وجاءه ضرير، فشكى إليه ذهاب بصره، فقال له رسول الله ﷺ : أو تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق عليّ، فقال له النبي ﷺ :
ائت الميضأة فتوضأ، ثم صلي ركعتين ثم قل: اللهم إني أتوسل وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ ، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فتجل لي بصري، اللهم شفعه فيّ وشفعني في نفسي. فقال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا وطال بنا الحديث، حتى دخل عليّ الرجل كأن لم يكن به ضرر قط.
رواه أبو داود والترمذي، وصححه الحاكم في المستدرك (١).
وروى البيهقي أن رسول الله ﷺ قال: «على ساق العرش مكتوب أربعة أسطر: من دعاني أجبته، ومن سألني أعطيته، ومن لم يسألني لم أنسه، ومن سألني بحق محمد أجبته وغفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر».
وكذلك عقبة بن عامر الصحابي رضي الله تعالى عنه شهد فتوح الشام، وكان البريد إلى عمر بفتح دمشق (٢)، ووصل المدينة في سبعة أيام، ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف، بدعائه عند قبر رسول الله ﷺ ، وتشفعه في تقريب طريقه. وهذا مقصور على رسول الله ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، ولا
стр. 947
يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته (١).
التفضيل العالي بين أهل الرتب والعوالي:
المشهور من مذهب أهل السنة تفضيل الأنبياء على الملائكة، ولم يشمل الخلاف فيه إلا عن القاضي أبي بكر، وأبي عبد الله الحليمي، وقال البيهقي:
ذهب ذاهبون إلى أن الرسل من النبيين أفضل من الرسل/من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة (٢)، وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى مفضلون على سكان الأرض، واختار الحليمي تفضيل الملائكة، والأكثرون على القول الأول.
وعن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى «فضل محمدا ﷺ ، على أهل السماء وعلى سائر الأنبياء، فهو ﷺ أفضل من الملائكة وأفضل خلق الله تعالى.
وكره مالك أن يقال زرنا قبر (٣) النبي ﷺ ، واختلف في ذلك، فقيل:
стр. 948
كراهة الاسم لقوله ﵊: «لعن الله زوارات القبور» (١)، وهذا يرده قوله ﵊: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٢)، وقوله ﵊: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٣) فقد أطلق اسم الزيارة، وقيل ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء لأنه ليس على العموم (٤).
وقال أبو عمران: «إنما كره [مالك] (٥) أن يقال: طواف الزيارة، وزرنا قبر النبي ﷺ ، لاستعمال الناس ذلك بينهم فكره تسوية النبي ﷺ مع الناس بهذا اللفظ وأحبّ أن يخص بأن يقال: سلمنا على النبي ﷺ ، وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس، وواجب شد المطي (٦) إلى قبره ﷺ ، يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب.
стр. 949
والأولى أن كراهته له لاضافته إلى القبر، ولو أنه قال: زرنا النبي ﷺ لم يكره، لقوله ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي» (١).
ويستحب للزائر إذا قضى زيارته أن يقصد الآثار والمساجد التي صلى فيها النبي ﷺ ، وعلى فعل هذا واستحبابه أجمع المسلمون (٢).
قال القاضي عياض (٣): «من إعظام النبي ﷺ وإكباره اعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه ﵊، أو عرف به وذكر الآثار في ذلك». ثم قال (٤): «وحدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة وقرب من بيوتها، ترجّل ومشى باكيا منشدا:
ولما رأينا رسم من لم يدع لنا … فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة … لمن بان عنه أن نلم به ركبا»
стр. 950
قال (١): «وحكي عن بعض المريدين لما أشرف على مدينة الرسول ﷺ جعل يقول متمثلا:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظر … قمر تقطع دونه الأوهام
وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا … فظهورهن على الرجال حرام
قربتنا من خير من وطيء الثرى … فلها علينا حرمة وذمام»
/قال القاضي أبو الفضل ﵀ (٢): «وجدير لمواطن عمرت بالوحي والننزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتسبيح والتقديس، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر، مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضائل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد المرسلين، ومتبوأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وحيث فاض عبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها وتنتسم نفحاتها وتقبل ربوعها
