← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مات محمود سنة [إحدى وعشرين وأربعمائة (١)، وانقرض ملك السامانية في سنة] (٢) تسع وثمانين وثلثمائة، وكان ملكهم مائة سنة وسنتين، وآخر ملوكهم الحارث بن منصور بن نوح بن منصور بن نوح - وأبوه الساماني نوح ابن منصور الملك - ثم قبض على الحارث وأجلس عبد الملك أخوه، فقصدهم محمود المذكور (٣). انتهى. قال سيدنا عبد الله بن أبي جمرة (٤): «إن الملك إذا جاء لتصوير المولود في بطن أمه، نصب له سبعون من جدوده على ما رواه أبو داود، ثم يلقى الله سبحانه شبهه على من يشأ منهم، ويكون الجنين في البطن معتمدا بوجهه على رجليه [وبراحتيه] (٥) على رأسه، وأنفه بين ركبتيه، وعيناه على ركبتيه، وظهره/إلى وجه أمه، وبعد أربعين يوما من حمله يؤتى بتراب تربته ويعجن به وينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما، ويتنفس بنفس أمه، وعند ولادته يقدم رأسه، وقد يقدم الرجلان في كثير من الناس، وتلد المرأة من واحد إلى عشرة، وخلق الله في كل شخص ثلثمائة وستين عظما، وقيل: مائتان وأربعون سوى السمسمانية، وعروق القبض والبسط ثلثمائة وستون، والعين

стр. 877

سبع طبقات وأربع وعشرون عضلة، والعضال خمسمائة وتسع وعشرون» (١). وعنه ﷺ قال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة [جاء] (٢) ذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل [جاء] (٣) أنثى بإذن الله تعالى» (٤). قال أهل السير: وفي بيت عائشة ﵂، موضع قبر في السهوة (٥) الشرقية، قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع النبي ﷺ (٦). وعن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام (٧)، عن أبيه، عن جده قال: «يدفن عيسى بن مريم ﵇ مع النبي ﷺ ، وصاحبيه ﵄، ويكون قبره الرابع، فعلى هذا فطينته من طينتهم» (٨).

стр. 878

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أهبط الله تعالى المسيح، فيعيش في هذه الأمة ما يعيش، فيموت بمدينتي هذه، ويدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبي بكر وعمر يحشران بين نبيين، فانظر إلى هذا الفضل العظيم» (١). وفي ذلك قلت: بدا فضل أصحاب الرسول المؤيد … بما نالهم من كل خير مؤبد أبا بكر الهادي إلى الدين والهدى … أبا حفص مهدي الخلق للدين [مرشد] (٢) كريمين حازا من علا المجد رفعة … كلاهم إماما في علا المجد مفرد سطوا بسيوف النصر أفنوا بحدها … سحاب بدا ساط من الكفر أسود أنيلوا بفضل الله ما لم ينله … سواهم لهم فضلا نبا عنه تعدد لهم رفعة في الدين تسمو تجليا … تزيد لهم في كل يوم تجدد

стр. 879

ويوم يقوم الناس للرب يحشروا … إلى بعثهم من بين عيسى وأحمد فناهيك هذا الفضل مترضيا … عليهم متى ما عشت دائم تسعد وقلت أيضا: تأمل ضجيعي سيد الخلق أحمد … محمد الهادي الشفيع المطهر أبو بكر المهدي إلى دين أحمد … ومن بعده الفاروق للدين يعمر حووا كل فخر معه كل فضيلة … وليس لها حد فتقوا وتحصر ومعهم خير الخلق أكرم رسله … ومعهم عيسى آخر الدهر يقبر /فطوبى لما حازوه ثم لما حووا … وطوبى لهم بين النبيين يحشر فمن الذي ينكر فضائلهم عمى … إذا ما هم يوما من الدهر يذكر لقد صار لا دنيا ولا دين خاسرا … ومن فاته الفردوس فالنار تسعر

стр. 880

وليس لعبد في رجاه توسلا … سوى حبهم فاحبب كلاهم يحبر وإني عبد الله ممن ذنوبه … تزيد على مر الزمان وتكبر ولكن حبي في الجميع وسيلتي … وفي جنب حبر أرج ذنبي يغفر وحسن ظنوني في الهى جميلة … وهيهات بين الحب والظن أخسر عيسى ﵇ ابن مريم، ومريم بلغتهم العابدة، ومريم بنت حنّة امرأة عمران (١). وعمران هو ابن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وعمران في نسبه يصل إلى سليمان بن داود (٢). نفخ جبريل ﵇ في درع مريم بعد أن وضعته، فلما لبسته حملت (٣). وكان مقدار حملها تسعة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة، وقيل:

стр. 881

ثلاث ساعات، وقيل: ساعة (١). وعمرها إذ ذاك عشر سنين، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: خمس عشرة (٢). ولما ولد خرت الأصنام (٣)، ولد ببيت لحم (٤) من أرض أوريشلم (٥) لمضي [خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الأشكانيين، ولمضي إثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس (٦). وتكلم في المهد وهو ابن] (٧) أربعين يوما، ولم يتكلم بعدها إلى أن بلغ مبلغ من يتكلم.

