Полный текст (1 408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
للعمل ولا ينبغي أن يلتفت إليه ولا يعبأ به وقد أصفق أهل الأرض كلهم على العمل بشرائع الكفر قبل مبعث محمد ﷺ فما صححها ذلك قال علي وهذه لفظة قذفها الشيطان في قلوبهم وطرحها على ألسنتهم وأيد ذلك الجهل والعصبية المردية وبالله نستعيذ من البلاء وإياه
نستعين على إدراك الصواب وبالله تعالى التوفيق ثم نقول لهم متى أثبت الله العمل بالخبر الصحيح أقبل أن يعمل به أم بعد أن يعمل به فإن قالوا قبل أن يعمل به فهو قولنا وإن قالوا بعد أن يعمل به
لزمهم أن العاملين به هم الذين شرعوا تلك الشريعة وهذا كفر من قائله ولم يبق لهم إلا أن يقولوا لما ترك العمل بالخبر علمنا أنه منسوخ وهذا هو باب الإلهام الذي ادعته الروافض لأنفسها لأنه قول بلا برهان قال علي وإنما هذا كله بعد أن يعرفوا عمل من يريدون وأما وهم لا يدرون عمل من يعنون فلسنا نحتاج أن نبلغ معهم ههنا وقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال عن يزيد بن إبراهيم التستري ثنا زريق وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على أيلة قال كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في عبد آبق سرق وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد الآبق إذا سرق قال فكتب إلي كتبت إلي في عبد آبق سرق وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق وإن الله تعالى يقول ﴿ولسارق ولسارقة فقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ الآية فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه به وبه إلى حجاج بن المنهال ثنا الربيع بن صبيح قال سألت نافعا مولى ابن عمر أو سأله رجل وأنا شاهد على الرهن والقبيل في السلف والورق والطعام إلى أجل مسمى قال لا أرى بذلك بأسا فقلت له إن الحسن يكرهه قال لولا
стр. 247
أنكم تزعمون أن الحسن يكرهه ما رأيت به بأسا فأما إذا كرهه الحسن فهو أعلم به فهذا عمر بن عبد العزيز لم يبال بعمل أهل الحجاز إذ وجد القرآن بخلاف وهذا نافع مولى ابن عمر من كبار فقهاء أهل المدينة توقف في فتياه إذ خالفه الحسن وهو عراقي ثم نسألهم فنقول لهم عمل من تريدون أعمل أمة محمد ﷺ كلهم أم عمل عصر دون عصر أم عمل محمد ﷺ أم عمل أبي بكر أم عمل عمر أم عمل
عثمان ولم يكن في المدينة إمام غير هؤلاء أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه أم عمل جميع فقهاء المدينة أم عمل بعضهم ولا سبيل إلى وجه غير ما ذكرنا فإن قالوا عمل أمة محمد ﷺ كلها بان كذبهم لأن الخلاف بين الأمة أشهر من ذلك وهم دأبا إنما يتكلمون على من يخالفهم فإن كانت الأمة مجمعة على قولهم
فمع من يتكلمون إذا وإن قالوا عصرا ما دون سائر الأعصار بان كذبهم أيضا إذ كل عصر فالاختلاف بين فقهائه موجود منقول مشهور ولا سبيل إلى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصر ما ولم يكن تقدم فيها خلاف قبلهم ثم اختلف فيها الناس هذا ما لا يوجد أبدا فإن قالوا عمل رسول الله ﷺ أريناهم أنهم أترك الناس لعمله ﵇ بل لآخر عمله فإنهم رووا أن آخر عمله كان الإفطار في رمضان في السفر والنهي عن صيامه فقالوا هم الصوم أفضل وكان آخر عمله ﵇ الصلاة بالناس جالسا وهم أصحاء وراءه إما جلوس على قولنا وإما قيام على قول غيرنا فقالوا هم صلاة من صلى كذلك باطل ورووا في الموطأ أنه ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده فقالوا هم طهور من تطهر كذلك باطل حتى يتدلك ورووا أنه صلى الله
стр. 248
عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا رفع فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى فقرأ بالطور في المغرب وبالمرسلات وكان ذلك في آخر عمره ﷺ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ كان إذا أم الناس فأتم أم القرآن قال آمين قالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ سجد في ﴿إذا لسمآء نشقت﴾ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى بالناس جالسا وهم جلوس وراءه فقالوا صلاة من صلى كذلك باطل وليس عليه العمل ورووا أن أبا بكر الصديق ﵁ ابتدأ بالصلاة بالناس فأتى النبي ﷺ فدخل فجلس إلى جنب أبي بكر ﵁ فأتم عليه الصلاة بالناس فقالوا ليس عليه العمل ومن صلى هكذا بطلت صلاته ومن البديع أن بعضهم قال صلاته ﵇ في غزوة تبوك خلف عبد الرحمن بن عوف ناسخة لهذا العمل قال علي وهذا كلام لو قيل لقائله أسف ما شئت واجتهد ما قدر بأن يأتي بأكثر مما أتى به لوجهين أحدهما أن صلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بن
عوف التي ادعوا أنها ناسخة كانت في تبوك وصلاته ﵇ إلى جنب أبي بكر التي ادعوا أنها منسوخة كانت قبل موته ﵇ بخمس ليال فقط وهي آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس فكيف ينسخ أمر كان قبل موته ﵇ بأشهر أمرا
كان قبل موته ﵇ بخمس ليال أيفوه بهذا من له مسكة عقل أو يحل لمن هذا مقدار علمه وعقله أن يتكلم في دين الله وصدق رسول الله ﷺ إذا يقول إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاهموه انتزاعا ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون قال علي والوجه الثاني من سقوط كلام هذا الجاهل أنه حتى لو كانت
стр. 249
صلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بعد صلاته خلف أبي بكر ما كان فيها نسخ لها لأنه ليس في صلاته خلف عبد الرحمن نهي عما في صلاته خلف أبي بكر ولا مخالفة بل هو حكم آخر وعلم آخر وفي الاحتجاج المذكور عبرة لمن اعتبر ولهم مثله كثير ورووا أنه ﵇ جمع بين الظهر والعصر في غير خوف ولا سفر فقال مالك أرى ذلك كان من مطر فقالوا ليس عليه العمل لا في مطر ولا في غيره ورووا أنه ﵇ أتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله فقالوا ليس عليه العمل وهذا لا يطهر الثوب ومن صلى بثوب هذا صفته صلى بنجس فعلموا نبيهم ﷺ ما لم يكن في علمه وجعلوه مصليا بثوب نجس تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ورووا أنه ﵇ صلى بالناس وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص على عنقه فقالوا ليس عليه العمل وهذا إسقاط للخشوع قال علي هذا كلام من قاله منهم ناسبا لسقوط الخشوع إلى رسول الله ﷺ فقد كفر وارتد وحل دمه وماله ولحق باليهود والنصارى ومن نسب ذلك إلى المقتدي بالنبي ﷺ ولم ينسبه إلى المقتدي به فقد توقح ما شاء وسخف وهما خطتا خسف لا بد من إحداهما وأظرف من
كل ظريف أنهم احتجوا بهذا الحديث نفسه في أن الصلاة لا تبطل على من صلاها وهو حامل نجاسة فعصوا الحديث فيما ورد فيه وجاهروا بالكذب في أن يستبيحوا به ما ليس فيه ولهم مثله كثير ورووا أنه ﵇ كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿ق ولقرآن لمجيد﴾ ﴿قتربت لساعة ونشق لقمر﴾ فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ كان يقبل في رمضان نهارا فقالوا نكره ذلك لشاب وليس
عليه العمل ورووا أنه ﵇ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد فقالوا ليس عليه العمل وقال شيخ منهم كبير
стр. 250
عندهم صغير في الحقيقة هذا إدخال الجيف في المسجد فنعقب عاقبة الله على نبيه ﷺ ورووا أنه ﷺ صلى على النجاشي وهو غائب وأصحابه ﵃ خلفه صفوف فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﷺ صلى على قبر فقالوا ليس عليه العمل ثم احتجوا بهذا الحديث في إباحة الصلاة إلى القبور فعصوا الله تعالى ورسوله ﷺ في نهيهم عما جاء به العمل الصحيح وافتروا في الحديث ما ليس فيه وراموا بذلك إبطال نهي صحيح قد ثبت لا يحل خلافه ورووا أنه ﵇ أعطى القاتل السلب وقضى بذلك فقالوا ليس عليه العمل إلا أن يرى الإمام ذلك ورووا أنه ﵇ أباح النكاح بخاتم حديد فقالوا ليس عليه العمل وهذا نكاح لا يجوز ولا بد من ربع دينار تحكما من آرائهم الفاسدة وقياسا على ما تقطع فيه اليد عندهم فهلا قاسوه على ما يستباح به الظهر من جرعة خمر لا تساوي فلسا على أن إيلام الظهر أشبه باستباحة الفرج من قطع اليد باستباحة الفرج لأن الفرج والظهر عضوان مستوران والظهر والفرج لا يقطعان واليد تقطع وتبان فأحاط الخطأ بهم من كل وجه ورووا أنه ﵇ أنكح رجلا امرأة بسورة من القرآن فقالوا ليس عليه العمل وهذا لا يجوز ورووا أنه ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة فقالوا ليس عليه العمل ولكن إن كان جنين حرة ففيه خمسون دينارا وإن كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمة قياسا على بيضة النعامة يكسرها المحرم فأخطؤوا في خلافهم حكم الله تعالى ورسوله ﵇ وأخطؤوا في شرعهم ما لم يأذن به الله تعالى وتحكموا في القيمة بلا برهان ولا هدى من الله تعالى وأخطؤوا في تفريقهم بين جنين الحرة وجنين الأمة بلا دليل في قياس جنين الأمة على بيضة النعامة خطأ يضحك في إيجابهم في بيضة
