Полный текст (1 408 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قال علي ومن ذلك أمره ﵇ من نام عن الصلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها ونهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح وحين استواء الشمس فقال بعض العلماء معناه فليصلها إذا ذكرها إلا أن يكون وقتا منهيا عن الصلاة فيها وقال آخرون معناه لا تصلوا بعد العصر ولا بعد الصبح ولا حين استواء الشمس إلا أن تكون صلاة نمتم عنها أو نسيتموها أو أمرتم بها ندبا أو فرضا أو تعودتموها قال علي فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني إلا ببرهان من غيرهما ولكن العمل في ذلك أن يطلب البرهان على أصح العملين المذكورين من نص آخر غيرهما فإن لم يوجد صبر إلى الأخذ بالزيادة وبالله التوفيق قال علي ومن هذا قول الله تعالى ﴿يابني إسرائيل ذكروا نعمتي لتي أنعمت عليكم
وأني فضلتكم على لعالمين﴾ ومع قوله تعالى لنا ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون﴾ فليس أحد النصين أولى بالاستثناء من
الآخر إلا بنص أو إجماع لأنه جائز أن يقول قائل معناه كنتم خير أمة أخرجت للناس إلا بني إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين وجائز أن يقول قائل معناه أني فضلتكم على العالمين إلا أمة محمد ﷺ الذين هم خير أمة أخرجت للناس فلا بد من ترجيح أحد الاستثناءين على الآخر ببرهان آخر وإلا فليس أحدهما أولى من الثاني قال علي فنظرنا فوجدنا قوله تعالى ﴿يابني إسرائيل ذكروا نعمتي لتي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على لعالمين﴾ وقد قام البرهان على أنه ليس على عمومه لأن الملائكة أفضل منهم بيقين فوقفنا على هذا ثم نظرنا قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون﴾ ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على ظاهره لأن الملائكة يدخلون في العالمين وقد خرج من عموم ذلك الجن بالنصوص في ذلك ولا يدخلون في الأمم المخرجة للناس فلما كان هذا النص لم يأت نص آخر ولا إجماع بأنه ليس على عمومه لم يجز لأحد بأن
стр. 177
يخصه فإذا لم يجز تخصيصه فالفرض الحمل له على عمومه فإذا ذلك فرض ولا بد من أن نخص أحد ذينك النصين من الآخر ولم يجز تخصيص هذا فقد وجب تخصيص الآخر ولا بد إذ لا بد من تخصيص أحدهما وهذا برهان ضروري صحيح من الخبر الثابت بأن مثلنا مع من قبلنا كمن أجر أجراء فعملوا إلى نصف النهار بقيراط قيراط ثم أجر آخرين فعملوا إلى العصر بقيراط قيراط ثم أجر آخرين فعملوا إلى الليل بقيراطين قيراطين قال ﵇ فأنتم أقل عملا وأكثر أجرا وبالله تعالى التوفيق قال علي ونقول قطعا إنه لا بد ضرورة في كل ما كان هكذا من دليل قائم
بين البرهان على الصحيح من الاستثناءين والحق من الاستعمالين لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه فلو لم يكن ههنا دليل لائح وبرهان واضح لكان ضمان الله تعالى خائسا وهذا كفر ممن أجازه فصح أنه لا بد من وجوده لمن يسره الله تعالى لفهمه وبالله تعالى التوفيق والوجه الرابع أن يكون أحد النصين حاظرا لما أبيح في النص الآخر بأسره أي يكون أحدهما موجبا والآخر مسقطا لما وجب في هذا النص بأسره قال علي فالواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا عليه لو لم يرد
واحد منهما فنتركه ونأخذ بالآخر لا يجوز غير هذا أصلا وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الأصل ثم لزمنا يقينا للعمل بالأمر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك فقد صح عندنا يقينا إخراجنا عما كنا عليه ثم لم يصح عندنا نسخ ذلك الأمر الزائد الوارد بخلاف معهود الأصل ولا يجوز لنا أن نترك يقينا بشك ولا أن نخالف الحقيقة للظن وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون
стр. 178
إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ وقال ﴿وإن تطع أكثر من في لأرض يضلوك عن سبيل لله إن يتبعون إلا لظن وإن هم إلا يخرصون﴾ وقال تعالى ذاما لقوم قالوا حاكمين بظنهم ﴿وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ وقال رسول الله ﷺ فإن الظن أكذب الحديث ولا يحل أن يقال فيما صح وورد الأمر به هذا منسوخ إلا بيقين ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفا أن يكون منسوخا ولا أن يقول قائل لعله منسوخ وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الأصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفا من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلا بمنسوخ حتى لا يدرى الناسخ من المنسوخ أصلا لكان الدين غير محفوظ والذكر مضيعا قد تلفت الحامق فيه وحاش لله من هذا وقد صح بيقين لا إشكال فيه نسخ الموافق لمعهود الأصل من النصين الناقل عن تلك الحال إذ ورد ذلك النص فهذا يقين الذي أمر الله تعالى به وأقره وأقام الحجة به وأثبت البرهان وجوبه ومدعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه إلا الظن والله تعالى يقول ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه أصلا وصح
بهذا النص أن جميع دين الله تعالى فإن البرهان قائم ظاهر فيه وحرم القول بما عدا هذا لأنه ظن من قائله بإقراره على نفسه وقد حرم الله تعالى
القول بالظن وأخبر أنه خلاف الحق وأنه أكذب الحديث فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله وهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس والتعليل والاستحسان في جميع المسائل الجزئيات إلى الشريعة وفي جملة القول بكل ذلك لأن القول بكل
стр. 179
ذلك ظن من قائله بلا شك وبالله تعالى التوفيق ومن ذلك الحديث الوارد في ألا يغتسل من الإكسال والحديث الوارد في الغسل منه فإن ترك الغسل منه موافق لمعهود الأصل إذ الأصل أن لا غسل على أحد إلا أن يأمره الله تعالى بذلك فلما جاء الأمر بالغسل وإن لم ينزل علمنا يقينا أن هذا الأمر قد لزمنا وأنه للحكم الأول بلا شك ثم لا ندري أنسخ بالحديث الذي فيه أن لا غسل على من أكسل أم لا فلم يسعنا ترك ما أيقنا أننا أمرنا به إلا بيقين ومن ذلك أمره ﵇ ألا يشرب أحد قائما وجاء حديث بأنه ﵇ شرب قائما فقلنا نحن على يقين من أنه كان الأصل أن يشرب كل أحد كما شاء من قيام أو قعود أو اضطجاع ثم جاء النهي عن الشرب قائما بلا شك فكان مانعا مما كنا عليه من الإباحة السالفة ثم لا ندري أنسخ ذلك بالحديث الذي فيه إباحة الشرب قائما أم لا فلم يحل لأحد ترك ما قد تيقن أنه أمر به خوفا أن يكون منسوخا قال علي فإن صح النسخ بيقين صرنا إليه ولم نبال زائدا كان على معهود الأصل أم موافقا له كما فعلنا في الوضوء مما مست النار فإنه لولا أنه روى جابر أنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار لأوجبنا الوضوء من كل ما مست النار ولكن لما صح أنه منسوخ تركناه وكذلك فعلنا في حديث أبي هريرة من أدركه الصبح جنبا فقد أفطر لأنه علمنا أنه موافق للحكم المنسوخ من ألا يأكل أحد ولا يشرب ولا يطأ بعد أن ينام فنسخ ذلك بالإباحة بيقين فصرنا إلى الناسخ
وكذلك أخذنا بالحديث الذي فيه إيجاب الوضوء من مس الفرج لأنه زائد على ما في حديث طلق من إسقاط الوضوء منه لأن حديث طلق موافق لمعهود الأصل وأما من تناقض فأخذ مرة بحديث قد ترك مثله في مكان آخر وأخذ
стр. 180
بضده فذو بنيان هار يوشك أن ينهار به في مخالفة ربه في قوله تعالى ﴿إنما لنسيء زيادة في لكفر يضل به لذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم لله فيحلوا ما حرم لله زين لهم سوء أعمالهم ولله لا يهدي لقوم لكافرين﴾
قال علي وإن أمدنا الله بعمر وأيدنا بعون من عنده فسنجمع في النصوص التي ظاهرها التعارض كتبا كافية من غيرها إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا به فهذه الوجوه التي فيها بعض الغموض قد بيناها بتوفيق الله لا إله إلا هو قال علي وها هنا وجه خامس ظنه أهل الجهل تعارضا ولا تعارض فيه أصلا ولا إشكال وذلك ورود حديث بحكم ما في وجه ما وورود حديث آخر بحكم آخر في ذلك الوجه بعينه فظنه قوم تعارضا وليس كذلك ولكنهما جميعا مقبولان ومأخوذ بهما ونحو ذلك ما روي عن النبيصلى الله عليه وسلم من طريق ابن مسعود بالتطبيق في الركوع وروي من طريق أبي حميد الأكف على الركب فهذا لا تعارض فيه وكلا الأمرين جائز أي ذلك فعله المرء حسن قال علي إلا أن يأتي أمر بأحد الوجهين فيكون حينئذ مانعا من الوجه الآخر وقد جاء الأمر بوضع الأكف على الركب فصار مانعا من التطبيق على ما بينا من أخذ الزائد المتيقن في حال وروده ومنعه ما كان مباحا قبل ذلك وقد وجدنا أمرا ثابتا عن رسول الله ﷺ بالأخذ بالركب فخرج عن هذا الباب وصح أن التطبيق منسوخ بيقين على ما جاء عن سعد إنا كنا نفعله ثم نهينا عنه وأمرنا بالركب لكن من هذا الباب اغتساله ﷺ بين وطئه المرأتين من نسائه ﵅ وتركه الاغتسال بينهما حتى يغتسل من آخرهن غسلا واحدا فهذا كله مباح وهذا إنما هو في الأفعال منه ﵇ لا في الأوامر المتدافعة ومثل ذلك ما روي عن نهيه ﵇ عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها مع قوله تعالى وقد ذكر ما حرم من