стр. 882

وجميع من تكلم في المهد ثلاثة عشر: شاهد يوسف ﵇، وابن ما شطة بنت فرعون، وعيسى ﵇، ويحيى ﵇، وشاهد جرجيس ﵇، وصاحب جريج الراهب، وصاحب الأخدود، وإسماعيل ﵇ حكاه وهب - قال لها: اسقني الماء، ونوح ﵇ ولدته أمه في غار خوفا من ملكهم فلما أرادت أن تنصرف فقالت: وانوحاه فقال: لا تخافي عليّ يا أمي فإن الذي خلقني يحفظني، وكان اسم ملكهم در ميل، وتولى بعده ابنه تلومين، وتولى بعد تلومين ابنه طغردوس، وبنت النمرود وذلك أن إبراهيم لما حاجه التفت إلى بنت نمرود وكانت ترضع فجعلت تقول للنمرود: ما تنتظر وهذا نبي الله فاتبعه وأنا أشهد به أن لا إله إلا الله قال: فأمر بها فقطعت قطعا (١). وعن [معرض (٢) عن أبيه، عن جده قال:] (٣) رأيت من النبي ﷺ عجبا، جيء بصبي يوم ولد فقال [له رسول الله ﷺ : يا غلام] (٤) من أنا؟ فقال: [أنت] (٥) رسول الله ﷺ وهو حديث مبارك اليمامة [ويعرف بحديث] شاصونة (٦) اسم راويه وفيه - فقال له النبي ﷺ : صدقت بارك الله فيك، ثم أن الغلام لم يتكلم بعدها حى شب، فكان يسمى مبارك اليمامة.) (٧)

стр. 883

وكانت هذه القصة في مكة في حجة الوداع (١). وعنه ﷺ : أن امرأة كانت ترضع ابنا لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على /الراكب وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، قال أبو هريرة ﵁: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص أصبعه، ثم مرّ بأمة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها وقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت لم ذلك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت زنت، ولم تفعل (٢). وبعد اثنتي عشرة سنة من مولد عيسى مات هيرودس الملك (٣)، وأوحى الله تعالى إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة، ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر من رمضان وعمره ثلاثة وثلاثون سنة، وذلك قبل قتل يحيى بثلاث سنين (٤). وقتل يحيى وهو ابن ثلاثين سنة، وكان أكبر من عيسى عليهما الصلاة والسلام - حكاه مكي - وهو أول من آمن بعيسى، أمّه أشياع

стр. 884

بنت حنّة امرأة عمران (١). وجميع ما في القرآن من امرأة منسوبة إلى بعلها فهي بالتاء المجرورة في مرسوم الخط، وما لم تنسب فهي بالهاء كامرأة مؤمنة (٢). والمرأة في القرآن على اثني عشر وجها (٣): حنّه: ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ (٤)، وخولة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ﴾ (٥)، وسارة: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾ (٦)، وزليخا: ﴿اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ (٧)، وصافورا، وعابورا بنتا شعيب: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ (٨)، وبلقيس: ﴿اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (٩)، وأم شريك: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ (١٠)، والهة امرأة نوح، والعة امرأة لوط: ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ (١١)، وآسية: ﴿اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ (١٢)، وأم جميل أخت أبي سفيان: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١٣).

стр. 885

ومولد يحيى في الرابع والعشرين من حزيران، وهو أطول يوم في السنة. وكان يوم قتل زكريا ابن ثلاثة أشهر، وهو زكريا بن برخيا، وقيل: مات ولم يقتل (١). وفي زكريا ثلاث لغات: المد والقصر، وأهل نجد يقولون: زكري فيقولون: الألف كان السبب في ندائه (٢). وقيل: هو ابن أدي من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق (٣)، وقيل: يعقوب هذا ليس بيعقوب بن إسحاق، بل يعقوب بن ماثان، وقيل: من نسل سليمان (٤). ومن عهد أرميا وتخريب بيت المقدس إلى مولد يحيى ﵇ أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانه في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل بهمن بن أسفنديار بن بشتاسب سبعين سنة، ثم من بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانيا وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلثمائة سنة وثلاث سنين (٥). وآخر من بعث فيهم زكريا ويحيى، فقتلوا زكريا، فبعث الله عليهم ملك بابل، وكان يقال له: خردوس، فذبح منهم سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين من

