← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أذرع، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلا، وعدد درجاته سبع بالمقعد، والمنقول: أن ذرع ما بين المنبر الشريف ومصلى رسول الله ﷺ الذي كان يصلي فيه إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه أربعة عشر ذراعا». الملك المظفر - المذكور - وهو أبو المنصور شمس الدين يوسف بن عمر - من ولد جبلة بن الأيهم الغساني، ملك من حضرموت إلى حجر، ومن ملك مثل ذلك سمي تبعا - وفاته سنة أربع/وتسعين وستمائة (١)، وملك بعده الملك المؤيد داود بن يوسف بن علي، ضمت خزانته من الكتب ما ينيف على مائة ألف مجلد، وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة (٢). ثم تولى بعده المظفر، ثم قوى عليه الملك المجاهد، وهو ملكها الآن. وأما الملك الظاهر: فهو ركن الدين بيبرس الصالحي، ويعرف بالبندقداري، توفي بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة (٣)، وملك بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين بركة (٤)، وخلع، ثم ملك بعده قلاوون الملك المنصور (٥)،

стр. 492

ثم ولي بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون (١). ما جاء في فضل منبر النبي ﷺ : عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «منبري على حوضي» (٢). قال الخطابي معناه: من لزم عبادة الله عنده سقى من الحوض يوم القيامة، وكذلك قال الباجي (٣). قال الحافظ محب الدين (٤): «والذي أراه أن المعنى: أن هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه الله على حوضه، كما يعيد الخلائق أجمعين، وهو الأظهر، وقد يحتمل أن يكون له هناك منبر». وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٥). وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن قوائم المنبر لرواتب في الجنة». وكان عند المنبر وسمعته يقول: «إنى لعلى

стр. 493

حوضي الآن» (١). قلت: ويمكن أن يكون حوضه ﷺ يوم القيامة في تلك البقعة. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «منبري على ترعة من ترع الجنة» (٢). وهذا يقوي ما ذكرناه. قال القاسم بن سلام: في الترعة ثلاثة أقوال: «أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المنخفض فهي روضة، والثاني: أنها الباب، والثالث: أنها الدرجة» (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمه/ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار» (٤). قال مالك ﵀ (٥): «ولا أرى أن يحلف على المنبر على أقل من ربع دينار، وذلك ثلاثة دراهم، وهو الذي يجب فيه القطع، ورئي ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي ﷺ ، من المنبر، ثم وضعها على وجهه تبركا بذلك».

стр. 494

إشارة: روى من حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «حوضي ما بين صنعاء والمدينة، أو مثل ما بين المدينة وعمان أو ما بين عدن وعمان» (١) وفي أخرى: «زواياه سواء ما بين زاوية وزاوية مسيرة شهر كيزانه مثل عدد النجوم» (٢). وفي حديث أنس: «مسيرته ما بين مكة وبيت المقدس له ميزابان من الجنة» (٣). وفي رواية: «طوله ما بين عمان إلى أيلة» (٤) عمان بفتح العين وضمها، وهي أول مدينة افتتحها موسى ﵇ (٥). وفي رواية: «مثل ما بين أيلة وصنعاء» (٦) وفي رواية: «كما بين الكوفة والحجر الأسود» (٧) وفي رواية: «كما بين جرباء وأذرح» (٨) قال عبد الله:

стр. 495

فسألته فقال: قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال. قيل: إن هذا الحوض هو الكوثر، وقيل: الكوثر نهر في الجنة، وقيل: الخير الكثير، وقيل: الشفاعة، وقيل: النبوة. وعن حذيفة فيما ذكر ﵇ [عن ربه:] وأعطاني الكوثر نهرا من الجنة يسيل في حوضي. وقالت عائشة ﵂: الكوثر نهر في الجنة من أراد أن يسمع هديره فليجعل إصبعيه في أذنيه. وقال عطاء: الكوثر حوضه ﵇ في الموقف. وذهب صاحب «القوت» إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو الصراط. قال القرطبي: والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما: في الموقف

стр. 496

قبل الصراط، والثاني: في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرا، والصحيح أيضا أن الحوض قبل الميزان (١). وقيل: للنبي ﷺ ثلاثة حيضان ولا يصح. وحيضان الأنبياء ﵈ في الموقف قبل الصراط ويبعث الله سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء ﵈. الفصل الحادي عشر في ذكر الروضة وما جاء في فضلها عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما بين منبري هذا وقبري روضة من رياض الجنة» (٢). قال الخطابي: معناه: من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنة (٣). وقال الحارث بن أسد المحاسبي: لم يرد بقوله: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة: أن الجنة في الأرض، وإنما أراد أن الجنة تجب لمن صلى بين قبره ومنبره تعظيما لتلك البقعة، واحتج بقول أبي الدرداء: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. يعني حلق الذكر. وقيل: في قوله: روضة من رياض الجنة معنيان: أحدهما: أنه موجب