стр. 181
النساء ثم قال تعالى ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ فكان نهي النبي ﷺ مضافا إلى ما
نهى الله عنه في هذه الآية المذكورة ومثل ما حرم الله تعالى على لسان نبيه ﷺ من لحوم الحمر والسباع وذوات المخالب من الطير مع قوله تعالى ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ الآية فكان ما حرمه الله تعالى على لسان نبيه ﷺ مضافا إلى ما في هذه الآية ومضموما معه وكذلك ما روي
عن مسحه ﵇ برأسه ثلاثا واثنتين وواحدة وعلى ناصيته وعمامته وعلى عمامته فقط كل ذلك مضموم بعضه إلى بعض وشرائع لازمة كلها وقد سقط ههنا قوم أساؤوا النظر جدا فقالوا إن ذكر بعض ما قلنا في نص ما وعدمه في نص آخر دليل على سقوطه قال علي وهذا إقدام عظيم وإسقاط لجميع الشرائع ويجب عليهم من هذا أن كل شريعة لم تذكر في كل آية وفي كل حديث هي ساقطة وهذا كفر مجرد لأنه لا فرق بين من قال لما قال الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ ولم يذكر الافتراق وقال ﵇ إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان فلم يذكر الافتراق دل ذلك على سقوط حكم الافتراق وعلى تمام البيع دونه فلا فرق بين هذا الكلام وبين من قال لما لم يذكر الله تعالى ورسوله ﵇ في الآية المذكورة النهي عن بيع الغرر وعن الملامسة والمنابذة وعن بيع الخمر والخنازير وجب أن يكون كل ذلك مباحا ولما لم يذكر الله تعالى في قوله ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾
الآية إن العذرة حرام وإن الخمر حرام وجب أن يكون حلالا وهذا الكلام مع أنه كفر فهو ساقط جدا لأنه لا يلزم تكرير كل شريعة في كل حديث ولو لزم ذلك لبطلت جميع شرائع الدين أولها عن آخرها لأنها غير
стр. 182
مذكورة في كل آية ولا في كل حديث قال علي ويبين صحة ما قلنا من أنه لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبي ﷺ وما نقل من أفعاله قول الله مخبرا عن رسوله ﵇ ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول لله أسوة حسنة لمن كان يرجو لله وليوم لآخر وذكر لله كثيرا﴾ وقال تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فأخبر أن كلام نبيه ﷺ وحي من عنده كالقرآن في أنه وحي وفي أنه كل من عند الله وأخبرنا تعالى أنه راض عن أفعال نبيه ﷺ وأنه موفق
لمراد ربه تعالى فيها لترغيبه في الائتساء به ﵇ فلما صح أن كل ذلك من عند الله تعالى ووجدناه تعالى قد أخبرنا أنه لا اختلاف فيما كان من عنده تعالى صح أنه لا تعارض ولا اختلاف في شيء من القرآن والحديث الصحيح وأنه كله متفق كما قلنا ضرورة وبطل مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض أو ضرب الحديث بالقرآن وصح أن ليس شيء من كل ذلك مخالفا لسائره علمه من علمه وجهله من جهله إلا أن الذي ذكرنا من العمل هو القائم في بديهة العقل الذي يقود إليه مفهوم اللغة التي خوطبنا بها في القرآن والحديث وبالله تعالى التوفيق وكل ذلك كلفظة واحدة وخبر واحد موصول بعضه ببعض ومضاف بعضه إلى بعض ومبني بعضه على بعض إما بعطف وإما باستثناء وهذان الوجهان نعني العطف والاستثناء يوجبان الأخذ بالزائد أبدا وقد بين ذلك رسول الله ﷺ في حلة عطارد إذ قال لعمر ﵁ إنما يلبس هذه من لا خلاق له ثم بعث إلى عمر حلة سيراء فأتاه عمر فقال
стр. 183
يا رسول الله أبعثت إلي هذه وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال ﵇ إني لم أبعثها إليك لتلبسها وفي بعض الأحاديث إنما بعثتها إليك لتصيب بها حاجتك أو كلاما هذا معناه ففي هذا الحديث تعليم عظيم لاستعمال الأحاديث والنصوص والأخذ بها كلها لأنه ﷺ أباح ملك الحلة من الحرير وبيعها وهبتها وكسوتها النساء وأمر عمر أن يستثني من ذلك اللباس المذكور في حديث النهي فقط وألا يتعدى ما أمر إلى غيره وألا تعارض بين أحكامه ﵇ قال علي وفي هذا الحديث إبطال القياس لأن عمر ﵁ أراد أن يحمل الحكم الوارد في النهي عن اللباس على سائر وجوه الانتفاع به فأخبره رسول الله ﷺ أن ذلك باطل وفيه أيضا أن حكمه ﵇ في عين ما حكم على جميع نوع تلك العين لأنه إنما وقع الكلام على حلة سيراء كان يبيعها عطارد ثم أخبر ﵇ أن ذلك حكم جار في كل حلة
حرير وأخبر أن ذلك الحكم لا يتعدى إلى غير نوع اللباس وهذا هو نص قولنا في عموم الحكم وإبطال القياس
قال علي وقد استعمل قوم بعض الوجوه الذي ذكرنا في غير موضعه ونحن نوقف على ذلك ونرى منه طرفا ليتنبه الطالب للعلم على سائره إذا ما ورد عليه إن شاء الله وما توفيقي إلا بالله وذلك أننا قد قلنا باستعمال الحديثين إذا كان أحدهما أقل معاني من الآخر بأن يستثنى الأقل من الأكثر فيستعمل الأقل معاني على عمومه ويستعمل الأكثر معاني حاشا ما أخرجنا منه بالاستثناء المذكور على ما بينا قبل فورد حديث النبي ﷺ فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط وورد حديث عن ابن عمر أنه أشرف على سطح فنظر إلى
стр. 184
رسول الله ﷺ قاعدا لحاجته على لبنتين وهو مستدبر القبلة قال علي فقال قوم نستبيح استدبار القبلة واستقبالها في البنيان ونمنع منه في الصحارى قال علي وأخطؤوا من وجهين أحدهما تحكمهم في الفرق بين البنيان وغيره وليس في شيء من الحديثين نص ولا دليل على ذلك بل وجدنا أبا أيوب الأنصاري وهو بعض رواة حديث النهي قد أنكر ذلك في البيوت فلو عكس عاكس فقال بل يستباح ذلك في الصحارى ولا يستباح في البنيان هل كان يكون بينهم وبينه فرق ومثل هذا في دين الله تعالى لا يستسله ولا يتمادى عليه بعد أن يوقف عليه ذو ورع لقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ مع آيات كثيرة تزجر عن ذلك وليس في حديث ابن عمر أن النبيصلى الله عليه وسلم كان في بنيان بل قد وصفت عائشة ﵂ أنهم كانوا يأنفون من اتخاذ الكنف في البيوت وأنهم كانوا يتبرزون خارج المنازل والرواية الصحيحة أنه ﵇ كان إذا أراد أن يتبرز أبعد وليس لأحد أن يقول إن ابن عمر إذا أشرف من السطح رآه في بنيان إلا كان متكهنا فهذا وجه والوجه الثاني أنه حتى لو صح أنه ﵇ كان في بنيان
فليس في ذلك الحديث إلا الاستدبار وحده فبأي شيء استحلوا استقبال القبلة بالغائط ولا نص عندهم فيه وليس إذا نسخ أو خص بعض ما ذكر في الحديث وجب أن ينسخ أو
يترك سائره فإن قالوا بل يترك سائره كانوا متحكمين في الدين ومسقطين لشرائع الله تعالى بلا دليل وسنستوعب الكلام في هذا الفصل في باب الخصوص أو النسخ من كتابنا هذا إن شاء الله ولزمهم أيضا أن يقولوا إن النبيصلى الله عليه وسلم لما نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب وكسب الحجام ثم أباح كسب الحجام أن يستباح حلوان
стр. 185
الكاهن ومهر البغي وثمن الكلب لأن كل ذلك مذكور في حديث واحد وإلا كانوا متناقضين قال علي ووجه العمل في هذين الحديثين هو الأخذ بالزائد وقد كان الأصل بلا شك أن يجلس كل أحد لحاجته كما يشاء فحديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود النهي ثم صار ذلك النهي رافعا لتلك الإباحة بيقين ولا يقين عندنا أنسخ شيء من ذلك النهي أم لا فحرام أن نترك يقينا لشك وأن نخالف حقيقة لظن وليس لأحد أن يقول إن حديث ابن عمر متأخر إلا لكان لغيره أن يقول بل حديث النهي هو المتأخر لأنه قد رواه سليمان وإسلامه في سنة الخندق وأبو هريرة وإسلامه بعد انقضاء فتح خيبر إلا أن النهي شريعة واردة رافعة لما كان الناس عليه من إباحة ذلك بيقين ولا يقين عندنا في أن الإباحة عادت بعد ارتفاعها ولو صح أن حديث ابن عمر كان متأخرا ما كان فيه إلا رفع النهي عن استدبار القبلة فقط وليبق استقبالها على التحريم
فصل في تمام الكلام في تعارض النصوص
قال علي وذهب بعض أصحابنا إلى ترك الحديثين إذا كان أحدهما حاظرا والآخر مبيحا أو كان أحدهما موجبا والآخر مسقطا قال فيرجع حينئذ إلى ما كنا نكون عليه لو لم يرد ذانك الحديثان قال علي وهذا خطأ من جهات أحدها أننا قد أيقنا أن الأحاديث لا تتعارض لما قد قدمنا من قوله تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾
مع إخباره تعالى أن كل ما قال نبيه ﷺ فإنه وحي فبطل أن
يكون في شيء من النصوص تعارض أصلا وإذا بطل التعارض فقد بطل الحكم الذي يوجبه التعارض إذ كل شيء بطل سببه فالمسبب من السبب الباطل باطل بضرورة الحس والمشاهدة والثاني أنهم يتركون كلا الخبرين
стр. 186