стр. 951
وجدرانها، وأنشد [يقول:] (١)
يا دار خير المرسلين ومن به … هدى الأنام وخص بالآيات
عندي لأجلك لوعة وصبابة … وتشوق متوقد الجمرات
وعليّ عهد إن ملأت محاجري … من تلكم الجدرات والعرصات
لأغفرن مصون شيبي بينها … من كثرة التقبيل والرشفات
لولا العوادي والأعادي زرتها … أبدا ولو سحبا على الوجنات
لكن شاهدي من حفيل تحيتي … لقطين تلك الدار والحجرات
أزكى من المسك المفتق نفحة … تغشاه بالآصال والبكرات
وتخصه بزواكي الصلوات … ونوامي التسليم والبركات»
стр. 952
وقال أبو محمد عبد الله بن عمران البسكري (١) رحمه الله تعالى [منشدا يقول:] (٢)
دار الحبيب أحق أن تهواها … وتحن من طرب إلى ذكراها
وعلى الجفون متى هممت بزورة … يا بن الكرام عليك أن تغشاها
فلأنت أنت إذا حللت بطيبة … وظللت ترتع في ظلال رباها
مغنى الجمال مني الخواطر والتي … سلبت عقول العاشقين حلاها
لا تحسب المسك الذكي كتربها … هيهات أين المسك من رباها
طابت فإن تبغ التطيب يا فتى … فأدم على الساعات لثم ثراها
وابشر ففي الخبر الصحيح مقررا … إن الإله بطابة سمّاها
стр. 953
واختصها بالطيبين لطيبها … واختارها ودعا إلى سكناها
لا كالمدينة منزل وكفى لها … شرفا حلول محمد بفناها
حظيت بهجرة خير من وطيء الثرى … وأجلهم قدرا فكيف تراها
/كل البلاد إذا ذكرن كأحرف … في اسم المدينة خلت معناها
حاشا مسمى القدس فهي قريبة … منها ومكة إنها إياها
لا فرق إلا أن ثم لطيفة … مهما بدت يجلو الظلام سناها
جزم الجميع بأن خير الأرض ما … قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت … كالنفس حين زكت زكا مأواها
وبهذه ظهرت مزية طيبة … فغدت وكل الفضل في مغناها
стр. 954
حتى لقد خصت بروضة جنة … الله شرفها بها وحباها
ما بين قبر للنبي ومنبر … حيا الإله رسوله وسقاها
هذي محاسنها فهل من عاشق … كلف شحيح باخل بنواها
إني لأرهب من توقع بينها … فيظل قلبي موجعا أواها
ولقل ما أبصرت حال مودع … إلا رثت نفسي له وشجاها
فلكم أراكم قافلين جماعة … في إثر أخرى طالبين سواها
قسما لقد أذكى فؤادي بينكم … نارا وفجر مقلتيّ مياها
إن كان يزعجكم طلاب فضيلة … فالخير أجمعه لدى مثواها
أو خفتم ضراها فتأملوا … بركات بلغتها فما أزكاها
стр. 955
أف لمن يبغي الكثير لشهوة … ورفاهة لم يدر ما عقباها
والعيش ما يكفي وليس هو الذي … يطغي النفوس ولا خسيس مناها
يا رب أسأل منك فضل قناعة … بيسيرها وتحصنا بحماها
ورضاك عني دائما ولزومها … حتى توافي مهجتي أخراها
فإن الذي أعطيت نفسي سؤلها … وقبلت دعوتها فيا بشراها
بجوار أو في العالمين بذمة … وأعز من بالقرب منه يباها
من جاء بالآيات والنور الذي … داوى القلوب من العمى فشفاها
أولى الأنام بخطة الشرف الذي … يدعو الوسيلة خير من يعطاها
إنسان عين الكون سر وجوده … «يس» إكسير المحامد «طه»
стр. 956
حسبي فلست أفي بذكر صفاته … لو أن لي عدد الورى أفداها
كثرت محاسنه فأعجز وصفها … وغدت وما يلقى لها أشباها
إني اهتديت من الكتابة بآية … فعلمت أن علاه ليس يضاهي
/ورأيت فضل العالمين محددا … وفضائل المختار لا تتناهى
كيف السبيل إلى تقصي مدح … من قال الإله له - وحسبك جاها:
«إن الذين يبايعونك إنما» … فيما يقول: «يبايعون الله»
هذا الفخار فهل سمعت بمثله … واها لنشأته الكريمة واها
صلوا عليه وسلموا فبذا لكم … تهدي النفوس لرشدها وعناها
صلى الإله عليه غير مقيد … وعليه من بركاته أنماها
стр. 957
وعلى الأكابر آله سرج الهدى … أحبب بعترته ومن والاها
وكذا السلام عليه ثم عليهم … وعلى عصابته التي زكاها
أعني الكلام أولي النهى أصحابه … فئة التقى ومن اهتدى بهداها
والحمد لله الكريم وهذه … نجزت ظني أنه يرضاها (١)
الفصل التاسع
في إثبات حياته وبقاء حرمته ﷺ بعد وفاته
اعلم أن النبي ﷺ ، حيّ بعد موته، عالم بمن يجيء إليه، سامع بصلاة من يصلي عليه، أحياه الله تعالى بعد موته حياة تامة مستمرة إلى يوم القيامة، وجميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كذلك، وكذلك الشهداء ردت إليهم أرواحهم بعد قبضها، فهم أحياء عند ربهم (٢).
стр. 958
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (١).
وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت على موسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره» (٢) فوصفه بالصلاة وذكر أنه قائم، ومثل هذا لا توصف به الروح فقط وإنما توصف به مع الجسد.
وعنه ﷺ «أن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (٣).
فنبي الله ﷺ حي يرزق.
وعن أبي العالية: أن أجساد الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع (٤).
