← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والقبر المقدس في في المسجد، ونقل لبن الحجرات وبنى به داره في الحرة (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «فهو بها اليوم له بياض على اللبن، وقال بعض الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدناه من صور شجر الجنة وقصورها، وكان عمر بن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء وأحسن عملها نفّله ثلاثين درهما، وكانت زيادة الوليد من المشرق [إلى المغرب] (٣) ستة أساطين، وزاد من الشام الأسطوانة [المربعة] (٤) التي في القبر الشريف أربعة عشر أسطوانا، منها عشرة في الرحبة، وأربعة في السقائف [الأول] (٥) التي كانت قبل، وزاد من الأسطوانة التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، وأدخلت بيت النبي ﷺ في المسجد، وبقي ثلاث أساطين في السقائف، وجعل المسجد في أربع زواياه أربع منارات، وكانت الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذّن المؤذن فأطل عليه، فأمر بهدمها فهدمت، وأمر عمر بن العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين، فجعل قدر سترة إثنين يصليان إليها وقدر مجلس/اثنين يستندان إليها، ولما صار [عمر] (٦) إلى جدار القبلة دعى مشائخه من أهل

стр. 527

المدينة، من قريش، والأنصار، والعرب، والموالي، فقال لهم: احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا غيّر عمر قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع حجرا، وهو أول من أحدث الشرفات والمحراب». يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: تبنى المدائن والمساجد جما، ومسجد المدينة ليس له شرفات. وعمل الميازيب من رصاص، ولم يبق منها إلا ميزابان، أحدهما: في موضع الجنائز، والآخر: على الباب الذي يدخل منه أهل السوق - يعني باب عاتكة - وعمل المقصورة من ساج، وجعل للمسجد عشرين بابا، وكان هدمه للمسجد في سنة إحدى وتسعين (١)، ومكث في بنائه ثلاث سنين، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجا (٢) جعل ينظر إلى البنيان، فقال حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف مثل هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تعظم النفقة جدا، فقال: وإن كان، وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال، ولما استنفذ الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان (٣) بن عثمان بن عفان ﵁ فقال: أين بنياننا من بنيانكم؟ فقال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس (٤).

стр. 528

قال الحافظ محب الدين (١): «وخلا في بعض الأيام المسجد، فقال بعض الروم: لأبولنّ على قبر نبيهم، فنهاه أصحابه، فلم يقبل، فلما هم أقتلع، فألقي على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز، فأمر به فضربت عنقه، وكان عمل القبط مقدم المسجد، والروم ما خرج من السقف من جوانبه ومؤخره، وأراد عمر بن عبد العزيز أن يعمل على كل باب سلسلة تمنع الدواب [من الدخول] (٢) فعمل واحدة في باب مروان، ثم بدا له عن البواقي وأقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه». قال الحافظ محب الدين (٣): «والسنة من الجنائز باقية إلى يومنا هذا، إلا في حق العلويين، والأمراء، وغيرهم من الأعيان، والباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقي [في المسجد] (٤) إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبي ﷺ على يمينه». قلت: وكذلك الأمر باق إلى هذا التاريخ (٥).

стр. 529

والوليد بن عبد الملك: هو الذي بنى مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد دمشق (١)، والمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وأنفق على مسجد دمشق أحد عشر ألف مثقال ونيفا، وقيل: أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث دفعات، وهو أول من نقل إلى مكة أساطين الرخام، مدة خلافته عشرين سنة وتسعة أشهر، توفي بدير مران (٢)، وحمل إلى دمشق فدفن في مقبرة الفراديس (٣)، وكان مسجد دمشق للصابئين/ثم صار لليونانيين، ثم صار لليهود، وفي ذلك الزمان قتل يحيى بن زكريا ونصب رأسه على باب حبرون، وعليه نصب رأس الحسين ﵁ ثم غلبت عليه النصارى، ثم غلب عليه المسلمون (٤). الفصل الثاني والعشرون في ذكر ذيادة المهدي وذلك أنه لما ولي الخلافة آخر ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة (٥)، شرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد المدينة المشرفة على ما هما

стр. 530

عليه اليوم (١)، وبنى بيت المقدس [وقد كان] (٢) هدمه الزلازل (٣). وحج في سنة ستين ومائة (٤)، واستعمل في هذه السنة على المدينة جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وأمره بالزيادة في المسجد النبوي، وولاه بناءه هو و [عبد الله بن] (٥) عاصم بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن شبيب الغساني [من أهل الشام،] (٦) فزادوا في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع، ولم يزد فيه من الشرق والغرب ولا القبلة شيئا، ثم سد على آل عمر خوختهم التي في دار حفصة، فكثر كلامهم، فصالحهم أن يخفض المقصورة، ثم خفض المقصورة ذراعين وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، وحفر الخوخة حتى صارت تحت أرض المقصورة، وجعل عليها في جدار القبلة شباك حديد فهو عليها اليوم (٧). وكان الذي دخل في المسجد من الدور: دار عبد الرحمن بن عوف، ودار شرحبيل بن حسنة، وبقية دار عبد الله بن مسعود، ودار المسور بن مخرمة الزهري، وفرغ من بنائه سنة خمس وستين ومائة، وكان ابتداؤه من سنة إثنتين وستين ومائة، وعرض منقبة جداري المسجد مما [يلي المغرب] (٨) ذراعان ينقصان شيئا يسيرا، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع

стр. 531

أصابع، وهو أعرضها لأنه من ناحية السيل (١). الفصل الثالث والعشرون في ذكر بلاعات المسجد وستائر صحنه والسقايات التي كانت فيه [بلاعات المسجد:] (٢) قال الحافظ محب الدين (٣): «وفي صحن المسجد أربع وستون بلاعة لماء المطر عليها أرحاء، ولها صمائم من حجارة، وكان أبو البختري وهب بن وهب القاضي (٤) واليا على المدينة لهارون الرشيد، وكشف سقف المسجد في سنة ثلاث وتسعين ومائة، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة فأصلحها، وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى قبلة المسجد، فجعل بين القبلة والصحن لاصقا حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه التي تلي القبر المقدس تمنع الماء والحصباء [أن تصل إلى الصحن.] (٥)

стр. 532

وأما الستائر التي كانت في صحن المسجد: فذلك أنه لما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة (١)، أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رؤوس كقريات الفساطيط، وجعلت في الطيقان، فكانت الريح تدخل فيها فلا تزال العمد تسقط على الناس فغيّرها، وأمر بستور أكثف من تلك الستور، وحبال تأتي من جدة تسمى القنبار، وجعلت مشبكة، فكانت تجعل على الناس كل جمعة، فلم تزل حتى خرج (٢) محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، فأمر بها فقطعت/دراريع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمان هارون، فأخذت هذه الأستار اليوم. ولم يكن يستر بها في زمن بني أمية». قلت: ثم إنها تركت لما جدد الملك الناصر الرواقين (٣). عن حسين بن مصعب قال: «أدركت كسوة الكعبة يإتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة، فتنشر على الرضراض في مؤخر المسجد، ثم يخرج بها إلى مكة، وذلك في سنة إحدى وثلاثين - أو اثنتين وثلاثين - ومائة» (٤). قلت: وأما الآن فلا يؤتى بها إلى المدينة، وإنما يؤتى بها صحبة الركب المصري (٥).

стр. 533

(وأول من كسى البيت أسعد الحميري تبع، وأسعد هذا يسمى: أبا كرب آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وقال: شهدت على أحمد أنه … رسول من الله باريء النسم فلو مد في عمري إلى عمره … لكنت وزيرا له وابن عم حكاه ابن قتيبة (١). ثم كساها أبو ربيعة بن المغيرة وقريش (٢)، وأول عربية كست البيت الحرير والديباج: نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب (٣). وقيل: أول من كساه الديباج يزيد بن معاوية، وقيل: الحجاج، وقيل: ابن الزبير (٤). وكان لها أربع كساوي في السنة في أيام المأمون (٥)، ثم صار لها ستة

стр. 534

كساوي في زمان المتوكل، سنة أربعين ومائتين (١)، ثم صارت واحدة (٢) (٣). وأما السقايات: فقال محمد بن الحسن بن زبالة: «كان في صحن المسجد تسع عشرة سقاية إلى أن كتبنا كتابنا هذا في صفر سنة تسع وتسعين ومائة منها: ثلاث عشرة أحدثتها خالصة، وهي أول من أحدث ذلك، وثلاث ليزيد البربري مولى أمير المؤمنين، وسقاية لأبي البختري وهب بن وهب، وسقاية لسحر أم هارون الرشيد، وسقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر» (٤). قال الحافظ [محب الدين (٥): «وأما الآن فليس به سقاية إلا في وسطه، بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب لها درج] (٦) أربع في جوانبها، والماء ينبع من فوارة في وسطها يأتي من العين الزرقاء، ولا يكون فيها الماء إلا في [أيام] (٧) الموسم وبقية السنة تكون فارغة بناها بعض أمراء الشام يسمى: شامة».

стр. 535

قال الشيخ جمال الدين (١): «وكان يحصل بهذه البركة انتهاك لحرمة المسجد، فسدت لذلك». قال الحافظ محب الدين (٢): «وعملت الجهمة أم الخليفة الناصر لدين الله في مؤخر المسجد [سنة تسعين وخمسمائة، سقاية فيها عدة من البيوت، وحفرت لها بئرا، وفتحت لها بابا إلى المسجد] (٣) في الحائط الذي يلي الشام، وهي تفتح في المواسم». الفصل الرابع والعشرون في ذكر إحتراق المسجد الشريف احترق مسجد رسول الله ﷺ ، ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وستمائة، بعد خروج نار الحرة - المتقدم ذكرها (٤) - في السنة نفسها، فكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن المستنصر (٥)، في الشهر المذكور، فوصل الصناع والآلة في صحبة حجاج العراق، وابتديء فيه بالعمارة من أول سنة خمس وخمسين وستمائة، واستولى الحريق على جميع سقوفه، حتى لم يبق فيه خشبة واحدة، وبقيت السواري قائمة، وذاب رصاص بعضها فسقطت، واحترق سقف الحجرة