стр. 497

لذلك وأن الصلاة والدعاء فيه يستحق ذلك الثواب كما قيل في الجنة تحت ظلال السيوف، الثاني: أن تكون البقعة قد ينقلها الله تعالى فتكون في الجنة بعينها (١). قاله الداودي. قال الحافظ محب الدين (٢): «والذي يقوى عندي أن يكون هذا الموضع بعينه روضة في الجنة يوم القيامة. وقال أبو عمر بن عبد البر معناه: أن النبي ﷺ كانت الصحابة تقتبس منه العلم في ذلك الموضع وهو مثال الروضة». قال الحافظ محب الدين (٣): «ويؤيده قول النبي ﷺ : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين حجرتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (٤). وعن محمد بن المنكدر قال: «رأيت جابرا وهو يبكي عند قبر رسول الله ﷺ ، وهو يقول: هاهنا نسكب العبرات، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» (٥).

стр. 498

وعن عبد الله بن زيد المازني، أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (١). قال القاضي عياض (٢): «قال الطبري: فيه معنيان، أحدهما: أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر/مع أنه روي ما يبينه: ما بين حجرتي ومنبري، والثاني: أن البيت هنا القبر، وهو قول زيد بن أسلم في هذا الحديث كما روى: بين قبري ومنبري، قال الطبري: وإذا كان قبره في بيته اتفقت معاني الروايات ولم يكن بينها خلاف، لأن قبره ﷺ في حجرته، وهو بيته». وعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» (٣). سمعت والدي ﵀ يقول: سمعت بعض خدام الحجرة الشريفة يقول: انتبهت مرة من النوم، وأنا بالمسجد النبوي، فوجدت قناديل الروضة الشريفة قد أطفاهم الريح في ليلة شديدة الريح، فقمت وناديت فلانا - سماه - وقلت له: قم بنا نسرج قناديل الروضة، فإن الريح قد أطفأهم، فأشعلت الفتيلة، وأخذت العود، وسرنا إلى الروضة، فالتفتنا إلى القناديل، فإذا هي جميعها تسرج، قال: فتعجبنا من ذلك، وإذا بصوت من جانب المسجد يقول: اذهبوا فارقدوا، أتظنون أن للمسجد خداما إلا أنتم؟

стр. 499

الفصل الثاني عشر في ذكر سد الأبواب الشوارع في المسجد الشريف عن أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ، أن يكون عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا تبكي، إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» (١). وكان باب أبي بكر ﵁ في غربي المسجد» (٢). وروى ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ : «أمر بالأبواب كلها فسدت إلا باب عليّ ﵁» (٣) فسدت.

стр. 500

الفصل الثالث عشر في ذكر تجمير المسجد الشريف وتخليقه ذكر أهل السير: أن عمر بن الخطاب أتى بسفط/من عود، فلم يسع الناس فقال: اجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «فبقيت سنة في الخلفاء إلى اليوم، يؤتى في كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند منبر النبي ﷺ من خلفه إذا كان الإمام يخطب، قالوا: وأتى عمر ﵁ بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام، فكان يجمر بها المسجد ثم توضع بين يديه، فلما قدم إبراهيم بن يحيى واليا على المدينة غيّرها وجعلها ساذجا» (٣). قال الحافظ محب الدين (٤): «وهي في يومنا هذا منقوشة». قلت: «وكذلك هي مستمرة إلى يومنا هذا» (٥).

стр. 501

وأما تخليقه: فروي أن عثمان بن مظعون ﵁، تفل في المسجد، فأصبح كئيبا، فقالت له امرأته: «ما لي أراك كئيبا؟ فقال: لا شيء إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها، ثم خلقتها، فكان أول من خلّق القبلة» (١). وقال جابر بن عبد الله: «أول من خلّق القبلة عثمان بن عفان ﵁» (٢). ثم لما حجت الخيزران - أم موسى، وهارون الرشيد - في سنة سبعين ومائة، أمرت بالمسجد الشريف أن يخلق، فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة، فخلّقته جميعه، وخلّقت الحجرة الشريفة جميعها (٣).