النعامة عشر البدنة وهم لا يرون الاشتراك في الهدي وكل ذلك
стр. 251
بلا دليل وبالله تعالى التوفيق وروي أن رسول الله ﷺ ودى عبد الله بن سهل وهو حضري مدني مائة من الإبل فقالوا ليس عليه العمل ولا يودي بالإبل إلا أهل البادية وأما أهل الحاضرة
فلا يودون إلا بالدنانير والدراهم وتعلقوا في ذلك بعمر وهم قد خالفوا عمر في هذا المكان نفسه لأن عمر كما جعل على أهل الذهب الذهب وعلى أهل الفضة الفضة وكذلك جعل على أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الغنم ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة فقالوا ليس على فعل عمر العمل في البقر والغنم والحلل وإنما نفعل فعله في الذهب والورق والإبل خاصة ورووا أن رسول الله ﷺ جعل القسامة في قتيل وجد بخيبر فقالوا ليس عليه العمل ولا يعجز أحد عن أن يلقي قتيلا قتله في دور قوم آخرين فخالفوا رسول الله ﷺ وخالفوا عمل عمر في القسامة أيضا واحتج إسماعيل في ذلك ببقرة بني إسرائيل فأتى بحديث لم يأت به قرآن ولا خبر عن النبي وإنما هي خرافة في خرافات أهل الكتاب ولو صح قولهم لكانت آية معجزة عظيمة لا يقدرون على مثلها أبدا وتلك الآية لم يكن فيها قسامة فقد خالفوا عمل بني إسرائيل أيضا وقالوا إنما القسامة في دعوى المريض أن فلانا قتله وقد أبطل النبي ﷺ أن يقبل قول أحد في ادعائه دم أحد أو ماله فقبلوا دعواه في الدم ولم يتهموه وأبطلوا دعاواه في المال واتهموه وكفى بذكر هذا عن تكلف رد عليه ورووا أنه ﵇ رجم يهوديين زنيا فقالوا ليس عليه العمل ولا يجوز رجمهم وأتى بعضهم في ذلك بعظيمة تخرج عن الإسلام وذلك أن قال إنما رجمهما رسول الله ﷺ تنفيذا لما في التوراة فجعلوه ﵇ منفذا لأحكام اليهود وصانوا أنفسهم الدنية الساقطة عن ذلك
стр. 252
ويعيذ الله تعالى نبيه وخيرته من الإنس أن يحكم بغير ما أمره الله به وقد أمره الله تعالى أن
يقول ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون﴾ ورووا أنه ﵇ قضى بالتغريب على الزاني غير المحصن فقالوا لا نغرب العبد لأنه ضرر بسيده ولم يراعوا في تغريب الحر الضرر بزوجته وولده وماله وأبويه إن كان له أبوان ورووا أنه ﵇ احتجم وهو محرم فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ تطيب لإحرامه قبل أن يحرم فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه عليه
السلام تطيب لحله قبل أن يطوف بالبيت فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه ﵇ قضى بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله فأجازوا أزيد من ألف شرط ليس منها واحد في كتاب الله منها من شرط لأهل دار الحرب النزول في دار الإسلام بأسرى المسلمين وسبايا المسلمات يطؤونهن ويردونهن إلى بلاد الكفر ويستخدمونهم ويهبونهم ويبيعونهم وهذا شرط لا يجيزه إلا إبليس ومن اتبعه ورووا أنه ﵇ قسم خيبر فقالوا ليس عليه العمل وتركوا ذلك لإيقاف عمر الأرض مع إقرارهم بأنهم لا يعرفون كيف عمل عمر في ذلك أفيكون أعجب من ترك عمل مشهور متيقن على النبي ﷺ مع جميع أصحابه لعمل مجهول لا يدرون كيف وقع بإقرارهم من عمل عمر وقد خالفه في ذلك الزبير وبلال وغيرهما ورووا أنه ﵇ قضى بإيجاب الولاء لمن أعتق فقالوا من أعتق سائبة فلا ولاء له قال علي فهذا ما تركوا فيه عمل رسول الله ﷺ من روايتهم في الموطأ خاصة ولو تتبعنا ذلك من رواية غيرهم لبلغ أضعاف ما ذكرنا وما خالفوا فيه أوامره ﵇ من روايتهم ورواية غيرهم أضعاف ذلك ولعل ذلك يتجاوز الألوف فقد بطل كما ترى ما ادعوه من اتباع عمل النبي ﷺ وثبت أنهم أترك خلق الله لعمل نبي الله صلى
стр. 253
الله عليه وسلم ثم لآخر عمله ولعمل الأئمة بعده فإن قالوا عمل أبي بكر قلنا لهم وبالله التوفيق لم ترووا في الموطأ عن أبي بكر ﵁ إلا عشر قضايا خالفتموه منها في ثمان ورووا عنه أنه صلى بالبقرة ركعتين ووراءه المهاجرون والأنصار من أهل المدينة فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه أن قرأ في الثالثة من المغرب بعد أم القرآن ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت لوهاب﴾ الآية فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه أنه أمر أميرا له وجهه إلى الشام ألا يقطع شجرا مثمرا فقالوا ليس عليه العمل وجائز قطع الشجرة المثمر في دار الحرب
ورووا أنه أمره ألا يعقر شاة ولا بعيرا إلا لمأكله فقالوا ليس عليه العمل وجائز عقرها في دار الحرب لغير مأكله وهذا مما خالفوا فيه قضاء النبي ﷺ وأبي بكر معا
لآرائهم ورووا أنه نهاه عن تخريب العامر فقالوا ليس عليه العمل ولا بأس بتخريبه ورووا عنه أنه ابتدأ الصلاة بالناس فكبر ثم أتى النبي ﷺ فتخلل الصفوف فصفق الناس فتأخر أبو بكر وتقدم النبي ﷺ فأتم الصلاة بالناس فقالوا هذه صلاة لا تجوز وليس عليه العمل فخالفوا كما ترى عمل النبي ﷺ وعمل أبي بكر وعمل جميع من حضر ذلك من المهاجرين والأنصار وهم أهل العلم من أهل المدينة برأي من آرائهم الفاسدة ورووا أنه أمر يهودية أن ترقي عائشة ﵂ فقالوا ليس عليه العمل ونكره رقى أهل الكتاب هذا من روايتهم في الموطأ وأما من رواية غيرهم فكثير ومما خالفوه أيضا سبيه نساء أهل الردة وصبيانهم وعمله بذلك في المدينة مع المهاجرين والأنصار إلا من خالفه في ذلك منهم فقالوا ليس عليه العمل فإن قالوا عمل عمر قيل لهم وبالله تعالى التوفيق رويتم عن عمر
стр. 254
رضوان الله عليه أنه قرأ في صلاة الصبح بسورة الحج وسورة يوسف ووراءه أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه سجد في الحج سجدتين فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه سجد في سورة النجم سجدة فقالوا ليس عليه العمل وهذا مما خالفوا فيه عمل النبي ﷺ وعمر وجميع الصحابة وادعوا في ذلك علما خفي عنهم ورووا أنه نزل عن المنبر يوم الجمعة وهو يخطب فسجد وسجد معه المهاجرون والأنصار ثم رجع إلى خطبته فقالوا ليس عليه العمل ورووا أمر أبيا وتميما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة في ليالي رمضان فقالوا ليس عليه العمل ورووا أن الناس كانوا يقومون أيام عمر بثلاث وعشرين ركعة في ليالي رمضان فقالوا ليس عليه العمل فخالفوا قضاء عمر وعمل أبي بن كعب
وتميم الداري والمهاجرين والأنصار بالمدينة لدعوى زائغة وعمل مجهول وقالوا العمل في القيام على تسعة وثلاثين ركعة ورووا أنه صلى المغرب بالناس ومعه أهل المدينة والمهاجرون والأنصار فلم يقرأ فيها شيئا فأخبر بذلك فلم يعد الصلاة ولا أمر بإعادتها فقالوا ليس عليه العمل
وقد بطلت صلاة من صلى هكذا ورووا أنه كتب إلى عماله أن يأخذوا من سائمة الغنم الزكاة فقالوا السائمة وغير السائمة سواء ورووا أنه شرب لبنا فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فتقيأه فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه كان يقرد بعيره في طين بالسقيا وهو محرم فقالوا ليس عليه العمل فلا ندري أجعلوا القردان صيدا منهيا عنه في الإحرام أم جعلوا على البعران إحراما أم كيف وقع لهم هذا ورووا عنه أنه قضى في الأرنب بعناق قالوا ليس عليه العمل وقد وافقه على ذلك غيره من الصحابة رضوان الله عليهم وافترض تعالى في جزاء الصيد ما حكم به ذوا عدل ولا عدول أعدل من الصحابة فقد خالفوا ههنا القرآن وفعل الصحابة وتركوا الحق بيقين ورووا أنه
стр. 255
حكم في اليربوع بجفرة فقالوا ليس عليه العمل وهذا كالذي قبله وروي أنه حلف لئن أتي بمسلم أمن مشركا ثم قتله ليقتلن ذلك المسلم فقالوا ليس عليه العمل ولا يقتل مؤمن بكافر فمرة يتركون الحديث لقول عمر ويقولون عمر كان أعلم منا ومرة يتركون قول عمر ويقولون الحديث أحق أن يتبع وفي هذا من التناقض ما فيه ثم رأوا من رأيهم أن يخالفوا الحديث المذكور الذي له تركوا قول عمر فقال يقتل المؤمن بالكافر إذا قتله قتل غيلة ورووا عنه أنه جعل القراض مضمونا على عبد الله ابنه فقالوا لا يجوز وليس عليه العمل فتركوا عمل عمر وعبد الله بن عمر وقضاءه بحضرة المهاجرين والأنصار ورووا عنه أنه قضى فيمن تزوج امرأة فوجد بها جنونا أو جذاما أو برصا فمسها فلها صداقها كاملا ويرجع به الزوج على وليها فقالوا لا يغرم الولي شيئا إلا أن يكون أبا أو أخا فأما إن كان من العشيرة فلا غرم
