← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأما من قال حتى يغيب كل ما يسمى شفقا فقد خصص الحديث بلا معنى ولا برهان وادعى أن المراد بذلك بعض ما يسمى شفقا وهو البياض وأنه قد يغيب الشفق ولا يكون ذلك وقتا للعتمة وذلك مغيب الحمرة وهذا تخصيص للحديث بلا دليل وإنما بينا هذا لئلا يموه مموه فيقول لنا أنتم خصصتم الظاهر في هذا المكان ولئلا يدعوا أنهم قالوا بعمومه في هذا المكان وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يضيف إلى السلف نقصا والآخر لا يضف إليهم ذلك فيكون الذي لا يضيف إليهم ذلك النقص أولى ومثلوا ذلك بمثال لا يصح فذكروا حديثين وردا في إعادة الوضوء من القهقهة في الصلاة وفي إسقاط الوضوء منها وكلا الحديثين ساقط لا يصح أحدهما رواه الحسن بن دينار وهو ضعيف وروي مرسلا من طريق أبي العالية وقد بينا أن المرسل لا تقوم به حجة والآخر رواه أبو سفيان عن جابر وأبو سفيان طلحة بن نافع ضعيف ولكنا نمثل في ذلك مثالا يصح وذلك الحديث المروي أن امرأة مخزومية سرقت فشفع فيها أسامة ألا تقطع يدها فأنكر ﵇ على أسامة ﵁ وقال له يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى وروي أيضا أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها فشفع فيها أسامة فقال من رجح إحدى الروايتين بما ذكرنا محال أن يزجر النبي ﷺ أسامة عن أن يشفع في حد ثم يعود لمثل ذلك فراموا أن يثبتوا بذلك أنها قصة واحدة وامرأة واحدة وأنها قطعت للسرقة لا لجحد العارية قال علي هذا لا معنى له ولا حجة فيه لأننا لم نقل إن أسامة ﵁ أقدم على ذلك وهو يعلمه حدا وليس في الحديث زجر وإنما فيه تعليم

стр. 212

ولسنا ننكر على أسامة وغير أسامة جهل شريعة ما حتى يعلمه إياها رسول الله ﷺ ومن قال في خبر ورد في سارقة وخبر ورد في مستعيرة إنها قصة واحدة فقد كان كابر وقال بغير برهان وقفا ما ليس له به علم وأما نحن فنقول يقينا بغير شك إن حال المستعيرة غير حال السارقة وإن العارية والجحود غير السرقة وإنهما قضيتان متغايرتان بلا شك ثم لسنا نقطع على أنهما امرأتان ولا على أنها امرأة واحدة لأن كل ذلك ممكن وقد يمكن ولو كانت امرأة واحدة أن تكون سرقت مرة فقطعت يدها ثم استعارت فجحدت فقطعت يدها الثانية والله تعالى أعلم وإنما نقول ما روينا وصحح عندنا ولا نزيد من رأينا ما لم نسمع ولا قام به برهان فنحصل في حد الكذب ونعوذ بالله من ذلك إلا أننا نقول إنا قد روينا بالسند الصحيح أن رسول الله ﷺ أمر بقطع يد امرأة استعارت المتاع وجحدته فنحن نقطع يد كل مستعير جاحد إذا قامت عليه بذلك بينة أو علم بذلك الحاكم أو أقر هو بذلك ونقول قد روينا أنه ﵇ قطع يد من سرق فنحن نقطع يد من سرق إذا ثبت عليه شيء مما ذكرنا هذا على أن حديث قطع المستعيرة قد روي من غير طريق عائشة ﵂ بسند صحيح ليس فيه ذكر شفاعة أسامة ولا شيء مما في حديث السارقة وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد ولهم ترجيحات فاسدة جدا والتي ذكرنا تستوعبها كلها وقد بينا سقوطها بالبراهين الواضحة وبتعري دعاويهم من الأدلة وعلى ذلك فكل ما رجحوا به في مكان ما فقد تركوه في أمكنة كثيرة وقد بينا الوجوه التي بها يرفع التعارض المظنون عن النصوص من القرآن والحديث بيانا لائحا والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

стр. 213

فصل فيمن قال لا يجوز تخصيص القرآن بالخبر والرد عليه قال علي قد بينا فيما قبل هذا بحول الله تعالى وقوته كيف يستثنى ما جاء في الحديث مما جاء في القرآن وما جاء في القرآن مما جاء في الحديث وما جاء في كل واحد منهما من خاص مما جاء فيهما من عام ووجه الأخذ بالزائد في كل ذلك وذكر تخبط من خالف تلك الطريقة في حيرة التناقض وغلبة الشكوك على أقوالهم وبقي من خبال قولهم شيء نذكره ههنا إن شاء الله تعالى وهو أن بعضهم رأى أن يرد بعض ما بلغه عن النبي ﷺ مما قد أخذ بمثله فيما بين من المواضع فقال لا يجوز تخصيص القرآن بالخبر عن النبي ﷺ وقد بينا فيما خلا أن القوم إنما حسبهم نصر المسألة التي بين أيديهم فقط بأي شيء أمكنهم وإن هدموا على أنفسهم ألف مسألة مما يحتجون به في هذه ثم لا يبالون إذا تناولوا مسألة أخرى أن يحققوا ما أبطلوا في هذه ويبطلوا ما حققوا فيها فهم أبدا كما ترى يحلونه عاما ويحرمونه عاما ولقد كان ينبغي لمن ترك قول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ لحديث الوضوء بالنبيذ المسكر الحرام وهو لا يصح أبدا ولمن ترك قول الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لقصاص في لقتلى لحر بالحر ولعبد بلعبد ولأنثى بلأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فتباع بلمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن عتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ فقال بل يتبعه بالضرب بالسياط والنفي في البلاد ومثل هذا كثير أن يستحي من أن يقول لا أخصص القرآن بالحديث الصحيح الذي نقله الثقات وإن العجب ليطول ممن أبى قبول خبر الواحد في الحكم باليمين مع الشاهد وفي تمام صيام الآكل ناسيا وفي التحريم بخمس رضعات وفي قضاء الصيام عمن مات وعليه صوم وفي ألا يحنط المحرم الميت وفي مئين من الأحكام ثم لا يستحي من أن يقول لا أجلد الزاني المحصن وقد جاء القرآن

стр. 214

بجلد كل زان ولم يخص محصنا من غيره فقال تعالى ﴿لزانية ولزاني فجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين لله إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر وليشهد عذابهما طآئفة من لمؤمنين﴾ ولم يخص تعالى من ذلك إلا الإماء والعبيد فقط فتركوا القرآن كما ترى والسنة الصحيحة من طريق عبادة في إيجاب الجلد على الزاني محصنا كان أو غير محصن لظن ظنوه في أن ماعزا رجم ولم يجلد وقد علمنا وجه قول المعتزلة لا نأخذ بالحديث إلا حتى نجد حكمه في القرآن وما علمنا وجها لقول من قال لا نأخذ بالقرآن حتى يأتي حكمه في الحديث وهذا هو نفس قول إخواننا وفقهم الله في هذا المسألة وإنما روي أن رسول الله ﷺ لم يجلد ماعزا من طريق ساقطة لا يقوم به حجة وقد فعل مثل ذلك أيضا بعضهم فسمع القرآن قد نزل بقوله تعالى ﴿فإذا قرأت لقرآن فستعذ بلله من لشيطان لرجيم﴾ فقالوا لا نستعيذ إذا قرأنا في الصلاة لأنه لم يأت خبر بإيجاب الاستعاذة فمرة يتركون الأخبار الصحاح لأنها لم تذكر أحكامها في القرآن ومرة يتركون القرآن لأن حكمه لم يأت به خبر فأين تطلب مذاهب هؤلاء القوم وكيف يستجيزون هذه العظائم الشنيعة التي لا تطرد مع خطئها وعدم الحجة عليها وقيام البرهان على بطلانها وقد اعترض بعضهم في ترك الاستعاذة بما روي عن النبي ﷺ كان يفتتح القرآن بالحمد لله رب العالمين قال علي وهذا من غريب احتجاجهم وليت شعري متى قلنا لهم إن الاستعاذة قراءة يحتجون علينا بها وإنما قلنا لهم إن الاستعاذة قبل القراءة وبعد ما روي من التوجيه والدعاء أثر التكبير وأما استفتاح القراءة فبالحمد لله رب العالمين بلا شك ولا نقول غير ذلك قال علي فإن قالوا لنا أتقولون إن ماعزا جلده النبي ﷺ وأنه ﵇ كان يستعيذ قبل القراءة في الصلاة قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق

