولا، قيل: كان صالحا ولم يكن نبيا (٢)، وقيل: كان ملكا، وقيل: إنه من ولد يافث، وقيل: كان بعد ثمود، وقيل: كان في الفترة وهو بعيد. وبنى اثنى عشر مدينة: الإسكندرية، وثلاثة بخراسان هراة ومرو وسمرقند، ومدينة بأصبهان يقال لها: جيّ بنيت مثال الحية، ومدينة بالأرض اليونانية يقال لها هيلايوس، ومدينة ببابل (٣). يروى أنه لما نزل بالجبل الذي بين أرمينية وخراسان أصاب فيه مكانا يخرج منه الديلم والخوز، والترك، فصنع أبوابا من نحاس وحديد معجون، وكتب على الباب: أن الأمم يجتمعون وراء هذا الباب في سنة أربع وستين وثمانمائة من الألف الآخر الذي فيها العباد عند انقضاء العرب بكثرة الخطايا والذنوب يلحق الناس سخط من ربهم، فيرسل الله عليهم ملك يأجوج ومأجوج، فيجتمعون خلف هذا الباب فيدعون الله باسمه الأعظم فيسقط جميع ما صنعت من الأبواب والسد، فلا يحتاجون إلى مفتاح. حكاه وهب في كتاب «التيجان».

стр. 470

وهذا هو السد الذي بناه ذو القرنين (١). قال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السدّ بالفتح، وما كان من صنع الله فهو بالضم، بناه بلبن الحديد، طول اللبنة ذراع ونصف، وسمكها شبر، وحفر أساسه إلى الماء، وطول السد من الجبل إلى الجبل مائة فرسخ، وعرضه خمسون/فرسخا، وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وله باب من حديد مصراعان مغلقان، عرض كل مصراع خمسون ذراعا في إرتفاع خمسين، في ثخن خمسة أذرع، وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع، وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا، وفوق القفل بمقدار خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وقفيزاه [كل واحد منهما ذراعان] (٢) وعلى الغلق مصباح معلق بسلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار، وعتبة الباب [عرضها] (٣) عشرة أذرع في طول مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين والظاهر منهما خمسة أذرع، وارتفاع السد مائتان وخمسون ذراعا (٤). هذا كله بالذراع السوداء. ثم إن ذا القرنين توفى بشهرزور (٥)، وقيل: ببابل، وقيل: بدومة الجندل، وحمل إلى الإسكندرية فدفن بها وعمره ستا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاثين. حكاه

стр. 471

ابن الجوزي، وقال في «المنتخب»: إن عمره ألف وستمائة سنة، وقيل كان ملكه سبعة عشر سنة بعد ملك سليمان ﵇ بثمانين سنة، وملك وهو ابن اثنى عشرة سنة، وسار ما بين المشرق والمغرب في اثنى عشر سنة، وعاش بعدها ست سنين (١). وملكت بعده اليونانيون، فأول من ملك منهم: بطليموس بن لوغوس، وكان ملكه مائتان وثلاثون سنة (٢). قيل: ملك الأرض مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان، وذو القرنين، والكافران: بختنصر، ونمرود بن كنعان، وهو أول النماردة (٣). وجملة النماردة ستة (٤): هذا أحدهم وهو صاحب الخليل ﵇، عاش بعد إلقاء الخليل في النار أربعمائة سنة، وهو الذي مات بالبعوض (٥). الثاني: نمرود بن كوش، وهو صاحب النسور الذي حملته النسور في التابوت ليقاتل أهل السماء، وهو أول ملك كان في الأرض، الثالث: نمرود بن