стр. 536

المقدسة، وقال بعضهم: لم يحترق حرم النبي لحادث … يخشى عليه ولا دهاه العار لكنها أيدي الروافض لامست … ذاك الجناب فطهرته النار (١) قال الشيخ جمال الدين (٢): «ولما ابتدأوا بالعمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور المقدسة، فلم يجسروا، ورأوا من الرأي أن يطالعوا الامام المستعصم في ذلك وكتبوا إليه فلم يصل إليهم جواب. وحصل للخليفة - المذكور - شغل باستيلاء التتر على بلادهم تلك السنة، /فتركوا الردم على ما كان عليه، وأعادوا سقفا فوقه رؤوس السواري التي حول الحجرة الشريفة، فإن الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز ﵁ حول بيت النبي ﷺ ، بين هذه السواري التي حول النبي ﷺ ، لم يبلغ به السقف الأعلى، بل جعلوا فوق الحائط وبين السواري إلى السقف شباكا من خشب يظهر لمن تأمله من تحت الكسوة التي على الحائط على دوران الحائط جميعه، لأنه أعيد بعد الإحتراق على ما كان عليه قبل ذلك، وسقفوا في هذه السنة - وهي سنة خمس وخمسين وستمائة - الحجرة الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي إلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل ﵇ المعروف قديما بباب عثمان ﵁، ومن جهة المغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر المنيف، ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة، فكان في

стр. 537

المحرم منها واقعة بغداد وقتل الخليفة المذكور (١)، ووصلت الآلة من مصر، وكان المتولي بها تلك السنة: الملك المنصور علي بن الملك المعز أيبك الصالحي (٢)، فأرسل الآلات والأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان بن الحكم، ثم عزل صاحب مصر المذكور، وتولى مكانه مملوك أبيه: المظفر سيف الدين قطز المعزي (٣)، واسمه الحقيقي: محمود بن ممدود، أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وأبوه ابن عمه، وقع عليه السبي عند غلبة التتر، فبيع بدمشق، ثم انتقل بالبيع إلى مصر، وتملك سنة ثمان وخمسين وستمائة، وفي شهر رمضان - من السنة المذكورة - كانت وقعة عين جالوت (٤) على يده، ثم قتل بعد الوقعة بشهر وهو داخل إلى مصر (٥)،

стр. 538

فكان العمل في المسجد الشريف - تلك السنة - من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية كانت لها دارا تقابل الباب فنسب إليها كما نسب باب عثمان، وباب مروان، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح، وتولى مصر من تلك السنة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، المعروف بالبندقداري، فعمل في أيامه في المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالي المسجد، ثم إلى باب النساء، وكمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف، ولم يزل على ذلك حتى جدد السقف الشرقي والسقف الغربي في سنة خمس أو ست وسبعمائة في أول دولة السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون، فجعل سقفا واحدا يشبه السقف الشمالي، فإنه جعل في عمارة الملك الظاهر كذلك». الفصل الخامس والعشرون في ذكر الخوخ والأبواب التي كانت في مسجد رسول الله ﷺ [ذكر خوخ المسجد:] (١) قال الشيخ جمال الدين (٢): «اعلم أن الخوخة التي تحت الأرض ولها شباك في القبلة وطابق مقفل يفتح أيام الحاج، هي طريق/آل عبد الله بن

стр. 539

عمر ﵃ إلى دارهم التي تسمى اليوم: دار العشرة، وإنما هي دار عبد الله بن عمر ﵃، وكان بيت حفصة ﵂، قد صار إلى آل عبد الله بن عمر ﵃، فلما أدخل عمر بن عبد العزيز بيت حفصة في المسجد، جعل لهم طريقا في المسجد، وفتح لهم باب الحائط القبلي يدخلون منه إلى المسجد، ولم يزل كذلك حتى عمل المهدي بن المنصور المقصورة على الرواقين القبلي، فسد الباب وجعل لهم عليه شباك حديد، وحفر لهم تحت الأرض طريقا تخرج إلى خارج المقصورة، فهي الموجودة اليوم، وهي إلى الآن بيد آل عبد الله بن عمر ﵃، وأما خوخة أبي بكر ﵁: فإن باب أبي بكر كان في غربي المسجد، ونقل: أيضا أنه كان قريبا من المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حده من المغرب، نقلوا الخوخة وجعلوها في مثل مكانها الأول، كما نقل باب عثمان ﵁ إلى موضعه». وقال الشيخ جمال الدين (١): «وباب خوخة أبي بكر ﵁، اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل الحرم، إذا دخلت من باب السلام، كانت على يسارك قريبا من الباب». وأما أبواب مسجد رسول الله ﷺ : فذلك أنه لما بنى رسول الله ﷺ ، مسجده أولا جعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة في غربيه وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وهو باب عثمان ﵁، المعروف اليوم بباب جبريل (٢).