وقال القشيري (٥): عقدنا أن النبي ﷺ ، حي في قبره لقوله تعالى:
стр. 959
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً﴾ (١)، فأخبر أن الشهداء أحياء والأنبياء أولى بذلك، لأن الشهادة ثالثة درج النبوة، قال تعالى: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ﴾ (٢).
قال أبو المكارم: ولا يمتنع أن يحمل [صلاة] (٣) موسى على الصلاة ذات الركوع والسجود، وقد قيل: إنما حرم نكاح زوجاته ﷺ ، من بعده لكونه حيا (٤). وذكر صاحب الدر المنظم أن النبي ﷺ ، لما مات ترك في أمته الرحمة لهم.
روي عنه ﵊ أنه قال: «ما من نبي إلا/وقد رفع بعد ثلاث غيري، فإنى سألت الله أن أكون بينكم إلى يوم القيامة».
يؤيد ذلك بيان ما هو مشهور في كتب الرقائق، في مناقب ثابت البنانى (٥) رحمه الله تعالى أن الله تعالى أكرمه بالصلاة في قبره، وكان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك أن يصلي لك في قبره، فاعطني ذلك (٦).
стр. 960
روى الحافظ عبد الغني (١)، عن سنان بن جسر، عن أبيه قال: «كنت فيمن أدخل ثابت البنانى في قبره، فرفعت لبنة أصلحها، فإذا أنّا بالقبر وفيه ثابت قائما يصلي، فأطبقت اللبنة، ثم سألت أهله، فقلت أخبروني ما كان ثابت يسأل به ؟ قالت: كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره، فاعطني ذلك» (٢).
وعن إبراهيم بن الصمة المهلبي قال: حدثني الذين كانوا يمرون بالحصن بالأسحار، قالوا: كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت سمعنا قراءة القرآن، ومات ثابت سنة ثلاث وعشرين ومائة (٣).
فحرمة النبي ﷺ واحدة حيا وميتا.
وكان أيوب السختياني إذا ذكر النبي ﷺ ، بكى، قال مالك: فكان يبكي حتى أرحمه (٤).
وكان مالك إذا ذكر النبي ﷺ ، يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له في ذلك، فقال: «لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم، ولقد رأيت محمد بن المنكدر (٥) لا تكاد تسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى ترحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر النبي ﷺ ، اصفر، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ ، إلا على طهارة، وكان
стр. 961
عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ ، فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ ، بكى حتى لا يبقى في عينه دموع، ولقد رأيت الزهري فإذا ذكر عنده النبي ﷺ ، فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين، فإذا ذكر عنده ﷺ ، فلا يزال يبكي حتى تقوم الناس عنه ويتركوه، وكان قتادة إذا سمع الحديث أخذه العويل والزّويل» (١).
وقال عبد الله بن المبارك (٢): «كنت عند مالك وهو يحدثنا، فلذعته عقرب ست عشرة مرة، وهو يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ ، فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس، قلت له: يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا، قال: نعم، إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله ﷺ » (٣).
تنبيه:
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ (٤)، اختلف في هذا الاستثناء، فقيل: موسى ﵇/لأنه حوسب بصعقة يوم الطور، وقيل: الشهداء، وقيل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وحملة العرش الثمانية، وقيل: إن هؤلاء
стр. 962
ليسوا من سكان السماء، ولا من سكان الأرض، فلم يدخلوا في الآية، وقيل:
من في الجنة من الحور والولدان - ذكره ابن شاقلا - وقيل: المؤمنون، وقيل:
لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، وقيل: الأنبياء يصعقون فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه، إلا في ذهاب الإستشعار، فإن كان موسى فيمن استثنى الله تعالى، فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة، وقيل:
يكون الصعق في حق الأنبياء كالغشي، ثم يقومون في النفخة الثانية (١).
وجاء في الحديث: «فأكون أول من يفيق» (٢) فيكون المراد بصعقة موسى الذي يدور بها النبي ﷺ ، صعقته فيمن صعق في تلك النفخة الأولى، لا في من مات الموت الأول، فيحمل حينئذ على صعقة النفخة، ولا يحتمل إلا أن يكون صعق فيها إلا أن يكون حيا في ذلك الوقت، أما لو كان ميتا فلا يقال فيه صعق، وتلك الصعقة التي هي الغشي أنسب للمحاسبة بصعقة الطور، فإذا تأمل ذلك جزم بأن المراد به الصعقة في النفخة الأولى (٣).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من يبعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور، أم بعث قبلي» (٤).
стр. 963
والصعق الموت، وإذا تأمل المعنى، فهم منه أن نبينا صلوات الله وسلامه حي حياة تامة، إذ هو أعلى رتبة من جميع الخلائق، وممن تقدم، فلا تحصل للشهداء من أمته مرتبة ليس له.
الفصل العاشر
في ذكر ما رؤى في الحجرة الشريفة من العجائب
وشوهد فيها من الغرائب، دلالات على فضل
النبي الحاشر العاقب، وعلى فضل أصحابه الأصفياء
ذوي المناقب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
الرؤساء المزن الساكب
(١) عن إبراهيم بن أبي شيبان (٢) قال: حججت وأتيت المدينة، فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ ، فسلمت، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام (٣).
