← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إن الله قد استجاب لك» (١). وروى الزهري بسنده أن رسول الله ﷺ قال لحسان: هل/قلت في أبي بكر شيئا؟ فقال: نعم، فقال: قل وأنا أسمع فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد … طاف العدو به إذ صعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا … من البرية لم يعدل به رجلا فضحك رسول الله ﷺ ، حتى بدت نواجذه ثم قال: صدقت يا حسان هو كما قلت (٢). ونقل عن الإمام أبي الحسين أحمد بن محمد الزبيري في كتابه «معالي الفرش إلى عوالي العرش» عن أبي هريرة ﵁ قال: اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: وعيشك يا رسول الله لم أسجد لصنم قط، فغضب عمر بن الخطاب وقال: يقول ذلك وقد كان في الجاهلية كذا وكذا سنة، فقال أبو بكر: إن أبا قحافة أخذ بيدي وانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال: إن هذه آلهتك الشم العلا فاسجد لها، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فاطعمني، فلم يجبني، وأنا عار

стр. 842

فاكسني، فلم يجبني، فأخذت صخرة فقلت: إني ملق عليك هذه الصخرة فإن كنت إلها فامنع نفسك، فلم يجبني، فألقيت عليه الصخرة فخر لوجهه، وأقبلت إلى [أبي] (١) فقال: ما هذا يا بني؟ فقلت: هذا الذي ترى، فانطلق بي إلى أمي فأخبرها، فقالت: دعه هذا الذي ناجاني الله فيه، فقلت: يا أماه وما الذي ناجاك به؟ فقالت: ليلة أصابني المخاض لم يكن عندي أحد، فسمعت هاتفا يهتف وهو يقول: يا أمة الله - على التحقيق - أبشري بالولد العتيق اسمه في السماء الصديق، لمحمد صاحب ورفيق، فلما انقضى كلامه نزل جبريل على رسول الله ﷺ فقال: صدق أبو بكر، فصدقه ثلاث مرات (٢). وقد شبهه ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، وكان عنده يوم أسلم أربعون ألفا أنفقها على رسول الله ﷺ (٣). وقال ﵊: «أبو بكر مني وأنا منه، وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة» (٤). وقال ﵊: «أبو بكر عتيق في السماء، عتيق في الأرض» (٥).

стр. 843

وقال ﵊: «حب أبي بكر وشكره واجب على كل مسلم» (١). وقال ﵊: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وأمرت بالطاعة لي، فأول روح آمن بي وصدقني، روح أبي بكر، وأول روح آمن بي وسلم عليّ من النساء عائشة» (٢). وقال ﵊: «رأيت ليلة أسري بي حول العرش مكتوبا آية الكرسي إلى قوله ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣) محمد رسول الله قبل أن يخلق الشمس والقمر بألفي عام، وأبو بكر على أثره» (٤). وقال ﵊: «قلت لجبريل وهو راكب على فرسه حيزوم: ماذا أقول إذا رجعت إليهم - يعني قريش - قال: يا محمد [تخبرهم] (٥) بما عاينت، قلت: يا جبريل إذا يكذبوني/ولا يصدقوني، قال: حدثهم، فإن كذبوك، فإن أبا بكر يصدق قولك [فإنه] (٦) مكتوب عند الله صديقا» (٧).

стр. 844

وقال ﵊: كل الناس يحاسبون إلا أبا بكر الصديق» (١). وقال ﵊: «لكل نبي رفيق، وإن [رفيقي] (٢) في الجنة أبو بكر الصديق». وقال ﵊: «لو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا [ولكن] (٣) أخي في الدين وصاحبي في الغار وصاحبكم خليل الله» (٤). الخليل: هو الصديق (٥). وقال ﵊: «لما كانت الليلة التي ولد فيها أبو بكر ﵁ أقبل ربكم على جنة عدن فقال: وعزتي وجلالي لا أدخلك إلا من أحب هذا المولود» (٦). وقال ﵊: «لما أن عرج بي إلى السماء، فوقفت بين يدي رب العزة، فقال لي: يا أحمد على من تركت أهل أرضي، فقلت: على أبي بكر الصديق، فقال: إنما هو أحب العباد إليّ بعدك فاقرءه مني السلام» (٧).

стр. 845

وقال ﵊: «لما عرج بي سألت ربي أن يجعل الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب ارتجت [السموات وهتف بي] (١) الملائكة فقالوا: يا محمد إن الله تعالى يفعل ما يشاء الخليفة من بعدك أبو بكر الصديق» (٢). وقال ﵊: «إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كما تخلل أبو بكر بالعبادة في الأرض». وقال ﵊: «يا أبا بكر ألا أبشرك إن الله يتجلى لك يوم القيامة خاصة وللناس عامة» (٣). وقال ﵊: «يا أبا بكر إن الله أعطاني ثواب من آمن بي منذ خلق الله آدم، وأعطاك ثواب من آمن بي منذ بعثني إلى أن تقوم الساعة» (٤). وكان نقش خاتمه ﵁: نعم القادر الله، وقيل: سجد عبد ذليل لرب جليل (٥). قلت: وقد اتصل جدي وسيدي أبو محمد عبد الله المرجاني بشعرات من لحية جدي الأكبر أبي بكر الصديق ﵁ وبقطعة من قصعة أنس بن مالك التي أعطاها النبي ﷺ له، منحهما اياه السلطان الشهيد المرحوم