стр. 886

رؤسائهم، وسبيهم وأزواجهم فما/سكن دم يحيى (١). عن كعب قال: يبعث الله عيسى ﵇، على الأعور الدجال فيقتله، ثم يعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة. فائدة: وقع الخلاف بين العلماء في نبوة مريم على قولين، لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ (٢). والجمهور على أن مريم ولقمان ليسا بنبيين، وقد نقل إمام الحرمين من إجماع العلماء على أن مريم ليست نبية، وقد شذ من قال: نبيان ولا إلتفات إليه ولا تعريج عليه (٣). وذكر القرطبي (٤) «أن في التوراة والإنجيل عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك، فيجعل الله تعالى حواريه أصحاب الكهف والرقيم فيمرون حجاجا، فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا، وكذلك فتى موسى ﵇ يوشع بن نون، وهو ابن أخت موسى، وقيل: أنهم ماتوا، وقيل: أنهم يموتون قبيل الساعة، وقيل: أنه ﵇ يحج في سبعين ألفا منهم أصحاب الكهف». وحواري عيسى ﵇: شمعون الصفا، وشمعون القتال، ويعقوب بن زيدي، ويعقوب بن خلفي، وتولوس مارقوش، وأندراوس، وبرثلا،

стр. 887

ويوحنا، ولوقا، وثوما، ومتا (١). وسموا حواري [المسيح] (٢): لصفاء قلوبهم، وقيل: الحواريون الأنصار (٣). وأصحاب الكهف: فتية من الروم دخلوا الكهف قبل المسيح، فضرب الله على آذانهم، ثم بعثهم الله تعالى بعد المسيح في الفترة وهم: مكسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وبينيوس، وشاريوس، وذونواس واسم جبلهم ينجلوس، واسم الكهف الوصيد، وقيل: جيروم، والرقيم الكتاب، وقيل: واد بين غضبان وأيلة دون فلسطين، وقيل: هو قريتهم واسم كلبهم قمطير كلب المرفوق القبطي ودون الكردي، وقيل: اسمه حمران، وقيل: تنواو، وقيل: منطور، وقيل: بسيط، وقيل: صهبا، وقيل: بقى، وقيل: قطمون، وقيل: قطيفير (٤). قال الشيخ مكين الدين الأسمر (٥): قرأت سورة الكهف، فلما بلغت قصتهم خرج إليّ شاب أسمر رقيق شعر العارضين، وهو يقول: هكذا والله كانت قصتنا من أخبركم بقصتنا (٦)؟ انتهى.

стр. 888

عن هارون بن موسى الفروي (١) قال: سمعت جدي أبا علقمة (٢) يسأل: كيف كان الناس يسلمون على النبي ﷺ ، قبل أن يدخل البيت في المسجد؟ فقال: كان يقف الناس عند باب البيت ويسلمون عليه، وكان الباب ليس عليه غلق، حتى هلكت عائشة ﵂ (٣). وقيل: كان الناس يأخذون من تراب قبر النبي ﷺ ، فأمرت عائشة ﵂، بجدار فضرب عليهم (٤). ويروى أن امرأة قالت لعائشة: أكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ ، فكشفته لها، فبكت حتى ماتت (٥). /وأنشد بعضهم [يقول:] (٦) ثلاثة برزوا بسبقهم بهم … يطيب الحديث والخبر محمد المصطفى وصاحبه الصديق … والثالث الرضا عمر

стр. 889

عاشوا بلا فرقة حياتهم … وأجمعوا في الممات إذ قبر هم هداة الورى وقاداتهم … وفضلهم زينت به السور وليس من مسلم له بصر ينكر … من فضلهم إذا ذكر الفصل الثاني عشر ما جاء في صفة وضع القبور المقدسة وسبب الإختلاف شدة هيبة تلحق الناظر، فتزيل منه كيفية التمييز، كما سئل بعض من نزل الحجرة المقدسة في هذا القدر - لسبب يأتي (١) - فقال: لا أدري ما رأيت (٢). عن عثيم بن نسطاس (٣) قال: رأيت قبر النبي ﷺ ، لما هدم عمر بن عبد العزيز ﵁ البيت، مرتفعا نحوا من أربع أصابع، عليه حصباء إلى الحمرة مائلة، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر النبي ﷺ ، ورأيت قبر عمر

стр. 890

أسفل منه وصوره هكذا (١): | قبر النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ وعن عائشة ﵂ قالت: رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب، ورأس أبي بكر عند رجلي النبي ﷺ ، وعمر خلف ظهر النبي ﷺ ، وهذه صفته (٢): | قبر النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ وعن نافع بن أبي نعيم (٣): أن صفة قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: قبر النبي ﷺ أمامهما إلى القبلة مقدما، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله ﷺ ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر ﵄، وهذه صفته (٤):

стр. 891

| وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أمّه، أريني قبر النبي ﷺ وصاحبيه، ﵄، فكشفت لي عن قبورهم، فإذا هي لا مرتفعة، ولا لاطية مبطوحة ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة، وإذا قبر النبي ﷺ أمامهما، ورجلا أبي بكر عند رأس النبي ﷺ ، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر، وهذه صفته (١): | وروى المنكدر بن محمد (٢)، عن أبيه قال: قبر رسول الله ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي النبي ﷺ ، وهذه صفته (٣): |

стр. 892

وعن عبد الله بن محمد بن عقيل (١) قال: خرجت في ليلة ممطرة إلى المسجد، حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة، لا والله ما وجدت مثلها قط، فجئت المسجد، فبدأت بقبر النبي ﷺ ، فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبي ﷺ ، ومكثت فيه مليا، ورأيت القبور، فإذا قبر رسول الله ﷺ ، وقبر أبي بكر عند رجليه، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر ﵄، وهذه صفتها (٢): | وعلى هذه الصفة المذكورة روي عن عبد الله بن الزبير أيضا (٣). وقد اختلفت الرواية في قبره ﷺ ، هل هو مسنم، أو مسطوح، فروى الوصفان جميعا (٤). والمسنم المرتفع. وروى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عن سنين بن زياد قال: رأيت قبر النبي ﷺ ، وصاحبيه، فرأيت قبورهم مسنمة.