стр. 502

الفصل الرابع عشر في منع آكل الثوم من دخول المسجد الشريف والنهي عن رفع الصوت فيه، وإخراج الحصباء منه. وجواز النوم والصلاة على الجنائز فيه [كراهة دخول آكل الثوم المسجد الشريف:] (١) روى البخاري في الصحيح (٢): «أن النبي ﷺ قال: من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا». وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم» (٣). النهي عن رفع الصوت فيه: روى البخاري في الصحيح (٤): أن السائب بن يزيد قال: «كنت قائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب ﵁،

стр. 503

فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما، ومن أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة/لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ ». وعن ابن حميد قال: «ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا ﵀ في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدّب قوما فقال ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (١) الآية، ومدح قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ (٢) الآية، وذمّ قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ (٣) الآية، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ وأدعو؟ فقال له مالك ﵀: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله إلى يوم القيامة» (٤). وعن عبد العزيز بن أبي حازم، ونوفل بن عمارة قالوا: «ان عائشة كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطنبة بمسجد رسول الله ﷺ ، فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله ﷺ . قال: وما عمل عليّ ﵁ مصراعي داره إلا بالمناصع (٥) /توقيا لذلك» (٦).

стр. 504

وروي أن بعض نساء النبي ﷺ ، دعت نجارا يغلق ضبة لها، وأن النجار ضرب المسمار ضربا شديدا، وأن عائشة ﵂ صاحت بالنجار، فكلمته كلاما شديدا وقالت: «ألم تعلم أن حرمة رسول الله ﷺ ميتا كحرمته إذا كان حيا، فقالت الأخرى: وماذا سمع رسول الله ﷺ من هذا؟ قالت عائشة [﵂:] (١) إنه ليؤذى رسول الله ﷺ صوت هذا الضرب اليوم كما يؤذيه لو كان حيا» (٢). وفي حديث المغيرة: «كان أصحاب النبي ﷺ ، يقرعون بابه بالأظافر» (٣). النهي عن إخراج الحصباء منه ومن غيره: عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد» (٤). جواز النوم فيه: روي عن عبد الله بن عمر ﵄: «أنه كان ينام في المسجد، وهو شاب عزب لا أهل له» (٥). وروي أيضا من حديث سهل بن سعد قال: «جاء رسول الله ﷺ إلى بيت فاطمة ﵂، فلم يجد عليا ﵁، فقال: أين ابن

стр. 505

عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر [أين] (١) هو؟ فجاء فقال يا رسول الله: هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه - وأصابه تراب - فجعل رسول الله ﷺ [يمسح عنه] (٢) ويقول: قم يا أبا تراب». فصارت له كنية (٣). كنيت الرجل، وكنوته لغتان (٤). قالوا: وكان أصحاب الصفّة يبيتون في المسجد مع القيام بحرمته، والنوم في المسجد مباح، ويجوز النسخ به و، الأكل فيه (٥). حكاه ابن عبد السلام. جواز الصلاة على الجنازة فيه: عن عائشة ﵂ قالت: «والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه» (٦). البيضاء أمهم، واسمها: دعد. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ لما توفي

стр. 506

سعد بن أبي وقاص قالت: «ادخلوا به في المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد» (١). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه» (٢). الفصل الخامس عشر في ذكر موضع تأذين بلال ﵁ روى ابن إسحاق أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر عليه الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن (٣). وذكر أهل السير: أن بلالا كان يؤذن على أسطوان في قبلة المسجد يرقى إليها بأقتاب، وهي قائمة/إلى الآن في منزل عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (٤).

стр. 507

وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان بلال يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد قال: فكان يرقى على أقتاب فيها فكانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ ، لم تكن فيه وليست فيه اليوم، وكان يؤذن بلال - وقيل: معه - عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وأذن بعدهم سعد بن عائذ مولى عمار بن ياسر، وهو سعد القرظ (١)، [وسمي سعد القرظ،] (٢) لأنه كان إذا اتجر في شيء وضع فيه فاتجر في القرظ، فربح فلزم التجارة فيه (٣). جعله رسول الله ﷺ مؤذنا بقباء، فلما مات رسول الله ﷺ ، وترك بلال الآذان، نقل أبو بكر ﵁ سعد هذا إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات، وتوارث عنه بنوه الآذان فيه إلى زمن مالك ﵀، وبعده أيضا» (٤). وقد قيل: إن الذي نقله إلى المدينة للأذان عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: إنه كان يؤذن للنبي ﷺ ، واستخلفه [بلال] (٥) على الآذان في خلافة عمر ﵁، حين خرج بلال إلى الشام (٦).

стр. 508

وقال خليفة بن خياط (١): «أذن لأبي بكر ﵁ سعد القرظ مولى عمار بن ياسر إلى أن مات أبو بكر، وأذن بعده لعمر ﵁». حكاه ابن عبد البر في الإستيعاب (٢). الفصل السادس عشر في ذكر أهل [الصفة] (٣) روى البخاري في صحيحه (٤): «أن أهل الصفّة كانوا فقراء». وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لقد رأيت سبعين من أهل الصفّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء وقد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته» (٥).