стр. 215

إنا نقول ونقطع أن الله قد أمر بجلد كل زان على كل حال وأن رسول الله ﷺ قد حكم على الزاني المحصن بالجلد مع الرجم وأنه ﵇ لم يخالف ربه قط ولا شك عندنا في أن ماعزا جلد مع الرجم ولا ندري إن كان أمره بعد ورود النص بالجلد مع الرجم وقد يمكن أن يكون رجمه قبل نزول آية الجلد فقد روينا بأصح طريق أنه قيل لبعض الصحابة رضوان الله عليهم في رجم رسول الله ﷺ المحصن والمحصنة أكان ذلك قبل نزول سورة النور أم بعد نزولها فقال لا أدري فصح قولنا وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁ بعد النبي ﷺ فإنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وكذلك نقول أيضا إن الله قد أمر كل قارىء بالاستعاذة وأن رسول الله ﷺ لم يخالف أمر ربه قط ولا شك عندنا في وجوب الاستعاذة في الصلاة وقد استعاذ قبل القراءة جماعة من الصحابة روينا ذلك عنهم بالسند الصحيح وما روي إنكار ذلك عن أحد منهم ولا يبطل ما صح بقول القائل لعله نسخ ولا بأن يروى أنه ﵇ كرره وكذلك إن كان أمرا فلا يبطل بألا يروى أنه ﵇ فعله وقد بينا أن الأمر ساعة وروده يلزم ما لم يتيقن نسخه ولو كان الأمر لا يصح إلا بأن يكرر للزم مثل ذلك في التكرار وفي تكرار التكرار إلى ما لا نهاية له وللزم مثل ذلك في الأفعال فكان لا تصح

стр. 216

شريعة أبدا وهذا قول يؤدي إلى إبطال جميع الشرائع وإلى الكفر وليس الأمر الثاني بأوكد من الأول أصلا قال علي ثم نعكس عليهم هذا السؤال الفاسد فنقول لمن كان منهم مالكيا أتقول إن رسول الله ﷺ أخذ الزكاة من زيت الفجل ومن الفول والعلس ومن عروض التجارة وقد كان ذلك موجودا بالمدينة وكانت التجارة هي الغالبة على المهاجرين ومعاش جميع أهل مكة لا نحاشي منهم أحدا في أيامه ﵇ وهل حكم رسول الله ﷺ بالشفعة في الثمار وقد كانت تتبايع على عهده بالمدينة بلا شك ونقول له إن كان حنفيا أتقول إنه ﵇ أخذ الزكاة من القثاء والرمان والخضروات والقطن ونقول لمن كان منهم شافعيا هل تقول إنه ﵇ بسمل ولا بد في كل ركعة قبل أم القرآن فإن قالوا قد قام الدليل على كل ما ذكرنا ولا ينسب إلى رسول الله ﷺ خلاف ما أوجبه القرآن وخلاف ما جاء به أمره قلنا لهم هذا قولنا نفسه في جلد ماعز وفي الاستعاذة فإن قالوا نعم قد فعل ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ما لم يأت في شيء من الروايات أنه فعله ﵇ فلا ينكروا هذا على من قاله فيما جاء به نص كلام الله وإن قالوا لم يفعله ﵇ ولكنا أوجبناه بالدلائل أقروا على أنفسهم بالكفر وبإحداث شريعة لم يأذن بها الله تعالى ولا علمها الرسول ﷺ وصرحوا بأن النبي ﵇ خالف أمر ربه جاهرا وضيع الواجب وأنهم استدركوا ذلك وعملوا بأمر ربهم وهذا لا يقوله مسلم والله الموفق للصواب

стр. 217

فصل وقد يرد خبر مرسل إلا أن الإجماع صح بما فيه متيقنا قال علي وقد يرد خبر مرسل إلا أن الإجماع قد صح بما فيه متيقنا منقولا جيلا فجيلا فإن كان هذا علمنا أنه منقول نقل كافة كنقل القرآن فاستغني عن ذكر السند فيه وكان ورود ذلك المرسل وعدم وروده سواء ولا فرق وذلك نحو لا وصية لوارث وكثير من أعلام نبوته ﷺ وإن كان قوم قد رووها بأسانيد صحاح فهي منقوله نقل الكافة كشق القمر مع أنه مذكور في القرآن وكإطعامه النفر الكثير من الطعام اليسير وكسقيه الجيش من ماء يسير في قدح وكصبه وضوءه في البئر فانثالت بماء عظيم بتبوك وكرميه التراب في عيون أهل حنين فأصابت جميعهم وهي مذكورة في القرآن وأما المرسل الذي لا إجماع عليه فهو مطروح على ما ذكرنا لأنه لا دليل عن قبوله البتة فهو داخل في جملة الأقوال التي إذا جمع عليها قبلت وإذا اختلفت فيها سقطت وهي كل قولة لم يأت بتفصيلها باسمها نص ومن قال بذلك دون برهان كان عاصيا لقول الله تعالى ﴿قل إنما حرم ربي لفواحش ما ظهر منها وما بطن ولإثم ولبغي بغير لحق وأن تشركوا بلله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على لله ما لا تعلمون﴾ قال علي وإن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين فإنهم يأبون قبول خبر الواحد في عدة مواضع ويقولون قد جاء القرآن بخلافها نعم ويتركونها والقرآن موافق لها على ما قد ذكرنا ثم يتركون القرآن لنقل لا أحد فإن قال قائل وكيف ذلك قلنا له وبالله تعالى التوفيق إنهم يقولون كثيرا بالمرسل وهو نقل لا أحد لأن المسكوت عن ذكره المجهول حاله هو ومن هو معدوم سواء وبالله تعالى التوفيق

стр. 218

فصل أجاز بعض أصحابنا أن يرد الحديث الصحيح قال علي وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال وذلك دليل على أنه منسوخ قال علي وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين أحدهما أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له والله إلى وجوده أبدا والثاني أن الله تعالى قد قال ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع اللهم هل بلغت قال علي ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين بحديث آخر صحيح وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا منقولا إلينا محفوظا عندنا مبلغا نحونا بلفظه قائم النص لدينا لا بد من ذلك وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا

стр. 219

منقولا مبلغا إلينا ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه فهذا باطل عندنا لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد لأنه معدوم البتة قد دخل بأنه غير كائن في باب المحال والممتنع عندنا وبالله تعالى التوفيق فصل ليس كل قول الصحابي إسنادا قال علي وإذا قال الصحابي السنة كذا وأمرنا بكذا فليس هذا إسنادا ولا يقطع على أنه عن النبي ﷺ ولا ينسب إلى أحد قول لم يرو أنه قاله ولم يقم برهان على أنه قاله وقد جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ حتى نهانا عمر فانتهينا وقد قال بعضهم السنة كذا وإنما يعني أن ذلك هو السنة عنده على ما أداه إليه اجتهاده فمن ذلك ما حدثناه حمام ثنا الأصيلي ثنا أبو زيد المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أحمد بن محمد ثنا عبد الله أنبأ يونس عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله قال كان ابن عمر يقول أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا قال أبو محمد ولا خلاف بين أحد من الأمة كلها أن النبي ﷺ إذ صد عن البيت لم يطف به ولا بالصفا والمروة بل أحل حيث كان بالحديبية ولا مزيد وهذا الذي ذكره ابن عمر لم يقع قط لرسوله ﷺ حدثنا حمام بن أحمد قال ثنا عياش بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن قال ثنا محمد بن إسماعيل الصايغ ثنا عبد الله بن بكر السهمي ثنا سعيد بن أبي عروبة عن مطر

стр. 220

هو الوراق عن رجاء بن حيوة عن قبصه بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال لا تلبسوا علينا سنة نبينا ﷺ عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد بن بشار بندار ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان ثنا عبد المجيد بن جعفر ثنا وهب بن كيسان قال اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصل ركعتين ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس فقال أصاب السنة قال أبو محمد وقد صح عن ابن عباس أنه قرأ أم القرآن على الجنازة في الصلاة وجهر وقال إنها سنة كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا أبو إسحاق البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن سعد عن طلحة قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب قال لتعلموا أنها سنة سعد هذا هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وطلحة هو ابن عبد الله بن عوف وروي عن أنس أنه أفطر في منزله في رمضان إذا أراد السفر قبل أن يخرج قال إنها سنة وخصومنا في هذا الموضع لا يقولون بشيء من هذا فقد نقضوا أصلهم ومن أضل ممن لا يجعل قول هؤلاء هي السنة سنة ويجعل قول سعيد بن المسيب في دية أصابع المرأة هي السنة سنة قال أبو محمد فلما وجدنا ذلك منصوصا عنهم لم يحل لنا أن ننسب إلى النبي ﷺ شيئا لا نعمله فنكون قد دخلنا في نهي الله إذ يقول ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ فمن أقدم على هذا فهو قليل الورع حاكم بالظن والظن لا يغني من الحق شيئا وهذا مذهب أهل الصدر الأول كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي عن عبد الملك بن عمر الخولاني عن محمد بن