والحق في أحدهما بلا شك فإذا تركوهما جميعا فقد تركوا الحق يقينا في أحدهما ولا يحل لأحد أن يترك الحق اليقين أصلا والثالث أنهم لا يفعلون ذلك في الآيتين اللتين إحداهما حاظرة والأخرى مبيحة أو إحداهما موجبة والثانية نافية بل يأخذون بالحكم الزائد ويستثنون الأقل من الأكثر وقد بينا فيما سلف أنه لا فرق بين وجوب ما جاء في القرآن وبين وجوب ما جاء في كلام النبيصلى الله عليه وسلم قال علي كان حجتهم في ذلك أن قالوا إن أحد الخبرين ناسخ بلا شك ولسنا نعلمه بعينه فلما نعلمه لم يجز لنا أن نقدم عليه بغير علم فيدخل في قوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ قال علي وهذه الحجة فاسدة من وجهين أحدهما أنه يلزمهم مثل ذلك الآيتين وهم لا يفعلون ذلك والوجه الثاني أنه لا يجوز أن يقال في خبر ولا آية إن هذا منسوخ إلا بيقين قال علي ويكفي من بطلان هذا الذي احتجوا به أننا على يقين من أن الحكم الزائد على معهود الأصل رافع لما كان الناس عليه قبل وروده فهو الناسخ بلا شك ونحن على شك من هل نسخ ذلك الحكم بحكم آخر يردنا إلى ما كنا عليه أو لا فحرام ترك اليقين للشكوك وبالله تعالى التوفيق قال علي وقد اضطرب خاطر أبي بكر محمد بن داود ﵀ إلى ما ذهبنا إليه إلا أنه ﵀ اخترم قبل إنعام النظر في ذلك وذلك أنه قال في كتاب الوصول والعمل في الخبرين المتعارضين كالعمل في الآيتين ولا فرق قال علي وقال بعض أهل القياس نأخذ بأشبه الخبرين بالكتاب والسنة قال علي وهذا باطل لأنه ليس الذي ردوا إليه حكم هذين الخبرين أولى بأن يأخذ به من
الخبرين المردودين إليه بل النصوص كلها سواء في
стр. 187
وجوب الأخذ بها
والطاعة لها فإذ قد صح ذلك بيقين فما الذي جعل بعضها مردودا وبعضها مردودا إليه وما الذي أوجب أن يكون بعضها أصلا وبعضها فرعا وبعضها حاكما وبعضها محكوما فيه فإن قال الاختلاف الواقع في هذين هو الذي حط درجتهما إلى أن يعرضا على غيرهما قال علي وهذه دعوى مفتقرة إلى برهان لأنه ليس الاختلاف موجبا لكونهما معروضين على غيرهما لأن الاختلاف باطل فظنهم أنه اختلاف ظن فاسد يكذبه قول الله ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فإذ قد أبطل الله تعالى الاختلاف الذي جعلوه سببا لعرض الحديثين على سنة أخرى أو آية أخرى فقد وجب ضرورة أن يبطل مسببه الذي هو العرض وهذا برهان ضروري وبالله تعالى التوفيق قال علي وإذا كانت النصوص كلها سواء في باب وجوب الأخذ بها فلا يجوز تقوية أحدها بالآخر وإنما ذلك من باب طيب النفس وهذا هو الاستحسان الباطل وقد أنكره بعضهم على بعض قال علي وقد رجح بعض أصحاب القياس أحد الخبرين على الآخر بترجيحات فاسدة نذكرها إن شاء الله تعالى ونبين غلطهم فيها بحول الله تعالى وقوته فمن ذلك أن قالوا إن كان أحد الخبرين معمولا به والآخر غير معمول به رجحنا بذلك الخبر المعمول به على غير المعمول به قال علي وهذا باطل لما نذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا في فصل فيه إبطال قوم من احتج بعمل أهل المدينة إلا أننا نقول ها هنا جملة لا يخلو الخبر قبل أن يعمل به من أن يكون حقا واجبا أو باطلا فإن كان حقا واجبا لم يزده العمل به قوة لأنه لا يمكن أن يكون حق أحق من حق آخر في أنه حق وإن كان باطلا فالباطل لا يحققه أن يعمل به قال علي واحتج بعضهم في وجوب ترجيح أحد الخبرين على الآخر
стр. 188
فقال كما نرجح إحدى البينتين على الأخرى إذا تعارضتا مرة بالقرعة ومرة باليد قال علي وهذا هو عكس الخطأ على الخطأ ولسنا نساعدهم على ترجيح بينة على
أخرى لا بيد ولا بقرعة لأن ذلك لم يوجبه نص ولا إجماع وأيضا فحتى لو صح ترجيح إحدى البينتين على الأخرى لما جاز ذلك في الحديثين لأن هذا قياس والقياس باطل وأيضا فحتى لو صح ترجيح إحدى البينتين على الأخرى وكان القياس حقا لكان ترجيح الحديثين أحدهما على الآخر لا يجوز لأن الاختلاف في الحديثين باطل والتعارض عنهما منفي بما ذكرنا من قوله تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ وبإخباره تعالى أن كلام نبيه ﷺ وحي كله وأما البينتان فالتعارض فيهما موجود والاختلاف فيهما ممكن قال علي وقالوا إن كان أحد الخبرين حاظرا والآخر مبيحا فإنما نأخذ بالحاظر وندع المبيح قال علي وهذا خطأ لأنه تحكم بلا برهان ولو عكس عاكس فقال بل نأخذ بالمبيح لقوله تعالى ﴿وجاهدوا في لله حق جهاده هو جتباكم وما جعل عليكم في لدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم لمسلمين من قبل وفي هذا ليكون لرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على لناس فأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وعتصموا بلله هو مولاكم فنعم لمولى ونعم لنصير﴾ ولقوله تعالى ﴿شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ ولقوله تعالى ﴿يريد لله أن يخفف عنكم وخلق لإنسان ضعيفا﴾ أما كان يكون قوله أقوى من قولهم ولكنا لا نقول ذلك بل نقول إن كل أمر من الله تعالى لنا فهو يسر وهو رفع الحرج وهو التخفيف ولا يسر ولا تخفيف ولا رفع حرج أعظم من شيء أدى إلى الجنة ونجى من جهنم وسواء كان حظرا أو إباحة ولو أنه قتل الأنفس والأبناء والآباء قال علي ويبطل ما قالوا أيضا بقوله ﵇ إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم
стр. 189
قال علي فأوجب ﵇ من
الفعل ما انتهت إليه الطاقة ولم يفسح في ترك شيء منه إلا ما خرج عن الاستطاعة ووقع العجز عنه فقط وقد ظن قوم أن هذا الحديث مؤكد للنهي عن الأمر قال علي وهذا ظن فاسد لأن الاجتناب ترك والترك لا يعجز عنه أحد وأما
العمل فهو حركة لها كلفة أو إمساك عما تقتضيه الطبيعة من الأكل والشرب وفي ذلك تكلف وربما يعجز المرء عن كثير منه فكلفنا من ذلك كل ما انتهى إليه الوسع ولم يسقط عنا منه شيء إلا لم يكن بنا طاقة على فعله هذا نص الحديث لمن تأمله ولم يحله عن مفهوم لفظه فصح بذلك التسوية بين الأمر والنهي وإيجاب الطاعة للحظر والإباحة على السواء فليس الحاظر بأوكد من المبيح ولا المبيح بأوكد من الحاظر قال علي وقالوا نرجح أيضا بأن يكون راوي أحد الخبرين أضبط وأتقن قال علي هذا أيضا خطأ بما قد أبطلنا فيما سلف من هذا الباب قول من رام ترجيح الخبر بأن فلانا أعدل من فلان فأغنى ذلك عن إعادته ولكنا نقول ههنا إن هذا الذي الذي قالوا دعوى لا برهان عليها من نص ولا إجماع وما كان كذلك فهو ساقط قال علي وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون رواه جماعة وروى الآخر واحد قال علي وقد أبطلنا هذا فيما سلف من هذا الباب بأن القائلين بذلك قد تركوا ظاهر القرآن الذي نقله أهل الأرض كلهم لخبر نقله واحد ومثلنا ذلك بتحريمهم الجمع بين المرأة وعمتها وقطعهم السارق في ربع دينار ولا يقطعونه في أقل ويرجمون المحصن ومثل هذا كثير وبينا فيما خلا أن خبر الواحد وخبر الجماعة سواء في باب وجوب العمل بهما وفي القطع بأنهما حق ولا فرق وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قصد به بيان الحكم
стр. 190
والآخر لم يقصد به الحكم ومثلوا ذلك بالنهي عن جلود السباع مع قوله ﵇ إذا دبغ الإهاب فقد طهر قال علي أما هذا الترجيح فصحيح لأن الحديث إذا لم يقصد به بيان الحكم فلا إشكال فيه في أنه خلاف الذي قصد به بيان الحكم وأما الحديثان اللذان ذكروا فليسا واقعين تحت هذه الجملة
التي ذكروا بل كل واحد من الحديثين المذكورين فهو مقصود به بيان الحكم والتنظير الصحيح ههنا هو مثل أمره ﷺ بأن يكفن المحرم إذا مات في ثوبيه وألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه فهذا قصد به بيان
حكم العمل في تكفين المحرم فهو أولى من منع من ذلك بما روي من قوله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث لأن هذا الحديث لم يقصد به بيان حكم عملنا نحن فيمن مات من محرم أو غيره وأيضا فحديث النهي عن جلود السباع لا يصح ولو صح لكانت إذ دبغت جلودها يجب أن تستثنى من سائر الجلود السبعية التي لم تدبغ لأن المدبوغة منها أقل من غير المدبوغة وقالوا ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حدث به بنفسه وراوي الآخر لم يباشره فتكون رواية من باشر أولى ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة نكحني رسول الله ﷺ ونحن حلالان وبالرواية عن ابن عباس نكح رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم قال علي وهذا ترجيح صحيح لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره ولا ندري عمن نقله ولا تقوم الحجة بمجهول ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه قال علي إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه فتناقض وهدم ما بنى في قوله
стр. 191
نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن وتركوا ذلك في هذا المكان وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس رحمة الله عليه إذ حدثوا بحديث ميمونة المذكور وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم فقالوا كلا لا نترك حديثا حدثناه البحر عبد الله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه قال علي فإن كان كون أحد الرواة أعدل واجبا أن نترك له رواية من دونه في العدالة فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم كما بين السماء والأرض وإن كان لا معنى لذلك فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل قال أبو
محمد ونسوا أنفسهم أيضا فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس أنا سمعت رسول الله ﷺ وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة وهو ﵇ يقول لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا وفي قول البراء بن عازب إذ يقول سألت رسول الله ﷺ عن كيفية حجه فقال له
رسول الله ﷺ إني سقت الهدي وقرنت وفي قول حفصة أم المؤمنين له لم تحل من عمرتك فصدقها النبي ﷺ في ذلك وبين عليها لم فعل ذلك فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله ﷺ وما أخبر به رسول الله ﷺ عن نفسه لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته وقد اضطرب عنها أيضا فيه فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة رضي الله عن جميعهم ولكلام عن جابر لم يدع أنه سمعه وهو مع ذلك أيضا يحتمل التأويل وقد اضطرب عنه أيضا في ذلك ولا شك عند ذي عقل أنه ﵇ أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة وأن أنسا
стр. 192
والبراء وحفصة الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه ﷺ ذلك وباشروه يقول ذلك أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه ولكن هكذا يكون من اعتقد قولا قبل أن يعتقد برهانه ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قولا لم يختلف فيه والآخر فعلا مختلفا فيه ومثلوا ذلك برواية عثمان ﵁ لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب وبالرواية في نكاح ميمونة مرة بأنه ﵇ كان حلالا ومرة بأنه ﵇ كان محرما قال علي وهذا لا معنى له لأن العدل إذا روى شيئا قد بينا أنه لا يبطله خلاف من خالفه ولا كثرة من خالفه وليس العمل في الأخبار كدراهم قمار تلقى درهم بدرهم ويبقى الفضل للغالب لكن خبر واحد يستثنى منه أخبار كثيرة ويستثنى هو من أخبار كثيرة أو يؤخذ به إذا كان زائدا عليها أو يؤخذ بها إن كانت زائدة عليه لأن قائلها كلها وقائل ذلك واحد أو فاعلها وفاعله أو قائلها وفاعله أو فاعلها وقائله واحد وهو رسول الله ﷺ عن واحد هو الله وليس تكرار قوله بموجب منه ما لم يكن يجب لولا تكراره وتركه تكرار ما لم يكرر لا يخرج ما لم يكرر عن وجوب الطاعة له وإذا قال القول مرة واحدة فقد لزم
فرضا كما لو كرره ألف مرة ولا مزيد وإذا فعل الفعل مرة واحدة فالفضل في الائتساء به ﵇ فيه كما لو فعله ألف مرة ولا مزيد ولا فرق ولم يخص الله تعالى إذا أمرنا بطاعة رسوله ﷺ فيما كرر دون ما لم يكرر بل ألزمنا
الطاعة لأمره وأمره مرة يسمى أمرا كما لو كرره ألف مرة كل ذلك يقع عليه اسم أمر ولا خص لنا تعالى إذا حضنا على الائتساء بنبيه ﷺ ما فعله مرات دون ما فعله مرة ولا ما فعله مرة
стр. 193
دون ما فعله مرات بل إذا فعل ﵇ الفعل مرة فقد وقع عليه اسم أنه فعله ألف ألف مرة كل ذلك يقع عليه اسم فعل ومن قال غير هذا فقد تعدى حدود الله وشرع ما لم يأذن به الله وقفا ما لا علم له به واستحق اسم الظلم والوعيد وبالله تعالى نعتصم ونسأل أيضا من أتى بهذا الهوس فنقول له إذا سقط عندك ما صح أن رسول الله ﷺ فعله مرة ثم لم يفعله بعدها ولا نهى عنه بأنه لم يعد إليه فما تقول فيما صح أنه ﵇ فعله مرتين ثم لم يعد إليه ولا نهى عنه فإن تركه من أجل ترك العود سألناه عما فعله ثلاث مرات ثم لم يعد إليه ولا نزال نزيده مرة بعد مرة حتى يبدو سخف قوله إلى قول إلى كل ذي فهم أو يترك قوله الفاسد ويرجع إلى الحق قال علي وإنما أخذنا بالمنع من نكاح المحرم برواية عثمان ﵁ لأنها زائدة على معهود الأصل لأن الأصل إباحة النكاح على كل حال بقوله تعالى ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ فجاء النهي من طريق عثمان من أن ينكح المحرم فتيقنا ارتفاع الحالة الأولى بلا شك واستثنينا النهي حالة الإحرام عن النكاح من جملة العموم بإباحة النكاح وشككنا هل نسخ هذا النهي بعد وجوبه أو لا فلم يجز لأحد ترك ما أيقن وجوبه بظن لم يصح فصح يقينا لا مرية فيه أن حكم حديث
ابن عباس في نكاح ميمونة قد نسخ وبطل بلا شك ومن ادعى عود المنسوخ وبطلان الناسخ فقد كذب وأفك ثم حتى لو شككنا هل نسخ هذا النهي بعد وجوبه أو لا لم يجز لأحد ترك ما أيقن وجوبه بظن ولم يصح وحتى ولو صح قول ابن عباس أنه نكحها وهو محرم دون أن تخبر ميمونة على أنه ﵇ نكحها وهو محرم لما وجب بذلك ترك ما قد تيقناه من النهي عن نكاح المحرم الناسخ للإباحة المتقدمة لأمر لا ندري
стр. 194
أقبله كان أم بعده وترك اليقين للشك وتغليب الظن على الحقيقة باطل وحرام لا يحل وهذا ما لا يخيل على ذي لب وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فحتى لو صح أن نكاحه ﵇ ميمونة ﵂ كان حرما وأنه كان بعد نهيه عن نكاح المحرم لما كان ذلك مبيحا لإنكاح المحرم غيره ولا لخطبته على نفسه وعلى غيره ولكان نكاح المحرم حينئذ منسوخا مستثنى من النهي الوارد عن نكاحه وإنكاحه وخطبته ولكان باقي الحديث واجبا لازما لا يحل مخالفته وهذه كلها وجوه لائحة واضحة والحمد لله رب العالمين وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما اختلف على راويه فيه والآخر لم يختلفوا على راويه فيه ومثلوا ذلك بحديث ابن عمر فإن زادت الإبل على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وبحديث علي فإن زادت الإبل على عشرين ومائة واحدة ففي كل أربعين بنت لبون وفي خمسين حقة قال علي وهذا بين ليس من أجل الاختلاف فقد أبطلنا ذلك في الفصل الذي قبل هذا ولكن لأن حديث ابن عمر هو الزائد حكما على حديث علي ﵄ وقالوا أيضا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد قيل فيه إنه من كلام الراوي ولم يقل ذلك في الآخر فأخذ بالذي لم يقل ذلك فيه ومثلوا بحديث عتق الشقص الذي أحدهما من طريق ابن عمر دون أن يكون فيه ذكر الاستسعاء والآخر من طريق أبي هريرة وفيه ذكر الاستسعاء قالوا وقد قيل إن الاستسعاء من لفظ سعيد بن أبي عروبة لأن شعبة وهماما روياه عن قتادة ولم يذكر ذلك فيه وقد قيل إنه من لفظ قتادة
стр. 195
قال علي وهذا خطأ قد تابع سعيدا على ذكر الاستسعاء جرين بن حازم الأزدي وأبان بن يزيد العطار ويزيد بن زريع وحجاج بن حجاج وموسى بن خلف كلها لم يذكر فيه الاستسعاء عن قتادة مسندا إلى النبي ﷺ فالأخذ بالاستسعاء واجب لا يجوز تركه لأنه حكم زائد ثابت وليس في حديث ابن عمر ما يضاده ولا ينافيه وإنما فيه فقد عتق منه ما عتق ولا يصح ما زاد فيه بعضهم من قوله وقد رق ما رق ولا أتى ذلك من طرق تصح أصلا قال علي وتناقض في هذا الخبر أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة تناقضا فاحشا فجعل أصحاب أبي حنيفة
ذكره ﵇ السائمة مسقطا للزكاة عما في حديث الآخر من عموم الزكاة في جميع الغنم ولم يجعلوا قوله ﵇ في حديث
ابن عمر فقد عتق منه ما عتق موجبا لإرقاق سائره وقد كان يجب أن يطلبوا لقوله ﵇ فقد عتق منه ما عتق فائدة تنبىء أن ما لم يعتق منه لم يعتق كما قالوا في السائمة ولم يجعل أصحاب مالك ذكر السائمة مسقطا للزكاة في غير السائمة بالعموم الذي في حديث ابن عمر في ذكره الغنم وجعلوا قوله ﵇ فقد عتقوا منه ما عتق مسقطا لعتق باقيه المذكور في حديث أبي هريرة بالاستسعاء وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما اجتمع فيه الأمر والفعل وانفرد الآخر بأحدهما فيكون الذي اجتمعا فيه أولى ومثلوا ذلك بما روي من أنه ﵇ سعى وأمر بالسعي بين الصفا والمروة وبما روي من قوله ﵇ الحج عرفة قال علي وهذا لا معنى له لأن الحديث الذي فيه إيجاب السعي إنما صح من طريق أبي موسى وهو زائد على ما روي من أن الحج عرفة فوجب الأخذ بالشريعة الزائدة وليس في حديث الحج عرفة ما يمنع من وجوب
стр. 196