стр. 540

قال الحافظ محب الدين (١): «روي عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبق من الأبواب التي كان رسول الله ﷺ يدخل منها إلا باب عثمان ﵁». قال الشيخ جمال الدين (٢): «فلما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد ووسعه جعل له عشرين بابا، ثمانية جهة المشرق في الحائط القبلي: الأول باب النبي ﷺ : سمي بذلك لمقابلته بيت النبي ﷺ ، لا لأنه دخل منه ﵇، وقد سد عند تجديد الحائط، وجعل منه شباك يقف الإنسان عليه من خارج المسجد، فيرى حجرة النبي ﷺ . الثاني باب علي ﵁: كان يقابل بيته خلف بيت النبي ﷺ ، وقد سد أيضا عند تجديد الحائط. الثالث باب عثمان ﵁: نقل عند بناء الحائط الشرقي قبالة الباب الأول، الذي كان النبي ﷺ يدخل منه، وهو باب جبريل، وهو مقابل لدار عثمان ﵁، ثم اشترى عثمان ﵁ دارا حولها إلى القبلة والشرق وشمالها الطريق إلى باب جبريل إلى باب المدينة الأول من عمل جمال الدين الأصبهاني، ومنه يخرج إلى البقيع، فالذي يقابل باب جبريل ﵇ منها اليوم رباط أنشأه جمال الدين محمد بن علي بن منصور الأصبهاني، وزير بني زنكي، وأوقفه على فقراء العجم/وجعل له فيها مشهدا فلما توفي حملوه إلى المدينة ودفن فيه، وكان قد جدد أماكن كثيرة بمكة والمدينة، منها: باب إبراهيم بمكة وزيادته واسمه مكتوب على الباب

стр. 541

وتاريخه من سنة ست وأربعين وخمسمائة، ومنها: المنابر بمكة التي بالمسجد الحرام وعليها اسمه، وكان أولا قد جدد باب الكعبة، وأخذ الباب العتيق وحمله إلى بلده، وعمل [منه لنفسه] (١) تابوتا حمل فيه بعد موته إلى المدينة الشريفة، مات مسجونا بقلعة الموصل سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وحمل إلى مكة، ثم إلى المدينة، وقيل في ذلك: سرى نعشه فوق الركاب وطال … ما سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثنى رماله … عليه وبالنادي فتثنى أرامله وهو الذي بنى سور المدينة الثاني بعد السور الأول القديم (٢)، وعمل له أبوابا من حديد، ولكنه كان على ما حول المسجد، فلما كثر الناس بالمدينة، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آق سنقر ملك الشام، إلى المدينة لأمر حدث بها - يأتي ذكره في آخر الباب (٣) - أمر ببناء هذا السور الموجود اليوم». وبلغنا أن الميت إذا دخل به في قرية وقع بها الغلاء، والنقل حرام على المذهب الصحيح، وقيل: مكروه، قال الشافعي: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فينقل إليها، وقد ورد في الحديث أن لله ملائكة نقالين (٤).

стр. 542

وفي قبلة الرباط المذكور (١) من دار عثمان، تربة اشترى عرصتها أسد الدين شيركوه بن شادي، عم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وعملها تربة نقل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب بعد موتهما، ودفنا بها، توفي أسد الدين شهيدا بخانوق كان يعتريه سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة (٢). الرابع (٣) باب ريطة: وريطة الملاءة، بها سميت المرأة، ويعرف بباب النساء، وفي أعلاه من خارج لوح من الفسيفساء مكتوب آية الكرسي من بقية البنيان القديم الذي بناه عمر بن عبد العزيز، ودار ريطة المقابلة لها كانت دارا لأبي بكر الصديق ﵁، ونقل أنه توفى بها، وهي الآن مدرسة للحنفية، بناها يازكوج، أحد أمراء الشام، وتعرف باليازكوجية، وعمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام بعد موته، والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان ﵁، والطريق سبعة أذرع. قاله ابن زبالة (٤).

стр. 543

قال الشيخ جمال الدين (١): «وهي قريب من هذا». الخامس باب يقابل دار أسماء ابنة الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس: وكانت لجبلة بن عدي الساعدي الأنصاري، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت لأسماء، وقد سد هذا الباب عند تجديد [الحائط] (٢) الشرقي في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ودار أسماء - المذكورة - هي اليوم [رباط] (٣) /للنساء (٤). السادس باب يقابل دار خالد بن الوليد: وقد دخل في بناء المذكور، ودار خالد الآن رباط للرجال، ومعها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص، والرباطان المذكوران، بناهما قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد ابن عبد الله بن القاسم الشهرزوري (٥). السابع باب يقابل زقاق المناصع: بين دار عمرو بن العاص، ودار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري ﵀، وكان الزقاق نافذا إلى المناصع خارجا عن المدينة، وهو متبرز للنساء بالليل على عهد رسول الله ﷺ ، ودار موسى بن إبراهيم المخزومي اليوم رباط للرجال، أنشأه القاضي الفاضل محي الدين عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيسائي، ثم العسقلاني، ودخل هذا الباب في الحائط أيضا (٦).