стр. 509

وروى أهل السير: أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: ألا تفرق هذه الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك من كل حائط قنو ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى، فكان كل من جذّ ماله جاء بقنو، فجعله في [المسجد] (١) بين ساريتين، فجعل الناس يفعلون ذلك، وكان معاذ [بن جبل] (٢) يقوم عليه، وكان [يجعل عليه] (٣) حبلا بين الساريتين، ثم يعلق الأقناء، فيأكلون حتى يشبعون، ثم ينصرفون، ويأتي غيرهم [فيفعل] (٤) لهم مثل ذلك، فإذا كان الليل فعل مثل ذلك (٥). القنو: جمعه أقناء، وقنو، وهو: العثكال، وهو العذق بلغة أهل المدينة (٦). والعذق: بكسر العين وبفتح العين: النخلة بحملها، وقيل: الفتح والكسر لغتان بمعنى واحد، وهو العرجون، والكباسة مثله أيضا بكسر الكاف (٧). والعثكال للرطب بمنزلة القنو للعنب ويقال له: العثكول/والأثكال، والأثكول (٨)، ويقال للكباسة: الأهان أيضا (٩).

стр. 510

وأهل الصفّة ﵃ هم أهل صفّة مسجد رسول الله ﷺ (١). والصفّة بالمدينة خارج المسجد، وبمكة داخل المسجد (٢). وسدّة المسجد: هي الظلال التي حول المسجد، وقيل: الباب نفسه، والسدّي: منسوب إليه (٣)، وجاء في الحديث: «وكان يصلي في السدّة، سدّة المسجد» (٤). وأما أهل الصفّة فمنهم: أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الله بن مسعود، والمقداد، وبلال، وأبو ذر، وصهيب، وخبّاب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وعتبة بن غزوان، وزيد بن الخطاب، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو مرثد، وعتبة بن مسعود، وأبو الدرداء، ومسطح بن أثاثة، وعكاشة بن محصن، وطلحة بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، ومعاذ بن الحارث، والسائب بن خلاد، وصفوان بن البيضاء، ومسعود بن الربيع، وأبو اليسر كعب بن عمرو، وأبو عبس بن جبر، وعويم بن ساعدة، وأبو لبابة، وسالم بن عمير، وخبيب بن يساف، وعبد الله بن أنيس - وفي الصحابة من اسمه عبد الله مائتين وسبعة وأربعين - وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن بدر، والحجاج بن عمرو، وأبو هريرة، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وعبيد مولاه أيضا، وثابت بن وديعة،

стр. 511

وجرهد بن خويلد، وبشير بن الخصاصية - وفي الصحابة عشرون بشيرا وعشرون بشرا - وربيعة بن كعب - وفي الصحابة ربيعة مذكر تسعة عشر - وثابت بن الضحاك - وفي الصحابة تسعة وعشرون ثابتا - وأسماء بن حارثة، وسالم بن عبيد الأشجعي - وجميع من في الصحابة اسمه سالم أربعة، وأشجع منسوب إلى أشجع بن ريث - وأبو سعيد الخدري (١). وجميع من في الصحابة اسمه أبو سعيد ستة - وخريم بن فاتك - وفي الصحابة خريمان (٢). الفصل السابع عشر في ذكر الأسطوانات المشهورة في الروضة، وفضلها، وفضيلة الصلاة إلى أساطين المسجد مطلقا منها: أسطوانة التوبة: يروى أن النبي ﷺ كان إذا اعتكف في رمضان، طرح له فراشه، ووضع له سريره وراء أسطوانة التوبة (٣). وعن محمد بن كعب القرظي: أن النبي ﷺ ، كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوانة التوبة (٤). وهي التي ارتبط بها أبو لبابة بشير بن عبد المنذر الأنصاري

стр. 512

الأوسي، وقيل: الأسلمي، أحد النقباء، وأحد الثلاثة الذين خلفوا (١)، وذلك أنه تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه إلى هذه السارية (٢). وقيل إنه: لما حاصر النبي ﷺ بني قريظة بعثوا إليه: أن ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا/فبعثه، فلما رأوه، قاموا إليه يبكون، فرّق لهم، فقالوا له: أننزل على حكم محمد! فقال لهم: نعم وأشار بيده إلى حلقه: أنه الذبح، فقال: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ثم ارتبط في المسجد، وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدا، فأنزل الله توبته على النبي ﷺ ، وهو في بيت أم سلمة، وحله [النبي] (٣) ﷺ ، وأنزل الله فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٤) الآية. جملة ما روى أبو لبابة خمسة عشر حديثا (٥)، توفي سنة أربعين من الهجرة (٦).