стр. 893

وعن سفيان التمار (١) أنه رأى قبر النبي ﷺ ، مسنما (٢). وعن جعفر/بن محمد الصادق، عن أبيه أن النبي ﷺ ، رش على قبره، وجعل عليه حصباء حمراء من حصباء العرصة، ورفع قدر شبر من الأرض (٣). وسئل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: أيما أولي تسطيح القبر أو التسنيم؟ فقال: السنة تسطيح القبر. قال الحافظ محب الدين (٤): «وسقط جدار حجرة النبي ﷺ الذي يلي موضع الجنائز، في زمان عمر بن عبد العزيز، فظهرت القبور، فأمر عمر بن عبد العزيز بقباطي فخيطت، ثم ستر الموضع، وأمر ابن ورد أن يكشف عن الأساس، فبينما هو يكشفه إذ رفع يده وتنحى، فقام عمر بن عبد العزيز فزعا، فرأى قدمين وراء الأساس وعليهما الشعر، فقال له عبد الله بن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر ﵁ وكان حاضرا: أيها الأمير لا يرو عنك فهما قدما جدي عمر بن الخطاب ﵁، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس، فقال له: يا ابن ورد: أن غط ما رأيت، ففعل».

стр. 894

وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «لما سقط الحائط زمن الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنيانه، فبدت لهم قدم، ففزعوا، وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، [فما وجدوا أحدا يعلم ذلك،] (١) حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ، ما هي إلا قدم عمر، وأمر عمر بن عبد العزيز أبا حفصة، مولى عائشة ﵄، وناسا معه، فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه، دخل مزاحم، مولى عمر فضم ما سقط على القبر من التراب والطين ونزع القباطي» (٢). وقال الحافظ محب الدين (٣): «وبنى عمر بن عبد العزيز على حجرة النبي ﷺ ، حائطا، ولم يوصله إلى السقف، بل دونه بمقدار أربعة أذرع، وأدار عليه شباكا من خشب». قال الشيخ جمال الدين (٤): «وبعد إحتراق المسجد أعيد الشباك كما كان أولا - وهو يظهر اليوم لمن تأمله من تحت الكسوة - وأدخل عمر بن عبد العزيز بعض بيت فاطمة رضوان الله عليها من جهة الشمال في الحائط الذي بناه محرفا وعلى الحجرة الشريفة يلتقي على ركن واحد - كما سنبينه - فصار لها ركن خامس، لئلا تكون الحجرة الشريفة مربعة كالكعبة، فيتصور الجهال العامة أن الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة، وبقي بقية من البيت من جهة

стр. 895

الشمال، وفيه اليوم صندوق مربع من خشب، وفيه أسطوان وخلفه محراب». قال الحافظ محب الدين (١): «ولما ولي المتوكل الخلافة، أمر إسحاق بن سلمة - وكان على عمارة الحرمين من قبله - بأن يأزر الحجرة المقدسة بالرخام من حولها، ففعل، ولم يزل إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من خلافة المقتفي (٢)، فجدد تأزيرها جمال الدين الأصبهاني - وزير بني زنكي - وجعل الرخام حولها قامة وبسطة، وهو الذي عمل الشباك الدائر بالحجرة المقدسة اللاصق بالسقف، وهو الذي احترق، وكان من خشب الصندول والأبنوس مكتوبا [على] (٣) أقطاع الخشب الأروانك (٤) - سورة الإخلاص - صنعة بديعة، ولم تزل الحجرة على ذلك حتى عمل لها الحسين ابن أبي الهيجا - صهر الملك الصالح ستارة وعليها الطرز والجامات (٥) المرقومة بالأبريسم، وأدار عليها زنارا من الأبريسم مكتوبا فيه - سورة يس - فعلقها نحو العامين، ثم جاءت من الخليفة ستارة، فنفذت تلك المتقدمة إلى مشهد علي بالكوفة، وعلقت هذه عوضا، فلما ولي الإمام الناصر لدين الله (٦)، أنفذ ستارة أخرى، فعلقت فوق تلك المذكورة، فلما حجت الجهمة أم الخليفة، وعادت للعراق، عملت