عليه لكن تغرم هي الصداق إلى ربع دينار ورووا عنه أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق فقالوا إن طال نعم وإلا فلا ورووا عنه أنه قضى بأنه لو تقدم في نكاح السر لرجم فيه فقالوا ليس عليه العمل ولا رجم فيه هذا مع فسخهم نكاح السر وإبطالهم إياه وتحريمهم له
ورووا عنه أنه قضى في المتعة لو تقدم فيها لرجم فقالوا ليس عليه العمل ولا رجم فيها وقد قال بعضهم إنما هذا من عمر وعيد لا حقيقة فنسبوا إليه الكذب الذي قد نزهه الله عنه ولا غرو فقد قال ذلك بعضهم في قوله ﵇ إذ هم بحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة مثل ذلك وتلك التي تستك منها المسامع
стр. 256
ورووا عنه أنه أشخص رجلا قال لامرأته حبلك على غاربك من العراق إلى مكة واستحلفه عن نيته في ذلك قالوا ليس عليه العمل ولا يستجلب أحد من العراق إلى مكة لليمين ولا ينوي أحد في ذلك وهي ثلاث أبدا فخالفوا قضاء عمر في موضعين من هذا الحديث خاصة ورووا عنه أنه قال لا حكرة في سوقنا فقالوا لا بأس بالحكرة في السوق ورووا عنه أنه قضى بالمدينة بحضرة المهاجرين والأنصار على محمد بن مسلمة بأن يمر الضحاك بن خليفة في أرضه بخليج جلبه ومحمد كاره لذلك فقالوا ليس عليه العمل ورروا عنه أنه قضى على جد عمرو بن يحيى المازني بأن يحول عبد الرحمن بن عوف خليجا له في أرض ذلك المازني من مكان إلى مكان والمازني كاره فخالفوا قضاء عمر وعبد الرحمن بن عوف بحضرة المهاجرين والأنصار بالمدينة وقالوا ليس عليه العمل وقال ابن نافع صاحب مالك وقد ذكر ذلك الخبر فقال عليه العمل فليت شعري عمل من هو هذا العمل المتجاذب الذي يدعيه قوم منهم وينكره آخرون ورووا عنه أنه أغرم حاطبا في ناقة لرجل من مزينة نحرها عبيد لحاطب فقطع أيديهم وسأل عن ثمن الناقة فكان أربعمائة فأضعف القيمة على حاطب وأغرمه بمائتي درهم وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار من أهل المدينة فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه أو عن عثمان أنه قضى في أمة غرت من
نفسها فادعت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت فقضى عليه أن يفدي أولاده بمثلهم فقالوا ليس عليه العمل ولا يقضى عليه بعبيد لكن بالقيمة ورووا عنه أنه حكم في منبوذ وجده رجل أن ولاءه للذي وجده فقالوا ليس عليه العمل ولا ولاء للملتقط على اللقيط ورووا عنه أنه قضى في هبة الثواب أنه على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها فقال
ليس عليه العمل وإن تغيرت الهبة عند الموهوب له بزيادة أو نقصان فلا رجوع للواهب فيها وليس له إلا القيمة ورووا عنه أنه كانت
стр. 257
الإبل الضوال مهملات لا يعرض لها أحد في أيامه فقالوا ليس عليه العمل فخالفوا عمل عمر بحضرة المهاجرين والأنصار مع موافقة ذلك لأمر رسول الله ﷺ فإن قالوا عثمان رأى غير ذلك أريناهم ما يخالفوا فيه عمل عثمان وأيضا فما الذي جعل عثمان أولى بأن يتبع من عمر لولا التخليط وفساد الرأي ورووا عنه أن رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا فوطأ أصبع رجل من جهينة فنزف الجهني فمات فقال عمر للسعديين أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها فتحرجوا وأبوا فقال للجهنيين احلفوا أنتم لمات منها فأبوا فقضى على السعديين بنصف الدية فقالوا ليس عليه العمل ولكن يبدأ المدعون وقالوا ليس العمل على إغرامه أولياء القاتل نصف الدية ومن العجب العجيب أن مالكا الذي خالف هذا الحديث في ثلاثة مواضع أحدها تبدئة المدعى عليهم في اليمين وثانيها إغرام المدعى عليهم بلا يمين من المدعين وثالثها إغرامهم نصف الدية لا كلها ثم احتج به بعد أوراق من كتابه في إغرام الراكب والقائد والسائق وجعل أصله في ذلك فعل عمر بالسعديين وهو قد خالفه في الحديث نفسه كما ترى فليت شعري ما الذي جعل ربع حكم عمر في هذا الحديث حجة يوقف عندها وثلاثة أرباعه مطرحا لا يعمل له فلولا البلاء لما كان يقلد هؤلاء القوم هذه الأقوال ويتركون لها القرآن وكلام رسول الله ﷺ ورووا عنه أنه قضى في الترقوة بجمل فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه أنه قضى في الضرس بجمل فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه أنه قضى في الضلع بجمل فقالوا ليس عليه
стр. 258
العمل ورووا عنه أنه جلد عبدا زنى وغربه فقالوا ليس عليه العمل ولا يغرب العبد فخالفوا قضاء عمر وعمله بحضرة المهاجرين والأنصار بالمدينة ومعه سنة النبي ﷺ لآرائهم الفاسدة ورووا عنه أنه أمر
ثابت بن الضحاك وكان قد التقط بعيرا بأنه يعرفه ثلاثا ثم أمره بإرساله حيث وجده فخالفوا قضاء عمر وعمل ثابت فهذا ما خالفوا فيه عمر من روايتهم في الموطأ خاصة وأما من رواية غيرهم فأضعاف ذلك فإن قالوا عمل عثمان قيل لهم وبالله تعالى التوفيق إنهم رووا عن عثمان أنه كان يصلي
الجمعة ثم ينصرف وما للجدران ظل فقالوا ليس عليه العمل ولا تجوز الصلاة إلا بعد الخطبة ولا يبتدأ بالخطبة إلا بعد الأذان ولا يبتدأ بالأذان إلا بعد الزوال فإن زالت الشمس فقد حدث للجدران ظل ورووا عنه أنه أذن على المنبر لأهل العالية في يوم عيد وافق يوم جمعة في أن يرجع منهم من أحب فقالوا ليس عليه العمل ولا نأخذ بإذن عثمان في ذلك وهو قد قضى ذلك بحضرة المهاجرين والأنصار بالمدينة ورووا عنه أنه كان يغطي وجهه وهو محرم فقالوا ليس عليه العمل ولا يغطي المحرم وجهه ورووا عنه أنه كان يخاطب أصحاب الديون من الذهب والفضة فيقول على المنبر هذا شهر زكاتكم فقالوا ليس عليه العمل وليس للدنانير والدراهم شهر زكاة معروف ورووا عنه أنه نهى عن القران والمتعة ورووا عن عمر مثل ذلك فقالوا ليس عليه العمل ولا ينهى عن ذلك فهلا فعلوا مثل ذلك في توريثه المطلقة ثلاثا من زوجها إذا طلقها وهو مريض وهلا تركوا تقليده هنالك بلا دليل كما تركوه ههنا فكانوا يوقفون في ذلك ورووا عنه أنه صلى بمنى أربع ركعات فقالوا ليس عليه العمل وقالوا القصر حق تلك الصلاة واحتجوا في ذلك بفعل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وقد ذكرنا ما خالفوا فيه عمل كل من ذكرنا آنفا وما تركوا فيه عمر لعثمان ورووا
стр. 259
أنه كان يكثر من قراءة يوسف في صلاة الصبح ورووا أيضا نعني قراءتها عن عمر فقالوا ليس عليه العمل ورووا عنه من أصح طريق وأجلها وهي رواية مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رأيت عثمان فذكر أنه رآه بالعرج وهو محرم ثم أتي بلحم صيد فقال
لأصحابه كلوا فقالوا ولا تأكل أنت فقال إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي فقالوا ليس عليه العمل ولا يجوز أن يأكل محرم ما صيد من أجل محرم غيره ومحا مالك قول عثمان هذا وكرهه كراهة شديدة هذا نص الموطأ فأين العمل إن لم يكن عمل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان بحضرة المهاجرين والأنصار ورووا عنه وعن عمر النهي عن الحكرة فقالوا ليس عليه العمل ولا بأس بها قال علي وكذلك خالفوا عمل عائشة ﵂ وابن عمر وسائر الصحابة بالمدينة لا نحاشي منهم أحدا وكذلك خالفوا سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسائر فقهاء المدينة وأقرب ذلك خلافهم للزهري وربيعة في أشياء كثيرة جدا منها أن الزهري كان يرى الزكاة في الخضر والتيمم إلى الآباط وغير ذلك
وقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن عثمان الأسدي ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا عبد الله بن عمر النميري ثنا يونس بن يزيد الأبلي سمعت الزهري قال هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب قال الزهري اقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر حين أمر على المدينة فأمر عماله بالعمل بها وكتب بها إلى الوليد بن عبد الملك فأمر الوليد عماله بالعمل بها ثم لم يزل الخلفاء يأمرون بذلك ثم أمر هشام بن محمد بن هانىء عامله فنسخها إلى كل عامل من عمال المسلمين وأمرهم بالعمل
стр. 260
بما فيها ولا يتعدونه وذكر باقي الحديث قال علي فهذا عمل فاش كما ترى وأصله صحيفة مرسلة غير مسندة كما ترى ثم لم يفش العمل بها إلا بعد نحو ثمانين عاما من موت النبي ﷺ وقد عمل عمال عثمان قبل ذلك بغير ذلك وعمال علي رضوان الله عليه بما جاءت به الرواية عن علي وعمال ابن الزبير بغير ذلك وعمال أبي بكر الصديق بغير ذلك وعند آل حزم صحيفة أخرى فما الذي جعل عمل الوليد الظالم ومن بعده من لا يعتد به حاش عمر بن عبد العزيز وحده أولى من عمل ابن الزبير وعمل علي وعمل عثمان وعمل أبي بكر الصديق وهذا تنازع يوجب الرد إلى القرآن وما صح عن النبي ﷺ بالأسانيد الصحيحة وليس ذلك إلا في حديث أنس عن أبي بكر وحده فقد صح تركهم لعمل كل من له عمل يمكن أن يراعى أو يقتدى به وصح ما قلنا من أنهم لا يدرون عمل من يعنون بقولهم ليس عليه العمل فإن قالوا عمل الأكثر فقد أريناهم أنه لا أكثر من أهل عصر عمر وعثمان ومن صلى معهم ووافقهم على ما ترك هؤلاء من أعمال أولئك وأنهم قد تركوا عمل الأكثر وثبت بهذا ما ذكره بعض الرواة ومن أنهم إنما يعنون عمل صاحب السوق في