стр. 846

سيف الدين الملك المنصور قلاوون الصالحي (١)، وأعرض عليه مالا جزيلا وأغصبه على أخذه فقال: قبلته، ولكن أودعه لي في بيت مال المسلمين إلى وقت الحاجة إليه، فكتب عليه: «وداعة المرجاني» وحمل، وأحضرت أم السلطان الملك الناصر ولدها محمد، وشكت إليه ضعفه دون أخوته، فقال لها: هذا ولدي وأخبرها بأنه هو المتولي للملك بعد أبيه، فلما مات الملك المنصور، وتولى الملك الناصر محمد - المذكور - وهوب إلى الكرك (٢) ونهبت مصر، رجع الملك الناصر إلى مصر ودخلها على غفلة من أهلها (٣)، ولم يفتحها إلا بوداعة المرجاني المذكورة (٤). توفي ﵀ عشية يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر من

стр. 847

شهور سنة تسع وتسعين وستمائة بتونس (١) /ودفن يوم السبت بعد صلاة الظهر، وقد صلى عليه إمام الجامع الأعظم عبد الملك بن أحمد بن علي القيسي، عرف بالعز عاز، ودفن بالجبل المعروف بالزلاج قبل تونس (٢). قيل له يوما وأولاده مجتمعون بين يديه ما هذا إلا عش، فقال: ومن بعد ذا العش عش، ومن بعد العش عش، وإني قد أمنت منهم، بيعت حوائجه بعد موته وهي الثياب، والإبريق، والمسبحة بتسعة عشر ألف مثقال، ووضعت في صندوق، ووضعت عند قاضي تونس، فسرقت تلك الليلة، وأرسل إلينا بمكة عمي محمد بن عبد الله - المذكور - كتابا من تونس صورة ما فيه تقرر عندنا من مسعود خادم الشيخ أنه ذكر عن الوالد ﵀ قال: لقيت رجلا بمكة - شرفها الله تعالى - وأظنه قال أنه جاء من اليمن، فأحسن إليه سيدنا الوالد إحسانا كثيرا، فلما سافر قال مسعود للوالد رحمه: يا سيدي رأيتك عملت مع هذا الرجل عملا ما رأيتك عملته مع أحد، فقال له الوالد ﵀: هذا ابن عمتي نلتقي معه في ثالث جد - أو قال في رابع جد - وما قمت له بحق، وهو من ذرية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، ثم قال رحمه: وقد اجتمعت بجماعة من الشرفاء، وأن سيدي قال لهم: أنا منكم، فقال بعضهم: يا سيدي كيف أنت منا؟ فقال: والدتي شريفة، وهي من ذرية الحسن بن علي ﵄، فجمع والحمد لله بين القرب والقرابة، فإنه جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في الصديق: هو أقرب قربة إلى رسول الله ﷺ ، وقال في علي ﵁: هو أقرب قرابة إلى رسول الله ﷺ ،

стр. 848

قال: والقربة روح ونفس، والقرابة لحم ودم. وكذلك اتصل جدي أبو محمد بسكين ضربت من سيف خالد بن الوليد ﵁ وذلك أن بعض أجدادنا القدماء - إما الرابع وإما الخامس شك والدي رحمه الله تعالى - كان إمام جامع الزيتونة (١)، وجدوا حوضا من حجر في منارة الجامع فيه سيف مكتوب عليه: هذا سيف خالد بن الوليد الذي اشتراه رسول الله ﷺ بستة عشر درهما لخالد بن الوليد، فرفع خبره إلى السلطان في ذلك الوقت، فأمر أن تضرب منه ثلاثة، سكاكين، أحدها: أخذها السلطان، والثانية: علقت في الجامع، والثالثة: أرسلت لجدنا إمام الجامع، فانتقلت إلى أن وصلت لسيدي أبو محمد، ثم كانت بعده عند والدي ﵀، فسرقت منه (٢). انتهى. حضر خالد بن الوليد مائة زحف (٣)، ومات على فراشه بحمص، ودفن بقرية على ميل من حمص سنة إحدى وعشرين، وقيل: اثنتين وعشرين (٤)، جملة ما روي اثنى عشر حديثا (٥).

стр. 849

/حمص بلدة بالشام أصح بلاد الشام بين دمشق وحماة، وهي من أعمال دمشق، ليس بها عقارب ولا حيات، أحجارها سود كلها، وهي صغيرة جدا (١). رأيتها في سنة سبع وخمسين وسبعمائة. الفصل العاشر في ذكر وفاة عمر ﵁ هو الفاروق (٢) أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب، القرشي العدوي (٣). أسلم سنة ست من النبوة (٤). أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (٥).