سمعت والدي ﵀ يقول: سمعت الحريري، شيخ خدام الحجرة الشريفة يقول: بينا أنا ذات ليلة عند الحجرة المقدسة، إذ سمعت من داخل الحجرة: وعليكم السلام، وعليكم السلام، إلى أن عددت عشر مرات، فلما
стр. 964
أصبحت ترصدت من يدخل المدينة، فإذا جماعة من الزيالعة داخلين من باب البقيع، أتوا للزيارة، فعددتهم فإذا هم تسعة، قال: فسألتهم، فقالوا: أتينا مكة ونحن عشرة، ولكن رفيق لنا ضعيف تركناه بمسجد قباء، وقد وصلنا من البارحة، قال: فقلت لهم:/ما صنعتم حين وصلتم؟ قالوا: صعدنا منارة مسجد قباء، وسلمنا على النبي ﷺ : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله، فأخبرتهم بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، رد ﵈، وأكرمتهم بعد ذلك (١).
ولما كانت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، زرت مع والدي ووالدتي، فلما ودعنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، خرجت بالجمال خارج المدينة، ورجع والدي يودع، فغاب زمانا وأتانا ووجهه متغير، فظننا أن به ضعف، فسألته والدتي بعد ذلك ما كان سبب غيابه، فقال: دخلت لوداع النبي ﷺ ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فسمعت رد السلام عليّ، فغشي عليّ، فلما أفقت أتيت، وكانت آخر زياراته، وهي السابعة من طريق السلطان، والثانية والخمسون لما زار من طريق الماشي (٢).
وبلغني أنه اعتمر في شهر رمضان ثلاث عمر من المدينة (٣).
وقد ذكر سيدنا عبد الله اليافعي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يرد السلام على المسلم عليه، قال: قد سمع ذلك كثير من الصالحين في اليقظة، بل رأوه ﷺ [يخرج] (٤) للقاء الزوار، كما روينا ذلك عن غير
стр. 965
واحد، بعضهم رأى ذلك في اليقظة (١)، وبعضهم في النوم، أخبرتني والدتي أيدها الله تعالى أنها سمعت أمها تقول، سمعت الضياء المالكي يقول: كان على باب إبراهيم بالحرم الشريف المكي فقيرة مقعدة، تسمى موفقة، قال:
بينما نحن جلوس ذات يوم إذ أتتنا تمشي كأن لم يكن بها شيء، قالت: قمت سحر، وقلت من يعطيني قليل ماء أتوضأ به، فأتى النبي ﷺ ، وأخذ بيدي، قال: قومي يا موفقة، فقمت (٢)، وأرتني قبرها بالمعلاة في أول شعب دكانه، وعليها حجر مكتوب فيه: هذا قبر الفقيرة إلى الله عتيقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، من الزمن، الموفقة كلثم ابنة خليل بن إبراهيم الأنصاري، توفيت ليلة التاسع عشر من رمضان سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وقبر الضياء المالكي جانب قبرها من جهة القبلة.
وعن عمر بن محمد (٣) لما كانت أيام الحرة، ترك الآذان بمسجد رسول الله تعالى عليه وسلم، ثلاثة أيام، وخرج الناس إلى الحرة، وجلس سعيد بن المسيب في المسجد قال: فاستوحشت، فدنوت من قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما حضرت الصلاة سمعت الآذان في قبر رسول الله ﷺ ، فصليت ركعتين، ثم سمعت الاقامة، فصليت الظهر، ثم جلست حتى صليت العصر، فسمعت الآذان في قبر رسول الله ﷺ ، ثم سمعت/الاقامة، ثم لم أزل أسمع الآذان والاقامة في قبره ﷺ ، حتى
стр. 966
مضت الثلاث، وقفل القوم، وعاد المؤذنون، فتسمعت الآذان فلم أجده (١).
وكانت وقعة الحرة لاثنتين بقيتا من ذي الحجة من سنة ثلاث وستين، قتل فيها من المهاجرين والأنصار سبعمائة، ومن سائر الناس عشرة آلاف (٢).
وقال ابن الجلاء (٣): دخلت المدينة وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر المقدس، وقلت: أنا ضيفك، فغفوت، فرأيت النبي ﷺ ، وقد أعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، فانتبهت وبيدي النصف الآخر.
وعن أبي الخير الأقطع (٤) قال: دخلت المدينة وأنا بفاقة، فبقيت خمسة أيام ما ذقت ذواقا، فتقدمت إلى القبر الشريف، وسلمت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، وتنحيت فنمت خلف المنبر، فرأيت النبي ﷺ ، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين يديه، فحركني علي ﵁ وقال لي: قم قد جاء رسول الله ﷺ ، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت، وإذا
стр. 967
بيدي نصف رغيف (١).