стр. 513

قال ابن عباس ﵄: «كل ما في القرآن من: يا أيها الذين آمنوا، فهو خطاب لأهل المدينة، وكل ما فيه: يا أيها الناس، فهو خطاب لأهل مكة، وليس في القرآن: يا أيها الذين آمنوا، إلا وفى التوراة والإنجيل: يا أيها المساكين» (١). والناس في القرآن على ستة وعشرين وجها (٢): يعني الناس خاصة وعامة ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ (٣)، يعني نعيم بن مسعود ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ (٤)، يعني الرجل ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (٥)، يعني الرسل ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ (٦)، يعني المؤمنين ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٧)، يعني كل من أسلم ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ (٨)، يعني بني إسرائيل ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ (٩)، يعني أصحاب السفينة ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً﴾ (١٠)، يعني أهل مصر ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ﴾ (١١)، يعني أهل

стр. 514

مكة ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ (١)، يعني صهيب ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ (٢)، يعني الأخنس ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ (٣)، يعني المنافقين ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ (٤)، يعني أبا سفيان ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٥)، يعني أصحاب النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) يعني الحاج ﴿قِياماً لِلنّاسِ﴾ (٧)، يعني أهل اليمن ربيعة ومضر ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ (٨)، يعني قوم إبراهيم ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ (٩)، يعني قوم فرعون ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (١٠)، يعني قوم سليمان ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا﴾ (١١)، يعني قوم عيسى ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (١٢)، يعني المؤمنين ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ (١٣)، يعني الأسباط ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ (١٤)، يعني هذه الأمة ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ﴾ (١٥)، يعني عامة الناس ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١٦)، يعنى أبا طالب ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧).

стр. 515

قال الشيخ جمال الدين (١): «وهذه الأسطوانة هي الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعه من المنبر، والخامسة من رحبة المسجد اليوم، وقد كانت الثالثة من رحبة المسجد قبل أن يزاد الرواقان المعقود رؤسهما، فإنهما عمرهما السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهي التي تلي أسطوان المهاجرين من جهة الشرق في الصف الأول الذي خلف الإمام المصلى في مقام النبي ﷺ ». ومنها:/أسطوان النبي ﷺ الذي كان يصلي إليها، وهي الأسطوانة المخلقة (٢): روى الزبير بن حبيب: «أنها الأسطوان التي بعد أسطوان التوبة إلى الروضة الشريفة، وهي الثالثة من المنبر الكريم، وكانت أيضا الثالثة من رحبة المسجد، وأما الآن: فهي الخامسة من الرحبة، وهي المتوسطة في الروضة» (٣). صلى النبي ﷺ ، إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة أيام، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم، وكان يجعلها خلف ظهره (٤). ويروى أن أبا بكر، وعمر، والزبير، وابنه عبد الله، وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، وتعرف: بأسطوان المهاجرين، لأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان أكابر الصحابة ﵃ يصلون إليها،

стр. 516

وتسمى أيضا: أسطوان عائشة ﵂، للحديث التي روت فيها: أنها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان، وهي التي أسرت بها إلى ابن اختها عبد الله بن الزبير ﵄، فكان أكثر نوافله إليها، ويقال: أن الدعاء عندها مستجاب (١). وفي العتبية: وأحب مواضع التنفل فيه - يعني المسجد - مصلى النبي ﷺ ، حيث العمود المخلّق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف والتنفل فيه للغرباء أحب إليّ من التنفل في البيوت، هذا قول مالك رحمه الله تعالى (٢). ومنها: أسطوان الوفود: الذي كان يجلس إليها رسول الله ﷺ ، لوفود العرب، وتعرف أيضا: بمجلس القلادة، يجلس إليها سروات الصحابة وأفاضلهم رضوان الله عليهم [أجمعين (٣)،] (٤). روى ابن أبي فديك، عن غير واحد من مشائخه، أنها الثالثة من قبر النبي ﷺ ، وهي التي تلي الرحبة قبل زيادة الرواقان، فأما الآن فهي الثالثة من رحبة المسجد، وهي خلف أسطوانة علي ﵁ التي خلف أسطوانة التوبة من جهة الشمال (٥). [قال الحافظ محب الدين (٦): «إذا عددت الأسطوانة التي فيها مقام

стр. 517

جبريل ﵇، كانت هي الثالثة». ومنها: آسطوان علي ﵁: روى أهل السير: أن الأسطوانة التي خلف أسطوانة التوبة من جهة الشمال] (١) هي مصلى علي ﵁، وتعرف: بالمحرس، لأن عليا ﵁، كان يجلس إليها لحراسة النبي ﷺ ، وهي مقابلة الخوخة التي كان رسول الله ﷺ يخرج منها من بيت عائشة ﵂ إلى الروضة الشريفة للصلاة (٢). ذكر فضيلة الصلاة إلى أساطين المسجد مطلقا: عن يزيد بن أبي عبيد (٣) قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (٤). وروى أيضا من حديث أنس قال: لقد أدركت كبار أصحاب النبي ﷺ ، يبتدرون السواري عند المغرب (٥).