стр. 472

ماش، الرابع: نمرود بن سنجاريب، الخامس: نمرود بن ساروغ، السادس: نمرود بن كنعان بن المصاص، أخذ أسيرا فقتل ببيت المقدس، وهو أول من /صلب من بني آدم. حكاه وهب. انتهى. يأجوج ومأجوج (١): رجلان من ولد يافث بن نوح ﵇، وقيل: إن آدم ﵇ احتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فلما انتبه أسف على ما خرج منه، فخلق الله من ذلك التراب يأجوج ومأجوج (٢). وهم خمس وعشرون قبيلة، وقيل: أمتان، وقيل: إنهم أربعون أمة لا يموت منهم ذكر حتى يخلف ألف إنسان، ولا أنثى حتى تخلف ألف أنثى، منهم من طوله مائة وعشرون ذراعا، ومنهم من هو طول الذراع، وعرضه وطوله سواء، ومنهم أصغر من ذلك، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه ويتغطى بالأخرى، ومنهم من هو مثل الأرز، وهو شجر طويل (٣).

стр. 473

الفصل السادس في ذكر حجر أزواج النبي ﷺ اعلم أنه لما بنى رسول الله ﷺ مسجده، بنى بيتين لزوجتيه عائشة، وسودة ﵄ على نعت بناء المسجد من لبن وجريد وكان لبيت عائشة ﵂ مصراع واحد من عرعر أو ساج، ولما تزوج النبي ﷺ نساءه بنى لهن حجرات، وهي تسعة أبيات، وهي ما بين بيت عائشة ﵂ إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ (١). قال أهل السير: «ضرب رسول الله ﷺ الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من جهة المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد» (٢). قال عمران بن أبي أنس: «كان منها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر» (٣). قال ابن النجار (٤): «وذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع، وكان الناس يدخلون حجر أزواج النبي ﷺ بعد وفاته يصلون فيها يوم الجمعة - حكاه مالك - وقال: وكان المسجد يضيق عن أهله وحجرات أزواج

стр. 474

النبي ﷺ ، ليست من المسجد ولكن أبوابها شارعة فيه». وقالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ ، إذا اعتكف /يدني إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» (١). وعن عبد الله بن يزيد الهذلي قال: «رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ ، حين هدمها عمر بن عبد العزيز، كانت بيوتا باللبن، ولها حجر من جريد، ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله ﷺ ، دومة الجندل بنت أم سلمة بابها وحجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله ﷺ ، نظر إلى اللبن فقال: ما هذا البناء؟ فقالت: أردت أن أكفّ أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان» (٢). وقال عطاء الخراساني: «أدركت حجر أزواج النبي ﷺ ، من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخالهم في المسجد، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم، قال عطاء: وسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم يتركونها على حالها يغشاها ناس من أهل المدينة، فيقدم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ ، في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر، وقال يزيد بن أبي أمامة: ليتها تركت حتى يقصر الناس عن البنيان، ويروا

стр. 475

ما رضي الله لنبيه ﷺ ، ومفاتيح الدنيا بيده» (١). وأما بيت فاطمة ﵂: فإنه كان خلف بيت النبي ﷺ ، عن يسار المصلى إلى القبلة، وكان فيه خوخة إلى بيت النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ ، إذا قام من الليل إلى المخرج اطلع منه يعلم خبرهم، وكان رسول الله ﷺ ، يأتي بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه ويقول: الصلاة الصلاة (٢) ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣). والرجس والرجز شيء واحد - حكاه العزيزي - والرجز الشيء القذر، وقيل: النتن، وقيل: العذاب (٤). والرجس على أربعة أوجه: إما من خبث الطبع، وإما من جهة الشريعة، وإما من جهة/العقل، وإما من كل ذلك. أما من جهة الشرع: فكلحم الخنزير، وأما من جهة العقل: فالخمر والميسر القمار، وعلى ذلك نبه بقوله تعالى ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ (٥) فكلما ترقى إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه، وأما من جهة الطبع والجملة: فكالميتة، فإنها تعاب طبعا وشرعا وعقلا. حكاه الراغب. والرجز بكسر الزاي وضمها واحد وتفسيره الأوثان (٦).