المدينة في عصر مالك وهذا كما ترى وقد جمع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما اتفق عليه فقهاء المدينة السبعة خاصة فلم يبلغ ذلك إلا أوراقا يسيرة هذا وعبد الرحمن من هو في الضعف والسقوط ألا يحتج بروايته وما جعل الله أولئك أولى بالقبول
стр. 261
منهم من نظرائهم من أهل الكوفة الذين هم أفضل منهم في ظاهر الأمر كعلقمة بن قيس والأسود بن يزيد وشريح
القاضي وعمرو بن ميمون ومسروق وأبي عبد الرحمن السلمي وعبيدة السلماني وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن عتبة بن مسعود وعبد الرحمن بن يزيد الليثي وسعيد بن جبير ولا من نظرائهم من أهل البصرة كالحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ومسلم بن يسار وأبي قلابة وبكر بن عبد الله المزني وزرارة بن أوفى وحميد بن عبد الرحمن وأيوب وابن عون ويونس بن عبيد وسليمان التيمي ولا من نظرائهم من أهل الشام كعمر بن عبد العزيز وأبي إدريس الخولاني وقبيصة بن ذؤيب وجبير بن نفير ورجاء بن حيوة ولا من نظرائهم من أهل مكة كطاوس وعطاء ومجاهد وعمر بن دينار وعبيد بن عمير وابنه عبد الله وعبد الله بن طاووس ومذ مضى الصحابة الخلفاء رضوان الله عليهم فما ولي قضاء المدينة مثل شريح ولا مثل محارب بن دثار ولا مثل زرارة بن أوفى ولا مثل الشعبي ولا مثل أبي عبيدة بن عبد الله ولا مثل عبد الله بن عتبة أصلا ويقال لهم أيضا هل اختلف عمل أهل المدينة أو لم يختلف فإن قالوا لم يختلف أكذبهم الموطأ وجميع الروايات وإن قالوا اختلف قيل لهم فما الذي جعل اتباع عمل بعضهم أولى بالاتباع من عمل سائرهم وقد أبطل الله كل عمل عند الاختلاف حاشى الرد إلى كتاب الله وكلام نبيه ﷺ بقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فمن رد إلى
стр. 262
غيرهما فقد عصى الله ورسوله وضل ضلالا مبينا لقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى لله ورسوله أمرا أن يكون لهم لخيرة من أمرهم ومن يعص لله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾ وهم ينسبون إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم بهذا الأصل الملعون أعظم الفرية وأشد التضييع للإسلام وقلة المبالاة به وهذا لا يحل لمسلم أصلا أن يظنه فكيف أن يعتقده ويدعو إليه وذلك لأن عمر ﵁ مصر
البصرة والكوفة ومصر والشام وأسكنها المسلمين وولى عليهم الصحابة كسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وعتبة بن غزوان وغيرهم وولى عثمان عليهم ولاته أيضا كذلك كمعاوية وعمرو بن العاص وقد وليا لعمر أيضا
مع عمار وابن مسعود وغيرهم ثم ولى علي البصرة عثمان بن حنيف وعبد الله بن عباس وولى مصر قيس بن سعد أفترى عمر وعثمان وعليا وعمالهم المذكورين كتموا رعيتهم من أهل هذه الأمصار دين الله تعالى والحكم في الإسلام والعمل بشرائعه وما يفعل هذا مسلم بل الذي لا شك فيه أنهم كلهم علموا رعيتهم كل ما يلزمهم كأهل المدينة ولا فرق ثم سكن علي الكوفة أفتراه ﵁ كتم أهلها شرائع الإسلام وواجبات الأحكام والله ما يظن هذا مسلم ولا ذمي مميز بالسير فإذ لا شك في هذا فما بالمدينة سنة إلا وهي في سائر الأمصار كلها ولا فرق وأما مذ مضى هذا الصدر الكريم ﵃ فوالله ما ولي المدينة ولا حكم فيها إلا فساق الناس كعمرو بن سعيد والحجاج بن يوسف وطارق وخالد بن عبد الله القسري وعبد الرحمن بن الضحاك وعثمان بن حيان المري وكل عدو لله حاشى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبان بن عثمان وعمر
стр. 263
بن عبد العزيز فإنه كان كل واحد منهم فاضلا وليها أبو بكر أربعة أعوام عامين قاضيا وعامين أميرا لعمر بن عبد العزيز ﵁ فأي مزية لأهل المدينة على غيرهم في علم أو فضل أو رواية لو نصحوا أنفسهم وتركوا هذا التخليط الذي لا يسلم معه دين من غلبة الهوى ونصر الباطل وبالله تعالى نعوذ من الخذلان وما أدرك مالك بالمدينة أعلى من نافع وهو قليل الفتيا جدا وربيعة وكان كثير الرأي قليل العلم بالحديث وأبي الزناد وزيد بن أسلم وكانا قليلي الفتيا وأما الزهري فإنما كان بالشام وما كتب عنه مالك إلا بمكة وأما من القضاة فأبو بكر بن عمرو بن حزم وابنه محمد ويحيى بن سعيد الأنصاري على أن أهل العراق يجاذبونه إياه لأنه مات وهو قاض ببغداد
وأما سعد بن إبراهيم فكان ثقة إلا أن مالكا لم يأخذ عنه ثم يقال لهم لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالأخبار أن مالكا ولد سنة ثلاث وتسعين من الهجرة بعد موت رسول الله ﷺ بثلاث وثمانين سنة وأنه بقي أزيد من ثلاثين سنة وما اشتهر علمه فأخبروني على أي مذهب كان الناس قبل مالك وطول المدة التي ذكرنا وهي نحو مائة عام وعشرين عاما كان فيها خيار أهل الأرض
من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين رحمة الله عليهم فإن قالوا على مذهب مالك أكذبهم مالك في موطئه بما أورد فيه من الاختلاف القديم بين الصحابة والتابعين وقد ذكرنا آنفا من ذلك طرفا صالحا ويقال لهم أيضا إن كان الأمر كما تقولون فما الذي جعل نسبة هذا المذهب إلى مالك أولى من نسبته إلى أبي بكر أو عمر أو عثمان أو عائشة أو ابن عمر أو سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة بن الزبير أو ربيعة ولم خصصتم مالكا وحده بأن تنسبوه إليه دون أن تنسبوه إلى من ذكرنا وهم كانوا أفضل منه وأهيب في الصدور فإن قالوا لأن مالكا ثبت
стр. 264
واختلف الناس بان كذبهم بما أورده مالك في موطئه مما خالف فيه من كان قبلهم وقيل لهم انفصلوا ممن عكس قولكم فقال بل الناس ثبتوا وانفرد مالك بمذهب أوجب أن ينسب إليه وإنما تنسب المذاهب إلى محدثيها لا إلى من اتبع غيره فيها وإن قالوا كان الناس على اختلاف في مذاهبهم وتحير قيل لهم فلا ترغبوا عما كان عليه السلف الصالح فليس والله فيما حدث بعدهم شيء من الخير يعني مما يكونوا عليه ولا علمه ذلك الصدر فإن تكن الأمور بالدلائل فالدلائل توضح أن ذلك الصدر كانوا على صواب في الاختيار والنظر مختلفين في مذاهبهم متفقين على إبطال التقليد متفقين على الأخذ بحديث النبي ﷺ إذا بلغهم وصح طريقه وإن لم يكن الأمر بالتقليد ونعوذ بالله من ذلك فتقليد عمر وعثمان وسائر من تقدم أولى من تقليد من أتى بعدهم اللهم إلا إذا كان العمل الذي يشيرون إليه من جنس ما حدثناه عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد الفقيه الأشقر ثنا أحمد بن علي القلانسي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن حاتم ثنا بهز ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة عن عباد بن عبد الله بن الزبير يحدث عن عائشة أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته
فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا
ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول
стр. 265
الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد وبالسند المذكور إلى مسلم ثنا محمد بن حاتم بن ميمون ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج فجاء إلي فأخبرني فقلت هذا الأمر لا يصلح قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال قدم النبي ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال ما كان يدا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا وائت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني فأتيته فسألته فقال مثل ذلك وبالسند المذكور إلى مسلم حدثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا أبو أسامة ثنا محمد بن عمرو ثنا عمر بن مسلم بن عمار الليثي قال كنا في الحمام قبيل الأضحى فأطلي فيه ناس فقال بعض أهل الحمام إن سعيد بن المسيب يكره هذا وينهى عنه فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال يا ابن أخي هذا حديث قد نسي وترك حدثتني أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ فذكرت من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي أو كلاما هذا معناه قال علي عمرو بن مسلم هذا هو ابن أكيمة الذي يروي عنه مالك وغيره قال علي فإن كان عمل أهل المدينة الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله ﷺ من هذا الباب الذي ذكرنا فنحن نبرأ إلى الله