стр. 850

ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، ومولده معروف بمكة من أسفلها على الجبل الذي بين كداء وكدي (١). وهو من المهاجرين الأولين (٢). خرج يطوف بالسوق - بعد حجته (٣) - فلقيه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي، غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا - وقيل: مجوسيا (٤) - فقال: أعدى عليّ المغيرة بن شعبة، فإن عليّ خراجا كثيرا، قال: فكم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال: فأيش صناعتك؟ قال: نقاش، نجار، حداد، قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، ثم قال له: وبلغني أنك قلت: لو أردت أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحا، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف، فقال عمر ﵁: لقد توعدني العلج آنفا، ثم أتى عمر منزله، فجاءه كعب الأحبار فقال: يا أمير المؤمنين أعهد، فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال: وما يدريك؟ فقال: أجده في كتاب الله التوراة، فقال عمر: الله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى أجلك. فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين ذهب يوم وبقي يومان، ثم جاءه بعد ذلك فقال: ذهب يومان وبقي

стр. 851

يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها (١)، فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته، وسقط عمر، وظهر العلج لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة - وقيل: ستة - فطرح عليه رجل من المسلمين برنسا واحتضنه من خلفه، فنحر العلج نفسه، وأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فصلى بالناس ب: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ وحمل عمر إلى منزله ودخل عليه المهاجرون والأنصار يسلمون عليه، ودخل/في الناس كعب فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول: وأوعدني كعب ثلاثا أعدها … ولا شك أن القول ما قاله كعب وما بي حذار الموت إني لميت … ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب (٢) طعن يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين، بعد حجته تلك السنة، وقيل: طعنه يوم الإثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقيل: لثلاث ليال بقين من ذي الحجة، وبقي ثلاثة أيام بعد

стр. 852

الطعنة ثم توفي (١). واستأذن عائشة ﵂ أن يدفن مع صاحبيه فأذنت له (٢). وقالوا له: أوصي، استخلف، فقال ما أجد أحدا أولى ولا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذي توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى: عثمان، وعليا، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن بن عوف، فهم أهل الشورى (٣). وتوفي وسنه يومئذ ثلاثة وستون سنة، وقيل: ستون، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ست وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: خمس وخمسون (٤). ونزل قبره عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وقيل: صهيب، وابنه عبد الله بن عمر عوضا عن الزبير، وسعد (٥).

стр. 853

تولى الخلافة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، لثمان بقين من جمادى الآخرة (١)، وقيل: بويع له في رجب، وقيل: في ذي الحجة من السنة المذكورة، فكانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام (٢). وهو أول من سمّي أمير المؤمنين لا خلاف في ذلك (٣)، وأما ما توهمه بعض الجهلة في مسيلمة فخطأ، وقيل: أول من تسمى بذلك عبد الله بن جحش - حكاه ابن الجوزي (٤). وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي وجاه المنبر (٥). وصهيب: هو الذي قال فيه ﷺ : «صهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة» (٦). مات صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين أو تسع وثلاثين (٧). جملة ما روى عمر ﵁ سبعمائة وسبعة وثلاثون حديثا، أخرج

стр. 854

له منها في الصحيحين إحدى وثمانون، المتفق عليه منها ثمانية وسبعون، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة (١). وجملة من في الصحابة اسمه عمر ثمانية، كلهم رووا عن رسول الله ﷺ ، وليس فيهم عمر بن الخطاب سواه (٢). وجملة من يجيء في الحديث عمر بن الخطاب سبعة: هو أحدهم، الثاني: كوفي روى عنه خالد الواسطي/الثالث: راسبي روى عنه سويد، الرابع: اسكندراني روى عن ضمام، الخامس: عنبري روى عن أبيه، السادس: بصري روى عن معتمر، السابع: سجستاني روى عن محمد بن يوسف (٣). وقال أبو نعيم: في الصحابة سبعة عشر عمر. ولما دفن عمر رضي الله تعالى عنه قالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، امرأة عمر بن الخطاب ترثاه: وفجعني فيروز لا در دره … بأبيض تال للكتاب منيب رؤفا على الأدنى غليظا على العدى … أخي ثقة في النائبات مجيب

стр. 855

متى ما يقل لا يكذب القول فعله … سريع إلى الخيرات غير قطوب (١) وقيل: هذا الشعر ينسب إلى الشّماخ بن ضرار وإلى أخيه مزرد بن ضرار (٢)، وهو في عمر رضي الله تعالى عنه. عاتكة: امرأته تزوجها عبد الله بن أبي بكر فقتل عنها، ثم عمر فقتل عنها، ثم الزبير فقتل عنها، ثم توفيت سنة إحدى وأربعين (٣). وأنشد بعضهم: قتلوه مظلوما ما لدا محرابه … من غير ما ذنب سوى الأحقاد ثم استحلوه عقيلة ماله … ونسوا جميلا بينهم ووداد ولما دفن ﵁ لزمت عائشة ﵂ ثيابها، الدرع والخمار والإزار وقالت: إنما كان أبي وزوجي، فلما دخل معهما غيرهما لزمت ثيابي، وابتنت حائطا بينها وبين القبور، وبقيت في بقية البيت من جهة

