← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

على أيلة أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عبد أبق وسرق وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد إذا سرق فكتب إليه كتبت إلي في عبد أبق وسرق وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق وأن الله تعالى يقول ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف لله رب لعالمين﴾ فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه قال علي فهذا عمر بن عبد العزيز لم يلتفت إلى عمل أهل الحجاز وأخذ بعموم القرآن وهو الذي لا يجوز خلافه فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن قال علي واستغاث بعضهم إلى ذم الإكثار من الرواية ونسبوا ذلك إلى عمر بن الخطاب وذكروا الخبر عنه أنه لم يلتفت لرواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثا وأنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها نسيت وتوعد أبا موسى بضرب الظهر والبطن إن لم يأته بشاهد على ما حدث به من حكم الاستئذان وإن أبا بكر الصديق لم يأخذ برواية المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد له بذلك محمد بن مسلمة وأن عائشة أم المؤمنين لم تلتفت إلى قول أبي هريرة في المشي في خف واحد وقالت لأحنثن أبا هريرة ومشت في نعل واحدة وأن عثمان حمل إليه محمد بن علي بن أبي طالب من عند أبيه كتاب حكم النبي ﷺ في الزكاة فقال له أغنها عنا فرجع إلى أبيه فقال ضع الصحيفة حيث وجدتها وأن عمارا قال لعمر في حديث التيمم أما والله يا أمير المؤمنين لئن شئت لما جعل الله لك علي من الحق ألا أحدث بذلك أبدا فعلت فقال له عمر

стр. 282

لا ولكن نوليك من ذلك ما توليت وأن ابن عباس لم يلتفت لرواية أبي هريرة في الوضوء مما مست النار ولا رواية الحكم بن عمرو الغفاري في الوضوء من فضل المرأة ولا رواية علي في النهي عن المتعة ولا رواية أبي سعيد الخدري في النهي عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد وابن عمر ذكرت له رواية أبي هريرة في كلب الزرع فقال إن لأبي هريرة زرعا وإن معاوية لم يلتفت لرواية عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في النهي عن الفضة بالفضة بتفاضل يدا بيد فهؤلاء أبو بكر وعثمان وعلي وعائشة وعمار وابن عباس وابن عمر ومعاوية ذكروا نحو هذا أيضا عن نفر من التابعين قال علي وقولهم هذا دحض بالبرهان الظاهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وهو أنه يقال لمن ذم الإكثار من الرواية أخبرنا عن الرواية لحديث رسول الله ﷺ أخير هي أم شر ولا سبيل إلى وجه ثالث فإن قال هي خير فالإكثار من الخير خير وإن قال هي شر فالقليل من الشر شر وهم قد أخذوا منه بنصيب فيلزمهم أن يعترفوا بأنهم يتعلمون الشر ويعلمون به أما نحن فلسنا نقر بذلك بل نقول إن الإكثار منها لطلب ما صح هو الخير كله وأيضا فنقول لهم عرفونا حد الإكثار من الرواية المذمومة عندكم لنعرف ما تكرهون وحد غير الإكثار المستحب عندكم فإن حدوا في ذلك حدا كانوا قد قالوا بالباطل ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتبعوا خطوات لشيطان ومن يتبع خطوات لشيطان فإنه يأمر بلفحشآء ولمنكر ولولا فضل لله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن لله يزكي من يشآء ولله سميع عليم﴾ وقالوا بلا برهان وبغير علم وإن لم يجدوا في ذلك حدا كانوا قد حصلوا في أسخف منزلة إذ لا يدرون ما ينكرون ولا يحسنون وهذا هو الضلال ونعوذ بالله منه وأيضا فيقال لهم ما الذي جعل أن يكون ما رواه مالك من الحديث خيرا ويكون ما رواه شرا دون أن تكون القصة معكوسة ونحن

стр. 283

نعوذ بالله من كل ذلك بل الخير كله التفقه في الآثار والقرآن وضبط ما روي عن النبي ﷺ وقد حض النبي ﷺ على أن يبلغ عنه وهذا التفقه والنذرة التي أمر الله تعالى بها وليت شعري إذا كان الإكثار من الحديث شرا فأين الخير أفي التقليد الذي لا يلزمه إلا جاهل أو فاسق أم في التحكم في دين الله بالآراء الفاسدة التي قد حذر الله تعالى منها وزجر النبي ﷺ عنها وفخر بعضهم بأن مالكا كان يسقط من موطئه كل سنة وإنه لم يحدث بكثير مما كان عنده قال علي هذا فخر من يريد أن يمدح فيذم ويريد أن يبني فيهدم ولا يخلو ما حدث به مالك وما لم يحدث به من أن يكون حدث بالصحيح عنده وترك ما لم يصح فقد أحسن وكذا كل من حدث أيضا بما يصح عنده ممن ليس مالك بأعلم منه ولا أروع كسفيان وشعبة والأوزاعي وأيوب وغيرهم وأن يكون حدث بالسقيم وكتم الصحيح وقد نزهه الله تعالى عن ذلك لأن هذه صفة أفسق الفاسقين أو يكون حدث بسقيم وصحيح وكتم صحيحا وسقيما فمن فعل ذلك فهو آثم وملعون لكتمانه علما صحيحا عنده فبطل ما أرادوا يمدحوه به وعاد ذما عظيما لو صح عليه ذلك وأعوذ بالله من ذلك وبرهان آخر يوضح كذب من قال هذا وهو أن الموطأ ألفه مالك ﵁ بعد موت يحيى بن سعيد الأنصاري بلا شك ومات يحيى بن سعيد في سنة ثلاث وأربعين ومائة ولسنا نقول هذا بظننا بل يقينا فهكذا روينا بإسناد متصل إلى يحيى بن سعيد القطان أنه قال لقينا مالكا قبل أن يصنف