стр. 476

عن عمر بن أبي سلمة قال: لما نزلت ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١) الآية، وذلك في بيت أم سلمة، دعا رسول الله ﷺ ، فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهما بكساء وعليّ خلف ظهره، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» (٢). قال محمد بن قيس: «وكان النبي ﷺ ، إذا قدم من سفر أتى فاطمة، فدخل عليها وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر وصنعت مسكتين (٣) من ورق فضة وقرطين، وسترا لباب بيتها لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم رسول الله ﷺ ، دخل عليها، ووقف أصحابه على الباب، فخرج وقد عرف الغضب في وجهه، وفطنت فاطمة إنما فعل ذلك لما رأى المسكتين والقلادتين والستر، فنزعت قرطيها وقلادتيها ومسكتيها ونزعت الستر [وأنفذت به] (٤) إلى رسول الله ﷺ ، فقالت للرسول: قل له تقرأ عليك إبنتك السلام وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله، فلما أتاه قال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، لو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، ثم قام فدخل عليها» (٥).

стр. 477

قال محمد بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي ﵃: «لما أخذ رسول الله ﷺ ، الستر شقه لكل إنسان من أصحابه ذراعين ذراعين» (١). قال الحافظ محب الدين بن النجار (٢): «وبيتها اليوم حوله مقصورة، وفيه محراب، وهو خلف حجرة النبي ﷺ ». قلت: وهو اليوم أيضا على ذلك (٣). الفصل السابع في ذكر مصلى رسول الله ﷺ روى عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ ، يطرح حصيرا كل ليلة إذا انكفت (٤) الناس وراء بيت علي ﵁، ثم يصلي صلاة الليل. قال عيسى: وذلك موضع الأسطوان الذي مما يلي الدورة (٥)

стр. 478

على طريق النبي ﷺ » (١). وعن سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: «مر بي محمد بن الحنفية وأنا أصلي إليها فقال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها، فإنها كانت مصلى رسول الله ﷺ من الليل، ثم قال: قلت هذه الأسطوانة، قال: نعم» (٢). قال الشيخ جمال الدين (٣): «وهذه الأسطوانة خلف بيت فاطمة ﵂، والواقف المصلي إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره وحولها الدرابزين الدائر على حجرة النبي ﷺ ، [وبيت فاطمة رضوان الله عليها] (٤) وقد كتب فيها بالرخام: هذا متهجد النبي ﷺ ». قال الحافظ محب الدين (٥): «وبيت فاطمة ﵂، من جهة الشمال، وفيه محراب إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى باب عثمان ﵁». الهاجد: المصلي بالليل والنائم، وهذا من المتضادة باسم واحد ومنه: الجون: الأسود والأبيض، والصريم: الصبح والليل، والسدفة:

стр. 479

الظلمة والضوء، والجلل: الشيء الصغير والكبير، والناهل: العطشان والريان، والماثل: القائم واللاطي بالأرض، والصارخ: المستغيث والمغيث، والرهوة: الإرتفاع والإنحدار، والتلعة: مجرى الماء من الوادي وهي ما انهبط من الأرض، والأهماد: السرعة في السير والإقامة، والخناذيد: خصيان الخيل والفحول، والظن: يقين وشك، والإقراء: الطهر والحيض، والمفرع في الجبل: المصعد والمنحدر، ووراء: يكون خلف وأمام ومنه قوله تعالى ﴿وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (١) أي أمامهم، وفوق: بمعنى فوق ودون، وأسررت الشيء: أخفيته وأعلنته، ودنوت الشيء: أي شددته/ورخّيته، وأخفيت الشيء: أظهرته وكتمته، وشعبت الشيء: جمعته وفرقته، وبعت الشيء: بعته واشتريته، وعسعس الليل: إذا أقبل ظلمه وأدبر (٢). الفصل الثامن في ذكر قصة الجذع عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ، يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها، فلما كثر الناس قالوا: ابنوا له منبرا، فبنوا له منبرا له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى

стр. 480

رسول الله ﷺ ، قال أنس: فأنا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت، فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه لمكانه من الله ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» (١). وعن جابر بن عبد الله: «كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار» (٢). وفي رواية أنس: حتى ارتج المنبر بخواره. وروي: بجواره. بالجيم (٣). وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به (٤). وفي رواية المطلب: حتى تصدع وانشق، حتى جاء النبي ﷺ ، فوضع يده عليه فسكت (٥). وزاد غيره: فقال النبي ﷺ : «إن هذا بكى لما فقد من الذكر» (٦).