стр. 856

الشام (١). ويروى عنها: أنها رأت في المنام أنه سقط في حجرها - وروي في حجرتها - ثلاثة أقمار، فذكر ذلك لأبي بكر، فقال: خيرا، قال يحيى بن سعيد (٢): فسمعت بعد ذلك أن رسول الله ﷺ لما دفن في بيتها قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك يا بنية وهو خيرها (٣). نبذة من بعض فضائله ﵁: كان آدم شديد الأدمة، طوالا، كثّ اللحية، أصلع (٤). عن ابن عباس ﵄ قال: «رأيت عمر ﵁ في المنام بعد وفاته، فقلت له: يا أمير المؤمنين من أين أقبلت؟ قال: من حضرة ربي ، فسألته: ماذا فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، فسألني ثم قال: يا عمر تناديك امرأة على شاطيء الفرات، قد هلك من شياهها شاة تقول: واعمراه والمرأة تستغيث بك فلا تجيبها؟ فقلت: وعزتك وجلالك ما علمت بذلك وأنت أعلم مني، فقال لي: وقد كان يجب عليك وإني أرعد من تلك المسألة

стр. 857

إلى هذا الوقت، قال ابن عباس ﵄: ثم ماذا؟ قال: رددت إلى مضجعي، فهبط عليّ منكر ونكير فقالا لي: من ربك ومن نبيك؟ فقلت لهما: أما تستحيان مني ولمثلي تقولان هذا وجذبتهما إليّ، وقلت: الله ربي وضجيعي نبي، وأنتما من ربكما؟ /فقال نكير لمنكر: والله يا أخي ما ندري نحن المبعوثون إلى عمر أم عمر المبعوث إلينا، فرفع رسول الله ﷺ من لحده فقال لهما: عمر بن الخطاب هو أعرف بربه منكما» (١). سمعت والدي ﵀ يقول: سمعت خليل المالكي - إمام المالكية بالحرم الشريف - يقول: من استدام قراءة سورة الملك مرة كل يوم لم ير الملكان. سمعت والدي ﵀ يقول: لما توفيت أم امرأة الشيخ أبو محمد ﵁، أرسل بقميصه وقال: اجعلوه من جملة أكفانها. ففعلوا، فلما دفنت أتى الشيخ ﵀ الدار وأخرج تمرا ودقيقا وأمرهم بعمل كعك وقال: هذا شكرانه السلامة قالت امرأته: وما ذاك يا سيدي. قال: لما أتاها الملكان نظرا إليها وقال أحدهما للآخر: ارجع بنا فإن عليها قميص المرجاني، فرجعا ولم يسألاها (٢)، فكان والدي ﵀ يحتفظ على جبة من صوف كانت عنده من لباس والده، وأعطى لنا منها قطعة لكل شخص وقال: إذا أنا مت كفنوني فيها ففعلت. وفي أيام عمر بن الخطاب ﵁ كانت وقعة فحل (٣)

стр. 858

واليرموك (١) وأنطاكية (٢)، وأجلى هر قل إلى القسطنطينية (٣)، والقادسية (٤) والمدائن (٥) وجلولاء (٦) ونهاوند (٧)، وازعاج كسرى من مملكته إلى خراسان (٨)، واستيلاء المسلمين على ديار غزة (٩)، وبنيت في أيامه: البصرة (١٠)

стр. 859

والكوفة (١) والفسطاط (٢). وقتل ﵁ وعماله على مكة: نافع بن عبد الحارث، وعلى الطائف: سفيان بن عبد الله، وعلى الكوفة: المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة: أبو موسى الأشعري، وعلى مصر: عمرو بن العاص، وهو الذي بنى الفسطاط (٣). ومن العجائب: أب وابن تقارب ما بينهما في السن: عمرو بن العاص، كان بينه وبين ابنه عبد الله ثلاثة عشر سنة، وأخوان تباعد ما بينهما في السن: موسى بن عبيد الذي يروى عنه الحكايات، وأخوه عبد الله بن عبيدة [فإن عبد الله أسن من موسى] (٤) بثمانين سنة ولا يذكر مثلها (٥). وافتتحت مصر سنة عشرين، والإسكندرية سنة إحدى وعشرين (٦)، وأرض مصر محدودة مسيرة أربعين ليلة في مثلها، وطولها من الشجرتين اللتين بين رفح (٧) والعريش (٨) إلى