الإحرام والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بمزدلفة قال علي وقد تناقضوا ههنا فأوجبوا السعي فرضا ولم يسقطوا وجوبه لما روي من أن الحج عرفة ولم يوجبوا الوقوف بمزدلفة وذكر الله فيها وقد جاء النص الصحيح من القرآن والسنة بإيجاب ذلك فرضا فأما القرآن فقوله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات فذكروا لله عند لمشعر لحرام وذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن لضآلين﴾ وأما السنة فقوله ﵇ لعروة بن مضرس من أدرك الصلاة ههنا يعني بمزدلفة مع الناس والإمام فقد أدرك وإلا فلم يدرك أو كما قال ﵇ وتحكم أصحاب التقليد وأهل القياس أكثر من أن يحصيه إلا خالقهم الذي أحصى عدد القطر وورق الشجر ومكايل البحار لا إله إلا هو وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يوافقه عمل أهل المدينة قال
علي وهذا باطل وقد أفردنا له فصلا بعد كلامنا هذا في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق ومثلوا ذلك بأخبار رويت في الأذان والإقامة قال علي ولا يصح في ذلك خبر مسند إلا حديث أنس بن مالك رضوان الله عليه أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وبه نأخذ
وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد علق الحكم فيه بالاسم ويكون الآخر قد علق الحكم فيه بالمعنى فيكون الذي علق الحكم فيه بالمعنى أولى قال علي وهذا لا معنى له لأنها دعوى بلا برهان وإذ لو عارضهم معارض فقال بل الذي علق فيه الحكم بالاسم أولى لما انفصلوا منه ومثلوا ذلك بقوله ﵇ من بدل دينه فاقتلوه مع نهيه ﵇ عن قتل النساء قال علي وإنما أخذنا بقتل النساء المرتدات لأن النهي عن قتل النساء عموم والأمر بقتل من غير دينه مخصوص من ذلك العموم على ما قدمنا قبل
стр. 197
من استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني وأيضا فقد اتفقت الأمة على أن نهيه ﵇ عن قتل النساء ليس على ظاهره واتفقوا أنها إن زنت وهي محصنة أنها تقتل وإن قتلت مسلما أنها تقتل وأيضا فإن نهيه ﵇ عن قتل النساء إنما هو داخل في جملة قوله دماؤكم عليكم حرام فهو بعض تلك الجملة واستثنى كل من ورد أمر بإيجاب قتله أو إباحته من باغ أو شارب خمر بعد أن حد فيها ثلاثا أو زان محصن أو قاتل عمدا أو مرتد وصح أن النهي عن قتل النساء إنما هو من الأسارى من أهل دار الحرب وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما منصوصا بنسبته إلى النبي ﷺ والآخر إنما ينسب إلى النبي ﷺ استدلالا قال علي وهذا لا إشكال فيه ولا يجوز أن يؤخد بشيء لم ينص عليه أنه عن النبي ﷺ أو يوقن بأنه عنه ببرهان لا يحتمل إلا وجها واحدا ولا يجوز أن يكون عن غيره إلا أن يكون إجماع في شيء ما فيؤخذ به والإجماع أيضا راجع إلى التوقف منه ﵇ لا بد من ذلك قال علي ومثلوا ذلك
بالتشهد المروي عن عمر ﵁ أنه كان يعلمه الناس وهو على المنبر وبالتشهد المروي عن ابن عباس وعائشة وأبي موسى وابن مسعود مسندا إلى النبي ﷺ قال علي وليس في تعليم عمر ﵁ الناس التشهد على المنبر ما يدل على أنه عن النبي ﷺ وقد نهى عمر رضوان الله عليه وهو على المنبر عن المغالاة في مهور النساء وعلم الناس ذلك ولا شك عند أحد في أن نهيه عن ذلك ليس عن
النبي ﷺ وأن ذلك من اجتهاد عمر فقط وقد أقر ﵀ بذلك في ذلك الوقت ورجع عن النهي عنه إذ ذكر أن نهيه مخالف لما في القرآن وأما التشهدات المروية عن ابن عباس وعائشة وابن مسعود وأبي موسى رضوان الله عليهم فهي التي لا يحل تعديها
стр. 198
لصحة سندها إلى النبي ﷺ وقد خالف تشهد عمر الذي علمه الناس على المنبر ابنه عبد الله وابن مسعود وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم وقد شهدوه يخطب به وغاب عنهم من أنه حجة إجماعية ما ادعى هؤلاء لأنفسهم من فهمه ومن أنه يغيب عنهم وهذا كما نرى وقالوا ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد ثبت فيه الخصوص والآخر لم يثبت فيه الخصوص فغلب الذي لم يثبت فيه الخصوص على الذي ثبت فيه ومثلوا ذلك بآية النهي عن الجمع بين الأختين مع الآية التي فيها إباحة ذلك بملك اليمين قال علي الآية التي فيها إباحة ملك اليمين أكثر معاني من الآيات التي فيها النهي عن وطء الحريمة بنسب أو صهر ومن التي فيها النهي عن الجمع بين الأختين والأم وابنتها والمرأة المشتركة ووطء الحائض والصائمة والمحرمة والزانية ووطء الذكور المماليك والبهائم المملوكة والمشتركة فوجب استثناء كل ذلك لأنه أقل معاني مما أبيح بملك اليمين فخرج كل ما ذكرنا بالتحريم وتبقى الآية المسلمة التي ليس فيها شيء من الصفات التي ذكرنا على الإباحة وكذلك الآية التي فيها ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ أكثر معاني من الآيات التي ذكرنا فوجب استثناء كل ذلك بالتحريم لأنه أقل معاني مما أبيح بالنكاح فنكون على يقين من استعمالنا جميع النصوص الواردة وأننا لم نخالف منها شيئا ولا تناقضنا في تخصيص ما خصصنا واستثنائنا ما استثنينا وبالله تعالى التوفيق وقالوا ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما ورد
جوابا والآخر ورد ابتداء فنغلب الذي ورد جوابا على الذي ورد ابتداء
стр. 199
قال علي هذا خطأ لأنه قبل كل شيء تحكم بلا برهان والبرهان أيضا على بطلان هذا الحكم قائم وذلك أن رسول الله ﷺ بعث معلما وقد سئل عن شيء فأجاب عن أشياء كثيرة وقد سئل عن شحوم الميتة فأجاب ﵇ عنها ولعن اليهود ونهى أيضا
في ذلك الحديث عن بيع ما حرم من الميتات ولم يكن سئل عن كل ذلك ومثل هذا كثير ولا فرق بين ما ورد قوله ﵇ جوابا وبين ما ورد ابتداء وكل ذلك محمول على عمومه وعلى ما فهم من لفظه لا يحل أن يقتصر به على بعض ما يقع عليه ذلك اللفظ دون بعض إلا بنص أو إجماع وكذلك القول فيما ورد من القرآن جوابا عن سؤال متقدم وقد سئل عن اليتامى فأجاب تعالى فيهم ثم قال ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ فأخبرهم عن النساء زائدا على ما سألوا عنه فقالوا ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما من رواية من يختص بذلك المعنى والآخر برواية من لا يختص به ومثلوا ذلك برواية عائشة ﵂ في الغسل من الإكسال على خبر من روى أن لا غسل منه قال علي وهذا باطل لأن الراوين أن لا غسل منه مختصون بالوطء لنسائهم كاختصاص النساء ولا فرق ولأن كل عالم نفر للتفقه فهو مختص بالسؤال عن الحيض كسؤال المرأة عنه ولا فرق وحرص العالم على أن يتعلم كحرص الممتحن بالنازلة التي يسأل عنها ولا فرق وإنما أوجبنا الغسل من الإكسال لحديث أبي هريرة لأنه زائد على سائر الأحاديث لأن الأصل أن لا غسل على أحد وجاء حديث أبي هريرة بإيجاب الغسل فكان شريعة واردة زائدة بيقين ثم لم يصح أنها نسخت ولو لم يكن في ذلك إلا حديث عائشة ﵂ لما وجب به الغسل لأنه ليس فيه إلا فعلت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا وليس في هذا الحديث إيجاب الغسل وإنما فيه أن الغسل
стр. 200
فضل فقط وقد روي وصح أنه ﵇ كان ربما اغتسل بين كل وطأتين وليس ذلك واجبا فلو لم يكن هنا إلا قول عائشة ﵂ لكان اغتساله ﵇ من الإكسال كاغتساله بين كل وطأتين ولا فرق وإنما هو عمل يؤجر من ائتسى به ﵇ ولا يأثم من لم يفعله غير راغب عنه وبالله
تعالى التوفيق وقالوا نرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحد المختلفين استعمل كل واحد
من الخبرين في موضع الخلاف فيكون أولى ممن لا يستعملها ومثلوا ذلك بقوله ﷺ كل امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل مع قوله ﵇ الأيم أحق بنفسها من وليها قال علي وهذا الذي ذكروا لا معنى له بوجه من الوجوه هو كلام ساقط زائف لأنه ليس عمل أحد الخصمين حجة على الآخر إلا أن يأتي ببرهان يصحح عمله وأما الحديثان اللذان ذكروا فإنما حملناهما على ظاهرهما فأبطلنا نكاح كل امرأة نكحت بغير إذن مواليها ثيبا كانت أو بكرا على عموم الحديث وظاهر لفظه المفهوم منه في بطلان نكاحها بغير إذنهم وهو الذي لا يحل لأحد تعديه وقلنا الأيم أحق بنفسها من وليها في اختيار نكاح من شاءت والإذن فيه أورده فلا اعتراض لوليها في ذلك عليها ولا على كل بالغ من بكر ذات أب أو يتيمة بأحاديث أخر وآي مضافة بعضها إلى بعض فاستثنينا الإنكاح وحده وهو المنصوص عليه من سائر أحوالها لأنه الأخص فاستثني من الأعم وكانت أحق بنفسها في سائر أمورها كلها من وليها حاشا عقد الإنكاح وحده وهذا هو لفظ الحديثين نصا بلا مزيد وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يعضده قول الأئمة والآخر يعضده قول غيرهم فيكون الذي أيده قول الأئمة أولى ومثلوا لذلك بالتكبير في العيدين سبعا في الأولى وخمسا في الثانية وبما روي من طريق حذيفة من
стр. 201
تكبير ثلاث في الأولى قبل القراءة وأربع في الثانية بعد القراءة قال علي وهذا لا معنى له لما قد أبطلناه في باب إبطال الاحتجاج بعمل أهل المدينة من هذا الباب وبما قد أبطلناه من القول بالتقليد في باب التقليد من هذا الكتاب وإنما أخذنا بتكبير سبع وخمس لأنه فعل في الخير زائد وذكر لله تعالى ولأن الخبر المروي في ذلك لا بأس به وأما خبر حذيفة فليس يقوم بسنده حجة لما سنبينه في أمر موضعه من الكلام في أشخاص الأحاديث إن شاء الله وقالوا