стр. 284

ولقيناه سنة اثنتين وأربعين ومائة بعد موت موسى بن عقبة بسنة ولم يزل الموطأ يروى عن مالك منذ ألفه طائفة بعد طائفة وأمة بعد أمة وآخر من رواه عنه من الثقات أبو المصعب الزهري لصغر سنه وعاش بعد موت مالك ثلاثا وستين سنة وموطؤه أكمل الموطآت لأنه فيه خمسمائة حديث وتسعين حديثا بالمكرر أما بإسقاط التكرار فخمسمائة حديث وتسعة وخمسون حديثا وكان سماع ابن وهب للموطأ من مالك قبل سماع أبي المصعب بدهر وكذلك سماع ابن القاسم ومعن بن عيسى وليس في موطأ ابن القاسم إلا خمسمائة حديث وثلاثة أحاديث وفي موطأ ابن وهب كما في موطأ أبي المصعب ولا مزيد فبان كذب هذا القائل والحمد لله رب العالمين قال علي ولئن كان جميع حديث النبي ﷺ مذموما فإن مالكا لمن أول من فعل ذلك فإن أول من ألف في جمع الحديث فحماد بن سلمة ومعمر ثم مالك ثم تلاهم الناس وأما نحن فإننا نحمد ذلك من فعلهم ونقول إن لهم ولمن فعل فعلهم في ذلك أعظم الأجر لعظيم ما قيدوا من السنن وكثيرا ما بينوا من الحق وما رفعوا من الإشكال في الدين وما فرجوا بما كتبوا من حكم الاختلاف فمن أعظم أجرا منهم جعلنا الله بمنه ممن تبعهم في ذلك بإحسان آمين وأما رد عمر ﵁ لحديث فاطمة بنت قيس فقد خالفته فاطمة وهي من المبايعات المهاجرات للصواحب فهو تنازع من أولي الأمر ليس قول أولى من قولها ولا قولها أولى من قوله إلا بنص والنص موافق لقول فاطمة وعمر مجتهد مخطىء في رد ذلك مأجور مرة ولا تعلق للمالكيين بهذا الخبر لأنهم خالفوا رواية فاطمة وخالفوا قول عمر فلم يتعلقوا بأحدهما وأما ما ذكروا من نهي عمر ﵁ في الإكثار من الحديث عن النبي ﷺ فحدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم

стр. 285

بن أصبغ ثنا الخشن ثنا بندار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن قرظة هو ابن كعب الأنصاري قال شيعنا عمر بن الخطاب ﵁ إلى صرار فانتهى إلى مكان فتوضأ فيه فقال أتدرون لما شيعتكم قلنا لحق الصحبة قال إنكم ستأتون قوم تهتز ألسنتهم بالقرآن كاهتزاز النخل فلا تصدروهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم قال قرظة فما حدثت بشيء بعد ولقد سمعت كما سمع الصحابي فهذا لم يذكر فيه الشعبي أنه سمعه من قرظة وما نعلم أن الشعبي لقي قرظة ولا سمع منه بل لا شك في ذلك لأن قرظة ﵁ مات والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة هذا مذكور في الخبر الثابت المسند وأول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب فذكر المغيرة عنده ذلك خبرا مسندا في النوح ومات المغيرة سنة خمسين بلا شك والشعبي أقرب إلى الصبا فلا شك في أنه لم يلق قرظة قط فسقط هذا الخبر بل قد ذكر بعض أهل العلم بالأخبار أن قرظة بن كعب مات وعلي رضوان الله عليه بالكوفة فصح يقينا أن الشعبي لم يلق قط قرظة ولا عقل عنه كلمة وحدثنا أيضا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا أبو بكر هو ابن عياش عن أبي حصين يرفعه إلى عمر أنه حين

стр. 286

وجه الناس إلى العراق قال جردوا القرآن وأقلوا الراوية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم قال أبو محمد وأبو حصين لم يولد إلا بعد موت عمر بدهر وأعلى من عنده ابن عباس والشعبي قال علي وروي عنه أيضا أنه ﵁ أنه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النبي ﷺ كما روينا بالسند المذكور إلى بندار ثنا غندر ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال قال عمر لابن مسعود ولأبي الدرداء وأبي ذر ما هذا الحديث على رسول الله ﷺ قال وأحسبه أنه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات قال علي هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح ولا يجوز الاحتجاج به ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة وفي هذا ما فيه أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد فهذا خروج عن الإسلام وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي ﷺ فما عمر إلا واحد منهم وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا ولئن كان حسبهم وغيرهم متهمين لقد ظلمهم فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء ولا بد له

стр. 287

من أحدهما وإنما معنى نهي عمر ﵁ من الحديث عن رسول الله ﷺ لو صح فهو بين في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة وإنما نهى عن الحديث بالأخبار عمن سلف من الأمم وعما أشبه وأما بالسنن عن النبي ﷺ فإن النهي عن ذلك هو مجرد وهذا ما لا يحل لمسلم أن يظنه ممن دون عمر من عامة المسلمين فكيف بعمر ﵁ ودليل ما قلنا أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي ﷺ فإن كان الحديث عنه ﵇ مكروها فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب ولا يحل لمسلم أن يظن بعمر ﵁ أنه نهى عن شيء وفعله لأنه قد روي عنه رضوان الله عليه خمسمائة حديث ونيف على قرب موته من موت النبي ﷺ فصح أنه كثير الرواية والحديث عن النبي ﷺ وما في الصحابة أكثر رواية عن النبي ﷺ من عمر بن الخطاب إلا بضعة عشر منهم فقط فصح أنه قد أكثر الرواية عن النبي ﷺ فصح بذلك التأويل الذي ذكرنا لكلامه ﵁ وهكذا القول فيما روي من ذلك عن معاوية ﵁ ولا فرق وقد جاء ما قلناه عن عمر رضي الله نصا دون تأويل كما أنبأ عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية القرشي ثنا ابن خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج أن عمر بن الخطاب قال سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله قال علي وقد صح بهذا أن عمر أمر بتعليم السنن وأخبر أنها تبين القرآن فصح ما قلناه يقينا بلا مرية وارتفع اللبس والحمد لله رب العالمين

стр. 288

وأعجب من هذا كله أن المالكيين المحتجين بأن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدرداء بالمدينة على الإكثار من الحديث ينبغي لهم أن يحاسبوا أنفسهم فيقولوا إذا أنكر عمر على ابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء الإكثار من الحديث وسجنهم على ذلك وهم أكابر الصحابة وعدول الأمة وليس لابن مسعود إلا ثمانمائة حديث ونيف وليس لأبي الدرداء إلا مائة حديث ونيف لعله لا يصح عنهما إلا أقل من نصف هذين العددين ماذا كان يصنع بمالك لو رأى موطأه قد جمع فيه ثمانمائة حديث ونيفا وثلاثين حديثا من مسند ومرسل أين كنتم ترونه يبلغ به وهو ينكر على الصحابة بزعمكم الكاذب دون هذا العدد فلو كان لهؤلاء القوم دين أو عقل أما كان يحجزهم عن الإقدام على الإنكار على الصحابة رضوان الله عليهم أمرا يجيزون لصاحبهم أكثر منه إن هذا لعجب وأما الحنفيون فقد طردوا أصلهم ههنا لأن صاحبهم أقل الحديث ولم يطلبه بكثرة خطئه وقلة حديثه وحسبنا الله ونعم الوكيل والرواية في حبس ابن مسعود في ذلك عنه ضعيفة وإنما صح أنه تشدد في الحديث كما ذكرنا وكان يكلف من حدثه بحديث أن يأتي بآخر سمعه معه وإنما فعل ذلك اجتهادا منه وقد أنكره عليه أبي فرجع عمر عن ذلك وذلك مذكور في حديث الاستئذان وحتى لو صح ذلك عن عمر ومعاوية فقد خالفهما في ذلك أبي وعبادة وبلغ ذلك بأحدهما إلى أن حلف ألا يساكنه في بلد واحد فمن جعل قول معاوية أولى من قول عبادة وأبي الدرداء وأما الرواية عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه لم يقنع بقول المغيرة وروايته فمنقطعة لا تصح ولو صححت لما كان لهم فيها حاجة لأنهم يقولون بخبر الواحد إذا وافقهم ولا معنى لطلب راو آخر فالذي يدخل خبر الواحد