стр. 860

أسوان (١)، وعرضها من برقة إلى أيلة (٢). وكان اسم مصر - فيما تقدم (٣) - مقذونية، وكان خراجها في أيام فرعون ستة وتسعون ألف ألف دينار، وجبى مصر عبد الله بن الخشاب في أيام بني أمية ألفي ألف وسبعمائة ألف [وثلاثة وعشرون ألفا وثمانمائة وسبع وثلاثون دينارا، وحمل منها موسى بن عيسى في زمان بني العباس ألفي ألف ومائة ألف] (٤) وثمانون ألف دينار (٥). ومصر هي أرض القيراط أجمع الشارحون على ذلك (٦). حكى الشيخ شهاب الدين فضل الله عن الطحاوي في «مشكل الآثار» أن الإشارة وقعت إلى كلمة عوراء يستعملها المصريون فقط في المسابة فيقولون/أعطيت فلانا قراريط أي أسمعته المكروه. وكورة مصر كثيرة منها: أسوان، وإخميم (٧)، والأسكندرية، والقلزم، والطور، وأيلة (٨).

стр. 861

وكان في زمانه على حمص: عمير بن سعد، وعلى دمشق: معاوية، وعلى صنعاء: يعلى بن منبه، وعلى الجند (١): عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى البحرين: عثمان بن أبي العاص (٢). والبحرين: من ناحية نجد وليست من الحجاز، وببحرها اللآليء، ومخاليفها: الخط، والقطيف، والأرده، وهجر، وقردق، وبينونة وزارة، وجواثا، وسابور، ودارين، وغابة (٣) (¬ (*)).

стр. 862

وبنى البصرة في زمانه عتبة بن غزوان (١)، قيل: عدّت أنهار البصرة أيام بلال بن أبي بردة (٢) فزادت على مائة ألف نهر وعشرين ألف نهر تجري فيها الزواريق، وبها نخل متصل إلى عبادان نيف وخمسين فرسخا في أرض لا جبال بها، وبها نهر يعرف بنهر الأبلة طوله أربع فراسخ بين البصرة والأبلة، والأبلّة مدينة إلى جنب البصرة (٣)، وهي من كور دجلة (٤)، يقال لها: كورة دستميسان (٥). وكتابه ﵁: زيد بن ثابت، وعبد الله بن أرقم. وحاجبه: يرفأ مولاه. ومؤذنه: سعد القرظ (٦). وهو أول من اتخذ الدّرة (٧)، وأول من تولى خطة القضاء (٨).

стр. 863

وأنجز الله في خلافته عظيم ما وعد الله به رسوله ﷺ من الفتوح، لأنه ﷺ ، أخبر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، وبلغ ملكهم من أول المشرق إلى بلاد السند، والترك، إلى آخر بلاد المغرب من سواحل البحر المحيط بالأندلس، وبلاد البربر (١). ولم يتسعوا في الجنوب والشمال كل الإتساع (٢). وقال القاضي عياض (٣): «زويت له ﵊ الأرض، فرأى مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها، فكذلك كان امتدت في المشارق والمغارب، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة، حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم، ولم يمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك». وفي زبور داود ﵇ أن نبينا ﵊ يحوز من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض. وقد روي عن العباس بن الوليد (٤) معنعنة (٥) عن ثوبان قال له رسول الله

стр. 864

صلّى الله عليه وسلّم: زويت الأرض لي [مشارقها] (١) إلى مغاربها، وأعطيت الكبريت الأحمر والأبيض» إلى آخر الحديث (٢). وهذا معناه: أنه أعطي علم الصنعة، عمل أكسير الحمرة والبياض، وأعطي أيضا من القوة ما أن يلقيه على الحجارة فتصير ذهبا، وهو معنى قوله: «أجعل لك جبال مكة ذهبا تسير [معك] (٣) حيث ما سرت». وكان ﷺ ، قد فتح في حياته الحجاز/واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق. ويروى أن النيل امتسك في زمانه ﵁، فسألوا القبط عن ذلك، فقالوا: كنا إذا وقف مداده عمدنا إلى جارية من بنات ملوكنا، فألقيناها في عرضه فيمد، وما لم نفعل فلا يمد، فكتب بذلك إلى عمر ﵁ فكتب كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن كنت تجري بحولك وقوتك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بحول الله وقوته فاجر على بركة الله والسلام. وكتب إلى عمرو بن العاص، وهو أمير مصر يومئذ يأمره أن يلقي كتابه في عرض النيل، ففعل فمدّ النيل (٤).

стр. 865

ومخرج النيل من جبل القمر، وسمي جبل القمر لبياضه، لأنه لا يزول الثلج عليه، ولكثرة النداوة أيضا، لأن النداوة من تأثير القمر، فإذا خرج من جبل القمر صب في بحيرتين خلف خط الإستواء، ويطيف بأرض النوبة، ويجيء إلى مصر، فيصب بعضه بدمياط في البحر الرومي (١). قال صاحب صور الأقاليم: لا يعلم ابتداء ماء النيل، لأنه يخرج من مغارة من وراء أرض الزنج لا تسلك، ويقال: إنه من الفرات. وقيل: الفرات والنيل نهران يخرجان من تحت سدرة المنتهى (٢)، وشجرة المنتهى شجرة على حد السماء السابعة، وعروقها وأغصانها تحت الكرسي، لها كل ورقة تغطي الدنيا، ونبقها مثل قلال هجر (٣)، يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، الباطنان في الجنة، والظاهران النيل والفرات (٤).