стр. 544

الثامن باب كان يقابل أبيات الصوافي: دورا كانت بين موسى بن إبراهيم وبين عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ﵃ ودخل في الحائط أيضا، وموضع هذه الدور اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي، وأوقفها على قرابته السلاميين (١). وفي شمال المسجد الشريف أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالي، وليس في شمالي المسجد إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر لدين الله للوضوء في سنة تسعين وخمسمائة (٢). - كما تقدم -. ومما يلي المغرب ثمانية أبواب، منها بابان مسدودان، وبقية باب ثالث سد وبقيت منه قطعة، ودخل باقيه عند تجديد الحائط من باب عاتكة إليه، ثم باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد، وهو باب الرحمة، وكان يقابل دار عاتكة، ثم صارت الدار بعدها ليحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد، وبابان سدا أيضا عند تجديد الحائط ما بين باب عاتكة هذا وخوخة أبي بكر ﵁، ثم خوخة أبي بكر ﵁، وقد تقدم ذكرها (٣)، ثم الباب الثامن باب مروان بن الحكم، وكانت داره تقابله من المغرب ومن القبلة، ويعرف الآن بباب السلام وباب الخشوع، ولم يكن في القبلة ولا إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر المتقدم ذكرها (٤)، وخوخة كانت لمروان عند داره في ركن المسجد الغربي (٥).

стр. 545

قال الشيخ جمال الدين (١): «شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة في سنة ست وسبعمائة، أمر بإنشائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان بابها عليها - وهو من ساج - فلم يبل إلى هذا التاريخ، وقد استدت بحائط المنارة الغربي» (٢). الفصل السادس والعشرون في ذكر ذرع المسجد اليوم، وعدد أساطينه وطيقانه، وذكر حدود المسجد القديم [ذرع المسجد اليوم:] (٣) اعلم أن طول المسجد اليوم - بعد الزيادات كلها - من قبلته إلى الشام: مائتا ذراع وأربع وخمسون ذراعا وأربع أصابع، وعرضه من مقدمه من المشرق إلى المغرب: مائة ذراع وسبعون ذراعا شافة، وعرضه من مؤخره: مائة ذراع وخمسة وثلاثون ذراعا، [وطول رحبته من القبلة إلى الشام: مائة ذراع وتسع وخمسون ذراعا] (٤) وثلاثة أصابع، وذلك قبل زيادة الرواقات، ومن شرقيه/إلى غربيه: سبع وتسعون ذراعا راجحة، وطول المسجد

стр. 546

في السماء: خمسة وعشرون ذراعا (١). قال الحافظ محب الدين (٢): «هذا ما ذرعته بخيط». وذكر الشيخ جمال الدين (٣): «أن ابن زبالة ذكر مثل ذلك أو ما يقارب، وذكر ابن زبالة أن طول منائره خمسة وخمسون ذراعا، وعرضهن ثمانية أذرع في ثمانية». وأما الطيقان: ففي القبلة أحد عشر، وفي الشام مثلها، وفي المشرق والمغرب تسعة عشر بين كل طاقتين أسطوان (٤). وأما الأساطين: غير التي في الطيقان: ففي القبلة: ثمان وستون اسطوانة، منها في القبر المقدس أربعة، وفي الشام: مثلها، و [في] (٥) المشرق: أربعون، منها إثنتان في الحجرة المعظمة، وفي المغرب: ستون اسطوانة وبين كل اسطوانتين تسعة أذرع، وذلك قبل زيادة الرواقات، [وليس على رؤس السواري أقواس، بل عوارض غير الدائر بالرحبة، والرواقان] (٦) اللذان زيدا في دولة الملك الناصر (٧).

стр. 547

وأما حدود مسجد [سيدنا] (١) رسول الله ﷺ القديم المشار إليه أولا: فذكر الحافظ محب الدين (٢): «أن حده من القبلة: الدرابزينات التي بين الأساطين التي في قبة الروضة الشريفة، ومن الشام: الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد، هذا طوله، وأما عرضه من المشرق إلى المغرب: فهو من حجرة النبي ﷺ إلى الأسطوان الذي بعد المنبر الشريف، وهو آخر البلاط». قال الشيخ جمال الدين (٣): «أما الدرابزينات التي ذكر في جهة القبلة، فهي متقدمة عن موضع الحائط القبلي الذي كان محاذيا لمصلى رسول الله ﷺ ، لما ورد أن الواقف في مصلى رسول الله ﷺ تكون رمانة المنبر الرفيع حذو منكبه الأيمن، فمقام النبي ﷺ لم يغير باتفاق، وكذلك المنبر الشامي لم يؤخر عن منصبه الأول، وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة مصلى رسول الله ﷺ سترة بين المقام وبين الاسطوانات، وورد أنه كان بين الحائط القبلي وبين المنبر ممر شاة، وبين المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع». ثم قال ﵀ (٤): «وفي صحن المسجد اليوم حجران، يذكر أنهما حد مسجد رسول الله ﷺ من الشام والمغرب، ولكنهما ليسا على سمت المنبر