стр. 289

يدخل خبر الاثنين ولا فرق إلا أن يفرق بين ذلك نص فيوقف عنده وأما الرواية عن عائشة أم المؤمنين فإنما موهوا بإيرادها ولا حجة لهم فيها لأنها لم تقل قط أنها لم تصدق أبا هريرة ولا أنها تستجيز رد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر لها أن أبا هريرة ينهى عن المشي في نعل واحد فقالت لأحنثن أبا هريرة وأحسنت وبرت فلو لم يكن في هذا إلا قول أبي هريرة لما لزم الأخذ به وأما خبر عثمان فلا ندري على أي وجه أورده والذي نظن بعثمان أنه كان عنده عن النبي ﷺ رواية في صفة الزكاة استغنى بها عما عند علي بل نقطع بهذا عليه قطعا ولا وجه لذلك الخبر سوى هذا أو المجاهرة بخلاف النبي ﷺ وقد أعاذه الله من ذلك فإن صاروا إلى توجيهنا بطل تعلقهم بهذا الخبر وإن وجهوه على هذا الوجه الآخر لحقوا بالروافض ونسبوا إلى عثمان الكفر أو الفسق وقد برأه الله من ذلك وأن من نسب إليه لأولى به من عثمان بلا شك وأما قول عمار لعمر فيعيذ الله عمارا من أن يستجيز جحد سنة عنده عن النبي ﷺ موافقة لرأي عمر هذه صفة توجب الكفر لمن استحلها ويوجب الفسق لمن فعلها غير مستحل لها لا يختلف في ذلك اثنان من أهل الإسلام مع مجيء النص بذلك فيمن يكتم حكم الله تعالى أو يخالفه وإنما قال ذلك عمار مبكتا لعمر إذ خالفه بمعنى أترى لي أن أكتم هذا الخبر نعم إن شئت كما قال تعالى ﴿إن لذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينآ أفمن يلقى في لنار خير أم من يأتي آمنا يوم لقيامة عملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾ أو غير هذا وهو في الخبر ذكر أن عمر أجنب فلم يصل فهذا الذي أراد عمار كتمانه وأنه لا يحدث به أبدا لواجب حق عمر عليه وهذا مباح إذ ليس ذكر اسم عمر في ذلك من السنن ولا له فائدة لكن عمر ﵁ لم يفسح له في ذلك بل ولاه من التصريح باسمه في ذلك ما تولى

стр. 290

وأما ابن عباس فإنه روى في فضل المرأة من طريق ميمونة خبرا بنى عليه وروى في المتعة إباحة شهدها فثبت عليها ولم يحقق النظر وقد أنكر ذلك عليه علي بن أبي طالب وأغلظ عليه القول وروي في الدرهم بالدرهمين خبرا عن أسامة عن النبي ﷺ فثبت عليه وأنكر عليه ذلك أبو سعيد وأغلظ له في القول جدا ولم يعارض خبر الحكم في فضل المرأة بأكثر من أن قال هي ألطف بنانا وأطيب ريحا فليس في هذا رد للحديث ولا لحكمه بل صدق في ذلك وقد خالفه في الوضوء مما مست النار وفي غسل اليد ثلاثا قبل إدخالها في الإناء أبو هريرة وأغلظ له في القول فليت شعري من جعل قول ابن عباس أولى من قول علي وأبي هريرة والحكم بن عمرو وأبي سعيد وأما قول ابن عمر إن لأبي هريرة زرعا فصدق وليس في هذا رد لرواية أبي هريرة أصلا فإذا لم يبق من جميع ما اعترضوا به إلا اختلاف الصحابة في بعض ذلك مما صح وثبت فالواجب الرد المفترض الذي لا يحل سواه هو الرد في ذلك إلى الله تعالى وإلى النبي ﷺ إذ كان صاحب في ذاته فغير مبعد عنه الوهم لا سيما إذا اختلفوا فمضمون أن أحد القولين خطأ فوجدنا الله تعالى قد أمر بالتفقه في الدين وإنذار الناس به وأمر بطاعة الرسول ﷺ ولا سبيل إلى طاعته ﵇ إلا بنقل كلامه وضبطه وتبليغه ولا سبيل إلى التفقه في الدين إلا بنقل أحكام الله تعالى وأحكام رسوله ﷺ ووجدناه ﷺ قد حض على تبليغ الحديث عنه وقال في حجة الوداع لجميع من حضر ألا فليبلغ الشاهد الغائب فسقط قول من ذم الإكثار من الحديث ثم العجب فيه إيرادهم لهذه الآثار التي ذكرنا عمن أوردوها عنه من الصحابة فوالله العظيم ما أدري غرضهم في ذلك ولا منفعتهم بها ولا شك أنهم

стр. 291

لا يدرون لماذا أوردوها لأنهم إن كانوا أوردوها طعنا في القول بخبر الواحد فليس هذا قولهم بل هم كلهم يقولون بخبر الواحد وأيضا فهي كلها أخبار آحاد وليس شيء منها حجة عند من لا يقول بخبر الواحد وهذا عجب جدا أو يكونوا أوردوها على إباحة رد المرء ما لم يوافقه من خبر الواحد وأخذ ما وافقه من ذلك فهذا هوس عتيق أول ذلك أنهم يردون بعض ما لم يرده من احتجوا به من الصحابة ويأخذون ببعض ما رده من احتجوا به منهم وأيضا فإن كان الأمر كذلك فقد اختلط الدين وبطل لأن لخصومهم أن يردوا بهذا الباب نفسه ما أخذوا به ويأخذوا ما ردوه هم منه ونعوذ بالله منه قال علي ولا أضل ولا أجهل ولا أبعد من الله ممن يزجر عن تبليغ كلام النبي ﷺ ويأمر بألا يكثر من ذلك أو يرد ما لم يوافقه مما صح عن النبي ﷺ بنظره الملعون ورأيه الفاسد وهواه الخبيث ودعواه الكاذبة ثم يغني دهره في الإكثار من تبليغ آراء مالك وابن القاسم وسحنون وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والتلقي بالقبول لجميعها على غلبة الفساد عليها ألا إن ذلك هو الضلال البعيد والفتيا بالآراء المتناقضة وبالله تعالى نعتصم قال علي وأما من ظن أن أحدا بعد موت رسول الله ﷺ ينسخ حديث النبي ﷺ ويحدث شريعة لم تكن في حياته ﵇ فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان لتكذيبه قول الله تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ وقال تعالى ﴿ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين﴾ فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره ﵇ على حكم ما ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام

стр. 292

دينا لأن تلك العبادات والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده ﵇ هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا وليس الإسلام شيئا غيرها فمن ترك شيئا منها فقد ترك الإسلام ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الإسلام ولا مرية في شيء أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية فإنما هي تفسير لما نزل قبلها وبيان لجملتها وتأكيد لأمر متقدم وبالله تعالى التوفيق ومن ادعى في شيء من القرآن أو الحديث الصحيح أنه منسوخ ولم يأت على ذلك ببرهان ولا أتى بالناسخ الذي ادعى من نص آخر فهو كاذب مفتر على الله داع إلى رفض شريعة قد تيقنت فهو داعية من دعاة إبليس وصاد عن سبيل الله نعوذ بالله قال الله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ فمن ادعى أن الناسخ لم يبلغ وأنه قد سقط فقد كذب ربه وادعى أن هنالك ذكرا لم يحفظه الله بعد إذ أنزله فإن قال قائل الحديث قد يدخله السهو الغلط قيل له إن كنت ممن يقول بخبر الواحد فاترك كل ما أخذت به منه فإنه في قولك محتمل أن يكون دخل فيه السهو الغلط وإن كنت مقلدا فاترك كل من قلدت فإن السهو والغلط قد يدخلان عليه بالضمان وقد يدخلان أيضا في الرواة عنهم الذين عنهم أخذت دينك وإلا فالرواة عن النبي ﷺ أوثق من الرواة عن مالك وأبي حنيفة نعم ومن مالك وأبي حنيفة أنفسهما وإن كنت ممن يبطل خبر الواحد جملة فقد أثبتنا البرهان على وجوب قبوله وما ثبت بيقين فلا يبطل بخوف سهو لم يتيقن والحق لا تسقطه الظنون قال الله تعالى ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا﴾ ولزمه أن يسقط القبول لشهادة الشاهدين في الدماء والفروج والأموال إذ يدخل عليهما السهو والغلط وتعمد الكذب وبالله تعالى التوفيق

стр. 293

فصل في صفة الرواية قال علي الرواية هي أن يسمع السامع الناقل الثقة يحدث بحديث من كتابه أو من حفظه أو بأحاديث فجائز أن يقول حدثنا وحدثني وأخبرنا وأخبرني وقال لي وقال لنا وسمعت وسمعنا وعن فلان وكل ذلك سواء وكل ذلك معنى واحد أو يقرأ الراوي عن الناقل حديثا أو أحاديث فيقول المروي عليه بها ويقول نعم هذه روايتي وأن يسمعها تقرأ عليه ويقر بها المروي عنه أو يناول المروي عنه الراوي كتابا فيه حديث أو أحاديث أو ديوانا بأسره عظم أو صغر فيقول له هذا ديوان كذا كل ما فيه أخذته عن فلان عن فلان حتى يبلغه إلى مؤلفه ويستثني شيئا إن كان فاته منه بعينه فإن لم يفته شيء فلا يستثني شيئا أن يقول له عن ديوان مشهور مقبول عند الناس نقل تواتر ليس في ألفاظه اختلاف ديوان كذا أخذته عن فلان عن فلان حتى يبلغ إلى مؤلفه فأي هذه الوجوه كان فجائز أن يقول فيه القائل حدثني وأخبرني وهو محق في ذلك وهو كله خبر صحيح ونقل صادق ورواية تامة لا داخلة فيها كالقراءة والسماع ولا فرق فإن سمعه يخاطب بذلك غيره فليقل سمعت فلانا يخبر عن فلان أو يحدث عن فلان ولا يقل حينئذ نا ولا ني ولا أنا ولا إني فيكذب ولكن إن قال سمعت فلانا فهي رواية صحيحة تامة فليحدث بها وليروها الناس وسواء أذن له المسموع عنه في ذلك أو لم يأذن حجر عليه الحديث عنه أو أباحه إياه كل ذلك لا معنى له ولا يحل لأحد أن يمنع من نقل حق فيه خير للناس قد سمعه الناقل ولا يحل لأحد أن يبيح لغيره نقل ما لم يسمع ومن يتعد

стр. 294

حدود الله فقد ظلم نفسه وإنما هو حق أو كذب فالحق الذي ينتفع به مسلم واحد فصاعدا واجب نقله والكذب حرام نقله وأما من كتب إلى آخر كتابا يوقن المكتوب إليه أنه من عنده فيقول له في كتابه ديوان كذا أخذته عن فلان كما وصفنا قبل فليقل المكتوب إليه أخبرني في كتابه إلي ونحن نقول أنبأنا رسول الله ﷺ وقال لنا رسول الله ﷺ وأخبرنا الله تعالى وقال لنا الله تعالى وقال تعالى ﴿ولذين آمنوا وعملوا لصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها لأنهار خالدين فيهآ أبدا وعد لله حقا ومن أصدق من لله قيلا﴾ وقال تعالى ﴿لله نزل أحسن لحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود لذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر لله ذلك هدى لله يهدي به من يشآء ومن يضلل لله فما له من هاد﴾ وإنما ذلك لأنه تعالى خاطب بكتابه كل من يأتي من الإنس والجن إلى يوم القيامة وأمر نبيه ﷺ بمخاطبة كل من يأتي إلى يوم القيامة من الإنس والجن أيضا فليس منا أحد إلا وخطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ يتوجهان إليه يوم القيامة وليس ذلك لمن دونهما أصلا وإنما يخاطب كل من دون الله تعالى ودون رسوله ﷺ من شافه أو من كتب إليه أو من سمع منه لفظه إذ لم يأمر الله تعالى أحدا من ولد آدم ﵇ دون رسول الله ﷺ بأن ينذر جميع أهل الأرض وإنما يصح من فعل كل واحد ما وافق ما أمره تعالى به لا ما خالف ما أمره الله ومن فعل ما لم يؤمر به ففعله باطل مردود قال علي وأما الإجازة التي يستعملها الناس فباطل ولا يجوز لأحد أن يجيز الكذب ومن قال لآخر ارو عني جميع روايتي دون أن يخبره بها ديوانا ديوانا وإسنادا إسنادا فقد أباح له الكذب لأنه إذا قال حدثني فلان أو عن فلان فهو كاذب أو مدلس بلا شك لأنه لم يخبره بشيء فهذه أربعة أوجه جائزة وهي مخاطبة المحدث للآخذ عنه أو سماع المحدث من الآخذ عنه وقراره له بصحته أو كتاب المحدث إلى الآخذ عنه أو مناولته