стр. 866

وفي الحديث: سدرة المنتهى صبر الجنة. والصبر أعلى الشيء (١)، وفيه لغة: بصر الجنة من المقلوب كالجذب والجبذ، والصاعقة والصاقعة، وما أطيبه وأيطبه، وربض ورضب، وانبض في القوس وانضب، ولعمري ولرعمي، واضمحل وامضحل، وعميق ومعيق، وسبسب وبسبس، وملكت الشيء ومكلته إذا أخطأته، وأسير مكبل ومكلب، وسحاب مكفهر ومكرهف، وناقة ضمرز وضرزم إذا كانت مسنة، وطريق طامس وطاسم، وقفا الأثر وقاف الأثر، وتاع البعير والناقة وتعاها بلغة اليمن أي جاء، وقوس عطل [وعلط لا وتر عليها، وجارية فتين وفنيت قليلة الدر، وشرخ الشباب وشخره أوله، ولحم خنز] (٢) وخزن، وتنح عن لقم الطريق ولمق [الطريق،] (٣) وجرجمة وجمجرة وهو الشديد، ونفحته بيدي ونحفته إذا ضربته، وهجهجت بالفرس وجهجهت، وبطيخ وطبيخ، وماء سلسال ولسلاس وملسلس ومسلسل إذا كان صافيا، ودقم فاه بالحجر ودمقه، وفثأت القدر وثفأتها إذا سكنت غليانها، وكبكبت الشيء وبكبكته [إذا طرحت بعضه على بعض،] (٤) وثكم الطريق وكثمه وجهه/وجارية قبعة وبقعة وهي التي تظهر وجهها ثم تخفيه، وكعبرته بالسيف وبعكرته إذا ضربته، ولفت الشيء وفلته. حكاه ابن الجوزي (٥). وتبتديء الزيادة في نيل مصر في السابع والعشرين من أيار، وفيه تغور جميع الأنهار إلا النيل (٦). وفي إحدى وعشرين من تشرين الأول يفرغ النيل.

стр. 867

وأما سيحون (١) فإنه بالهند، وجيحون (٢) نهر ببلخ، ويخرج جيحون من بلاد التبت حتى يمر ببلخ، - والتبت (٣) بضم التاء الأول والباء الموحدة المضمومة أيضا وآخرها كأولها - ثم يمر بالترمذ (٤)، وخوارزم (٥) حتى يصب إلى بحر جرجان (٦). وسيحان (٧) قال الشارحون: نهر بالشام، وكذلك جيحان (٨)، الأول من السيح والثاني من جحن والنون فيه أصلية. وسيحان نهر بالبصرة (٩). وفي الحديث عنه ﷺ قال: «أربعة أنهار في الأرض من الجنة: الفرات، والنيل، وسيحون، وجيحون».

стр. 868

وفي حديث أبي هريرة ﵁ عنه ﷺ مثله، وقال: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل» (١). وعن كعب [قال:] (٢) «أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الأرض: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، سيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة» (٣). وقال ابن لهيعة: الدجلة نهر اللبن في الجنة. وكان نقش خاتمه ﵁: «كفى بالموت واعظا يا عمر» (٤). ومتى هاج الريح وذكر اسمه ﵁، برد الريح (٥). وسمعت من حكماء الهند قال: إذا كتبت اسمه ﵁ على فخذك لم تحتلم، قال: ولي سنتين لم أغتسل منها (٦). وسمعت من الأستاذ الكبير ابن سيد الناس النويري يقول: من قرأ كل ليلة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ (٧) إلى هذا الحد لم يحتلم، قال: ولي خمس عشرة سنة لم أغتسل من الإحتلام، أو قال: خمس وعشرون سنة - شكيت في ذلك، وهذا من

стр. 869

خصائصه ﵁ (١)، كما روي عن يعقوب بن أحمد قال سمعت عبد الرحمن بن محمد مولى بني أمية يقول: زاد نيل مصر حتى خشي الناس الغرق، قال فوقفت عليه وقلت: بحرمة عمر بن الخطاب عليك إلا سكنت. فسكن (٢). عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: «قال رسول الله ﷺ : قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب» (٤). وقال ﵊: «اتقوا غضب عمر فإن الله تعالى يغضب إذا غضب عمر» (٥). وقال ﵊: «حب عمر براءة من النار» (٦).

стр. 870

وقال ﵊: «ضرب الله الحق على لسان عمر وقلبه» (١). وقال ﵊: «قال لي جبريل: اقرأ عمر السلام وأعلمه أن رضاه حكم وأن سخطه عذاب» (٢). وقال ﵊: «قال لي جبريل: ليبك الإسلام من بعد موتك على موت عمر» (٣). وقال ﵊: «من أحب عمر فقد أحبني ومن أبغض /عمر فقد أبغضني» (٤). وقال ﵊: «الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خرّ لوجهه» (٥). وقال ﵊: «أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس» (٦).