وعن أبي بكر المنقري قال: كنت أنا والطبراني، وأبو الشيخ (٢) في حرم رسول الله ﷺ ، وكنا على حالة، فأثر فينا الجوع، فواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء، حضرت قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقلت:
يا رسول الله الجوع [الجوع] (٣)، وانصرفت، فنمت، وأبو الشيخ والطبراني جالس، فحضر بالباب علوي، فدق الباب، ففتحت فإذا معه غلامان مع كل واحد منها زنبيل فيه شيء كثير، فأكلنا وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فلما فرغنا، ولى الغلام وترك الباقي، وقال العلوي: أشكوتم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإني رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمرني بحمل شيء إليكم (٤).
وعن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير (٥) قال: بت ليلة بالمسجد بعدما خرج الناس، فإذا برجل قد جاء إلى بيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أسند ظهره إلى الجدار، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني كنت أمس صائما ولم أفطر على شيء اللهم وأني أمسيت أشتهي الثريد فأطعمنيه من عندك قال: فنظزت إلى وصيف داخل من خوخة المنارة، ليس في خلقة
стр. 968
وصفاء الناس، معه قصعة، فوضعها بين يديه وجلس الرجل يأكل، وحصبني وقال: هلم، فجئته، وظننت أنها من الجنة، فجئت وأكلت منها لقمة، فأكلت طعاما لا يشبه طعام أهل الدنيا/ثم احتشمت، فقمت ورحت إلى مجلسي، فلما فرغ أخذ الوصيف القصعة، ورجع من حيث جاء، وقام الرجل منصرفا، فأتبعته لكي أعرفه، فلم أدر أين سلك، فظننته الخضر (١).
وكان مصعب يصوم الدهر ويصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (٢).
وقال عبد الله محمد بن ماتك: حكى لي بمكة شخصا في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة قال: خرجت من صنعاء حاجا، فقال لي رجل من الأصحاب، إذا زرت النبي ﷺ ، فاقرءه مني السلام وعلى صاحبيه، فنسيت ما استودعني، فخرجنا إلى الصحراء بعد الزيارة، فلما أردت الإحرام تذكرت، فرجعت إلى المدينة، فسلمت على النبي ﷺ ، وعلى صاحبيه، فأدركني الليل، وسألت رجلا عن الرفقة، فقال رحلوا، فرجعت إلى المسجد، وقلت نقيم ههنا حتى تأتي رفقة أخرى، فنمت فلما كان آخر الليل، رأيت النبي ﷺ ، وأبو بكر وعمر ﵄، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا هو الرجل، فقال نعم، والتفت إليّ وقال لي: يا أبا الوفاء، فقلت يا رسول الله كنيتي أبو العباس، فقال لي: أنت أبو الوفاء، فأخذ بيدي فوضعني بالمسجد الحرام، فأقمت ثمانية أيام حتى وردت القافلة التي كنت معها.
وسمعت والدي رحمه الله تعالى يقول: كان بالمدينة شخص يماني،
стр. 969
مداحا، فأخذه بعض الرفضة ليعطيه شيئا، فلما دخل به بيته قطع لسانه، فأخذ لسانه في يديه، وأتى الحجرة المقدسة، وقال: يا رسول الله هكذا يفعل بمن يمدحك؟ فأخذته سنة نوم، فرأى النبي ﷺ ، وتناول لسانه منه، وقال له: افتح فاك، فرده كما كان، فانتبه الرجل كأن لم يكن به شيء، فلما كان بعد ذلك جعل يمدح على عادته، فأتاه أولاد ذلك الرافضي وقالوا له: تعال لتأكل شيئا، فسار وقال: عسى أن يفعل بي كما فعل أبوهم لعلي أرى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فدخلوا به الدار المعروفة، فأكرموه، ثم فتحوا خزانة فيها خنزير في حلقه سلسلة، فقالوا: هذا هو الذي قطع لسانك فاذبحه بيدك، قال: فذبحته لهم، فدفنوه في القبة التي على يسار السالك إلى قبة سيدنا عثمان ﵁ (١).
قال والدي ﵀، قال لي أبو الحسن الخراز الأندلسي - وكان من الصالحين: رأيت أثر اللصاق دائرا بلسان اليماني كالخيط، ولم أزل أرى خنزيرا جالسا على باب تلك القبة التي دفن فيها ذلك الشخص كلما زرت البقيع، فإذا رآني غطس في قبره (٢).
توفى أبو الحسن سنة خمس عشرة وسبعمائة، وقبره وقبر البسكري، وقبر الجزولي في بقعة واحدة ﵃.
قال والدي ﵀: خرجت أنا وأبو الحسن الخراز، وجماعة إلى بئر علي (٣) التي في ذي الحليفة لنحفر فيها، فنزل أبو الحسن - المذكور -
стр. 970
وربط صخرة كبيرة وجبدناها، فلما وصلت رأس البئر/وقعت عليه وهو يحفر، فنظرنا فإذا هي على رأسه ورأسه مغروزة في التراب وهو لا يتحرك، وكان أخوه معنا ومعه مقدار مائة درهم، ففرقها على الفقراء في ذلك الحين، ونزلنا فرفعناها عنه، فقام سويا لم يخدش فيه شيء.