стр. 481

وزاد غيره: فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله ﷺ ، فأمر به النبي ﷺ ، فدفن تحت المنبر» (١). كذا في حديث المطلب، وسهل بن سعد، وإسحاق عن أنس (٢). وفي بعض الروايات: جعل في السقف (٣)، وقيل: كان النبي ﷺ ، إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي، فكان عنده إلى أن أكلته الأرض (٤). وذكر الأسفراييني: أن النبي ﷺ دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه/ثم أمره فعاد إلى مكانه (٥). الأسفراييني هو: أبو حامد أحمد بن أبي طاهر، ينسب إلى أسفرائن (٦) بلدة بخراسان بنواحي نيسابور، توفي سنة ست وأربعمائة (٧). وفي حديث بريدة قال: «- يعني النبي ﷺ إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة،

стр. 482

وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك، ثم أصغى له النبي ﷺ يسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة يأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه ومن يليه، فقال النبي ﷺ : قد فعلت ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء» (١). قالت عائشة ﵂: «لما قال له النبي ﷺ ذلك غار الجذع فذهب» (٢). وقصة الجذع نظير إحياء الموتى لعيسى ﵇ (٣). وقال ابن أبي الزناد: «ولم يزل الجذع على حاله زمان رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما هدم عثمان ﵁ المسجد اختلف في الجذع، فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب، ومنهم من قال: دفن في موضعه» (٤). قال الحافظ محب الدين (٥): «وكان الجذع في موضع الأسطوانة المخلقة عن يمين محراب النبي ﷺ عند الصندوق». وذكر الشيخ جمال الدين (٦): «أنه كان لاصقا بجدار المسجد القبلي في

стр. 483

موضع كرسي الشمعة اليمنى التي عن يمين المصلى في مقام النبي ﷺ ، والأسطوانة التي قبلي الكرسي مقدمة عن موضع الجذع فلا يعتمد على قول من جعلها موضع الجذع، وفي الأسطوانة خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص بموضع كان في حجر من حجارة الأسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض، والخشبة ظاهرة، تقول العامة: هذا الجذع [الذي حن إلى رسول الله ﷺ ] (١) وليس كذلك، بل هو من جملة البدع التي تجب إزالتها لئلا يفتتن بها [الجهال] (٢) كما أزيلت الجذعة التي في المحراب القبلي، فإن الشيخ أبا حامد ﵀، لما ذكر مصلّى رسول الله ﷺ حققه بقوله:/إذا وقف المصلي في مقام النبي ﷺ ، تكون رمانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن ويجعل الجذعة التي في القبلة بين عينيه، فيكون واقفا في مصلى رسول الله ﷺ ». قال الشيخ جمال الدين (٣): «وذلك قبل إحتراق المسجد الشريف وقبل أن يجعل هذا اللوح القائم في قبلة مصلى رسول الله ﷺ ، وإنما جعل بعد حريق المسجد، وكان يحصل بتلك الجذعة تشويش كثير وذلك أنهم كانوا يقولون هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت عالية، فتتعلق النساء والرجال إليها، فلما كانت سنة إحدى وسبعمائة جاور الصاحب زين أحمد بن محمد بن علي المعروف بابن حنّا، فأمر بقلعها، فقلعت، وهي اليوم في حاصل الحرم الشريف، ثم توجه إلى مكة في أثناء السنة، فرأى أيضا ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام من الرجال والنساء الإستمساك بالعروة الوثقى في زعمهم، فأمر بقلع ذلك المثال أيضا والحمد لله وحده».