стр. 871

وقال ﵊: «بينا أنا نائم والناس يعرضون عليّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثديين ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليّ عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين» (١). وقال ﵊: «نزل عليّ جبريل يوم أسلم عمر فأخبرني أن الملائكة استبشرت بإسلام عمر» (٢). وقال ابن مسعود: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (٣). وأسلم عمر ﵁ بعد أربعين رجلا وأحد عشر امرأة (٤).

стр. 872

الفصل الحادي عشر ما جاء في أن النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄، وعيسى ﵇، خلقوا من طينة واحدة، وأن كل مخلوق يدفن في تربته التي خلق منها عن أنيس بن أبي يحيى (١) قال: لقي رسول الله ﷺ ، جنازة في بعض سكك المدينة، فسأل عنها فقالوا: فلان الحبشي، فقال رسول الله ﷺ : «سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها» (٢). سكك المدينة: يعني أزقتها، سميت بذلك لإصطفاف الدور فيها كطريق النخل المأبورة التي قد لقحت. وفي الحديث: «سكة مأبورة» هي الطريق المستوية المصطفة من النخل (٣). قال الحافظ محب الدين بن النجار (٤): «فعلى هذا طينة النبي ﷺ التي خلق منها من المدينة، وطينة أبي بكر وعمر ﵄ من طينة

стр. 873

النبي ﷺ ، وهذه منزلة رفيعة». قلت (١): في قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ﴾ (٢) إشارة إلى رد الإنسان إلى طينة المبدأ، التي منها النشأة الأولى، فالإنسان يدفن في مكان أخذ تربته على حد الموازنة، فلا يقال لأهل البقيع: إنهم من تربة النبي ﷺ ، وإنما لهم شركة في الأرض المأخوذ منها، دليله: ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا وفي سرته من تربته التي خلق منها، فإذا رد إلى أرذل العمر رد إلى تربته التي خلق منها، حتى يدفن فيها، وإني وأبا بكر وعمر خلقنا من تربة واحدة، وفيها ندفن». الدليل: ما روي عنه ﷺ أنه قال: «ما من مولود يولد إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته» (٣). قلت (٤): «هذا الحديث أتى على حد الموازنة، ومن دفن منه جزء بأرض، ودفن بأرض أخرى يمكن أن يقال: خلق من تربتين من أرضين، وقيل: لا يمكن، وليست تربته إلا ما حازت عجب الذنب منه، لأنها فيما يظهر لي أنها تربة حفرته، دليله: بقاؤها، ومنها ينبت في النشأة الثانية». ولم يسمع بمثل ما جرى لعميد الملك الكندري/أبو نصر محمد بن منصور (٥)، استوزره السلطان طغرل بك

стр. 874

السلجوقي (١)، وهو أول وزير للدولة السلجوقية، وكان من أصحاب إمام الحرمين، قتله ألب أرسلان في سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأريق دمه بمرو الروذ، ودفن جسده بقرية كندر (٢)، وجمجمته بنيسابور، ومذاكيره بخوارزم، وحشيت سوقه بالتبن ونقلت إلى كرمان (٣). ألب أرسلان عضد الدولة محمد بن شجاع بن ميكائيل بن سلجوق الملك (٤)، بلغ عسكره مائتي ألف فارس، وبلغ ملكه حلب من أقاصي المشرق، توفي سنة خمس وستين وأربعمائة (٥)، وتولى الملك بعده ولده تاج الدولة تتش، وقتل سنة ثمان وثمانين وأربعمائة (٦)، وتولى الملك آخر الدولة السلجوقية سنجر ابن ملكشاه بن ألب أرسلان (٧)، وهب في مجلس لهو سبعمائة ألف دينار،

стр. 875

واجتمع عنده من الجوهر ألف رطل وثلاثون رطلا، توفي سنة إثنتين وخمسين وخمسمائة، وبموته انقرضت دولة بني سلجوق، وأول ملوكهم طغرل بك (١). ومن قبلهم انقرض ملك السامانية، وكان لمحمود بن سبكتكين الملك (٢)، وهو الذي عقد الجسر على جيحون، وأنفق في ذلك ألفي ألف دينار، ولم يحظ بطائل، فأغرم وزيره خمسين ألف ألف دينار، وهو الذي كان أشار عليه بذلك (٣). قبض على ملك السامانية وأقام الخطبة للقادر بالله (٤)، وبلغ محمود إلى قلعة لملك الهند، فجاءه رسول الملك يحمل على نعش، فصالحه على خمسمائة فيل، وثلاثة آلاف ومائة منا فقرة، فبعث محمود إلى ملكهم قباء وعمامة، وسيفا، ومنطقة، وفرسا، وخفا، وخاتما، وأمره أن يقطع إصبعه وهي علامة الوثيقة بينهم، فلبس الملك الخلعة، وقطع الإصبع الصغرى (٥). وفتح محمود قلعة نهام وبيت أصنامهم وكانت ذهبا قيمتها تزيد على عشرين ألف ألف دينار (٦).