стр. 221

بكر المصري عن سليمان بن الأشعث ثنا عبد الله بن معاذ أخبرني أبي ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل لصلاة الصبح غسلا فقلت لعبد الرحمن أعن النبي ﷺ قال لا أحدثك عن النبي ﷺ شيء قال علي فهذا عبد الرحمن يحكي أنها أمرت في عهد النبي ﷺ ولم يستجز أن يقول ومن يأمر بهذا إلا النبي ﷺ لا سيما في حياته ﵇ وإنما أقدم على القطع في هذا من قل فهمه ورق ورعه واشتغل بالقياسات الفاسدة عن مراعاة حديث النبي ﷺ وألفاظ القرآن وقد قال بعضهم إذا جاء عن صاحب فتيا من قوله إلا أن فيها شرع شريعة أو حدا محدودا أو وعيدا فإن هذا مما لا يقال بقياس ولا يقال إلا بتوقيف فاستدل بذلك على أنه من رسول الله ﷺ قال علي وقائل هذا القول الساقط يقر أنهم رتبوا في الخمر ثمانين برأيهم وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك ونحن نجد أنهم ﵃ قالوا بكل ما ذكرنا بآرائهم ورسول الله ﷺ حي وبعد موته فقد قال طائفة من الصحابة حبط عمل عامر بن الأكوع إذ ضرب نفسه بسيفه في الحرب فأكذب النبي ﷺ ذلك وعمر قد قال دعني أضرب عنق حاطب فقد نافق فأبطل رسول الله ﷺ قوله ذلك وفي قول عمر الذي ذكرنا إيجاب شرع في ضرب عنق امرىء مسلم وإخبار بغيب في أنه منافق ومثل هذا كثير مما سنذكره في باب إبطال التقليد إن شاء الله تعالى وكل هذا فقد يقوله المرء مجتهدا متأولا ومستعظما لما يرى فمخطىء ومصيب

стр. 222

وإن العجب ليكثر ممن ينسب إلى النبي ﷺ كل ما ذكرنا بظنه الفاسد وينكر أن يكون ﵇ جلد ماعزا وقد صح عنه ﵇ الحكم بالجلد على المحصن مع الرجم ونزل القرآن بجلد الزناة كلهم وقد ذكر أبو هريرة حديث النفقة على الزوجة والولد والعبد فقال في آخره تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني فقيل له أهذا عن رسول الله ﷺ فقال لا ولكن هذا من كيس أبي هريرة والعجب من القائل إن مثل هذا لا يقال بالقياس نعني في مثل قول عائشة ﵂ لأم ولد زيد بن أرقم أبلغني زيدا أنه إن لم يتب فقد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ وهو يقول بالقياس ما هو أشنع من هذا فبعضهم يفرق بين الفأرة والعصفورة الواقعين في البئر يموتان فيها وبين الدجاجة والسنور يموتان في البئر فيوجب من أحدهما عشرين دلوا ومن الآخر أربعين دلوا ويجيز بيع ثوب من ثوبين أو ثلاثة يختاره المشتري بغير عينه ولا يجيز بيع ثوب من أربعة أثواب فصاعدا يختاره المشتري ويرى القطع في الساج والقنا ولا يراه في سائر الخشب وبعضهم يفرق بين سلم بغل في بغلين وبين سلم بغلين في بغلين فيحل أحد الوجهين ويحرم الآخر وتحكمهم في الدين لو جمع لقامت منه أسفار ونحن لا ننسب إلى النبي ﷺ إلا ما صح عنه بالنقل أو صح أن ربه تعالى أمره به ولم ينسخه عنه فقد قال ﵇ إن كذبا علي ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار قال علي وليس في تعمد الكذب أكثر من أن تسمع كلاما لم يخبرك أحد تثق به أن رسول الله ﷺ قاله ولا سمعته يقوله ولا علمت أن الله تعالى أمره به فتنسبه أنت برأيك وظنك إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 223

قاله نعوذ بالله العظيم من ذلك فصل في قوم لا يتقون الله فيما ينسب إلى النبي ﷺ قال علي وقد ذكر قوم لا يتقون الله أحاديث في بعضها إبطال شرائع الإسلام وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول الله ﷺ وإباحة الكذب عليه وهو ما حدثنا المهلب بن أبي صفرة حدثنا ابن مناس ثنا محمد بن مسرور القيرواني ثنا يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني شمر بن نمير عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال سيأتي ناس يحدثون عني حديثا فمن حدثكم حديثا يضارع القرآن فأنا قلته ومن حدثكم بحديث لا يضارع القرآن فلم أقله فإنما هو حسوة من النار قال أبو محمد الحسين بن عبد الله ساقط منهم بالزندقة وبه إلى ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن الأصبغ بن محمد أبي منصور أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال الحديث عني على ثلاث فأيما حديث بلغكم عني تعرفونه بكتاب الله تعالى فاقبلوه وأيما حديث بلغكم عني لا تجدون في القرآن ما تنكرونه به ولا تعرفون موضعه فيه فاقبلوه وأيما حديث بلغكم عني تقشعر

стр. 224

منه جلودكم وتشمئز منه قلوبكم وتجدون في القرآن خلافه فردوه قال أبو محمد هذا حديث مرسل والأصبغ مجهول حدثنا أحمد بن عمر ثنا ابن يعقوب ثنا ابن محلون ثنا المغامي ثنا عبد الملك بن حبيب عن مطرف بن عبد الله عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال في مرضه لا يمسك الناس علي شيئا لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه وهذا مرسل إلا أن معناه صحيح لأنه ﵇ إنما أخبر في هذا الخبر بأنه لم يقل شيئا من عند نفسه بغير وحي من الله تعالى به إليه وأحال بذلك على قول الله تعالى في كتابه ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ فنص كتاب الله تعالى يقضي بأن كل ما قاله ﵇ فهو عن الله تعالى وأخبرني المهلب بالسند الأول إلى ابن وهب حدثني سليمان بن بلال عن عمرو ابن أبي عمرو عمن لا يتهم عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال وإني لا أدري لعلكم أن تقولوا عني بعدي ما لم أقل ما حدثتم عني مما يوافق القرآن فصدقوا به وما حدثتم عني مما لا يوافق القرآن فلا تصدقوا به وما لرسول الله ﷺ حتى يقول ما لا يوافق القرآن وبالقرآن هداه الله قال أبو محمد وهذا مرسل وفيه عمرو بن أبي عمرو وهو ضعيف وفيه أيضا مجهول حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال ثنا عبد الوهاب هو الثقفي سمعت يحيى بن سعيد قال أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عمير حدثه أن رسول

стр. 225

الله ﷺ جلس في مرضه الذي مات فيه إلى جنب الحجر فحذر الفتن وقال إني والله لا يمسك الناس علي بشيء إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه قال علي وهذا مرسل لا يصح وفيما أخذناه عن بعض أصحابنا عن القاضي عبد الله بن محمد بن يوسف عن ابن الدخيل عن محمد بن عمرو العقيلي حدثنا محمد بن أيوب ثنا أبو عون محمد بن عون الزيادي ثنا أشعث بن بزار عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أو لم أحدث قال علي وأشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه وحدثنا المهلب بن أبي صفرة ثنا ابن مناس ثنا محمد بن مسرور ثنا يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني الحارث بن نبهان عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته قال علي الحارث ضعيف والعرزمي ضعيف وعبد الله بن سعيد كذاب مشهور وهذا هو نسبة الكذب إلى رسول الله ﷺ لأنه حكي عنه أنه قال لم أقله فأنا قلته فكيف يقول ما لم يقله هل يستجيز هذا إلا كذاب زنديق كافر أحمق إنا لله وإنا إليه راجعون على عظم المصيبة بشدة مطالبة الكفار لهذه الملة الزهراء وعلى ضعف بصائر كثير من أهل الفضل يجوز عليهم مثل هذه البلايا لشدة غفلتهم وحسن ظنهم لمن أظهر لهم الخير

стр. 226

قال علي فإحدى الطائفتين أبطلت الشرائع والأخرى أباحت الكذب على رسول الله ﷺ ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كلتا هاتين الطائفتين وهاتين المسألتين ونقول للأولى أول ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه قال الله تعالى ﴿مآ أفآء لله على رسوله من أهل لقرى فلله وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل كي لا يكون دولة بين لأغنيآء منكم ومآ آتاكم لرسول فخذوه وما نهاكم عنه فنتهوا وتقوا لله إن لله شديد لعقاب﴾ وقال تعالى ﴿من يطع لرسول فقد أطاع لله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا﴾ وقال تعالى ﴿إنآ أنزلنا إليك لكتاب بلحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما﴾ ونسأل قائل هذا القول الفاسد في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات وأن المغرب ثلاث ركعات وأن الركوع على صفة كذا والسجود على صفة كذا وصفة القراءة فيها والسلام وبيان ما يجتنب في الصوم وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة ومقدار الزكاة المأخوذة وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ورمي الجمار وصفة الإحرام وما يجتنب فيه وقطع يد السارق وصفة الرضاع المحرم وما يحرم من المآكل وصفة الذبائح والضحايا وأحكام الحدود وصفة وقوع الطلاق وأحكام البيوع وبيان الربا والأقضية والتداعي والإيمان والأحباس والعمرى والصدقات وسائر أنواع الفقه وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ وكذلك الإجماع إنما هو على مسائل يسيرة قد جمعناها كلها في كتاب واحد وهو المرسوم بكتاب المراتب فمن أراد الوقوف عليها فليطلبها هنالك فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة

стр. 227

ولو أن امرأ قال لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق ولو أن امرأ لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقا بإجماع الأمة فهاتان المقدمتان توجب بالضرورة الأخذ بالنقل وأما من تعلق بحديث التقسيم فقال ما كان في القرآن أخذناه وما لم يكن في القرآن لا ما يوافقه ولا ما يخالفه أخذناه وما كان خلافا للقرآن تركناه فيقال لهم ليس في الحديث الذي صح شيء يخالف القرآن فإن عد الزيادة خلافا لزمه أن يقطع في فلس من الذهب لأن القرآن جاء بعموم القطع ولزمه أن يحل العذرة لأن في نص القرآن ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ والعذرة ليست شيئا مما ذكر فإن قال هي رجس قيل له كل محرم فهو رجس لا سيما إن كان مخاطبنا ممن يستحل أبوال الإبل وبعرها فأي فرق بين أنواع المعذرات لولا التحكم ولزمه أيضا أن يحل الجمع بين العمة وبنت أخيها لأن القرآن نص على المحرمات ثم قال ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ فإن عد الزيادة خلافا لزمه كما ذكرناه وأما الطائفة الأخرى المبيحة للقول بما لم يأت نصا عن النبي ﷺ وإباحة أن ينسب ذلك إليه فحسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين حدثنا أحمد بن محمد الجسوري قال ثنا

стр. 228

وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح عن أبي بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن شعبة وسفيان عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ وقال ﵇ لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار وروينا هذا المعنى مسندا صحيحا من طريق علي وأبي هريرة وسمرة وأنس عن رسول الله ﷺ قال علي وقال محمد بن عبد الله بن مسرة الحديث ثلاثة أقسام فحديث موافق لما في القرآن فالأخذ به فرض وحديث زائد على ما في القرآن فهو مضاف إلى ما في القرآن والأخذ به فرض وحديث مخالف لما في القرآن فهو مطرح قال علي بن أحمد لا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف لما في القرآن أصلا وكل خبر شريعة فهو إما مضاف إلى ما في القرآن ومعطوف عليه ومفسر لجملته وإما مستثنى منه لجملته ولا سبيل إلى وجه ثالث فإن احتجوا بأحاديث محرمة أشياء ليست في القرآن قلنا لهم قد قال الله ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فكل ما حرمه رسول الله ﷺ مثل الحمار الأهلي وسباع الطير وذوات الأنياب وغير ذلك فهو من الخبائث وهو مذكور في الجملة المتلوة في القرآن ومفسر لها والمعترض بها يسأل أيحرم أكل عذرته أم يحلها فإن أحلها خرج عن إجماع الأمة وكفر وإن حرمها فقد حرم ما لم ينص الله تعالى على اسمه في القرآن فإن قال هي من الخبائث قيل له وكل ما حرم ﵇ فهو كالخنزير وكل ذلك من الخبائث قال علي فإن قال قد صح الإجماع على تحريمها قيل له قد أقررت بأن الأمة مجمعة على إضافة ما جاء عن النبي ﷺ من السنن إلى القرآن مع ما صح على النبي ﷺ من النهي عن ذلك كما حدثنا عبد الرحمن

стр. 229

بن سلمة صاحب لنا قال ثنا أحمد بن خليل قال ثنا خالد بن سعيد ثنا أحمد بن خالد ثنا أحمد بن عمرو المكي وكان ثقة ثنا محمد بن أبي عمر العدني ثنا سفيان هو ابن عيينة عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه فهذا حديث صحيح بالنهي عما تعلل به هؤلاء الجهال وبالله تعالى التوفيق مع ما قدمنا من أنه لا يختلف مسلمان في أن ما صح عن النبي ﷺ فهو مضاف إلى ما في القرآن وأنهم إنما اختلفوا في الطرق التي بها يصح ما جاء عنه ﵇ فقط وقد سألت بعض من يذهب هذا المذهب عن قول الله تعالى وقد ذكر النساء المحرمات في القرآن ثم قال تعالى ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ ثم روى أبو هريرة وأبو سعيد أنه ﵇ حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وليس هذا إجماعا فعثمان البتي وغيره يرون الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها حلالا فقال لي ليس هذا الحديث خلافا للآية لكنه مضاف إليها فقلت له فعلى هذا لا سبيل إلى وجود حديث مخالف لما في القرآن أصلا وكل حديث أتى فهو مضاف إلى ما في القرآن ولا فرق وبالله تعالى التوفيق فصل ليس كل من أدرك النبي ﷺ ورآه صحابيا قال علي وليس كل من أدرك النبي ﷺ ورآه صحابيا

стр. 230

ولو كان ذلك لكان أبو جهل من الصحابة لأنه قد رأى النبي ﷺ وحادثه وجالسه وسمع منه وليس كل من أدركه ﵇ ولم يلقه ثم أسلم بعد موته ﵇ أو في حياته إلا أنه لم يره معدودا في الصحابة ولو كان ذلك لكان كل من كان في عصره ﵇ صحابيا ولا خلاف بين أحد في أن علقمة والأسود ليسا صحابيين وهما من الفضل والعلم والبر بحيث هما وقد كانا عالمين جليلين أيام عمر وأسلما في أيام النبي ﷺ وإنما الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم ﴿محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ ومن سمع النبي ﷺ يحدث بشيء والسامع كافر ثم أسلم فحدث به وهو عدل فهو مسند صحيح واجب الأخذ به ولا خلاف بين أحد من العلماء في ذلك وإنما شرط العدالة في حين النذارة والمجيء بالخير لا في حين مشاهدة ما أخبر به وقد كان في المدينة في عصره ﵇ منافقون بنص القرآن وكان بها أيضا من لا ترضي حاله كهيت المخنث الذي أمر ﵇ بنفيه والحكم الطريد وغيرهما فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة حدثني أحمد بن قاسم قال حدثني أبي قاسم بن محمد بن قاسم قال حدثني جدي قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة

стр. 231

قال فجاءهم رجل وعليه حلة فقال إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى قال وقد كان خطب منهم امرأة في الجاهلية فلم يزوجوه فانطلق حتى نزل على تلك المرأة فأرسلوا إلى النبي ﷺ فقال كذب عدو الله ثم أرسل رجلا فقال إن وجدته حيا ولا أراك تجده فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فاحرقه بالنار قال علي فهذا من كان في عصره ﷺ يكذب عليه كما ترى فلا يقبل إلا من سمي وعرف فضله وأما قدامة بن مظعون وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وأبو بكرة رضوان الله عليهم فأفاضل أئمة عدول أما قدامة فبدري مغفور له بيقين مرضي عنه وكل من تيقنا أن الله رضي عنه وأسقط عنه الملامة ففرض علينا أن نرضى عنه وأن لا نعدد عليه شيئا فهو عدل بضرورة البرهان القائم على عدالته من عند الله وعندنا وبقوله ﵇ إن الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأما المغيرة بن شعبة فمن أهل بيعة الرضوان وقد أخبر ﵇ ألا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة فالقول فيه كالقول في قدامة وأما سمرة بن جندب فأحدي وشهد المشاهد بعد أحد وهلم جرا والأمر فيه كالأمر في المغيرة بن شعبة وأما أبو بكرة فيحتمل أن يكون شبه عليه وقد قال ذلك المغيرة فلا يأثم هو ولا المغيرة وبهذا نقول وكل ما احتمل ولم يكن ظاهره يقينا فغير منقول عن متيقن حاله بالأمس فهما على ما ثبت من عدالتهما ولا يسقط اليقين بالشك وهذا هو استصحاب الحال الذي أباه خصومنا وهم راجعون إليه في هذا المكان بالصغر منهم فما منهم أحد امتنع من الرواية عن المغيرة وأبي بكرة معا وأبي بكرة وهو متأول

стр. 232

وأما سمرة فمتأول أيضا والمتأول مأجور وإن كان مخطئا وكذلك قدامة تأول أن لا جناح عليه وصدق لا جناح عليه عند الله تعالى في الآخرة بلا شك وأما في أحكام الدنيا فلا ولنا في الدنيا أحكام غير أحكام الآخرة وكذلك كل من قاتل عليا رضوان الله عليه يوم صفين وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه وإقامة حق الله تعالى فيهم فأسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم وكانوا أعدادا عظيمة يقربون من الألوف فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم وقد جاء ذلك نصا مرويا وإن العجب ليكثر ممن يبيح لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والليث وسفيان وأحمد وداود ﵏ أن يجتهدوا في الدماء وفي الفروج وفي العبادات فيسفك هذا دما يحله باجتهاده ويحرمه سائد من ذكرنا فرجا ويحرمه الآخر ويحل أحدهم مالا ويحرمه الآخر ويوجب أحدهم حدا ويسقطه الآخر ويوجب أحدهم فرضا وينقضه الآخر ويحرم أحدهما عملا ويحله الآخر ولم يختلفوا قط إلا فيما ذكرنا فيجيز لهؤلاء الحكم فيما ذكرنا ويعذرهم في اختلافهم في استباحة الدماء فما دونها وليس عندنا من أمرهم إلا أنهم فيما بدا لنا مسلمون فاضلون يلزمنا توقيرهم والاستغفار لهم إلا أننا لا نقطع لهم بالجنة ولا بمغيب عقودهم ولا برضى الله عنهم لكن نرجو لهم ذلك ونخاف عليهم كسائر أفاضل المسلمين ولا فرق ثم لا نجيز ذلك لعلي وأم المؤمنين وطلحة والزبير وعمار وهشام بن حكيم ومعاوية وعمرو والنعمان وسمرة وأبي الغادية وغيرهم وهم أئمة الإسلام حقا والمقطوع