стр. 896

ستارة، فعلقت على الستارتين». قال ابن النجار (١): «ففي يومنا هذا عليها ثلاث ستائر». ثم قال ﵀ (٢): «واليوم في سقف المسجد الذي بين الحجرة والقبلة نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة، وفيها اثنان بلور، وواحد ذهب، وفيها قمطر فضة مغموس في الذهب نفذتها الملوك وأرباب الأموال». قلت: وهي باقية إلى الآن (٣). قال المطري (٤): «ولم يكن على الحجرة الشريفة قبة، بل كان ما حول حجرة النبي ﷺ ، حظيرا في السطح مبنيا بالآجر مقدار نصف قامة يميز الحجرة عن السطح إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة في دولة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، عمل هذه القبة وهي أخشاب أقيمت، وسمر عليها ألواح خشب، ثم ألواح رصاص، وعمل مكان الحظير شباكا من خشب، وتحته بين السقفين أيضا شباكا من خشب كحلية، وفي سقف الحجرة الشريفة بين السقفين ألواح خشب سمر بعضها إلى بعض، وسمر عليها ثوب مشمع، وهناك طابق مقفل إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبي ﷺ ، وبين الحاجز الذي بناه عمر بن عبد العزيز».

стр. 897

قال (١): «ولما حج السلطان الملك الظاهر في سنة سبع وستين وستمائة، اقتضى رأيه على أن يدير على الحجرة الشريفة درابزينا فقاس ما حولها بيده وعمل الدرابزين الموجود اليوم، وأرسله في سنة ثمان وستين، وأداره عليها، وفيه ثلاثة أبواب: قبلي وشرقي وغربي، ونصبه ما بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة، إلا من ناحية الشمال، فإنه زاد فيه إلى متهجد النبي ﷺ ، وظن أن في ذلك زيادة حرمة الحجرة المقدسة، فحجز طائفة من الروضة مما يلي بيت النبي ﷺ ، فلو كان عكس ما حجزه وجعله من الناحية الشرقية [وألصق الداربزين بالحجرة مما يلي الروضة، لكان أخف، إذ الناحية الشرقية] (٢) ليست من الروضة، ولا من المسجد القديم، بل مما زيد في أيام الوليد». ثم قال (٣): «ولم يبلغني أن أحدا من أهل العلم والصلاح ممن حضر ذلك ولا ممن رآه بعد تحجيره أنكر ذلك، ولا ألقى إليه بالا، وهذا من أهم ما ينظر فيه، وكان الدرابزين الذي عمله الملك الظاهر نحو القامتين، فلما كان في تاريخ سنة أربع وتسعين وستمائة زاد عليه الملك العادل زين الدين كتبغا، شباكا دائرا عليه، ورفعه حتى أوصله السقف». قال ﵀ (٤): «ومما أحدث في صحن المسجد الشريف قبة كبيرة /عمّرها الإمام الناصر لدين الله في سنة ست وسبعين وخمسمائة لحفظ حواصل الحرم وذخائره، مثل المصحف العثماني، ولما احترق المسجد سلم

стр. 898

ما فيها ببركة المصحف الكريم، ولكونها في وسط المسجد، ومما أحدث أيضا في الصحن من جهة القبلة: رواقان، أمر بإنشائهما السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، فاتسع ظل السقف القبلي بهما وعم نفعهما، وهما المقوس أعلاها، وأزيلت المقصورة التي كانت تظل الحجرة الشريفة للإستغناء عنها بهما، وكان المتسبب في إزالتها إمام المدينة الشريفة، شرف الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن أحمد الأميوطي (١)، وذلك أنها كان يجتمع فيها أهل البدع، وكانت لهم كالمتهجد، فاجتهد في إزالتها وهدمها ليلا، وأدخلها في الحجرة الشريفة، فتربعت الحجرة الشريفة، وذلك في أواخر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وتوفى ﵀ يوم الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة». وهذه صفة مثال الحاجز الذي بناه عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وحجرة النبي ﷺ في وسطه، وجميع ذلك أثبته مصورا على مثال ما صوره الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخ المدينة (٢)، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (٣)./

стр. 899

/المثال (١): |

стр. 900

| (١) صفة الحاجز الذى بناه عمر بن عبد العزيز والحجرة الشريفة فى وسطه ص ٢٩٥ منه الدرة الثمينة

стр. 901

/ومما قلت في معناها: إلى حجرة الهادي فميز ترابها … كما نور ضوء البدر في الليل إذ يبد وإلا كما شمس الظهيرة في الضحى … كما المشتري في نور لألائه وقد قال الحافظ محب الدين (١): «واعلم أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سمعوا صوت هدّة في الحجرة المقدسة، وكان الأمير يومئذ: قاسم بن مهنا الحسيني، فأخبروه بالحال، فقال: ينبغي أن ينزل شخص لينظر ما هذه الهدّة، فلم يجدوا أمثل حالا من الشيخ عمر النسائي، شيخ شيوخ الصوفية بالموصل، وكان مجاورا بالمدينة، فاعتذر لمرض كان به يحتاج إلى الوضوء في غالب الأوقاف، فألزموه، فامتنع من الأكل والشرب مدة، وسأل النبي ﷺ ، إمساك المرض عنه (٢) بقدر ما يبصر ويخرج، ونزل بحبال من بين السقفين، ومعه شمعة، ودخل إلى الحجرة، فرأى شيئا من طين السقف قد وقع على القبور المقدسة، فأزاله وكنس التراب بلحيته (٣)، وأمسك الله عنه الداء بقدر ما خرج وعاد إليه، توفى الشيخ عمر بمكة بعد نزوله بتسع سنين، في سنة ست وخمسين وخمسمائة».