стр. 266
تعالى من هذا العمل ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا من نحو
إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي ﷺ المرور في المسجد وبيع أهل سوق المدينة الورق بالورق أو بالذهب نسيئة ولا ينكر ذلك أحد منهم ومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي ﷺ في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أهل ذو الحجة بشهادة سعيد بن المسيب فقيه أهل المدينة عليهم بذلك
فإذا ما قد بينا أنهم لا يتعلقون بعمل النبي ﷺ ولا بعمل أبي بكر وعمر وعثمان ولا بعمل أحد بعينه من الصحابة رضوان الله عليهم فلم يبق بأيديهم شيء إلا العمل الذي وصفنا ونعوذ بالله من التعلق بمثل هذا العمل فهو الضلال المبين وحسبنا الله ونعم الوكيل وقد فشا الشكوى بالعمال وتعديهم في المدينة في أيام الصحابة رضوان الله عليهم كما حدثنا حمام بن أحمد قال ثنا عبد الله بن إبراهيم الأصيلي ثنا أبو زيد المروزي حدثنا الفربري ثنا البخاري ثنا قتيبة بن سعيد ثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة عن منذر الثوري عن محمد بن علي هو ابن الحنفية قال جاء عليا ناس فشكوا سعاة عثمان فقال لي علي اذهب بهذه الصحيفة إلى عثمان فأخبره أنها صدقة رسول الله ﷺ فمر سعاتك يعملون بها فأتيته بها فقال أغنها عنا فأتيت بها علي بن أبي طالب ﵁ فأخبرته فقال ضعها حيث أخذتها فقد صح كما ترى في بطلان قول من يدعي حجة بعمل أهل المدينة أو غيرهم ووجب أن لا حجة إلا فيما صح عن النبي ﷺ وقد أنكر عمر ﵁ على حسان إنشاده الشعر في المسجد فلما قال له قد أنشدت فيه وفيه من هو خير منك وذكر
стр. 267
له رسول الله ﷺ سكت عمر ومضى فهذا كله يبين أن لا حجة في قول أحد ولا في علمه بعد النبي ﷺ فإن قالوا مالك أتى متأخرا فتعقب قيل لهم فتقليد من أتى بعد مالك فتعقب عليه أولى كالشافعي وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم إلى أن يبلغ الأمر إلينا ثم إلى من بعدنا قال علي والصحيح من ذلك أن أبا حنيفة ومالكا رحمهما الله اجتهدا وكانا مما أمرا بالاجتهاد إذ كل مسلم ففرض عليه أن يجتهد في دينه وجريا على طريق من سلف في ترك التقليد فأجرا فيما أصابا فيه أجرين وأجرا فيما أخطآ فيه أجرا واحدا وسلما من الوزر في ذلك على كل حال وهكذا حال كل عالم ومتعلم غيرهما ممن كان قبلهما وممن كان معهما وممن أتى
بعدهما أو يأتي ولا فرق فقلدهما من شاء الله ممن أخطأ وابتدع وخالف أمر الله وسنة النبي ﷺ وإجماع المسلمين وما كان عليه القرون الصالحة وما توجبه دلائل العقل واتبع هواه بغير آإعالى فضل وأضل وكذلك المقلدون للشافعي ﵀ إلا أن الشافعي ﵁ أصل أصولا الصواب فيها أكثر من الخطأ فالمقلدون له أعذر في اتباعه فيما أصاب فيه وهم ألوم وأقل عذرا في تقليدهم إياه فيما أخطأ فيه وأما أصحاب الظاهر فهم أبعد الناس من التقليد فمن قلد أحدا مما يدعي أنه منهم فليس منهم ولم يعصم أحد من الخطأ وإنما يلام من اتبع قولا لا حجة عنده به وألوم من هذا من اتبع قولا وضح البرهان على بطلانه فتمادى ولج في غيه وبالله تعالى التوفيق وألوم من هذين وأعظم جرما من يقيم على قول يقر أنه حرام وهم المقلدون الذين يقلدون ويقرون أن التقليد حرام ويتركون أوامر النبي ﷺ ويقرون أنها صحاح وأنها حق فمن أضل من هؤلاء نعوذ بالله من الخذلان ونسأله الهدى والعصمة فكل شيء بيده لا إله إلا هو
стр. 268
قال أبو محمد وقد قال بعضهم قد صح ترك جماعات من الصحابة والتابعين لكثير مما بلغهم من حديث النبي ﷺ فلا يخلو من أن يكونوا تركوه مستخفين به وهذا كفر من فاعله أو يكونوا تركوه لفضل علم كان عندهم فهذا أولى أن يظن بهم قال علي وهذا يبطل من وجوه أحدها أنه قال قائل لعل الحديث الذي تركه من تركه منهم فيه داخلة قيل له ولعل الرواية التي رويت بأن فلانا الصاحب ترك حديثا كذا هي المدخولة وما الذي جعل أن تكون الداخلة في رواة الحديث عن النبي ﷺ أولى من أن تكون في النقلة الذين رووا ترك من تركها وأيضا فإن قوما منهم تركوا بعض الحديث وقوما منهم أخذوا بذلك الحديث الذي ترك هؤلاء فلإن فرق بين من قال لا بد من أنه كان عند من تركه علم من أجله تركه وبين من قال لا بد من أنه كان عند من عمل به علم
من أجله عمل به وكل دعوى عريت من برهان فهي ساقطة وقد قدمنا أنه لا يستوحش لمن ترك العمل بالحق سواء تركه مخطئا معذورا أو تركه عاصيا موزورا ولا يتكثر بمن عمل به كائنا من كان وسواء عمل به أو تركه
وفرض على كل من سمعه أن يعمل به على كل حال وأيضا فإن الأحاديث التي روي أنه تركها بعض من سلف ليست في أكثر الأمر التي ترك هؤلاء المحتجون بترك من سلف لما تركوا منها بل ترك هؤلاء ما أخذ به أولئك وأخذ هؤلاء بما تركه أولئك فلا حجة لهم في ترك بعض ما سلف لما ترك من الحديث لأنهم أول مخالف لهم في ذلك وأول مبطل لذلك الترك ولا أسوأ من احتجاج امرىء بما يبطل على من لا يحقق ذلك الاحتجاج بل يبطله كإبطال المحتج به له أو أشد وأيضا فلو صح ما افتروه من أنه كان عند الصاحب التارك لبعض الحديث علم من أجله ترك ما ترك من الحديث ونعوذ بالله العظيم من ذلك ونعيذ كل من يظن به خيرا من مثل ما نسبوا إلى أفاضل هذه الأمة المقدسة
стр. 269
لوجب أن يكون من فعل ذلك ملعونا بلعنة الله قال الله تعالى ﴿إن لذين يكتمون مآ أنزلنا من لبينات ولهدى من بعد ما بيناه للناس في لكتاب أولئك يلعنهم لله ويلعنهم للاعنون﴾ فنحن نقول لعن الله كل من كان عنده علم من الله تعالى ورسوله ﷺ وكتمه عن الناس كائنا من كان ومن نسب هذا إلى الصحابة رضوان الله عليهم فقد نسبهم إلى الإدخال في الدين وكيد الشريعة وهذا أشد ما يكون من الكفر وقد عارضت بنحو من هذا الكلام الليث بن حرفش العبدي في مجلس القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن بشر ﵀ وفي حفل عظيم من فقهاء المالكيين فما أحد منهم أجاب بكلمة معارضة بل صمتوا كلهم إلا قليل منهم أجابوني بالتصديق لقولي وذلك أني قلت له لقد نسبت إلى مالك ﵁ ما لو صح عنه لكان أفسق الناس وذلك أنك تصفه بأنه أبدى إلى الناس المعلول والمتروك والمنسوخ من روايته وكتمهم المستعمل والسالم والناسخ حتى مات ولم يبده إلى
أحد وهذه صفة من يقصد إفساد الإسلام والتدليس على أهله وقد أعاذه الله من ذلك بل كان عندنا أحد الأئمة الناصحين لهذه الملة ولكنه أصاب وأخطأ واجتهد فوفق وحرم كسائر
العلماء ولا فرق أو كلاما هذا معناه وقد افترض الله تعالى التبليغ على كل عالم وقد قال ﵇ مخبرا إن من كتم علما عنده فسئل عنه ألجم يوم القيام بلجام من نار فإن قالوا بل ما كان عنده عن النبي ﷺ خبر يصح إلا وقد أبداه ورواه للناس وبلغه كما يحق في علمه وروعه قلنا صدقتم وهذه صفته عندنا ونحن على اتباع روايته ورواية غيره من العدول لأنه عدل وقد أمرنا بقبول خبر العدل ونحن على رفض رأيه ورأي غيره لقيام البرهان على تحريم التقليد وهو أول الناس ينهى عن تقليده والعجب
стр. 270
من دعواهم أنهم أخذوا بالآخر من فعله ﷺ وأخذوا بالأول المنسوخ لذلك فما حضرنا ذكره مما تركوا فيه آخر فعله ﷺ وأخذوا بالأول المنسوخ فإنهم لم يجيزوا أن يأتي الإمام المعهود وقد بدأ خليفته على الصلاة بالصلاة فدخل الإمام المعهود فيتم الصلاة ويبني سائر من خلفه على من كبروا في أول صلاتهم ويصير الإمام الذي ابتدأ الصلاة مأموما وهذه آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس في مرضه الذي مات فيه فأبطلوا هذه الصلاة وأجازوا أن يخرج الإمام من الصلاة لعذر أصابه ويستخلف من يتم بالناس صلاتهم وهذا ما لم يأت فيه نص ولا إجماع ولم يروا الصلاة خلف الإمام القاعد والأصحاء وراءه قعود أو قيام وهذه صفة آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ وتعلقوا بحديث رواه الجعفي وهو كذاب عن الشعبي مرسلا لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهي رواية كوفية وهم يردون الصحيح من رواية أهل الكوفة ويتعلقون بهذه الرواية التي لا شك في كذبها من روايات أهل الكوفة وكرهوا التكبير بتكبير الإمام وأبطلوا في نص روايتهم صلاة المذكور وهذه صفة آخر صلاة صلاها أبو بكر خلف رسول