وسمعته ﵀ يقول: سمعت والدي أبا محمد المرجاني يقول، سمعت خادم الحجرة الشريفة يقول، قال والدي: وسمعتها أيضا من الخادم بعد ذلك قال: جاءنا من العراق بجملة من المال إلى سلطان المدينة، على أن يأخذوا أبي بكر وعمر، فأنعم بذلك، ونادى شيخ الخدام قال، فقال لي: إذا أتاك هذا النفر فدعهم يفعلون ما يريدون، قال: فلما خرج الناس بعد العشاء وغلقت أبواب المسجد، دقوا على باب السلام، ففتحت، فدخل خمسة عشر - أو قال وعشرون رجلا - بالمساحي والقفف، فما مشوا غير خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض، قال الخادم: فوقفت داهشا، فإذا بأمير المدينة [بعد ساعة] (١) يضرب الباب، ففتحت، فقال: ما فعلوا؟ فقلت: دخلوا من هنا وغرقوا هناك، فقال: اكتم أمرهم، فلم يتحدث به إلا بعد موت الأمير المذكور (٢).
وسمعته أيضا ﵀ يقول: جاءت حداءة، فوقفت على شباك الحجرة، فقام لها سعيد الهندي - بعض خدام الحجرة الشريفة - فضربها بالخطاف ومسكها، فقيل له - مستجيرة -: لا تذبحها، فذبحها على باب جبريل، وخرج إلى بيته، فما دخل المسجد بعد ذلك، ومرض أياما وتوفى.
стр. 971
وسمعته أيضا يقول: دخل العرب بناقة للبيع، فاشتراها منه شخص من الجزارين بمأتي درهم، وكانت نفورة، فربطوها بالبلاط خارج باب الرحمة، فلما كان المغرب قطعت الحبال ودخلت من خوخة باب الرحمة، وجرت مع جدار القبلة إلى الشباك، ثم بركت، فضربوها فلم تقم، فقال بعض الخدام: هذه مستجيرة، أنا أدفع قيمتها ودعوها، فوعدهم بالقيمة إلى الصباح، فقامت حينئذ وخرجوا بها، فبلغ ذلك فقيه الرافضة، فقال: دعوا كلام هؤلاء واذبحوها [فنحروها] (١) فلم يتم شهر حتى مات الجزارون ونساؤهم وعيالهم والفقيه وعياله وأولاده، وهذا الفقيه هو الذي كان يفتح قبة العباس ﵁ في ذلك الوقت.
وعن محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر رسول الله تعالى عليه وسلم، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير المسلمين إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (٢) وإني جئتك مستغفرا إلى ربي مستشفعا بك، ثم بكى وأنشد يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
/ثم استغفر وانصرف، فرقدت، فرأيت النبي ﷺ ، وهو يقول:
стр. 972
ألحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي (١).
وقد خمس هذين البيتين الشيخ محمد بن أحمد بن أمين الأفشهري - رحمه الله تعالى فقال:
خير المزار لدينا ثم أعظمه … وخير من سر عرش الرب مقدمه
ناديته بمقول وهو أقومه … يا خير من دفنت في التراب أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والأكم … طوبى لجاركم طابت مساكنه
جار يجاور جار الربع آمنه … قول إذا قلت تشفيني محاسنه
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم (٢)
.
стр. 973
الباب العاشر
في ذكر بقيع الغرقد، وفضله وكيفية زيارته والحض على زيارة
القبور مطلقا، وذكر من يعرف به من أهل البيت والصحابة وغيرهم
رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول
في أصله وفضله
أصل البقيع في اللغة: المكان المتسع، وقال قوم لا يكون بقيعا إلا وفيه شجر، وبقيع الغرقد كان ذا شجر، فذهب الشجر، وبقي الإسم، وهو مقبرة المدينة من شرقيها، وتسمى المقبرة بلدا لكونها موطنا للأموات، وكذلك المفازة لكونها موطنا للوحش (١).
عن محمد بن كعب القرظي، أن النبي ﷺ قال: «من دفناه في مقبرتنا هذه شفعنا له - أو شهدنا له» (٢).
وعن حكّام بن عبد الله الشامي، عن أبي عبد الملك، أنه حدثه حديثا يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «مقبرتان تضيئان لأهل السماء كما يضيء
стр. 974
الشمس والقمر لأهل الدنيا: [مقبرتنا] (١) بالبقيع، بقيع المدينة، ومقبرة بعسقلان» (٢).
وعن كعب الأحبار قال: «نجدها في التوراة كفتة (٣) محفوفة بالنخيل وموكل بها ملائكة، كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفوها في الجنة» (٤).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله تعالى عليه وسلم قال:
«أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى أهل البقيع، فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة، فأحشر بين الحرمين» (٥).
[وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر رضي الله تعالى عنهما، فنحشر - أو نبعث - فنذهب إلى البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة فيحشرون معي، فنبعث بين الحرمين» (٦).] (٧)
стр. 975
وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (١).