стр. 295

إياه كتابا فيه علم وقوله هذا أخبرني به فلان عن فلان وكل هذه الوجوه قد صحت عن رسول الله ﷺ وعن جميع الصحابة فأما الأخبار فإخبار النبي ﷺ بالسنن وإخبار الصحابة بعضهم بعضا فأبو بكر أخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة وكذلك كل من بعده منهم وأما قراءة الآخذ على المحدث فقد قال بعض الناس للنبي ﷺ فأخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فصدق النبي ﷺ وكذلك سأل الناس أصحابه عن الأحكام قصدقوا الحق وأنكروا الباطل وأما الكتاب فكتب النبي ﷺ بالسنن إلى ملوك اليمن وإلى من غاب عنه من ملوك الأرض الذين دعاهم إلى الإيمان وكذلك فعل أصحابه بعده إلى قضاتهم وأمرائهم وأما المناولة فقد كتب رسول الله ﷺ كتابا لعمرو بن حزم ولعمر وغيره إذ بعثهم أمراء يعلمهم فيها السنن وأمرهم بالعمل بما فيها وكذلك لعبد الله بن جحش وأعطاه الكتاب وأمره بالعمل بما فيه وكذلك فعل أبو بكر بأنس وبعث علي كتابا مع ابنه إلى عثمان وقال هذه صدقة رسول الله ﷺ فمر عمالك يعملون بها وأما الإجازة فما جاءت قط عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ ولا عن أحد منهم ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من تابعي التابعين فحسبك بدعة بما هذه صفته وبالله تعالى التوفيق

стр. 296

فصل وقد تعلل قوم في أحاديث صحاح بأن قالوا هذا حديث أسنده فلان وأرسله فلان قال علي وهذا لا معنى له لأن فلانا الذي أرسله لو لم يروه أصلا أو لم يسمعه البتة ما كان ذلك مسقطا لقبول ذلك الحديث فكيف إذا رواه مرسلا وليس في إرسال المرسل ما أسنده غيره ولا في جهل الجاهل ما علمه غيره حجة مانعة من قبول ما أسنده العدول لا سيما إن كان المعترض بها مالكيا أو حنفيا فإنهم يرون المرسل مقبولا كالمسند فكيف يوهنون الصحيح بما يرونه موافقا له وشاذا ومؤيدا إن هذا لعجيب وإن هذا لإفراط في الجهل والسقوط ولا معنى لقولهم إنما يراعى هذا إذا كان المرسل أو الموقف أعدل من المسند فإنما يجب قبول الخبر إذا رواه العدل عن العدل ولا معنى لتفاضل العدالة على ما قد ذكرنا في هذا الباب إذ لا نص ولا إجماع ولا دليل على مراعاة عدل وأعدل منه وإنما الواجب مراعاة العدالة فقط وبالله تعالى نتأيد ونعتصم

стр. 297

الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي ﷺ والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل قال أبو محمد الذي يفهم من الأمر أن الآمر أراد أن يكون ما أمر وألزم المأمور ذلك الأمر وقال بعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها إما على وجوب في العمل أو في التحريم وإما على ندب وإما على إباحة وإما على كراهة وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا وجميع أصحاب الظاهر إلى القول بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم دليل على صرف شيء من ذلك إلى ندب أو كراهة أو إباحة فتصير إليه قال علي وهذا هو الذي لا يجوز غيره ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون ما اعترض به المخالفون وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة ثم نذكر الأدلة على صحة ما ذهبنا إليه وبالله تعالى التوفيق قال علي فعمدة ما موهوا به أن قالوا لو كان لفظ الأمر موضوعا للإيجاب لم يوجد أبدا إلا كذلك لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الإباحة ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة

стр. 298

وجب ألا نصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض إلا بدليل قالوا وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد لكنها بمنزلة عير ورجل ولون وعين فإن قولك رجل ليس هو بأن يوقع على العضو أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد وقولك عير ليس بأن يوقع على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم وقولك عين ليس بأن يوقع على يمين عين النظر أولى من أن يوقع على عين الماء وقولك لون ليس بأن يوقع على الحمرة أولى من أن يوقع على البياض فكذلك قول القائل افعل لما وجد يراد به الندب ووجد يراد به إيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل قال علي هذا شغب فاسد وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق إن لكل مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها التفاهم وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبدا ولبطل خطاب الله تعالى لنا وقد قال الله تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح البيان أبدا لأن تخليط المعاني هو الإشكال نفسه فإذن الأصل ما ذكرناه بضرورة العقل وبنص القرآن ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع على معان شتى ووجدناها أيضا أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط وعلمنا أن المراد باللغة إنما هو الإفهام لا الإشكال لزمنا أن نلزم الأصل الذي هو اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره حتى يصح عندنا أن هذا الاسم مرتب بخلاف هذه الرتبة وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره قال علي والذي شبهوا به الأوامر من الأسماء المشتركة التي ذكروا مثل لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما

стр. 299

عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول لا تأكلوا عيرا فيجتنب كل ما يقع عليه اسم عير وإن اختلفت أنواعه وكذلك قوله تعالى ﴿وهو لذي أنزل من لسمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن لنخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ولزيتون ولرمان مشتبها وغير متشابه نظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ وكان ذلك واقعا على كل ثمر وإن اختلفت أنواعه وكذلك قول القائل الهواء لا لون له فقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة فالفائدة بالخطاب بهذه الأسماء قائمة والتفاهم ممكن وحملها على ما يقتضيه جائز حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه وهذا غير ممكن في الأوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالأسماء التي ذكرنا لأنه إذا قيل لنا افعلوا وكان هذا اللفظ ممكنا أن يراد به الإيجاب وممكنا به الندب أو الإباحة فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشيء ملزما ولا بد ومباحا تركه في وقت واحد لإنسان واحد هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه فيبطل تشبيههم وصح أن الأمر لو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبدا ولو كان ذلك لبطل الأمر كله ضرورة وإذ قد صح ورود الأمر من الله وصح التخاطب بالأوامر في اللغة بين الناس علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له وبالمحالات التي لا نقدر عليها وصح أن الأمر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور وبالله تعالى التوفيق قال علي وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظا نقلت على معهودها وعن موضوعها في اللسان وعلقت على أشياء أخر فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها كيف شاء أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب أو فعل ذلك مصطلحان فيما بينها كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها

стр. 300

في اللغة عن الدعاء إلى استقبال الكعبة ووقوف وركوع وسجود وجلوس بصفات محدودة لا تتعدى وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الأكل والشرب والوطء في أيام معلومة وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا إذا قام دليل على أن لفظا ما قد نقل عن موضوعه من اللغة ورتب في مكان آخر أن يعتقد ذلك وإما ما لم يقم دليل على نقله فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة وقد قال بعض المفسدين للحقائق المتكلمين بما لا يعقل ليس هذا نقلا إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه قال علي وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة بل كل حال أحيلت فقد تنقل حكمها عما كان عليه والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضا على معنى آخر فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين وأيضا فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى ما فأوقعت أيضا على غير ذلك قال علي ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم أنكم قد وجدتم آيات كثيرة وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها أن تتوقفوا في كل آية وفي كل حديث لاحتمال كل شيء منها في نفسه أن يكون منسوخا كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم وخرجتم عن الإسلام وإن أبيتم التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى

стр. 301

يصح أنها إما إيجاب أو ندب قال علي وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب فرق البتة بل هو ذلك بعينه لسنا نقول إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد وبيان ذلك أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل أو يجوز أن يستعمل والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعا مستويا وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله والمنسوخ ليس مباحا استعماله في بعض الأحوال فقط فبطل تمويههم وبالله تعالى التوفيق بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة يجوز أن يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم ومن جميع أهل اللغة وقد سمعناه تعالى يقول ﴿وقل لحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كلمهل يشوي لوجوه بئس لشراب وسآءت مرتفقا﴾ سمعناه تعالى يقول ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾ وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر فيلزم على دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير لأنه يقال لهم كما قالوا لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير قال علي وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين فلو وجب من أجل ذلك أن

стр. 302

يبطل حمل الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا وكفى فسادا بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق وبالله تعالى التوفيق قال علي فإن قالوا إنا لم نوافقكم على أن لفظ الأمر موضوعه في اللغة الوجوب فيلزمنا ما ألزمتمونا وإنما قلنا إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب ولا الندب دون الوجوب قال علي فنقول وبالله تعالى التوفيق قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معا وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود وأن وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الأمر موضوع في أصل اللغة إما للوجوب فقط ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الأمر ثم نقل إلى الوجوب بدليل فهذا هو الذي يتشكل في العقل وأما احتمال وقوع لفظ الأمر على الندب والوجوب معا في وقت واحد فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود الأمر لا حقيقة له أصلا ولا له معنى البتة وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته وقد صح والحمد لله ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة إما أن تقولوا لفظ الأمر موضوع للوجوب في اللغة حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب وهذا قولنا وإما أن تقولوا لفظ الأمر موضوع لغير الوجوب في اللغة حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب فإن قلتم ذلك سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال وذلك أن قول

стр. 303

القائل الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب دخول في عظيمتين إحداهما خرق الإجماع فما قال بهذا أحد قط وإنما شغب من شغب بالموقف وبما قدمنا إبطاله من احتمال الأمرين والثانية إبطال فائدة العقل لأنه يصير حينئذ قائلا إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل لا تفعل إن شئت وهذا خلاف فهم جميع أهل اللغات لأن الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشيء غير الأمر به وكفى مع أن الإجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل وبرهان ضروري وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الإيجاب إلا بدليل يخرجها إلى الإيجاب وكانت أيضا لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم إلا بدليل يخرجها إلى التحريم وكان كلتا اللفظتين تعطي افعل إن شئت أو لا تفعل إن شئت فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل قال علي قالوا وبأي شيء يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا وإن كان بدليله فإذا لم يدل هو فدليله أحرى أن لا يدل قال علي وهذا شغب فاسد ضعيف جدا تعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا بماذا ثبت عندكم أن الأشياء حق أبأنفسها ففيها اختلفنا أم بغيرها فلا شيء في العالم يوجد من غير الأشياء الموجودة وليس غير الأشياء إلا لا شيء فإذا لم يدل الشيء على حقيقة نفسه فلا شيء أحرى ألا يدل وتعلق أيضا بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا بأي شيء علمتم صحة ما يدل عليه العقل أبالعقل أم بغير العقل ونحو هذا من الهذيان كثير وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل

стр. 304

ونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه فهو لازم لهم لا لنا إذ لم نصححه ونقول لهم بأي شيء يدل الأمر على أنه على الوقف أبنفسه أم بدليله فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا وإن كان بدليله فإذا لم يدل هو فدليله أحرى ألا يدل فمن أحمق استدلالا ممن دليله عائد عليه وهادم لقوله وإنما هم قوم لا يحققون شيئا إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء وما يخدعون إلا أنفسهم والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق أنا قد أخبرنا فيما خلا وفي سائر كتبنا بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق وأنها موجودة على حسب ما هي عليه وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة التي اضطرنا إليها وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن وهي عنصر لكل معرفة وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه فعلمنا أن الحجر صليب وأن الماء سيال في طبعه وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله وأن قول القائل فلان أحمق ذم وأن قوله فلان عاقل مدح وأن الأمر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر فلما استقر في النفس أن إرادة الأمر أن يفعل المأمور ما يأمره به معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى وبالله نتأيد وإياه نستعين هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال إن من

стр. 305

الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا لعلم ماذا قال آنفا أولئك لذين طبع لله على قلوبهم وتبعوا أهوآءهم﴾ قال فلو كانت الأوامر على الوجوب والألفاظ على العموم لما كان لسؤالهم عما قاله ﵇ معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا قال علي لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم لأن الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار لم يرض فعلهم ولا سؤالهم وإنما حكى الله ذلك عنهم منكرا عليهم وقد قال تعالى ﴿فأنجيناه وأصحاب لسفينة وجعلناهآ آية للعالمين﴾ فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة إلا قول إسماعيل بن إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي ﷺ صناديد قريش من غنائم هوازن إثر يوم حنين من نصيبه من خمس الخمس كما قال الشافعي ما قالت الأنصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال قال علي فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله ﷺ ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله ﷺ حجة على المؤمنين القائلين إن رسول الله ﷺ إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه لا مما جعله الله لأقوام مسلمين معروفين اللهم

стр. 306

إنا نبرأ إليك من هذا الكلام ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله ﷺ وبقول المنافقين ماذا قال آنفا ونحن نقول قول إنصاف إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله ﷺ وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم وتبرأنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالذين قالوا ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم لمفلحون﴾ فلله ما اختار وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم إذ قال يعقب حكاية قوله ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا لعلم ماذا قال آنفا أولئك لذين طبع لله على قلوبهم وتبعوا أهوآءهم﴾ ﴾ محمد ١٦ ونحن راجون أن يعطينا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم لمفلحون﴾ إذ يقول الله تعالى ﴿إنما كان قول لمؤمنين إذا دعوا إلى لله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم لمفلحون﴾ ونعم فليعلم الجاهل المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ أن قول الذين قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا لا معنى لسؤالهم هذا ولا يعقل سؤالهم لأنه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون وشغب بعضهم بقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ قالوا وهذا إباحة بلا شك فقلنا يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الإباحة ببرهان أما التصيد فإن النبي ﷺ حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منى ولم يصطد فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر وأما ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ فإن عبد الله بن ربيع قال حدثنا عمر بن عبد الملك حدثنا ابن الأعرابي ثنا علي بن عبد العزيز ثنا القعنبي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 307