الله ﷺ بحضرة جميع المهاجرين والأنصار إلا الأقل منهم وتركوا إباحة الشرب لكل ما لا يسكر من المباحات في جميع الظروف وهو الناسخ وأخذوا بالنهي عن الدباء والمزفت وهو منسوخ بالنص الجلي وكان ذلك في أول الإسلام وتركوا ما في سورة براءة وهي آخر سورة نزلت على رسول الله ﷺ من أنه لا تؤخذ جزية إلا من كتابي وتركوا أيضا ما فيها من قوله تعالى ﴿قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون﴾
وتعلقوا بحديث تخيير من
стр. 271
أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة لأنه لا يجوز أن يوجد أحد نكح أكثر من أربع نكاحا جائزا لأن نكاح من نكح خامسة اليوم باطل حين عقده إياه مفسوخ لا يجوز وإن جوزه الكفار لأن الله تعالى قد حرمه وتحريم الله تعالى لاحق بهم لازم لهم وتركوا النهي عن الصوم في السفر في رمضان وهو الناسخ وأخذوا بإباحة ذلك وهي منسوخة وتركوا النهي عن الكلام مع الإمام في إصلاح الصلاة وهو الناسخ وتعلقوا بالمخصوص المنسوخ وتركوا قراءة والمرسلات في المغرب وهو من آخر فعله ﷺ وتركوا تطيبه ﷺ لحله ولإحرامه قبل أن يطوف بالبيت وهو آخر فعله ﵇ وتعلقوا بالمنسوخ المخصوص الذي كان في الحديبية قبل حجة الوداع وتركوا إيجابه ﵇ السلب للقاتل وكان في غزوة حنين وهو الناسخ وتعلقوا بما كان في غزوة مؤتة وهو منسوخ قبل حنين وتركوا ما في سورة براءة من ألا يهادن مشرك إلا على الإسلام ولا كتابي إلا على الصغار والجزية وأخذوا بحديث أبي جندل وهو منسوخ قبل براءة ومثل هذا كثير
فصل فيه بيان سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة
فإن قيل فعلى أي وجه ترك هو ومن قبله كثيرا من الأحاديث قيل له وبالله التوفيق وقد بينا هذا فيما خلا ولكن نأتي بفصول تقتضي
стр. 272
تكرار ما قد ذكر فلا بد من تكراره وذلك أن مالكا وغيره بشر ينسى كما ينسى سائر الناس وقد تجد الرجل يحفظ الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه وقد يعرض هذا في آي القرآن وقد أمر عمر على المنبر بألا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره فذكرته امرأة بقول الله تعالى ﴿وإن أردتم ستبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ فترك قوله وقال كل أحد أفقه منك
يا عمر وقال امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكره علي بقول الله تعالى ﴿ووصينا لإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك لتي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من لمسلمين﴾ مع قوله تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن بلمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير﴾ فرجع عن الأمر برجمها وهم أن يسطو بعيينة بن حصن إذ قال له يا عمر ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل فذكره الحر بن قيس بن حصن بن حذيفة بقول الله تعالى ﴿خذ لعفو وأمر بلعرف وأعرض عن لجاهلين﴾ وقال له يا أمير المؤمنين هذا من الجاهلين فأمسك عمر وقال يوم مات رسول الله ﷺ والله ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت حتى يكون آخرنا أو كلاما هذا معناه حتى قرئت عليه ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ فسقط السيف من يده وخر إلى الأرض وقال كأني والله لم أكن قرأتها قط فإذا أمكن هذا في القرآن فهو في الحديث أمكن وقد ينساه البتة وقد لا ينساه بل يذكره ولكن يتأول فيه تأويلا فيظن فيه خصوما أو نسخا أو معنى ما وكل هذا لا يجوز اتباعه إلا بنص أو إجماع لأنه رأي من رأى ذلك ولا يحل تقليد أحد ولا قبول رأيه وقد علم كل أحد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا حوالي رسول الله ﷺ بالمدينة مجتمعين وكانوا ذوي معايش يطلبونها وفي ضنك من القوت شديد قد جاء ذلك منصوصا وأن النبي صلى الله عليه
стр. 273
وسلم
وأبا بكر وعمر أخرجهم الجوع من بيوتهم فكانوا من متحرف في الأسواق ومن قائم على نخلة ويحضر رسول الله ﷺ في كل وقت منهم الطائفة إذا وجدوا أدنى فراغ مما هم بسبيله هذا ما لا يستطيع أحد أن ينكره وقد ذكر ذلك أبو هريرة فقال إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم وكنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني وقد أقر بذلك عمر فقال فاتني مثل
هذا من حديث رسول الله ﷺ ألهاني الصفق في الأسواق ذكر ذلك في حديث استئذان أبي موسى فكان رسول الله ﷺ يسأل عن المسألة ويحكم بالحكم ويأمر بالشيء ويفعل الشيء فيعيه من حضره ويغيب بمن غاب عنه فلما مات النبي ﷺ وولي أبو بكر ﵁ فمن حينئذ تفرق الصحابة للجهاد إلى مسيلمة وإلى أهل الردة وإلى الشام والعراق وبقي بعضهم بالمدينة مع أبي بكر ﵁ فكان إذا جاءت القضية ليس عنده فيها عن النبي ﷺ أمر سأل من بحضرته من الصحابة عن ذلك فإن وجد عندهم رجع إليه وإلا اجتهد في الحكم ليس عليه غير ذلك فلما ولي عمر ﵁ فتحت الأمصار وزاد تفرق الصحابة في الأقطار فكانت الحكومة تنزل في المدينة أو في غيرها من البلاد فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك عن النبي ﷺ أثر حكم به وإلا اجتهد أمير تلك المدينة في ذلك وقد يكون في تلك القضية حكم عن النبي ﷺ موجود عند صاحب آخر في بلد آخر وقد حضر المديني ما لم يحضر المصري وحضر المصري ما لم يحضر
стр. 274
الشامي وحضر الشامي ما لم يحضر البصري وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي وحضر الكوفي ما لم يحضر المديني كل هذا موجود في الآثار وفي ضرورة العلم بما قدمنا من مغيب بعضهم عن مجلس النبي ﷺ في بعض الأوقات وحضور غيره ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضر ويفوته ما غاب عنه وهذا معلوم ببديهة العقل وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره وجهله عمر وابن مسعود فقالا لا يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين وكان حكم المسح عند علي وحذيفة ﵄ وغيرهم وجهلته عائشة وابن عمر وأبو هريرة وهم مدنيون وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وجهله أبو موسى وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وعند أبي سعيد وجهله عمر وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر
قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم وجهله عمر وزيد بن ثابت وكان حكم تحريم المتعة
والحمر الأهلية عند علي وغيره وجهله ابن عباس وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وجهله طلحة وابن عباس وابن عمر وكان حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنين فتركهم حتى ذكر فذكر فأجلاهم وكان علم الكلالة عند بعضهم ولم يعلمه عمر وكان النهي عن بيع الخمر عند عمر وجهله سمرة وكان حكم الجدة عند المغيرة ومحمد بن مسلمة وجهله أبو بكر وعمر وكان حكم أخذ الجزية من المجوس وألا يقدم على بلد فيه الطاعون عند عبد الرحمن بن عوف وجهله عمر وأبو عبيدة وجمهور الصحابة رضوان الله عنهم وكان حكم ميراث الجد عند معقل بن سنان وجهله عمر ومثل هذا كثير جدا فمضى الصحابة على ما ذكرنا ثم خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإذا تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليدا لهم ولكن
стр. 275
لأنهم إنما أخذوا ورووا عنهم إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة ﵃ كاتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن عمر واتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوى ابن مسعود واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوى ابن عباس ثم أتى بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن جريج بمكة ومالك وابن الماجشون بالمدينة وعثمان البتي وسوار بالبصرة والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده فيما كان عندهم واجتهادهم فيما لم يجدوا عندهم وهو موجود عند غيرهم و ﴿لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾
وكل ما ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه حكم النبي ﷺ أجرين ومأجور فيما خفي عنه منه أجرا واحدا وقد يبلغ الرجل مما ذكرنا حديثان ظاهرهما التعارض فيميل إلى أحدهما دون الثاني بضرب من الترجيحات التي صححنا أو أبطلنا قبل هذا في هذا الباب ويميل غيره إلى الحديث الذي ترك هذا بضرب من تلك الترجيحات كما روي عن عثمان في الجمع بين الأختين حرمتهما آية وأحلتهما آية وكما مال ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملة بقوله ﴿ولا تنكحوا لمشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا لمشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى لنار ولله يدعو إلى لجنة ولمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ قال ولا أعلم شركا