стр. 518

قال الحافظ محب الدين (١): «فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي ﷺ ، يستحب الصلاة عندها، لأنه لا يخلو من أن كبار الصحابة صلوا إليها». الفصل الثامن عشر في ذكر زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ يروى أن عمر [بن الخطاب] (٢) ﵁ قال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني أريد أن أزيد في المسجد، ما زدت فيه» (٣). وعن مسلم بن خباب (٤): أن النبي ﷺ قال يوما وهو في الصلاة في المسجد: «لو زدنا في مسجدنا، وأشار بيده نحو القبلة» (٥). [فلما توفى ﵇، وولي عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: لو زدنا في مسجدنا، وأشار بيده نحو القبلة] (٦) فأجلسوا رجلا في موضع مصلى النبي ﷺ ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا أن النبي ﷺ رفع يده، ثم مدوا ميقاطا

стр. 519

فوضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه لما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر ﵁ في موضع عيدان المقصورة (١). وكان صاحب المقصورة في زمن الصحابة: السائب بن خباب، مولى قريش، وقيل: مولى فاطمة بنت عتبة (٢). قال أهل السير: كان بين المنبر وبين الجدار [الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ] (٣) بقدر ما تمر شاة، فأخذ عمر ﵁ موضع المقصورة وزاده فيه، وزاد في يمين القبلة، فصار طول المسجد الشريف أربعين ومائة ذراع، وعرضه عشرون ومائة، وطول السقف أحد عشر ذراعا، وسقفه جريد ذراعان، وبنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة أذرع، وبنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابان عن يمين القبلة، وبابان عن يسارها، ولم يغير باب عاتكة، ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وفتح بابا عند دار مروان بن الحكم، وبابين في مؤخر المسجد (٤). وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو

стр. 520

بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي» (١). وروى غيره مرفوعا أنه قال: «هذا مسجدي وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ صنعاء كان مسجدي» (٢). وعن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لو زيد في هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدي» (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة، لكان منه» (٤). وكان أبو هريرة ﵁ يقول: «ظهر المسجد كقعره» (٥). وأدخل عمر ﵁ في هذه الزيادة دار العباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين، واشترى نصف موضع كان خطّه النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب ﵁ وهو بالحبشة دارا بمائة ألف، فزاده في المسجد، وبناه على بنائه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا (٦).

стр. 521

الفصل التاسع عشر في ذكر بطحاء مسجد رسول الله ﷺ عن بشر بن سعيد أو سليمان بن يسار (١) - يشك الضحاك - أنه [حدثه:] (٢) أن المسجد كان يرش زمان النبي ﷺ ، وزمان أبو بكر، وعامة زمان عمر ﵄، فكان الناس يتنخمون فيه ويبصقون حتى عاد زلقا، حتى قدم ابن مسعود الثقفي، فقال لعمر ﵁: أليس بقربكم واد؟ قال: بلى، قال: فمر بحصباء تطرح فيه فهو أكف للمخاط والنخامة، فأمر عمر ﵁ بها، ثم قال: هو أغفر للمخاط [والنخامة] (٣) /وألين في الموطء (٤). الغفر: بالغين المعجمة التغطية والستر، ومنه المغفر (٥). وقد حرم التنخم في المسجد إبراهيم النخعي، وقال: إنها نجس وتفرد بهذا القول ولم يتبع فيه، بل كفارتها سترها (٦).

стр. 522

وروى أن المسجد لينكمش من النخامة تبزق فيه (١). وعن أبي الوليد (٢) قال: «سألت ابن عمر ﵄، عن الحصباء التي كانت في المسجد، فقال: إنا مطرنا ذات ليلة، فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصباء في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما أحسن هذا» (٣). وعن محمد بن سعد: «أن عمر بن الخطاب ﵁، ألقى الحصباء في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان الناس إذا رفعوا رؤسهم من السجود ينفضون أيديهم من التراب، فجيء بالحصباء من العقيق، من هذه العرصة، فبسط في المسجد» (٤). قال الشيخ جمال الدين (٥): «ورمل مسجد رسول الله ﷺ ، يحمل من وادي العقيق من العرصة التي تسيل من الجماء الشمالية إلى الوادي، فيحمل منه، وليس بالوادي رمل أحمر غير ما يسيل من الجماء - والجماوات أربعة - وهو رمل أحمر يغربل، ثم يبسط في المسجد الشريف».