стр. 548

الشريف، بل هما داخلان إلى جهة الشرق بمقدار أربعة أذرع أو أقل متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك، لأني اعتبرت ذلك بالذراع، فوجدتهما ليسا على حد ذرعة المسجد الأول والله أعلم». وقال الحارث بن أسد المحاسبي (١): «حد المسجد الأول ست أساطين في عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التي حذاء الخوخة، وثلاث سواري عن يساره من ناحية المنحرف، ومنتهى طوله من قبلته إلى مؤخره حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد اليوم، وما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول. قال (٢): وقد/روى عن مالك أنه قال: مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثاني من الباب الذي يقال له: باب عثمان، وهو باب النبي ﷺ ، أعني العضادة الآخرة السفلى، وهو أربع طيقان من المسجد ما قصر حتى يصير في الروضة ما بين القبر والمنبر، فما كان منها من الأسطوانة السادسة التي حددت لك عن يمين المنبر، فليس من المسجد الأول، إنما كان من حجرة عائشة ﵂، فوسع به المسجد، وهو من الروضة وتدنو من ناحية المنبر على يمينك حذاء الصندوق الموضوع هناك إلى المنبر» (٣). يروى أنه من وقف حذاء ذلك الصندوق، وجعل عمود المنبر حذاب منكبيه الأيمن، فقد وقف موقف رسول الله ﷺ الذي كان يقوم فيه (٤).

стр. 549

وفي رحبة المسجد مقدار ثلاثة عشر نخلة، وعلى جانبها بئر، وعلى جانبها الغربي قبة حاصل المسجد الشريف، أنشأها الملك الناصر، وبهذه القبة المصحف العثماني (١). اعلم أن أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر ﵁، ثم إنه أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن، وذلك بعد أيام اليمامة، فلما جمعه زيد كان عند حفصة، فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالمصحف، فننسخها بالمصاحف، ثم جمع زيدا، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ﵃ وأمرهم بنسخها في مصحف، ففعلوا، ثم ردّ عثمان المصحف إلى حفصة، وقيل: أحرقها (٢)، وقيل: جعل منها أربع نسخ، فبعث إحداهن إلى الكوفة وإلى البصرة أخرى وإلى الشام الثالث وأمسك عند نفسه واحدة، فهي التي بالمدينة، وقيل: جعل سبع نسخ، ووجه من ذلك أيضا نسخة إلى مكة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأول أصح (٣). قلت: «وبمكة الآن منهن نسخة رأيتها في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وذكروا أنها كانت عليها شبكة من لؤلؤ فيما تقدم، وكان أهل مكة يستسقون بها، وكانت في جوف الكعبة، وهي في مقدار [قطع] (٤) ذراع في ذراع» (٥).

стр. 550

وأول من ضبط القرآن بالنقط من التابعين، أبو الأسود الدؤلي، وقال للذي يمسك المصحف: إذا فتحت فاك: فاجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممت فاك: فاجعل نقطة أمام الحرف، فإن اتبعت شيء من هذه الحركات غنة: فاجعل نقطتين (١). وقيل: أول من فعل ذلك نصر بن عاصم الليثي (٢)، وأنه الذي خمسها وعشرها (٣). وقيل: أول من نقطها يحيى بن يعمر (٤)، والخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمز والتشديد والروم والإشمام (٥). ويروى عن ابن الكاتب الصوفي أنه كان يختم أربعا بالليل وأربعا بالنهار. قال النووي: وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة، فما زاد فهو كرامة. وروى الشيخ عبد الله اليافعي عن سيدنا نجم الدين الأصبهاني، أنه

стр. 551

رأى إنسانا من أهل اليمن في الطواف ختم القرآن في شوط (١)، أو في سبع مرات - شك سيدنا عبد الله. سمعت والدي ﵀ يقول: سمعت الشيخ نجم الدين الأصبهاني يقول: رأيت شخصا من أهل اليمن ختم سبع ختمات في أسبوع واحد وأنا أسمع. قال: وقال لي سيدي نجم الدين: حدّ ساعة فلكية وأجلس عنده يقرأ عليك سبع ختمات، وكان هذا الشخص ساكنا برباط السدرة، قيل: إنه كما يطوي المكان لهم يطوى الزمان، وكذا تطوى ويذهب جرمها تحت الأنوار الواردة عليهم (٢).

стр. 552

والآن حين أثبت لك بيان ما وضعناه من تكوين الحرم النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام (١)./ | تكوين الحرم النبوي الشريف./

стр. 553

الفصل السابع والعشرون في ذكر أسوار المدينة الشريفة السور الأول: نقل قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان (١): أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة ابن بويه المسمى بالحسن بن كوسى، بعد الستين وثلثمائة في خلافة الإمام الطائع لله بن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان، ولم يبق إلا آثاره، وهي باقية إلى الآن (٢). السور الثاني: هو الذي بناه جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني، وذلك على رأس الأربعين وخمسمائة (٣). وقد تقدم ذكره (٤). عضد الدولة: أول من تسمى في الإسلام بشاه شاه، كان من الدواهي، طلب حساب دخله في أيامه في السنة، فإذا هي ثلثمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، فقال: أريد أن تبلغ به ثلثمائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم ليكون دخلنا في كل يوم ألف ألف درهم، وكان يرتفع له في كل عام بعد إخراج ما لا بد منه، اثنان وثلاثون ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان له كرمان،