стр. 484

الفصل التاسع في ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين مصلى رسول الله ﷺ وهو الجذع المتقدم ذكره (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «روى عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذي في مقام النبي ﷺ ، فلم نعثر على أحد يذكر لنا عنه شيئا، حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة: أنه جلس إلى جنبه أنس بن مالك فقال: أتدري لم صنع هذا العود؟ - ولم أسأله - فقلت: ما أدري، قال: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول: استووا وعدلوا صفوفكم، فلما توفي رسول الله ﷺ ، سرق العود، فطلبه أبو بكر، فلم يجده، ثم وجده عمر عند رجل من الأنصار بقباء قد دفنه في الأرض فأكلته الأرضة، فأخذ له عودا فشقه وأدخله فيه ثم شعبه ورده إلى الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة/وهو الذي في المحراب اليوم باق، قال مسلم بن حباب: كان ذلك العود من طرفاء الغابة، وقيل: بل كان الجذع المذكور». قلت: والله أعلم أن هذا الجذع الذي ذكره ابن النجار، وأنه في القبلة باق اليوم، لعله الذي قاس به الغزالي وقلعه ابن حنّا» (٣). قال الشيخ جمال الدين (٤): «وكان ذلك قبل حريق المسجد الشريف».

стр. 485

الفصل العاشر في ذكر منبر النبي ﷺ وفضله عن ابن أبي حازم: «أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله أني لأعرف من أي عود هو ومن عمله؟ ورأيت رسول الله ﷺ أول من جلس عليه، فقلت له فحدثنا فقال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاث الدرجات، ثم أمر رسول الله ﷺ ، فوضعت هذا الموضع، وهي من طرفاء الغابة» (١). الطرفاء: شجر يشبه الأثل، إلا أن الأثل أعظم منه (٢). وعن جابر بن عبد الله: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : «يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، فقال: إن شئت، فعمل له المنبر» (٣). وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ ، لما بدن قال له تميم الداري: «ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى،

стр. 486

قال: فاتخذ له منبرا مرقاتين» (١). قوله بدن: أي أسن وضعف، وقد اختلفت الرواية في بدن رووه مخففا بضم الدال من قولهم بدن يبدن بدانة، وبدن بفتح الدال يبدن بدنا، والبدانة والبدن والبدن: السمن والاكتناز، ورووه بفتح الدال وتشديدها من التبدين يعني مسه الكبر وأسن، وهذه الرواية التي يرتضيها أهل العلم لأن النبي ﷺ لا يوصف بالسمن والإكتناز، وقد قال ﵇: «قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود» (٢)، فاختاروا تشديد الدال، ومن خفف صحف (٣). قاله أبو عبيد في غريب الحديث. وعن/ابن أبي الزناد (٤) «أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما فقال: إن القيام قد شق عليّ وشكى ضعفا في رجليه، فقال له تميم الداري - وكان من أهل فلسطين - يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ قال: فلما أجمع رسول الله ﷺ وذوو الرأي من أصحابه على اتخاذه، قال العباس بن عبد المطلب إن لي غلاما - يقال له كلاب - أعمل الناس، فقال له النبي ﷺ : فمره يعمل، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عملها درجتين ومجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه

стр. 487

في موضعه اليوم، ثم راح رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حنّ الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة حتى ارتاع الناس وقام بعضهم على رجليه، وأقبل رسول الله ﷺ حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المنبر فقام عليه» (١). وقد روى أن اسم هذا الغلام الذي صنع المنبر مينا - بياء ساكنة مثناة من أسفل بعدها نون (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: «عمله صباح غلام العباس بن عبد المطلب» (٣). قال الواقدي: «وذلك في السنة الثامنة من الهجرة، اتخذه درجتين ومقعدة» (٤). قال ابن أبي الزناد: «كان رسول الله ﷺ يجلس على المنبر ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر ﵁ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى، فلما ولي عمر ﵁ قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان ﵁ فعل كما فعل عمر ﵁ ست سنين، ثم علي فجلس موضع النبي ﷺ ، وكسى المنبر قبطية» (٥).