стр. 523

الفصل العشرون في ذكر زيادة عثمان ﵁ روى البخاري في الصحيح (١): «أن عثمان ﵁، ولي الخلافة سنة أربع وعشرين، فلما بلغت خلافته أربع سنين كلمه الناس في الزيادة، وشكوا إليه ضيق المسجد يوم الجمعة، فشاور عثمان ﵁ أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وزاد في المسجد زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة حشوها أعمدة الحديد والرصاص، وسقفه بالساج (٢)، وباشر ذلك بنفسه، وكان عمله في أول ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر، وزاد في القبلة إلى موضع الجدار اليوم، وزاد فيه من المغرب اسطوانا بعد المربعة (٣)، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعا، ولم يزد من المشرق شيئا، وقدّر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل وجعل فيه طاقات مما يلي المشرق والمغرب، وبنى المقصورة بلبن، وجعل فيها كوّة ينظر الناس منها إلى الأمام، وجعل طول المسجد الشريف ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل

стр. 524

أبوابه ستة على ما كان على عهد رسول الله ﷺ : باب عاتكة، والباب الذي يليه، وباب مروان، وبان النبي ﷺ ، وبابين في آخره». قال عبد الرحمن بن سفينة (١): «رأيت القصّة تحمل إلى عثمان ﵁ وهو يبني المسجد من بطن نخل» (٢). والقصّة: الجص، وهو الجبس (٣). الفصل الحادي والعشرون في ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان وذلك أنه لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة (٤) الشريفة، أمره بالزيادة في المسجد [وبنيانه،] (٥) فاشترى عمر ما حوله من المشرق والمغرب والشام، ومن أبى أن يبيع هدم عليه، ووضع له الثمن، فلما صار إلى القبلة قال له [عبيد الله بن] (٦) عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا، هو من حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر بن

стр. 525

عبد العزيز: أجعل لكم في المسجد بابا [تدخلون منه،] (١) وأعطيكم دار الرقيق [مكان هذا الطريق،] (٢) وما بقي من الدراهم فهي لكم - يعني التي تفضل من العمارة - ففعلوا، فأخرج بابهم في المسجد، وهي الخوخة التي [في المسجد] (٣) تخرج في دار حفصة ﵂، وقدم الجدار في موضعه اليوم، وزاد من المشرق ما بين الأسطوانة المربعة إلى جدار المسجد، ومعه عشرة أساطين من مربعة القبر الشريف إلى الرحبة وإلى الشام، ومد من الغرب أسطوانتين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ ، وبيت فاطمة ﵂، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف، ودار عبد الله بن مسعود، وأدخل فيه من المغرب دار طلحة بن عبيد الله، ودار أبي سبرة بن أبي رهم، ودار عمار بن ياسر، وبعض دار العباس بن عبد المطلب وعلّم ما دخل منها، فجعل سائر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من السواري، وبعث الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم: إنا نريد أن نعمل في مسجد نبينا الأعظم ﷺ ، فأعنا فيه بعمال وفسيفساء، [وهي: الفصوص المرجحة بالذهب، فبعث إليه بأربعين من الروم، وبأربعين من القبط، وبأربعين ألف مثقال عونا له، وبأحمال من فسيفساء وبسلاسل التي فيها] (٤) القناديل اليوم، وهدم عمر المسجد، وأخمر النورة التي يعمل بها الفسيفساء سنة، وحمل القصّة من بطن نخل، وعمل الأساس بالحجارة، والجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة، وجعل عمد المسجد حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وجعل طوله مائتي ذراع، [وعرضه] (٥) من مقدمه مائتي ذراع، ومن مؤخره مائة وثمانين ذراعا، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وسقفه بالساج، وموهه بالذهب، وأدخل الحجرات

стр. 526

والقبر المقدس في في المسجد، ونقل لبن الحجرات وبنى به داره في الحرة (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «فهو بها اليوم له بياض على اللبن، وقال بعض الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدناه من صور شجر الجنة وقصورها، وكان عمر بن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء وأحسن عملها نفّله ثلاثين درهما، وكانت زيادة الوليد من المشرق [إلى المغرب] (٣) ستة أساطين، وزاد من الشام الأسطوانة [المربعة] (٤) التي في القبر الشريف أربعة عشر أسطوانا، منها عشرة في الرحبة، وأربعة في السقائف [الأول] (٥) التي كانت قبل، وزاد من الأسطوانة التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، وأدخلت بيت النبي ﷺ في المسجد، وبقي ثلاث أساطين في السقائف، وجعل المسجد في أربع زواياه أربع منارات، وكانت الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذّن المؤذن فأطل عليه، فأمر بهدمها فهدمت، وأمر عمر بن العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين، فجعل قدر سترة إثنين يصليان إليها وقدر مجلس/اثنين يستندان إليها، ولما صار [عمر] (٦) إلى جدار القبلة دعى مشائخه من أهل