стр. 554

وفارس، وعمان، وخوزستان، والعراق، والموصل، وديار بكر، وحران، ومنبج، توفي سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة (١)، وتولى بعده: فخر الدولة ابن ركن الدين بن بويه، ترك ألفي ألف دينار وثمانمائة ألف دينار وخمسة وسبعون ألف دينار وكسر، وكان في خزانته من الجواهر، والياقوت، واللؤلؤ، والبلحش، والماس أربعة عشر ألف وخمسمائة وعشرون قطعة، قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الأواني ما قيمتها ألف ألف دينار، ومن أواني الفضة ما قيمته ثلاثة آلاف ألف، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل، وخزانة السلاح ألف حمل، وخزانة الفرش ألف وخمسمائة حمل، توفي بالري سنة سبع وثمانين وثلثمائة (٢). وكان أبوه ركن الدولة صيادا يصيد السمك. السور الثالث: بناه السلطان الملك العادل، وذلك أن المدينة [الشريفة] (٣) ضاقت بأهلها، فلما قدم السلطان المذكور في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها، استغاث به أهل المدينة، وطلبوا أن يبني عليهم سورا يحفظهم، ويحفظ مواشيهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبني في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكتب اسمه على باب البقيع، وهو باق إلى اليوم (٤).

стр. 555

وكان ما رأى على ما حكاه المطري وغيره (١): «أن السلطان محمود، رأى النبي ﷺ ، ثلاث مرات في ليلة واحدة، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود، انقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث بالمدينة ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة، وما يتبعها من خيله وغير ذلك، حتى دخل المدينة الشريفة على غفلة من أهلها [والوزير معه] (٢) وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له وزيره: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم، فأمر بالصدقة، وطلب الناس عامة/وفرق عليهم ذهبا وفضة، وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلين مهاجرين من أهل الأندلس نازلين في الناصية التي [تلي] (٣) قبلة حجرة النبي ﷺ ، من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب ﵃ فطلبهما للصدقة، فامتنعا فجدّ في طلبهما فجيء بهما، فلما رآهما قال: هما هذان، فسألهما عن حالهما، فقالا: جئنا للمجاورة، فقال: أصدقاني وتكرر السؤال، حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلان من في هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهم، ووجدوهما قد حفرا نقبا من تحت الأرض، من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة ويجعلان من التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه،

стр. 556

فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي ﷺ ، خارج المسجد، ثم أحرقا آخر النهار، وركب وتوجه إلى الشام». الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي آق سنقر، توفي بدمشق، ودفن بها بسوق الخواصين (١).

стр. 557

الباب السابع في ذكر المساجد التي صلى النبي ﷺ فيها، المعروفة بالمدينة الشريفة وغيرها وفيه خمسة فصول: الفصل الأول في ذكر المساجد المعروفة بالمدينة الشريفة منها: مسجد قباء: قال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (١) أي بنيت جدره، ورفعت قواعده (٢). عن ابن عباس، والضحاك، والحسن: هو مسجد قباء، وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٣)، وهو قول: بريدة، وابن زيد، وعروة، ودليل الظرف يقتضي الرجال المتطهرين، فهو مسجد قباء (٤).

стр. 558

وعن أبي هريرة ﵁ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١) الآية، فيه أي من حاضريه، قيل: كانوا يجمعون بين الماء والحجر عند التطهير» (٢). وعن شرحبيل بن أسعد، عن عويم بن ساعدة أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: «إن الله قد أحسن الثناء عليكم في كتابه العزيز، فقال: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣) إلى آخر الآية، ما هذا الطهور؟ فقالوا: ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا» (٤). مسجد قباء في بني عمرو بن عوف، كان مربدا لكلثوم بن الهدم، فأعطاه رسول الله ﷺ ، فبناه مسجدا وأسسه، وصلى فيه قبل أن يدخل المدينة حين قدومه من مكة (٥) - كما تقدم (٦). وعن عبد الله بن دينار، أن ابن عمر كان يأتي مسجد قباء كل سبت، ويقول: «رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت» (٧).

стр. 559

وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ ، يزور قباء راكبا وماشيا» (١). وفي رواية: فيصلي ركعتين (٢). وروى أبو غزية (٣) قال: «كان عمر بن الخطاب ﵁، يأتي قباء يوم الإثنين/ويوم الخميس، فجاء يوما، فلم يجد فيه أحدا من أهله، فقال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وأبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا، ويؤسسه رسول الله ﷺ ، وجبريل ﵇ يؤم به البيت» (٤). ومحلوف عمر بالله: لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل (٥). وروى البخاري في الصحيح قال: «كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأول من أصحاب رسول الله ﷺ ، في مسجد قباء، فيهم أبو بكر،

стр. 560

وعمر ﵄» (١). وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء، وجاء مسجد قباء، فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة» (٢). وروت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص (٣) ﵂، أن أباها قال: «والله لئن أصلي في مسجد قباء ركعتين، أحب إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل» (٤). وروى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ ، صلى إلى الأسطوان الثالث في مسجد قباء التي في الرحبة (٥). نافع هو: مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، رواية مالك عن نافع عن ابن عمر تسمى عند العلماء سلسلة الذهب (٦).