стр. 488

وذكر الشيخ محب الدين (١)، عن محمد بن الحسن بن زبالة قال: «كان طول منبر النبي ﷺ الأول في السماء ذراعين وشبرا وثلاثة أصابع، وعرضه ذراع راجح/وطول صدره وهو مستند النبي ﷺ ذراع، وطول رمانتي المنبر الذي كان يمسكها ﷺ إذا جلس يخطب شبرا وأصبعان، وعرضه ذراع في ذراع أو يزيد وتربيعه سواء، وعدد درجاته ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاث». قال الشيخ جمال الدين (٢): «هذا ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ ، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فلما حج معاوية ﵁ في خلافته كساه قبطية، ثم كتب إلى مروان بن الحكم - وهو عامله على المدينة -: أن أرفع المنبر عن الأرض، فدعى النجارين ورفعوه عن الأرض وزادوا من أسفله ست درجات ورفعوه عليها، فصار للمنبر تسع درجات بالمجلس، قال ابن زبالة: ثم لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده». قال الشيخ جمال الدين (٣): «هذا في زمان محمد بن زبالة، وروي أيضا عن ابن زبالة: أن طول منبر النبي ﷺ بما زيد فيه أربعة أذرع، ومن أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر، وذكر ابن زبالة أيضا: أن المهدي بن المنصور لما حج سنة إحدى وستين ومائة، قال للإمام مالك بن أنس ﵀: أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ على حاله الأول، فقال له مالك: إنما هو من

стр. 489

طرفاء، وقد شد إلى هذه العيدان وسمر، فمتى نزعته خفت أن يتهافت فلا أرى تغييره، فتركه المهدي على حاله، قيل: إن المهدي فرق في هذه الحجة ثلاثين ألف ألف درهم، ومائة ألف وخمسين ألف ثوب، وحمل إليه الثلج من بغداد إلى مكة، وكسي البيت الحرام ثلاث كساوي، بيضاء وحمراء وسوداء». توفي بماسبذان (١) بموضع يقال له: الرذ في المحرم سنة تسع وستين ومائة (٢). قال الشيخ جمال الدين (٣): «وذكر لي يعقوب بن أبي بكر بن أوحد - من أولاد المجاورين بالمدينة الشريفة وكان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد الشريف وهو الذي كان حريق المسجد على يديه واحترق أيضا في حاصل الحرم -: أن هذا المنبر الذي زاده معاوية ورفع منبر/النبي ﷺ وجد قد تهافت على طول الزمان، وأن بعض خلفاء بني العباس جدده، واتخذوا من بقايا أعواد منبر النبي ﷺ أمشاطا للتبرك بها وعمل المنبر الذي ذكره ابن النجار أولا، فإنه قال في تاريخه (٤): وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاثة

стр. 490

أصابع، والدكة التي هو عليها من رخام طولها شبر وعقد، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع، وقد زيد فيه اليوم عتبتان، وجعل عليه باب يفتح يوم الجمعة». قال الشيخ جمال الدين (١): «فدلّ ذلك على أن المنبر الذي احترق غير المنبر الأول الذي عمله معاوية ﵁ ورفع منبر النبي ﷺ فوقه، قال الفقيه يعقوب بن أبي بكر: سمعت ذلك من جماعة ممن أدركت بأن بعض الخلفاء جدد المنبر، واتخذوا من بقايا أعواده أمشاطا، وأن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور، وهو الذي أدركه الشيخ محب الدين قبل إحتراق المسجد الشريف، فإن الحافظ محب الدين كتب التاريخ في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة (٢)، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكان إحتراق المسجد ليلة الجمعة أول رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة». كما سيأتي (٣). قال الشيخ جمال الدين (٤): «ثم إن الملك المظفر عمل منبرا، وأرسله في سنة ست وخمسين وستمائة، ونصب في موضع منبر النبي ﷺ ، رمانتاه من الصندل، ولم يزل إلى سنة ست وستين وستمائة عشر سنين يخطب عليه، ثم إن الملك الظاهر أرسل هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن [وحمل] (٥) إلى حاصل الحرم، وهو باق فيه، ونصب هذا مكانه، وطوله أربعة