стр. 233

على فضلهم وعلى أكثرهم بأنهم في الجنة وهذا لا يخيل إلا على مخذول وكل من ذكرنا من مصيب أو مخطىء فمأجور على اجتهاده إما أجرين وإما أجرا وكل ذلك غير مسقط عدالتهم وبالله تعالى التوفيق فصل في حكم الخبر عن النبي ﷺ قال علي وحكم الخبر عن النبي ﷺ أن يورد بنص لفظه لا يبدل ولا يغير إلا في حال واحدة وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه وعرف معناه يقينا فيسأل فيفتي بمعناه وموجبه أو يناطر فيحتج بمعناه وموجبه فيقول حكم رسول الله ﷺ بكذا وأمر ﵇ بكذا وأباح ﵇ كذا ونهى عن كذا وحرم كذا والواجب في هذه القضية ما صح عن النبي ﷺ وهو كذا وكذلك القول فيما جاء من الحكم في القرآن ولا فرق وجائز أن يخبر المرء بموجب الآية وبحكمها بغير لفظها وهذا ما لا خلاف فيه من أحد في أن ذلك مباح كما ذكرنا وأما من حدث وأسند القول إلى النبي ﷺ وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي ﷺ فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر وإن كان معناهما واحدا ولا يقدم حرفا ولا يؤخر آخر وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها وتعليمها ولا فرق وبرهان ذلك أن النبي ﷺ علم البراء بن عازب دعاء وفيه ونبيك الذي أرسلت فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي ﷺ قال وبرسولك الذي أرسلت فقال النبي ﵇ لا ونبيك الذي أرسلت فأمره ﵇ كما تسمع ألا يضع لفظة رسول في موضع لفظة نبي وذلك حق لا يحيل معنى وهو ﵇ رسول ونبي فكيف يسوغ للجهال المغفلين أو الفساق المبطلين أن يقولوا إنه ﵇ كان يجيز أن

стр. 234

توضع في القرآن مكان وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا والله يقول مخبرا عن نبيه ﷺ ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال لذين لا يرجون لقآءنا ئت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى أم كيف يسوغ لأهل الجهل والعمى إباحة القراءة المفروضة في الصلاة بالأعجمية مع ما ذكرنا ومع إجماع الأمة على أن إنسانا لو قرأ أم القرآن فقدم آية على أخرى أو قال الشكر للصمد مولى الخلائق وقال هذا هو القرآن المنزل لكان كافرا بإجماع ومع قوله تعالى ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان لذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ ففرق تعالى بينهما وأخبر أن القرآن إنما هو باللفظ العربي لا بالعجمي وأمر بقراءة القرآن في الصلاة فمن قرأ بالأعجمية فلم يقرأ القرآن بلا شك والعجب أن قائل هذا الهجر لا يجيز الدعاء في الصلاة إلا بما يشبه ما في القرآن لا بتسمية المدعو لهم ولا بغير ذلك وقد جاء النص بإباحة الدعاء فيها جملة ويقول إن من عطس في الصلاة فقال الحمد لله رب العالمين فحرك بها لسانه فقد بطلت صلاته فسبحان من وفقهم لخلاف الحق في كلا الوجهين فيجيزون القراءة في الصلاة بخلاف القرآن ويبطلون الصلاة بذكر آية من القرآن ويمنعون من الدعاء فيها إلا بما في القرآن أو ما يشبهه ولا شبه للقرآن في شيء من الكلام بإجماع الأمة واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى ﴿وإنه لفي زبر لأولين﴾ وبخطابه تعالى لنا بالعربية حاكيا كلام موسى ﵇ قال علي وهذا لا حجة لهم فيه لأن الذي في زبر الأولين إنما هو معنى القرآن لا القرآن ولو كان القرآن في زبر الأولين لما كان محمد ﷺ مخصوصا به ولا كانت فيه آية وهذا خلاف النصوص والخروج

стр. 235

عن الإسلام لأنه لو أنزل على غيره قبله لما كان محمد ﷺ مخصوصا به وأما حكايته تعالى لنا كلام موسى وغيره بلغتنا فلم يلزمنا تعالى قراءة ألفاظهم بنصها ولا نمنع من تلاوته في الصلاة وإنما نمنع من تلاوته في القرآن أو على سبيل التقريب بتلاوته إلى الله تعالى بغير اللفظ الذي أنزل به لا بكلام أعجمي ولا بغير تلك الألفاظ وإن وافقتها في العربية ولا بتقديم تلك الألفاظ بعينها ولا بتأخيرها وإنما نجيز الترجمة التي أجازها النص على سبيل التعليم والإفهام فقط لا على سبيل التلاوة التي نقصد بها القربة وبالله تعالى التوفيق وبلا خلاف من أحد من الأمة أن القرآن معجزة وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه فإن تلك الترجمة غير معجزة وإذ هي غير معجزة فليست قرآنا ومن قال فيما ليس قرآنا إنه قرآن فقد فارق الإجماع وكذب الله تعالى وخرج عن الإسلام إلا أن يكون جاهلا ومن أجاز هذا وقامت عليه الحجة ولم يرجع فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال لا نشك في ذلك أصلا وأيضا فقد قال تعالى مخبرا عن نبيه ﷺ ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ فلما صح بنص القرآن أن كلامه ﵇ وحي كله حرم بلا شك تحريف الوحي وإحالته كما حرم ذلك في الوحي المتلو الذي هو القرآن ولا فرق ومن حدث بحديث فبلغه إلى غيره كما بلغه إياه غيره وأخذ عنه فليس عليه أن يكرره أبدا حتى يحصل في حد الهذيان وقد أدى ما عليه بتبليغه قال أبو محمد وبهذا يبطل قول من رام توهين الحديث المسند بأن فلانا أرسله إذ لو كان سكوت المرء في بعض الأحيان عن تأدية ما سمع مسقطا للاحتجاج به إذ أداه في وقت آخر أو لم يؤده هو وأداه غيره لكان إذا نام أو أكل أو وطىء أو اشتغل بصلاة أو مصلحة دنياه أو بشيء من أمر دينه

стр. 236

أو بتبليغ حديث آخر قد بطل الاحتجاج بما سكت عنه في الأحوال التي ذكرنا وهذا جنون فادح ممن قاله وكفى سقوطه بكل قول أخرج إلى الجنون وأدى إلى المحال والممتنع وبالله تعالى التوفيق وأما اللحن في الحديث فإن كان شيئا له وجه في لغة بعض العرب فليروه كما سمعه ولا يبدله ولا يرده إلى أفصح منه ولا إلى غيره وإن كان شيئا لا وجه له في لغة العرب البتة فحرام على كل مسلم أن يحدث باللحن عن النبي ﷺ فإن فعل فهو كاذب مستحق للنار في الآخرة لأنا قد أيقنا أنه ﵇ لم يلحن قط كتيقننا أن السماء محيطة بالأرض وأن الشمس تطلع من المشرق وتغرب من المغرب فمن نقل عن النبي ﷺ اللحن فقد نقل عنه الكذب بيقين وفرض عليه أن يصلحه ويبشره من كتابه ويكتبه معربا ولا يحدث به إلا معربا ولا يلتفت إلى ما وجد في كتابه من لحن ولا إلى ما حدث شيوخه ملحونا ولهذا لزم لمن طلب الفقه أن يتعلم النحو واللغة وإلا فهو ناقص منحط لا تجوز له الفتية في دين الله ثنا يونس بن عبد الله ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار بندار ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين ثنا سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن قال علي اللحن المحكي عن الله تعالى ورسوله ﵇ كذب والكذب واجب أن يضرب آتيه وقد روي عن شعبة أو عن حماد بن سلمة الشك مني أنه قال من حدث عني بلحن فقد كذب علي ونحن نقول ذلك وكان شعبة وحماد وخالد بن الحارث وبشر بن المفضل والحسن البصري