أعظم من قول المرأة إن عيسى ربها وغلب ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى وكما جعل ابن عباس عدة الحامل آخر الأجلين من وضع الحمل أو تمام أربعة أشهر وعشر وكما تأول بعض الصحابة في الحمر الأهلية أنها إنما حرمت لأنها لم تخمس وتأول آخر منهم أنها حرمت لأنها حمولة الناس وتأول آخر منهم أنها حرمت لأنها كانت تأكل العذرة وقال بعضهم بل حرمت لعينها وكما تأول قدامة في شرب الخمر قول الله تعالى ﴿ليس على لذين آمنوا وعملوا لصالحات جناح فيما طعموا إذا ما تقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ولله يحب لمحسنين﴾ فعلى هذه الوجوه ترك
стр. 276
مالك ومن كان قبله ما تركوا من الأحاديث والآيات وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء فهي وجوه عشرة كما ذكرنا أحدها ألا يبلغ العالم الخبر فيفتي فيه بنص آخر بلغه كما قال عمر في خبر الاستئذان خفي علي هذا من رسول الله ﷺ ألهاني الصفق بالأسواق وقد أوردناه بإسناده من طريق البخاري في غير هذا المكان وثانيها أن يقع في نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ وأنه وهم كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس وكفعل عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله وهذا ظن لا معنى له إن أطلق بطلت الأخبار كلها وإن خص به مكان دون مكان كانت تحكما بالباطل وثالثها أن يقع في نفسه أنه منسوخ كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات ورابعها أن يغلب نصا على نص بأنه أحوط وهذا لا معنى له إذ لا يوجبه قرآن ولا سنة وخامسها أن يغلب نصا على نص لكثرة العاملين به أو لجلالتهم وهذا لا معنى له لما قد أفدناه قبلا في ترجيح الأخبار وسادسها أن يغلب نصا لم يصح على نص صحيح وهو لا يعلم بفساد الذي غلب وسابعها أن يخصص عموما بظنه
وثامنها أن يأخذ بعموم لم يجب الأخذ به ويترك الذي يثبت تخصيصه وتاسعها أن يتأول في الخبر غير ظاهره بغير برهان لعله ظنها بغير برهان وعاشرها أن يترك نصا صحيحا لقول صاحب بلغه فيظن أنه لم يترك ذلك النص إلا لعلم كان عنده فهذه ظنون توجب الاختلاف الذي سبق في علم الله أنه سيكون ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنه آمين ثم كثرت الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس والتقوا وانتدب أقوام لجمع حديث النبي ﷺ وضمه وتقييده ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأول في الحديث وعرف الصحيح
стр. 277
من السقيم وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله ﷺ وإلى ترك عمله وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن بلوغه إليه وقيام الحجة به عليه فلم يبق إلا العناد والجهل والتقليل والإثم وعلى هذا الطريق كان الصحابة ﵃ وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الواحد الأيام الكثيرة وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر إلى عقبة بن عامر في حديث واحد وكتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي ما سمعته من رسول الله ﷺ ورحل علقمة والأسود إلى عائشة وعمر ﵄ ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام فقد بينا وجه ترك من ترك بعض الحديث وأزحنا العلة في ذلك ورفعنا الإشكال جملة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال أبو محمد وقد موه بعضهم بأن قال إن ابن مسعود كان يسأل عن الشيء فيتركه حتى يأتي المدينة قال علي وإنما كان هذا في مسألتين فقط وهي مسألة نكاح الأم التي لم يدخل بابنتها فخالفه عمر وقد صح عن زيد بن ثابت وهو مدني مثل قول ابن مسعود والثانية بيعه نفاية بيت المال ثم رجع عن ذلك قال علي وكيف يكون هذا والصحيح أن ابن مسعود قال مخبرا عن نفسه ما من سورة من كتاب الله تعالى إلا وأنا أدري فيما نزلت
ولو أني أعلم مكان رجل أعلم مني بكتاب الله تبلغني إليه الإبل لأتيته فكيف يرجع إلى قول غيره من هذه
صفته ولقد صدق ﵁ وهو الذي أمر رسول الله ﷺ أن يتمسك بعهده وأن يؤخذ القرآن عنه وعن ثلاثة مذكورين معه وقد صح أن عمر بن الخطاب أمر برجم مجنونة فرده عن ذلك وهو كوفي وكذلك وجد عند المغيرة خبر إملاص المرأة وهو كوفي لم يكن عند أهل المدينة
стр. 278
قال علي وقد موه بعضهم بأن ذكر ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى ثنا سهل بن يوسف قال حميد أنبأ عن الحسن قال خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال أخرجوا صدقة صومكم فكأن الناس لم يعلموا فقال من ههنا من أهل المدينة فقوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير فلما قدم علي رأى رخص الشعير قال قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء قال علي وهذا الحديث قبل كل شيء لا يصح لوجوه ظاهرة أولها أن الكذب والتوليد والوضع فيه ظاهر كالشمس لأنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالأخبار أن يوم الجمل كان لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ثم أقام علي بالبصرة باقي جمادى الآخرة وخرج راجعا إلى الكوفة في صدر رجب وترك ابن عباس بالبصرة أميرا عليها ولم يرجع علي بعدها إلى البصرة هذا ما لا خلاف فيه من أحد له علم بالأخبار وفي الخبر المذكور ذكر تعليم ابن عباس أهل البصرة صدقة الفطر ثم قدم علي بعد ذلك وهذا هو الكذب البحت الذي لا خفاء فيه ووجه ثان أن الحسن لم يسمع من ابن عباس أيام ولايته البصرة شيئا ولا كان الحسن يومئذ بالبصرة وإنما كان بالمدينة هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من نقلة الحديث وأيضا وجه ثالث فإنه حديث مفتعل لا يصح لأن البصرة فتحها وبناها سنة
أربع عشرة من الهجرة عتبة بن غزوان المازني بدري مدني ووليها بعده المغيرة بن شعبة وأبو موسى وعبد الله بن عامر وكلهم مدنيون ونزلها من الصحابة المدنيين
стр. 279
أزيد من ثلاثمائة رجل منهم عمران بن الحصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر والحكم بن عمرو وغيرهم وفتحت أيام عمر بن الخطاب وتداولها ولاته إلى أن وليها ابن عباس بعد صدر كبير من سنة ست وثلاثين من الهجرة فلم يكن في هؤلاء كلهم من يخبرهم بزكاة الفطر بل ضيعوا ذلك وأهملوه واستخفوا به أو جهلوه مدة أزيد من اثنين وعشرين عاما مدة خلافة عمر بن الخطاب وعثمان رضوان الله عليهم حتى وليهم ابن عباس بعد يوم الجمل أترى عمر وعثمان ضيعا إعلام رعيتهما هذه الفريضة أترى أهل البصرة لم يحجوا أيام عمر وعثمان ولا دخلوا المدينة فغابت عنهم زكاة الفطر إلى بعد يوم الجمل إن هذا لهو الضلال المبين والكذب المفترى ونسبة البلاء إلى الصحابة رضوان الله عليهم أن هذا الخبر ما يدخل تصحيحه في عقل سليم وما حدث الحسن والله أعلم بهذا الحديث إلا على وجه التكذيب له لا يجوز غير ذلك ثم نقول لهم لو صح وهو لا يصح لكان حجة على المالكيين لأنه خلاف مذهبهم في صدقة الفطر لأنهم يرون أنه لا يجزي فيها من البر إلا صاع فعاد حجة عليهم ولا أضل ممن يحتج بما لا يصح نعوذ بالله من الخذلان وإنما يصح هذا الحديث بخلاف اللفظ المذكور لكن كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حماد هو ابن زيد عن أيوب السختياني عن أبي رجاء هو العطاردي قال سمعت ابن عباس يخطب على منبركم يعني منبر البصرة يقول صدقة الفطر صاع من طعام وقد موه بعضهم بأن قال إن أهل المدينة هم شهدوا آخر عمل رسول الله ﷺ قال علي وهذا قول رجل جاهل أو مدلس لا بد له ضرورة من أحد
стр. 280
الوجهين فإن كان جاهلا وكان هذا مقداره من العلم فما كان في وسعه أن يفتي في دين الله وإن كان هذا مستحيلا للتلبيس
في دين الله تعالى فهذا أخبث وأنتن قال علي وهذا كلام يبطل من وجهين ضروريين أحدهما أننا قد بينا في هذا الباب أنهم أترك الناس لآخر عمل رسول الله ﷺ والثاني أن الصحابة ﵃ كانوا كلهم مدنيين طول مدة رسول الله ﷺ ومدة أبي بكر وإنما سكنوا الشام والبصرة والكوفة في صدر خلافة عمر رضوان الله عليه فما بعد ذلك لأن الشام ومصر
كانت بأيدي الروم والعراق حيث بنيت الكوفة والبصرة كانت بأيدي الفرس ولم يفتتح شيء من كل ذلك ولا سكنه مسلم إلا بعد صدر إمارة عمر هذا أمر لا يجهله من له أقل نصيب من العلم وكل من كان بالعراق والشام ومصر من الصحابة فلم يفارقوا سكنى المدينة طوال حياة رسول الله ﷺ ولم ينفرد قط برسول الله من بقي منهم بالمدينة دون من سكن بعد موته ﵇ العراق أو الشام أو مصر فبطل كذب من موه بما ذكرنا ولله الحمد ووجب بالضرورة أن من بقي بالمدينة من الصحابة ﵃ ليس بأولى بحسن الظن بهم في الثبات على ما شهدوه من النبي ﷺ من سائر الصحابة الذين بالأمصار ولا هم أولى بالعلم منهم بل كلهم واجب الحق موصوف بالعلم والدين والنصيحة للمسلمين قال أبو محمد وهذا الذي جرى عليه الناس كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا يزيد بن أبي إبراهيم ثنا رزيق وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز
стр. 281
على أيلة أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عبد أبق وسرق وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد إذا سرق فكتب إليه كتبت إلي في عبد أبق وسرق وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق وأن الله تعالى يقول ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف لله رب لعالمين﴾ فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه قال علي فهذا عمر بن عبد العزيز لم يلتفت إلى عمل أهل الحجاز وأخذ بعموم القرآن وهو الذي لا يجوز خلافه فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن قال علي واستغاث بعضهم إلى ذم الإكثار من الرواية ونسبوا ذلك إلى عمر بن الخطاب وذكروا الخبر عنه أنه لم يلتفت لرواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثا وأنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها نسيت وتوعد أبا موسى بضرب الظهر والبطن
إن لم يأته بشاهد على
ما حدث به من حكم الاستئذان وإن أبا بكر الصديق لم يأخذ برواية المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد له بذلك محمد بن مسلمة وأن عائشة أم المؤمنين لم تلتفت إلى قول أبي هريرة في المشي في خف واحد وقالت لأحنثن أبا هريرة ومشت في نعل واحدة وأن عثمان حمل إليه محمد بن علي بن أبي طالب من عند أبيه كتاب حكم النبي ﷺ في الزكاة فقال له أغنها عنا فرجع إلى أبيه فقال ضع الصحيفة حيث وجدتها وأن عمارا قال لعمر في حديث التيمم أما والله يا أمير المؤمنين لئن شئت لما جعل الله لك علي من الحق ألا أحدث بذلك أبدا فعلت فقال له عمر
стр. 282
لا ولكن نوليك من ذلك ما توليت وأن ابن عباس لم يلتفت لرواية أبي هريرة في الوضوء مما مست النار ولا رواية الحكم بن عمرو الغفاري في الوضوء من فضل المرأة ولا رواية علي في النهي عن المتعة ولا رواية أبي سعيد الخدري في النهي عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد وابن عمر ذكرت له رواية أبي هريرة في كلب الزرع فقال إن لأبي هريرة زرعا وإن معاوية لم يلتفت لرواية عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في النهي عن الفضة بالفضة بتفاضل يدا بيد فهؤلاء أبو بكر وعثمان وعلي وعائشة وعمار وابن عباس وابن عمر ومعاوية ذكروا نحو هذا أيضا عن نفر من التابعين قال علي وقولهم هذا دحض بالبرهان الظاهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وهو أنه يقال لمن ذم الإكثار من الرواية أخبرنا عن الرواية لحديث رسول الله ﷺ أخير هي أم شر ولا سبيل إلى وجه ثالث فإن قال هي خير فالإكثار من الخير خير وإن قال هي شر فالقليل من الشر شر وهم قد أخذوا منه بنصيب فيلزمهم أن يعترفوا بأنهم يتعلمون الشر ويعلمون به أما نحن فلسنا نقر بذلك بل نقول إن الإكثار منها لطلب ما صح هو الخير كله وأيضا فنقول لهم عرفونا حد الإكثار من الرواية المذمومة عندكم لنعرف ما تكرهون وحد غير الإكثار المستحب عندكم فإن حدوا في ذلك حدا
كانوا قد قالوا بالباطل ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتبعوا خطوات لشيطان ومن يتبع خطوات لشيطان فإنه يأمر بلفحشآء ولمنكر ولولا فضل لله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن لله يزكي من يشآء ولله سميع عليم﴾ وقالوا
بلا برهان وبغير علم وإن لم يجدوا في ذلك حدا كانوا قد حصلوا في أسخف منزلة إذ لا يدرون ما ينكرون ولا يحسنون وهذا هو الضلال ونعوذ بالله منه وأيضا فيقال لهم ما الذي جعل أن يكون ما رواه مالك من الحديث خيرا ويكون ما رواه شرا دون أن تكون القصة معكوسة ونحن
стр. 283
نعوذ بالله من كل ذلك بل الخير كله التفقه في الآثار والقرآن وضبط ما روي عن النبي ﷺ وقد حض النبي ﷺ على أن يبلغ عنه وهذا التفقه والنذرة التي أمر الله تعالى بها وليت شعري إذا كان الإكثار من الحديث شرا فأين الخير أفي التقليد الذي لا يلزمه إلا جاهل أو فاسق أم في التحكم في دين الله بالآراء الفاسدة التي قد حذر الله تعالى منها وزجر النبي ﷺ عنها وفخر بعضهم بأن مالكا كان يسقط من موطئه كل سنة وإنه لم يحدث بكثير مما كان عنده قال علي هذا فخر من يريد أن يمدح فيذم ويريد أن يبني فيهدم ولا يخلو ما حدث به مالك وما لم يحدث به من أن يكون حدث بالصحيح عنده وترك ما لم يصح فقد أحسن وكذا كل من حدث أيضا بما يصح عنده ممن ليس مالك بأعلم منه ولا أروع كسفيان وشعبة والأوزاعي وأيوب وغيرهم وأن يكون حدث بالسقيم وكتم الصحيح وقد نزهه الله تعالى عن ذلك لأن هذه صفة أفسق الفاسقين أو يكون حدث بسقيم وصحيح وكتم صحيحا وسقيما فمن فعل ذلك فهو آثم وملعون لكتمانه علما صحيحا عنده فبطل ما أرادوا يمدحوه به وعاد ذما عظيما لو صح عليه ذلك وأعوذ بالله من ذلك وبرهان آخر يوضح كذب من قال هذا وهو أن الموطأ ألفه مالك ﵁ بعد موت يحيى بن سعيد الأنصاري بلا شك ومات يحيى بن سعيد في سنة ثلاث وأربعين ومائة ولسنا نقول هذا
بظننا بل يقينا فهكذا روينا بإسناد متصل إلى يحيى بن سعيد القطان أنه قال لقينا مالكا قبل أن يصنف
стр. 284
ولقيناه سنة اثنتين وأربعين ومائة بعد موت موسى بن عقبة بسنة ولم يزل الموطأ يروى عن مالك منذ ألفه طائفة بعد طائفة وأمة بعد أمة وآخر من رواه عنه من الثقات أبو المصعب الزهري لصغر سنه وعاش بعد موت مالك ثلاثا وستين سنة وموطؤه أكمل الموطآت لأنه فيه
خمسمائة حديث وتسعين حديثا بالمكرر أما بإسقاط التكرار فخمسمائة حديث وتسعة وخمسون حديثا وكان سماع ابن وهب للموطأ من مالك قبل سماع أبي المصعب بدهر وكذلك سماع ابن القاسم ومعن بن عيسى وليس في موطأ ابن القاسم إلا خمسمائة حديث وثلاثة أحاديث وفي موطأ ابن وهب كما في موطأ أبي المصعب ولا مزيد فبان كذب هذا القائل والحمد لله رب العالمين قال علي ولئن كان جميع حديث النبي ﷺ مذموما فإن مالكا لمن أول من فعل ذلك فإن أول من ألف في جمع الحديث فحماد بن سلمة ومعمر ثم مالك ثم تلاهم الناس وأما نحن فإننا نحمد ذلك من فعلهم ونقول إن لهم ولمن فعل فعلهم في ذلك أعظم الأجر لعظيم ما قيدوا من السنن وكثيرا ما بينوا من الحق وما رفعوا من الإشكال في الدين وما فرجوا بما كتبوا من حكم الاختلاف فمن أعظم أجرا منهم جعلنا الله بمنه ممن تبعهم في ذلك بإحسان آمين وأما رد عمر ﵁ لحديث فاطمة بنت قيس فقد خالفته فاطمة وهي من المبايعات المهاجرات للصواحب فهو تنازع من أولي الأمر ليس قول أولى من قولها ولا قولها أولى من قوله إلا بنص والنص موافق لقول فاطمة وعمر مجتهد مخطىء في رد ذلك مأجور مرة ولا تعلق للمالكيين بهذا الخبر لأنهم خالفوا رواية فاطمة وخالفوا قول عمر فلم يتعلقوا بأحدهما وأما ما ذكروا من نهي عمر ﵁ في الإكثار من الحديث عن النبي ﷺ فحدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم
стр. 285
بن أصبغ ثنا الخشن ثنا بندار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن قرظة هو ابن كعب الأنصاري قال شيعنا عمر بن الخطاب ﵁ إلى صرار فانتهى إلى مكان فتوضأ فيه فقال أتدرون لما شيعتكم قلنا لحق الصحبة قال إنكم ستأتون قوم تهتز ألسنتهم بالقرآن كاهتزاز النخل فلا تصدروهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم قال قرظة فما حدثت بشيء بعد ولقد سمعت كما سمع الصحابي فهذا
لم يذكر فيه الشعبي أنه سمعه من قرظة وما نعلم أن الشعبي لقي قرظة ولا سمع منه بل لا شك في ذلك لأن قرظة ﵁ مات والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة
هذا مذكور في الخبر الثابت المسند وأول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب فذكر المغيرة عنده ذلك خبرا مسندا في النوح ومات المغيرة سنة خمسين بلا شك والشعبي أقرب إلى الصبا فلا شك في أنه لم يلق قرظة قط فسقط هذا الخبر بل قد ذكر بعض أهل العلم بالأخبار أن قرظة بن كعب مات وعلي رضوان الله عليه بالكوفة فصح يقينا أن الشعبي لم يلق قط قرظة ولا عقل عنه كلمة وحدثنا أيضا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا أبو بكر هو ابن عياش عن أبي حصين يرفعه إلى عمر أنه حين
следующие страницы →