стр. 902

وكذلك أيضا (١): «في سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام - قاسم المذكور - وجد من الحجرة رائحة منكرة، فذكروه للأمير، فأمرهم بالنزول، فأنزل الطواشي: ونزل معه: الصفي الموصلي، متولي عمارة المسجد، وهارون الشاوي الصوفي، بعد أن بذل جملة من المال للأمير في ذلك، فلما نزلوا وجدوا هرا قد هبط من الشباك الذي في أعلى الحاجز ومات وجاف فأخرجوه، وكان في الحاجز بين الحجرة والمسجد، وطيبوا مكانه، وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر» (٢).

стр. 903

الباب التاسع في حكم زيارة النبي ﷺ وفضلها وكيفيتها، وحكم الصلاة والسلام عليه ﷺ ، وفرض ذلك وفضيلته وكيفيته، والتوسل به إلى الله ، وإثبات حياته ﷺ وحرمته، وذكر ما شوهد في حرمه وحجرته من العجائب أو رأي بها من الغرائب وفيه عشرة فصول: الفصل الأول في حكم زيارة النبي ﷺ قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى ﵀ (١): «وزيارة قبره ﷺ ، سنة من [سنن] (٢) المسلمين مجمع عليها (٣) وفضيلة مرغب فيها». وقال الرافعي (٤): تستحب الزيارة بعد الحج، وقال في الروضة: واستحبه الغزالي في الإحياء (٥)، وقال: إذا نذر أنه يزور قبر النبي ﷺ فعندي

стр. 904

أنه لا يلزمه الوفاء وجها واحدا، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان، وقد علم أنه لا يلزم بالنذر إلا العبادات، ولو نذر إتيان مسجد المدينة، وقلنا: أنه يلزمه اتيانه على الأصح يلزمه أن يضم إليه قربة على أرجح الوجهين. قال/البغوي: يلزمه إذا حضر أن يصلي ركعتين، أو يعتكف ساعة، أو يزور قبر النبي ﷺ حتى يكون قربة. وقد صرح الشيخ موفق الدين من الحنابلة باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ ، وصرح باستحبابها أبو الفرج بن الجوزي (١)، وأبو الخطاب. وقال صاحب «المختار» من الحنفية (٢): بأن الزيارة من أفضل المندوبات والمستحبات، ثم قال: بل تقرب من درجة الوجوب لما ورد فيه من الفضل العظيم. قال الحليمي: ومن تعظيمه ﷺ ، زيارته ﷺ ، ومن تعظيمه تعظيم حرمه، وهو المدينة وإكرام أهله، ومنه قطع الكلام إذ جرى ذكره، أو روي بعض ما جاء عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، وصرف السمع والقلب إليه ثم الإذعان له والنزول عليه والتوقي من معارضته، وضرب الأمثال [له] (٣)

стр. 905

ومنه ألا ترفع الأصوات عند قبره ﷺ (١). قال الشيخ جمال الدين محمود بن محمد بن إبراهيم: «من جملة ظاهر هذا الكلام وجوب الزيارة» هذا هو المفهوم منه، ويؤيد ذلك أنه قال بعده: «ومن تعظيمه ﷺ ، الصلاة والتسليم عليه كلما جرى ذكره، وهو للوجوب، بل هذا أولى فإنه أول ما ابتديء به». الفصل الثاني في فضل زيارته ﷺ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٢) صححه عبد الحق. وعنه أيضا - قال: قال رسول الله ﷺ : «من حج فزار قبري بعد موتي، كان كمن زارني في حياتي وصحبني» (٣).

стр. 906

وقال ﷺ : «من جاء ني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان عليّ حقا أن أكون له شفيعا يوم القيامة» (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارني ميتا فكأنما زارني حيّا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني [فليس له عذر» (٢). وعن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من لم يزرني فقد جفاني» (٣).] (٤) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة» (٥). ويروى عنه ﷺ أنه قال: «من زارني وزار قبر إبراهيم في عام واحد

стр. 907

ضمنت له الجنة» (١). وقال القاضي عز الدين في منسكه: هذا الحديث لا أصل له. وأجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه (٢). وعن النبي ﷺ : «إن الصلاة فيه كألف صلاة» (٣). وزيارته عبادة مستقلة لا تعلق لها بالحج. الفصل الثالث في كيفية زيارته ﷺ ذكر الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، والشيخ/محي الدين: أنه ينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة المشرفة فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وارزقني في زيارة نبيك ما رزقته أولياءك، وأهل طاعتك، واغفر لي وارحمني يا خير مسؤل. ويغتسل قبل الدخول ويلبس أنظف ثيابه. قاله الشيخ تقي الدين (٤). وقال الشيخ محي الدين: وأما استحباب الغسل فيمكن أن يقال فيه من ذهب من العلماء إلى تفضيل المدينة على مكة، فاستحباب الغسل عنده واضح،