стр. 527

المدينة، من قريش، والأنصار، والعرب، والموالي، فقال لهم: احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا غيّر عمر قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع حجرا، وهو أول من أحدث الشرفات والمحراب». يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: تبنى المدائن والمساجد جما، ومسجد المدينة ليس له شرفات. وعمل الميازيب من رصاص، ولم يبق منها إلا ميزابان، أحدهما: في موضع الجنائز، والآخر: على الباب الذي يدخل منه أهل السوق - يعني باب عاتكة - وعمل المقصورة من ساج، وجعل للمسجد عشرين بابا، وكان هدمه للمسجد في سنة إحدى وتسعين (١)، ومكث في بنائه ثلاث سنين، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجا (٢) جعل ينظر إلى البنيان، فقال حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف مثل هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تعظم النفقة جدا، فقال: وإن كان، وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال، ولما استنفذ الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان (٣) بن عثمان بن عفان ﵁ فقال: أين بنياننا من بنيانكم؟ فقال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس (٤).

стр. 528

قال الحافظ محب الدين (١): «وخلا في بعض الأيام المسجد، فقال بعض الروم: لأبولنّ على قبر نبيهم، فنهاه أصحابه، فلم يقبل، فلما هم أقتلع، فألقي على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز، فأمر به فضربت عنقه، وكان عمل القبط مقدم المسجد، والروم ما خرج من السقف من جوانبه ومؤخره، وأراد عمر بن عبد العزيز أن يعمل على كل باب سلسلة تمنع الدواب [من الدخول] (٢) فعمل واحدة في باب مروان، ثم بدا له عن البواقي وأقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه». قال الحافظ محب الدين (٣): «والسنة من الجنائز باقية إلى يومنا هذا، إلا في حق العلويين، والأمراء، وغيرهم من الأعيان، والباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقي [في المسجد] (٤) إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبي ﷺ على يمينه». قلت: وكذلك الأمر باق إلى هذا التاريخ (٥).

стр. 529

والوليد بن عبد الملك: هو الذي بنى مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد دمشق (١)، والمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وأنفق على مسجد دمشق أحد عشر ألف مثقال ونيفا، وقيل: أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث دفعات، وهو أول من نقل إلى مكة أساطين الرخام، مدة خلافته عشرين سنة وتسعة أشهر، توفي بدير مران (٢)، وحمل إلى دمشق فدفن في مقبرة الفراديس (٣)، وكان مسجد دمشق للصابئين/ثم صار لليونانيين، ثم صار لليهود، وفي ذلك الزمان قتل يحيى بن زكريا ونصب رأسه على باب حبرون، وعليه نصب رأس الحسين ﵁ ثم غلبت عليه النصارى، ثم غلب عليه المسلمون (٤). الفصل الثاني والعشرون في ذكر ذيادة المهدي وذلك أنه لما ولي الخلافة آخر ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة (٥)، شرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد المدينة المشرفة على ما هما

стр. 530

عليه اليوم (١)، وبنى بيت المقدس [وقد كان] (٢) هدمه الزلازل (٣). وحج في سنة ستين ومائة (٤)، واستعمل في هذه السنة على المدينة جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وأمره بالزيادة في المسجد النبوي، وولاه بناءه هو و [عبد الله بن] (٥) عاصم بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن شبيب الغساني [من أهل الشام،] (٦) فزادوا في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع، ولم يزد فيه من الشرق والغرب ولا القبلة شيئا، ثم سد على آل عمر خوختهم التي في دار حفصة، فكثر كلامهم، فصالحهم أن يخفض المقصورة، ثم خفض المقصورة ذراعين وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، وحفر الخوخة حتى صارت تحت أرض المقصورة، وجعل عليها في جدار القبلة شباك حديد فهو عليها اليوم (٧). وكان الذي دخل في المسجد من الدور: دار عبد الرحمن بن عوف، ودار شرحبيل بن حسنة، وبقية دار عبد الله بن مسعود، ودار المسور بن مخرمة الزهري، وفرغ من بنائه سنة خمس وستين ومائة، وكان ابتداؤه من سنة إثنتين وستين ومائة، وعرض منقبة جداري المسجد مما [يلي المغرب] (٨) ذراعان ينقصان شيئا يسيرا، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع
следующие страницы →