стр. 491

أذرع، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلا، وعدد درجاته سبع بالمقعد، والمنقول: أن ذرع ما بين المنبر الشريف ومصلى رسول الله ﷺ الذي كان يصلي فيه إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه أربعة عشر ذراعا». الملك المظفر - المذكور - وهو أبو المنصور شمس الدين يوسف بن عمر - من ولد جبلة بن الأيهم الغساني، ملك من حضرموت إلى حجر، ومن ملك مثل ذلك سمي تبعا - وفاته سنة أربع/وتسعين وستمائة (١)، وملك بعده الملك المؤيد داود بن يوسف بن علي، ضمت خزانته من الكتب ما ينيف على مائة ألف مجلد، وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة (٢). ثم تولى بعده المظفر، ثم قوى عليه الملك المجاهد، وهو ملكها الآن. وأما الملك الظاهر: فهو ركن الدين بيبرس الصالحي، ويعرف بالبندقداري، توفي بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة (٣)، وملك بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين بركة (٤)، وخلع، ثم ملك بعده قلاوون الملك المنصور (٥)،

стр. 492

ثم ولي بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون (١). ما جاء في فضل منبر النبي ﷺ : عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «منبري على حوضي» (٢). قال الخطابي معناه: من لزم عبادة الله عنده سقى من الحوض يوم القيامة، وكذلك قال الباجي (٣). قال الحافظ محب الدين (٤): «والذي أراه أن المعنى: أن هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه الله على حوضه، كما يعيد الخلائق أجمعين، وهو الأظهر، وقد يحتمل أن يكون له هناك منبر». وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٥). وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن قوائم المنبر لرواتب في الجنة». وكان عند المنبر وسمعته يقول: «إنى لعلى

стр. 493

حوضي الآن» (١). قلت: ويمكن أن يكون حوضه ﷺ يوم القيامة في تلك البقعة. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «منبري على ترعة من ترع الجنة» (٢). وهذا يقوي ما ذكرناه. قال القاسم بن سلام: في الترعة ثلاثة أقوال: «أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المنخفض فهي روضة، والثاني: أنها الباب، والثالث: أنها الدرجة» (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمه/ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار» (٤). قال مالك ﵀ (٥): «ولا أرى أن يحلف على المنبر على أقل من ربع دينار، وذلك ثلاثة دراهم، وهو الذي يجب فيه القطع، ورئي ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي ﷺ ، من المنبر، ثم وضعها على وجهه تبركا بذلك».

стр. 494

إشارة: روى من حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «حوضي ما بين صنعاء والمدينة، أو مثل ما بين المدينة وعمان أو ما بين عدن وعمان» (١) وفي أخرى: «زواياه سواء ما بين زاوية وزاوية مسيرة شهر كيزانه مثل عدد النجوم» (٢). وفي حديث أنس: «مسيرته ما بين مكة وبيت المقدس له ميزابان من الجنة» (٣). وفي رواية: «طوله ما بين عمان إلى أيلة» (٤) عمان بفتح العين وضمها، وهي أول مدينة افتتحها موسى ﵇ (٥). وفي رواية: «مثل ما بين أيلة وصنعاء» (٦) وفي رواية: «كما بين الكوفة والحجر الأسود» (٧) وفي رواية: «كما بين جرباء وأذرح» (٨) قال عبد الله:

стр. 495

فسألته فقال: قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال. قيل: إن هذا الحوض هو الكوثر، وقيل: الكوثر نهر في الجنة، وقيل: الخير الكثير، وقيل: الشفاعة، وقيل: النبوة. وعن حذيفة فيما ذكر ﵇ [عن ربه:] وأعطاني الكوثر نهرا من الجنة يسيل في حوضي. وقالت عائشة ﵂: الكوثر نهر في الجنة من أراد أن يسمع هديره فليجعل إصبعيه في أذنيه. وقال عطاء: الكوثر حوضه ﵇ في الموقف. وذهب صاحب «القوت» إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو الصراط. قال القرطبي: والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما: في الموقف
следующие страницы →