стр. 908

وذلك أنه يستحب لدخول مكة فللمدينة أولى، ومن ذهب إلى تفضيل مكة على المدينة فيجعل الاستحباب عنده على سبيل القياس على مكة - وعلى هذا يستحب الغسل لزيارة بيت المقدس - ويشعر نفسه وتيقنه أنه مسلم على حي عالم به يرد عليه، فقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (١). ويدخل المدينة قائلا: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (٢)، ويحضر قلبه رأفته ﷺ بأمته، ولتكن زيارته زيارة المحب المعظم، وليقدم رجله اليمنى في دخوله المسجد الشريف قائلا: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، واليسرى في خروجه قائلا: اللهم افتح لي أبواب فضلك (٣). واستحب العلماء أن يقصد أول دخوله الروضة المقدسة، فيصلي في مصلى رسول الله ﷺ ، أو غيره من الروضة تحية المسجد [النبوي] (٤) ركعتين، ثم شكر الله تعالى على ما أنعم، ويسأله تمام المقصد، ثم ينهض إلى القبر الشريف قبالة وجهه ﷺ ، وهو أن يستدبر القبلة ويستقبل المسمار الفضة الذي بالجدار على نحو أربع أذرع من السارية التي هي غربي رأس القبر الشريف في زاوية جداره (٥).

стр. 909

وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: «يكون بينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع، ويجعل القنديل الكبير على رأسه» (١). وحكى البيهقي، عن الشافعي ﵀ قال: حدثنا الثقات من أصحابنا أن قبر النبي ﷺ ، عن يمين الداخل من البيت اللاصق بالجدار الذي اللحد تحته قبلة البيت، وأن لحده ﷺ تحت الجدار، واستدبار القبلة هو المستحب عند الشافعية، والحنابلة، ومالك، والذي صححه الحنفية أن يستقبل القبلة عند السلام على رسول الله ﷺ والدعاء (٢). ومن الآداب: أن لا يدنو من القبر، ولا يرفع صوته بالتسليم، ولا يمس القبر بيده، وإذا أردت الصلاة فلا تجعل الحجر وراء ظهرك ولا بين يديك، ولا يقف عند القبر طويلا،/وليقف عند السلام عليه ﷺ ناظرا إلى الأرض، غاض الطرف في مقام الهيبة والتعظيم والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضرا في قلبه جلالة موقفه ومنزلة من هو بحضرته وعلمه ﷺ بحضوره وقيامه وسلامه (٣). وكان الناس إذا وقفوا للسلام على رسول الله ﷺ ، في الروضة الشريفة قبل أن يدخل الحجرات في المسجد يستقبلون السارية التي فيها الصندوق الخشب وثم قائم من خشب مجدد، وهي لاصقة بحائط الحجرة الغربي الذي بناه عمر بن عبد العزيز ويستدبرون حول بيت النبي ﷺ ،

стр. 910

ويستدبرون الروضة واسطوانة التوبة، ويسلمون على النبي ﷺ ، وعلى صاحبيه ﵄، وروي ذلك عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم - أنه كان إذا جاء يسلم على رسول الله ﷺ ، وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ويستقبل السارية التي تلي الصندوق اليوم، فيسلم على رسول الله ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ ويقول: ها هنا رأس رسول الله ﷺ ، فلما أدخلت الحجرات في المسجد وقف الناس حيث موقفهم اليوم (١). وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ، ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده (٢). وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، يدعو ولكن يسلم ويمضي (٣). وأتى أنس بن مالك قبر النبي ﷺ ، فوقف فرفع يديه، حتى ظن أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي ﷺ ، ثم انصرف (٤). وقال مالك في كتاب محمد: «ويسلم على النبي ﷺ ، إذا دخل، أو خرج - يعني المدينة - وفيما بين ذلك، قال محمد: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر، وكذلك من خرج مسافرا» (٥). وقال مالك في «المبسوط»: «وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه

стр. 911

[من أهل المدينة] (١) الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء» (٢). قال الحافظ محب الدين (٣): «وعلامة الوقوف تجاه الوجه الكريم مسمار فضة مضرب في رخامة حمراء إذا قابله الإنسان ناظرا إلى أسفل ما يبصر من الحائط - يعني عند حد القائم المبسوط - كان القنديل على رأسه فيقابل وجه النبي ﷺ ، ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر ﵁، ثم ينتقل قدر ذراع فيسلم على عمر ﵁ ثم يعود ويجعل الحجرة على يساره، ويدعو الله بما أحب». وجميع التواريخ المتقدمة يذكرون العلامة بالمسمار، ويصفونه بأنه صفر، ولعله غير (٤). وأما الدلالة بالقنديل: فقال الشيخ جمال الدين (٥): «الآن هناك عدة قناديل جدد بعد احتراق المسجد، ثم قال: وموقف الناس اليوم للسلام على رسول الله ﷺ ، عرصة (٦) بيت أم المؤمنين حفصة ﵂ بنت عمر ابن الخطاب ﵁». وذكر لي بعض المتبصرين: أنه إذا أتى للسلام على النبي ﷺ ، يرى في