نرجح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس
قال علي وهذا لا معنى له لما سنبينه في باب الإجماع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ولأن كثرة القائلين بالقول لا تصحح ما لم يكن صحيحا قبل أن يقولوا به وقلة القائلين بالقول لا تبطل ما كان حقا قبل أن يقول به أحد وقد بينا هذا جدا في باب إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة في آخر هذا الباب وأيضا فإن القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلا ويقلون بعد أن كانوا كثيرا فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي ﵀ ثم رجعوا إلى مذهب مالك وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي فيلزم على هذا أن القول إذا كثر قائلوه صار حقا وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلا وهذا هو الهذيان نفسه وقد احتج نصراني على مسلم بكثرة أهل القسطنطينية وأنهم لم يكونوا لتجتمع تلك الأعداد على باطل وهذا لا يلزم لمن رجح الأقوال بالكثرة ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول بل الحق حق وإن لم يقل به أحد والباطل باطل ولو اتفق عليه جميع أهل الأرض قال علي ويكفي من كشف غمة من اغتر بالكثرة أن نقول له لا تغتر بكثرة
стр. 202
من ترى من أصحاب المذاهب فإنما هم ثلاثة رجال فقط مالك والشافعي وأبو حنيفة ولا مزيد فقد حصلنا من كل ما نرى على ثلاثة رجال فقط وبالله تعالى التوفيق وهم يخالفون هذا كثيرا لأنهم أخذوا بقول زيد في إبطال الرد على ذوي الأرحام وتركوا قول عمر وعثمان وعائشة وابن مسعود وابن عباس ﵃ أجمعين في ذلك وأخذوا بقول من قال إن القرء هو الطهر وإنما قال به نحو ثلاثة من الصحابة والجمهور على أنه الحيض وقد ترك أيضا أصحاب أبي حنيفة قول الجمهور في أشياء كثيرة وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يعضد أحدهما خبر مرسل قال علي وهذا لا معنى له لأن المرسل في نفسه لا تجب به حجة فكيف يؤيد غيره ما لا
يقوم بنفسه وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما أشد تقصيا للحديث
ومثلوا ذلك بحديث جابر يعني الحديث الطويل في الحج قال علي هذا لا معنى له لأن من حفظ أشياء كثيرة فليس ذلك بمانع أن يحفظ غيره بعض ما غاب عنه مما جرى في تلك الأشياء التي حفظ أكثرها وقد سمع أنس والبراء وحفصة من فم النبي ﷺ في تلك الحجة ما لم يسمع جابر وثقفوا ما لم يثقفه جابر فالواجب قبول الزيادة التي عند هؤلاء على ما عند جابر وقبول الزيادة التي عند جابر على ما عند هؤلاء فنأخذ بروايتهم كلها ولا نترك منها شيئا وكلهم عدل صادق وهذا الذي لا يجوز غيره وقالوا نرجح أحد النصين بأن يكون أحدهما مكشوفا ويكون الآخر فيه حذف فنأخذ بالمكشوف ومثلوا ذلك بقوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ مع قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾
стр. 203
قالوا لأن هذه الأخيرة فيها حذف كأنه قال تعالى فإن أحصرتم فأحللتم قال علي وهذا الذي ذكروا خطأ لأن آية الإحصار أخص من آية الإتمام لأن المحصرين هم بعض المعتمرين والحجاج فواجب ضرورة أن يستثنوا منهم مع ما روي عن النبي ﷺ في ذلك من قوله
﵇ من كسر أو عرج فقد حل والحذف الذي ذكروا لا يعتد به إلا جاهل لأن ما تيقن فقد يحذف في كلام العرب كثيرا عن ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ فلا خلاف بين أحد من الأمة في أن في هذه الآية حذفا كأنه قال تعالى أو على سفر فأحدثتم لأن كون المرء مريضا أو مسافرا لا يوجب عليه وضوءا إلا أن يحدث ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم لله بللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم لأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحفظوا أيمانكم كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ لا يختلف مسلمان في أن في هذه الآية حذفا وأن معناه إذا حلفتم فحنثتم أو أردتم الحنث كلا المعنيين قد قال به قوم لأن الحلف لا يوجب كفارة إلا بالحنث أو بإرادته ومن ذلك قوله ﴿وقطعناهم ثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ ستسقاه قومه أن ضرب بعصاك لحجر فنبجست منه ثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم لغمام وأنزلنا عليهم لمن ولسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ ﴿فأوحينآ إلى موسى أن ضرب بعصاك لبحر فنفلق فكان كل فرق كلطود لعظيم﴾ لا خلاف عند ذي
عقل في أن في كلتا الآيتين حذفا وأنه كأنه تعالى قال فضرب فانفلق وضربت فانبسجت فمثل هذا الحذف لا يتعلل به في كلام الله تعالى وفي كلام رسوله ﷺ وفي كلام كل متكلم إلا جاهل مظلم الجهل لا علم له بمواقع اللغة وهو كالمذكور الذي لم يحذف سواء بسواء ومن ذلك أيضا قوله ﴿كل من عليها فان﴾ ونحن نقول في كل وقت قال تعالى وقال ﵇ ولا يذكر اسم الله تعالى في ذلك ولا اسم نبيه ﷺ اكتفاء منا بفهم السامع وأن ذلك لا يخيل
стр. 204
عليه البتة وكذلك قال تعالى ﴿فقال إني أحببت حب لخير عن ذكر ربي حتى توارت بلحجاب﴾ ولم يذكر الشمس اكتفاء بأن السامع قد علم المراد ضرورة وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما ورد في لفظه حكمه والآخر لم يرد في لفظه حكمه ومثلوا ذلك بقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم﴾ وقوله ﵇ أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وقوله ﵇ رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق قال علي ليس في قوله ﵇ ورفع القلم عن ثلاث ما يوجب سقوط الحقوق عن أموالهم وإنما فيه سقوط العبادات عن أبدانهم وقد قالوا بإخراج الديات والأروش وزكاة ما خرج من الأرض من مال الصبي والمجنون وهو داخل في جملة الأغنياء وأسقطوا عنه زكاة الناض تحكما بلا برهان فهلا قاسوا وجوب زكاة الناض عليه بوجوب زكاة ما أخرجت ثماره وبوجوب زكاة الفطر عليه وهم يدينون الله تعالى بالقياس ويعصون أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ ولكن هكذا يتناقض من اتبع السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله وقالوا نرجح أحد النصين بأن يكون مؤثرا في الحكم والآخر غير مؤثر ومثلوا ذلك بالاختلاف في زوج بريرة أحرا كان أم عبدا
قال علي وهذا لا يعقل لأن التأثير الذي ذكروا تحكم بلا دليل وليس في كونه عبدا ما يمنع من تخييرها تحت الحر وحتى لو اتفق النقلة كلهم على أنه كان عبدا لما أوجب ذلك ألا تخيير تحت حر إذا جاء ما يوجب ذلك وإنما نص النبي ﷺ على تخيير الأمة المتزوجة إذا أعتقت ولم يقل ﵇ إنما خيرتها لأنها تحت عبد فوجب بالنص تخيير كل أمة متزوجة
стр. 205
إذا أعتقت ولا نبالي تحت من كانت وليس من قال إنها خيرت لأنها كانت تحت عبد بأولى ممن قال بل لأنها كانت أسود وكل هذا لا معنى له فكيف ولا اختلاف في الروايات وكلها صحيح فالذي روى أنه كان عبدا أخبر عن حاله في أول أمره والذي روى أنه كان حرا أخبر بما صار إليه وكان ذلك أولى لأنه كان عنده علم من تحريره زائدا على من لم يكن عنده علم ذلك وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون منقولا من طرق بألفاظ شتى والآخر لم ينقل إلا من طريق واحد ومثلوا ذلك بحديث وابصة بن معبد الأسدي في إعادة المنفرد خلف الصف وبحديث أبي بكرة في تكبيره دون الصف وحديث ابن عباس في رده ﵇ إياه عن شماله إلى يمينه وحديث صلاة جدة أنس منفردة خلف النبي ﷺ قال علي أما كثرة الرواة فقد قدمنا إبطال الاحتجاج بها لأنهم يتركون أكثر ما نقله أهل الأرض برهم وفاجرهم وهو ظاهر القرآن لما نقله واحد فكيف يجوز لمن فعل ذلك أن يغلب ما نقله ثلاثة على ما نقله واحد وليس في التناقض وقلب المعقول أكثر من هذا وأما الأحاديث التي ذكروا فلا حجة لهم فيها وبعضها حجة عليهم أما حديث أبي بكرة فقد نهاه النبي ﷺ عن ذلك نصا وقال له زادك الله حرصا ولا تعد فنهاه عن العودة إلى التكبير خلف الصف وحده ولم يأمره ﵇ بإعادة الصلاة قال قوم لأن أبا بكرة جهل الحكم في ذلك قبل أن يعلمه النبي ﷺ أن فعله ذلك لا يجوز فأعلمه بنهيه إياه عن أن يعود لذلك كما أمر النبي ﷺ
الذي أساء الصلاة في حديث رافع بالإعادة مرة بعد مرة فلما قال له يا رسول الله والله ما أدري غير هذا فعلمني فعلمه ولم يأمره حينئذ الإعادة ولو
أن أبا بكرة
стр. 206