стр. 237

لا يلحنون البتة وبالله تعالى التوفيق فصل في زيادة العدل قال علي وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه فالأخذ بتلك الزيادة فرض ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن الذي نقله أهل الدنيا كلهم أو يخصه به وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكما لم يروه غيره وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع وذلك كتركهم قول الله تعالى ﴿ولسارق ولسارقة فقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ لحديث انفردت به عائشة ﵂ ولم يشاركها فيه أحد وهو لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا ويترك قوله تعالى في الآيات التي ذكر فيها المحرمات من النساء ثم قال تعالى بعد ذكر من ذكر ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وليس ذلك مذكورا في آية التحريم بل فيها إحلال كل ما لم يذكر في الآية فتركوا ذلك لحديث انفرد به أبو هريرة وأبو سعيد وحدهما وليس ذلك إجماعا فإن عثمان البتي يبيح الجمع بين المرأة وعمتها ثم يعترضون على حكم رواه عدل بأن عدلا آخر لم يرو تلك الزيادة وأن فلانا انفرد بها قال علي وهذا جهل شديد وقد ترك أصحاب أبي حنيفة الزيادة التي روى مالك في حديث زكاة الفطر وهي من المسلمين فقالوا انفرد بها مالك وترك أصحاب مالك الاستسعاء الذي رواه سعيد بن أبي عروبة وقالوا انفرد بها سعيد فكلا الطائفتين عابت ما فعلت وأنكرت ما أتت به مع أنه قد شورك

стр. 238

من ذكرنا هاتين الزيادتين ولو انفردا بها ما ضر ذلك شيئا ولا فرق بين أن يروي العدل الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره أو يرويه غيره مرسلا أو يرويه ضعفاء وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ ففرض قبولهما ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما أو لم يروه سواهما ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول الخبر الواحد ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة وتناقض في مذهبه وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق قال علي فإن كانت اللفظة الزائدة ناقصة من المعنى فالحكم للمعنى الزائد لا للفظة الزيادة لأن زيادة المعنى هو العموم وهو الزيادة حينئذ على الحقيقة وهو الحكم الزائد والشرع الوارد والأمر الحادث ولأن النبي ﷺ إنما بعث شارعا ومحلالا ومحرما وهكذا قال ابن عباس إذ ذكر عنده الضب فإذا روى العدل لفظة لها حكم زائد لم يروها غيره أو رواها غيره أو روى العدل عموما فيه حكم زائد وروى آخرون لفظة فيها إسقاط ذلك الحكم فالفرض أن يؤخذ بالحكم الزائد أبدا لأنه شريعة واردة قد تيقنا لزومها لنا وأننا مأمورون بها ولم نتيقن نسخها ولا سقوطها ولا يجوز ترك يقين لظن فمن ادعى تلك الشريعة التي قد صح أمر الله لنا بها قد سقطت عنا وأن الحكم قد رجع إلى ما كنا عليه قبل ورود تلك الشريعة فهو مفتر على الله إلا أن يأتي ببرهان من نص أو إجماع على دعواه ولا يحل لمسلم يخاف الله أن يترك يقينا لما لعله ليس كما يظن قال علي ونمثل من ذلك مثالا فنقول روى بعض العدول عن رسول

стр. 239

الله ﷺ النهي عن آنية الفضة هكذا مجملا وروى بعضهم النهي عن الشرب في آنية الفضة فكانت هذه اللفظة يعني الشرب ناقصة عن معنى الحديث الآخر الذي فيه إجمال النهي عن آنية الفضة نقصانا عظيما ومبيحة لعظائم في عموم ذلك الحديث إيجاب تحريمها من الأكل فيها والاغتسال فيها والوضوء فيها فهذه اللفظة وإن كانت زائدة في الصوت والخط فهي ناقصة من المعنى والحديث الآخر وإن كان ناقص اللفظ فهو زائد في الحكم والمعاني فهو الذي لا يجب الأخذ به لأن الحديث المذكور فيه الشرب هو بعض ما في الحديث الآخر وهذا نحو ما قلنا في الحديثين في زكاة الغنم اللذين ذكر في أحدهما السائمة ولم يذكر في الآخر فوجب الأخذ بالعام للسائمة وغيرها لأن من أخذ بالحديث العام كان آخذا بالخاص أيضا لأنه إذا اجتنب آنية الفضة جملة كان قد اجتنب الشرب في جملة ما اجتنب أيضا وإذا زكى الغنم كلها كان زكى السائمة أيضا فكان آخذا بكلا الأمرين وغير عاص لشيء من النصين وكان من آخذ بالحديث الأخص وحده عاصيا للحديث الآخر تاركا له بلا دليل إلا التحكم والدعوى بغير علم لأنه إذا زكى السائمة وحدها فقد ترك زكاة غير السائمة وخالف ما أوجبه الحديث الآخر وكان إذا اجتنب الشرب في آنية الفضة وحدها كان قد عصى ما في النص الآخر والاستباح ما حرم الله تعالى فيه وذلك لا يحل لأنه ليس أحد النصين أولى بالطاعة من الآخر وليس أحدهما نافيا للآخر ولا مبطلا له ومن ذلك أيضا ما روي أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج منها فكان هذا عاما لكل ما يخرج منها زرعا أو خضرا أو ثمارا وروى بعضهم هذا الحديث بعينه فقال من ثمر النخل فمن أخذ بالمساقاة في ثمر النخل خاصة وحظر ما سوى ذلك كان مخالفا لفعل رسول الله

стр. 240

صلى الله عليه وسلم المنقول في لفظ العموم وليس قول من قال في ثمر النخل بمبطل أن يكون ساقاهم وعاملهم وزارعهم أيضا في غير ثمر النخل ولكن هذا الراوي ذكر بعض ما عوملوا عليه وسكت عن بعض وعم غيره كل ما وقعت فيه المعاملة وكان هذا الحديث ناسخا لحديث النهي عن المزارعة بيقين لأنه آخر فعله ﵇ بلا شك الذي ثبت عليه إلى أن مات وحديث النهي عن المزارعة كان قبله بلا شك فلذلك قطعنا أنه منسوخ ولولا هذا البيان ما استجزنا ذلك قال علي ومن هذا الباب أن يشهد عدلان أن زيدا طلق امرأته وقال سائر من حضر المجلس وهم عدول لم يطلقها البتة فلا نعلم خلافا في وجوب الحكم عليه بالطلاق وإنفاذ شهادة من شهد به لأن عندهما علما زائدا شهدا به لم يكن عند سائر من حضر المجلس وهذا نفسه هو قبول زيادة العدل ولا فرق وإن انفرد بها وإنها كسائر نقله وليس جهل من جهل حجة على علم من علم ولا سكوت عدل مبطلا لكلام عدل آخر ولا فرق بين أن ينفرد بالحديث كله وبين أن ينفرد بلفظة منه أو بحكم زائد فيه وقد وافقنا من يخاصم في هذا المعنى على قبول ما انفرد به العدل من الأخبار وخالفونا في قبول الزيادة بلا دليل إلا التحكم بالدعوى فقط إلا أن بعضهم رام أن يحتج فأضحك من نفسه وذلك أنه قال قد وافقناكم على قبول الخبر إذا سلم من الزيادة انفرد بها بعض الرواة ومن إرسال غير هذا الراوي له ومن مخالفة من هو أعدل منه وأحفظ في لفظه وخالفناكم في قبوله إذا كان فيه شيء من هذه المعاني قال علي فيقال له وبالله تعالى التوفيق هذا يشبه تمويه اليهود إذ يقولون قد وافقناكم على قبول نبوة موسى ﷺ ووجوب شريعته وترك العمل في السبت وأن ذلك كله قد أمر به الله تعالى وخالفناكم في قبول نبوة محمد ﷺ ووجوب شريعته

стр. 241

قال علي وهذا احتجاج من لا حجة له وتمويه ضعيف وذلك أننا لم نقبل نبوة موسى ﷺ لأجل موافقتهم لنا عليهم ولا نبالي وافقونا عليها أم خالفونا كما لم نبال بتكذيب المجوس والمنانية والصابئين لنبوة موسى ﵇ وإنما أخذنا بقبول نبوته ﵇ لقيام البراهين على صحتها وبمثل تلك البراهين نفسها وجب قبول نبوة محمد ﷺ ولا فرق والحق إذا ثبت برهانه فلا معنى لقبول من قبله ولا يزيده ذلك صحة ولا معنى لمخالفة من خالفه ولا يضره ذلك شيئا ونفسه ضر المخالف ولم يضر الحق وكذلك الشيء إذا لم يقم على صحته برهان فلا معنى لقبول من قبله ولا يصححه ذلك وكذلك قبول خبر الواحد لم نأخذ به لأن الحنفيين والمالكيين وافقونا على قبوله وما نبالي وافقونا أم خالفونا كما لم نبال بخلافهم لنا في القياس والتقليد وكما لم نبال بخلاف من خالفنا من المعتزلة وغيرهم في قبول خبر الواحد وإنما أخذنا بقبول خبر الواحد لقيام البرهان على وجوب القول به وبتلك الدلائل والبراهين بأعيانها وجب اطراح العلل التي راموا بها الأخذ بالزيادة وبما أرسله عدل وأسنده عدل وما خولف فيه راويه وبذلك البرهان نفسه وجب قبول الزيادة وإن انفرد بها العدل وتصحيح ما أسنده العدل وإن أرسله غيره وسواء كان أعدل منه أو أحفظ أو مثله أو دونه وصح أن ما خالف هذا الحكم هذيان لا معنى له وإنما يلزم الاحتجاج بما موهوا به غير موضعه ففي حكم لم نراع فيه غير الإجماع المتيقن به إذا ثبت وفيما لولا الإجماع المذكور لم نقل به مما قد أمرنا باتباع الإجماع المتيقن المقطوع به فيه مما لم يأت فيه نص محفوظ اللفظ وإن كان أصل ذلك الإجماع لا يمكن البتة أن يكون إلا عن نص وذلك مثل المسائل التي وجدنا فيها خلافا من واحد فما فوقه لم نقل بها ولا برهان عندنا فيها إلا الإجماع وحده