قال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه قال أبو محمد فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة فمن جاءنا في شيء من الأوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب وعن التحريم إلى الكراهية صرنا إليه وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها فمعاذ الله من ذلك واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فأمر النبي ﵇ علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله ﷺ فأخبره وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال له بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه ﵇ عليا إلى خيبر وكلاهما لا يصح أصلا بل هما زيادتا كذب لم يرو قط من طريق فيها خير ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس إذ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأن يزيد في الحدود والزكاة أو ينقص منها وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع وكذلك ما روي أنه ﵇ أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما يا رسول الله ﷺ وجدته ساجدا وقال الآخر وجدته راكعا فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير

стр. 308

وأما أمره ﵇ بقتل ذلك الإنسان فيخرج على أحد وجهين إما أنه شهد عند النبي ﵇ بذلك قوم عدول في الظاهر منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي ﷺ ففضح الله كذبهم وأما أنه تعالى أوحى إليه بالأمر بقتله وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الأمر بإظهار براءته وكذب الناقل وكلا الأمرين وجه صحيح وبالله تعالى التوفيق قال علي فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج منها بدليل ونقول قبل ذلك إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله والتمع نور الله تعالى بصر قلبه وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة وطمعا في إطفاء ما لا ينطفىء من ضياء الحق وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة ثم تناقضوا فأوجبوا أحكاما كثيرة فرضا بنفس الأمر مما قد خالفهم فيها غيرهم وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى قال أبو محمد فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى افعل ولا يفهم منها أحد لا تفعل ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل أو مما يعبر به عن معنى لا تفعل ولا يفهم منها أحد افعل ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى ﴿قتل الخراصون﴾

стр. 309

قال علي ويقال لهم بأي شيء تعرفون أن في الأوامر شيئا على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب فأجابوا عن ذلك بجوابين أحدهما إن قال بعضهم نعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد وقال بعضهم لسنا نجدد دلائل الوجوب وهي أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الإيجاب ولسنا نقدر على العبارة عنها قال علي أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم وإذا كان شيء لا يقدر على بيانه فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان وليس له حياء ولا ورع أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال إني لا أقدر على بيانه ولكنه شيء معلوم إذا وجد عرف قال علي ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان ولكنا نقول لمن هذا صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل لأن كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال وإلا فهو مدع للباطل قال أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن به وعيد اعلم أن الوعيد من الله قد اقترن بجميع أوامر نبيه ﷺ في قوله تعالى ﴿لا تجعلوا دعآء لرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم لله لذين يتسللون منكم لواذا فليحذر لذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد بكل من خالف أمره ﵇ قال علي واعترض بعضهم في ذلك بأن قال لما صح في أن أوامره ﵇ ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم وهو أمر كان معناه الندب علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا وإن كان ذلك فقد

стр. 310

بطل أن يكون حجة في حمل الأمر على الوجوب قال علي فيقال له وبالله تعالى التوفيق إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه بخروجه إلى معنى الندب إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب على استحقاق العذاب على تركه إلا أن الوعيد قد حصل مقرونا بالأوامر كلها إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي ﷺ بأنه لا وعيد عليه لأنه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا أبو إسحاق البلخي عن الفربري عن البخاري ثنا محمد بن سنان ثنا فليح ثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى قال علي يسأل من قال إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ما معنى المعصية فلا بد له من أن يقول هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر فإذا لا بد من ذلك فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله ﷺ فقد عصى الله ورسوله ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا واستحق النار وألا يدخل الجنة بنص كلام الله وكلام نبيه ﷺ قال الله تعالى ﴿إلا بلاغا من لله ورسالاته ومن يعص لله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا﴾ قال علي ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله ﷺ افعل أمرا كذا فيقول المأمور لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به أو يقول الله تعالى أو رسوله ﷺ لا تفعل أمرا كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله ومباح

стр. 311

لي أن أفعل ما نهيتماني عنه قال علي ما يعرف أحد من العصيان غير هذا والحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين لأن المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ثم يقولون لنا لا نطيع وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما نعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلي عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال قال رسول الله ﷺ أعطيت القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله ﷺ قال إن القرآن ذلول ذو وجوه فاتقوا ذله وكثرة وجوهه وبه إلى ابن وهب أنبأ مسلمة بن علي عن هشام عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال فذكر حديثا وذكر فيه القرآن وفيه وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع قال علي هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا ولو صحت لما كان لهم في شيء منها حجة بوجه من الوجوه لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ولا بقول قائل لكن

стр. 312

ببيان النبي ﷺ الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم فإن أوجدونا بيانا عن النبي ﷺ بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي ﷺ فليس أحد أولى بالتأويل في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضا ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي ﷺ لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم فبطل ما ظنوه وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال ثنا محمد بن معاوية المرواني عن أحمد بن شعيب النسائي ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ثنا أبو هشام واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب ثنا يزيد بن هارون قال علي واللفظ لفظ المغيرة قال المغيرة ويزيد ثنا الربيع بن مسلم ثنا محمد بن زياد عن أبي هريرة قال خطب رسول الله ﷺ الناس فقال إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال أفي كل عام فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس عن

стр. 313

النبي ﷺ وقد روي أمر النبي ﷺ بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي ﷺ أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وأبو صالح والأعرج وهمام بن منبه ومحمد بن زياد كلهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ رواه عن همام معمر ورواه عن الأعرج أبو الزناد ورواه عن أبي صالح الأعمش ورواه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة الزهري ورواه عن محمد بن زياد عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة والربيع بن مسلم ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر قال علي فبين ﵇ في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب حتى لو لم يقدر عليه وهذا معنى قوله تعالى ﴿في لدنيا ولآخرة ويسألونك عن ليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ولله يعلم لمفسد من لمصلح ولو شآء لله لأعنتكم إن لله عزيز حكيم﴾ ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا فأمر على لسان نبيه ﷺ كما تسمع أن ما أمر به ﵇ فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط وأن ما نهى ﵇ عنه فواجب اجتنابه ثنا عبد الله بن يوسف بالسند المذكور إلى مسلم قال ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا أبو علي الحنفي ثنا مالك بن أنس عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن وائله أخبره أن معاذ بن جبل أخبره وقال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك فقال رسول الله ﷺ إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان العين مثل الشراك تبض بشيء من ماء قال فسألهما رسول الله صلى الله عليه