يعود لما نهاه عنه رسول الله ﷺ لبطلت صلاته بلا شك لأنه كان يكون مؤديا لصلاة لم يؤمر بها غير الصلاة التي أمر بها بحكم ضرورة العقل وقد قال ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن خبر أبي بكرة موافق لمعهود الأصل في إباحة الصلاة حيث شاء وأنه حينئذ ثبت الأمر بالمنع من الصلاة خلف الصف فجازت صلاته الكائنة قبل ورود الأمر ولزم النهي عنه في المستأنف ولأن النهي عن الصلاة خلف الصف أمر وارد وحكم زائد وشرع حادث بلا شك فهو ناسخ للإباحة المتقدمة بيقين وأما الذي علمه النبي ﷺ الصلاة بعد قوله ارجع فصل فإنك لم تصل فإن الأمر بالصلاة ثابت عليه ولا بد ولازم حتى يؤديه كما أمره ﵇ وليس في ذلك الخبر أنه ﵇ أسقط عنه لجهله ما كان أمره به من الصلاة ما دام وقتها قائما فلا يجوز أن يسقط أمر متيقن بظن كاذب وبالله تعالى التوفيق وأما حديث جدة أنس بن مالك فإنما ذلك حكم النساء وهكذا نقول إن حكم النساء في ذلك مخالف لحكم الرجال وإن حكم المرأة والنساء ألا يصلين مع رجل في صفه وهذا ما لا خلاف فيه فأخذنا بحديث جدة أنس بن مالك في النساء وبحديث وابصة في الرجال لأنه جاء منصوصا في رجل صلى خلف الصف فأخذنا بكلا الحديثين وأطعنا أمره ﵇ في جميع الوجهين ولم نعص شيئا من أحكامه ﵇ ولا ضربنا بعضها ببعض ولا أبطلنا بعضها ببعض ولم نجعل فيها اختلافا وليس من ترك حديث وابصة لحديث جدة أنس بأولى من أن يكون مصيبا ممن ترك حديث جدة أنس لحديث وابصة فأبطل ذلك على المرأة كإبطاله على الرجل وكل ذلك لا يجوز وليس أحد الحديثين أولى بالطاعة من الآخر والغرض أن يستعملا جميعا فيما ورد فيه
стр. 207
فيؤمر الرجل الذي يصلي خلف الصف وحده بالإعادة ولا تؤمر المرأة وأما حديث ابن عباس فإنه كبر مع النبي ﷺ منفردا في مكان لا يصلح له الوقوف فيه وهو جاهل بذلك غير عالم بالسنة فيه فرده رسول الله ﷺ إلى المكان الذي حقه أن يقف فيه ولم يبطل ما عمل متأولا بغير علم وكذلك نقول في الرجل
المأمور بالإعادة إنه لولا أن النهي من رسول الله ﷺ كان قد تقدم عن ذلك لما أمر بالإعادة وقد اعترض بعضهم باعتراضين غثين فقالوا لعل أمر النبي ﷺ لأبي بكر ألا يعود إنما كان من سعيه بالكد إلى الصلاة فقيل لهم نعم كذلك نقول إنه ﵇ نهاه بقوله لا تعد عن كل عمل عمله على غير الواجب وكان من أبي بكرة ﵁ في ذلك الوقت أعمال منهي عنها أحدها سعيه إلى الصلاة والثاني تكبيره دون الصف والثالث مشيه في الصلاة فعن كل ذلك نهاه ﵇ بقوله ولا تعد لا سيما وقد روينا نص قولنا بلا إشكال كما حدثنا عبد الله بن ربيع قال ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي ثنا أحمد بن جعفر ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال السلمي حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي عن عبد الله بن بدر عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه علي بن شيبان قال صلينا مع رسول الله ﷺ فقضى الصلاة ورجل فرد يصلي خلف الصف فوقف عليه رسول الله ﷺ حتى قضى الرجل صلاته ثم قال له رسول الله ﷺ استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف والاعتراض الثاني أن قالوا لعل المأمور بالإعادة إنما أمره ﵇ بذلك لعمل ما غير انفراده في الصف فقيل لهم هذا تكهن لا دليل عليه
стр. 208
والراوي الذي نقل ذلك من الصحابة ﵃ إنما أخبر أن سبب أمره بالإعادة كان انفراده ولم يذكر غير ذلك وقد قال تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ ولو ساغ هذا لساغ لغيرهم أن يقول لعل ما روي من لعن رسول الله ﷺ من وشم في الوجه ومن غير منار الأرض إنما لعنه لأمر ما غير هذين الفعلين ولعله ﵇ جلد الأمة التي زنت ورجم ماعزا ورجم الغامدية لغير الزنى ولشيء ما لم يذكر لنا ومثل هذا من الاعتراض فإنما هو عناد ظاهر وجهل شديد وإن العجب
ليطول من أصحاب أبي حنيفة الذين يأمرون المرأة إذا صلت مع الرجل إلى جنبه أن يعيد الرجل ومن أصحاب مالك الذين يأمرون الإمام إذا صلى في
مكان مرتفع والناس تحته أن يعيد فإن سئلوا عن الحجة في ذلك قالوا لأنهما صليا حيث لم يبح لهما ولا يأمرون المنفرد خلف الصف والمصلي في مكان مغصوب بالإعادة وكلاهما قد صلى على الحقيقة في مكان لم يبح له بلا شك وأما الإمام المصلي في المكان المرتفع والرجل الذي صلت المرأة إلى جنبه بصلاته وهو غير راض بذلك فما صليا إلا كما أمر وكما أبيح لهما فلو عكس هؤلاء القوم أكثر مذاهبهم لأصابوا فكيف وقد صح نص قولنا عن النبي ﷺ كما حدثنا عبد الله بن ربيع قال حدثنا محمد بن إسحاق بن السليم حدثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا حميد بن مسعدة أن يزيد بن زريع حدثهم قال ثنا سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم قال أنبأنا الحسن وهو البصري أن أبا بكرة حدثه قال إنه دخل المسجد ونبي الله ﷺ راكع فركعت دون الصف فقال النبي ﷺ زادك الله حرصا ولا تعد قال علي وحتى لو صح هذا الترجيح الفاسد الذي ذكرنا في أول كلامنا هذا لكان حديث وابصة هو الذي يجب أن يؤخذ به لأن الأحاديث الواردة
стр. 209
من طرق جمة وألفاظ شتى في تسوية الصفوف وإيجاب ذلك والوعيد الشديد على خلافه مؤيدة كلها لحديث وابصة وموافقة له ومبطلة لصلاة من لم يقم الصف من الرجال وكل من صلى وحده منفردا خلف الصف فلم يقم الصف وتلك الأحاديث التي ذكرناها رواها جابر بن سلمة وأبو مسعود البدري وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك والنعمان بن بشير وأبو هريرة من طرق في غاية الصحة وروي ذلك أيضا من طريق ابن عمرو وأبي مالك الأشعري والعرباض بن سارية والبراء بن عازب كلهم عن النبي ﷺ وقد ذكرنا أن حديث أبي بكر موافق لحديث وابصة فثبت حديث وابصة لا معارض له وصار بكثرة من ذكرنا من رواة معناه والحكم الواجب
فيه منقولا نقل التواتر موجبا للعلم الضروري لأنه رواه اثنا عشر صاحبا منهم الكوفي والبصري والرقي والشامي والمدني من طرق شتى وهذه صفة نقل الكافة وبالله تعالى التوفيق وقالوا نرجح أحد النصين بأن يكون أحدهما أبعد من الشناعة ومثلوا ذلك بقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ الآية مع قوله ﴿يا أيها لذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم لموت حين لوصية ثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في لأرض فأصابتكم مصيبة لموت تحبسونهما من بعد لصلاة فيقسمان بلله إن رتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة لله إنآ إذا لمن لآثمين﴾
قال علي وهذا لا معنى له ولا شناعة إلا المخالفة لله ولرسول الله ﷺ والتحكم بالآراء الفاسدة على ما أمرنا به فهذه هي الشنعة التي لا شنعة غيرها وقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم لموت حين لوصية ثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في لأرض فأصابتكم مصيبة لموت تحبسونهما من بعد لصلاة فيقسمان بلله إن رتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة لله إنآ إذا لمن لآثمين﴾ مستثنى من آية النهي عن قبول خبر الواحد الفاسق فلا يقبل فاسق أصلا إلا في الوصية في السفر فقط فإنه يقبل فيها كافران خاصة دون سائر الفساق ولا شنعة أعظم ولا أفحش ولا أقبح ولا أظهر من بطلان قول من قال ﴿يا أيها لذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم لموت حين لوصية ثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في لأرض فأصابتكم مصيبة لموت تحبسونهما من بعد لصلاة فيقسمان بلله إن رتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة لله إنآ إذا لمن لآثمين﴾ أي من غير قبيلتكم تعالى الله عن هذا الهذر علوا كبيرا وليت شعري أي قبيلة خاطب
стр. 210
الله بهذا الخطاب خاصة دون سائر القبائل وقد قال تعالى في أول الآية ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ وما علمنا الذين أمنوا قبيلة بعينها بل في الذين آمنوا عرب وفرس وقبط ونبط وروم وصقلب وخزر وسودان حبشة وزنج ونوبة وبجاة وبربر وهند وسند وترك وديلم وكرد فثبت بضرورة لا مجال للشك فيها أن غير الذين آمنوا هم الذين كفروا ولا ينكر ذلك إلا من سفه نفسه وأنكر عقله وقال على ربه تعالى بغير علم ولا برهان ولعمري لقد كان ينبغي أن يستحي قائلمن غيركم من غير قبيلتكم من هذا التأويل الساقط الظاهر عواره الذي ليس عليه من نور الحق أثر والعجب يكثر من أصحاب أبي حنيفة الذين يقبلون اليهود
والنصارى في جميع الحقوق بعضهم على بعض وقد نهاهم الله تعالى عن قبول الفاسقين ثم لا يقبلونهم في الوصية في السفر وقد جاء نص القرآن بقبولهم فيها وحسبنا الله وما عسى أن يقال في هذا المكان أكثر من وصف هذا القول البشيع الشنيع الفظيع فإن ذكره كاف من تكلف الرد عليه وبالله تعالى التوفيق وقالوا ونرجع بأن يكون الاشتقاق يؤيد أحد النصين ومثلوا ذلك بالشفق وادعوا أن اشتقاقه يؤيد أنه الحمرة