стр. 561

قال الحافظ محب الدين (١): «لم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول الله ﷺ ، إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز، حين بنى مسجد رسول الله ﷺ ، ووسعه، ونقشه بالفسيفساء، وسقفه بالساج، وعمل له منارة، وجعل له أروقة، وفي وسطه رحبة، وتهدم حتى جدده جمال الدين الأصبهاني، وزير بني زنكي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة». قال (٢): «وذرعته، فكان طوله ثمانية وستين ذراعا تشف قليلا، وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء عشرون ذراعا، وطول منارته من سطحه اثنان وعشرون ذراعا، وعلى رأسها قبة نحو العشرة أذرع، وفي المسجد تسع وثلاثون أسطوانة بين كل اسطوانتين سبعة أذرع شافة، وفي جدرانه طاقات في كل جانب ثمان طاقات إلا الجانب الشامي، فإن الثانية سدت بالمنارة، ومنارته مربعة، وهي على يمين المصلى». وقباء: على ثلاثة أميال من المدينة، وقال الباجي: على ميلين، وقال القاضي عياض: بنو عمرو بن عوف على ثلثي فرسخ، وهذا كالقول الأول وهو مروي عن مالك (٣). ومنها: مسجد الفتح (٤): عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ قال: حدثني

стр. 562

جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ ، دعا في مسجد الفتح يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه» (١). وعن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ ، «مر بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر، فرقى وصلى فيه صلاة العصر» (٢). وروى هارون بن كثير، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ : «دعا يوم الخندق على الأحزاب، في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل» (٣). قال الشيخ جمال الدين (٤): «مسجد الفتح على قطعة من جبل سلع، من جهة الغرب، وغربيه وادي بطحان، وتحته/في الوادي عين تجري، ويعرف الموضع بالسيح (٥) - بالسين المهملة - يصعد إلى المسجد من درجتين شمالية وشرقية، وكانت فيه ثلاث أسطوانات قبل هذا البناء الذي هو عليه اليوم، من بناء عمر بن عبد العزيز، فتهدم، ثم جدده الأمير سيف الدين بن الحسين بن أبي الهيجاء - أحد وزراء العبيديين بمصر - في سنة خمس

стр. 563

وسبعين وخمسمائة، وكذلك جدد بناء المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة، يعرف الأول منهما القبلي: بمسجد علي بن أبي طالب ﵁، والثاني يلي الشمال: يعرف بمسجد سلمان الفارسي ﵁، جددهما في سنة سبع وسبعين وخمسمائة». وذكر الحافظ محب الدين (١): «أنه كان معهما مسجد ثالث، فذلك لم يبق له أثر». قال الحافظ محب الدين (٢): «وروى عن معاذ بن سعد: أن رسول الله ﷺ ، صلى في مسجد الفتح الذي على الجبل، وفي المساجد التي حوله، وفي مسجد القبلتين». ومنها: مسجد القبلتين: عن عثمان بن محمد الأخنسي (٣): «أن رسول الله ﷺ ، زار امرأة من بني سلمة يقال لها: أم بشر (٤) في بني سلمة، فصنعت له طعاما، فحانت الظهر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما صلى ركعتين أمر أن يتوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ ، إلى الكعبة، فسمي لذلك مسجد القبلتين، وكانت الظهر يومئذ أربع ركعات، منها اثنتان إلى

стр. 564

بيت المقدس واثنتان إلى الكعبة، وصرفت القبلة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة» (١). وقيل: بل صرفت القبلة في مسجد رسول الله ﷺ ، في صلاة العصر، يوم الإثنين في النصف من [رجب] (٢) على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة (٣). وقال ابن المسيب: صرفت قبل بدر بشهرين (٤). والأول أصح (٥). قال الحافظ محب الدين (٦): «وهذا المسجد بعيد من المدينة، قريب من بئر رومة، وقد تهدم، ولم يبق إلا آثاره، وموضع المسجد يعرف بالقاع (٧)، [والقاع: المكان المستوي». قلت (٨): «وبهذا الوادي سار رسول الله ﷺ ، ومن معه بالخيل والإبل

стр. 565

على ظهر الماء لما أن غزا خيبر. قال علي ﵁: ووجدنا السيول بالقاع،] (١) فقدرنا الماء، فإذا هو أربعة عشر قامة، فنزل رسول الله ﷺ ، فسجد ودعا ثم قال: «سيروا على اسم الله» فسرنا على الماء، وكان ذلك نظير فلق البحر لموسى [﵇] (٢)». قال الشيخ جمال الدين (٣): «ومسجد القبلتين بعيد عن مسجد الفتح من جهة الغرب على ربية، على شفير وادي العقيق، وحوله خراب عقيق الحرة، وحوله آبار ومزارع تعرف بالعرض (٤) في قبلة مزارع الجرف المعروف بالمسجد المذكور في قرية بني سلمة، ويقال لها: خربا (٥)، ثم قال (٦): وفي هذا المسجد، وهو مسجد بني حرام من بني سلمة رأى رسول الله ﷺ النخامة، فحكها بعرجون كان في يده، ثم دعا بخلوق، فجعله على رأس العرجون، ثم جعله على موضع النخامة، فكان أول مسجد خلّق في الإسلام» (٧).
следующие страницы →