стр. 876

مات محمود سنة [إحدى وعشرين وأربعمائة (١)، وانقرض ملك السامانية في سنة] (٢) تسع وثمانين وثلثمائة، وكان ملكهم مائة سنة وسنتين، وآخر ملوكهم الحارث بن منصور بن نوح بن منصور بن نوح - وأبوه الساماني نوح ابن منصور الملك - ثم قبض على الحارث وأجلس عبد الملك أخوه، فقصدهم محمود المذكور (٣). انتهى. قال سيدنا عبد الله بن أبي جمرة (٤): «إن الملك إذا جاء لتصوير المولود في بطن أمه، نصب له سبعون من جدوده على ما رواه أبو داود، ثم يلقى الله سبحانه شبهه على من يشأ منهم، ويكون الجنين في البطن معتمدا بوجهه على رجليه [وبراحتيه] (٥) على رأسه، وأنفه بين ركبتيه، وعيناه على ركبتيه، وظهره/إلى وجه أمه، وبعد أربعين يوما من حمله يؤتى بتراب تربته ويعجن به وينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما، ويتنفس بنفس أمه، وعند ولادته يقدم رأسه، وقد يقدم الرجلان في كثير من الناس، وتلد المرأة من واحد إلى عشرة، وخلق الله في كل شخص ثلثمائة وستين عظما، وقيل: مائتان وأربعون سوى السمسمانية، وعروق القبض والبسط ثلثمائة وستون، والعين

стр. 877

سبع طبقات وأربع وعشرون عضلة، والعضال خمسمائة وتسع وعشرون» (١). وعنه ﷺ قال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة [جاء] (٢) ذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل [جاء] (٣) أنثى بإذن الله تعالى» (٤). قال أهل السير: وفي بيت عائشة ﵂، موضع قبر في السهوة (٥) الشرقية، قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع النبي ﷺ (٦). وعن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام (٧)، عن أبيه، عن جده قال: «يدفن عيسى بن مريم ﵇ مع النبي ﷺ ، وصاحبيه ﵄، ويكون قبره الرابع، فعلى هذا فطينته من طينتهم» (٨).

стр. 878

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أهبط الله تعالى المسيح، فيعيش في هذه الأمة ما يعيش، فيموت بمدينتي هذه، ويدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبي بكر وعمر يحشران بين نبيين، فانظر إلى هذا الفضل العظيم» (١). وفي ذلك قلت: بدا فضل أصحاب الرسول المؤيد … بما نالهم من كل خير مؤبد أبا بكر الهادي إلى الدين والهدى … أبا حفص مهدي الخلق للدين [مرشد] (٢) كريمين حازا من علا المجد رفعة … كلاهم إماما في علا المجد مفرد سطوا بسيوف النصر أفنوا بحدها … سحاب بدا ساط من الكفر أسود أنيلوا بفضل الله ما لم ينله … سواهم لهم فضلا نبا عنه تعدد لهم رفعة في الدين تسمو تجليا … تزيد لهم في كل يوم تجدد

стр. 879

ويوم يقوم الناس للرب يحشروا … إلى بعثهم من بين عيسى وأحمد فناهيك هذا الفضل مترضيا … عليهم متى ما عشت دائم تسعد وقلت أيضا: تأمل ضجيعي سيد الخلق أحمد … محمد الهادي الشفيع المطهر أبو بكر المهدي إلى دين أحمد … ومن بعده الفاروق للدين يعمر حووا كل فخر معه كل فضيلة … وليس لها حد فتقوا وتحصر ومعهم خير الخلق أكرم رسله … ومعهم عيسى آخر الدهر يقبر /فطوبى لما حازوه ثم لما حووا … وطوبى لهم بين النبيين يحشر فمن الذي ينكر فضائلهم عمى … إذا ما هم يوما من الدهر يذكر لقد صار لا دنيا ولا دين خاسرا … ومن فاته الفردوس فالنار تسعر

стр. 880

وليس لعبد في رجاه توسلا … سوى حبهم فاحبب كلاهم يحبر وإني عبد الله ممن ذنوبه … تزيد على مر الزمان وتكبر ولكن حبي في الجميع وسيلتي … وفي جنب حبر أرج ذنبي يغفر وحسن ظنوني في الهى جميلة … وهيهات بين الحب والظن أخسر عيسى ﵇ ابن مريم، ومريم بلغتهم العابدة، ومريم بنت حنّة امرأة عمران (١). وعمران هو ابن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وعمران في نسبه يصل إلى سليمان بن داود (٢). نفخ جبريل ﵇ في درع مريم بعد أن وضعته، فلما لبسته حملت (٣). وكان مقدار حملها تسعة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة، وقيل:
следующие страницы →