وذكر الشيخ عبد الجليل في شعب الإيمان قال: ووجدنا/بالخط القديم أن الناس يحشرون على هذه الصفة [في شعب] (٢) صورة شكل محمد ﷺ «محمد». وقيل: أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي ﷺ نوح ﵇، وهو أول من يسأل من الرسل، وأول من يساق للحساب أسرافيل، ثم جبريل، ثم الرسل.
وعن يحيى بن سعيد قال: كان رسول الله ﷺ جالسا، وقبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل في القبر وقال: بئس مضجع المؤمن، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «بئس ما قلت»، فقال: إني لم أرد هذا يا رسول الله، إنما أردت القتل في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا مثل - أو لا شبه - للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة هي أحب إليّ أن يكون قبري منها». ثلاث مرات (٣).
وفي معنى ذلك يقول أبو عبد الله بن أبي الخصال في أثناء قصيدته، والتخميس لابن حبيش:
стр. 976
لقد فاز من أمضى القضاء اعتزامه … فطنب في دار الرسول خيامه
وطيب محياه بها وحمامه … وان امرء وارى البقيع عظامه
لفي زمرة تلقا سهل ومرحب … أجل بلاد الله مبدا ومحضرا
بها اختار للمختار قبرا ومنبرا … فمن مات بها بالشهادة بشرا
وفي ذمة من خير من وطيء الثرا … ومن يعلقه حبله لا يعذب
وعن داود بن خالد (١)، عن المقبري (٢) أنه سمعه يقول: «قدم مصعب بن الزبير حاجا - أو معتمرا - ومعه [ابن] (٣) رأس الجالوت، فدخل المدينة من نحو البقيع، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت: إنها لهي، قال مصعب:
وما هي؟ قال: إنا نجد في كتاب الله صفة مقبرة شرقيها نخل، وغربيها بيوت يبعث منها سبعون ألفا كلهم على صورة القمر ليلة البدر، فطفت مقابر الأرض
стр. 977
فلم أر تلك الصفة، حتى رأيت هذه المقبرة» (١).
وعن عبد الحميد بن جعفر (٢)، عن أبيه قال: «أقبل ابن رأس الجالوت، فلما أشرف على البقيع قال: هذه التي نجدها في كتاب الله كفتة لا أطؤها، قال: فانصرف عنها إجلالا لها» (٣).
وعن سعد بن زياد أبو عاصم (٤) قال: زعم مولاي قال: حدثتني أم قيس بنت محصن (٥) قالت: لو رأيتني ورسول الله ﷺ ، آخذ بيدي في سكة المدينة حتى أتى إلى البقيع - بقيع الغرقد - فقال: يا أم قيس، فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: «يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب» (٦).
стр. 978
تنبيه:
يظهر أن سبعين ألفا تكون جملة من بالبقيع منذ بعث ﵊ إلى آخر القرن/الثامن، وذلك أن من الهجرة النبوية إلى آخر الثمانمائة بحساب التدقيق والتحقيق بعد الانتداب إلى تصحيح خمسة وعشرون عاما أسا للحساب بما يتخللها من زيادة الشهور ونقصها، فكانت ثمانية آلاف يوم وثمانمائة وتسعة وخمسين يوما، فتكون الثمانمائة عام مائتي ألف وثلاثة وثمانون ألف يوم وأربعمائة يوم وثمانية وثمانون يوما، ربعها سبعون ألفا وثمانمائة واثنان وسبعون يوما. فهذا مقدار مناسب يؤيده نفي من لم يكن على السنة وإبراز الشهداء هذه الطائفتان لا تدخل في هذا المعنى. والله تعالى أعلم.
نقل الشهرستاني: «أن مدة الدنيا من ابتداء خلق العالم إلى انقضائه وفنائه سبعة آلاف، على ما جاءت به توراة موسى، وذكره أنبياء بني إسرائيل ووافق عليه من قال بتسيير الكواكب السبعة مسيرة كل كوكب منها ألف سنة» (١).
وقد روي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «الدنيا سبعة آلاف سنة أنا في آخرها ألفا» (٢).
وقال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٣) وجمع بين إصبعيه الوسطى
стр. 979
والسبابة - يعني الباقي منها كزيادة الوسطى على السبابة.
قال الشيخ ناصر الدين: «فإذا تقرر ذلك وأن الدنيا مقدرة بسبعة آلاف سنة، كان الماضي منها إلى ابتداء الهجرة محمولا على ما قدمناه من اختلاف أهل التوراة، فيكون على القول الأول المأخوذ عن الأحبار الناقلين لها إلى اليونانية ستة آلاف سنة ومائتين وست عشر سنة، والباقي من عمر الدنيا [على] قولهم بعد الهجرة سبعمائة وأربعة وثمانون سنة، ويكون الماضي منها على القول الثاني المأخوذ عن التوراة العبرانية أربعة آلاف وثمانمائة وإحدى وأربعون سنة، والباقي على هذا القول بعد الهجرة ألفان ومائة وتسعة وخمسون سنة، وقيل: قالوا ذلك ليكون رسول الله ﷺ ، في خامسها ألفا، فيدفعون بنقصان التاريخ عن صفته في التوراة أنه مبعوث آخر الزمان، ويكون الماضي منها على القول الثالث في توراة السامرة خمسة آلاف ومائة [وسبعا] وثلاثين سنة، والباقي منها على هذا القول بعد الهجرة ألفا وثمانمائة [وثلاثا] وثلاثون سنة، ليكون رسول الله ﷺ ، في سادسها ألفا لما قيل من سنيه».