стр. 242

وذلك مثل القراض الذي لولا الإجماع على جوازه لاتصال نقل الأعصار به عصرا بعد عصر بأنه كان القراض في الجاهلية مشهورا وأن النبي ﷺ أقره ولم ينه عنه وهو يعلمه فاشيا في قريش وكانوا أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها لم نجزه ولو وجدنا واحدا من العلماء يقول بإبطاله لوافقناه ولقلنا بقوله إذ لا نص في إباحته ولأنه شرط لم يأت به نص وكل شرط هذه صفته فإن لم يتفق على صحته فهو باطل بقوله ﵇ كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل فما كان من هذا النوع فإنا نراعي في مسائله الإجماع فما أجمعوا عليه منها قلنا به وما اختلف فيه أسقطناه بالبتة لأنه قد بطل الإجماع فيه والإجماع هو برهان صحته الذي لا برهان لصحته سواه وما بطل برهان صحته فقد بطل القول به وأما ما قام برهان على صحته من غير الإجماع فلا ينبغي أن يلتفت من وافق عليه ولا من خالف ولا يتكثر بمن وافق فيه كائنا من كان ولا يستوحش ممن خالف فيه كائنا من كان ولو كان ما ذكر هذا المغفل حجة لساغ للحنيفي أن يقول قد وافقتموني على وجوب قطع يد من سرق ما يساوي عشرة دراهم وخالفتكم في قطع من سرق أقل من ذلك فلا يلزمني إلا ما اتفقنا عليه لا ما اختلفنا فيه ولساغ له أن يقول قد وافقتموني على أن القصر يكون من ثلاثة أيام فصاعدا واختلفنا في أقل فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه ولساغ له أن يقول قد وافقتموني على أن الصداق يكون عشرة دراهم وخالفتكم في أقل من ذلك فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه لا ما اختلفنا فيه ولساغ للمالكي أن يقول قد وافقتموني على أن المغتسل إذا تدلك تم غسله وخالفتكم فيه إذا لم يتدلك فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه دون مما اختلفنا

стр. 243

فيه ووافقتموني على أن من وقف بعرفة ليلا أن وقوفه صحيح وخالفتكم فيمن وقف نهارا ودفع قبل غروب الشمس فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه ولساغ له أن يقول قد وافقتكم على أن الصوم إذا سلم من الأكل بالنسيان تام وخالفتكم في تمامه إذا وقع فيه أكل بنسيان فلا يتم إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه ولساغ للشافعي أن يقول لهما قد وافقتماني على أن من قرأ ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ في صلاته أنها تامة وخالفتكم في تمام صلاة من لم يقرأها ووافقتماني على تمام صلاة من صلى على رسول الله ﷺ في آخر تشهده وخالفتكم في تمام صلاة من لم يصل عليه ﷺ ووافقتماني في جواز صيام من بيته كل ليلة وخالفتكم في صيام من لم يبيته فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه وللزمهم أن يكتفوا منا بأن نقول لهم قد وافقتمونا على قبول النصوص والإجماع وخالفناكم في القول بالقياس فلا يلزم إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه ومثل هذا كثير جدا يقوم منه عشرات ألوف من المسائل فلما لم يكن كل ما ذكرنا حجة لأنه كلام موضوع في غير موضعه سقط شغب من قال قد اتفقنا عن قبول الخبر إذا عري من زيادة أو مخالفة واختلفا في قبول الزيادة وبحكم العقل ندري أن كل من رضي لنفسه على خصمه بما لا يرضى على نفسه لخصمه فجاهل أو مجنون أو وقاح لا بد له من أحد هذه الوجوه وهي كلها خطط خسف ونعوذ بالله العظيم منها اللهم إلا أن يكون خصمه رضي بحكم ما فله أن يلزمه حينئذ إياه وإن لم يلزمه هو وبالله تعالى التوفيق

стр. 244

فصل في إبطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة وإبطال الاحتجاج بعملهم أيضا وبيان السبب في الاختلاف الواقع بين سلفنا من الأئمة في صدر هذه الأمة والرد على من ذم الإكثار من رواية الحديث ذهب أصحاب مالك إلى أنه لا يجوز العمل بالخبر حتى يصحبه العمل قال علي وهذا من أفسد قول وأشده سقوطا فأول ذلك أن هذا العمل الذي يذكرون قد سألهم من سلف من الحنفيين والشافعيين وأصحاب الحديث من أصحابنا منذ مائتي عام ونيف وأربعين عاما عمل من هو هذا العمل الذي يذكرون فما عرفوا عمل من يريدون ولا عجب أعجب من جهل قوم بمعنى قولهم وشرح كلامهم وسنبين هذا بعد صدر من كلامنا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق ويقال لمن قال لا أقبل الخبر حتى يصحبه العمل أللعمل أول أم لا أول له فإن قال لا أول له جاهر بالكذب ولحق بالدهرية وإن قال له أول قيل له وبالله تعالى التوفيق يجب على قولك أن ذلك العمل الأول باطل لا يجوز اتباعه لأنه ابتدىء فيه بعمل بخبر لم يعمل به قبل ذلك والخبر لا يجوز اتباعه حتى يعمل به فهذا العمل قد وقع قبل أن يعمل بالخبر فهو باطل على حكمكم الفاسد المؤدي إلى الهذيان وإلى ألا يصح عمل بخبر أبدا وكفى سقوطا

стр. 245

بقول أدى إلى ما لا يعقل وكثير مما يقتحمون مثل هذا كقولهم في معنى قول رسول الله ﷺ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكقولهم في أن الركعة الثانية من صلاة من يقضي صلاة أدرك منها ركعة مع الإمام هي قبل الأولى والثالثة قبل الثانية وهذا كما ترى لا يعقل وحسبنا الله ونعم الوكيل وإذا كان ما ذكروا من أنه لا يجوز أن يعمل بخبر حتى يعمل به قبل هذا العمل وكان الخبر قد وجد وقتا من الدهر قبل أن يعمل له فلا يجوز أن يصح العمل بخبر أبدا وإذا كان ذلك فكل عمل بخبر من الأخبار فهو باطل والباطل لا يصحح الحق ولا يحقق الباطل ولا يثبت به شيء ويقال لهم أيضا أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به أحق هو أم باطل ولا بد من أحد هذين فإن قالوا حق فسواء عمل به أو لم يعمل به ولولا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به ولا يبطله أن يترك العمل به أن أهل الأرض كلهم أصفقوا على معصية محمد ﷺ ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه ﷺ فما كان ذلك مبطلا لصحة قوله ولو آمن به جميع أهل الأرض وأطاعوه ما زاد قوله ﵇ منزلة في الصحة على ما كان عليه قبل أن يقبله أو يعمل به أحد من الناس ونفسه ضر تارك العمل بالحق ولم يضر الحق شيئا وكذلك لو أصفق أهل الأرض كلهم على نبوة مسيلمة لعنه الله ما حققها ذلك وإذا أجمعوا على الكفر به ما زاد ذلك في قوله في البطلان على ما كان عليه حين نطقه به وإن قالوا الخبر باطل قبل العمل به فالباطل لا يحققه العمل له ولا يزيد الله بالعمل بالباطل إلا ضلالا وخزيا فثبت بالبرهان الضروري أن لا معنى