стр. 912

الحجر الأسود الذي تحت الرخامة الحمراء التي فيها المسمار الفضة، صورة شخص له شعر طويل مرة يفرقه، ومرة يتركه/وهو ينظر إلى من يأتي للسلام على رسول الله ﷺ ، فمرة يبتسم في وجه المسلم عليه، ومرة لا ينظر إلى أحد، وأكثر قعوده طاويا إحدى رجليه نصف تربيعة، وركبته الأخرى قائمة، ومن جانبه الأيمن، مما يلي الروضة شخص آخر، ومن جانبه الأيسر شخصان آخران، قال الرائي: فعدمت الخشوع في ذلك المحل الشريف بسبب رؤيتي لهما، وشغل خاطري بهما إشارة إلى إثبات الوقار والحرمة المحركة خواطر الاعتبار (١). سمعت والدي ﵀ يقول: «صلينا يوما الظهر بحرم المدينة، وأقبل طائر عظيم طويل الساقين، أتى من جهة باب السلام، وهو يطير مع جدار القبلة، وقد ملأت جناحاه ما بين الحائط القبلي والسواري، فلما حاذى المحراب وقف، ومشى قليلا [قليلا] (٢) إلى أن وصل إلى الشباك موقف المسلّمين على رسول الله ﷺ ، فاستقبل النبي ﷺ ، ووقف، وجعل يضع منقاره على الأرض ويرفعه مرارا، إلى أن فرغ الناس من صلاتهم، واجتمعوا عليه ينظرونه، ثم مشى، حتى خرج إلى صحن المسجد، إلى نحو الحجارة، التي يذكر أنها حد المسجد القديم، ثم فتح أجنحته وطار مرتفعا في الجو، غير مائل يمينا ولا يسارا، حتى غاب عن أعيننا» (٣).

стр. 913

الفصل الرابع في حكم الصلاة والسلام عليه ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١). قال ابن عباس: «معناه إن الله وملائكته يباركون على النبي، فعلى هذا يكون المباركة عليه هي الصلاة عليه، ويكون عطفها عليه من باب التأكيد، وقيل: الله يترحم على النبي وملائكته يدعون له بالرحمة» (٢) وهو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. حكاه الواحدي. وقال المبرد: «أصل الصلاة الترحم، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقية واستدعاء للرحمة من الله» (٣). وقال الجوهري: «الصلاة الدعاء، وقد ورد صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، فهذا دعاء» (٤). وقال بكر القشيري: «الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي رحمة، وللنبي ﷺ تشريف وزيادة تكرمة» (٥).

стр. 914

وقال أبو العالية «صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء» (١). وقال القاضي عياض: «وقد فرق النبي ﷺ في حديث تعليم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين» (٢). وقال الحليميّ: الصلاة في اللغة التعظيم، وقال ابن جبير: صلاة الله على نبيه المغفرة، وصلاة الملائكة الإستغفار. حكاه الماوردي (٣). وقال الترمذي: «صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار» (٤). وقال ابن العربي: هي من الله رحمة، ومن المخلوق/الجن والإنس والملائكة: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (٥) فالصلاة لها معان بالتدريج أصلها الدعاء، ثم صارت للرحمة، لأن الداعي مترحم، ثم صارت للمغفرة، [لأن الترحم يوجب المغفرة] (٦) وفسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالمغفرة في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٧). قال ابن كيسان: وجمع الصلوات لأنه عنى بها رحمة بعد رحمة، وإنما ذكر الرحمة، ومعنى الصلاة الرحمة للإشباع.

стр. 915

وقيل: الصلاة من الله تعالى إشاعة الذكر الجميل له في عباده. حكاه البغوي. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: صلاة الملائكة عليه تنزيلهم عليه وقيل: الصلاة من الله في أظهر الوجوه الرحمة، ومن الملائكة الإستغفار، ومن المؤمنين الدعاء (١). قاله الماوردي. وقيل: الصلاة من الله تعالى على العبد رفع الدرجة له (٢). قلت: وقد جمعت ما قيل في معنى الصلاة من الله تعالى، فقلت: وقد قيل أن صلاة الله رحمته … أو الثناء وتعظيم وتشريف وقيل مغفرة معها يبارك ضف … إشاعة ذكر في الوجود وتشريف والصلاة في القرآن على عشرة أوجه (٣): الصلاة الشرعية: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (٤) وصلاة العصر: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ (٥)، وصلاة الجنازة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى﴾
следующие страницы →