السامرة: قوم من بلاد المشرق سموا بذلك، لأن تفسيره بالعربية الحفظة، وهم لا يقبلون من كتب الأنبياء إلا التوراة وحدها. والقول الأول أشبه من غيره.
وكان هذا الجدول على التربيع عن مولاي الاستاذ الشيخ أبو الطيب ﵀ يقول: لو وجدت من له فطنة حتى يختصره، فاختصرته في هذا الكرسي، وإنما هو في تاريخ صاحب حماة (١) مربع، وليس هو على هذا الترتيب، لكن هذا نصف جدوله الذي استقرحه، والجدول الثاني الذي هذه صفته (٢)./
|
стр. 982
قلت: وقد تقدم في كتابنا هذا ما ذكره الشهرستاني من التاريخ (١)، وجذان الجدول على ما صححهما إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهان شاه بن أيوب، صاحب حماة عماد الدين في تاريخه (٢).
وهذا هو الجدول (٣)
|
стр. 983
وأول من خوطب في في الإسلام بشاه شاه: بويه بن تمام الحسن بن كوسي (١).
قال النووي: «ويحرم تحريما غليظا أن يقال للسلطان، وغيره من الخلق: شاه شاه، لأن/معناه: ملك الملوك، ولا يوصف بذلك غير الله » (٢).
وقال ابن عيينة: «ملك الأملاك، مثل شاهان شاه» (٣).
وفي الصحيحين (٤): عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخنع اسم عند الله تعالى، [رجل] (٥) تسمى: ملك الأملاك» وفي رواية (٦): أخنى بدل أخنع، ومعناهما: أوضع وأذل وأرذل (٧).
стр. 984
عن حذيفة بن أسيد الغفاري (١) قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ ، من علية ونحن نتذاكر أمر الله، فقال: ما كنتم تتذاكرون؟ قلنا: قيام الساعة، قال: «إن الساعة لن تقوم حتى يكون قبلها عشر ساعات، قال: لا ندري بأيهن بدأ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قبل اليمن - أو من عدن - تطرد الناس إلى محشرهم» (٢).
جزيرة العرب:
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن طولا، وفي رواية عنه: ما بين حفر أبي موسى إلى أطراف الشام إلى أقصى تهامة [في] (٣) الطول، وأما في العرض فما بين رمل بكر يبرين إلى منقطع السماوة. والسماوة بادية في طريق الشام إلى ما وراء مكة (٤)، وما كان دون ذلك إلى أرض العراق فهو نجد - بفتح النون وتسكين الجيم - والعرب تقول: نجد بضم النون والجيم، ونجد البلد المرتفعة، وتهامة المنخفضة، وتهامة اسم واقع على جزيرة العرب (٥).
وقال الأصمعي: هي إلى أقصى عدن، إلى أطراف اليمن، حتى تبلغ إلى
стр. 985
أطراف (١) بوادي الشام، وهذا قريب مما ذكر الخليل بن أحمد، فإنه قال:
جزيرة العرب معدنها ومسكنها - يعني العرب - ولعلها سميت جزيرة:
لانقطاعها عن معظم البر، وقد اكتنفتها البحار والأنهار من أكثر الجهات، كبحر البصرة، وعمان إلى بركة بني إسرائيل حيث أهلك الله فرعون، وبحر الشام، والنيل، والفرات، ودجلة، والقدر الذي يتصل بالبحر فقد انقطع بالقفار والرمال عن العمران (٢).
وقال مالك: جزيرة العرب مكة، والمدينة، واليمن، وهذا القول لا يخالف ما ذكرناه.
وقال ابن الأعرابي (٣): هي من حفر أبي موسى من خمس مراحل من البصرة ببطن خليج أبي العنبر، إلى حضرموت، إلى العذيب، ومن جدة وسواحل البحر عرضا إلى أطراف الشام (٤).
قال الأصمعي أيضا: هي من أقصى عدن أبين، فهي من حد أبين إلى ريف العراق طولا، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام (٥).
وقيل: في كلام أبي عبيدة نظر، لأن اليهود كانوا قارين في اليمن غير مجلين في أيام عمر ﵁/ولو كان كما قال ما أجلاهم عن اليمن.
وقال صاحب كتاب ذخر المستفيد: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت - ومكة من تهامة - وتهامة إلى عزل اليمن، إلى أسياف البحر، إلى الجحفة وذات عرق ونجد المدينة، إلى الطائف، إلى العذيب، إلى