стр. 246

للعمل ولا ينبغي أن يلتفت إليه ولا يعبأ به وقد أصفق أهل الأرض كلهم على العمل بشرائع الكفر قبل مبعث محمد ﷺ فما صححها ذلك قال علي وهذه لفظة قذفها الشيطان في قلوبهم وطرحها على ألسنتهم وأيد ذلك الجهل والعصبية المردية وبالله نستعيذ من البلاء وإياه نستعين على إدراك الصواب وبالله تعالى التوفيق ثم نقول لهم متى أثبت الله العمل بالخبر الصحيح أقبل أن يعمل به أم بعد أن يعمل به فإن قالوا قبل أن يعمل به فهو قولنا وإن قالوا بعد أن يعمل به لزمهم أن العاملين به هم الذين شرعوا تلك الشريعة وهذا كفر من قائله ولم يبق لهم إلا أن يقولوا لما ترك العمل بالخبر علمنا أنه منسوخ وهذا هو باب الإلهام الذي ادعته الروافض لأنفسها لأنه قول بلا برهان قال علي وإنما هذا كله بعد أن يعرفوا عمل من يريدون وأما وهم لا يدرون عمل من يعنون فلسنا نحتاج أن نبلغ معهم ههنا وقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال عن يزيد بن إبراهيم التستري ثنا زريق وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على أيلة قال كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في عبد آبق سرق وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد الآبق إذا سرق قال فكتب إلي كتبت إلي في عبد آبق سرق وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق وإن الله تعالى يقول ﴿ولسارق ولسارقة فقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ الآية فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه به وبه إلى حجاج بن المنهال ثنا الربيع بن صبيح قال سألت نافعا مولى ابن عمر أو سأله رجل وأنا شاهد على الرهن والقبيل في السلف والورق والطعام إلى أجل مسمى قال لا أرى بذلك بأسا فقلت له إن الحسن يكرهه قال لولا

стр. 247

أنكم تزعمون أن الحسن يكرهه ما رأيت به بأسا فأما إذا كرهه الحسن فهو أعلم به فهذا عمر بن عبد العزيز لم يبال بعمل أهل الحجاز إذ وجد القرآن بخلاف وهذا نافع مولى ابن عمر من كبار فقهاء أهل المدينة توقف في فتياه إذ خالفه الحسن وهو عراقي ثم نسألهم فنقول لهم عمل من تريدون أعمل أمة محمد ﷺ كلهم أم عمل عصر دون عصر أم عمل محمد ﷺ أم عمل أبي بكر أم عمل عمر أم عمل عثمان ولم يكن في المدينة إمام غير هؤلاء أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه أم عمل جميع فقهاء المدينة أم عمل بعضهم ولا سبيل إلى وجه غير ما ذكرنا فإن قالوا عمل أمة محمد ﷺ كلها بان كذبهم لأن الخلاف بين الأمة أشهر من ذلك وهم دأبا إنما يتكلمون على من يخالفهم فإن كانت الأمة مجمعة على قولهم فمع من يتكلمون إذا وإن قالوا عصرا ما دون سائر الأعصار بان كذبهم أيضا إذ كل عصر فالاختلاف بين فقهائه موجود منقول مشهور ولا سبيل إلى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصر ما ولم يكن تقدم فيها خلاف قبلهم ثم اختلف فيها الناس هذا ما لا يوجد أبدا فإن قالوا عمل رسول الله ﷺ أريناهم أنهم أترك الناس لعمله ﵇ بل لآخر عمله فإنهم رووا أن آخر عمله كان الإفطار في رمضان في السفر والنهي عن صيامه فقالوا هم الصوم أفضل وكان آخر عمله ﵇ الصلاة بالناس جالسا وهم أصحاء وراءه إما جلوس على قولنا وإما قيام على قول غيرنا فقالوا هم صلاة من صلى كذلك باطل ورووا في الموطأ أنه ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده فقالوا هم طهور من تطهر كذلك باطل حتى يتدلك ورووا أنه صلى الله

стр. 248

عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا رفع فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى فقرأ بالطور في المغرب وبالمرسلات وكان ذلك في آخر عمره ﷺ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ كان إذا أم الناس فأتم أم القرآن قال آمين قالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ سجد في ﴿إذا لسمآء نشقت﴾ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى بالناس جالسا وهم جلوس وراءه فقالوا صلاة من صلى كذلك باطل وليس عليه العمل ورووا أن أبا بكر الصديق ﵁ ابتدأ بالصلاة بالناس فأتى النبي ﷺ فدخل فجلس إلى جنب أبي بكر ﵁ فأتم عليه الصلاة بالناس فقالوا ليس عليه العمل ومن صلى هكذا بطلت صلاته ومن البديع أن بعضهم قال صلاته ﵇ في غزوة تبوك خلف عبد الرحمن بن عوف ناسخة لهذا العمل قال علي وهذا كلام لو قيل لقائله أسف ما شئت واجتهد ما قدر بأن يأتي بأكثر مما أتى به لوجهين أحدهما أن صلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بن عوف التي ادعوا أنها ناسخة كانت في تبوك وصلاته ﵇ إلى جنب أبي بكر التي ادعوا أنها منسوخة كانت قبل موته ﵇ بخمس ليال فقط وهي آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس فكيف ينسخ أمر كان قبل موته ﵇ بأشهر أمرا كان قبل موته ﵇ بخمس ليال أيفوه بهذا من له مسكة عقل أو يحل لمن هذا مقدار علمه وعقله أن يتكلم في دين الله وصدق رسول الله ﷺ إذا يقول إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاهموه انتزاعا ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون قال علي والوجه الثاني من سقوط كلام هذا الجاهل أنه حتى لو كانت

стр. 249

صلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بعد صلاته خلف أبي بكر ما كان فيها نسخ لها لأنه ليس في صلاته خلف عبد الرحمن نهي عما في صلاته خلف أبي بكر ولا مخالفة بل هو حكم آخر وعلم آخر وفي الاحتجاج المذكور عبرة لمن اعتبر ولهم مثله كثير ورووا أنه ﵇ جمع بين الظهر والعصر في غير خوف ولا سفر فقال مالك أرى ذلك كان من مطر فقالوا ليس عليه العمل لا في مطر ولا في غيره ورووا أنه ﵇ أتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله فقالوا ليس عليه العمل وهذا لا يطهر الثوب ومن صلى بثوب هذا صفته صلى بنجس فعلموا نبيهم ﷺ ما لم يكن في علمه وجعلوه مصليا بثوب نجس تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ورووا أنه ﵇ صلى بالناس وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص على عنقه فقالوا ليس عليه العمل وهذا إسقاط للخشوع قال علي هذا كلام من قاله منهم ناسبا لسقوط الخشوع إلى رسول الله ﷺ فقد كفر وارتد وحل دمه وماله ولحق باليهود والنصارى ومن نسب ذلك إلى المقتدي بالنبي ﷺ ولم ينسبه إلى المقتدي به فقد توقح ما شاء وسخف وهما خطتا خسف لا بد من إحداهما وأظرف من كل ظريف أنهم احتجوا بهذا الحديث نفسه في أن الصلاة لا تبطل على من صلاها وهو حامل نجاسة فعصوا الحديث فيما ورد فيه وجاهروا بالكذب في أن يستبيحوا به ما ليس فيه ولهم مثله كثير ورووا أنه ﵇ كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿ق ولقرآن لمجيد﴾ ﴿قتربت لساعة ونشق لقمر﴾ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ كان يقبل في رمضان نهارا فقالوا نكره ذلك لشاب وليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد فقالوا ليس عليه العمل وقال شيخ منهم كبير

стр. 250

عندهم صغير في الحقيقة هذا إدخال الجيف في المسجد فنعقب عاقبة الله على نبيه ﷺ ورووا أنه ﷺ صلى على النجاشي وهو غائب وأصحابه ﵃ خلفه صفوف فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى على قبر فقالوا ليس عليه العمل ثم احتجوا بهذا الحديث في إباحة الصلاة إلى القبور فعصوا الله تعالى ورسوله ﷺ في نهيهم عما جاء به العمل الصحيح وافتروا في الحديث ما ليس فيه وراموا بذلك إبطال نهي صحيح قد ثبت لا يحل خلافه ورووا أنه ﵇ أعطى القاتل السلب وقضى بذلك فقالوا ليس عليه العمل إلا أن يرى الإمام ذلك ورووا أنه ﵇ أباح النكاح بخاتم حديد فقالوا ليس عليه العمل وهذا نكاح لا يجوز ولا بد من ربع دينار تحكما من آرائهم الفاسدة وقياسا على ما تقطع فيه اليد عندهم فهلا قاسوه على ما يستباح به الظهر من جرعة خمر لا تساوي فلسا على أن إيلام الظهر أشبه باستباحة الفرج من قطع اليد باستباحة الفرج لأن الفرج والظهر عضوان مستوران والظهر والفرج لا يقطعان واليد تقطع وتبان فأحاط الخطأ بهم من كل وجه ورووا أنه ﵇ أنكح رجلا امرأة بسورة من القرآن فقالوا ليس عليه العمل وهذا لا يجوز ورووا أنه ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة فقالوا ليس عليه العمل ولكن إن كان جنين حرة ففيه خمسون دينارا وإن كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمة قياسا على بيضة النعامة يكسرها المحرم فأخطؤوا في خلافهم حكم الله تعالى ورسوله ﵇ وأخطؤوا في شرعهم ما لم يأذن به الله تعالى وتحكموا في القيمة بلا برهان ولا هدى من الله تعالى وأخطؤوا في تفريقهم بين جنين الحرة وجنين الأمة بلا دليل في قياس جنين الأمة على بيضة النعامة خطأ يضحك في إيجابهم في بيضة النعامة عشر البدنة وهم لا يرون الاشتراك في الهدي وكل ذلك
следующие страницы →