قال علي ما سمعنا هذا في علم اللغة ولا علمناه ولا سمع لغوي قط أن الشفق مشتق من الحمرة وإنما عهدنا الشعراء يسمون الحمرة والبياض المختلطين في الجدود بالشفق على سبيل التشبيه فقط وإنما قلنا إن وقت العشاء الآخرة يدخل بمغيب الحمرة لأن الحمرة تسمى شفقا والبياض يسمى شفقا فمتى غاب ما يقع عليه اسم شفق من حمرة أو بياض فقد غاب الشفق ودخل وقتها الخبر في ذلك عن النبي ﷺ وهذا هو القول بالعموم والظاهر
стр. 211
وأما من قال حتى يغيب كل ما يسمى شفقا فقد خصص الحديث بلا معنى ولا برهان وادعى أن المراد بذلك بعض ما يسمى شفقا وهو البياض وأنه قد يغيب الشفق ولا يكون ذلك وقتا للعتمة وذلك مغيب الحمرة وهذا تخصيص للحديث بلا دليل وإنما بينا هذا لئلا يموه مموه فيقول لنا أنتم خصصتم الظاهر في هذا المكان ولئلا يدعوا أنهم قالوا بعمومه في هذا المكان وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يضيف إلى السلف نقصا والآخر لا يضف إليهم ذلك فيكون الذي لا يضيف إليهم ذلك النقص أولى ومثلوا ذلك بمثال لا يصح فذكروا حديثين وردا في إعادة الوضوء من القهقهة في الصلاة وفي إسقاط الوضوء منها وكلا الحديثين ساقط لا يصح أحدهما رواه الحسن بن دينار وهو ضعيف وروي مرسلا من طريق أبي العالية وقد بينا أن المرسل لا تقوم به حجة والآخر رواه أبو سفيان عن جابر وأبو سفيان طلحة بن نافع ضعيف ولكنا نمثل في ذلك مثالا يصح وذلك الحديث المروي أن امرأة مخزومية سرقت فشفع فيها أسامة ألا تقطع يدها فأنكر ﵇ على أسامة ﵁ وقال له يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى وروي أيضا أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها فشفع فيها أسامة فقال من رجح إحدى الروايتين بما ذكرنا محال أن يزجر النبي ﷺ أسامة عن أن يشفع في حد ثم يعود لمثل ذلك فراموا أن يثبتوا بذلك أنها قصة واحدة وامرأة واحدة
وأنها قطعت للسرقة لا لجحد العارية قال علي هذا لا معنى له ولا حجة فيه لأننا لم نقل إن أسامة ﵁ أقدم على ذلك وهو يعلمه حدا وليس في الحديث زجر وإنما فيه تعليم
стр. 212
ولسنا
ننكر على أسامة وغير أسامة جهل شريعة ما حتى يعلمه إياها رسول الله ﷺ ومن قال في خبر ورد في سارقة وخبر ورد في مستعيرة إنها قصة واحدة فقد كان كابر وقال بغير برهان وقفا ما ليس له به علم وأما نحن فنقول يقينا بغير شك إن حال المستعيرة غير حال السارقة وإن العارية والجحود غير السرقة وإنهما قضيتان متغايرتان بلا شك ثم لسنا نقطع على أنهما امرأتان ولا على أنها امرأة واحدة لأن كل ذلك ممكن وقد يمكن ولو كانت امرأة واحدة أن تكون سرقت مرة فقطعت يدها ثم استعارت فجحدت فقطعت يدها الثانية والله تعالى أعلم وإنما نقول ما روينا وصحح عندنا ولا نزيد من رأينا ما لم نسمع ولا قام به برهان فنحصل في حد الكذب ونعوذ بالله من ذلك إلا أننا نقول إنا قد روينا بالسند الصحيح أن رسول الله ﷺ أمر بقطع يد امرأة استعارت المتاع وجحدته فنحن نقطع يد كل مستعير جاحد إذا قامت عليه بذلك بينة أو علم بذلك الحاكم أو أقر هو بذلك ونقول قد روينا أنه ﵇ قطع يد من سرق فنحن نقطع يد من سرق إذا ثبت عليه شيء مما ذكرنا هذا على أن حديث قطع المستعيرة قد روي من غير طريق عائشة ﵂ بسند صحيح ليس فيه ذكر شفاعة أسامة ولا شيء مما في حديث السارقة وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد ولهم ترجيحات فاسدة جدا والتي ذكرنا تستوعبها كلها وقد بينا سقوطها بالبراهين الواضحة وبتعري دعاويهم من الأدلة وعلى ذلك فكل ما رجحوا به في مكان ما فقد تركوه في أمكنة كثيرة وقد بينا الوجوه التي بها يرفع التعارض المظنون عن النصوص من القرآن والحديث بيانا لائحا والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
стр. 213
فصل فيمن قال لا يجوز تخصيص القرآن
بالخبر والرد عليه
قال علي قد بينا فيما قبل هذا بحول الله تعالى وقوته كيف يستثنى ما جاء في الحديث مما جاء في القرآن وما جاء في القرآن مما جاء في الحديث وما جاء في كل
واحد منهما من خاص مما جاء فيهما من عام ووجه الأخذ بالزائد في كل ذلك وذكر تخبط من خالف تلك الطريقة في حيرة التناقض وغلبة الشكوك على أقوالهم وبقي من خبال قولهم شيء نذكره ههنا إن شاء الله تعالى وهو أن بعضهم رأى أن يرد بعض ما بلغه عن النبي ﷺ مما قد أخذ بمثله فيما بين من المواضع فقال لا يجوز تخصيص القرآن بالخبر عن النبي ﷺ وقد بينا فيما خلا أن القوم إنما حسبهم نصر المسألة التي بين أيديهم فقط بأي شيء أمكنهم وإن هدموا على أنفسهم ألف مسألة مما يحتجون به في هذه ثم لا يبالون إذا تناولوا مسألة أخرى أن يحققوا ما أبطلوا في هذه ويبطلوا ما حققوا فيها فهم أبدا كما ترى يحلونه عاما ويحرمونه عاما ولقد كان ينبغي لمن ترك قول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ لحديث الوضوء بالنبيذ المسكر الحرام وهو لا يصح أبدا ولمن ترك قول الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لقصاص في لقتلى لحر بالحر ولعبد بلعبد ولأنثى بلأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فتباع بلمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن عتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ فقال بل يتبعه بالضرب بالسياط والنفي في البلاد ومثل هذا كثير أن يستحي من أن يقول لا أخصص القرآن بالحديث الصحيح الذي نقله الثقات وإن العجب ليطول ممن أبى قبول خبر الواحد في الحكم باليمين مع الشاهد وفي تمام صيام الآكل ناسيا وفي التحريم بخمس رضعات وفي قضاء الصيام
عمن مات وعليه صوم وفي ألا يحنط المحرم الميت وفي مئين من الأحكام ثم لا يستحي من أن يقول لا أجلد الزاني المحصن وقد جاء القرآن
стр. 214
بجلد كل زان ولم يخص محصنا من غيره فقال تعالى ﴿لزانية ولزاني فجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين لله إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر وليشهد عذابهما طآئفة من لمؤمنين﴾ ولم يخص تعالى من ذلك إلا الإماء والعبيد فقط فتركوا القرآن كما ترى والسنة الصحيحة من طريق عبادة في إيجاب الجلد على الزاني محصنا كان أو غير محصن لظن ظنوه في أن ماعزا رجم ولم يجلد وقد علمنا وجه قول المعتزلة لا نأخذ
بالحديث إلا حتى نجد حكمه في القرآن وما علمنا وجها لقول من قال لا نأخذ بالقرآن حتى يأتي حكمه في الحديث وهذا هو نفس قول إخواننا وفقهم الله في هذا المسألة وإنما روي أن رسول الله ﷺ لم يجلد ماعزا من طريق ساقطة لا يقوم به حجة وقد فعل مثل ذلك أيضا بعضهم فسمع القرآن قد نزل بقوله تعالى ﴿فإذا قرأت لقرآن فستعذ بلله من لشيطان لرجيم﴾ فقالوا لا نستعيذ إذا قرأنا في الصلاة لأنه لم يأت خبر بإيجاب الاستعاذة فمرة يتركون الأخبار الصحاح لأنها لم تذكر أحكامها في القرآن ومرة يتركون القرآن لأن حكمه لم يأت به خبر فأين تطلب مذاهب هؤلاء القوم وكيف يستجيزون هذه العظائم الشنيعة التي لا تطرد مع خطئها وعدم الحجة عليها وقيام البرهان على بطلانها وقد اعترض بعضهم في ترك الاستعاذة بما روي عن النبي ﷺ كان يفتتح القرآن بالحمد لله رب العالمين قال علي وهذا من غريب احتجاجهم وليت شعري متى قلنا لهم إن الاستعاذة قراءة يحتجون علينا بها وإنما قلنا لهم إن الاستعاذة قبل القراءة وبعد ما روي من التوجيه والدعاء أثر التكبير وأما استفتاح القراءة فبالحمد لله رب العالمين بلا شك ولا نقول غير ذلك قال علي فإن قالوا لنا أتقولون إن ماعزا جلده النبي ﷺ وأنه ﵇ كان يستعيذ قبل القراءة في الصلاة قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق
стр. 215
إنا نقول ونقطع أن الله قد أمر بجلد كل زان على كل حال وأن رسول الله ﷺ قد حكم على الزاني المحصن بالجلد مع الرجم وأنه ﵇ لم يخالف ربه قط ولا شك عندنا في أن ماعزا جلد مع الرجم ولا ندري إن كان أمره بعد ورود النص بالجلد مع الرجم وقد يمكن أن يكون رجمه قبل نزول آية الجلد فقد روينا بأصح طريق أنه قيل لبعض الصحابة رضوان الله عليهم في رجم رسول الله ﷺ المحصن والمحصنة أكان ذلك قبل
نزول سورة النور أم بعد نزولها فقال لا أدري فصح قولنا وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁ بعد النبي ﷺ فإنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وكذلك نقول أيضا إن الله قد أمر كل قارىء بالاستعاذة وأن رسول الله ﷺ لم يخالف أمر ربه قط ولا شك عندنا في وجوب الاستعاذة في الصلاة وقد استعاذ قبل القراءة جماعة من الصحابة روينا ذلك عنهم بالسند الصحيح وما روي إنكار ذلك عن أحد منهم ولا يبطل ما صح بقول القائل لعله نسخ ولا بأن يروى أنه ﵇ كرره وكذلك إن كان أمرا فلا يبطل بألا يروى أنه ﵇ فعله وقد بينا أن الأمر ساعة وروده يلزم ما لم يتيقن نسخه ولو كان الأمر لا يصح إلا بأن يكرر للزم مثل ذلك في التكرار وفي تكرار التكرار إلى ما لا نهاية له وللزم مثل ذلك في الأفعال فكان لا تصح
следующие страницы →