стр. 314

وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته ﷺ قال علي فهذان استحقا السب من النبي ﷺ لخلافهما نهيه في مس الماء ولم يكن هناك وعيد متقدم فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله ﷺ وبه إلى مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة ثنا عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله ﷺ إنما أخبرني الله تعالى فقال ﴿ستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لله لهم ذلك بأنهم كفروا بلله ورسوله ولله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وسأزيد على السبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بلله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ قال علي ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره فحمل رسول الله ﷺ اللفظ الوارد بأو على التخيير فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير والندب ورسوله ﷺ أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى فإن قال قائل فما كان مراد الله بالتخيير الذي حمل رسول الله صلى الله

стр. 315

عليه وسلم على التخيير وبذكره تعالى السبعين مرة أتقولون إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة فالجواب أننا وبالله تعالى التوفيق لا نقول ذلك ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ولا نقول إن عمر ولا أحدا من ولد آدم ﵇ فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه عنه نبي الله ﷺ وهذا القول عندنا كفر مجرد وبرهان ذلك أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي لما أقره عليها ولأنزل الوحي عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم فصح أن قول عمر كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه وأصاب رسول الله ﷺ وأجر عمر في ذلك أجرا واحدا لكنا نقول إنه خير نبيه ﷺ في ذلك على الحقيقة فكان مباحا له ﷺ أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين إلا أن رسول الله ﷺ طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر لهم ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة وهذا هو نفس قولنا بعينه فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه حينئذ نبيهصلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت أن ما زاد على السبعين غير مقبول فدعا راج لم ييأس من المغفرة ولا أيقن بها وهذا بين في لفظ الحديث وبالله تعالى التوفيق وقد سألت بريرة النبي ﷺ إذ قال لها لو راجعتيه

стр. 316

يعني النبي ﷺ زوجها مغيثا فقالت أتأمرني يا رسول الله فقال لا إنما أشفع ففرق ﷺ كما ترى بين أمره وشفاعته فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه ﵇ وأن أمره بخلاف ذلك وليس فيه إلا الإيجاب فقط وقال الله ﴿يأيها لرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ولله يعصمك من لناس إن لله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ قال علي في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك في أن من لم يفعل ما أمر به فقد عصى لأنه تعالى بين أن نبيه ﷺ إن لم يبلغ كما أمر فلم يفعل ما أمر به ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم إلا أن خلاف الأمر معصية لا موافقة وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى يأمرهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال تعالى ﴿فصح أنه لم يرد تعالى منا الإقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه وقال تعالى ﴿﴾ قال علي وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال لأن الندب تخيير وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ﷺ فلا اختيار فيه لأحد وإذا بطل الاختيار فقد لزم الوجوب ضرورة لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم

стр. 317

نفعل فأبطل الله الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه ﷺ وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك فقال تعالى ﴿﴾ قال علي وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة وببديهة العقل إما الوجوب وهو قولنا وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله هذا الوجه في قوله تعالى ﴿﴾ وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا فارتفع الإشكال جملة وبطل كل شغب يأتون به وقال تعالى ﴿﴾ فنص تعالى على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة وهذا هو الحكم بالظاهر وحظر الانتقال إلى التأويل وقال تعالى ﴿﴾ وقال تعالى ﴿﴾ فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص كلام رسول الله ﷺ فإن قالوا فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب فقد نقضتم هذا الحكم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق ما فعلنا ما تقولون من النقض لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى حملناه أيضا على وجوبه فإذا نص ربنا في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا فقد أوجب علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة فلم نخرج عن أصلنا ولم يكن لنا خيرة في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط كما أنه تعالى أو نبيه ﷺ إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه فلا خيرة لنا في صرفه عن أمره الذي اقتصر عليه فكل أمر مفرد فواجب علينا حمله على

стр. 318

انفراده وكل أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ على ظواهرها ولا خيرة لنا في شيء من ذلك والإجماع إذا صح على حمل آية أو خبر على التخيير فقد أيقنا أن أصل الإجماع توقيف من رسول الله ﷺ فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى قال علي أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة الصدقات يقول ﴿﴾ فيقول ليس ذلك فريضة وجائز للإمام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر أو إلى بعض هذه الأصناف ثم يأتي إلى قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير صاعا من تمر أو صاعا من شعير فيقول ليس صدقة الفطر فريضة ولا الشعير ولا التمر فيها أيضا فرضا ولا مستحبا بل البر الذي لم يذكره النبي ﷺ أفضل ثم يأتي إلى قول رسول الله ﷺ من صلى ههنا معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال لا تخيير في ذلك والفرض الوقوف ليلا ولا بد وإلا بطل الحج ويقول في قول الله تعالى ﴿﴾ إنه يفهم منه أن خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام موجب أن يكون الصوم في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به أيكون في عكس الحقائق ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا وقال تعالى ﴿﴾

стр. 319

قال علي فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى ﴿﴾ مقرونا بمخالفة الطاعة فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه وقال تعالى ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فصح بالنص كما ترى أن كل ما أمر به رسول الله ﷺ فهو معروف وكل ما نهى عنه فهو منكر عن المعروف فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله ﷺ فهو منافق وكل من قال في قوله تعالى افعل فقال هو لا تفعل إن شئت فقد أباح تركه والنهي عنه نصا وقال تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقال تعالى ﴿وليحكم أهل لإنجيل بمآ أنزل لله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لفاسقون﴾ قال علي ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن وبنص تسمية الله له فقد نصصنا كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا وبطل بذلك قول من قال على الندب أو الوقف قال علي وقد فرق قوم بين أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ وهذا بين الفساد فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله ﴿من يطع لرسول فقد أطاع لله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا﴾ وإن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم الجمعة فرضا فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا نفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند لله خير من للهو ومن لتجارة ولله خير لرازقين﴾ قال علي وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا

стр. 320

ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها فلا حج لمن لم يصل ولا صلاة لمن أفطر في رمضان ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى فينفسخ نكاحه مع امرأته لأن الله تعالى عطف النكاح على أمر اليتامى فقال تعالى ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ لأنها كلها معطوف بعضها على بعض ثم قالوا في قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ ليست العمرة فرضا وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الإتمام ولم يعطف الاعتكاف في الصيام ولا الصيام على الاعتكاف وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام عطف جملة على جملة لا عطف اشتراك ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ فقالوا ليس هذا فرضا وللإمام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر ولا ندب وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى فريضة وقال فيه ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ففرق بيننا وبين لقوم لفاسقين﴾ وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن
следующие страницы →